بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 31 مارس 2026

مقال

 

 الحبكة وتقنية الكتابة

تحت عنوان

صياغة الذهب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



طالما اقترنت كلمة صياغة بطريقة الكتابة منذ زمن طويل، وهي الكلمة التي تُطلق على صناعة الذهب، ومن هنا نفهم أهمية القيمة الحقيقية للكتابة.

وللتنويه، إن الكلمة التي أكتبها كالرصاصة التي إذا ما انطلقت لن تعود إلا بالدم، وبعدما حدث اللغط الذي حدث بعد كتابة مقالي الأخير، وتلك الاتهامات الباطلة التي توجهت نحوي ما بين مدفوع وأخرى، أن جملة كتاباتي مستخلصة من الذكاء الاصطناعي، ولهذا كان يجب توضيح بعض القضايا التي من الممكن أن تُبين للقارئ الحقيقة والهدف من خلال كتاباتي والمقصود بـ (البارون).

 

الحرفية ... ليس من الشجاعة مواجهة الشر بصدر عارٍ، ففي ذلك نوع من الحماقة، فكان لا بد من تطوير المهارات الكتابية لحماية صاحب النص، ولهذا كانت الحرفية غير التقليدية في أن ترسم صورة المومأ إليها دون ترك أثر لما كتبت قد يعرضك للمساءلة القانونية، بالاستعانة بالكثير من الأدوات، ومنها الموروث الشعبي وطرق توظيفه لخدمة المضمون، ويُعتبر هذا نوعًا من أنواع الاحترافية في الكتابة التي قد لا يدرك حتى الذكاء الاصطناعي امتلاكها، ومن هنا من الممكن التمييز ما بين النصوص الاحترافية والمصنّعة، وهناك أيضًا ما يُعرف بإدارة الموضوع المكتوب من خلال خلق رؤية كتابية تُعبر عن طريقة الوصول للهدف من الكتابة.

فالحرفية ليست مهارة لغوية فقط، بل هي فن التمويه الذكي الذي يجعل النص يقول كل شيء دون أن يُمسك عليه شيء. إنها القدرة على زرع الفكرة في عقل القارئ دون أن تترك بصمة مباشرة تُدينك، وكأنك تكتب بمدادٍ مرئي للوعي وخفي عن المساءلة. وهنا تتحول الكتابة من فعل تعبير إلى استراتيجية بقاء، ومن مساحة رأي إلى ساحة مناورة، لا ينتصر فيها إلا من يجيد استخدام أدواته دون ضجيج.

التعميم ... وفي الغالب ما يكون غير محمود في طريقة الكتابة، ولكنه في بعض الأحيان ما يخلق فضاءً للقارئ في تبويب الموضوع حسب وجهة نظره، مما يصنع مساحة في متعة الكتابة وترك الباب مفتوحًا للمثل المصري (الذي على راسه بطحة بيحسس عليها)، وبهذا فقط يكون هناك توازن ما بين النص ومخيلة المتلقي الذي في الغالب يكون هو الهدف والوسيلة.

والتعميم ليس دائمًا هروبًا من المواجهة، بل قد يكون أداة ذكية لتوسيع دائرة الاشتباك مع القارئ، حيث يتحول النص إلى مرآة متعددة الوجوه، يرى فيها كل قارئ نفسه وفق زاويته الخاصة. فكلما اتسعت مساحة الغموض المحسوب، زادت احتمالات التأويل، وهنا تتحقق متعة النص، حين لا يفرض نفسه، بل يُستدعى من داخل المتلقي، فيصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ له.

 

الرؤى ... قد يسأل هنا أحدكم كيف أختار مواضيعي الكتابية، والحق يُقال هنا إن جملة مواضيعي مستلهمة من العامة والخاصة، فقد تجد ما تبحث عنه في منزلك أو الشارع أو العمل أو جدال مع أحدهم، ولكن بشرط أن تمتلك رؤية ثقافية عميقة تولد من القراءة الاحترافية أو المطالعة، فالكتابة بالأصل، وكل مفاصلها، تعتمد على أمرين: الأول قدرتك على استيعاب ما تقرأ، والثاني تلخيص التجارب الحياتية وخلق مزيج يرتقي إلى أن يكون مادة للمتعة الذهنية.

الرؤية ليست ما تراه العين، بل ما تعجز عن تجاهله بعد أن تراه. وهي تلك القدرة على التقاط العادي وإعادة تقديمه بوصفه استثنائيًا. فالحياة مليئة بالمواضيع، لكن القليل فقط يملك عين الالتقاط، والأقل منهم من يملك قدرة التحويل. وهنا تصبح الكتابة فعل اكتشاف لا نقل، وفعل خلق لا تكرار، حيث تتحول التجربة اليومية إلى مادة فلسفية، إن امتلك الكاتب عمق القراءة وجرأة التأويل.

 

الرأي والرأي الآخر ... ما تكتبه ليس كتابًا مقدسًا قد نزل من السماء، وهذه الحقيقة التي يجب على كل صاحب محتوى كتابي الإيمان بها، ولو عدنا للماضي نجد أن التجارب البشرية قد أنكرت على الأنبياء أصحاب المعجزات دعوتهم، فمن سوف تكون أنت لتحظى برضى الجميع؟ فمن الطبيعي أن تجد من يخالفك في الرأي والقضية التي تتبناها، ولكن الحكمة أن تكون على قدر المسؤولية في الكلمة التي تكتبها، فهذا فقط المعيار الوحيد لمصداقية ما تكتب.

فالوعي الحقيقي لا يُقاس بعدد الموافقين لك، بل بقدرتك على تحمّل الاختلاف دون أن تنهار فكرتك. فالرأي الذي لا يُختبر بالضد يبقى هشًا، والكاتب الذي يبحث عن التصفيق فقط، يكتب لنفسه لا للناس. وهنا تكمن خطورة النص، حين يتحول إلى مساحة مواجهة فكرية، لا إلى منصة استعراض، فإما أن تكون صاحب موقف، أو مجرد صدى يتردد في فراغ الآخرين.

 

الأبعاد القيمية ... ليس مطلوبًا من الكاتب أو الشاعر أو القاص أن يكون نبيًا، ولكن يجب أن يسعى لتصحيح ما يمكن إصلاحه من خلال النصوص المكتوبة، والسعي إلى خلق فضاء قيمي بعيد عن انتظار النتائج، والمضي لخلق بيئة كتابية للارتقاء بالمشهد الثقافي ليكون جديرًا بالاحترام.

