حديث ما فوق العقل
تحت عنوان
معضلة السلام
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
من باب: (يحسبونها هينة وهي عند الله عظيمة)، تبدأ
الحكاية بحديثٍ لصباح اليوم مع والدتي – حفظها الله – عن موقفي من بعض الشخوص
الذين قد ألتقيهم أيام العيد، وإلقاء السلام عليهم. وكان رأيها أنه لا ضرر في
إلقاء السلام من باب المجاملة، وهو ما كنت أرفضه جملةً وتفصيلًا، ولدي في ذلك سبب
سأوضحه في هذه السطور.
السلام تحيتُنا نحن المسلمين فيما بيننا، وكثيرون يجهلون
خطورة هذه الكلمة ومعناها الحقيقي وما ترمز إليه؛ فإلقاء التحية يعني أنك قد أبرمت
مع الطرف الآخر معاهدة سلام، وقد أشهدت الله عليها، وهذا ما يُلزمك بقضايا قد لا
تستطيع الالتزام بها، ومنها:
مسألة "الأمان"، فبتحيتك تلك قد أمّنته على
نفسه وماله وعِرضه منك. ولكن السؤال: من مِنّا اليوم يلتزم بما هو مطلوب منه بهذه
المعاهدة؟
فاليوم لا تجد بين الناس إلا صفات: (النميمة، الحسد،
الحقد، الخيانة)، فإذا وُجدت واحدة من هذه الصفات بينك وبين الطرف الآخر، فقد
وضعتَ نفسك في مأزق كبير؛ يكمن في أنك عندما قلت: (السلام عليكم)، فقد جعلتَ شخصية
الرب، المتمثلة بـ(الله)، حاضرة وشاهدة عليكما. وهذا لأن كلمة "السلام"
هي اسم من أسمائه الحسنى – عز وجل.
وقد يقول أحدكم عند قراءة كلماتي هذه إن كاتبها ينتمي
إلى السذاجة في اختيار مواضيعه الكتابية، ولكن هذا غير صحيح، فالعمل بخلاف ما كُتب
سيدخل فاعله في باب من أبواب النفاق: (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار)، كما
قال رسولنا الكريم ﷺ.
ولذلك، علينا أن نتدبر القضايا التي تريد الذات الإلهية
أن تكون حاضرة على هذه الأرض. وقد يظن كثيرون أن غضب من في السماء على البشر محصور
في القضايا التقليدية للعبادة، كالصلاة والصوم، ولكن للحقيقة وجه آخر؛ فالغضب قد
يكون في تصرفات اعتدنا عليها ونحسبها من الأمور الصغيرة التي يمكن التغاضي عنها
يوم الحساب.
وهنا أستذكر من الكتاب قوله تعالى:
(عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكّى) – صدق
الله العظيم.
وفي هذا دلالة وتأكيد على المغزى المراد من فكرة المقال،
فقد يكون الفعل الذي عاتب الله به نبيَّه الكريم ﷺ، لا يكاد يُذكر، ولكنه كان
سببًا في نزول الوحي؛ ليُذكرنا بأننا قد نرتكب أخطاءً تبدو بسيطة، لكنها كارثية
يوم العرض العظيم، وهذا ما أردت التحذير منه.
ولهذا، فإن التحية لها التزامات يجب التقيُّد بها، فهي
ليست مجرد كلمة تُقال لغرض الاستعراض الاجتماعي. وليس هذا فحسب، بل وما يدريك كم
في حياتنا اليومية من عادات قد تكون سببًا في هلاكنا أمام الله.
لهذا يجب أن تكون لنا منهجية نستطيع من خلالها إيجاد
قراءة دينية تتناسب مع حاضرنا، والابتعاد عن نظرية:
(هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا) صدق الله العظيم
فالعقل اليوم أصبح يملك قدرات تختلف عمّا كان عليه، وقد
كُتبت كثير من التشريعات في فترات معينة. وهذه دعوة لأولي الألباب للتدبر فيما
يُكتب ويُطرح على العامة، من مسائل شُوّه بها وجه العقيدة الدينية، بغض النظر عن
قدسية كاتبها.
الخلاصة ... إن ما كُتب في هذا المقال هو من أهم القضايا
التي تلامس حياتنا اليومية، وقد يكون غاب عن كثير من الناس؛ وذلك لأن العالم اليوم
يعيش في عملية تغييبٍ منظمٍ لمنهجية العقل، وكان لا بد من التذكير، من باب:
(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)
– صدق الله العظيم.
وأنا أكتب هذه الكلمات لا أدّعي بها الصلاح، ولكن الكلمة
التي أكتبها أعلم أنها ستكون حُجّة لي أو عليّ يوم الموعد، ولهذا أريدها أن تكون
لي لا عليّ... وأنا على يقينٍ كامل، وأشهد الله، أنني ما كتبت حرفًا إلا وأنا أعلم
أنني أكتب الحق، وسوف يعلم الحق بذلك.
اللهم إني بلّغت، فاشهد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق