بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 18 يونيو 2025

قصة قصيرة جدا

 قصة قصيرة جدًا بعنوان (الحب ما كان بالأمس)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



نعم، أحبكِ أنتِ... كانت كلماتُها باردة، مع أنني لم أُخبرها بعد بأنني أحبّها.

عندها خيّم الصمت على كل ثنايا القلب، واختنقت العبرات في زحمة الحروف، عندما سألتني: "من تُحب؟"

فكان هناك الهروب الكبير... وليس في هذا هزيمة، ولكن، ولكنه حبٌّ ممزوج بشيءٍ من الخوف.

وهكذا انتهت الحكاية...

مقال

 لا راح يصير براسنا خير

تحت عنوان

أساسيات بناء الرأي للشارع العام السياسي ... العراق نموذجًا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



صدق علي الوردي عندما لخّص دراسته عن المجتمع العراقي بقوله: "إن المجتمع العراقي يعاني من ازدواجية في الشخصية، نتيجة الصراع بين القيم البدوية والقيم المدنية الحديثة."

وهذا وصفٌ مختصر لما نراه أو نسمعه أو نقرأه من الآراء التي تشغل الشارع العراقي العام. وأضيف إلى رأيه أن المجتمع العراقي بات مجتمعًا جاهلًا لا يملك شيئًا يُذكر من الوعي الفكري في القضايا التي يتحدّث بها.

فاليوم، الكل منشغل بما فعلته إسرائيل وردّ الفعل الإيراني، ولو كان هناك وعيٌ للمواطن في هذا البلد لأدرك أن ما يجري اليوم هو صراع لصوصٍ على الغنيمة ... فإذا ما انتصرت إيران، فلن يكون العراق بعدها شبيهًا — من الناحية الحيوية — بالدول المتقدمة، ودليلي في هذا أننا معهم منذ عشرين عامًا، ولم نجْنِ سوى الحروب الداخلية، والإرهاب، والفساد. وإذا ما انتصرت إسرائيل، فسوف تكون هناك ممارسات إذلالية لكل من يسكن المنطقة.

 

تباين الآراء... عندما تكون على مواقع التواصل وتتابع ما يُنشر، يُصيبك شعور بالقرف بين مؤيد ومعارض لتلك الحرب. والغريب أن أكثر من تسعين بالمئة من تلك الآراء قد بُنيت على العاطفة، وإذا ما غاب العقل عن العاطفة، سقطت عن الرأي المصداقية. وما يثير غضبك أن المواطن العراقي يعتبر ما يجري قضية مصيرية ومسألة بقاء، والحقيقة أنها ليست معركته.

فمعركته الحقيقية تكمن في (سعر صرف الدولار، الذي له انعكاس مباشر على حياة المواطن البسيط، وسعر الأمبير، وجشع أصحاب المولدات، والموقف الحكومي المتواطئ معهم بسبب تقصيره الفاضح في توفير خدمة توليد الكهرباء، وقضية الفساد، الذي إذا ما استمر على هذا الحال، فلن يترك لا أخضر ولا يابسًا إلا وسرقه).

ومع هذا، ترى أن الكثير من الأغبياء اليوم منشغلون بقضية ليست قضيتهم. وللتذكير، عندما دخلنا تلك الحرب ذاتها في التسعينيات، لم نرَ من الجارة إيران موقفًا يُفهم منه أن القتال ضد اليهود مسألة عقائدية لا تخضع للتوجهات السياسية، وتركنا وحدنا في ساحة المعركة.

 

سلاحكم في هذه المرحلة أضعف الإيمان... انتشر في الآونة الأخيرة رأي يقول إننا يجب أن نقف مع من نناصره بالشجب أو الدعاء أو الاستنكار — وكلها مصطلحات تدخل في دائرة "أضعف الإيمان". وهنا يجب أن تفهم قاعدة: إن الدعاء وحده لا يكفي للنصر، ولو كان الدعاء كافيًا لدحر العدو، لما هُزم المسلمون يوم أُحد، وبينهم رسولنا الكريم محمد ﷺ. وفي هذا دليل على مدى السذاجة الفكرية التي أنتم عليها.

 

غياب حجة الإقناع وعدم قبول الرأي الآخر... حتى لو كان يحمل الحقيقة، ترى الكثير على مواقع التواصل، عندما يشعر بصغره أمام عظمة الرأي المطروح، يشرع باستخدام أسلوب السبّ والشتم وإطلاق التهم للطرف الآخر. وهؤلاء أصيبوا بعمى البصيرة — وما أكثرهم في المجتمع العراقي اليوم. فعليك أولًا، قبل الدخول في أي جدال، أن تتسلّح بالأدلة والقرائن الدامغة، ولا تكن ببغاءً يردّد ما لا يفهمه.

فإيران اليوم ليست العراق، ولا العراق سيكون إيران يومًا ما. وما لا يعلمه أغلب العراقيين أن الجمهورية الإيرانية هي دولة قومية حتى النخاع، بغطاء طائفي. وما وقع فيه الكثير من العراقيين هو معضلة تعدد الانتماءات، وهذا لا يشمل فئة دون أخرى. فالكل متّفق على أن الوطن سيكون في المرتبة الأخيرة عند الحديث عن الانتماء. مع العلم أن من مواصفات المواطنة الصالحة أن يكون الوطن أولًا، وهذا ما لا يتوفر عند جميع الفئات العراقية.

وتظهر تلك البوادر عند أول خلاف .. فتجد الشيعة يساندون الجمهورية الإيرانية فقط لأنهم يعتبرونها داعمًا لهم في الحكم، أما السنة، فموقفهم من الحرب نكاية بالشيعة، أما الكرد، فهم خارج حدود الوطن أصلًا في كل ما يتعلق بالبلد، والجميع متفقون على أن الوطن شيءٌ ثانوي.

 

الخلاصة... يُذكّرني تباين الآراء في العراق، والأسس التي تم بناؤها عليها، بمقولة الممثل الثانوي في مسلسل المداح، الذي يردد دومًا: "الله الوكيل، إحنا عايشين مع بهايم." ومن هنا تدرك رأيي فيما أقرأه أو أسمعه كل يوم من طروحات لشخصيات أقل ما يُقال عنها إنها غبيّة. فالشعوب التي لا تملك الانتماء للوطن هي شعوب لا تستحق أن تعيش عليه. ومثلهم — وللأسف — كما يُقال: "مثلهم كمثل ذلك الرجل الذي يأكل في صحن، ويعود ليتغوّط في ذات الصحن." قبحهم الله.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

مقال

الحروب غير المتكافئة

تحت عنوان

الحرب الإسرائيلية - الإيرانية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قيل في عالمنا اليوم المثل الشعبي: (عفيه على الذي يعبي بالسفينة ركي)، في إشارة إلى أننا نعيش في عالمٍ أهم ميزاته الاقتصاد، وهو أساس الدول الحديثة. أما عن مبدأ (العنتريات) فقد انتهى زمنه منذ صناعة أول رصاصة في التاريخ، وهذا ما لا يريد إدراكه العقل العربي والإسلامي.

