بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 31 أغسطس 2026

مقال

 

 استعراض وزارة الصحة وأزمة البنزين

تحت عنوان

أزمة تخطيط

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



تعود فكرة هذا المقال إلى حوار مثمر دار بيني وبين أحد الباحثين لنيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث، **علي صلاح الدين**، وهو ممن أجد فيهم مشروع باحث ناجح إلى حد كبير.

ومن بين ما طرحه، طرحتُ عليه رأيًا مفاده أن الأزمة الوحيدة في العراق هي **«أزمة الصدق»**، عندها اعترض على هذا الرأي، مستندًا إلى أن فيه تعميمًا، وأن في ذلك نوعًا من التجني، وأضاف أن الأزمة في العراق هي **أزمة تخطيط**، موضحًا أن الدول الاستعمارية التي تهيمن على البلد لا يهمها كثيرًا الوقوف عند التفاصيل الصغيرة التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر وما نراه ونسمعه اليوم يعود، برمته، إلى افتقار المسؤول إلى قضية التخطيط، ومن هنا تكون الانطلاقة في هذا الموضوع.

 

استعراض وزارة الصحة... ظهر علينا قبل أيام السيد وزير الصحة بعرضٍ مستهلك إعلاميًا، من خلال زيارات مباغتة إلى المستشفيات الحكومية والدوائر التابعة له، في مشهد استعراضي يتخلله بعض التوبيخ والإقالات.

وأنا هنا لست ضد المتابعة الميدانية لمعاليه، ولكن كان على سيادته، قبل الشروع في هذا العمل، أن يقوم بسؤال **عناكب المبنى الوزاري العتيدة**: ماذا قدمت الوزارة للمستشفيات والمراكز الصحية؟

وهناك مثل شعبي مصري يعزز فكرة الموضوع، مفاده: «اطبخي يا جارية... كلف يا سيدي» والحق يقال هنا، إن المستشفيات الحكومية اليوم باتت تذكرني بفندق في العاصمة بغداد، يقطن في منطقة الكرادة، مقابل مرطبات مشمشة، ويحمل اسم **فندق الكرادة الحديث**؛ وهو المكان الذي ليس له علاقة بمصطلح «الحديث» سوى أنه مكان يأوي من تقطعت بهم سبل الحياة.

والرابط بين الاثنين أن كليهما يفتقر إلى التعامل مع **العنصر الآدمي** فالمستشفيات اليوم لم تعد تقدم إلا ذلك الطبيب الذي يقف حائرًا أمام سيادة الوزير، الذي غابت عنه الحقيقة المرة؛ فالأمر تراكمي، وعلى امتداد حقبات وزارية لم تعمل على تطوير العمل الوزاري.

وكان المفروض من سيادته متابعة الأمر من **ضخم السكرتارية في مكتبه الضخم إلى عامل الخدمات في المستشفيات الحكومية**، لا العكس وكل هذا لأن إشغال المنصب في البلد بالنسبة إلى الوزراء لا يكون، في كثير من الأحيان، عبر رؤى أو خطة مستقبلية مدروسة، وإنما يتحول المنصب إلى مساحة لإدارة الأزمات بعد وقوعها، بدلًا من التخطيط لمنعها قبل حدوثها.

 

أزمة البنزين... وتبدأ الحكاية من أحد المسؤولين في المحافظة، وظهوره على وسائل الإعلام وهو يوجه نقدًا لأحد المتجاوزين على طابور الانتظار أمام إحدى المحطات.

وهنا يكون السؤال: من تسبب في صناعة هذه الأزمة وخلق تلك الطوابير التي تملأ شوارع المحافظة؟ وهنا سوف نذكر عددًا من الأسباب التي تساهم في صناعة أزمة البنزين في محافظة نينوى.

الموقع الجغرافي / إن الموقع الجغرافي لمحافظة نينوى، والموصل تحديدًا، يمثل موقعًا حدوديًا، وهذا ما يعزز ظاهرة التهريب، إضافة إلى وجود عدد من المحطات التي تعتبر خارج نطاق الرقابة الفعلية للمحافظة، مما قد يؤثر بشكل مباشر في حاجة المحافظة من مادة البنزين، ويخلق ارتباكًا في عملية التوزيع.