فالقيمة الحقيقية للنص لا تكمن في جماله، بل في أثره. فالنص الذي لا يُحرّك ساكنًا في الداخل، يبقى مجرد تمرين لغوي مهما بلغ من البلاغة. وهنا يظهر دور الكاتب كفاعل قيمي، لا واعظ، بل محفّز خفي يعيد ترتيب أولويات القارئ دون أن يُملي عليه شيئًا. فالكتابة ليست دعوة مباشرة للإصلاح، بل خلق بيئة تجعل الإصلاح احتمالًا واردًا في وعي المتلقي.

 

الكاتب ومسألة الحق ... وهذه من أصعب الأفخاخ التي قد يقع فيها أصحاب الأقلام الحقيقية، وهنا قلت حقيقية، وهذا بسبب ظهور فئة متطفلة على الكتابة بسبب انتماء عقائدي أو سياسي أو حتى منفعي شخصي، وهناك نوع ظهر في الفترة الأخيرة، وهم من اتخذوا من الكتابة صنعة بسبب الفراغ الذي يعانون منه، فأصبحت الكتابة صنعة من لا صنعة له، ولهذا يكون هناك تضارب في تمييز الحق بسبب تلك الفئات، وهم ليسوا بالأعداد القليلة كما يظن البعض.

فأخطر ما يواجه الكاتب ليس الخطأ، بل تزييف الحق على هيئة نص جميل. فليس كل من كتب أصاب، وليس كل من صمت أخطأ. وهنا يصبح التمييز بين الكاتب الحقيقي والمُتطفل ضرورة، لا ترفًا، لأن ضجيج الكتابة الرديئة قد يُغرق الصوت الصادق. وفي زمن اختلطت فيه الدوافع، لم يعد النص دليلًا كافيًا على الحقيقة، بل أصبح يحتاج إلى قراءة ما وراءه، لا ما فيه فقط.

 

الخلاصة ... أود أن أخبركم سرّ مضمونه أنني أتعامل مع الحروف على أنها ذرات من معدن الذهب، بسبب درايتي لقيمة الكلمة ودورها في تغيير مسارات الأمم والحضارات، السابقة منها والحاضرة، ولهذا نحن اليوم أمام مشهد دراماتيكي في رؤية الساحة الثقافية والدور القيمي لجوهر الكتابة.

فليست الحروف ما نكتبه، بل ما نُخفيه بينها. فالكاتب الحقيقي لا يضع الذهب في النص، بل يجعل القارئ يكتشفه بنفسه. وهنا تتحول الكتابة من فعل قول إلى فعل كشف، ومن مادة تُقرأ إلى تجربة تُعاش. ولذلك، فإن أخطر النصوص ليست تلك التي تُفهم مباشرة، بل تلك التي تبقى عالقة في الذهن، تعيد تشكيله بصمت، دون أن تطلب الإذن.

الأحد، 29 مارس 2026

مقال

 

منهجية التجمعات والمجاميع الثقافية

تحت عنوان

الموصل ومثقفوها أمام عدسة المجهر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لا أحد خارج الساحة النقدية، وما كُتب وسوف يُكتب هو مجرد رسمٍ للحقيقة أمام أصحابها، لأن الحقيقة وإن تأخرت لا تموت، بل تتراكم حتى تنفجر في وجه من يحاول طمسها. والموضوع اليوم يضم جميع المسميات، التقليدية وغير التقليدية، من اتحادات ونقابات وروابط ومراكز وملتقيات، التي تكاثرت كما تتكاثر الظواهر دون أن يصاحبها بالضرورة عمقٌ في الفعل أو الأثر. ولكل هؤلاء منهجيات تختلف عن سواها، لهذا يجب علينا استعراض تلك المنهجيات وسبل تطبيقها على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالتنظير الذي بات سمةً طاغية على المشهد. فلكل مدينة حضارية صورتها التي تُرسم من خلال مثقفيها، التي تكون على شكل مجاميع ثقافية، وهي المعيار الحقيقي لصناعة الوعي عند العامة، لا سيما أن غياب هذا الوعي يفتح الباب أمام تشوهات فكرية يصعب ترميمها لاحقًا. ولهذا سوف نقوم بقراءات للوضع العام لتلك التجمعات، قراءة لا تجامل ولا تهادن، بل تضع اليد على الجرح مباشرة.

 

الاستجداء أو التبعية... فالكثير من تلك التجمعات لا تمتلك في الغالب مصادر تمويل حكومية أو اجتماعية، نتيجة غياب التخطيط المؤسسي الحقيقي واعتمادها على ردود الأفعال لا على الرؤى بعيدة المدى، فتكون أمام خياراتٍ أحلاها مُرٌّ كالعَلْقَم، ما بين القبول بالتبعية مقابل المال، أو اتباع منهج الاستجداء من شخصيات نافذة أو مؤسسات، فيتحول الفعل الثقافي من رسالة إلى وسيلة ارتزاق. وفي كلتا الحالتين، تكون هناك ملاءة سياسية أو عقائدية، تُفرض بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وهذا ما سوف يفقدك المصداقية أمام الجمهور الثقافي، لأن المثقف حين يُشترى صوته يفقد قدرته على قول الحقيقة، ويصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.

 

الدكتاتورية الثقافية... في الغالب ما يقترن هذا المصطلح (الدكتاتورية) بالسياسة، ولكن اليوم تم تعميمه على الجميع، ومن ضمنها الثقافة، حتى بات بعض “حراس المشهد” يمارسون الوصاية وكأن الثقافة ملكية خاصة. فأغلب التجمعات الثقافية، تحت جميع المسميات، لا تعتمد منهجية الاعتدال في قيادة المشهد، بل تُدار بعقلية الفرد الواحد، فيكون هناك شخصيات تتخذ من مبدأ التعالي أسلوبًا في إدارة تلك المجاميع، وتُقصي كل صوتٍ لا ينسجم مع رؤيتها. فلن تجد فيها انتخابات حقيقية أو حوارات يحكمها العقل، بل أشكالًا شكلية تُستخدم للتجميل فقط، وهذا ما يجعل لغة الحوار تخرج من باب الثقافة العامة وتدخل من شباك المجاملات، فتُدفن الكفاءة ويُرفع شعار الولاء بدل الاستحقاق.

 

المقاطعات الثقافية... يُقسَّم المشهد الثقافي، في الغالب، في مدينة الموصل حسب التوجهات الفكرية لقادة كل مجموعة، وكأن الثقافة تحولت إلى جزرٍ معزولة لا جسور بينها، والكل اليوم يرفع شعار: (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، وإن لم يُفصحوا عن ذلك، فهو حاضر في السلوك والممارسة. وهذا ما ولَّد الضبابية في رؤية المشهد الثقافي للمدينة، وجعل المتلقي في حيرةٍ من أمره بين هذا وذاك. وبرغم أن البعض يرى في ذلك الاختلاف نوعًا من أنواع التنوع الفكري، إلا أن هذا الطرح عارٍ عن الصحة حين يتحول الاختلاف إلى صراع نفوذ لا صراع أفكار. فقد أفرزت تلك الممارسات نوعًا من الاستهجان عند الكثير من أصحاب الأقلام، واتخاذ مواقف عدائية من البعض، بل وأدت إلى هجرة صامتة للكفاءات التي رفضت الدخول في هذه الدوامة، ولهذا قد يكون هذا سببًا رئيسيًا في عدم قدرة المدينة على تحديد هويتها الثقافية منذ زمنٍ بعيد.

 

أنانية القلم... وهنا تكمن المعضلة في رؤية كلٍّ منا للآخر، حيث يغيب مبدأ التكامل ويحضر هاجس التفوق الوهمي، والابتعاد عن مقولة: (إن الكمال لله عز وجل)، وهذا ما يولِّد نوعًا من الكراهية والأحقاد، ويُنتج بيئة غير صحية لا يمكن أن تزدهر فيها أي حركة فكرية حقيقية. فيتم انتهاج منهجية التسقيط الفكرية لصنع الفارق، كما يظن الكثير، عبر التقليل من الآخر بدل تطوير الذات. ولكن هناك حقيقة تكمن في أصل الموضوع، وهي المعيار الحقيقي، ألا وهو جودة النص الأدبي والفكري، لا عدد التصفيقات ولا دوائر العلاقات. وهذا ما لم يستطع أصحاب الأقلام، لغاية يومنا هذا، الوصول إليه بالشكل الذي يليق بتاريخ المدينة، وهو ما يؤهل كلًّا من المثقف أو الأديب أو الصحفي أو الفنان أن يكون عاملًا في بناء قاعدة فكرية للمدينة بشكل عام، قائمة على التراكم لا على الاستعراض.

 

الخلاصة... لستُ هنا لتقييم هذا وذاك، ولكن قد أكون المرآة العاكسة للواقع بجميع تفاصيله، لأن تجاهل الخلل لا يعني زواله بل تعميقه. ولهذا يجب أن يكون هناك دور لتصحيح ما يمكن تصحيحه من الصورة الثقافية لمدينة الموصل، عبر مراجعة جادة لا تجميلية، تبدأ من الداخل لا من الشعارات. وليكن في علم الجميع أنني لا أنضوي تحت أي مسمى من تلك المجاميع، ليس من باب الكِبر والغرور، لا سمح الله، ولكن من إيماني المطلق بأن تلك التجمعات، بصيغتها الحالية، لا تصنع منك شاعرًا أو صحفيًا أو فنانًا، بل قد تُقيدك أكثر مما تُحررك. إن الرهان الوحيد لتكون كل ذلك هو نتاجك الفكري، القادر على الصمود خارج أي مظلة. فلا قيمة للقلم بلا فكر واعٍ، ولا قيمة لأي تجمع مهما كبر، إن لم يُراجع ذاته قبل أن يُنظّر على الآخرين، إلا أن يضع مدينة الموصل وصورتها الثقافية أولًا. ولهذا، دعوة لكل تلك المجاميع: اتقوا الله بأنفسكم وبالآخرين، فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الثقافية لا تنسى.

السبت، 28 مارس 2026

قصة قصيرة

 

 قصة قصيرة جدًا (حكاية ما يجري في الشرق الأوسط  " شيطي بيطي" )

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يُروى أنّ في أحد الأحياء كانت تسكن امرأة تُدعى (شيطي)، فقدت زوجها، لكنها كانت تُحيط نفسها بعددٍ من الأبناء المشاغبين الذين اعتادوا إثارة الفوضى في المنطقة.

ومع مرور الزمن، استقرّت بالقرب منها امرأة أخرى تُدعى (بيطي)، جاءت على هيئة نازلةٍ في بيتٍ مستأجر، وهو وصف يُطلق على من تستأجر غرفة في منزلٍ مأهول. أثار وجودها حفيظة (شيطي)، فاشتعل في داخلها غضبٌ مكتوم، دفعها إلى تحريض أصدقاء أبنائها على ارتكاب فعلٍ مؤذٍ.

لم يترددوا؛ فتسلّقوا السور، وعبثوا بالنباتات، فقطّعوها وأفسدوا ما حولها. عندها، اجتاح الغضب (بيطي)، فسارعت إلى الاتصال بزوجها، المعروف بقوّته.

لم يطل الانتظار. حضر الرجل، وأمسك بالصبية، فانهالوا عليه بالاعتراف، مُرجعين فعلتهم إلى تحريض (شيطي). عندها، انفجر غضبه، وراح يضرب أبناءها بعنفٍ بلغ حدّ تكسير العظام، بينما اكتفت (شيطي) بإطلاق الشتائم والسباب عليه، وعلى الجيران الذين وقفوا موقف المتفرّج.

ظلّ الرجل مصرًّا على أن ترحل (شيطي) عن الحي، فيما بقي المشهد، في ظاهره، لا يتجاوز كونه… شجار بين (شيطي و بيطي) .

واذا ما سألت يوما عن رأي في أصل الموضوع سوف يكون الرد في المثل الشعبي :

(ما اضرط من سعيد الا مبارك)

الخميس، 26 مارس 2026

مقال

 

الصحافة الموصلية وثقافة (الجيخانة)

تحت عنوان

ثقافية الشاي وكذب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في البداية، يجب التنويه إلى أن هناك مصطلحات عديدة سوف تُستخدم في هذه السطور، مستوحاة من اللهجة العامة للمدينة، لأن اللغة هنا ليست مجرد وسيلة تعبير، بل أداة كشف، نحاول من خلالها تعرية واقعٍ بات يُجَمِّل نفسه بألفاظٍ لا تنتمي إليه، ويختبئ خلف مفرداتٍ شعبية ليمنح ذاته شرعيةً لا يمتلكها في أصلها.

برز في الآونة الأخيرة نوعٌ من الصحافة يعتمد في منهجيته على أسسٍ هزيلة، مستوحاة من ثقافة المقاهي، ويُصدِّر نفسه بوصفه أسسًا أساسية في الكتابة الصحفية، دون اعتماد معايير علمية في هذا المجال. والأخطر من ذلك أن هذا النمط لم يعد هامشيًا، بل بدأ يتسلل إلى واجهة المشهد الثقافي، مستفيدًا من الفراغ النقدي وضعف المؤسسات، حتى أصبح الصوت العالي بديلاً عن الصوت الصحيح، والتكرار بديلاً عن الفكرة، والانتماء للجلسة بديلاً عن الانتماء للمهنة. ويظن المقصود هنا أن الحرفية في العمل الصحفي تعتمد على السردية الحفظية التي تفتقر إلى التحليل والرؤى، وكأن الصحافة أرشيفٌ يُستدعى لا عقلٌ يُنتج. ولهذا، سوف نعتمد اليوم على رسم ملامح تلك الشخصية دون الحاجة إلى التسمية أو الإشارة إلى شخصٍ بعينه، لأنها لم تعد حالة فردية، بل ظاهرة يمكن قراءتها في أكثر من وجه وأكثر من قلم.