فقد كثر الحديث في هذه الأيام، واشتد الخلاف في مسألة: من الذي له اليد الطولى في المعركة القائمة في الشرق الأوسط؟ وإذا ما أردنا أن ندخلها في حسابات العقل، فسيكون النظام الإيراني هو الخاسر، حتى ولو أُجبر الكيان على فكرة وقف الحرب، وذلك بسبب الآثار الاقتصادية التي ستتركها عند انتهاء الحرب.

 

الصراع القديم وعقلية الإمبراطورية... فارس وتلك الإمبراطورية التي أطاح بها المسلمون في بدايات الفتح، ولكن ما لم يستطع الإسلام فعله، هو أنه قد فشل في صهر القضايا القومية للشعوب والبلدان التي فتحها. وإذا ما قرأت التاريخ بتمعّنٍ قليل، ستُدرك أن تلك الفئة لم تستطع التأقلم مع الواقع الجديد، رغم مضي أكثر من ألف وأربعمئة عام على فتح بلاد فارس. ودليلي في هذا أن جميع الخلافات التي أخرجت الإسلام من كونه دينًا للجميع كانت بذرتها من هناك، من الشرق، ولهذا ظل ذلك الحلم يوقظ مضاجع الفرس إلى يومنا هذا.

 

سذاجة العقلية الإسرائيلية وحلم الدولة... لم أجد في المصادر التاريخية وأحداثها على مر الزمان من هم أكثر سذاجة من أولئك الذين جاثمون اليوم على الأراضي العربية بحجة تأسيس دولة. ولو كنت أنا كاتب المقال في موقفهم اليوم، لما رضيتُ أو قبلت أن أكون في مكانٍ يكون فيه العدو أمامي والبحر من ورائي. وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلًا، سنجد أن الفكرة ودعمها من العالم الغربي جاء بسبب وحيد، وهو عدم إعادة الشخصية اليهودية إلى القارة العجوز أوروبا. ولمن لا يعرف، فإن فكرة إقامة وطن لليهود تعود إلى نابليون قائد الحملات الفرنسية، وذلك بسبب التنظيرات الداعية إلى العدائية ضد الشخصية اليهودية، التي وُصفت دومًا بالاحتقار من معظم أصحاب الأقلام في أوروبا آنذاك. أما في يومنا هذا، فسيفعل ذاتهم المستحيل للحيلولة دون العودة. وأما الحرب في المنطقة، فمن باب: "اضرب العدو بالعدو"، فالإسلام واليهودية هما أعداء قدامى للفكر الغربي، والدعم سيكون بما لا يتصوره أحد لضمان ديمومة هذه الحرب.

 

حرب تكسير العظام... نعم، هي كذلك، بل أكثر، في خضم فكرة الصراع للهيمنة على المنطقة. ولا يهم إن اختفت بلدان كاملة عن الخريطة، أو زاد عدد الضحايا في هذه الحرب، فقد وصلت إلى نقطة اللاعودة. ولن يكون هناك رابح بالمعنى الحقيقي، فالذين سيجنون ثمار هذه الحرب هم الذين يدفعون السذّج اليهود إلى هذه المعركة. أما عن المغفلين، وهم أعوان النظام الإيراني الذين ما زالوا يعيشون على مبدأ العنتريات، فسيكونون بمثابة القربان الذي سيُقدَّم للحصول على النتائج في هذه الحرب.

 

عدم التكافؤ في المعركة... هي قضية عضّ الأصابع، ومن سيصرخ أولًا، فبذلك يكون إعلان الهزيمة وفرض شروط المنتصر، التي ستكون – من البديهيات – مهينة إلى حدٍّ كبير. وذلك لأن هناك ما يُعرف بعدم التكافؤ في المعركة. وقد يرى الكثيرون أن عملية التكافؤ تُقاس بالقدرة العسكرية، وهذا غير صحيح، بل هناك معايير وقياسات مختلفة لهذا الغرض، ومنها اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول، والعامل الاقتصادي، وهذا ما لا يتوفّر لدى النظام الإيراني، الذي يظن أن روسيا ستكون حليفًا يملك بوادر حسم المعركة. ولو كان النظام قد أعاد قراءة التاريخ، لوجد أن الروس هم أكثر حليف لا يُحسن الوثوق به من خلال الحوادث التاريخية. ولهذا، سنرى أن الحلقة الأضعف في المعركة هو النظام الإيراني.

 

الخلاصة... إن لكل معركة في التاريخ واقعها الذي يتكوّن من خلال معطيات القوة والضعف. وأنا أرى أن من الغباء دخول صراع محسوم قبل بداية المعركة. فإن كنت أمتلك مقومات الصناعة والزراعة، فمن الضروري عدم إقحام نفسي في صراعات قد تُبدِّد كل ما قمت ببنائه. وهذا سينعكس فيما يحصل في الصراعات والحروب على المواطن البسيط، وأعتبره هنا الخاسر الوحيد في هذه المعركة، فستخرج إيران من الحدث منهكة اقتصاديًا، مدمَّرة فيها البنية التحتية. والسؤال الأهم في الموضوع برمته: "أيُّ انتصار هذا بعد كل ما ذكرت؟"

 


الأحد، 15 يونيو 2025

مقال

 العراق من الانتخابات إلى المحاكم الشعبية

تحت عنوان

قراءة لمستقبل العراق في الأيام القادمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هل سيُستبدل انتظار العراقيين للانتخابات بمحاكم شعبية؟

هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه. لست كـ(راسبوتين) أو (ليلى عبد اللطيف) في مجال التنبؤات، ولكن القضية تكمن في المعطيات المتوفرة على أرض الواقع والنتائج الحتمية.