قرارات غير مدروسة / من أهم تلك القرارات عدم استعمال بطاقة الحصة إلا من صاحب السيارة الشرعي وهنا السؤال الأهم: إذا كانت هذه الحصة حقًا شرعيًا للمواطن، فما شأن الآخرين بماذا يفعل بها؟

فإذا كان المواطن غير محتاج إليها، فما الضرر في أن ينتفع بها أحد من أقاربه أو معارفه، مثل **الأب أو الأخ أو الزوجة أو الصديق**؟

وحتى إذا قرر أحدهم بيعها، فأعتقد أن هناك حرية في التصرف، ما دامت الحصة مقررة له أصلًا، فالحاجة ليست بالضرورة متساوية من شخص إلى آخر وأرى في هذا القرار رؤية ضيقة للموضوع، وقد يخلق حالة من عدم الرضا عن الأداء الحكومي، بدلًا من أن يسهم في معالجة أصل المشكلة.

المكاتب الاقتصادية للأحزاب / كثير من الناس يتساءلون: أين تكون تلك المكاتب التي يتحدث عنها الإعلام؟

وهنا قد تكون الإجابة الصادمة: **مجالس المحافظات**، التي تعتبر، في نظر البعض، حلقة زائدة في الموضوع، إذ يعمل بعضهم على تمويل أحزابهم من خلال العقود، ومنها عقود الوقود.

ولهذا ترى أن هناك من يعمل على خلق الأزمات ليكون هو المستفيد من عملية جمع الأموال، خدمةً لمن وضعه في المنصب.

وهنا تعود بنا القضية إلى السؤال الأول:

هل أزمتنا فعلًا أزمة بنزين؟ أم أنها أزمة تخطيط؟

وربما يكون البنزين مجرد عنوان صغير لأزمة أكبر، عنوانها الحقيقي **غياب التخطيط، وتداخل المصالح، وتحويل إدارة الدولة من صناعة الحلول إلى إدارة الأزمات** فالمسؤول الذي ينتظر الأزمة حتى تقع، ثم يظهر أمام الكاميرات ليوبخ هذا ويقيل ذاك، لا يعالج الأزمة، وإنما يدير مشهدها الإعلامي.

أما التخطيط الحقيقي، فيبدأ قبل أن تقف الطوابير، وقبل أن تغلق المحطات أبوابها، وقبل أن يبحث المواطن عن المسؤول الذي سيشرح له لماذا أصبح الوقوف في طابور البنزين جزءًا من حياته اليومية.

وهنا فقط ندرك أن المشكلة ليست في **البنزين وحده**، وإنما في عقلية إدارة البلد.

 

وأين الحل؟ ... إذا كنا قد اتفقنا أن المشكلة ليست في البنزين وحده، وليست في وزارة الصحة وحدها، وإنما في غياب التخطيط، فإن معالجة الأزمة لا تكون بإطفاء الحرائق بعد اشتعالها، وإنما بمنع الحريق من الأساس.

وفي وزارة الصحة، لا أعتقد أن الحل يكمن في أن يدخل الوزير مستشفى بشكل مفاجئ، ثم يخرج لنا بقرارات إقالة أو توبيخ أمام الكاميرات، فهذه إجراءات قد تصلح لمعالجة خطأ فردي، لكنها لا تعالج مؤسسة كاملة تعاني من تراكمات سنوات.

الحل يبدأ من **خطة وزارية واضحة** تحدد احتياجات كل مستشفى ومركز صحي، من الأدوية والمستلزمات والأجهزة إلى أعداد الأطباء والممرضين وعمال الخدمات، ثم تكون هناك متابعة شهرية حقيقية تقيس ما تحقق من الخطة، لا متابعة موسمية تظهر أمام الإعلام وتختفي بانتهاء الزيارة.

وعلى الوزارة أن تنقل الرقابة من **المشهد الإعلامي إلى النظام الإداري**؛ فالموظف الذي يعرف أن هناك نظامًا إلكترونيًا يوثق حضوره وأداءه، وأن هناك تقييمًا دوريًا لا يتأثر بالعلاقات والمحسوبيات، سيكون أكثر التزامًا من موظف ينتظر زيارة الوزير حتى يعرف أن هناك من يراقبه.

كما أن الطبيب والممرض وعامل الخدمة ليسوا وحدهم المسؤولين عن انهيار المؤسسة الصحية، فالمسؤولية تبدأ من أعلى الهرم الإداري، ولذلك فإن محاسبة العامل الصغير وترك الحلقة الأكبر من المسؤولين عن التخطيط والإدارة ليست إصلاحًا، وإنما توزيع للوم على الحلقة الأضعف.

أما أزمة البنزين، فحلها أيضًا لا يحتاج إلى كثير من الفلسفة، بقدر ما يحتاج إلى **بيانات دقيقة وإدارة شفافة**.

يجب أولًا معرفة حاجة محافظة نينوى الحقيقية من الوقود، وحجم ما يدخل إليها، وحجم ما يخرج منها، وما تستهلكه المركبات فعلًا، ثم مقارنة هذه الأرقام بصورة يومية؛ لأن الدولة التي لا تعرف مقدار حاجتها من مادة أساسية، لا تستطيع أن تعرف أين ذهب النقص.

كما أن معالجة التهريب لا تكون بالحديث عنه في وسائل الإعلام، وإنما من خلال **ربط حركة الوقود إلكترونيًا من لحظة خروجه من المستودع إلى لحظة وصوله إلى محطة التعبئة**، بحيث تكون كل كمية قابلة للتتبع والمراجعة، ويصبح من الصعب على أي جهة أن تتلاعب بالكميات دون أن تترك أثرًا في السجلات.

أما المحطات التي تقع خارج الرقابة الفعلية، فيجب إخضاعها إلى نظام رقابي موحد، فلا يمكن أن تكون هناك محطة تبيع مادة يفترض أنها محسوبة ضمن حاجة المواطن، ثم لا يعرف أحد أين تذهب الكمية التي تستلمها.

وبالنسبة إلى بطاقة الوقود، فإن المطلوب ليس تعقيد حياة المواطن، وإنما **تنظيم الاستحقاق بطريقة تمنع التلاعب وتحافظ على حق صاحب الحصة**. فإذا كانت الحصة حقًا مقررًا للمواطن، فيمكن السماح له بتفويض شخص يختاره ضمن نظام إلكتروني واضح، بدل أن يتحول الأمر إلى طوابير ومعاملات وتعقيدات جديدة.

أما موضوع المكاتب الاقتصادية والفساد المحتمل في العقود، فالحل لا يكون باتهام الجميع، وإنما بجعل **العقد الحكومي مكشوفًا أمام المواطن**؛ من أحاله؟ وكم قيمته؟ ومن هي الشركة المستفيدة؟ وما مدة العقد؟ وما الكمية المجهزة؟ وعندها يصبح الإعلام والمواطن والجهات الرقابية شركاء في الرقابة.

وأعتقد أن أهم خطوة في كل ذلك هي أن نعيد تعريف وظيفة المسؤول فالمسؤول الناجح ليس الذي يظهر أمام الكاميرا وهو غاضب، ولا الذي يرفع صوته على موظف صغير، ولا الذي يقيل مديرًا بعد وقوع المشكلة **المسؤول الحقيقي هو الذي يستطيع أن يمنع المشكلة قبل أن تقع.**

فالوزير الذي يحتاج إلى زيارة مفاجئة حتى يكتشف أن المستشفى يعاني، كان عليه أن يعرف ذلك من تقارير وزارته قبل أن يصل إلى باب المستشفى.

والمسؤول الذي يحتاج إلى النزول إلى الشارع حتى يرى طوابير البنزين، كان عليه أن يعرف بالأرقام أن هناك خللًا في التجهيز والتوزيع قبل أن يقف المواطن ساعات أمام المحطة.

وهنا أعود إلى الحوار الذي بدأت منه هذا المقال مع الباحث **علي صلاح الدين**، حين قال إن المشكلة ليست «أزمة صدق» فقط، وإنما **أزمة تخطيط** وأعتقد أن الحقيقة تقع في منطقة مشتركة بين الاثنين؛ لأن التخطيط يحتاج إلى صدق في تقديم المعلومات، والصدق يحتاج إلى إدارة تمتلك القدرة على تحويل المعلومات إلى قرارات.

فإذا غاب التخطيط، أصبح المسؤول يطارد الأزمات.

وإذا غابت الرقابة، أصبح الفساد أكثر قدرة على الحركة.

وإذا غابت الشفافية، أصبح المواطن آخر من يعرف الحقيقة.

أما إذا اجتمعت **المعلومة الدقيقة، والتخطيط المسبق، والرقابة الحقيقية، والشفافية، والمحاسبة**، فإن كثيرًا من الأزمات التي نعيشها اليوم لن تكون أزمات أصلًا. ولذلك فإن العراق لا يحتاج إلى مسؤول يمتلك قدرة عالية على **إطفاء الحرائق**، بقدر حاجته إلى مسؤول يمنع اشتعالها.