 

العقلية الساذجة... تكون عندما يكون هناك ثمنٌ للكلمة التي تكتبها، حتى ولو كان (قدح شاي)، وهذه تُعد كارثة بكل المقاييس، عندما تكون المدينة رهينة لهذه النوعية من الأقلام. فحين تتحول الكلمة من موقف إلى سلعة، يفقد النص روحه، وتفقد المدينة صوتها الحقيقي. وقد يتجاوز الموضوع رخص المضمون إلى السلوك المؤجور، حيث لا يعود الكاتب معنيًا بالحقيقة، بل بالجهة التي تدفع، ولا بالمبدأ، بل بالمقابل. وهذا ما سوف يخلق وعيًا عشوائيًا بتبني قضايا تتبناها تلك العقليات، مما قد يؤدي إلى تسفيه القيم، وتحويل القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك اليومي، تُقدَّم مع فنجان قهوة وتُنسى مع آخر رشفة.

 

عدوانية السلوك... وهنا، وفي هذه الفقرة، أستشهد بحكاية تُروى عن جحا: (يُحكى أن جحا قد كبر في السن، فطلبت منه أمه الخروج من منزله للبحث عن أناسٍ يُصاهرهم، وقد فعل ذلك، لكن المفاجأة أنه عاد إلى المنزل بسرعة. عندها سألته أمه: ما الذي حصل؟ فأجاب بأنه لم يرضَ بأحد! وهنا صرخت بوجهه: أنت يا هذا جحا، فمن يرضى بك لتُقيِّم وترضى بالناس؟).

وهذه بالضبط المنهجية المتبعة لدى هذه النوعية من مدّعي الثقافة في المدينة؛ فتكثر في جلساتهم عملية تقييم فلان، والتكسير على فلانٍ آخر، في مشهدٍ أقرب إلى محاكمات شعبية بلا معايير. لكن الحقيقة أنهم أقل بكثير من أن يمنحوا أنفسهم القيمة التقييمية للحكم على الآخرين، لأن من لم يؤسس ذاته معرفيًا لا يملك حق تفكيك الآخرين. ومن باب المهازل أن يطلقوا الألقاب على من يعمل على تلميعهم في تلك الجلسات، فتتحول الألقاب إلى عملة، والمجاملات إلى وسيلة صعود، وعلى العكس من ذلك، يهاجمون كل من يكون على دراية بحقيقتهم، فيقومون بتأليف جملة من التهم لغرض التقليل من شأن الآخر، وكأن العجز عن مجاراة التفوق يُعالج بالاتهام لا بالتطوير.

 

الثقافة السطحية... الثقافة هنا لا تُقاس بعدد ما تقرأ؛ كتابًا كان أو عشرات الكتب، بل المعيار الحقيقي لها هو قدرتك على امتلاك وعيٍ لهضم المعلومات، وخلق رأيٍ خاص مستوحى من مجمل ما قرأت. لأن القراءة بلا وعي ليست سوى تراكمٍ رقمي لا ينتج أثرًا. أما ما يفعله هؤلاء، فهو أقرب إلى عملية (الاجترار)، حيث يتم إعادة تدوير الأفكار ذاتها دون إضافة، وكأن العقل متوقف عند حد النقل. فكل ما تقوم به هذه الفئة هو استدعاء مادة حفظية عقيمة، خالية من الرؤى، وسردها بشكلٍ يبدو وكأنه استعراض حفظي، في محاولة لإيهام المتلقي بوجود عمقٍ غير موجود أصلًا. وهؤلاء هم مدّعو الثقافة العامة، الذين اكتسبوا شهرتهم من عبارة (واصل أستاذ)، إشارة إلى دفع ثمن الشاي أو القهوة مقابل الكتابة عن المكان الذي حدث فيه الفعل، لتتحول الثقافة من مشروع وعي إلى صفقة صغيرة تُدار على طاولة.

وللإشارة، فهم ليسوا من ذوي الأعمار الصغيرة، وينطبق عليهم المثل الموصلي: (كبير وما خبير)، وهذه ليست مجرد مفارقة عمرية، بل أزمة وعي ممتدة، حيث لم تُنتج السنوات خبرة، ولم تُراكم التجربة معرفة. وهذا بالضبط ما ساهم في تدهور الصورة الثقافية للمدينة، التي باتت تُقاس ثقافتها على قدرة المتسكعين في المقاهي، لا على إنتاج المفكرين، ولا على قيمة النصوص، في انقلابٍ خطير يجعل الهامش مركزًا، والمركز غائبًا.

 

الخلاصة ... هنا، لا يمكننا أن نتعامل مع هذا المشهد بوصفه خللًا عابرًا، بل هو انهيار صامت لمنظومةٍ كاملة، تُستبدل فيها القيم بالمجاملات، والمعرفة بالضجيج، والموقف بثمن فنجان شاي. فحين تصبح الكلمة مأجورة، والوعي مُعلّبًا، والنقد وسيلة انتقام لا أداة تقويم، فإننا لا نكون أمام صحافة رديئة فحسب، بل أمام جريمة ثقافية تُرتكب ببطء.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإنتاج نصوص هزيلة، بل تُعيد تشكيل الذائقة العامة على مقاسها، فتُقنِع المتلقي بأن هذا هو السقف، وأن هذا هو الصوت، وأن ما سواه ترفٌ لا يُؤخذ به. وهنا تحديدًا تكمن الكارثة؛ حين يُقصى الحقيقي لصالح المزيّف، ويُدفن العميق تحت ركام السطحي، وتُختزل المدينة بتاريخها وثقلها في جلسة “جيخانة” عابرة.

ولذلك، فإن الصمت لم يعد حيادًا، بل شراكة، والتغاضي لم يعد تسامحًا، بل تواطؤ. إما أن تُستعاد الكلمة إلى مكانها الطبيعي كقيمةٍ ومسؤولية، أو نعلن — دون مواربة — أننا دخلنا زمنًا تُكتب فيه الحقيقة بالحبر الرخيص، وتُباع فيه المدينة… على طاولة شاي.

الأربعاء، 25 مارس 2026

مقال

 

مشاريع ثقافية بين التلكؤ والفشل

تحت عنوان

مجلة (فواصل) الادبية الموصلية ... نموذجًا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لكل مشروع ثقافي فكرة وهدف وأسس تحفظ نجاحه، الذي يكمن في الديمومة والاستمرار، ولهذا هناك الكثير من تلك المشاريع التي تظهر على الساحة بشكل خجول، وسرعان ما تتلاشى حتى يصل الأمر إلى نسيان القارئ الاسم والأقلام التي تكتب فيها، ولهذا كان يجب استعراض بعض التجارب التي تلقي في هذه الفترة صعوبة في الإعداد أو الإصدار، لتكون أمام الأدباء صورة لكيفية ابتكار تجربة وطرق الحفاظ عليها، فكانت مجلة (فواصل) الادبية كنموذج حي يوضع تحت المجهر الثقافي.

 

المشروع الربحي ... هنا يجب التنويه أن الثقافة لا تجني الثروات كما يظن البعض، ولهذا يجب أن تكون هناك ثوابت عند الشروع في بناء تلك المنصات، سواء كانت ورقية أو رقمية، وكما هو معروف عند العامة أن المجلة التي نحن بصدد الحديث عنها قد وُلدت ميتة كما يُقال، فلا يُعرف لها زمن ثابت للإصدار كما نرى، وهذا بسبب أن القائمين عليها كان من ضمن أهدافهم الربحية، وهنا كانت الصدمة، وهذا بالإضافة إلى أنهم يتعاملون مع الموضوع كمثل رجل جاء ببعير ويريد أن يعمل بمحرك كهربائي، وهذا ما قد تناسوه، فنحن في زمن انتهت فيه الصحافة الورقية في عصر التكنولوجيا، ويريد القائمون عليها جني الأرباح منها.

ولا يمكن فصل فكرة الربح عن الثقافة إلا إذا أدركنا أن القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي لا تُقاس بما يُدرّه من مال، بل بما يُحدثه من أثر في الوعي الجمعي، فالمشروع الذي يبدأ بعقلية التاجر ينتهي غالبًا بخسارة مزدوجة؛ خسارة المال وخسارة القيمة، لأن الثقافة لا تُدار بمنطق السوق بل بمنطق الرسالة، وحين تختلط المعايير يصبح المنتج الثقافي سلعة باهتة لا روح فيها، فتفقد قدرتها على التأثير، حتى لو استمرت شكليًا.

 

الإشكاليات التحريرية ... وبما أنني قريب من القائمين عليه، وجدت أن الإدارة التحريرية متذبذبة في اتخاذ القرار، حتى في اختيار المواد المراد نشرها، بغض النظر عن جودتها والأسماء والأقلام التي قد تكتب فيها، وهذا ما يعرقل مسألة الإصدار ويفقدها القيمة الثقافية الحقيقية، حتى إنها اقتصرت على بعض الأسماء وقربها من شخصية رئيس التحرير، وهذا ما يعد كارثة حقيقية في مضمار بناء صرح ثقافي، بالإضافة إلى الضمانات المالية التي يحرص عليها القائمون عليه.

وإن غياب الرؤية التحريرية الواضحة لا ينعكس فقط على جودة النصوص، بل يُنتج فوضى فكرية تُفقد المجلة هويتها، فالمجلة التي لا تمتلك معيارًا ثابتًا في الاختيار تتحول إلى مساحة عشوائية لا رابط بينها، وهذا ما يجعل القارئ في حالة اغتراب دائم، فلا يعرف ماذا يريد منها ولا ماذا تريد هي منه، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، إذ تتحول الأقلام من أدوات بناء إلى أدوات مجاملة، ويصبح القرب الشخصي بديلاً عن القيمة الإبداعية.

 

أزمة الشكل والإخراج ... برغم أن القائم على التصميم يُعتبر من الأسماء اللامعة في سماء الفن في مدينة الموصل، ولكن هناك تدخلات في عمله، مما زاد في دائرة المأزق في عملية الإخراج، وليس الأمر متوقفًا عند رأي رئيس التحرير، بل إن هناك بعض المحسوبين على المشروع يحاولون فرض رأيهم في هذا العمل، وهذا ما يعزز فرضية انعدام القرار في العمل، وكان من المفروض منهم أن يعملوا بمقولة المثل الشعبي (أعطِ الخبز خبازه حتى ولو أكل نصفه)، وهذا ما سوف يساهم في دعم تقنيات التصميم في المجلة، وهذا ما سبب أيضًا في تأخير الإصدار في المواعيد المحددة.

فإن الشكل ليس ترفًا بصريًا كما يُعتقد، بل هو جزء من الخطاب الثقافي نفسه، فالإخراج الفني هو أول ما يستقبل القارئ، وإذا كان هذا المدخل مرتبكًا فإنه يعكس بالضرورة اضطراب الداخل، فالتدخل في عمل المصمم لا يفسد الشكل فقط، بل يكشف عن غياب الثقة داخل الفريق، وهذا ما ينعكس سلبًا على هوية المجلة، فالمشروع الذي لا يحترم التخصصات داخله، سرعان ما يفقد توازنه ويقع في فخ الارتجال.

 

إشكالية “الحداثة غير المكتملة” ... يبدو أن المجلة، ومنذ اليوم الأول، حصرت نفسها بما يُعرف بـ(النخب) من حيث وجهة نظرها، وهذا ما ساهم في عدم وجود دماء جديدة تساهم في رسم الحداثة، فكان بقاؤها في نقطة البداية، وانعدام توسيع دائرة هذا الصرح في الأوساط الثقافية، فتجد هناك أسماء محددة أو دائرة مغلقة تحدد صلاحية النشر حسب الأهواء الشخصية في تحديد حدود رؤية صاحب الموضوع، حتى تحول الموضوع من مشروع ثقافي إلى أملاك خاصة، فكل الذين يكتبون هناك يعتبرون أنفسهم من النخب حسب وجهة نظرهم فقط.

ولهذا إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المشاريع الثقافية هو وهم النخبوية، لأن النخبة الحقيقية لا تُقصي بل تُنتج، ولا تُغلق بل تفتح آفاقًا جديدة، وعندما تتحول النخبوية إلى جدار عازل، فإنها تقتل التجديد من الداخل، فالثقافة بطبيعتها كائن حي لا يعيش إلا بالتنوع، وأي محاولة لحصرها ضمن دائرة ضيقة إنما هي إعلان مبكر عن شيخوخة المشروع، حتى وإن بدا في ظاهره متماسكًا.

 

الديمومة سر النجاح ... فإذا ما سألك أحدهم: كيف تقيم نجاح مجلة أو صحيفة من غيرها؟ سوف يكون الرد في قدرة القائمين عليها على الاستمرارية من خلال امتلاك رؤية واضحة في قيمة العمل المقدم، دون النظر إلى مبدأ الربح والخسارة، فالكثير من الصحف والجرائد والمجلات العالمية لم تعد مشاريع ربحية، فاختارت محاور ثانية لتثبت نجاحها من خلال الديمومة، وهذا ما فشل به القائمون على المجلة لغاية يومنا هذا.

فالاستمرارية ليست مجرد حضور زمني، بل هي قدرة على التجدد دون فقدان الهوية، فالكثير من المشاريع تستمر شكليًا لكنها في الحقيقة متوقفة فكريًا، والديمومة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المشروع على إعادة إنتاج نفسه بما يتناسب مع تحولات الواقع، دون أن ينحرف عن مساره الأساسي، وهذا يتطلب وعيًا عميقًا بأن النجاح ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من التراكم، لا يحتمل القرارات المرتجلة ولا الرؤى المؤقتة.

وفي نهاية المطاف ... لا يمكن تجميل الفشل ولا تغليفه بمسميات ثقافية براقة، فالمشاريع التي تُبنى على التردد والمصالح الضيقة محكوم عليها أن تسقط، حتى وإن طال بها الزمن، لأن الثقافة لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعترف بالنيات المؤجلة، بل تفضح كل خلل مهما حاول أصحابه إخفاءه خلف العناوين.

وما يحدث اليوم ليس تعثرًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء، حيث تحوّل المشروع من فكرة تحمل روحًا إلى جسد بلا ملامح، يتنفس بصعوبة ويعيش على مجاملات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

وحين يصل المشروع الثقافي إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما فيه ليس فشله، بل إصرار القائمين عليه على تسميته نجاحًا... وهنا تبدأ النهاية، لا بصمت، بل بسقوطٍ يسمعه الجميع.

الثلاثاء، 24 مارس 2026

مقال

 

 الصغير والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز)

تحت عنوان

شخصيات هزيلة حسب المعايير المعاصرة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحياة اليوم مليئة بالشخوص ما بين مصطلحي الخير والشر، وكلاهما يخضع للقضايا النسبية، ولا يخضع لمبدأ العمر. وهذا بالضبط ما يُفرض في الكثير من الأحيان، ولي في هذا نظرية مختلفة سوف أتحدث عنها في هذه السطور. وقد كتبت في الآونة الأخيرة بعض الأقلام بمفهوم أن هناك من يقوم بالتقليل من شأن الآخرين بحجة النقد، ولهذا اقتضى التوضيح لأهم النقاط في هذا الموضوع.

 

وهم الأسماء والألقاب... يعتقد الكثير اليوم أن هناك أسماء لا يمكن أن تخضع لمسألة النقد، وفي هذا خطأ كبير؛ فلا وجود لمعصوم على الأرض اليوم. وقضية الأسماء باتت تأخذ شكلًا من الأشكال المقيتة التي يعاني منها مجتمعنا، بحجة ما قُدِّم في السابق. ولكن ما لا يعلمه الكثير أن لكل شيء عمره الافتراضي، حتى في مضمار الكتابة؛ فكل من على الأرض له ميتة واحدة، أما أصحاب الإبداع فلهم ميتتان: الأولى بانقطاع الإبداع، والثانية بالتقليدية. وهذا ما لا يعترف به أصحاب الشخصية النرجسية، الذين أصبحوا في فترة معينة يشكلون عبئًا على من سواهم في الحياة، وكأنهم يريدون أن يأخذوا زمنهم وزمن غيرهم، بحيث ينصبون أنفسهم أوصياء لمجرد التزامهم بقضية العمر.

 

قضية النقد... وكثيرًا ما تُؤخذ القضايا النقدية بشكل شخصي، على أنها استصغار للكبير وتكبير للصغير، وهذا لا ينطبق نهائيًا على قضية كتابة النص الإبداعي والبحثي؛ فهناك ما يُعرف بالنسبية في تقييم النص. فالكثير من الأسماء الرنانة أصبحت اليوم تعتاش على أنقاض ما قدمت، وتطلب من الجميع أن يحيطها بالاهتمام والتقدير، وأعتبر هذا نوعًا من أنواع النفاق الثقافي. وقد وصل الحال عند البعض إلى الإشادة بكتابة التفاهات، حتى ولو كانت كلمة (صباح الخير). وهذا ما ولّد طبقة من المهوسين بأنفسهم، بحيث أصبحوا كتلك الأصنام التي كانت تُعبد أيام الجاهلية، يُسجد لها أصحاب العقول الخاوية وهم على علم أنها لا تضر ولا تنفع. وما لا يعلمه المتملقون أنهم يساهمون في صنع طبقة تعاني من أمراض نفسية في حقيقتها؛ ولهذا ترى أن تلك الأصنام لا تتحمل إذا ما وُجِّه لها نقد معين، بحيث تُبوِّب تلك النصوص على أنها استهداف شخصي.

وهنا النقد ليس ترفًا فكريًا، ولا حالة عدائية كما يروّج له البعض، بل هو فعل أخلاقي قبل أن يكون ممارسة معرفية؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها، ويمنع تزييف الوعي، ويقف بوجه محاولات فرض الرداءة كأمر واقع. ومن يرفض النقد، إنما يرفض التطور، ويتمسك بصورة مشوهة عن ذاته لا علاقة لها بالحقيقة.

 

الكبير والصغير... وهنا أستشهد بقول رسولنا الكريم: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)، صدق رسول الله.

ولكن السؤال الأهم: من هو الكبير ومن هو الصغير؟

ولتفريق بينهما، يجب أن نعود إلى معطيات الحياة؛ فالكبير تميزه طباعه، والصغير كذلك. فالكبير هو الذي يعطيك الانطباع بمقدار الخبرات التراكمية، ولا يخضع لمبدأ العمر، بحيث يكون له وقع عند الجميع، ويكون محبًا للقاعدة الشعبية التي ينتمي لها دون تمييز، ويكون وعاءً كبيرًا يسع كل ما قد يواجهه، لا أن يرسم القواعد لمن حوله بطريقة يفرضها عليهم. وما لا يعلمه الكثير أن الإنسان مثل القاعدة الحياتية التي ينتمي لها، فهو يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر، ولا أحد يكون خارج هذه الحدود. وهذا ينطبق على من يدّعون أنهم أصحاب الأقلام والفكر.

أما عن الصغير، فهناك من يكبرون في الأجسام والمكانة، ولكن عقولهم تبقى تراوح في مكانها، وهم لا يعترفون بهذا بشكل نهائي، ويتعاملون على المبادئ الفطرية لصغار السن؛ فتراهم يغضبون إذا ما نُقدوا، ويفرحون إذا ما ذُكروا، ويصبح كل همهم أن يكونوا في دائرة الضوء، بغض النظر عما يقدمونه للمجتمع.

 

إشكالية التراكم الوهمي... من أخطر ما يواجه المشهد الثقافي اليوم هو ما يمكن أن نسميه بـ"التراكم الوهمي"، حيث يعتقد البعض أن كثرة ما كتب تعني جودة ما كتب، وأن الامتداد الزمني كفيل بمنح الشرعية الفكرية. وهذا وهمٌ كبير؛ فالتراكم الحقيقي لا يُقاس بعدد النصوص، بل بقدرتها على البقاء، على التأثير، على خلق جدل معرفي حقيقي. أما التراكم القائم على إعادة إنتاج الذات، فهو لا يعدو كونه استهلاكًا مكررًا لفكرة انتهت صلاحيتها.

 

سلطة المتلقي المزيف... ولا يقف الخلل عند حدود الكاتب، بل يمتد إلى المتلقي الذي أسهم بشكل أو بآخر في تضخيم هذه الظاهرة؛ فهناك جمهور لا يقرأ بقدر ما يصفق، ولا يُحلل بقدر ما يُجامل، مما خلق بيئة خصبة لانتشار الرداءة تحت غطاء الشهرة. وهنا تتحول العلاقة بين الكاتب والمتلقي من علاقة إنتاج معرفي إلى علاقة تبادل مصالح قائمة على الإطراء الزائف، وهذا بحد ذاته يشكل انهيارًا صامتًا في بنية الوعي الثقافي.

 

إعادة تعريف القيمة... إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود أسماء كبيرة أو صغيرة، بل في المعايير التي نقيس بها هذه القيم؛ فحين يُقاس الكاتب بتاريخِه فقط، يُقتل حاضره، وحين يُقاس بنصه فقط، يُنصف إبداعه. لذلك لا بد من إعادة تعريف القيمة بعيدًا عن الهالة الاجتماعية أو التاريخية، والاقتراب أكثر من جوهر النص بوصفه المنتج الحقيقي الذي يجب أن يخضع للمساءلة.

 

أزمة الاعتراف... هناك أزمة خفية تتغلغل في عمق المشهد، وهي "أزمة الاعتراف"، حيث يسعى البعض إلى انتزاع الاعتراف من الآخرين بالقوة المعنوية، لا بالمنجز الحقيقي. فتراه يطالب بالتقدير لا لأنه يستحقه، بل لأنه يعتقد أن له "تاريخًا" يشفع له، متناسيًا أن الاعتراف لا يُورّث، ولا يُفرض، بل يُنتزع عبر الاستحقاق المتجدد.

 

بين الامتداد والانقطاع... ليس كل من استمر في الكتابة يُعد مستمرًا في الإبداع؛ فهناك فرق شاسع بين الامتداد الزمني والانقطاع المعرفي. فقد يكتب الإنسان لعقود، لكنه في الحقيقة توقف منذ سنوات طويلة، يكرر نفسه بصيغ مختلفة، ويعيش على صدى قديم لم يعد له وجود فعلي. وهنا تكمن المأساة التي لا يدركها إلا من يملك شجاعة مواجهة الذات.

 

الخلاصة... أود تقديم شكري وامتناني (للدكتور غسان عزيز، أستاذ النقد العربي في رواق كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل) لتنبيهه إلى أهمية هذا الموضوع الهام.

فهنا يكون النقد شماعة للكثير في تبرير فشلهم، فيفصحون للآخرين أن هذا انتقاد شخصي يُراد منه الاستهداف، وأنه بعيد عن النقد. وللإيضاح، إن في ساحة النقد ليس هناك كبير أو صغير، أو اسم لامع وآخر مغمور، بل هناك نص إبداعي، وآخر عبارة عن إرهاصات نفسية من شخصيات تعاني من أزمات آخر العمر. وهذا ما يشكل خطرًا في ترسيخ منهجية غير صحيحة في التعامل مع الإبداع والمبدعين. ويجب الكف عن صناعة الأصنام الأدبية والثقافية، وحتى العلمية؛ فلا أحد اليوم يُعد خارج قاعدة النقد الإبداعي إن وُجد. ولهذا كان يجب علينا إيجاد قراءة تساهم في تصحيح المسارات التي تشير إلى قضية الكبير والصغير في عالم الكتابة بمختلف أنواعها.

الخميس، 19 مارس 2026

قصيدة شعرية

 

أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى

قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


من منفى

إلى منفى…

يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني

*****

وخلفي

قضبانُ صدري

فتاةٌ أحببتُها

باكيًا، وفي بكائها أحزاني

*****

أرادوا أن يغتالوا

كلماتي

وبعضَ ألحاني

*****

لعتمة الليل هناك… جلّادٌ

يحمل صوتًا

صنعه صمتي وخذلاني

*****

فلا صوتَ هناك

سوى قطراتٍ من الماء

تُثقل كاهلي

وتقتل أشجاني

*****

أحملها قتيلةً

تُحمل بلا توابيت

بلا أسماء،

مجرّدةً من كل شيء

سوى أرقامٍ على سجلاتٍ

قد يمزّقها زماني

*****

في انتظار

القمر في ليل المحاق

فلا قيمةَ للمكان والزمان هناك

ولا ملامحَ للوجوه

ولا صورَ للذاكرة

سوى سيجارةٍ

لا أدري إن كنتُ أشعلها

أم هي من تُشعلني

*****

فلم يعد مهمًّا

شيءٌ يُذكر

وقاتلٌ خلف ذلك الجدار

وجريمةٌ بلا أدلّة

بلا بصمات

وبعد أعوامٍ ننسى

كما يُنسى الوقت الجميل

أو كما ترحل الطيور المهاجرة

وتنسى…

كحلمٍ لا تريد أن تتذكّره

*****

فقلبي هو المنفى

وسجّاني… بضعُ كلماتٍ أكتبها

مقيّدًا ما زلتُ أنا

وهنا يُسفك دمي

وتُقتل أحلامي.

الثلاثاء، 17 مارس 2026

مقال

 

الرد على مقال الأستاذ صباح سليم

تحت عنوان

صناعة الوعي المسرحي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كتب الصحفي صباح سليم مقالًا بعنوان (المسرحيون الشباب في الموصل.. يبتكرون ويعملون من أجل ازدهار المسرح في مدينتهم)، تناول فيه تجربة مجموعة من شباب مدينة الموصل فيما يُعرف بمسرح الشارع.

وهنا لا بدّ من تعريف هذا المصطلح ابتداءً ان مسرح الشارع هو شكلٌ من أشكال الفن المسرحي يُقدَّم في الفضاءات العامة المفتوحة، مثل الشوارع والساحات والحدائق والأسواق، بدلًا من المسارح التقليدية المغلقة. وهو فن يعتمد بشكل رئيسي على التفاعل المباشر مع الجمهور، الذي يكون غالبًا جزءًا من العرض، حيث تُطرح فيه موضوعات اجتماعية وسياسية ضمن إطار فكري يتناسب مع ما يُعرف بالوعي المسرحي لدى المتلقي، وهذا هو جوهر الموضوع الذي نحن بصدده.

لسنا هنا بصدد توجيه سهام نقدية لما كتبه الأستاذ صباح، لكن يبدو أنه قد فاته أن مثل هذه التجارب ينبغي أن يكون لها متلقٍ يمتلك نوعًا خاصًا من الوعي العام؛ وإلا تحوّلت تلك التجارب إلى نوع من العبثية التي تعبّر عن واقعٍ ثقافي مزرٍ. فالمدينة، وللأسف، لا تمتلك مسرحًا تقليديًا يُمهّد لظهور هذا النوع من العروض، وهو ما قد يثير استهجان الكثيرين، كما يظهر بين سطور هذا المقال.

أما عن صناعة الوعي، فهي غالبًا ما تبدأ مما يُعرف بالنشاط المدرسي في مراحل التعليم الابتدائي، من خلال تشكيل فرق مسرحية بإشراف تربوي متخصص، لا من قبل كوادر تدريسية بعيدة عن قضايا الفن. فذلك من شأنه أن يُسهم في خلق وعيٍ في العقل الباطن لتقبّل هذا الفن، ولو بعد حين. ويُضاف إلى ذلك سعيُ المجاميع الفنية والثقافية إلى بناء مسارح تقليدية تحتضن، في مراحلها الأولى، عروضًا مسرحية عالمية، قبل طرح التجارب المحلية، مع الاعتماد على النتاج التأليفي لأقلام المدينة، وإطلاق حملات توعية بأهمية المسرح في بناء المجتمعات. وهذا كله من شأنه أن يكون داعمًا رئيسيًا لهذه التجربة أو غيرها. وهذه الكلمات لا تأتي من باب كسر المعنويات لدى أصحاب التجربة.

أما موطن الخطأ لدى الكاتب، فيكمن في تركيزه على تجارب لا تمتلك قاعدة جماهيرية لهذا النوع من العمل، إذ تجاهل أهم عنصر في الموضوع، وهو الجمهور ووعيه في تقبّل هذا الفن. كما أن التركيز على وجود تجارب بحد ذاته لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها وعيًا ثقافيًا كافيًا، مما قد يخلق فجوة بين العمل والمتلقي. وكان الأجدر بالكاتب أن يركّز على آليات تهيئة المجتمع والمدينة لتقبّل هذا النوع من العروض.

وهناك جانب آخر لم يتم التطرق إليه، وهو أن مسرح الشارع لا يُقاس فقط بجرأة الطرح أو الحضور في المكان العام، بل بقدرته على خلق صدمة فكرية منظمة لا فوضوية، صدمة تُحرّك وعي المتلقي لا أن تُربكه أو تدفعه للنفور. فليس كل طرح مباشر يُعدّ وعيًا، وليس كل تفاعل دليلًا على الفهم، بل قد يكون في كثير من الأحيان مجرد رد فعل لحظي سرعان ما يتلاشى دون أثر.

كما أن الاعتماد على الحماس الشبابي وحده، دون وجود مرجعية فكرية أو إخراجية واضحة، قد يُحوّل التجربة إلى مجرد فعل عابر، يستهلك طاقة المشاركين دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في بنية الوعي العام. فالفن، في جوهره، ليس حالة انفعال مؤقت، بل مشروع تراكمي يحتاج إلى تنظيم واستمرارية ورؤية.

ومن النقاط التي غابت أيضًا، أن الفضاء العام في مدننا ليس مهيأً دائمًا لتقبّل هذا النوع من الفنون، سواء من ناحية الوعي المجتمعي أو من ناحية البنية الأمنية والثقافية، مما يجعل أي تجربة غير محسوبة عرضة للتأويل أو الرفض، وربما حتى التشويه. وهنا لا بد من قراءة طبيعة المجتمع قبل فرض أي شكل فني عليه، لأن الفن الذي لا يراعي بيئته يتحول إلى جسم غريب مرفوض.

ثم إن غياب الدعم المؤسسي الحقيقي للفن المسرحي، سواء من الجهات الثقافية أو التعليمية، يضعف من استمرارية هذه التجارب، ويجعلها رهينة الاجتهادات الفردية التي سرعان ما تنطفئ. فبناء حركة مسرحية لا يقوم على مبادرات معزولة، بل على منظومة متكاملة تبدأ من التعليم وتنتهي بالإنتاج والترويج.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن اختزال “الوعي المسرحي” في مجرد تقديم عرض في الشارع هو تبسيط مخلّ بالمفهوم، لأن الوعي الحقيقي يبدأ من النص، ويمر بالإخراج، ويكتمل بالمتلقي. وأي خلل في هذا الثلاثي يُفقد التجربة قيمتها، مهما بدت في ظاهرها جريئة أو مختلفة.

 

الخلاصة ... لا يمكن أن نُجمّل واقعًا مرتبكًا تحت لافتة “التجريب” ولا أن نُمرّر محاولات غير ناضجة على أنها إنجازات تُحسب للوعي المسرحي. فالحقيقة المؤلمة أن ما يُبنى على أرضٍ غير مهيأة، ووعيٍ لم يُصنع بعد، لن يكون إلا بناءً هشًا، سرعان ما ينهار عند أول مواجهة حقيقية مع الجمهور.

إن المشكلة لا تكمن في التجربة بحد ذاتها، بل في الوهم الذي يُسوّق لها على أنها خطوة متقدمة، بينما هي في حقيقتها قفزٌ فوق المراحل، وتجاوزٌ لأساس لم يُبنَ أصلًا. فالفن الذي لا يجد من يفهمه، ولا بيئة تحتضنه، يتحول من رسالة إلى عبء، ومن فعل ثقافي إلى مشهد عابر لا يترك سوى الضجيج.

وما لم ندرك أن صناعة الوعي تسبق استعراضه، وأن بناء الجمهور أهم من استعراض العمل أمامه، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نُنتج عروضًا بلا أثر، ونكتب عنها وكأنها منجز، بينما الحقيقة الصادمة أنها ليست سوى انعكاسٍ لفجوةٍ أكبر… فجوة بين ما نعتقد أننا نصنعه، وما هو موجود فعليًا على أرض الواقع.

مقال

    الحبكة وتقنية الكتابة تحت عنوان صياغة الذهب بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين طالما اقترنت كلمة صياغة بطريقة الكتابة منذ زم...