معضلة الخالق والمخلوق
تحت عنوان
الأزمة الإلهية
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لا صحة لمقولة: "لا يجوز الحديث فيما يخص
الذات الإلهية"، ودليلي في هذا أن الخالق قد تحدث إلى خلقه عن ذاته، كما ورد
في النصوص السماوية. وإذا ما أعدنا قراءة تلك النصوص، فسوف تظهر لنا العديد من
الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير، ومنها قضية الخلق وسر
وجوده على هذه الأرض.
وهنا سيجيبنا أحد العباقرة التقليديين بالنص
القرآني:
"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" –
صدق الله العظيم.
وفي تلك الإجابة، يتصرف من يرددها كأنه الوحيد
الذي يملك الحقيقة، وكأن كل من على الأرض من بشر لا يقرؤون ولا يفهمون. وفي حقيقة
الأمر، فإن هذه الأجوبة ما هي إلا عملية هروب من مسؤولية تشغيل النظم العقلية
للإنسان، وهو حال كثير من البشر اليوم. واليوم، وفي هذه السطور، ستقرأ ما لم تقرأه
من قبل عن هذا الموضوع. ولتقديم مقدمة منطقية، يجب أولًا فهم الشخصية الإلهية،
والمقصود بها: الرب.
الرب هو المحور لكل شيء في محيط الكون، وهو جزء
من هذا المحيط، وليس هناك وقت محدد لبداية الأحداث. ومن خلال القراءة المتتابعة
للكتب السماوية، سنجد أن فكرة خلق بني آدم ليست الأولى – وقد أكده الحوار بين
الإله والملائكة – ولن تكون الأخيرة. فالخلق هنا عبارة عن مشاريع إلهية، بغضّ
النظر عن مبدأ النجاح أو الفشل.
وكأي مشروع، يكون له معارضون ومؤيدون. وهذا ما
حدث في قصة خلق الإنسان منذ اليوم الأول، واختلفت الاعتراضات ما بين حميدة وخبيثة.
ومن أبلغ الدروس في هذا أن الذات الإلهية تتقبل الرأي الآخر، وهو ما لم يستطع
الإنسان فعله.
الشيطان الكاذب الذي صدق... تبدأ القصة
بالاعتراض على خلق آدم. وكان لا بد من فعل شيء كردّة فعل. ولأن الشيطان كان على
دراية بالصفات الإلهية، فكّر في أن يمنح الإنسان الأول ميزة من تلك الصفات التي
لله وحده. ومن ما يتباهى الله به: أنه الحي الذي لا يموت، وهذا ما دفع الشيطان إلى
إقناع الإنسان الأول بأن يأكل من شجرة الخلد. وهذا ما أغضب الله، لأن الإنسان أصبح
يشترك مع الله في صفة الخلود. ولكسر هذه القاعدة، كان لا بد من إدخال فكرة الموت،
لضمان تفرد الذات الإلهية بهذه الصفة. ولم تذكر النصوص السماوية شخصية الطرف الآخر
في الاعتراض، وقد يكون هو الشيطان ذاته. وهنا يمكننا القول إنه الكاذب الذي صدق.
المأزق الإلهي... يكمن هذا المأزق في آلية الفهم
لدى المخلوق. وبرغم أن الله أرسل العشرات، وربما المئات، من الرسل والأنبياء، فإن
الهدف من إرسالهم لم يكن فقط توجيه البشر إلى العبادة التقليدية، بل التوضيح
العميق لمعنى الخلق، وما هو مطلوب من الإنسان. والغرض لا ينحصر فقط في العبادة، بل
في تجنب الوقوع في أمرين خطيرين: (الفساد وسفك الدماء) وهذان هما ما يميزان
الإنسان المعاصر – للأسف. وبهذا، تكون البشرية قد وقعت في المأزق الإلهي، وهو ما
قد يجلب غضب الرب، ويجعله مضطرًا إلى إيقاع أقصى العقوبات على الخارجين عن القانون
السماوي.
أديمومة الرب والخلق... آدم لم يكن الأول، ولن
يكون الأخير.. والغريب في الأمر هو الإصرار المتواصل من قبل الذات الإلهية على خلق
من يحملون الاستمرارية، مرحلةً بعد أخرى، وكأن الأمر مرتبط بوجود الرب ذاته. وقد
يرى البعض في هذه الكلمات نوعًا من الإلحاد، لكنها الحقيقة التي يخاف الجميع
الحديث عنها، بسبب أن رجال الدين جعلوا الحديث عن الله خطيئة. وقد عملوا على ذلك
منذ زمن طويل.
الخلاصة... إن الرب إذا أراد شيئًا، فمن البديهي
أن يقول له: "كن فيكون". لكن قصته مع الخلق تكمن في أن استمرارهم يمنح
ديمومةً للوجود الإلهي. وهذه ليست فرضيات، بل هي خطوط انسيابية تنتهي عند أن كل ما
في السماوات والأرض مرتبط بوجود الله. وديمومة هذا الوجود مرتبطة ببني البشر على
هذه الأرض. وهنا أقول: "إلهي، إنني قد اجتهدت، فإن أصبت، فهذا لوجهك، وإن
أخطأت، فأنت غفّار الذنوب."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق