بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 18 يونيو 2025

مقال

 لا راح يصير براسنا خير

تحت عنوان

أساسيات بناء الرأي للشارع العام السياسي ... العراق نموذجًا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



صدق علي الوردي عندما لخّص دراسته عن المجتمع العراقي بقوله: "إن المجتمع العراقي يعاني من ازدواجية في الشخصية، نتيجة الصراع بين القيم البدوية والقيم المدنية الحديثة."

وهذا وصفٌ مختصر لما نراه أو نسمعه أو نقرأه من الآراء التي تشغل الشارع العراقي العام. وأضيف إلى رأيه أن المجتمع العراقي بات مجتمعًا جاهلًا لا يملك شيئًا يُذكر من الوعي الفكري في القضايا التي يتحدّث بها.

فاليوم، الكل منشغل بما فعلته إسرائيل وردّ الفعل الإيراني، ولو كان هناك وعيٌ للمواطن في هذا البلد لأدرك أن ما يجري اليوم هو صراع لصوصٍ على الغنيمة ... فإذا ما انتصرت إيران، فلن يكون العراق بعدها شبيهًا — من الناحية الحيوية — بالدول المتقدمة، ودليلي في هذا أننا معهم منذ عشرين عامًا، ولم نجْنِ سوى الحروب الداخلية، والإرهاب، والفساد. وإذا ما انتصرت إسرائيل، فسوف تكون هناك ممارسات إذلالية لكل من يسكن المنطقة.

 

تباين الآراء... عندما تكون على مواقع التواصل وتتابع ما يُنشر، يُصيبك شعور بالقرف بين مؤيد ومعارض لتلك الحرب. والغريب أن أكثر من تسعين بالمئة من تلك الآراء قد بُنيت على العاطفة، وإذا ما غاب العقل عن العاطفة، سقطت عن الرأي المصداقية. وما يثير غضبك أن المواطن العراقي يعتبر ما يجري قضية مصيرية ومسألة بقاء، والحقيقة أنها ليست معركته.

فمعركته الحقيقية تكمن في (سعر صرف الدولار، الذي له انعكاس مباشر على حياة المواطن البسيط، وسعر الأمبير، وجشع أصحاب المولدات، والموقف الحكومي المتواطئ معهم بسبب تقصيره الفاضح في توفير خدمة توليد الكهرباء، وقضية الفساد، الذي إذا ما استمر على هذا الحال، فلن يترك لا أخضر ولا يابسًا إلا وسرقه).

ومع هذا، ترى أن الكثير من الأغبياء اليوم منشغلون بقضية ليست قضيتهم. وللتذكير، عندما دخلنا تلك الحرب ذاتها في التسعينيات، لم نرَ من الجارة إيران موقفًا يُفهم منه أن القتال ضد اليهود مسألة عقائدية لا تخضع للتوجهات السياسية، وتركنا وحدنا في ساحة المعركة.

 

سلاحكم في هذه المرحلة أضعف الإيمان... انتشر في الآونة الأخيرة رأي يقول إننا يجب أن نقف مع من نناصره بالشجب أو الدعاء أو الاستنكار — وكلها مصطلحات تدخل في دائرة "أضعف الإيمان". وهنا يجب أن تفهم قاعدة: إن الدعاء وحده لا يكفي للنصر، ولو كان الدعاء كافيًا لدحر العدو، لما هُزم المسلمون يوم أُحد، وبينهم رسولنا الكريم محمد ﷺ. وفي هذا دليل على مدى السذاجة الفكرية التي أنتم عليها.

 

غياب حجة الإقناع وعدم قبول الرأي الآخر... حتى لو كان يحمل الحقيقة، ترى الكثير على مواقع التواصل، عندما يشعر بصغره أمام عظمة الرأي المطروح، يشرع باستخدام أسلوب السبّ والشتم وإطلاق التهم للطرف الآخر. وهؤلاء أصيبوا بعمى البصيرة — وما أكثرهم في المجتمع العراقي اليوم. فعليك أولًا، قبل الدخول في أي جدال، أن تتسلّح بالأدلة والقرائن الدامغة، ولا تكن ببغاءً يردّد ما لا يفهمه.

فإيران اليوم ليست العراق، ولا العراق سيكون إيران يومًا ما. وما لا يعلمه أغلب العراقيين أن الجمهورية الإيرانية هي دولة قومية حتى النخاع، بغطاء طائفي. وما وقع فيه الكثير من العراقيين هو معضلة تعدد الانتماءات، وهذا لا يشمل فئة دون أخرى. فالكل متّفق على أن الوطن سيكون في المرتبة الأخيرة عند الحديث عن الانتماء. مع العلم أن من مواصفات المواطنة الصالحة أن يكون الوطن أولًا، وهذا ما لا يتوفر عند جميع الفئات العراقية.

وتظهر تلك البوادر عند أول خلاف .. فتجد الشيعة يساندون الجمهورية الإيرانية فقط لأنهم يعتبرونها داعمًا لهم في الحكم، أما السنة، فموقفهم من الحرب نكاية بالشيعة، أما الكرد، فهم خارج حدود الوطن أصلًا في كل ما يتعلق بالبلد، والجميع متفقون على أن الوطن شيءٌ ثانوي.

 

الخلاصة... يُذكّرني تباين الآراء في العراق، والأسس التي تم بناؤها عليها، بمقولة الممثل الثانوي في مسلسل المداح، الذي يردد دومًا: "الله الوكيل، إحنا عايشين مع بهايم." ومن هنا تدرك رأيي فيما أقرأه أو أسمعه كل يوم من طروحات لشخصيات أقل ما يُقال عنها إنها غبيّة. فالشعوب التي لا تملك الانتماء للوطن هي شعوب لا تستحق أن تعيش عليه. ومثلهم — وللأسف — كما يُقال: "مثلهم كمثل ذلك الرجل الذي يأكل في صحن، ويعود ليتغوّط في ذات الصحن." قبحهم الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...