ومن هنا دعنا نبدأ في استعراض أهم المعطيات التي قد تساعدنا في الإجابة عن سؤالنا في بداية المقال، وأبرزها نقطتان في غاية الأهمية تساهمان في بناء دولة قوية:

الأولى (الدولة والعلاقات الدولية)، والثانية (بناء الثقة ما بين الدولة والقاعدة الشعبية).

وهذا ما فشلت في تحقيقه الطبقة السياسية منذ عشرين عامًا، بسبب استبدالها لتلك النقاط بمبدأ "أن الدولة عبارة عن مشروع نفعي شخصي"، وهو ما ولّد احتقانًا شعبيًا ضد النظام الحاكم.

 

المعطيات... (العراق وأفغانستان تعتبران من الذين فشلوا في بناء دولة)، هذه كلمات رئيس الولايات المتحدة (ترامب)، وتُعدّ هذه الكلمات آخر مسمار في نعش النظام السياسي في العراق.

بعدها جاء مشروع الكونغرس الأمريكي "خطة تحرير العراق من النفوذ الإيراني"، واليوم، ونحن نعيش الحرب الإسرائيلية – الإيرانية، وبعد سقوط النظام الأسدي في سوريا، الذي كان يُعدّ حليفًا للنظام الحاكم في العراق، وسوء العلاقات مع جميع دول المنطقة، يساهم ذلك في إضعاف الشرعية هنا.

وهذا ما أوقع رجال السياسة في المصيدة؛ فبعد انتهاء الحرب – ومن المتوقع ألّا تستمر طويلًا – سيكون هناك شرط أساسي للتفاوض مع رجال السياسة في إيران، وهو عدم التعاطي مع أذرعها في العراق. وهذا شرط أساسي كان ولا يزال قائمًا قبل بدء الحرب أصلًا.

 

العراق وما وصل إليه... من السخرية أن نرى أو نسمع أن السلطات الإيرانية تطلب من الدولة العراقية أن تضع حدًا للانتهاكات الإسرائيلية لأجواء البلد!

لكن السؤال الأهم من جعل العراق يدخل في مقولة "إن حضر لا يُعد، وإن غاب لا يُفتقد"؟

والإجابة هنا: هو النظام الإيراني، من خلال ممارسات الاستحواذ على مقدرات البلد؛ فهم من ربطوا كل شيء بهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، وخلقوا نوعًا من الضبابية في الرؤية السياسية العراقية في حق الاختيار.

وهذا ما أفقد القوى الدولية والنظام توازنهما داخل البلد.

 

ما بعد الحرب... سيُترك رجال إيران في العراق بشكل رسمي، وهذا ما قد يعرضهم لأن يكونوا في مرمى الاستهداف، سواء من الولايات المتحدة أو غيرها.

ولن يكون التدخل هذه المرة بشكل مباشر، بل عبر استحداث قنوات يُعمل عليها منذ فترة، ومن ضمن أعمالها جمع الوثائق والمستندات للإدانة أمام المحاكم، التي ستأخذ الطابع الشعبي.

وعندها سيُعلن أن ما يجري هو شأن داخلي وتصفية حسابات، ولن يُترك مجال لأي شخصية للإفلات من العقوبة، عملًا بالمثل الشعبي: "الذي حضر العفريت قادر يصرّفه."

وعندها سيكون هناك غضب عارم في الشارع العام، لا يبقي ولا يذر، وهذا ما سيمنح الولايات المتحدة الشرعية في كتابة عرض مسرحي دموي في البلد.

 

الخارطة الجديدة... هناك أكثر من سيناريو للمنطقة، ومنها ما ذكرته قبل سنوات، وهو "عصر المقاطعات"، من باب تقسيم المقسَّم، وهذا يشمل العراق، إيران، سوريا، وتركيا بعد موت أردوغان. إنهاء عصر الدول ليس مشروعًا مستحدثًا، بل تعود أصوله إلى ثمانينيات القرن الماضي، وبداية عهد جديد أبرز ميزاته: الفوضى. ففي عام 1985، قرأتُ مقالًا باللغة الإنكليزية ورد فيه نص يعود لأقلام تنتمي لما يُعرف بالـ"إنجليون الجدد"، فحواه "لن يكون هناك خروج للمخلّص إلا بخلق فوضى في الشرق الأوسط." وها نحن نعيشها اليوم.

 

الخلاصة... إن نسبة إقامة الانتخابات في العراق لم تكن تتجاوز 50%، ولكن بعد ما نشهده من أحداث في المنطقة، أكاد أجزم أن إقامتها أصبحت معدومة.

فهناك مشروع رسمي في الولايات المتحدة يعمل على تطهير العراق من النفوذ الإيراني، وهذا ما لم يحسب له السياسي العراقي حسابًا طوال تلك الفترة، إذ كان منشغلًا بابتكار طرق لتقوية الولاءات التي تربطه بالجارة إيران، ظنًّا منه أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي توفر له الحماية من الغضب الشعبي. ولكن، ماذا سيكون مصير هؤلاء؟

سأجيب بالطريقة الشعبية "طشارهم مالُه والي." وعندها سنشهد ما لن يخطر على بال أحد، وستُستبدل الانتخابات في العراق بالمحاكم الشعبية.

الجمعة، 13 يونيو 2025

مقال

 من ترك يُترك

تحت عنوان

لماذا تركت إيران تقاتل وحدها اليوم؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يجب التنويه: (لعنةُ الله على كل من أعان كافرًا على مسلم، بغضّ النظر عن الطائفة، ولو كان كاتب المقال)... الحكاية تبدأ بما كان يُعرف بـ"طوفان الأقصى"، وفي حينها كتبتُ: "انتظروا ماذا سوف يحدث، فسوف يتغير وجه العالم" — وهذا ما لم يُدركه الكثير.

حُسن النوايا - إن وُجد -... اليوم قرأتُ الكثير من المنشورات التي تشير إلى أن المعركة الدائرة في المنطقة هي حرب عقائدية، وهذا غير صحيح؛ إنما هو صراع من أجل فرض السيطرة على المنطقة.

ودليلي على هذا أن النظام الحاكم في إيران كان يدّعي دومًا أن جميع حروبه "حروب عقائدية". وهم أصحاب فكرة "تصدير الثورة" منذ ثمانينيات القرن الماضي، إبّان الحرب العراقية الإيرانية. كانوا أيضًا يصفون القتال بأنه قتال عقائدي، متناسين حديث رسول الله محمد ﷺ الذي قرأتُه ومفاده: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار." فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه." صدق رسول الله ﷺ.

