بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 13 مارس 2026

مقال

 

 الحكومة العراقية والحرب وسياسة (جحا)

تحت عنوان

ما بين المذهب والمال

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



(يُحكى أن جحا كان يسكن في أحد الأزقة، وله جاران يسكنان إلى جانبيه؛ أحدهما على اليمين والآخر على اليسار. وفي أحد الصباحات تفاجأ بأن جاره الذي على اليمين لديه حالة وفاة، والآخر على الجهة الثانية لديه عرس. عندها وقف في حيرة من أمره، فإذا ما ذهب إلى العرس سوف يغضب منه أصحاب العزاء، والعكس أيضًا صحيح. فولدت لديه فكرة عبقرية تتضمن سياسة جحا في الحياة، وهي أن يقف في الوسط ويمد يده اليسرى ليطرقع بالأصابع كنوع من التعبير عن الفرح، بينما اليد الأخرى يلطم بها على صدره، ويظن بهذا أنه قد أرضى الطرفين، وفي هذه نوع من الحماقة).

وهذه بالضبط المنهجية والسياسة التي تتبعها الحكومة العراقية اليوم تجاه الحرب الدائرة في المنطقة، وهذا بسبب ضبابية المنطق التي تنتهجها الدولة منذ عقدين. وإذا ما نظرنا إلى المنهجية السياسية والاقتصادية فلن نجدها تتبع أسلوبًا معينًا؛ فهي متأرجحة ما بين الاشتراكية والرأسمالية، وحسب ما تقتضي الحاجة، وهذا ما أوصلنا اليوم إلى الدخول في مأزق الحرب الاقتصادية. وكل هذا يعود إلى جملة من النقاط التي يجب إيضاحها، والتي ترسم الممارسات الحكومية.

 

الانتماء المذهبي... ليس من المعيب أن يكون لك مذهب تنتمي إليه يرسم لك أساليب التعبد والانتماء إلى الدين، ولكن القضية اليوم لم تعد فيها مجال للتمسك بمعتقدات تؤمن بها على حساب الواقع. وفي هذا دليل إلهي من كتاب الله عز وجل في قوله:

(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195].

 

وهنا سوف يقول قائل: كيف لك أن تقول قولًا مثل هذا، والمعركة ـ كما يدعي الطرفان ـ أنها معركة دين؟ وهو المتناسي قول الله تعالى في موضع آخر:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60].

وإذا ما عدنا إلى الإجراءات التي اتخذها النظام لدخول الحرب فلن نجد شيئًا يُذكر، وهذا ما يتنافى مع مبدأ الدين والمذهب الذي يدّعون الانتماء إليه. ولكن مجمل الموضوع أنهم متناغمون مع معركة المذهب دون الالتزام بما جاء فيه.

فان تحويل المذهب من فضاءٍ روحي تعبدي إلى أداة سياسية للصراع هو بحد ذاته خروج عن جوهر الفكرة الدينية التي قامت على تهذيب الإنسان لا على تحويله إلى وقودٍ للمعارك. فالدين حين يتحول إلى شعار في ساحات الصراع يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الأخلاقية، لأن السياسة بطبيعتها تبحث عن الغلبة، بينما يبحث الدين عن الإصلاح.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو تسييس العقيدة، لأن ذلك يفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي، حيث يصبح كل طرف مقتنعًا بأنه يمثل الحقيقة المطلقة، بينما الحقيقة في إدارة الدول تقوم على التوازن والعقلانية لا على الحماسة الخطابية.

 

المال والوضع الاقتصادي... وما يعرفه الكثير أن النظام منذ عقدين لم يتبنَّ سوى النظام الريعي الذي يتضمن مبدأ: (اصرف ما بالجيب يأتيك ما بالغيب)، حتى ولو كان ما في الغيب كارثة اقتصادية. وهذا بسبب عدم تبني الحكومات المتعاقبة النظم المالية الرصينة التي أثبتت تجاربها في بلدان أخرى من هذا العالم. وهذا ما أوصلنا إلى عدم وجود بدائل يمكن الاعتماد عليها في موضع الأزمات التي نحن عليها اليوم.

فاليوم فقدنا المصدر الوحيد للمال مع تراجع في المستوى الزراعي والصناعي والاقتصادي، وهيمنة العملة الأجنبية على مصير المواطن البسيط، وهذا بسبب تفشي الفساد والمحسوبية التي أفرزها مبدأ المحاصصة منذ ذلك الوقت.

والأمر الأكثر خطورة في هذا المشهد أن الاقتصاد الريعي لا ينتج دولة قوية، بل ينتج دولة استهلاكية تعتمد على مورد واحد، فإذا ما اهتز هذا المورد اهتزت معه بنية الدولة بأكملها. وهذا ما جعل العراق اليوم يقف على أرض اقتصادية هشة، لأن الدولة لم تبنِ منظومة إنتاج حقيقية تستطيع أن تعوض أي خلل في موارد النفط.

ولذلك فإن الحديث عن الحرب أو الدخول في صراع إقليمي دون امتلاك اقتصاد قادر على الصمود هو نوع من المغامرة السياسية التي قد يدفع ثمنها المواطن قبل غيره، لأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الأزمات الكبرى.

وهذا وأكثر ما يجبر السياسيين في هذا البلد على انتهاج سياسة جحا في إرضاء جميع الأطراف المتحاربة، والتي تحكم النظام اليوم بمبدأ (الطائفة والمال)، وهي دلالة على عدم امتلاك الرؤية المستقلة لاتخاذ القرار السيادي في دخول المعركة أو عدمه، وهذا ما سوف تكون له توابع كارثية على جميع الأصعدة، وقرارات قد تُنهك المواطن البسيط.

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن الدولة التي لا تمتلك تعريفًا واضحًا لمفهوم المصلحة الوطنية ستبقى دائمًا أسيرة لتجاذبات الخارج. فالمصلحة الوطنية في التجارب السياسية الرصينة تُعرَّف على أساس ما يحقق الاستقرار الاقتصادي والأمني للمجتمع، لا على أساس ما يرضي هذا الطرف أو ذاك. أما في الحالة العراقية، فإن هذا المفهوم ظلَّ غائبًا أو مغيَّبًا منذ سنوات طويلة، ليحلّ محله مفهوم آخر يقوم على إدارة التوازنات الطائفية والمالية بدل إدارة الدولة بمنطق المؤسسات.

ولذلك أصبح القرار السياسي في العراق لا يُقاس بمدى فائدته للبلد، بل بمدى قدرته على عدم إغضاب الأطراف المؤثرة في المشهد. وهذا بحد ذاته شكلٌ من أشكال الشلل السياسي الذي يجعل الدولة تقف دائمًا في منتصف الطريق، فلا هي قادرة على اتخاذ موقف واضح، ولا هي قادرة على الانسحاب من دائرة الصراع.

 

الخلاصة ... فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الحرب بحد ذاتها، بل الارتباك في لحظة اتخاذ القرار. فالحروب قد تُخاض بقوةٍ واضحة، وقد تُتجنب بحكمةٍ واضحة، لكن الكارثة الحقيقية حين تُدار الدولة بعقلية الوقوف في المنتصف؛ نصف قرار هنا ونصف موقف هناك.

إن سياسة جحا قد تنجح في حكايةٍ طريفة تُروى في المقاهي، لكنها في إدارة الدول تتحول إلى وصفةٍ مؤكدة للفشل. فالدولة التي تحاول أن تُرضي العزاء والعرس في وقتٍ واحد لن تنجح إلا في شيءٍ واحد فقط… أن تفقد احترام الطرفين معًا.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأوطان لا تُدار بالعواطف، ولا بالمذاهب، ولا بحسابات المال وحده، بل تُدار بعقل الدولة. أما حين تختلط الطائفة بالمال، ويتحول القرار السياسي إلى عملية موازنة بين الخوف والمصلحة، فإن النتيجة لن تكون سوى دولة تقف في منتصف الطريق… بينما العالم كله يسير إلى الأمام.

الأربعاء، 11 مارس 2026

مقال

 

التفريق بين المبادئ الصحفية والممارسات العفِطية

تحت عنوان

واقع يشعرك بالقرف

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من القاذورات المحسوبة على المشهد الصحفي والإعلامي، وهنا سوف نستعرض صورًا من الواقع الذي نعيشه، والذي استفحل في هذا الوقت الذي يُعد من أخطر المراحل التي يمر بها البلد. ولتحديد كلٍّ منهم يجب رسم ملامح كل شخصية منهم دون ذكر أسماء، وسوف يعرفون أنفسهم إذا ما كانوا يُحسنون القراءة من الأصل. ولهذا سوف تكون هذه الكلمات بمثابة شاهدٍ على العصر وما يتضمنه من خروقات في مجال الصحافة والإعلام.

 

بائعات الهواء... قد يستغرب أحدهم كيف أملك هذه الجرأة لتسميتهن بهذا المصطلح، ولكن هذه حقيقتهن بلا تجرد. وهنّ من يعتمدن على أشكالهن وتصرفاتهن لتقديم أنفسهن صحفيات؛ فتراها تصاحب هذا وتصاحب ذاك، ما بين شرطي ومسؤول، وتقوم باستعراضٍ يوحي بأنها تملك السلطة من خلال علاقاتهن ببعض المحسوبين على الرجال أصلًا. والغريب أن كل من يقدم لهن العون والمساهمة في إبراز أسمائهن كصحفيات وإعلاميات، فهن لا يمتلكن من الإمكانيات سوى إغواء الحمير من الرجال، وهم أسوأ منهن بمراحل. وأكاد أجزم أن المسؤولين الذين يدعمون بائعات الهوى الصحفي، لو كانوا نساء، فوالله لن تجدهم إلا من النساء اللواتي يمارسن الرذيلة في بيوت ذوي الرايات الحمر، ولا استثناء لأحد من هذه الكلمات.

 

الحمير المعاصرون... وهذا النوع تجده أكثر انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال نشر مقاطع فيديو تتضمن بعض التصريحات دون مرجع رسمي للخبر. وما لا تعرفه الدولة أنهم الأخطر من العدو الذي قد يأتي من خارج الحدود، فهم من يساهمون بشكل رئيسي في عمل تشويش للفكر العام. فكل عملهم أصبح بين: (غدًا عطلة، ونزل الراتب)، ويعتبر نفسه صحفيًا وهو لم يكتب سطرًا واحدًا في مقال صحفي.

 

وهم الصحافة... وهو مرض يعاني منه أصحاب الإعلام الحكومي، فهم من يعتبرون أنفسهم أشهر من طه حسين أو محمود السعدني أو محمد حسنين هيكل. وهذا بسبب أنهم إعلاميو الصدفة، فالوظيفة الحكومية لا تعطيك الموهبة في مضمار الكتابة الصحفية، ولن تجعل منك صاحب تاريخ في عالم الكتابة؛ فتاريخ صلاحياتك ينتهي بصلاحية خدمتك الوظيفية.

 

تجّار البيانات الصحفية... وهم صنف آخر لا يقل سوءًا عن سابقيه، بل قد يكون أخطر منهم في بعض الأحيان. فهذا النوع لا يعرف من الصحافة سوى إعادة نشر ما يصله من بيانات جاهزة، فيقوم بنسخها ولصقها دون أن يكلف نفسه عناء قراءة سطر واحد منها. فلا تحقيق، ولا متابعة، ولا سؤال عن الحقيقة. مجرد موظف بريد إلكتروني يحمل لقب صحفي، ويظن أن نقل البيان كما هو إنجاز مهني يُضاف إلى تاريخه الوهمي. وهنا تتحول الصحافة من مهنة البحث عن الحقيقة إلى مهنة توزيع المنشورات.

 

سماسرة المؤتمرات... وهذا الصنف تجده حاضرًا في كل مؤتمر وندوة وفعالية، لا بدافع المعرفة ولا بحثًا عن الخبر، بل بحثًا عن صورة تذكارية وبطاقة دعوة ووجبة غداء. فتراه يتنقل بين القاعات وكأنه جزء من ديكور المكان، يلتقط الصور مع المسؤولين، ثم يعود لينشرها على صفحاته وكأنها سبق صحفي مدوٍّ. بينما الحقيقة أنه لم يطرح سؤالًا واحدًا ولم يكتب سطرًا واحدًا يمكن أن يدخل في صلب العمل الصحفي.

 

صحافة الابتزاز... وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جسد الإعلام في أي بلد. فهنا لا تكون الصحافة سلطة رقابية، بل تتحول إلى أداة ضغط رخيصة. فيبدأ الأمر بتلميح، ثم يتحول إلى تهديد مبطن بنشر فضيحة أو ملف، فإذا ما تم الدفع سكت القلم واختفت القصة. وهكذا تتحول الكلمة من رسالة أخلاقية إلى سلعة تباع وتشترى في سوق المصالح الرخيصة.

 

ألقاب على الورق... ومن الظواهر التي ابتُلي بها واقعنا الإعلامي أيضًا، تجارة الألقاب الصحفية. فكل من امتلك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح فجأة رئيس تحرير، أو مدير مؤسسة إعلامية، أو محللًا سياسيًا. بينما الحقيقة أن الصحافة ليست لقبًا يُكتب في سطر التعريف، بل تاريخ من العمل والجهد والكتابة والمعرفة. أما هذه الألقاب الورقية فهي لا تصنع صحفيًا، كما أن ارتداء المعطف الأبيض لا يجعل من صاحبه طبيبًا.

 

غياب الضمير المهني... وكل ما سبق ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب الضمير المهني. فالصحافة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. وحين يغيب الضمير يتحول القلم إلى أداة للفوضى، وتتحول الكلمة إلى وسيلة تضليل، ويصبح المشهد الإعلامي مرتعًا لكل من لا يملك سوى الضجيج.

 

الخلاصة ... وفي نهاية هذا المشهد البائس، لا بد من قول الحقيقة كما هي دون مساحيق تجميل. فالمشكلة لم تعد في وجود صحفيين فاسدين أو إعلاميين طارئين، فهذه ظاهرة عرفتها كل المجتمعات. لكن الكارثة الحقيقية تكمن في أن الرداءة أصبحت تتكاثر كالفطريات في بيئة تسمح لها بالنمو، حتى صار الضجيج يُقدَّم على أنه إعلام، والجهل يُسوَّق على أنه تحليل، والانحطاط يُعرض على أنه جرأة صحفية.

 

إن الصحافة ليست بطاقة تعريف تُعلَّق على الصدر، ولا صورة تُلتقط مع مسؤول، ولا مقطع فيديو يُنشر على عجل. الصحافة ضمير قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة، وتاريخ يُكتب بالكلمة الصادقة لا بالادعاء الفارغ.

ولهذا، سيأتي يوم—وهو أقرب مما يظنون—تنكشف فيه كل الأقنعة، ويسقط فيه المزيفون واحدًا تلو الآخر، لأن الحقيقة في النهاية لا تحتاج إلى صراخ، بل تحتاج فقط إلى وقت كافٍ لتفضح كل من حاول تزويرها. وعندها سيعرف الجميع أن ما كان يُسمّى صحافة في هذا الزمن لم يكن في كثير من الأحيان سوى ضجيجٍ رخيص يختبئ خلفه فراغٌ كبير.

الاثنين، 9 مارس 2026

مقال

 

شيء يكمن في داخلي

تحت عنوان

مواجهة مع الذات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



منذ بداية الخليقة قد لا يجرؤ أحد على مواجهة ذاته كما أفعل أنا، وقد لا يهم أحد أن يعرف ماذا يجول بخاطري، ولكنها رغبة في داخلي للحديث عما قد يكون في ثنايا ذلك القلب الذي لا يعرف عنه الكثير. فمنهم من يعرف أنني ذلك الرجل العبثي في كل جوانب الحياة، وآخر يرى فيَّ ذلك الشرير الذي لا يأبه لشيء من المصداقية في عمله، وآخرون قد يرونني ذكيًا إلى حد كبير، وآخر يراني العكس، وقد يرى آخرون أنني متهور إلى حد كبير. ولكن هناك جوانب لا يعلم عنها أحد؛ لأنني لا أريد أن يعرفها أحد، وما كتبت اليوم إلا في حاجتي للمصارحة أو المواجهة. ومن تلك القضايا:

 

مرآة للغير ... هناك الكثير يبدي انزعاجه مني، مع أنني لم أتعامل معه، ولم يرَ مني ما يسوؤه، وليس هذا ما يزعجني، ولكنني قد أكون تلك المرآة التي لا يجرؤ الكثير على النظر فيها لرؤية ذاته، فيتبين قدر العجز الذي هو فيه، وقد يكون هذا سببًا وجيهًا لحالة الانزعاج تلك.

 

لا أعرف الكراهية ... ما لا يعرفه عني كل من يعرفني أنني لا أستطيع أن أكمن الكراهية لأحد؛ فأنا إذا لم أحبك فأنا لا أكرهك. وإذا كنت تريد معرفة محبتي لك، فالقياس الوحيد هو مدى التزامي بالارتباط بك من خلال السؤال عنك أو السلام عليك في كل صباح، حتى مع أولئك الذين أساؤوا لي في يوم ما. وهذا بسبب واحد لا غير، وهو أن كل شخص يعمل بأصله وما يحمل من مقدار من قيم زادت أو قلت، وهذا لا يزعجني بالمرة، ولكنه يثبت لي أنني ما زلت هناك في داخلي نقيًا.

 

نقاط القوة والضعف ... يرى الجميع أنني أتحلى بقوة قد لا تتوفر عند أحد ما، ولكن الحقيقة أنني كلي كمثل منديل ورقي مبلل، قد تمزقه نظرة تحمل فيها شيئًا قد يزعجني، حتى وصل بي الحال إلى اتباع مبدأ أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. وقد يكون هذا قد أكسبني صورة الرجل الصلب الذي لا يُكسر، ولكن قد تكون هذه الصفة بمثابة جدار يختبئ خلفه ذلك الطفل الذي بداخلي، الذي يرفض الواقع أنه قد كبر، وكبرت معه همومه وأسرار قد أثقلت كاهله المتعب بالأصل. ولهذا أنا الآن أريد أن أقول كل الحقيقة.

 

امتلاك أجنحة ... قد أكون مختلفًا عن كل البشر اليوم بالشكل والمضمون، ولكن هناك أشياء قد تجاوزتها، ومنها تلك (العكازات) التي تساعدني في الطيران لا المشي كما يظن البعض. نعم، أنا كذلك وأكثر. فهذه الأجنحة المرئية، وهناك منها المخفية، وهي قدرتي على الكتابة. وهذه كلها من نعم الله عليّ، فبهنَّ فقط أعلم أنني على موعد مع القدر الذي يمثله الله، فأنا على يقين كامل في عدالته. وقد أكون مقصرًا، ولكن ما بيني وبين الله يبقى بيننا، وقد يكون هو المصدر الوحيد لسر قوتي.

 

المحبة ... ليكن الجميع على ثقة أنني أحب كل من على الأرض اليوم بلا استثناء، وأشهد الله والذين يقرأون هذه السطور أنني عفوت عن كل من أساء لي أو سوف يسيء لي، بقصد أو بدون قصد، في المستقبل، لوجه الله تعالى لا غير. وهذا بسبب إيماني الكامل أن من يسيء في هذه الحياة فقد أساء لنفسه، وأنا عندما أرى في عظمة الله أنه يغفر ويعفو، فمن أكون أنا لأحمل في قلبي على هذا وذاك؟

 

الخلاصة ... إنني بشر أخطئ وأصيب، ولكن ما أنا واثق منه أنني في الأصل إنسان، وهو المصطلح الذي يرتبط بالإنسانية كإشارة لفعل الخير. ولهذا ما زلت متمسكًا بالفطرة التي خُلقت لأجلها. وما كُتب هنا ليس بوحًا بقدر ما هو قدرتي على النظر في المرآة ومواجهة ذاتي بما قد يؤلمها، وفي هذا شجاعة قد يتعلم منها أحد، فيكون لي في هذا أجر حسن. فالجميع يولدون بشرًا بالفطرة، ولكن الصعوبة تكمن في أن تكون شخصًا ما زال يحمل قيمًا نبيلة، ولو كانت بسيطة، ونحسبها عند الله عظيمة إن شاء الله.

السبت، 7 مارس 2026

مقال

 المسار الآمن

تحت عنوان

العلمانية والمستقبل السياسي في العراق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في خضمّ التخبط السياسي الذي يملأ سماء وأرض العراق، ومنذ أكثر من عقدين مضيا، شهد البلد عددًا من الكوارث بسبب ضبابية وانعدام الرؤية السياسية الواضحة. فكان لا بدّ من البحث في عدد من المسارات التي من الممكن أن تُصحِّح ما تمّ تخريبه في عقلية الشخصيات التي من الممكن أن تُصحِّح آليات الفكر الذي من الممكن أن تُدار به الدولة.

وفي الغالب، وعند الكثير من جمهورنا اليوم، يظنّ أن مصطلح العلمانية يعني معاداة الدين، وهذا خطأ؛ لكنها تشير إلى فصل الدين والقومية عن الدولة، وتكون هناك قاعدة سليمة تُبنى عليها الدولة. وبموجب هذا المبدأ تكون هناك قوانين وضعية عابرة للطائفية والقومية، وهذا ما سوف يجعل المواطن في مأمن من جميع ما قد يقف عائقًا أمام توحيد مفهوم المواطنة، والابتعاد بالعامة عن أي مصطلح خارج كلمة الوطن.

ولمعرفة المفاهيم التي تدخل ضمن حيز أصل المصطلح، فإنها تتضمن أربع نقاط رئيسية، منها:

 

• حياد الدولة تجاه الأديان ... فالدولة العلمانية لا تتبنى دينًا رسميًا يميّز فئة من المواطنين على حساب أخرى، بل تضمن حرية المعتقد لجميع أفراد المجتمع. وبهذا لا يكون في قوائم المؤسسات مصطلحات مثل: (مسلم، مسيحي، يزيدي، أو أي شيء آخر)، وهذا ما عانى منه أبناء الوطن منذ زمن بعيد، وبهذا يكون لدينا ما يمكن أن يرضي الجميع.

 

• المواطنة المتساوية ... إذ يصبح الانتماء إلى الدولة قائمًا على مفهوم المواطنة، وليس على الانتماء الديني أو الطائفي، مما يحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. عندها تتحقق نظرة العدالة الاجتماعية والمؤسساتية، والقضاء على أي فرصة تكون نافذة للمحسوبية والفساد في العراق الجديد.

 

• سيادة القانون ... تعتمد الدولة العلمانية على القوانين المدنية التي تنظم حياة المجتمع، وتخضع لها جميع السلطات، بما يضمن الاستقرار السياسي والتنظيم الإداري. وبهذا نكون قد أقمنا ما يُعرف بسيادة القانون، وتكون هناك عدالة يرضى عنها الجميع، لا تخضع لآراء شخصية أو نابعة من أجندة تُفرض على المجتمع.

 

• حماية حرية الفكر والاعتقاد ... يتيح هذا المبدأ مساحة واسعة لحرية التفكير والبحث العلمي والتعبير عن الرأي، وهو ما أسهم في تطور المجتمعات الحديثة علميًا وثقافيًا. ولأننا شعب متعدد الأعراق والأطياف والمذاهب، فقد نجد في أصل المصطلح ضالتنا التي نبحث عنها منذ عقود مضت، لكي نصنع مساحة متساوية بين الجميع، ويكون شعار الجميع: حريتك تنتهي حدودها عند انتهاك حرية الآخرين.

 

شعارات تم تشويهها (الدين لله والأرض للجميع)

وهنا قد يغضب من هذه الكلمات أصحاب العمائم من جميع الأطراف، وهذا ليس بالأمر الجلل عندي. ولكن، وللتنويه، فقد أشرت منذ سنوات في العديد من كتاباتي إلى أن الدين علاقة شخصية بين العبد وما يعبد. أما من ينصّب نفسه وكيلًا لله، ويقوم بفعل الصحيح والقبيح بشعار الدين، فهؤلاء هم الانتهازيون في الحياة. ويجب وضع حدّ لكل تلك الآراء التي تثير الاشمئزاز إلى حدّ كبير.

ولهذا يجب أن يكون هناك فصلٌ للدين عن مسألة إدارة مؤسسات الدولة، وهذا لا يمنع وجود قنوات تساهم في التعريف بمقتضيات الدين حسب الديانة التي ينتمي إليها الفرد.

وهنا يجب توضيح بعض الامور التي سوف تقدمها العلمانية على الساحة العراقية ومنها :

العلمانية وحماية الدولة من صراع الهويات ... ومن المسائل التي لا بدّ من الإشارة إليها أن الدولة التي تُبنى على أساس طائفي أو ديني تبقى دائمًا عرضة لصراع الهويات، لأن كل جماعة ستسعى إلى تحويل الدولة إلى أداة لخدمة هويتها الخاصة. وهنا تبدأ معركة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتتحول الوظيفة العامة من خدمة للوطن إلى غنيمة تُقسَّم بين الطوائف والقوميات.

