بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 سبتمبر 2026

مقال

 

 قراءة في رواية كتبتها أنامل الشيطان (سلمان رشدي)

تحت عنوان

الفكر المنحرف وعلاقته بالعقيدة الرخوة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين




دعنا في البداية نتفق على أن ليس هناك فكر بلا عقيدة، وفي الحقيقة، عند قراءتي لهذه الرواية، لم أستغرب مما ورد فيها، وذلك بسبب أن ما كُتب فيها لم أسمعه أو أقرأه لأول مرة، وهنا سنبيّن العقلية التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في كتابة هذه الرواية، وإذا ما أردنا رسم خارطة بيانية لكل الجماعات المنحرفة من الناحية العقيدية، فسوف تجد أن كل المؤشرات سوف تتجه إلى اتجاه واحد من الناحية المكانية، من ظهور ما يُعرف بالخوارج إلى يومنا هذا، ولهذا لا تجد شيئاً قد لا تعرفه في سطور الرواية. وهنا لن تكون قراءتي فنية فحسب، ولكن فكرية توضّح المبادئ التي اعتنقها هذا الرجل، ليكون له قاعدة شيطانية تسهّل عليه كتابة ما كتب، ولهذا سنبدأ من استعراض سريع.

العرض السريع... سقوط طائرة برجلين وهما

جبريل فرشتة / الممثل الذي يعيش تحولات رمزية ورؤى غريبة.

صلاح الدين صمّد / المهاجر الذي يعاني من أزمة هوية ومحاولة اندماج.

كشخوص رئيسية للرواية، وكل منهم يمثل جانباً تسقيطياً في ذهن المؤلف، والتي تأخذ القارئ لساحل يفرض عليه فتح باب الأسئلة التي تسيء لمبدأ الذي أُقيم عليه الدين، وهنا يكمن دور الشيطان في الموضوع؛ فهو من يكمن في التفاصيل الصغيرة، فلا تنتظر منه أن يعلن عن وجوده في الرواية بشكل مباشر، في إعلان ما يريد، ولكن دخوله كان في مقارنة الثنائيات التي هدفها التشكيك بكل شيء، والغريب أن هذا سوف يتم من جهة واحدة، ولا يتعرض إلى العقائد التي ينطلق منها، وكان الأمر برمته عملية تسقيط ممنهجة.

وما يثير السخرية في الموضوع أن الهدف من الرواية واضح إلى درجة أنك تستطيع أن تحدد المسارات الذهنية للكاتب من خلال اختيار الرموز التي تدخل في الرواية.

 

الرواية والمنطلقات العقائدية... سؤال لا بد من طرحه ، ومن هنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية: من أين استقى المؤلف بعض المواد التي أقام عليها بناءه الروائي؟ وهل كانت اختياراته عشوائية، أم أن وراءها مرجعيات فكرية وتاريخية وعقائدية سبق أن تشكلت في ذهنه؟ إن الكاتب، مهما حاول أن يفصل بين شخصه ونصه، لا يستطيع أن يكتب من فراغ، فالنص في النهاية هو حصيلة بيئة وثقافة وتاريخ وقراءات ومواقف فكرية تتداخل جميعها في تشكيل رؤيته.

وعندما نقترب من «آيات شيطانية» نجد أن المسألة لا تتوقف عند استخدام رمز ديني واحد، وإنما تمتد إلى مجموعة من الرموز المتصلة بالوحي والنبوة وجبريل والشيطان والجاهلية وقصة الغرانيق. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا اختار المؤلف هذه الرموز تحديداً؟ ولماذا أعاد تركيبها داخل عالم روائي يقوم على الحلم والخيال والتحول؟

ومن هنا يمكن أن نطرح فرضية أخرى، لا باعتبارها حكماً نهائياً، وإنما باعتبارها مجالاً للبحث: هل تأثرت بعض اختيارات الرواية بروايات أو تصورات موجودة في بيئات مذهبية وفكرية مختلفة عن التصور الإسلامي السني التقليدي؟

وهنا تحديداً يجب أن نكون أكثر دقة؛ لأن وجود رواية أو تصور في مصدر شيعي لا يعني أن ذلك التصور يمثل المذهب الشيعي كله، كما أن وجود رواية ضعيفة أو شاذة في كتب التراث لا يجعلها عقيدة لأتباع ذلك المذهب. ولذلك فإن الباحث الجاد لا يقول: «هذه عقيدة الشيعة»، وإنما يقول: «هذا تصور ورد عند بعض الفرق أو في بعض المصادر، ثم نبحث هل توجد صلة بينه وبين المادة التي وظفها الكاتب أم لا».

وعندما نصل إلى شخصية جبريل يصبح السؤال أكثر حساسية: هل اختيار اسم جبريل لشخصية بشرية، ثم وضع هذه الشخصية في حالة من الأحلام والتحولات والاضطراب، مجرد تقنية روائية؟ أم أن اختيار الرمز نفسه يحمل دلالة تتجاوز الوظيفة الفنية؟ لا نستطيع أن نحكم على نية المؤلف، ولكن نستطيع أن ندرس النتيجة التي صنعها هذا الاختيار داخل النص.

والأمر نفسه ينطبق على قصة الغرانيق؛ فهي ليست من الحقائق المتفق عليها في التراث الإسلامي، بل هي مادة روائية تاريخية اختلف العلماء في ثبوتها، ولذلك فإن السؤال النقدي الحقيقي ليس فقط: لماذا استخدمها رشدي؟ وإنما: لماذا اختار مادة خلافية ومتنازعاً في صحتها لتكون جزءاً من بناء روائي يتناول الوحي والنبوة؟

وهنا تظهر الفكرة التي أريد الوصول إليها: إن خطورة النص لا تكمن دائماً في الفكرة التي يعلنها بصورة مباشرة، وإنما قد تكمن في الطريقة التي يعيد بها ترتيب الرموز داخل عقل القارئ. فالرمز الديني عندما ينتقل من سياقه العقدي إلى السياق الروائي يتغير موقعه ووظيفته، وقد يصبح قابلاً لتأويلات لم تكن موجودة في سياقه الأصلي.

ومن هنا لا أريد أن أتهم المؤلف بعقيدة معينة، ولا أن أصدر حكماً على إيمانه، وإنما أريد أن أبحث عن الجذر الفكري الذي أنتج هذه الرؤية، وعن العلاقة بين المرجعية الفكرية والرمز الأدبي، وبين الرمز والحدث، وبين الحدث والفكرة التي تصل في النهاية إلى القارئ.

وهنا يصبح السؤال الأكبر: هل الرواية مجرد عمل أدبي استخدم الرموز الدينية لإنتاج الدهشة والصدمة، أم أن وراء هذا الاستخدام منظومة فكرية أعادت ترتيب هذه الرموز وفق تصور مختلف للحقيقة والوحي والنبوة؟

وهذا السؤال، برأيي، هو الذي ينبغي أن يكون محور البحث، لا الحكم على الشخص، لأن نقد الفكرة أقوى من اتهام صاحبها، وكشف آليات إنتاجها أهم من إطلاق الأحكام عليها.