فأين هو "القتال الشرعي" من هذا الحديث؟

وليس هذا أصل الموضوع، ولكنه مثالٌ على بُطلان شرعية مصطلح "القتال الشرعي". ويجب - على الأقل - أن تتوفر حُسن النوايا لدى من يُردد الشعارات الرنّانة.

وإذا ما عدنا إلى ما قبل "طوفان الأقصى"، كان هناك ما يُعرف بـ"توحيد الجبهات" بين فِرَق متعددة ضد الكيان الصهيوني ولكن، عندما دخل أحد الأطراف في خضم المعركة، كان القرار كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام ... "فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون." صدق الله العظيم.

وهنا تستحضرني قصة لرجل جمع أبناءه عند وفاته، فطلب منهم حزمة من السهام، ثم أعطى كل واحد منهم سهمًا وطلب منه أن يكسره، فقام الجميع بكسر السهم الذي بيده وبعدها طلب منهم أن يكسروا الحزمة كاملة، فلم يستطع أحد كسرها.

وهذا هو المثال الذي أود الإشارة إليه: لقد تساقطت السهام المُسلِمة واحدة تلو الأخرى؛ فكانت البداية من غزة، ولم يتحرك النظام الإيراني، ثم لقي حزب الله في لبنان المصير ذاته، وبعدها انتقلت الحرائق إلى الأراضي السورية.

وكل هذا كان بذريعة "حماية الأمن القومي الإيراني"، وهو السهم الأخير في تلك الحزمة — وأقصد به النظام الإيراني نفسه.

والغريب أنني أرى وأقرأ آراءً تُثير الاشمئزاز والقرف من المطبّلين، بأن "حرب إيران هي حرب الإسلام والعقيدة" لكن السؤال الأهم هل الذين قُتلوا في غزة، أو في الضاحية الجنوبية في لبنان، أو في سوريا، لم يكونوا مسلمين؟

أما كانوا "خِرافًا" أُعدّت كقرابين لربهم الأعظم الإيراني؟

ما يحدث اليوم لا علاقة له بالإسلام أو العقيدة، بل هو صراع طمعٍ لفرض الهيمنة على المنطقة.

وهو ينتمي إلى نوعية الحروب القذرة، حيث ينطبق على الطرفين مثل شعبي "ما أضرط من سعيد إلا مبارك." وهذا واضح من "إنجازات" كل طرف في المنطقة فالأول قومي، طامع في استحضار الإمبراطورية القديمة والثاني عدو قذر متعجرف.

أما الحديث عن "قدسية المعركة"، فلا قدسية لها على الإطلاق. ولو كان ما يرددونه صحيحًا، لما استطاعت إسرائيل قتل امرأة مسلمة واحدة منذ تأسيسها. لكن لا مصداقية لدى أي من الأطراف.

الخلاصة ... إيران في موقف لا تُحسد عليه، وقد ابتلعت الطُّعم. وذلك بسبب رؤيتها لكل من يُناصرها من خارج قوميتها أو انتمائها الوطني - بغضّ النظر عن الدين - بأنهم مجرد "أتباع" للإمبراطورية. وهذا ما ولّد الاستياء لدى الكثير عندما تركت إيران حلفاءها ليواجهوا ذاته المصير الذي تواجهه اليوم.

الأربعاء، 11 يونيو 2025

مقال

 الإسلاميون الكدش

تحت عنوان

أيديولوجيات الأحزاب الإسلامية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



(الكديش) كلمة تُطلق على الحمار في اللهجة العامية، وجمعها (كدش). ولا استثناء في هذا، سنةً كانوا أو شيعة، فجريمتهم أنهم جعلوا من الدين الإسلامي مادة للسخرية عند الآخرين.

والقصة قديمة، تبدأ من سنة وفاة رسولنا الكريم، فأيديولوجية الأحزاب الإسلامية اليوم هي ذات الأيديولوجية التي كان يحملها الرجال الذين تركوا جثمان الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومضوا في صراع من أجل السلطة.

وهذه هي الحقيقة التي لا يعترف بها أحد. واليوم، إذا ما نظرنا إلى العقلية التي تأسست عليها الأحزاب الإسلامية في العصر الحديث، نجد أن المصدر واحد لا غير، وهو من المصادر المشبوهة بالأصل.

 

الأنبياء الجدد... ما لم يستطع إدراكه هؤلاء أن عصر الوساطة بين الرب وعباده قد انتهى بانتهاء الرسل والأنبياء. ولكن اليوم، تلك الأحزاب تتخذ دور الوسيط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، في أخذ دور الإله الواحد على هذه الأرض، وراحوا يصنفون البشر بين صالح وطالح، هذا في الجنة وذاك في النار! وهذا شرك عظيم، إن كانوا يعقلون أصلًا.

 

بومة المقابر... الشخصية التي جسّدتها أغلب تلك الأحزاب؛ فأينما وضعت يدها حلَّ الخراب. ودليلي في هذا: عندما تولى الإسلاميون في مصر مقاليد السلطة، كانت سياستهم أقرب إلى سياسة "خليها على الله"، ونسوا قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" – صدق الله العظيم.

وبهذا أثبتوا لنا أنهم ينتمون إلى نوعية "إسلاميو القشور". أما عن امتلاكهم وعيًا يمكنهم من وضع أسس لبناء حياة المواطن، فهناك كلمة عند العامة تُقال في مثل هذه المواقف: "تُعذرني بكل قوتك!"

أما المثال الآخر، (غزة)، وتعميق جراحها من خلال التنكيل بأهلها، فكان سببه تلك الحماقات غير المحسوبة من قبل الذين يطلقون على أنفسهم "إسلاميين"، والإسلام منهم براء.

وإذا ما أردنا إعطاء أمثلة أخرى، فستكون الضاحية، وما أصابها عندما صبّ العدوان جلّ غضبه على البنية التحتية التي تخص المواطن ومتطلبات الحياة اليومية، وذلك لأن الإسلاميين اتخذوا من الأحياء السكنية ثكنات عسكرية. وكذلك اليمن التعيس، عندما كان للإسلاميين موضع قدم هناك، كان الخراب حاضرًا على قدم وساق. والسودان، والعراق، وإيران، كلها أمثلة حيّة نرى ونسمع عمّا يفعلون. ومن سيعطينا مثالًا حسنًا ويذكر لي تركيا، سأقول له إن سياسة أردوغان هناك هي أشبه بسياسة تيتو، فعندما توفّي تمزقت البلاد، وهذا ما سيحدث، ولكنها مسألة وقت لا أكثر.

 

الإسلاميون الكدش... وكذوبة "الإسلام السياسي"، هذا المصطلح الذي كان من إفرازات سذاجة الأيديولوجية التي اتخذت من الإسلام غطاءً لأطماعها الدنيئة على مرّ العصور. فعندما كان الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، لم يكن قائدًا سياسيًا، بل نبيًا وصاحب رسالة، وهو النذير الأخير. ولكن بعد وفاته مباشرة، ظهر ما يُعرف بمفهوم التحزب والجماعات، ومن هنا انبعثت المخازي في تاريخنا الإسلامي. وإلى يومنا هذا، سترى أن جميع الأحزاب الإسلامية مصدرها منبع واحد لا غير، لكل الطوائف، بغضّ النظر عن المسميات. فجميع من ساهم في تبويب ما يُعرف بـ"الإسلام السياسي"، هم عبارة عن منظّري الشيطان، وهم الذين فتحوا له الباب للمضي في فكرة التفريق وشق عصا الجمع الإسلامي. وهذا ما أوصلنا إلى هذا الحال اليوم، من استهجان البعض لمصطلح "الإسلام"، واستحقوا لقب: الإسلاميون الكدش.

 

الخلاصة ... إن الإسلام بريء مما فعله هؤلاء، وكل من يدّعي أنه ضمن دائرة الأحزاب الإسلامية – جميعها – هو من جعل الله مادة تُباع وتُشترى. وأستشهد بقول الله تعالى: "إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا" – صدق الله العظيم. ولهذا، يجب على الجميع محاربة فكرة الإسلام السياسي، وصدق الله العظيم إذ قال: "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"

 

الثلاثاء، 10 يونيو 2025

مقال

 

معضلة الخالق والمخلوق

تحت عنوان

الأزمة الإلهية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لا صحة لمقولة: "لا يجوز الحديث فيما يخص الذات الإلهية"، ودليلي في هذا أن الخالق قد تحدث إلى خلقه عن ذاته، كما ورد في النصوص السماوية. وإذا ما أعدنا قراءة تلك النصوص، فسوف تظهر لنا العديد من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير، ومنها قضية الخلق وسر وجوده على هذه الأرض.

وهنا سيجيبنا أحد العباقرة التقليديين بالنص القرآني:

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" – صدق الله العظيم.

وفي تلك الإجابة، يتصرف من يرددها كأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة، وكأن كل من على الأرض من بشر لا يقرؤون ولا يفهمون. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الأجوبة ما هي إلا عملية هروب من مسؤولية تشغيل النظم العقلية للإنسان، وهو حال كثير من البشر اليوم. واليوم، وفي هذه السطور، ستقرأ ما لم تقرأه من قبل عن هذا الموضوع. ولتقديم مقدمة منطقية، يجب أولًا فهم الشخصية الإلهية، والمقصود بها: الرب.

الرب هو المحور لكل شيء في محيط الكون، وهو جزء من هذا المحيط، وليس هناك وقت محدد لبداية الأحداث. ومن خلال القراءة المتتابعة للكتب السماوية، سنجد أن فكرة خلق بني آدم ليست الأولى – وقد أكده الحوار بين الإله والملائكة – ولن تكون الأخيرة. فالخلق هنا عبارة عن مشاريع إلهية، بغضّ النظر عن مبدأ النجاح أو الفشل.

وكأي مشروع، يكون له معارضون ومؤيدون. وهذا ما حدث في قصة خلق الإنسان منذ اليوم الأول، واختلفت الاعتراضات ما بين حميدة وخبيثة. ومن أبلغ الدروس في هذا أن الذات الإلهية تتقبل الرأي الآخر، وهو ما لم يستطع الإنسان فعله.

 

الشيطان الكاذب الذي صدق... تبدأ القصة بالاعتراض على خلق آدم. وكان لا بد من فعل شيء كردّة فعل. ولأن الشيطان كان على دراية بالصفات الإلهية، فكّر في أن يمنح الإنسان الأول ميزة من تلك الصفات التي لله وحده. ومن ما يتباهى الله به: أنه الحي الذي لا يموت، وهذا ما دفع الشيطان إلى إقناع الإنسان الأول بأن يأكل من شجرة الخلد. وهذا ما أغضب الله، لأن الإنسان أصبح يشترك مع الله في صفة الخلود. ولكسر هذه القاعدة، كان لا بد من إدخال فكرة الموت، لضمان تفرد الذات الإلهية بهذه الصفة. ولم تذكر النصوص السماوية شخصية الطرف الآخر في الاعتراض، وقد يكون هو الشيطان ذاته. وهنا يمكننا القول إنه الكاذب الذي صدق.

 

المأزق الإلهي... يكمن هذا المأزق في آلية الفهم لدى المخلوق. وبرغم أن الله أرسل العشرات، وربما المئات، من الرسل والأنبياء، فإن الهدف من إرسالهم لم يكن فقط توجيه البشر إلى العبادة التقليدية، بل التوضيح العميق لمعنى الخلق، وما هو مطلوب من الإنسان. والغرض لا ينحصر فقط في العبادة، بل في تجنب الوقوع في أمرين خطيرين: (الفساد وسفك الدماء) وهذان هما ما يميزان الإنسان المعاصر – للأسف. وبهذا، تكون البشرية قد وقعت في المأزق الإلهي، وهو ما قد يجلب غضب الرب، ويجعله مضطرًا إلى إيقاع أقصى العقوبات على الخارجين عن القانون السماوي.

 

أديمومة الرب والخلق... آدم لم يكن الأول، ولن يكون الأخير.. والغريب في الأمر هو الإصرار المتواصل من قبل الذات الإلهية على خلق من يحملون الاستمرارية، مرحلةً بعد أخرى، وكأن الأمر مرتبط بوجود الرب ذاته. وقد يرى البعض في هذه الكلمات نوعًا من الإلحاد، لكنها الحقيقة التي يخاف الجميع الحديث عنها، بسبب أن رجال الدين جعلوا الحديث عن الله خطيئة. وقد عملوا على ذلك منذ زمن طويل.

 

الخلاصة... إن الرب إذا أراد شيئًا، فمن البديهي أن يقول له: "كن فيكون". لكن قصته مع الخلق تكمن في أن استمرارهم يمنح ديمومةً للوجود الإلهي. وهذه ليست فرضيات، بل هي خطوط انسيابية تنتهي عند أن كل ما في السماوات والأرض مرتبط بوجود الله. وديمومة هذا الوجود مرتبطة ببني البشر على هذه الأرض. وهنا أقول: "إلهي، إنني قد اجتهدت، فإن أصبت، فهذا لوجهك، وإن أخطأت، فأنت غفّار الذنوب."

الاثنين، 9 يونيو 2025

مقال

 فروج النساء للبيع

تحت عنوان

منهجيات النسوة المعاصرات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



سقط هذا العالم عندما أصبح كل شيء قابلًا للتفاوض، حتى مصطلح "الشرف"، مما أدى إلى انعدام القيم والمبادئ والقيم الإنسانية. فلتكن البداية من الرجال، وقد كان لهم الإسهام الأكبر عندما باعوا مبدأ النخوة من أجل الشهوة. أما عن الطرف الآخر، فهناك ظاهرة نسائية تكاد أن تحطم النسيج الاجتماعي في مجتمع يميل إلى التحفّظ، ومن مظاهرها تغيّر الأيديولوجيا لعقلية المرأة المعاصرة على نطاق واسع. وتكمن هذه النظرية في أن المرأة ترى في الرجل مشروع استغفال، والرجل يراها فريسة مشروعة للافتراس. فتحول المجتمع إلى مادة مرنة قد تتقبل كل شيء من الأفكار الدخيلة، وهذا ما أخرج الجنس البشري عن الطبيعة التي خُلق الإنسان عليها. ولهذا، تجد أن بعض النساء ذوات السمعة السيئة، أكثر جرأة في المرافق الحياتية، بسبب كونهن من الشخصيات التي خَسرت كل شيء.

 

بين المرأة العربية والغربية... هما عنصران مختلفان من عوالم متباينة، وهذا ما لم تدركه المرأة العربية، وهو الذي أوقعها في فخ التقليد. فعلى سبيل المثال، تمارس المرأة الغربية الجنس باسم الحب، بينما تمارسه المرأة العربية باسم الرذيلة، بمقابل مادي، وقد تسللت هذه الفكرة إلى منظومة الزواج.

 

عقد زواج أم عقد ملكية... من أروع ما جاءت به التعاليم السماوية هو تنظيم الحياة الزوجية، وهذا لا يحظى بالقبول لدى الجميع. فتجد واحدة منهن تواظب على عبادتها بشكل منتظم، وتؤمن بكل ما ورد في تلك الكتب، إلا فيما يخص تعدد الزوجات، فتفضّل أن يخرج الرجل لممارسة الرذيلة واكتساب الذنوب، على أن يطرح فكرة الزواج من ثانية، ولو على سبيل المزاح. وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للشيطان، ليفرض أجندته التي تُخرج الإنسان من الحدود التي رسمها الله له.

 

تغيّر المفاهيم... في العادة، تتكوّن المفاهيم من مصطلحات كـ"المودة" و"الرحمة"، وهي الأسس التي تقوم عليها العائلة، ولا جدال في هذا. وهنا، أستذكر بعض المقولات الهجينة بحق المرأة في بدايات القرن الماضي، والتي وصفتها بالجهل والأمية. لكن للحقيقة وجه آخر؛ فهي كانت تمتلك ثقافة فطرية مكتسبة من العادات والتقاليد والمضامين الدينية. وإذا ما عقدنا مقارنة بين الماضي والحاضر، فسوف نجد أن المرأة المعاصرة أكثر جهلًا وأمية، بغضّ النظر عن الشهادات الدراسية التي قد تحصل عليها. وذلك بسبب انتشار المنظمات التي ترفع شعارات "النسوية"، وهي من أبرز المعاول في تدمير عقلية المرأة الحديثة.

 

المسبّبات الرئيسة... عندما عجز المستعمر عن ترويض المجتمع العربي المسلم في بدايات القرن الماضي، لجأ إلى الحلول البديلة. وبعد ما يُعرف بعمليات تحرر تلك البلدان، كانت نظريتهم تقوم على هدم المجتمع. وقد كان لهم منظّرون في هذا المجال، فوجدوا أن العرب والمسلمين يمتلكون منظومة قيمٍ يسعون للمحافظة عليها، ومنها مكانة المرأة. ومن خلال بعض الأقلام، دُسّ السمّ في العسل. ومن تلك الأقلام كان "قاسم أمين"، الذي زرع الأسس الأولى لهدم قلاع المرأة العربية المسلمة، من خلال مصطلح "تحرر المرأة". ومن هنا، بدأت مرحلة جديدة في تغيّر العقلية النسوية، فتبدّل كل شيء يتعلق بالأخلاق، والزواج، والتربية. حتى قيل في حقها - وصدق القائل -: "إذا ما أصلحت كانت ملكًا صالحًا، وإذا ما أفسدت كانت شيطانًا رجيمًا." وهذا دليل قاطع على أن المرأة أصبحت، في نظر البعض، لعبة حظ للرجل، ونوعًا من المقامرة، مما دفع بعض الرجال إلى العزوف عن فكرة الزواج.

 

المرأة كائن غبي... هذه فكرة قديمة تعود إلى منهجية الفلاسفة الأوائل، ومنهم أفلاطون. وقد كانت هناك نظريات فلسفية تطرح - حتى القرن الثامن عشر - جدلية: "هل المرأة مخلوق بشري أم لا؟" وعند النظر إلى وضع المرأة في عالمنا اليوم، ندرك المسبّبات التي أثارت تلك الآراء، بغضّ النظر عن اتفاقي معها أو لا. لكن الواقع يدعم تلك النظريات. وبعيدًا عن إنجازاتهن في بعض المجالات الوظيفية والعلمية، تبقى المرأة الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها كسر الرجل. وهذا ما أدركه المنظّرون لصناعة المؤامرة.

 

الخلاصة... تحولت المرأة اليوم إلى مسخ فاقد للدور الحقيقي لوجودها على هذه الأرض، بسبب تحوّلها إلى وعاء يستقبل كل ما يُملَى عليها باسم "حرية المرأة". فكانت هناك عرقلة لمسيرتها نحو الحرية، وتوقّف في منتصف الطريق؛ فلم تستطع اللحاق بركب المرأة الغربية، بسبب القيود الاجتماعية والدينية، ولم تستطع العودة إلى زمن الحريم. والمثال على جهل المرأة اليوم، هو عدم إدراكها لمخاطر فقدان الثقة من قِبل الرجل.

الجمعة، 6 يونيو 2025

مقال

 حديث ما فوق العقل

تحت عنوان

معضلة السلام

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من باب: (يحسبونها هينة وهي عند الله عظيمة)، تبدأ الحكاية بحديثٍ لصباح اليوم مع والدتي – حفظها الله – عن موقفي من بعض الشخوص الذين قد ألتقيهم أيام العيد، وإلقاء السلام عليهم. وكان رأيها أنه لا ضرر في إلقاء السلام من باب المجاملة، وهو ما كنت أرفضه جملةً وتفصيلًا، ولدي في ذلك سبب سأوضحه في هذه السطور.

السلام تحيتُنا نحن المسلمين فيما بيننا، وكثيرون يجهلون خطورة هذه الكلمة ومعناها الحقيقي وما ترمز إليه؛ فإلقاء التحية يعني أنك قد أبرمت مع الطرف الآخر معاهدة سلام، وقد أشهدت الله عليها، وهذا ما يُلزمك بقضايا قد لا تستطيع الالتزام بها، ومنها:

مسألة "الأمان"، فبتحيتك تلك قد أمّنته على نفسه وماله وعِرضه منك. ولكن السؤال: من مِنّا اليوم يلتزم بما هو مطلوب منه بهذه المعاهدة؟

فاليوم لا تجد بين الناس إلا صفات: (النميمة، الحسد، الحقد، الخيانة)، فإذا وُجدت واحدة من هذه الصفات بينك وبين الطرف الآخر، فقد وضعتَ نفسك في مأزق كبير؛ يكمن في أنك عندما قلت: (السلام عليكم)، فقد جعلتَ شخصية الرب، المتمثلة بـ(الله)، حاضرة وشاهدة عليكما. وهذا لأن كلمة "السلام" هي اسم من أسمائه الحسنى – عز وجل.

وقد يقول أحدكم عند قراءة كلماتي هذه إن كاتبها ينتمي إلى السذاجة في اختيار مواضيعه الكتابية، ولكن هذا غير صحيح، فالعمل بخلاف ما كُتب سيدخل فاعله في باب من أبواب النفاق: (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار)، كما قال رسولنا الكريم ﷺ.

ولذلك، علينا أن نتدبر القضايا التي تريد الذات الإلهية أن تكون حاضرة على هذه الأرض. وقد يظن كثيرون أن غضب من في السماء على البشر محصور في القضايا التقليدية للعبادة، كالصلاة والصوم، ولكن للحقيقة وجه آخر؛ فالغضب قد يكون في تصرفات اعتدنا عليها ونحسبها من الأمور الصغيرة التي يمكن التغاضي عنها يوم الحساب.

وهنا أستذكر من الكتاب قوله تعالى:

(عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكّى) – صدق الله العظيم.

وفي هذا دلالة وتأكيد على المغزى المراد من فكرة المقال، فقد يكون الفعل الذي عاتب الله به نبيَّه الكريم ﷺ، لا يكاد يُذكر، ولكنه كان سببًا في نزول الوحي؛ ليُذكرنا بأننا قد نرتكب أخطاءً تبدو بسيطة، لكنها كارثية يوم العرض العظيم، وهذا ما أردت التحذير منه.

ولهذا، فإن التحية لها التزامات يجب التقيُّد بها، فهي ليست مجرد كلمة تُقال لغرض الاستعراض الاجتماعي. وليس هذا فحسب، بل وما يدريك كم في حياتنا اليومية من عادات قد تكون سببًا في هلاكنا أمام الله.

لهذا يجب أن تكون لنا منهجية نستطيع من خلالها إيجاد قراءة دينية تتناسب مع حاضرنا، والابتعاد عن نظرية:

(هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا) صدق الله العظيم

فالعقل اليوم أصبح يملك قدرات تختلف عمّا كان عليه، وقد كُتبت كثير من التشريعات في فترات معينة. وهذه دعوة لأولي الألباب للتدبر فيما يُكتب ويُطرح على العامة، من مسائل شُوّه بها وجه العقيدة الدينية، بغض النظر عن قدسية كاتبها.

الخلاصة ... إن ما كُتب في هذا المقال هو من أهم القضايا التي تلامس حياتنا اليومية، وقد يكون غاب عن كثير من الناس؛ وذلك لأن العالم اليوم يعيش في عملية تغييبٍ منظمٍ لمنهجية العقل، وكان لا بد من التذكير، من باب:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) – صدق الله العظيم.

وأنا أكتب هذه الكلمات لا أدّعي بها الصلاح، ولكن الكلمة التي أكتبها أعلم أنها ستكون حُجّة لي أو عليّ يوم الموعد، ولهذا أريدها أن تكون لي لا عليّ... وأنا على يقينٍ كامل، وأشهد الله، أنني ما كتبت حرفًا إلا وأنا أعلم أنني أكتب الحق، وسوف يعلم الحق بذلك.

اللهم إني بلّغت، فاشهد.

 

الاثنين، 2 يونيو 2025

قراءة نقدية

 قراءة نقدية في فن الأدب الساخر

تحت عنوان

نص (بوسات) للدكتور أحمد جارالله ياسين (نموذجًا)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في بداية الموضوع، يجب التعريف بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب – جامعة الموصل، وهو شخصية طالما تميّزت بالشمولية – إذا صحّ التعبير – وصاحب باعٍ طويل في هذا النوع من الأدب.

القراءة:

النص: (صالح سعيد البومة .. مواطن عراقي "باسَ" أرض الوطن منذ أول يوم لولادته، بعد أن سقط من حضن أمه التي ارتجفت خوفًا بعد سماعها بالانقلاب على النظام الملكي عام 1958..)

البداية رمزية، وتتجسّد في اقتران لحظة الولادة بالحدث السياسي، فكان ما بين أمرين: الرعب والاحتفال، مما خلق نوعًا من الاضطراب النفسي لدى المواطن. وبعدها يأتي الانتقال إلى حضن الأم، وهو ما أراد به الكاتب الإشارة إلى أن الاهتزازات السياسية، المتمثلة بالتقلبات والانقلابات، متزامنة مع الفرد منذ المهد.

 

النص: (ثم ظل يُبوس الأرض في كل المناسبات الوطنية، وآخرها فوز المنتخب العراقي بكأس خليجي 25.. إذ إنه باس أرض الشارع غير المبلط أمام بيته حمدًا وشكرًا).

وهنا تكمن الاحترافية في خلق المفارقات، التي تظهر في المناسبات الوطنية، ومنها الاحتفالات بالإنجازات الرياضية، التي خلقت نوعًا من التشويش الفكري لدى المواطن. ثم ينتقل إلى الشارع غير المبلط، الذي يرمز إلى الخراب، ومن المفارقات أن الشخصية ذاتها تتغنى بالتراب المنبعث من الشوارع غير المبلطة.

 

النص: (ومن بوسات صالح سعيد البومة التاريخية عندما عاد أول مرة من جبهة القتال في حرب الخليج الأولى عام 1981، فباس أرض بيته، وكان من حسن حظه أن (الحوش) قد شُطف تَوًّا بالمنظفات المعطّرة، المزيِلة لنكهة "النِعال" التي كانت مصنَّعة حينذاك صناعة وطنية من بلاستيك البلد...)

العودة من الوحدات العسكرية وتقبيل الأرض تُعد نوعًا من السخرية التي تخلقها الحياة اليومية. ثم ينتقل إلى مصطلح (النِعال)، الذي يُعَدّ من الصناعات الوطنية – إن وُجدت – وبهذا يكون المواطن قد اعتاد على طلب الحد الأدنى من عطايا الوطن. وما يلفت النظر هو استخدام الكاتب للمصطلحات الشعبية مثل (الحوش، النِعال)، ما أضفى نكهة محلية مطعّمة بالسخرية.

 

النص: (ثم كانت البوسة الثانية التاريخية يوم زواجه من حبّه الأول والأخير (فهيمة)... عندما باس حديقة بيت أهلها احتفالًا واعتزازًا بالثيل الذي سارت عليه فهيمة حافية القدمين من شدة الفرح في حفلة الخطوبة، على أنغام أغنية (لا خبر لا جفيّة لا حامض حلو لا شربت).

ينتقل هنا من القضايا العامة إلى الخصوصية العائلية، المتمثلة بـ(فهيمة)، زوجة المواطن صالح. وتصوير تلك القُبَل للعشب الذي مرّت عليه الزوجة، دليل على المبالغة في قدسية الأشياء، وفي هذا نوع من السخرية من بعض التصرفات التي تبدو ساذجة. أما عن إدخال أغنية (لا خبر لا جفيّة...)، فهو صناعة مزيج ما بين الفرح الساذج والحزن المرير.

 

النص: (أما البوسة الثالثة لأرض الوطن، فكانت عند عودته سالمًا من القصف الأمريكي الذي تعرّضت له قافلة الجنود عام 1991، في حرب الخليج الثانية).

السخرية هنا تأتي من تصوير النجاة على أنها حدث يستحق تقبيل الأرض، رغم أنها أرض "مُقصَفة"، وفي ذلك رسم لصورة الواقع النفسي الذي مرّ به المواطن، فأصبح التقبيل تعبيرًا عن الفرح المفرط لحدث معيّن. بعدها يأتي التهكّم الواضح من استمرارية فكرة حب الوطن التي يتكرر فيها التقديس المفرط للأرض، بوصفها رمزًا للوطن، مهما كانت مضرّجة بالدماء.

 

النص: (وفي عام 2003، باس أرض الوطن مرة رابعة، بعد أن أخطأته رصاصة قنّاص مرتزق في الجيش الأمريكي يوم 9 نيسان في بغداد، عندما كان جنديًا احتياطيًا...)

يُستعرض هنا حدث غزو بغداد والنجاة من القنص، ومع ذلك يُقابل الحدث بفعل رمزي: "باس الأرض"، بدلًا من الاحتجاج أو الصراخ، فأصبح الفعل نوعًا من الرتابة في حياة المواطن. أما اتخاذه صفة "الجندي الاحتياطي"، فهو يرمز إلى المواطن المغلوب على أمره، الذي يُساق إلى الحرب، ثم يُقبّل الأرض لأنه لم يُقتل. وهكذا بات التكرار الرتيب في الحياة مادةً دسمةً للسخرية من الاستسلام للعنف.

 

النص: (في عام 2007، باس أرض الوطن بوسَتين، بعد العودة من العمرة، والاحتفال بفوز المنتخب العراقي بكأس آسيا... ثم باس الأرض مرة سابعة قرب كاتب العرائض بعد إنجازه معاملة التقاعد).

هنا يظهر الجمع بين "العمرة"، و"الرياضة"، و"كاتب العرائض"، ليكشف عن اختلاط القيم والمقدسات بالشؤون التافهة، وهو ما فرضه الواقع على المواطن صالح. ثم تأتي السخرية من أن إنجاز معاملة تقاعد في العراق يُعادل حدثًا وطنيًا يستحق تقبيل الأرض. أما "كاتب العرائض"، فهو رمز للبيروقراطية البطيئة والفاسدة، التي تصبح مصدر "فرح وطني" عند تجاوزها.

 

النص: (وحاليًا، ينتظر المواطن صالح سعيد البومة نزول سعر صرف الدولار أكثر، ليُبوس أرض الوطن مرة ثامنة في مكتب الصيرفة القريب من بيته... وقد نذر أن يذبح تيسًا هرمًا على أنغام (جنة جنة جنة، والله يا وطنّا)...)

تمثل هذه الفقرة ذروة السخرية: الوطنية هنا أصبحت مرتبطة بتحسّن سعر الدولار. ثم ينتقل إلى "مكتب الصيرفة" الذي حلّ محل ساحة المعركة أو الحديقة – إنها وطنية اقتصادية انتهازية ساخرة بامتياز. أما الجمع بين "التيس الهرِم" والنذر، مع أغنية "جنة جنة"، فيخلق مشهدًا ساخرًا من مظاهر "الفرح الشعبي المؤدلج"، الذي لا يُدرك عمق الأزمة.

 

الخلاصة ... النص يتمتع بحرفية عالية، وليس هذا غريبًا على شخصية كاتب النص، فهو الجامع بين الوضع الأكاديمي والخبرات المتراكمة، وهذا ما منح الموضوع نكهة ساخرة من الحياة اليومية على فترات زمنية متعاقبة.

وقد كانت هناك نقاط أساسية، منها: أن الأرض تحوّلت من رمز للانتماء إلى "سطح" يتلقى القُبَل في كل مناسبة – سواء كانت مؤلمة أو عبثية. وبهذا نكون قد قدّمنا دراسة متواضعة لنص يمتاز بأنه كُتب بقلم أكاديمي محترف، متمثلًا بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين.

مقال

  مزايا القرف في هذا العالم تحت عنوان هذه حقيقة البشرية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه ...