قضايا
عشائرية (يا عزيزي كلنا شيوخ)
تحت
عنوان
العشيرة
من تكثر شيوخها
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
القبيلة
أو العشيرة هي تجمعات بشرية ترتبط فيما بينها بالأنساب أو روابط الدم، وتُبنى على
أساسها علاقات اجتماعية متوارثة عبر الزمن. ولكل هذه التجمعات شخصيات قيادية تدير
المشهد، سواء على مستوى القبيلة أو العشيرة، ويُطلق على هذه الشخصية لقب “الشيخ”،
وهو منصب تشريفي قائم على معايير متفق عليها داخل البيئة العشائرية.
وتعود
هذه التقاليد إلى الموروث العربي عبر التاريخ، إذ كان يُطلق قديمًا لقب “السيد”،
أما تسمية “الشيخ” فلها جذور مرتبطة بتلقي العلوم عند العرب، فغالبًا ما كان يُقال
عن أصحاب العلم والمعرفة “شيوخ”.
أما
اليوم، فقد انتشرت ظاهرة غريبة تتمثل بكثرة حاملي هذا اللقب، بحق أو من دونه،
والأصح أن هذا اللقب كان يُكتسب في العادة بالوراثة بوصفه دليلًا على أصالة النسب
والعِرق، إلا أن هذه القاعدة قد كُسرت في أيامنا هذه، وأصبح حمل هذا اللقب مرتبطًا
بارتداء “العقال والدشداشة والعباءة”، الأمر الذي انعكس بصورة كارثية على
المجتمعات العشائرية، حتى بات الحال أشبه بالمثل الشعبي القائل: “ما بعد
تعرف رجلها من حماها”.
من هو
الشيخ؟ ... تحمل
هذه الشخصية العديد من الصفات، أبرزها: التاريخ، والنسب، والأخلاق، وجميعها تُعد
من المقومات الأساسية لتمثيل هذا المنصب.
فالتاريخ
هنا يُعتبر من القضايا الجوهرية، إذ لا يمكن لأي شخص أن يتصدر هذا المكان من دون
ماضٍ مشرّف، سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي. أما النسب، فهو من البديهيات التي
تقترن بالأب والجد، لأن الموضوع مرتبط بأصل الموروثات الاجتماعية والعشائرية.
ثم تأتي
الأخلاق، وهنا يكمن أصل الموضوع، ولهذا المصطلح معانٍ كثيرة، لكن أهم ما يجب أن
تمثله هذه الشخصية لنجاح هذا المشروع الاجتماعي هو أن يكون الشيخ جامعًا لا
مفرقًا؛ فإذا كان الأول أصلح وأصلح من معه، أما إذا كان الثاني فقد أفسد الأمر
برمته.
مساوئ
تعدد الشيوخ ... إن
من أبرز مساوئ هذه الظاهرة هو إضعاف وحدة القرار، فكثرة أصحاب القرار تؤدي إلى
تشتت تلك الجماعات وإضعافها، مهما بلغ عددها. فالسفينة التي تُدار بأكثر من ربان
يكون مصيرها الغرق، وهذا الأمر ينطبق على القبيلة أو العشيرة.
ورغم
أنني لا أؤمن كثيرًا بهذه التجمعات، لكن من باب “حشر مع الناس عيد”، كان لا بد من
وضع مفاهيم صحيحة لهذا الموضوع. ويبدو أن هذه المنهجية تُتبع من قبل بعض الشخصيات
لغرض ديمومة الخلافات داخل القبيلة أو العشيرة، للاستفادة المعنوية والمادية منها.
إن خلق
مثل هذه الأجواء المشحونة يساهم في بقاء الناس تحت سلطة المحبين للنفوذ، فبعض
الأشخاص خُلقوا وهم يعشقون السلطة، حتى وإن كانت على حجر، إلى درجة أن بعض الشخوص
باتت تسعى للحصول على لقب “شيخ” على شخص أو شخصين داخل دائرته العائلية المغلقة،
وهذه بحد ذاتها كارثة اجتماعية حقيقية.
ولعل
أخطر ما في هذا الموضوع أن البعض أصبح يتعامل مع مفهوم “الشيخة” وكأنه وسيلة
لإثبات الوجود الاجتماعي لا مسؤولية أخلاقية وإنسانية، فترى البعض يسعى خلف اللقب
أكثر من سعيه خلف خدمة الناس، حتى أصبحت بعض المجالس العشائرية عبارة عن صراع
ألقاب واستعراض أسماء، بينما تضيع القضايا الحقيقية التي وجدت العشيرة من أجلها،
مثل الإصلاح بين الناس وحماية الضعيف وحفظ هيبة الجماعة.
فالعشيرة
التي تتحول إلى ساحة تنافس بين عدة شيوخ تفقد تدريجيًا قيمتها المعنوية، لأن كثرة
الرؤوس تخلق التصادم، والتصادم يولد الانقسام، والانقسام يفتح أبواب الثأر والحقد
والخلافات الداخلية، وهنا تتحول العشيرة من قوة اجتماعية إلى عبء اجتماعي.
والأمر
الأكثر غرابة أن البعض بات يمنح نفسه هذا اللقب اعتمادًا على المال أو العلاقات أو
عدد الأشخاص المحيطين به، وكأن تاريخ العشائر يمكن شراؤه أو صناعته خلال ليلة
وضحاها، متناسين أن المكانة الحقيقية لا تُفرض بالقوة ولا تُشترى بالمصالح، بل
تُبنى عبر سنوات طويلة من المواقف المشرفة وحفظ الكلمة واحترام الناس.
ولهذا
فإن المجتمعات العشائرية اليوم لا تعاني من قلة الشيوخ، بل من قلة الرجال الذين
يفهمون معنى أن يكون الإنسان شيخًا، لأن الشيخ الحقيقي ليس من يرفع صوته في
المجالس، بل من يستطيع أن يُطفئ نار الفتنة قبل اشتعالها، ويجمع الناس عندما
يتفرقون، ويقف مع الحق حتى لو كان ضد نفسه وأقرب الناس إليه.
الخلاصة ... إن
بيئتنا اليوم تحتاج إلى تأسيس قاعدة صحيحة لهذه الجماعات، تقوم على أسس بعيدة عن
المصالح الشخصية والمحسوبية، من أجل بناء جسور اجتماعية تعود بالفائدة على الجميع،
خصوصًا في جانب التكافل الاجتماعي، فمساندة الضعفاء والتصدي لما قد يتعرض له أبناء
العشيرة عمل نبيل يستحق الاحترام.
أما ما
نشهده اليوم فهو مغاير تمامًا لكل ذلك، إذ أصبحت هذه الألقاب تُمنح لكل من يرى في
نفسه أهلية اللقب، بعيدًا عن الشروط الحقيقية التي يجب أن تتوفر فيه ليكون جديرًا
به، حتى وصل حالنا إلى ما يشبه المثل القائل: “شليلة
وضايع راسها”.