 

مسارات الرواية... ولماذا أثارت حفيظة حُفّاظ الدين؟ ... إذا أردنا أن نستعرض مسارات الرواية بعيداً عن الضجيج الذي رافقها، فإن أول ما يلفت النظر هو أن رشدي لم يقترب من الدين من خلال فكرة عابرة أو رمز هامشي، وإنما اختار مجموعة من أكثر الرموز حساسية في الوعي الإسلامي: الوحي، وجبريل، والنبي، والقرآن، والشيطان، ومكة، واللات والعزى ومناة، وقصة الغرانيق، ثم وضع هذه العناصر داخل فضاء روائي يقوم على الحلم والخيال وإعادة تشكيل التاريخ.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة الأولى من منظور القارئ المسلم؛ فالمقدس في العقيدة الإسلامية ليس مادة مفتوحة لإعادة البناء الروائي بالطريقة نفسها التي يعاد بها بناء الشخصيات والأحداث التاريخية. فالقرآن وحي، وجبريل عليه السلام مَلَك من ملائكة الله، والنبي محمد ﷺ ليس شخصية روائية قابلة لإعادة التشكيل وفق خيال الكاتب.

أما المسار الأكثر إثارة للاعتراض فهو مسار الغرانيق؛ لأن الرواية تستثمر قصة اختلف علماء المسلمين في ثبوتها، وتجعل منها مادة لإعادة طرح مسألة الوحي. وهنا يمكن القول إن الخطأ، من منظور إسلامي، ليس مجرد ذكر الرواية، وإنما نقل مادة مختلف في صحتها إلى موقع يسمح لها بأن تؤدي وظيفة التشكيك في أصل ثابت من أصول العقيدة، وهو عصمة الوحي عن أن يكون من إنتاج الشيطان أو تدخله.

ثم يأتي مسار جبريل، وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ إذ يحمل الاسم إحالة مباشرة إلى المَلَك جبريل عليه السلام، بينما تصبح الشخصية في الرواية شخصية بشرية ممثلة تعيش الأحلام والتحولات والاضطرابات. ومن الناحية الفنية يمكن للكاتب أن يستخدم المفارقة كما يشاء، لكن من المنظور الإسلامي يظل السؤال قائماً: ماذا يحدث عندما يُنزّل رمز مرتبط بالوحي إلى عالم التمثيل والاضطراب والوهم؟ إن المشكلة هنا ليست في الاسم وحده، وإنما في الدلالة التي تتولد من وضع الرمز المقدس في سياق مغاير لوظيفته العقدية.

ثم نصل إلى مسار النبي والنبوة، حيث لا تكتفي الرواية باستحضار التاريخ الإسلامي، وإنما تعيد تخيله داخل بنية سردية تجعل الشخصيات والأحداث قابلة لإعادة التفسير. وهنا يرى القارئ المسلم أن الرواية تجاوزت حدود النقد الاجتماعي أو السياسي إلى مساحة تتصل بجوهر التصور الإسلامي للنبوة والوحي.

أما مسار الشيطان، فهو من أكثر المسارات ارتباطاً بعنوان الرواية وبنيتها الرمزية؛ لأن الشيطان في التصور الإسلامي ليس مجرد رمز أدبي للتمرد، وإنما كائن له موقع محدد في العقيدة. ولذلك فإن إدخاله في سياق قضية الوحي يفتح سؤالاً عقدياً بالغ الحساسية: هل يمكن للباطل أن يتداخل مع الحق في مصدر الوحي؟ والإجابة الإسلامية واضحة: الوحي الإلهي لا يختلط بالشيطان ولا يكون نتاجاً له.

وهنا تظهر نقطة أخرى مهمة: الرواية لا تعتمد على رمز واحد حتى نستطيع عزله عن بقية البناء، وإنما تجمع مجموعة من الرموز الدينية في شبكة واحدة. ولذلك فإن حفيظة القارئ المسلم لا تأتي بالضرورة من مشهد منفرد، بل من تراكم هذه العناصر: جبريل، والوحي، والنبوة، والغرانيق، والشيطان، والجاهلية، ثم إعادة تركيبها جميعاً داخل فضاء تخييلي واحد.

ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل كان الخطأ في اختيار الموضوع، أم في طريقة معالجته؟

فالكاتب يستطيع أن يناقش التاريخ الإسلامي، وينتقد المؤسسات الدينية، ويناقش علاقة الإنسان بالسلطة، بل ويطرح أسئلة فلسفية عن الإيمان والشك؛ لكن عندما تتحول الشخصية النبوية والوحي والقرآن والملائكة إلى مواد لإعادة البناء التخييلي، فإن المسألة تنتقل من نقد السلطة الدينية إلى الاقتراب من أصل المقدس نفسه.

لم تكن المشكلة في أن الرواية سألت أسئلة صعبة، وإنما في نوع الأسئلة التي اختارت أن تضعها داخل فضاء الخيال، وفي الرموز التي جعلتها أدوات لهذه الأسئلة.

ولهذا فإن القراءة الإسلامية للرواية لا ينبغي أن تكتفي بالقول: «هذه الرواية مسيئة»، بل عليها أن تسأل بصورة أكثر دقة: ما الذي أُعيد تشكيله؟ وما الذي تغير معناه؟ وما الذي انتقل من دائرة العقيدة إلى دائرة الخيال؟ وكيف تحولت الرواية المختلف فيها تاريخياً إلى مادة يمكن استخدامها لمناقشة حقيقة الوحي؟

حين تكون القاعدة التي ينطلق منها الكاتب مختلفة عن القاعدة العقدية التي ينطلق منها القارئ المسلم، فإن الرمز الواحد قد ينتج معنيين متناقضين؛ ما يراه الكاتب مادة للخيال والتأويل، قد يراه المؤمن مساساً بحقيقة ثابتة.

وهذا هو المكان الذي ينبغي أن يبدأ منه النقد الحقيقي للرواية: نقد الآلية التي انتقلت بها الرموز من معناها العقدي إلى معناها الروائي، لا مجرد إصدار حكم على الكاتب أو على شخصه.

 

الخلاصة ... وفي نهاية هذه القراءة، أعود إلى النقطة التي أراها الأهم: الدين لا يُفهم من خلال الرواية، وإنما الرواية هي التي يجب أن تُفهم عندما تقترب من الدين على ضوء أصوله وثوابته. فلا يجوز أن يأتي النص الأدبي فيقلب الثابت متغيراً، والمقدس مادة للعبث، والرواية المختلف في صحتها حقيقةً تُبنى عليها أسئلة كبرى، ثم يطلب منا أن نخلع عنها مرجعياتنا العقائدية وندخل عالمها بلا ميزان.

إن الأدب مهما علا شأنه يبقى أدباً، والخيال مهما اتسع يبقى خيالاً، أما العقيدة فلها أصولها ومصادرها ومعاييرها. ولهذا فإن قراءة أي نص يقترب من المقدس لا تكون بترك العقل عند باب الرواية، ولا بتسليم القارئ بما يقدمه الكاتب لمجرد أنه وضعه داخل عمل أدبي، وإنما تكون بإعادة كل فكرة إلى أصلها، وكل رواية إلى مصدرها، وكل رمز إلى دلالته الأولى، ثم بعد ذلك نرى ماذا فعل الكاتب بها.

وهنا يظهر الفرق بين الحق والباطل؛ فالحق لا يخشى السؤال، ولكنه أيضاً لا يسمح للخيال أن ينتحل صفته، والباطل لا يصبح حقاً لأنه كُتب بلغة جميلة، ولا تتحول الرواية إلى وثيقة تاريخية لمجرد أن صاحبها وضع فيها أسماء وشخصيات وأحداثاً من التاريخ.

ولهذا أقولها بوضوح: من أراد أن يقرأ نصاً أدبياً تناول الإسلام، فليقرأه أدبياً، ولكن لا يقرأ الإسلام من خلاله. عليه أن يعود إلى القرآن، وإلى السنة، وإلى أصول العقيدة، وإلى التحقيق التاريخي، ثم يضع الرواية أمام هذه الأصول، وعندها فقط يستطيع أن يعرف أين انتهى الأدب وبدأ التلاعب، وأين انتهى الخيال وبدأ تزوير الحقيقة.

فالكاتب يملك قلمه، ولكنه لا يملك الحقيقة. ويملك أن يبني عالماً من الورق، لكنه لا يملك أن يغيّر ما استقر في أصل العقيدة بمجرد أن يعيد صياغته في رواية.

وهنا تكون مهمة القارئ الحقيقي: ألا يكون أسيراً للنص، بل حاكماً عليه؛ ألا يصفق للفكرة لأنها صادمة، ولا يرفضها لأنها صادمة، وإنما يضعها على ميزان المعرفة والعقيدة والعقل. فليس كل ما يُكتب يُصدَّق، وليس كل ما يُروى يُقبل، وليس كل ما يلمع في صفحات الأدب ذهباً. وبين الحق والباطل مسافة لا يقطعها جمال الأسلوب، وإنما يقطعها الدليل.

الأحد، 16 أغسطس 2026

مقال

 

الديانة الإبراهيمية من أساليب الاحتيال على الله

تحت عنوان

عمليات صهر الأديان

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



المعلن أنه مشروع فكري يعمل على إذابة الخلافات بين الأديان، دون التعرض للأديان كأيديولوجيات، أكثر من كونه قد يتعارض مع فكرة الدين. ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا يدركه أصحاب العقليات التي تحمل على عاتقها نظرية المؤامرة دون تعزيزها بدليل يُذكر، وما سوف نفعله هنا هو أن نجرد المصطلح من كل الدعايات التي تكون بمثابة مساحيق لوجهٍ قبيح.

 

الجذور التاريخية ... إن أخطر ما قد يكون هو أن يُوظَّف التراث، وكانت البداية من جملة «إبراهيم أبو الأنبياء» التي تداولتها البشرية قبل طرح المصطلح كنظرية، وفي هذا، كما يقال: «كلمة حق يُراد بها باطل» .

وإن هذا الاختصار يُعد عارياً عن الصحة، وذلك لأنه إذا كان هناك من يستحق هذا اللقب، فهو سيدنا آدم عليه السلام، وهو أيضًا كان نبيًا، وذلك بسبب عدم وجود دليل قطعي على أن جميع الرسل والأنبياء هم من نسل إبراهيم عليه السلام.

وأستند في قولي إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ صدق الله العظيم.

أما عن بدايات المصطلح فقد كانت من طرحٍ ظهر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث طُرحت صياغة مصطلح **«الأديان الإبراهيمية»** بالمعنى الحديث على يد المستشرق والمفكر الكاثوليكي الفرنسي **لويس ماسينيون (Louis Massignon)**، الذي عاش بين عامي 1883 و1962. وقد طُرحت الفكرة كإطار للتقارب بين المسيحيين والمسلمين واليهود حول إرث إبراهيم، وبعد ذلك انتشر المفهوم أكثر مع تشجيع الحوار بين الأديان، خصوصًا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.

 

فسّر الماء بالماء... هذا ما يعبر عنه طرح المصطلح كأيديولوجية فكرية لإذابة الخلافات. والسؤال هنا يكمن في: عن أي خلافات يتحدث المصطلح؟

هل سوف يعتنق المسلم فكرة أن المسيح يجسد الذات الإلهية على الأرض؟ أم أن يقتنع المسيحي بخاتمية نبوة النبي محمد؟ أم أن اليهود سوف يتخلون عن فكرة إقامة دولتهم المزعومة؟

هنا لن يستطيع أي عقل بشري إيجاد حلول تصهر تلك الخلافات، وعندها يكون المصطلح قد دخل حيز الاتجاه المعاكس لما يريده من له أطماع في حكم هذا العالم، وجعله بلون واحد من خلال الدين.

(المشكلة ليست بإبراهيم عليه السلام، بل بالمصطلح الذي يحمل اسمه ) مصطلح **«الدين الإبراهيمي»**، في نظر منتقديه، ليس توصيفًا محايدًا، بل إعادة صياغة للخريطة الدينية بلغة جديدة. يبدأ بكلمة، لكنه لا يتوقف عند حدود الكلمة؛ إذ يُنتقد لأنه يختزل ديانات مختلفة، بعناوين متباينة، في عنوان واحد، وكأن الفوارق الجوهرية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل وظيفة المصطلحات أن تصف الواقع أم أن تعيد تشكيله؟

وإذا كانت الديانات قد عرّفت نفسها بأسمائها وعقائدها عبر القرون، فما الحاجة إلى عنوان جديد؟ ولماذا يُراد لهذا العنوان أن يتقدم على التسميات التي اختارها أتباع كل دين لأنفسهم؟

هذا الجدل بحد ذاته يجعل المصطلح محل اعتراض عند كثير من الباحثين ورجال الدين، ليس لأنهم يرفضون الحوار، بل لأنهم يرفضون أن يتحول الحوار إلى إعادة تعريف للهويات الدينية تحت اسم جديد.

والنقد هنا موجّه إلى المصطلح كفكرة، وليس إلى إيمان الناس أو أتباع الأديان فهناك دعم موثّق فهناك دعم موثّق لمؤتمرات الحوار بين الأديان من حكومات ومنظمات دولية ومؤسسات دينية، وهذا أمر موثّق. وهذا ما يؤكد أن القول بأن المصطلح وُجد لخدمة مشروع سياسي أو مالي محدد، لا يحظى بإجماع تاريخي، ويبقى رأيًا مطروحًا من بعض النقاد أكثر من كونه حقيقة تاريخية مثبتة.

 

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾... فعندما فشلت كل محاولاتهم منذ زمن بعيد في إيجاد طريقة تجرّد الإنسان من قوته التي تكمن في إيمانه واعتقاده، قدموا هذا المشروع كنوع من الرعاية للإنسانية وحل خلافاتها، متناسين أن الأديان مناهج سماوية لا يمكن المساس بها، لا شكلًا ولا مضمونًا.

فكان الأحرى بهم أن يعززوا مشاريع إنسانية مستنبطة من الوعي الديني بمختلف صوره، بدل المضي في التحايل على الذات الإلهية، وهدفهم السعي إلى إلغاء دور الرب على الأرض.

ولكن ما لا يعلمه هؤلاء المغفلون أن مثلما لهم مفكرون يلهمهم الشيطان، هناك في الطرف الآخر رجال لله لا يعلمهم إلا هو، يفضحون تلك الأساليب، ويحذرون الناس من الابتعاد عن المناهج السماوية التي تتمثل في شكل الدين.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يبحث الإنسان عن السلام، ولا في أن يحاول أن يجد مساحة مشتركة بين المختلفين، فهذه حاجة إنسانية لا يمكن لعاقل أن يرفضها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول البحث عن السلام إلى محاولة لإعادة صناعة الإنسان من خلال تجريد إيمانه من خصوصيته، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون إنسانًا إلا بعد أن يتخلى عن الدين الذي شكّل وعيه ووجدانه.

فالإنسان لم يكن يومًا مجرد كائن يحتاج إلى قوانين تنظم حياته، وإنما هو كائن يبحث عن معنى وجوده، وعن مصدر أخلاقه، وعن الغاية التي جاء من أجلها إلى هذا العالم. ولهذا كان الدين بالنسبة إلى المؤمن ليس قطعة من التراث يمكن إعادة تشكيلها متى شاءت المشاريع الفكرية، وإنما هو علاقة بين الإنسان وربه، وعندما تتدخل المشاريع البشرية في هذه العلاقة لتعيد رسم حدودها، فإنها لا تعيد ترتيب الأفكار فقط، بل تحاول إعادة تعريف الإنسان نفسه.

وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل نريد إنسانًا متعايشًا مع اختلافه، أم نريد إنسانًا متشابهًا بعد أن نزيل من داخله كل ما يميزه؟

فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى إنسان يفهم دينه دون أن يحوّل اختلافه إلى سلاح ضد الآخر. والتعايش لا يحتاج إلى صهر العقائد، لأن التعايش في جوهره اعتراف بالاختلاف لا إلغاء له. أما أن نقول للإنسان: اترك خصوصيتك الدينية جانبًا حتى نصل إلى إنسانية مشتركة، فهذه ليست إنسانية كاملة، بل محاولة لصناعة إنسان منزوع الجذور.

والأخطر من ذلك أن تتحول كلمة «الإنسانية» إلى غطاء يسمح بإعادة صياغة كل شيء؛ فحين تصبح الإنسانية مبررًا لتغيير العقيدة، والسلام مبررًا لإلغاء الاختلاف، والحوار مبررًا لإعادة تعريف الأديان، فإننا لم نعد أمام مشروع للتقارب، وإنما أمام فلسفة جديدة تريد أن تجعل الإنسان هو المرجعية الأخيرة في كل شيء.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مصطلح «الدين الإبراهيمي» نفسه: من أعطى الإنسان الحق في أن يعيد ترتيب ما يؤمن بأنه صادر عن الله؟ ومن أين جاءت الجرأة على أن يتحول الإنسان من متلقٍ للرسالة إلى مهندس لها؟ وهل يستطيع العقل البشري المحدود أن يعيد صياغة ما يؤمن أتباع الأديان بأنه صادر عن عقل مطلق؟

إنني لا أخشى الحوار بين الأديان، ولا أخشى اختلافها، ولا أخشى أن يجلس المؤمن إلى جانب المؤمن المختلف عنه؛ الذي أخشاه هو أن يتحول الحوار من وسيلة لفهم الآخر إلى أداة لإعادة تشكيله، وأن يتحول السلام من فضيلة إلى ذريعة، وأن تتحول الإنسانية من قيمة نبيلة إلى مشروع يمحو من الإنسان علاقته بخالقه.

فالدين الذي يحتاج إلى من يعيد اختراعه ليس دينًا، والعقيدة التي تحتاج إلى مهندس بشري حتى تصبح مقبولة ليست عقيدة، والإنسان الذي لا يستطيع أن يتعايش مع المختلف إلا بعد أن يجرده من خصوصيته لم يتعلم التعايش بعد.

ولهذا فإن الدفاع عن الدين لا يعني إغلاق أبواب الحوار، وإنما يعني أن يبقى الحوار حوارًا، وأن يبقى الدين دينًا، وأن يبقى الإنسان إنسانًا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الأديان، وإنما أن يأتي من يريد أن يصنع دينًا جديدًا من بقايا الأديان، ثم يطلب من الجميع أن يسموه **إنسانية**.

 

الخلاصة ... لا أرى في مصطلح «الديانة الإبراهيمية» انتصارًا للدين، بل أراه ــ في صورته التي تُقدَّم بوصفها مشروعًا لصهر العقائد ــ محاولة لتجميل فكرة لا تستطيع أن تواجه حقيقتها بوجهٍ مكشوف. فحين تعجز الفكرة عن إقناع الناس بمنطقها، تبحث عن اسمٍ ناعم، وحين يصبح الاسم غير كافٍ، تُغرقه بالدعاية، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا للمشروع قبل أن يسألوا: ماذا يريد منا هذا المشروع؟

أيها المروّجون لهذا المصطلح، لا تجعلوا من اسم إبراهيم عليه السلام جسرًا تعبرون فوقه إلى إعادة صياغة عقائد الناس؛ فإبراهيم ليس ملكية فكرية لأحد، وليس شماعة تُعلَّق عليها مشاريع السياسة والفكر. إن كنتم تريدون الحوار، فالحوار لا يحتاج إلى اختراع دين جديد، وإن كنتم تريدون التعايش، فالتعايش لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف، وإن كنتم تريدون السلام، فالسلام لا يبدأ بإعادة تعريف عقيدة الإنسان.

أما أن تضعوا الأديان المختلفة في قالب واحد، ثم تطلبوا منا أن نصدق أنكم لم تغيّروا شيئًا، فهذه ليست براعة فكرية، بل محاولة لإقناع الإنسان بأن ما يراه بعينيه ليس هو ما يحدث أمامه.

إن أخطر عمليات الصهر لا تبدأ بإحراق الكتب، بل بإعادة تسمية الأفكار؛ لأنك عندما تغيّر الاسم، تبدأ بتغيير المعنى، وعندما تغيّر المعنى، يصبح تغيير الموقف مجرد خطوة لاحقة.

ولهذا سأبقى أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: احترموا الأديان إن كنتم تريدون احترام الإنسان، وحاوروا العقائد إن كنتم تريدون الحوار، لكن لا تصنعوا من اختلاف البشر دينًا هجينًا ثم تطلبوا منا أن نسمّيه سلامًا.

فالإيمان ليس مادة خامًا في مختبر سياسي، والعقيدة ليست مشروعًا تجريبيًا، وإبراهيم عليه السلام ليس بوابةً خلفيةً لتمرير مشروع لا يستطيع أن يعلن عن نفسه باسمه الحقيقي.

ومن يريد أن يوحّد البشر، فليبدأ بتعليمهم كيف يتعايشون مع اختلافهم، لا كيف يتخلون عنه.

السبت، 11 يوليو 2026

قراءة

 

 الصراع القيمي

تحت عنوان

قراءة في عمل سينمائي بعنوان (برشامة) لعام 2026

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ما زال هناك أمل.. بهذه الجملة أبدأ قراءتي في عمل سينمائي أُنتج لهذا العام، ينتمي إلى السينما المصرية، وهو - إذا ما أردنا أن نُبوِّبه - يكون من باب الكوميديا الساخرة. أُنتج العمل سنة 2026، وهو من تأليف وإخراج خالد دياب، وأداء مجموعة متميزة من الفنانين. وما يميز هذا العمل، بشكل عام، أنه أسقط نظرية البطولة المطلقة، وطرح مجموعة من القضايا بأسلوب ساخر. وقد يكون عنوان العمل غريبًا نوعًا ما، وهو (برشامة)، ويُقصد بها قصاصة الغش. وهنا سوف نقدم عرضًا لبعض التقنيات المستخدمة في العمل.

 

فكرة العمل... العمل برمته مستوحى من فكرة يجسدها مثل شعبي عراقي مفاده: (هم يضحك وهم يبكي). وتدور القصة حول لجنة امتحانية يُطلق عليها في مصر (امتحان بمنازلهم)، وهي الامتحانات الخارجية للطلبة الذين تأخروا في التحصيل الدراسي. وهنا تكون الفكرة جامعة لمجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل شرائح اجتماعية مختلفة، بينهم رجل دين، وراقصة، وسجين، وغيرهم الكثير. وهذا ما خلق نوعًا من الصراع القيمي في طرق الحصول على تقييم امتحاني عالٍ. وقد تكون فكرة الفصل الدراسي فكرة مستهلكة في السينما المصرية، إلا أنها في هذا العمل جاءت متميزة في طرح الموضوعات بصورة مختلفة.

 

نقاط القوة والضعف في العمل... لكل عمل في الحياة نقاط قوة تُحسب له، وأخرى ضعيفة تُحسب عليه. ومن أبرز نقاط القوة طرح المشكلة بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما، دون أن يفقد رسالته الأساسية، وهذا يتجسد في عبقرية النص وتقديمه بصورة مقنعة، مما يمنحه ميزة سهولة وصول الفكرة إلى المتلقي. بالإضافة إلى أداء جيد من أبطال الفيلم، خصوصًا في المشاهد التي تتطلب توازنًا بين الكوميديا والانفعال، حتى على مستوى الأدوار الثانوية.

وهنا تكون هناك نقطة مميزة رصدتها من خلال مشاهدتي للعمل، وهي أن الإيقاع السريع في الثلث الأول من الفيلم جذب انتباه المشاهد، وفي هذا أيضًا تميز يُحسب لإدارة العمل الفني، المتمثلة بشخصية المخرج.

ومن جملة القضايا التي طرحها الفيلم احتواء العمل على رسائل تربوية وأخلاقية دون تعقيد كبير، ومنها الصراع القيمي بين مجموعة من الشخصيات، مثل رجل الدين، والراقصة، والسجين، وهذه هي أصل الفكرة التي قام عليها العمل.

ومن خلال وجود مواقف كوميدية نابعة من الموقف الدرامي، أكثر من اعتمادها على الإفيهات فقط، شدَّ انتباهي أحد تلك الإفيهات التي تصب في فكرة الموضوع، والتي وردت في النص، إذ قال أحدهم: «إن الغش في بعض المواقف الحرجة حلال»، فرد عليه رجل الدين: «من الذي قال هذا؟ أنا أحفظ كل ما ورد عن ابن حنبل، ولم يرد شيء من هذا.» فرد الآخر قائلًا: «هذا لم يقله ابن حنبل، وإنما قاله ابن عمي.»

وهنا تبرز فكرة تسفيه القيم التي تُحسب على العمل. ومن باب الطرفة، فقد مرت عليَّ فكرة مشابهة لمحتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما قالت امرأة لزوجها: «إن الرجل لا يجوز أن يهمل زوجته، وهو حديث متفق عليه.» فرد الرجل: «ومن هؤلاء المتفقون على هذا الحديث؟» فقالت: «أنا ونسوان الحي.»

ومن هذا المنطلق يكون هناك ما يُعرف بتشويه الصورة للقيم الأخلاقية بصورة لينة، لزرع الفكرة في العقل الباطن للمشاهد.

 

المضمون... إن العمل، رغم ما ذُكر مما يُحسب عليه، يُعد عملًا ناجحًا يستحق المشاهدة إلى حد كبير، بسبب بساطة الطرح الممتع، وابتعاده عن تلميع الشخصيات في العمل، وهو الأمر الذي طالما تعودنا عليه. وهذا ما ينتمي إلى مفهوم السهل الممتنع، الذي عالج به مجموعة من القضايا بصورة موحدة في عمل سينمائي أعده، من وجهة نظري، طفرة فريدة في فوضى السينما، ليكون هذا العمل بمثابة بذرة أمل في تقديم عروض هادفة.

ومن زاوية أخرى، فإن العمل لم يكن يتحدث عن ورقة امتحانية بقدر ما كان يتحدث عن امتحان الضمير الإنساني، فكل شخصية دخلت قاعة الامتحان وهي تحمل معها منظومة من المبادئ والقيم التي تشكلت عبر سنوات طويلة، ولهذا لم يكن الصراع الحقيقي على الإجابة الصحيحة، وإنما على الوسيلة التي تُوصل إليها. فهناك من رأى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهناك من تمسك بقيمه حتى وهو يدرك أن خسارته قد تكون أكبر من ربح الآخرين. وهنا تكمن عبقرية النص، لأنه نقل الامتحان من كونه حدثًا دراسيًا إلى كونه مرآة تعكس طبيعة المجتمع، وكيف يمكن للحاجة أو الخوف أو الطمع أن تعيد تشكيل المبادئ عندما توضع أمام اختبار حقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن الفيلم لا يدين الغش بحد ذاته فحسب، بل يدين البيئة التي تجعل الإنسان يبحث عن المبررات قبل أن يبحث عن الحقيقة، وهذا ما منح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود الكوميديا ليقترب من النقد الاجتماعي الهادئ الذي يترك أثره في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.

 

الخلاصة ... يبقى العمل السينمائي الحقيقي هو ذلك الذي لا تنتهي حكايته عند نزول الستار، وإنما يبدأ تأثيره بعد مغادرة المشاهد لقاعة العرض. وهذا ما نجح فيلم (برشامة) في تحقيقه، إذ لم يكتفِ بصناعة الضحكة، بل جعل منها وسيلة لطرح أسئلة مؤجلة عن منظومة القيم التي أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا تحت وطأة المصلحة والظرف والتبرير. فالفيلم، وإن جاء في قالب كوميدي، إلا أنه قدّم رسالة مفادها أن سقوط الإنسان لا يبدأ حين يرتكب الخطأ، بل عندما يصبح الخطأ أمرًا اعتياديًا يجد له الجميع مبرراته. ومن هنا أرى أن قيمة هذا العمل لا تكمن في عدد المشاهد التي أضحكت الجمهور، وإنما في عدد الأفكار التي بقيت عالقة في أذهانهم بعد انتهاء الفيلم، ليؤكد مرة أخرى أن السينما، عندما تحترم عقل المشاهد، تستطيع أن تكون مدرسةً للفكر قبل أن تكون وسيلةً للترفيه.

الأربعاء، 25 فبراير 2026

مقال

 

الحرب والرأي العام

تحت عنوان

الصراع الإيراني الأمريكي

بقلم البارون الأخير محمود صلاح الدين



والمقصود في العنوان هو آراء الناس في الشارع العام، حيث تنقسم بين مؤيد ومعارض، وكلٌّ منهم له أسبابه التي تتوزع ما بين ذاكرة مشبعة بالمعطيات، وآخر ينطلق من باب اشتراك الفكر، وآخر طائفي وقومي. وهنا سوف نستعرض بعضًا منها لمعرفة بماذا يفكر المواطن البسيط ورؤيته للحدث.

 

ليس هناك حرب... وهنا ينقسم الرأي إلى قسمين: الأول منهم من يظن أن الأمريكان، وما يقومون به، عملية ابتزاز. ولكن ما يجهله الكثير أن أمريكا لا تكذب، ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن من خلال تجربتنا معهم تتمتع سياستهم بالنَّفَس الطويل، وإذا ما قالوا إنهم سوف يُقفلون الملف الإيراني فسوف يفعلون. ولكن ما يُرى ويُسمع اليوم هو جزء من الحرب النفسية في إنهاك الداخل، لتكون آثار الحرب أكبر مما يتوقع الجميع.

 

الصداقة الأمريكية الإيرانية... انتشرت في الآونة الأخيرة حكايات عن أن الطرفين متفقان، وما يحدث هو مجرد استعراض وهمي لا أكثر. وهذه المعلومة عارية عن الصحة، وذلك بسبب أنه لا أصدقاء في السياسة الأمريكية؛ فالمصالح الاستعمارية هي المعيار الوحيد في القضية. وإذا ما رأت أن النظام الإيراني يشكل مجرد عائق أمامها، فسوف تقوم بإزالة ذلك الشيء، وسوف يكون الأمر مجرد وقت.

 

نتائج ما بعد الحرب... لا أحد يعرف اليوم كيف سيكون شكل الحرب ومدتها، ولكن ما أنا واثق منه هو هزيمة النظام في الشرق، ويبدأ ما نوّهنا إليه في كتابات سابقة، وهو (عصر المقاطعات) وانتهاء حقبة الدول، وكل هذا ضمن البروتوكولات التي أُعدّت مسبقًا، وقد يعود زمن كتابتها إلى فترة تسعينيات القرن الماضي. ولكن لن تكون الأخيرة في الشرق؛ فالهدف القادم تركيا، والأيام القادمة سوف تثبت صحة ما كُتب هنا.

 

الداعمون والرافضون لهذه الحرب... وهنا أقول بثقة: (الجميع) سوف يتخلى عن حلفائه؛ فالنظام الإيراني اليوم يجمع مؤيديه ليس على القضية العقائدية كما يظن الكثير، ولكن جُمِعوا على أساس الاستفادة والدعم المادي والمعنوي، وهذا ما سوف يولّد نوعًا من خلق طبقة من المتخاذلين في صفوف المؤيدين لهم إذا ما ضُربت مصالحهم. أما الطرف الثاني، فسوف يكون النظام الإيراني وحده في هذه المعركة. أما عن الروس، فمن خلال عدة تجارب يبقى الحليف الأسوأ على مر التاريخ منذ التجربة الناصرية في مصر. وإذا قال أحدكم الآن: ماذا عن الصين؟ فهي أذكى من أن تغامر فيما حققته على الصعيد الصناعي والاقتصادي في عملية محسومة. وما لا يدركه الإيرانيون هو أن العالم أجمع تحكمه المصالح والمال، ولا شيء يعلو فوق هذا.

 

الإعلام وصناعة الرأي العام ... ثمة نقطة لم يُلتفت إليها بما يكفي، وهي أن الحرب اليوم لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل تُخاض بالعقول. فالإعلام أصبح شريكًا مباشرًا في إدارة الصراع، لا ناقلًا له فقط. ومن يظن أن الصورة التي تصله عفوية فهو واهم؛ لأن كل مشهد يُبثّ محسوب بدقة ضمن معادلة التأثير النفسي. وهنا يتشكل رأي عام موجَّه لا رأي عام حر، فتجد المواطن البسيط يتبنى موقفًا يعتقد أنه نابع من قناعته الخاصة، بينما هو في الحقيقة نتاج غرفة عمليات إعلامية.

 

الاقتصاد بوصفه سلاحًا موازيا ... لا يمكن قراءة أي صراع بمعزل عن الاقتصاد. فالعقوبات ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي أدوات تفكيك بطيء للبنية الداخلية للدول. إنها حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف العملة، والسوق، والطبقة الوسطى تحديدًا؛ لأن سقوط هذه الطبقة يعني اهتزاز الاستقرار الداخلي. ومن هنا نفهم أن الضغوط الاقتصادية قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية نفسها، لأنها تُحدث شرخًا صامتًا في الجبهة الداخلية.

 

الداخل الإيراني بين العقيدة والمصلحة ... ثمة معادلة دقيقة داخل إيران نفسها، بين خطاب أيديولوجي تعبوي وبين واقع اقتصادي ضاغط. وهذه الازدواجية قد تصمد في أوقات الرخاء النسبي، لكنها تُختبر بشدة في أوقات الأزمات الكبرى. والسؤال الحقيقي ليس: هل يصمد النظام عسكريًا؟ بل: هل يصمد اجتماعيًا واقتصاديًا إذا طال أمد المواجهة؟ فالتاريخ يخبرنا أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية، بل أحيانًا بتآكل داخلي بطيء.

 

الدول الإقليمية وحسابات الظل ... المنطقة برمتها تراقب، لكنها لا تتحرك إلا بقدر ما تفرضه مصالحها. فبعض الدول قد تُظهر موقفًا معلنًا، بينما تتحرك في الخفاء باتجاه مغاير. والسياسة في الشرق الأوسط قائمة على مبدأ التوازن القلق؛ فلا أحد يريد حربًا شاملة، ولا أحد يمانع في إضعاف خصمه عبر حرب بالوكالة. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطابات العلنية.

 

الرأي العام العربي بين العاطفة والواقعية ... الرأي العام العربي غالبًا ما يتأرجح بين موقف عاطفي قائم على رفض الهيمنة الأمريكية، وموقف براغماتي يرى في الصراع فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. وهذه الازدواجية تخلق حالة من الانقسام الحاد، لأن الوعي الجمعي لم يتحرر بعد من تأثير الذاكرة التاريخية الثقيلة. فالمواقف لا تُبنى فقط على الحاضر، بل على تراكمات الماضي.

 

سؤال ما بعد الحسم ... حتى لو افترضنا أن الحرب وقعت وحُسمت لصالح طرف دون آخر، فإن السؤال الأكبر: من سيملأ الفراغ؟ فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط نظام لا يعني ولادة استقرار، بل قد يفتح أبوابًا لفوضى ممتدة. ومن هنا فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تتجاوز لحظة الصدام إلى ما بعدها، لأن إعادة تشكيل الخرائط لا تتم بقرار عسكري فقط، بل بمسار طويل من إعادة هندسة النفوذ.

 

الخلاصة ... وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس في تحليل المشهد، وقد تتضارب القراءات بين من يرى حربًا وشيكة ومن يراها مجرد استعراض، لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن العالم لا يُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، ولا تُحسم المعارك بالشعارات، بل بميزان القوة.

من يراهن على العواطف سيُفاجأ، ومن يراهن على التحالفات سيُخذل، ومن يعتقد أن الشعوب هي من تقرر مصير الحروب فهو لم يفهم بعد كيف تُكتب الخرائط في الغرف المغلقة.

الحرب إن وقعت لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة فرز كبرى تسقط فيها الأقنعة، ويُعرف فيها من كان يصرخ باسم القضية ومن كان يحسب الأرباح. وعندها فقط سيدرك الجميع أن ما كان يُقال في العلن شيء، وما كان يُدار في الخفاء شيء آخر تمامًا.

وأقولها بوضوح: القادم ليس كما يتصوره الساذجون، وليس كما يطمئن إليه الحالمون. المنطقة على أعتاب تحوّل كبير، ومن لا يقرأ المشهد بعين العقل لا بعين العاطفة، سيجد نفسه خارج التاريخ لا داخله.. والأيام وحدها كفيلة بأن تقول الكلمة الأخيرة… لكنها لن ترحم من لم يستعد لها.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

مقال بعنوان / صور على جدار المقهى

 

 صور على جدار المقهى

تحت عنوان

السيرة الذاتية لعبود المجنون

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يُقال إن لكل دولة رجالًا، وهكذا الحال في حياتنا اليومية، وباختلاف الأزمنة والأسماء ما بين العظماء والأقزام، وللتفريق بينهم يكون الناتج الحياتي هو الفيصل، ومن باب ترك الحكم للقاعدة الاجتماعية في النتاج الإنساني، وترك التباهي بما لا يملك أحدهم، حتى قيل: (إن من أكثر في حمد نفسه فقد ذمّها).

وقد كانت حكاية من التراث الموصلي، امتزج بها الواقع والخيال، مفادها: (كان هناك في شارع حلب في الموصل، وهو من الشوارع القديمة في المدينة، رجل يُدعى عبود المجنون، له عربة لبيع «الكركري»، وهي عبارة عن علكة صلبة، يقف بها أمام المقاهي هناك، وقد كان على أحد الجدران صور لأدباء ومفكرين، وجرت العادة الوقوف أمام تلك الصور وتأملها كنوع من أنواع الحسد، ولكن بعد فترة ضرب زلزال اجتماعي المدينة فدمّر كل شيء، وسقطت جميع تلك الصور، عندها أسرع عبود المجنون في تعليق صورته على جدار ذلك المقهى المهدّم، كنوع من الانتصار الوهمي لتلك الشخصية التي تشعر بداخلها بالتهميش).

وإذا ما تأملنا الدروس والعِبر المستخلصة من مجريات تلك الحكاية، يكون هناك قول واحد، وهو: (إن أثرك هو ما تقدمه للمجتمع والبشرية). أما عن مسألة التقييم والإشادة بما تفعل، فاتركها لغيرك، فمن يمتلك مشروعًا إنسانيًا لا يكون هناك قانون ثابت لبدء الربح والخسارة، وإذا ما خرجت الأمور عن هذه النظرية يكون هناك نوع من أنواع الإسفاف في تقديم نفسك كمشروع إنساني، فلم يُروَ عن أحد من قبل قد خُلّد ذكره من خلال أعمال يشوبها نوع من الإسفاف.

القيمة الإبداعية تكون فقط في امتلاك الأدوات الكتابية، لا من خلال وسائل التملق والتلميع لشخص آخر من باب الشعور بالنقص، فالمبدع الحقيقي يدرك أنه أمام مسؤولية تاريخية، والكتابة لا تكون لتقول عنك الناس إنك كاتب أو أديب أو مثقف، ولكن يجب أن تكون لك رسالة لها هدف نبيل لخدمة العامة.

 

الريادة المزعومة شعور خاص لعبود منذ سنوات، وهو يتأمل تلك الصور ويسأل نفسه: ما الذي قدمه هؤلاء لتكون صورهم على الجدار؟ ولماذا لا تكون لي صورة معهم؟ ويُعد هذا نوعًا من الأسئلة الغبية إلى حد كبير، وهو يجهل حقيقة مفادها: (إن لكل مخلوقات الله إحساسًا، ولكن ليس كلها من يمتلك الأدوات للتعبير عن ذلك الإحساس). وهنا يكون هو أسوأ أنواع المجانين من الناحية العملية، فقد جمع ما بين الغباء والجهل، وهذا ما جعله يفتعل شعور الريادة المزعومة في داخله، فليس من الأهمية أن تقرأ آلاف الكتب، ولكن الأهم أن يكون لك رأي بما قرأت، وغير ذلك تتحول إلى طائر ببغاء ساذج، تردد كلمات قرأتها ولا تفهم المعاني والأهداف التي كُتبت لأجلها.

آخر مسمار في نعش عبود المجنون… سوف يغضب كل من يقرأ هذه الكلمات ويظن أن المقصود عددهم، ويبتسم بعضهم ليقول إن هذا المقال كُتب عبر الذكاء الاصطناعي، فوالله لو تمكن هو من كتابة هذا كما أكتبه أنا، لخرج من زوايا الذكاء ودخل حيّز العبقرية، وعبقريتي هنا تكمن في رصد أفعال الحمقى والمغفلين والمجانين، كما فعل من سبقنا في هذا، وهو الجاحظ رحمه الله. وقد قيل في القدم إن صياغة النص اقترنت بمهنة صياغة الذهب، وهم اليوم يمثلون تجار معدن التنك بدكاكين كُتب عليها كلمة (صائغ)، ولكن يبقى الزمن وحده الكفيل بالتمييز ما بين الخبيث والطيب، فيومًا ما سوف يرحل عبود، ويرحل معه أعماله الساذجة، ويبقى ما يستحق البقاء، هي كلمات كُتبت، ولو فهم أحدهم المقصود والمراد، لما كُتب بعد اليوم حرف واحد.

المصيبة الحقيقية ليست في عبود المجنون، بل في الجدار الذي سمح لصورة بلا أثر أن تُعلّق، وفي مقهى صفق للوهم، وفي جمهور لم يسأل يومًا: ماذا قدّمت؟ فالمجانين لا يصنعون الكارثة وحدهم، بل تصنعها بيئة تُكافئ الضجيج وتخاف المعنى. وحين تختلط الصور بالأسماء، ويُسوّى الأثر بالادّعاء، تتحول الثقافة إلى ديكور، والكتابة إلى ملصق، والتاريخ إلى حائط بلا ذاكرة. عندها لا نكون أمام عبود واحد، بل أمام مدينة كاملة تُعلّق صورتها على جدار الوهم، وتنتظر من الزمن أن يصفّق.

 

الأحد، 18 يناير 2026

مقال

 

 أكاذيب قد تهدم الحياة

تحت عنوان

قراءة قرأتُها بداخلي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



عندما كنّا صغارًا، كانوا يقولون لنا – بما معناه –: «الذي يتعب يلعب»، في إشارةٍ إلى أن التعب في بدايات الحياة قد يجلب السعادة لاحقًا. غير أن الحقيقة، التي لم ندركها آنذاك، أننا كنّا ندرّب أنفسنا بصمت على متاعب الأيام القادمة، لا أكثر.

ثم نفتح الراديو، فنسمع الموسيقار والمطرب فريد الأطرش ينشد: «الحياة حلوة… بس نفهمها». وهنا يبرز السؤال: هل فيما قاله شيء من الصحة؟

ولو سألت اليوم أيّ شخص عن معنى السعادة، لما وجدت اثنين على هذه الأرض يتفقان على إجابة واحدة. وهذا بحد ذاته دليل على أن كل شيء في هذه الحياة يخضع للنسبية، وأن الحديث عن السعادة ليس سوى محاولة بعض علماء النفس لتجميل المرّ، وإقناعك بأن نبات الحنظل له مذاقٌ رائع.

وقد جاء في قول الله تعالى تكذيبٌ استباقي لما سيُروَّج لاحقًا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فنحن نتعرّض يوميًا لحزمة من الأكاذيب التي تعمل على تغييب الوعي الإنساني، ومن أبرزها:

«طارد شغفك» ... والشغف هنا منبثق من الرغبة، والرغبة هي اختلاجات نفسية لا أكثر. وهنا يتجلّى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾

وفي هذا الطرح خروجٌ صريح عن الإرادة الإلهية، وكأنهم يقولون لك: دع الله وشأنه، وطارد رغباتك بحماسة عمياء.

ولو عدنا إلى مفهوم الشغف في النفس البشرية، لوجدنا أن الإنسان قد يشغف بكل ما يُخرجه عن قاعدته الإنسانية، وبذلك يُبعد عن سبب وجوده الحقيقي.

 

«الحب لا يُطلب» ... وهي كذبة عظيمة. فالواقع يقول إن الحب يُطلب، حتى على مستوى المحبة الإلهية. ولو كان العكس صحيحًا، فما الحاجة إلى الأنبياء إذن، لتنظيم علاقة البشر بالذات الإلهية؟

يتناسى أصحاب هذا الادعاء حقيقة بشرية أصيلة، وهي النسيان، مما يُسقط فرضياتهم من الأساس.. أما الغرض من هذه الكذبة، فهو سحق العلاقات الإنسانية، واستبدالها بالفردية، لأن الفرد المعزول أسهل في السيطرة.

«أنت استثنائي» ... واحدة من أشهر أكاذيب ما يُسمّى بعلم التنمية البشرية؛ ذلك التيار الذي يهدف إلى تخدير العقول. تسمع أحدهم يطلب من الحضور ترديد عبارة: «أنا استثنائي» بصوتٍ عالٍ، لزرعها في العقل الباطن.. لكن هل سأل أحدهم نفسه: بماذا تميّزت فعلًا عن غيرك؟

الإجابة غالبًا: لا شيء.

ومن أخطر أضرار هذه الكذبة، منح الذات هالة وهمية من التعالي، سرعان ما تصطدم بالواقع المرير، فتنتج جموعًا من الفاشلين الذين يعلّقون إخفاقهم على شماعة الآخرين، وفي هذا أيضًا خروج عمّا أراده الله.

«القلب لا يكره»... ولا أدري أيُّ حماقةٍ هذه! فلولا وجود الكراهية لما صلح بشرٌ على هذه الأرض.

من منّا لا يكره الأعمال غير الصالحة؟

فلولا كرهك للكذب، لما كان للصدق معنى.. ولولا كرهك للغش، لما استقام الصلاح.. ولولا كرهك للقتال، لما كان هناك سلم بين الناس.. بل إن الله تعالى نفسه صرّح في أكثر من موضع بأنه يكره عمل السوء.. وعليه، فلا حقيقة لعبارة: «القلب لا يكره».

«استمرارية السعي وحتمية الوصول» ... لماذا تُرهق نفسك بالجري خلف مكتسبات مادية ووهمية، وهناك حقيقة واحدة لا ينكرها أحد: الموت؟

البديل الحقيقي لهذه الأكذوبة هو ترك الأثر بعد الرحيل.. ومن المنظور الديني، فالحساب ليس على حتمية الوصول، بل على أسلوب السعي.. فالأنبياء جميعًا سعوا لنشر المبدأ السماوي، لكن هل حققوا جميعًا الوصول؟ .. الجواب: لا.

وهذا يثبت أن ما نقدمه في الحياة هو اجتهاد، أما التوفيق فمسألة بيد الله وحده.

«لكل ظالم نهاية» ... لا صحة لهذا القول مطلقًا.. فلو كان صحيحًا، لما كانت هناك قيمة ليوم الحساب.. انظر إلى كثير من الظالمين، ستجد لهم جنازات مهيبة، تحشد لها الجموع.

أما الغرض من هذه الكذبة، فهو إسكاتك عمّا يُرتكب بحقك، كنوع من التخدير الموضعي، ليتسنى للطرف الآخر فعل ما يشاء.

«اعتزل ما يؤذيك» ... وفي هذا تكذيبٌ صريح لقول رسول الله ﷺ: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» وحاشا لرسولنا الكريم أن يدعو إلى العزلة عن الناس.. فالذين حولك هم مختبر حقيقي لما تؤمن به، وميزان لصدق إيمانك.. وهذا ليس دعوة لإلغاء الخصوصية، بل دعوة لبناء المواقف عبر الاحتكاك بالسيئ والجيد معًا.

«أنت آخر الرجال المحترمين».. وهي محاولة لتعميق المظلومية، وتصوير العالم وكأنه تحوّل إلى حضيرة من الوحوش.. وهذا غير صحيح.. هذه الفكرة تنتمي غالبًا إلى فئة الضعفاء، العاجزين عن مواجهة الحقائق.. فالأصالة اختيار، لا قدر.. أن تكون مسيئًا هو اختيارك، وأن تكون عكس ذلك هو أيضًا اختيارك.

ومثلما أنت متمسك بالقيم والمبادئ، هناك كثيرون يشبهونك، وإن لم يعلنوا عن أنفسهم.

ومن هنا نفهم خطورة تلك الأكاذيب التي تُروى على مسامعنا دون وعي، فنأخذها كحقائق، ونعمل بها، فنخسر الكثير.. وهذا ليس دعوة لرفض آراء الآخرين، فكما يقول المثل الشعبي: «يفوتك من الكذّاب صدق كثير».

لكن يبقى الميزان الحقيقي هو: «استفتِ قلبك، وشاور عقلك»؛ فإن اتفق الاثنان، كان هناك حق، وكانت هناك حقيقة.

لسنا ضحايا الحياة كما نحب أن نصدّق، بل ضحايا الأكاذيب التي صدّقناها طواعية، ولبسناها كحقائق مقدّسة، ثم بكينا تحت أنقاضها. لم تُهزم عقولنا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الزيف كان أسهل، وأخف وطأة من مواجهة أنفسنا عراة بلا شعارات.

أخطر ما في الكذبة أنها لا تقتلك فورًا، بل تُدرّبك على التعايش مع الموت البطيء، وتُقنعك أن العمى بصيرة، وأن الخضوع حكمة، وأن التخدير وعي. وحين تفيق، إن أفقت، تكتشف أنك لم تُسرق يومًا… بل تنازلت.

لهذا، لا تبحث عن الحقيقة في أفواه الوعّاظ الجدد، ولا في كتب التنمية، ولا في شعارات السوق. الحقيقة قاسية، لا تُربّت على كتفك، ولا تعدك بالسعادة، لكنها الوحيدة التي لا تخونك.

ومن لا يحتمل ألم الحقيقة، فليستعد لحياة كاملة من الكذب… مقنّعة بالرضا، ومختومة بالخسارة.

وهنا فقط يبدأ الامتحان الحقيقي: إمّا أن تكون واعيًا ومتعبًا، أو مخدَّرًا… وتظن نفسك حيًّا.

النهاية ...قبل أن تُبادر بالتعليق، لا تسأل نفسك ماذا ستقول، بل اسأل: من أنا ثقافيًا؟

فالتعليق ليس رأيًا عابرًا، بل مرآة وعيك، وملامح ثقافتك، وحدود إدراكك للاختلاف.. الشتيمة لا تُسقط الفكرة، والسخرية لا تُنتج وعيًا، والتكفير لا يصنع حقًا.. ناقش إن كنت قادرًا على الفهم، وانتقد إن امتلكت أدوات النقد، واصمت إن شعرت أن انفعالك يسبق وعيك.. ففي سطر واحد قد تفضح ضحالة ثقافتك… أو تُثبت أنك قارئ يفهم قبل أن يحكم.

مقال

    تجريم الفعل لا تجريم الشخوص تحت عنوان قصف المدينة المنورة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين من المسلّمات التي لا تقبل الجدا...