أما الدولة التي تقوم على مبدأ العلمانية فإنها تُخرج الدين والطائفة من دائرة الصراع السياسي، وتعيدهما إلى مجالهما الطبيعي داخل المجتمع، فيبقى الدين قيمة روحية وأخلاقية، وليس وسيلة للهيمنة أو الاستحواذ على السلطة.

 

العلمانية وبناء مؤسسات الدولة ... إن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق من دون مؤسسات مستقلة تعمل وفق قواعد مهنية وقانونية واضحة، لأن الدولة ليست خطبة تُلقى على المنابر، ولا شعارًا يُرفع في الشوارع، بل هي منظومة مؤسسات تبدأ من القضاء ولا تنتهي عند الإدارة المحلية.

وفي ظل الدولة العلمانية تصبح هذه المؤسسات ملكًا لجميع المواطنين، لا تُدار باسم الطائفة ولا باسم القومية، بل باسم القانون فقط. وهنا تبدأ فكرة الدولة الحقيقية بالظهور، حيث يصبح الولاء للدستور والقانون، لا للزعيم ولا للمرجعية السياسية أو الدينية.

 

العلمانية ومنع استغلال الدين في السياسة ... ومن أخطر ما شهدته مجتمعاتنا في العقود الأخيرة هو تحويل الدين إلى أداة سياسية تُستخدم في الصراع على السلطة. فعندما يدخل الدين إلى ساحة السياسة تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مقدسة، ويصبح الاختلاف في الرأي نوعًا من العصيان أو الكفر في نظر البعض.

ولهذا فإن العلمانية لا تحارب الدين كما يظن البعض، بل تحميه من التوظيف السياسي، لأن الدين عندما يُستخدم كوسيلة للسلطة يفقد قيمته الروحية ويتحول إلى شعار يُرفع في الحملات الانتخابية ثم يُنسى بعد الوصول إلى الحكم.

 

العلمانية كطريق للخروج من أزمات العراق ... إن العراق، بحكم تركيبته الاجتماعية المتعددة، يحتاج إلى نظام سياسي قادر على جمع الجميع تحت مظلة واحدة. وقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن إدارة الدولة على أساس المحاصصة الطائفية لم تُنتج سوى المزيد من الانقسام والضعف في بنية الدولة.

ولهذا فإن البحث عن مسار مدني يقوم على مبدأ العلمانية لا يعني القطيعة مع الدين أو القيم الاجتماعية، بل يعني إيجاد أرضية مشتركة يعيش فوقها الجميع دون أن يشعر أحد بأنه مواطن من درجة ثانية.

 

الخلاصة ... لا بد من قول الحقيقة كما هي دون تزييف أو مجاملة؛ إن المشكلة في العراق لم تكن يومًا في الدين، بل في أولئك الذين جعلوا من الدين سلّمًا للوصول إلى السلطة. فحين يتحول الدين إلى شعار سياسي، تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين العمائم، ويصبح الوطن مجرد غنيمة تتقاسمها الطوائف.

لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تُدار باسم الطائفة لا يمكن أن تكون دولة، بل تكون مشروع صراع دائم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجهه العراقيون اليوم ليس: هل نريد العلمانية أم لا؟ بل السؤال الأخطر هو: هل نريد دولة أصلًا أم نريد الاستمرار في إدارة الخراب باسم المقدس؟

فالدول لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل تُبنى بعقلٍ سياسي يعرف أن الوطن أكبر من الطائفة، وأن القانون أكبر من العمامة، وأن الدولة إن لم تكن للجميع فلن تكون لأحد.

الاثنين، 2 مارس 2026

العنوان

 الحرب الدائرة والصراع على عرش الشيطان

تحت عنوان

ملامح عالمنا اليوم

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هكذا يكون المشهد حين تُغيَّب القيم الإلهية عن الأرض؛ تتكاثر الحروب، وتتشظّى الصراعات، ويبدأ السباق المحموم للجلوس على عرش الشيطان. شياطين الإنس هذا أوانها، وهذا زمنها، وهذه هي ملامح الفتنة الكبرى… نعم، هي كذلك وأكثر مما نتصور.

العالم اليوم يُدار بنصوص قديمة؛ حقيقة قد يرفضها البعض أو يستهجنها، لكنها تفسّر كثيرًا مما يجري أمام أعيننا. لقد كثر الهرج والمرج، وحين نعود إلى أصل المصطلح نجد أنه يعني كثرة القتل، حتى يبلغ الأمر حدًّا لا يعرف فيه القاتل لماذا يقتل، ولا يدري المقتول بأي ذنب قُتل. أليس هذا ما نراه اليوم؟ أليس هذا التطبيق الحي لما ورد في تلك النصوص؟

ورغم كل ما يُقال عن التقدم التقني والعسكري والمدني، ما زال بيننا بشر تمشي بلا عقول؛ قد تجد في رؤوسهم كل شيء إلا العقل. وهذه ليست مبالغة، بل شهادة زمن نعيشه بكل تفاصيله.

 

العنوان عقائدي ... نعم، لكن المضمون في جوهره صراع على السلطة والنفوذ والمنطقة. غير أن الأخطر من ذلك أن تلك النصوص تُتخذ ذريعة من الطرفين لإشعال حروبهم، وكأنها وقود جاهز للاشتعال. وهذا يؤكد عجز العقل البشري عن إدراك خطورة تبنّي نصوص لا يُعرف سياقها الحقيقي ولا دوافع تدوينها. وهذا الحديث لا يشمل الكتب السماوية، فهي ثابتة المصدر، ولكن الحديث عن صحف ونبوءات وخطوط مرسومة تُستدعى كلما أريد إشعال الأرض، حتى بات عالمنا مثقلًا بأحمال لا طاقة للبشرية بها.

 

العقيدة السوداء… منذ بدء الخليقة أكدت القيم السماوية أن الإنسان خُلق لغاية أسمى من هذا الانحدار الذي نعيشه. لكن العالم ضاق بمنطق العقل، وضاقت مساحته بالقيم، بسبب تزاحم الأفكار الشيطانية الساعية للسيطرة على الأرض. كان ذلك الهدف المعلن للشيطان منذ اللحظة الأولى، وربما يظن اليوم أنه كسب جولة، لكن المعركة لم تُحسم بعد.

فالصراع في جوهره فكري قبل أن يكون عسكريًا، وعندما يفسد الفكر تكون النتائج كارثية على البشر. وليس من المنطق أن تُرفع عقيدة عنوانها الموت إلا إذا كان الشر هو من كتب عنوانها.

 

الخير في مأزق… نعم، الخير اليوم في مأزق حقيقي، لأن أخطر أنواع الشر هو ذلك النابع من الداخل. هناك مثل شعبي يقول: (خابر بيت)، أي أن السوس منه وبه. فكيف تخوض معركة وعدوك يسكن بين صفوفك؟

وللتنبيه، هناك أمر عظيم يتشكل في الأفق، لا استنادًا إلى نص بعينه، بل إلى بديهيات التاريخ وسنن الحياة؛ فالشر لا يلد إلا شرًا أكبر منه. ولا يظنّن أحد أن ما يجري سيمرّ مرور العابرين. فالنهايات لا تُصنع بقرارات سياسية فحسب، بل حين تُعتمد منهجية الغراب في إدارة الحياة، يكون الخراب نتيجة حتمية.

 

لماذا الموت بدل الحياة؟ ... سؤال يفرض نفسه: لماذا نُجبر على دفع فاتورة صراعات لم نخترها؟ ولماذا نُساق إلى حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟

يجب أن يُقال لمن يريد الحرب: اذهب أنت وما تؤمن به فقاتلاه؛ فربنا لم يخلقنا لنكون وقودًا لأفكاركم. ماذا جنت البشرية من تلك العقائد المنحرفة سوى الخراب، والتهجير، والقتل بالجملة؟

لهذا، لم يعد الصمت موقفًا، بل صار شراكة غير معلنة. وكان لزامًا أن يكون لنا صوت في وجه المهازل التي ينتهجها المتصارعون على عرش الشيطان.

 

الخلاصة… إنها معركة الشياطين، والجموع البشرية تُقدَّم قرابين على مذبح السلطة. هذا يرفع راية العقيدة، وذاك يرفع راية المال، والنتيجة واحدة: استعباد العالم تحت ظل عرشٍ لا يجلس عليه إلا الشر.

وأختم بما بدأت به، بقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ صدق الله العظيم.

فالظلم لا يقف عند حدود ظلم النفس، بل يمتد ليهلك العباد والبلاد، وحينها لا يبقى على الأرض إلا أثر الخراب… وشاهد على زمن ضاعت فيه البوصلة.

الأربعاء، 25 فبراير 2026

مقال

 

الحرب والرأي العام

تحت عنوان

الصراع الإيراني الأمريكي

بقلم البارون الأخير محمود صلاح الدين



والمقصود في العنوان هو آراء الناس في الشارع العام، حيث تنقسم بين مؤيد ومعارض، وكلٌّ منهم له أسبابه التي تتوزع ما بين ذاكرة مشبعة بالمعطيات، وآخر ينطلق من باب اشتراك الفكر، وآخر طائفي وقومي. وهنا سوف نستعرض بعضًا منها لمعرفة بماذا يفكر المواطن البسيط ورؤيته للحدث.

 

ليس هناك حرب... وهنا ينقسم الرأي إلى قسمين: الأول منهم من يظن أن الأمريكان، وما يقومون به، عملية ابتزاز. ولكن ما يجهله الكثير أن أمريكا لا تكذب، ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن من خلال تجربتنا معهم تتمتع سياستهم بالنَّفَس الطويل، وإذا ما قالوا إنهم سوف يُقفلون الملف الإيراني فسوف يفعلون. ولكن ما يُرى ويُسمع اليوم هو جزء من الحرب النفسية في إنهاك الداخل، لتكون آثار الحرب أكبر مما يتوقع الجميع.

 

الصداقة الأمريكية الإيرانية... انتشرت في الآونة الأخيرة حكايات عن أن الطرفين متفقان، وما يحدث هو مجرد استعراض وهمي لا أكثر. وهذه المعلومة عارية عن الصحة، وذلك بسبب أنه لا أصدقاء في السياسة الأمريكية؛ فالمصالح الاستعمارية هي المعيار الوحيد في القضية. وإذا ما رأت أن النظام الإيراني يشكل مجرد عائق أمامها، فسوف تقوم بإزالة ذلك الشيء، وسوف يكون الأمر مجرد وقت.

 

نتائج ما بعد الحرب... لا أحد يعرف اليوم كيف سيكون شكل الحرب ومدتها، ولكن ما أنا واثق منه هو هزيمة النظام في الشرق، ويبدأ ما نوّهنا إليه في كتابات سابقة، وهو (عصر المقاطعات) وانتهاء حقبة الدول، وكل هذا ضمن البروتوكولات التي أُعدّت مسبقًا، وقد يعود زمن كتابتها إلى فترة تسعينيات القرن الماضي. ولكن لن تكون الأخيرة في الشرق؛ فالهدف القادم تركيا، والأيام القادمة سوف تثبت صحة ما كُتب هنا.

 

الداعمون والرافضون لهذه الحرب... وهنا أقول بثقة: (الجميع) سوف يتخلى عن حلفائه؛ فالنظام الإيراني اليوم يجمع مؤيديه ليس على القضية العقائدية كما يظن الكثير، ولكن جُمِعوا على أساس الاستفادة والدعم المادي والمعنوي، وهذا ما سوف يولّد نوعًا من خلق طبقة من المتخاذلين في صفوف المؤيدين لهم إذا ما ضُربت مصالحهم. أما الطرف الثاني، فسوف يكون النظام الإيراني وحده في هذه المعركة. أما عن الروس، فمن خلال عدة تجارب يبقى الحليف الأسوأ على مر التاريخ منذ التجربة الناصرية في مصر. وإذا قال أحدكم الآن: ماذا عن الصين؟ فهي أذكى من أن تغامر فيما حققته على الصعيد الصناعي والاقتصادي في عملية محسومة. وما لا يدركه الإيرانيون هو أن العالم أجمع تحكمه المصالح والمال، ولا شيء يعلو فوق هذا.

 

الإعلام وصناعة الرأي العام ... ثمة نقطة لم يُلتفت إليها بما يكفي، وهي أن الحرب اليوم لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل تُخاض بالعقول. فالإعلام أصبح شريكًا مباشرًا في إدارة الصراع، لا ناقلًا له فقط. ومن يظن أن الصورة التي تصله عفوية فهو واهم؛ لأن كل مشهد يُبثّ محسوب بدقة ضمن معادلة التأثير النفسي. وهنا يتشكل رأي عام موجَّه لا رأي عام حر، فتجد المواطن البسيط يتبنى موقفًا يعتقد أنه نابع من قناعته الخاصة، بينما هو في الحقيقة نتاج غرفة عمليات إعلامية.

 

الاقتصاد بوصفه سلاحًا موازيا ... لا يمكن قراءة أي صراع بمعزل عن الاقتصاد. فالعقوبات ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي أدوات تفكيك بطيء للبنية الداخلية للدول. إنها حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف العملة، والسوق، والطبقة الوسطى تحديدًا؛ لأن سقوط هذه الطبقة يعني اهتزاز الاستقرار الداخلي. ومن هنا نفهم أن الضغوط الاقتصادية قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية نفسها، لأنها تُحدث شرخًا صامتًا في الجبهة الداخلية.

 

الداخل الإيراني بين العقيدة والمصلحة ... ثمة معادلة دقيقة داخل إيران نفسها، بين خطاب أيديولوجي تعبوي وبين واقع اقتصادي ضاغط. وهذه الازدواجية قد تصمد في أوقات الرخاء النسبي، لكنها تُختبر بشدة في أوقات الأزمات الكبرى. والسؤال الحقيقي ليس: هل يصمد النظام عسكريًا؟ بل: هل يصمد اجتماعيًا واقتصاديًا إذا طال أمد المواجهة؟ فالتاريخ يخبرنا أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية، بل أحيانًا بتآكل داخلي بطيء.

 

الدول الإقليمية وحسابات الظل ... المنطقة برمتها تراقب، لكنها لا تتحرك إلا بقدر ما تفرضه مصالحها. فبعض الدول قد تُظهر موقفًا معلنًا، بينما تتحرك في الخفاء باتجاه مغاير. والسياسة في الشرق الأوسط قائمة على مبدأ التوازن القلق؛ فلا أحد يريد حربًا شاملة، ولا أحد يمانع في إضعاف خصمه عبر حرب بالوكالة. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطابات العلنية.

 

الرأي العام العربي بين العاطفة والواقعية ... الرأي العام العربي غالبًا ما يتأرجح بين موقف عاطفي قائم على رفض الهيمنة الأمريكية، وموقف براغماتي يرى في الصراع فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. وهذه الازدواجية تخلق حالة من الانقسام الحاد، لأن الوعي الجمعي لم يتحرر بعد من تأثير الذاكرة التاريخية الثقيلة. فالمواقف لا تُبنى فقط على الحاضر، بل على تراكمات الماضي.

 

سؤال ما بعد الحسم ... حتى لو افترضنا أن الحرب وقعت وحُسمت لصالح طرف دون آخر، فإن السؤال الأكبر: من سيملأ الفراغ؟ فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط نظام لا يعني ولادة استقرار، بل قد يفتح أبوابًا لفوضى ممتدة. ومن هنا فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تتجاوز لحظة الصدام إلى ما بعدها، لأن إعادة تشكيل الخرائط لا تتم بقرار عسكري فقط، بل بمسار طويل من إعادة هندسة النفوذ.

 

الخلاصة ... وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس في تحليل المشهد، وقد تتضارب القراءات بين من يرى حربًا وشيكة ومن يراها مجرد استعراض، لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن العالم لا يُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، ولا تُحسم المعارك بالشعارات، بل بميزان القوة.

من يراهن على العواطف سيُفاجأ، ومن يراهن على التحالفات سيُخذل، ومن يعتقد أن الشعوب هي من تقرر مصير الحروب فهو لم يفهم بعد كيف تُكتب الخرائط في الغرف المغلقة.

الحرب إن وقعت لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة فرز كبرى تسقط فيها الأقنعة، ويُعرف فيها من كان يصرخ باسم القضية ومن كان يحسب الأرباح. وعندها فقط سيدرك الجميع أن ما كان يُقال في العلن شيء، وما كان يُدار في الخفاء شيء آخر تمامًا.

وأقولها بوضوح: القادم ليس كما يتصوره الساذجون، وليس كما يطمئن إليه الحالمون. المنطقة على أعتاب تحوّل كبير، ومن لا يقرأ المشهد بعين العقل لا بعين العاطفة، سيجد نفسه خارج التاريخ لا داخله.. والأيام وحدها كفيلة بأن تقول الكلمة الأخيرة… لكنها لن ترحم من لم يستعد لها.

الأربعاء، 18 فبراير 2026

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

 مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب

تحت عنوان

ممر قناة الذهب الأسود المائية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



تُعدّ بؤر الصراع في العالم، منذ عقود مضت، مرتبطةً بالممرات المائية الحيوية. وكانت منطقة مضيق هرمز في الخليج العربي تمثل معضلةً للاقتصاد العالمي، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال.

وإذا ما عدنا إلى مفهوم مصطلح التنمية المستدامة، نجد أنه بمثابة القاعدة التي تُبنى عليها الخطط الرامية إلى إدارة الموارد بمختلف أصنافها. وهنا يبرز دور المفكر العربي في إيجاد آلية تنهي قضية ربط الاقتصاد العربي بالممرات المائية التقليدية، رغم أن للعرب مساحات واسعة جدًا تُعدّ إطلالات بحرية استراتيجية، وهو ما يمنحهم ميزة فريدة تؤهلهم للنهوض بأنفسهم بعيدًا عن التأثيرات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم.

 

تفاصيل المشروع

نقطة البداية والنهاية ... تنطلق الفكرة من منطقة أبو سمرة في قطر، ومنطقة سلوى على الجانب السعودي، وتمتد بخط مستقيم حتى تصل إلى منطقة البطحاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يستمر المسار على جانبي الحدود الإماراتية–السعودية حتى يبلغ مدينة السّمحة على الحدود السعودية، ثم يدخل أراضي سلطنة عُمان، ويستمر بخط مستقيم حتى ينتهي عند منطقة خور غاوي المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي.

 

المكتسبات المستقبلية للمشروع

·      تحقيق استقلالية مالية لعدد من الدول بعيدًا عن الصراعات غير المرتبطة مباشرةً بالعرب.

·      تهميش الدور الاحتكاري لكلٍّ من مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

·      بناء مدن اقتصادية جديدة على ضفاف الممر المائي المقترح.

·      إقامة شبكة طرق برية حديثة للنقل، تكون نهاياتها عند حدود قناة السويس.

·      تأمين ممر آمن للناقلات النفطية لدول الخليج بعيدًا عن التهديدات المحتملة.

 

الاستفادة الجماعية .... يتميّز هذا المشروع بإمكانية توزيع عوائده على العديد من الدول الخليجية، بحسب موقعه الجغرافي الذي يمر بالأراضي المحايدة وغيرها، مما سيفتح آفاقًا جديدة لسوق عربية مستقلة عن الهيمنة الإقليمية المحيطة.

 

توحيد القرار السياسي ... يوفّر هذا المشروع مساحة أوسع لدول الخليج في اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط الدولية التي تُمارس عليها، الأمر الذي يمنحها استقلالية أكبر في ضبط أسعار النفط عالميًا، من خلال امتلاكها المستقل لهذا الممر المائي الاصطناعي.

السيادة في العصر الحديث لم تعد تُقاس بالحدود البرية فقط، بل بمدى التحكم في سلاسل الإمداد ومسارات التصدير. ومن هذا المنطلق، فإن المشروع المقترح يشكل خطوة باتجاه امتلاك أدوات القرار الاقتصادي بصورة أكثر استقلالًا.

فحين تمتلك الدول مسارًا مائيًا خاصًا بها، فإنها تقلل من احتمالية تعطيل صادراتها نتيجة صراعات لا ترتبط بها مباشرة، وتتحول من طرف ينتظر الاستقرار الدولي إلى طرف يصنع جزءًا من هذا الاستقرار.

 

إقامة مدن اقتصادية ... يعتمد العالم اليوم بشكل شبه كامل على المعاملات الاقتصادية والمالية، وإدارة الأسواق، وتوفير ما يلزم لاستدامة تلك الإدارة. ومن هنا يكون إنشاء هذا الممر المائي بمثابة حجر الأساس لمدن اقتصادية تزدهر بمواردها الذاتية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل التنموي العربي.

إن إنشاء هذا الممر لا يُعدّ مجرد معالجة لعنق زجاجة جغرافي، بل يمثل انتقالًا من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة صناعة الفعل. فبدل أن تبقى المنطقة في موقع المتأثر بالتوترات الدولية، تنتقل إلى موقع إعادة رسم خريطة التأثير. وهنا يتحول النفط من مادة خام خاضعة للمسارات التقليدية إلى عنصر قوة تُعاد هندسة مساراته بإرادة عربية.

إن إعادة توجيه حركة الطاقة عبر ممر اصطناعي جديد يعني عمليًا إعادة توزيع مراكز الثقل داخل الإقليم، وهو ما يمنح الدول المعنية قدرة على صياغة شروطها الاقتصادية بدل الاكتفاء بالتكيّف مع شروط الآخرين.

 

البعد التنموي الداخلي ... الممر المائي لن يكون مجرد قناة لعبور الناقلات، بل شريانًا تنمويًا يعيد توزيع النشاط الاقتصادي داخل الجغرافيا الخليجية. فكل نقطة عبور ستتحول إلى فرصة استثمار، وكل تقاطع بري–بحري سيخلق بيئة اقتصادية جديدة.

وبذلك يصبح المشروع أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، عبر توسيع قاعدة الأنشطة المرتبطة بالطاقة، وتحفيز الصناعات والخدمات التي تنشأ بطبيعتها حول الممرات الحيوية.

 

التحول من اقتصاد عبور إلى اقتصاد تمركز ... الاقتصاد العربي، وخصوصًا الخليجي، ظلّ لعقود مرتبطًا بوظيفة التصدير عبر مسارات محددة. أما في ظل هذا المشروع، فإن الفكرة تنتقل من مجرد عبور النفط إلى بناء مراكز تمركز اقتصادي حوله. أي أن القيمة لا تتوقف عند لحظة الشحن، بل تمتد إلى ما قبلها وما بعدها.

وهنا تتجلى فكرة التنمية المستدامة بمعناها الحقيقي: استثمار الجغرافيا لا بوصفها قدرًا مفروضًا، بل باعتبارها مشروعًا قابلًا لإعادة التشكيل.

 

إعادة صياغة التوازن الإقليمي ... إن وجود ممر بديل سيخلق معادلة توازن جديدة في المنطقة، دون الدخول في صدام مباشر مع أي طرف. فالمشروع لا يستهدف إلغاء دور الممرات القائمة، بل يضيف خيارًا استراتيجيًا جديدًا يقلل من الاحتكار ويعزز التعدد في مسارات الطاقة.

وهذا التعدد بحد ذاته عنصر استقرار، لأنه يخفف من حساسية أي نقطة اختناق، ويجعل المنظومة أكثر مرونة أمام الأزمات.

 

الخلاصة ... إن مشروع ممر «قناة الذهب الأسود» ليس مجرد تصور هندسي قد يُضاف إلى رفوف الدراسات، بل هو انعكاس لحاجة عربية ملحّة إلى كسر الحلقة المغلقة التي ربطت مواردنا بممرات محدودة، وجعلت اقتصادنا عرضةً لارتدادات الصراع الدولي. فالمحاور التي انطلق منها هذا الطرح — الأمن الطاقوي، إعادة تعريف السيادة الاقتصادية، بناء مدن اقتصادية جديدة، وتوسيع قاعدة التكامل الخليجي — ليست عناوين نظرية، بل ضرورات تفرضها طبيعة المرحلة.

إن المفكر العربي لا يتحرك بدافع الترف الذهني، بل بدافع إدراكه أن الجغرافيا إن لم تُستثمر بإرادةٍ واعية، تحولت إلى عبءٍ سياسي. وأن الثروة إن لم تُحط بمسارات آمنة ومستقلة، بقيت رهينة قرارات تُتخذ خارج حدودها. ومن هنا تنبع الحاجة إلى ابتكار حلول عربية خالصة، تعيد صياغة العلاقة بين المورد والسيادة، وبين التنمية والاستقلال.

فالقضية ليست قناة مائية فحسب، بل عقلية جديدة في إدارة الممكن. وليست مجرد تجاوز لمضيقٍ هنا أو هناك، بل انتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير. وعندما يمتلك العرب شجاعة التفكير في مشاريع بهذا الحجم، فإنهم لا يعيدون رسم خطوط على الخريطة فقط، بل يعيدون رسم موقعهم في معادلة العالم.

مقال

    الحكومة العراقية والحرب وسياسة (جحا) تحت عنوان ما بين المذهب والمال بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين (يُحكى أن جحا كان يسك...