**فالدولة التي تخطط جيدًا لا تجعل المواطن يقف في الطابور بحثًا عن البنزين، ولا تجعل المريض يبحث عن مستشفى يليق بآدميته.**

وهنا تكون البداية الحقيقية للإصلاح... **أن ننتقل من ثقافة إدارة الأزمة إلى ثقافة صناعة الحل.**

 

الخلاصة ... في العراق، يبدو أننا أصبحنا نعيش زمنًا غريبًا؛ المسؤول لا يتحرك إلا بعد أن تقع الكارثة، ولا يكتشف الخلل إلا عندما تصطف الكاميرات أمامه، ولا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج إلى صورة إعلامية جديدة.

في وزارة الصحة، يُكتشف تقصير المستشفى بزيارة مفاجئة، وفي أزمة البنزين تُكتشف الطوابير بعد أن تملأ الشوارع، وكأن وظيفة المسؤول ليست أن يعرف ما سيحدث، وإنما أن يتفاجأ بما حدث!

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية...

نحن لا نعاني من نقص البنزين بقدر ما نعاني من فائض المسؤولين الذين لا يعرفون كيف يخططون، ولا نعاني من نقص المستشفيات بقدر ما نعاني من نقص الإدارة التي تجعل المستشفى مكانًا للشفاء لا مكانًا لاستعراض الوزير.

أما المواطن، فقد أصبح هو الحلقة الأسهل في مسلسل الفشل؛ يُطلب منه الصبر عندما ينقطع البنزين، والصبر عندما يمرض، والصبر عندما تتعطل معاملته، والصبر عندما ترتفع الأسعار، والصبر عندما يسمع وعودًا جديدة.

وكأن المواطن خُلق ليصبر، والمسؤول خُلق ليبرر!

لقد مللنا من ثقافة «المفاجآت الوزارية»، ومن المسؤول الذي يكتشف المشكلة بعد وقوعها، ثم يخرج علينا بعبارات محفوظة عن المتابعة والمحاسبة والإصلاح.

يا سادة... الإصلاح لا يبدأ بالكاميرا، ولا ينتهي بالإقالة. الإصلاح يبدأ بعقل يخطط، وضمير يراقب، وقانون يحاسب، وإدارة تعرف أن المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس رقمًا في سجل الناخبين.

أما أن نبقى نبحث عن موظف صغير نحمّله مسؤولية فشل مؤسسة كاملة، ثم نعود في اليوم التالي إلى المكاتب نفسها والعقليات نفسها والآليات نفسها، فهذه ليست إدارة دولة...

هذا مجرد تدوير للفشل!

ولذلك أقولها بلا مجاملة: أزمة العراق ليست في البنزين وحده، ولا في المستشفى وحده، ولا في الموظف وحده... أزمة العراق في عقلية إدارية اعتادت أن تصل متأخرة، وتعتذر متأخرة، وتعاقب متأخرة، ثم تطلب من المواطن أن يصفق لها لأنها وصلت!

وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي يهرب منه الجميع: إلى متى يبقى المواطن يدفع ثمن أخطاء الذين يملكون القرار ولا يملكون الخطة؟

فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن توفر دواءً لمريض، أو سريرًا لمحتاج، أو لترًا من البنزين لمواطن، أو جوابًا واضحًا عن سبب الأزمة، فالمشكلة لم تعد أزمة خدمات... إنها أزمة دولة في طريقة تفكيرها وإدارتها والباقي... مجرد استعراض!

الأحد، 30 أغسطس 2026

مقال

 

 سكن مواطني المركز في الإقليم وآثاره الإدارية والاجتماعية

تحت عنوان

المواطن بين المحاباة والانحلال

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هناك بعض المشكلات التي يتفادى الكثير الحديث عنها لسبب أو آخر، ومنها الآثار الإدارية والاجتماعية في قضية السكن، حيث يظن الكثير أنها قد تكون من القضايا البسيطة التي لا تستحق أن تُذكر، مع أنها مشكلة بالغة الخطورة، لم تترك من آثارها إلا أن تغيّر المسارات العقلية والمنطقية في الدولة والمجتمع.

 

الندية... هناك سوء فهم لدى مفكري السياسة في الإقليم في تعريف الفدرالية، وهي تعني: **«دولة واحدة، لكن السلطة والإدارة موزعة بين المركز والأقاليم أو المحافظات، مع بقاء السيادة للدولة الاتحادية»**.

فمنذ تأسيس الإقليم، لم يتم التعامل مع المصطلح بالمعنى الحقيقي، من باب أن ما قد حصل هو عملية تهيئة للاستقلال، وفي هذا نوع من السذاجة الفكرية. وهذا يعود إلى أن **مجلس حكماء هذا العالم** لم يتخذوا القرار بعد بهذا الخصوص، ولم تُطرح الفكرة من الأصل.

وهنا وُلدت مشكلة لا يدرك الكثير حجمها، وهي **دولة داخل دولة**؛ فلهم ما ليس لغيرهم ضمن حدود المركز، الذي يتجسد في حق المواطن في المركز بكل الحقوق التي يريدها، ولكن مواطن المركز لا يتم التعامل معه بهذا المفهوم، بدءًا من مسألة الإقامات وغيرها.

 

السكن المنفعي... يظن الكثير من الناس أن منح تصاريح السكن لمواطني المركز من خارج الإقليم هو **«مكرمة»** أو اعتراف ضمني بحقوق المواطن داخل الحدود العراقية، ولكن ما لا يعلمه الجميع أن الأمر برمته هو عبارة عن منفعة اقتصادية لتحريك العجلة الاقتصادية للإقليم، لا أكثر.

وفي حال، كما يرددون، وعند استقلالهم، لن يبقى أحد من هؤلاء على تلك الأرض، حتى أولئك الذين لديهم استثمارات سكنية؛ إذ سوف يتم التعامل معهم وفق ما يسمى بـ «تأميم الدولة» ، وسوف يرفعون شعار: «على المتضرر اللجوء للقضاء» وأي قضاء هذا الذي سوف يصدر حكمًا لا يخدم فكرة الاستقلال؟

 

نوعية السكان... ينقسم هؤلاء إلى قسمين؛ فمنهم المسؤولون وأصحاب رؤوس الأموال، وآخرون هاربون من الفشل الاجتماعي، وكلاهما يجد لنفسه المساحة الآمنة، كما يتصور هو.

ولكن للحقيقة وجه آخر؛ فكل شيء تم دراسته بعناية لخدمة مشروعهم التوسعي، الذي تفصح عنه تلك الشعارات القومية.

والغريب أن تلك المجاميع تدرك أنهم مسلوبي الإرادة في التعبير عن آرائهم وانتماءاتهم وبشكل علني، وهناك أكثر من حادثة تؤكد ما ورد في هذه السطور، ومنها حرق العلم العراقي لأكثر من مرة دون رادع حقيقي للموضوع ودليلي في هذا: ليس هناك مرشح واحد في الإقليم لتمثيل العرب، أما في المقابل، فهناك تمثيل واسع ومسيطر في المركز لسكان الإقليم، وهذا دليل على تهميش تلك الشريحة من السكان.

 

المحاباة... مصطلح واسع الانتشار بين المسؤولين الذين يسكنون الإقليم، وهم أصحاب المناصب العائدة إلى المركز، وهذا ما له آثار كارثية على استقلالية القرار الحكومي.

فالمسؤول الذي يسكن الإقليم لا يستطيع اتخاذ قرار يثير حفيظة المسؤولين هناك بسبب السكن، ما يحدث خللًا حقيقيًا في التعامل مع المشكلات التي يعاني منها مواطن المركز، ومنها مشكلة البنزين التي سوف نتحدث عنها لاحقًا.

 

الفاشلون اجتماعيًا... كثيرًا ما نسمع عن أشخاص يعانون من فشل اجتماعي، يرون في الإقليم ملاذًا آمنًا لأفعالهم وآرائهم الشاذة، ولهذا انتشرت في المجتمع مقولات تعبّر عن هذه الحالة، مثل «معارض أربيل» ، إشارةً إلى الملاهي الليلية.

وتفعيل هذه الحالة يعود إلى جذور انتقامية تاريخية، وإذا ما كنت تريد التأكد مما ورد هنا، يجب أن تعود إلى تاريخ الموصل ومنطقة «العموم» وعرّابيها ومن يستقطب إلى هذه المنطقة.

وهذا يبرر تلك الممارسات التي يتبناها الإقليم مع استقبال تلك النماذج وتوفير الحماية لهم، مثل **«القرية اللبنانية»** وغيرها.

وليس هذا فحسب، فهناك نوعية أخرى من الفاشلين والفاشلات خارج حدود تلك الأماكن، وهنا الهاربات من واقعهن الاجتماعي، فيرين في الإقليم مساحة للحرية كما يعتقدن بأفكارهن الساذجة، فيكون هناك خلط بين مصطلح الحرية والانحلال وهنا تكمن المشكلة الاجتماعية التي سوف يكون لها آثار كارثية، تتحملها سياسة الإقليم من خلال تشويه صورة الوافدين إلى الإقليم من سكان المركز.

 

الوطن لا يقبل التجزئة... منذ ولادتي وأنا أعيش في منطقة يعيش بها كل المسميات المستحدثة، القومية منها والطائفية، ولم أجد مشكلة في التعامل مع أحدهم في يومًا ما، رغم أن الحكم في تلك الفترة كان متبنيًا الفكر القومي.

وإذا ما عدنا إلى تلك الحقبة، فسوف نجد أن هناك ما يُعرف بالتوازن الفكري في التعامل مع تلك القضية ولكن ما أثار تلك النعرات هي بعض المصطلحات الوهمية التي تبنتها الأنظمة الحديثة للحكم في البلد، مثل «التغيير الديمغرافي» وللأسف، أن هناك تبنيًا لبعض المصطلحات التي تخدم السياسات القذرة لديمومة الصراع والبقاء على رأس السلطة وقد يرى البعض أن الحديث في تلك المواضيع يعتبر نوعًا من الانتحار، ولكن ما لا يدركه الكثير أن هناك ما يُعرف بالالتزام الأخلاقي أمام قضايا الوطن.

 

المضمون ... إن خطورة قضية السكن لا تكمن في المكان بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الإجراءات الإدارية إلى **تمييز اجتماعي**، فالمواطن عندما يشعر أن القانون لا يُطبق عليه كما يُطبق على غيره، تبدأ ثقته بالمؤسسة والدولة بالتراجع.

وهنا يحضر مفهوم **الأنومي** عند عالم الاجتماع إميل دوركايم، الذي يشير إلى اضطراب المعايير الاجتماعية عندما يفقد الفرد شعوره بوجود قواعد عادلة ومشتركة تنظم حياته. فحين تكون الدولة واحدة، ولكن الحقوق تختلف باختلاف المكان، يبدأ المواطن بالسؤال: **هل أنا مواطن في وطن واحد أم أن مواطنيتي تتغير بتغير المنطقة؟**

أما إداريًا، فإن تعدد الإجراءات وتداخل الصلاحيات والاستثناءات يفتح الباب أمام المحاباة والوساطة، ويجعل القانون في بعض الحالات أقل حضورًا من العلاقات والنفوذ، وهذا يؤدي إلى إضعاف هيبة المؤسسة وتراجع ثقة المواطن بها.

واجتماعيًا، فإن استمرار هذه الحالة قد يصنع مع الزمن جدارًا نفسيًا بين أبناء الوطن الواحد، فتتحول الاختلافات الجغرافية إلى تصنيفات اجتماعية، ثم إلى شعور بـ«نحن» و«هم»، وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المشكلة لم تعد في ورقة إقامة أو تصريح سكن، وإنما أصبحت في **الوعي الاجتماعي نفسه**.

إن المواطن الذي يشعر بأنه أقل حقًا من غيره لن يحمل المشكلة في معاملته فقط، بل قد يحملها في ذاكرته، وينقلها إلى أبنائه، وهكذا تتحول المشكلة الإدارية الصغيرة إلى تراكم اجتماعي يصعب علاجه بقرار مؤقت ولهذا فإن حماية وحدة الوطن لا تكون بالشعارات، وإنما بجعل **المواطنة معيارًا، والقانون مرجعًا، والمساواة ممارسة حقيقية**.

فالمشكلة التي تبدأ بإجراء إداري قد تنتهي بأزمة ثقة، وأزمة الثقة إذا تحولت إلى انقسام اجتماعي فإنها تصبح أخطر من أي خلاف سياسي **فالأوطان لا تتجزأ أولًا على الخرائط، وإنما تتجزأ في عقول أبنائها.**

 

الخلاصة... قد يكون ما ورد في هذه السطور هو حجر في المياه الراكدة، ولا تُعتبر هذه الكلمات نوعًا من تسقيط لفكرة الإقليم، لا سامح الله، ولكن قد تكون هي الحقيقة التي لا يتجرأ أحد على البوح بها.

فهناك العديد من القضايا التي لا يدركون ما آثارها المستقبلية، ولكنها لا تقل عن آثار قنبلة نووية إذا ما انفجرت في مكان معين، والحديث عنها يعتبر بمثابة كفر بكل المعتقدات الدنيوية ومنها قضية السكن في الإقليم ولتكن هذه الكلمات صرخة تعبّر عن الألم الذي نشعر به عندما ترى الوطن قد وصل إلى هذا الحال، وهنا تكون كلمة: «لك الله يا عراق» أصدق ما قد يقال الآن.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

مقال

 

تعالوا أحدثكم عن رسول الله

تحت عنوان

 السلام عليك يا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



اليوم لن أقول إن الاحتفاء بمولده بدعة، لا سامح الله، ولكن هي فرصة في استذكار ما لا يُنسى ذكره في قلوبنا، ولمن لا يعلم أننا أمام أعظم من مشى بقدم على هذه الأرض. وقد يحتار القلم هنا: عن ماذا أحدثكم وأنا أمام رسولنا؟ فقد كان له ما لم يكن لأحد. ففي هذا اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أجد حرفًا أكتبه يليق بشخصية لم ولن تكون لها سيرة تُكتب بالشكل التقليدي، وقد تكون هذه الكلمات متواضعة أمام عظمة الحدث والشخصية، ولكن سوف أكتبها، وسوف أحاول أن يكون ما يُسطر هنا قطرة في محيط عظمة رسولنا الكريم.

 

كيف يكون الاحتفاء؟ ... وهنا ليست المراسيم توزيع الحلوى، أو مراسيم احتفالات رسمية بالمناسبة، هو دليل على أننا من أمته، لسبب بسيط جدًا؛ لأن ما يريده هو أن تتحلى بما يريد، لا بشكليات أو تقليد قد سبقنا أحد إليه. وهنا يكون السؤال الأهم، وهو: **أين أنت مما ترك لكم رسول الله؟**

وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أن تعرف في البداية من يكون هو، ولا يقل لي أحدكم الآن: هل جئت تعرفنا برسولنا الكريم؟ ولهذا يكون الرد هنا: إنك، وما أنتم عليه، لا تعرفونه، وليس لكم علاقة به، فقد كثرت الأسماء التي تُردد من دونه، والاقتداء به هنا يكون من خلال التحلي بما كان هو عليه، لا من خلال شعارات زائفة، ولتكون هناك مقارنة بين أخلاق رسولنا الكريم وما تفعلونه أنتم.

ولن أتخذ من الأحاديث النبوية مضامين لما سوف يرد هنا، ولكن سوف آخذ من الصفات العامة التي يعرفها عدوه قبل أتباعه.

 

الصدق... وهنا لم يكن فقط صدقه مع أصحابه ومن كان من حوله، ولكن كان هناك صدق آخر قبل هذا، وهو صدقه مع نفسه، الذي ترك أثره على الأرض قبل الدعوة، وهذا ما عزز صدقه مع الله واختياره لهذه المهام العظيمة. فالله العظيم يدرك ما تخفي النفوس وما تُسرّ القلوب، ولهذا كان خُلُق رسول بهذه الصفات وحده معجزة على عظمة الله في توظيف الأسباب اللازمة لرسم قناعات بشر اتصفوا بأنهم خُلقوا من نفوس متقلبة، فكان عنوانًا لصفة واحدة من صفاته، لو التزمت بها البشر، لكان الجميع في مأمن من عذاب الله.

 

الأمانة... وهنا تتجلى عظمة الشخصية التي نتحدث عنها، فقد سطّر رسولنا الكريم محمد صورًا غير متناهية عن صفة نفتقدها منذ وفاته. فالأمانة لا تعني بالضرورة حفظ ما تؤتمن عليه، ولكن عندما تكون أمانتك من خالق السماوات والأرض، يكون الأمر قد خرج من حدود فهم العقل والإدراك، فأمانة قال عنها ربي:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ صدق الله العظيم.

ألا رسول الله، فكان خير من حمل الأمانة. فليخبرني أحدكم اليوم: ماذا فعلتم بأمانة رسول الله؟ ولا تقولوا لي: شهادة وصلاة وصوم وزكاة وحج، ولكن قل لي: كيف حال أمة محمد اليوم؟ فمن إجابتك أعرف موقعك، أيها القارئ، إذا ما كنت تتحلى بصفة من صفات رسولنا الكريم.

 

الرحمة... وأي رحمة كانت تلك التي استُلهمت من رحمة الله؟ فكان صورة ما بعدها صورة لصفة كانت قاعدة حياتية يستقيم بها كل شيء، في قوله: **«تراحموا ترحموا»**.

ومن هنا نفهم ضيق الحياة التي نحن عليها اليوم، فالكثير ممن ليس لهم إدراك عقائدي اليوم يصنع مقارنة أعتبرها ساذجة إلى حد كبير، في قول أحدهم: لماذا نحن أمة خير من كان على هذا الأرض نعاني، وغيرنا من غير المؤمنين بالله ورسوله الكريم ينعم بحياة رغيدة وبحبوحة في العيش؟

والإجابة هنا: إنهم فهموا ما أشار إليه رسولنا في حديثه، فكان لهم من التراحم فيما بينهم ما يجعلهم في بحبوحة العيش.

 

التواضع... هي من أعظم ما قد تسمع أو تقرأ عن أحد على هذه الأرض، وبرغم أنه نبي للعالم أجمع، لم يكن يومًا **مختالًا فخورًا**، ولكن على العكس، كان يرسم بممارساته اليومية خُلُقًا يليق بأهل الجنة، وهو صاحب الجنة.

فاليوم، إذا ما كنت تريد استذكاره، يجب أن تعمل بما كان يفعل، ليس من باب التعصب وفرض على الناس أقوالًا لا تمت بصلة إلى شخصه الكريم، فدع الناس ترى رسولنا الكريم بفعلك المستلهم من رسول الله محمد.

 

الحلم والعفو... وهي الصفة التي لم تكن لأحد سواه بعد الله عز وجل، وقد جسّد في عمله هذه الصفة يوم فتح مكة. لم يكن، حاشاه، ناقمًا منتقمًا من أحد، ولكن كان عفوه عن من آذاه درسًا يجب أن يكون في مناهج التعليم الأخلاقي، ليكون عنوانًا لما يُردد اليوم بعنوان **السلام الاجتماعي**.

فالقضية لا تكون بمصطلحات مكتوبة، ولكن بفعل تراه الناس، وعندها يسألون: من علّمكم هذا؟ فتكون الإجابة: رسولنا محمد.

وبالسؤال يكمن الانتصار الحقيقي، إن كنتم لا تعلمون؛ فالعفو الذي تحلى به لم يكن في قول نُقل عنه، ولكن في فعل فعله على أرض الواقع، فكان رمز التسامح الاجتماعي.

 

الوفاء... من الصور التي لفتت انتباهي تحت عنوان هذه الصفة هو الوفاء لسيدتنا خديجة، سلام الله عليها، وكيف كان يكرم ذكرها ويكرم من له علاقة بها، وهذا بحد ذاته شيء قلما نراه اليوم.

وهي صورة من صور كثيرة نجدها في سيرته العطرة، ولكن ما دفعني لتناولها فيما أكتب، أن الوفاء هنا بدأ بأهله، ومن كان خيره لأهله، فعلم أن الخير سوف يكون للعالم الذين حوله... فالرسول هنا ملك القلوب قبل أن يدعوها للإيمان.

 

الاحتفاء الذي لا يحتاج إلى مناسبة ... ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تعريف الاحتفاء برسول الله، لأننا جعلنا الاحتفاء مناسبة، بينما كان هو مشروع حياة، وجعلنا ذكراه كلمات نرددها، بينما كانت سيرته أفعالًا عاشها، وجعلنا محبته صوتًا يرتفع في المناسبات، بينما كانت محبته عند أصحابه سلوكًا يُرى في تفاصيل حياتهم.

المشكلة ليست في أن نتذكر رسول الله، وإنما في أن نتذكره بطريقة لا تغيّر فينا شيئًا.

فالإنسان يستطيع أن يبكي وهو يسمع عن الرحمة، ثم يخرج من مجلسه ليقسو على إنسان ضعيف، ويستطيع أن يتحدث عن أمانة رسول الله، ثم يخون أمانة وُضعت بين يديه، ويستطيع أن يرفع صوته بالحديث عن تواضعه، ثم يمشي بين الناس وكأنه خُلق ليكون فوقهم.

وهنا تصبح المسألة فلسفة أخلاق قبل أن تكون مسألة احتفاء ديني؛ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرفه من الفضائل، وإنما بما يسمح لهذه الفضائل أن تفعله في حياته.

فالصدق الذي لا يمنعك من الكذب ليس صدقًا، والأمانة التي تنتهي عند حدود مصالحك ليست أمانة، والرحمة التي تختار لها من يستحقها وفق مزاجك ليست رحمة، والتواضع الذي يحتاج إلى جمهور يراك متواضعًا ليس تواضعًا، والعفو الذي نتحدث عنه ولا نمارسه ليس عفوًا، والوفاء الذي ينتهي عندما تنتهي مصلحة الإنسان منك ليس وفاءً ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى رسول الله ليس أن نكثر الحديث عنه، بل أن نقلل المسافة بين ما نقوله عنه وما نفعله نحن فالسيرة النبوية ليست كتابًا نضعه على الرف ثم نعود إليه في المناسبات، وإنما هي مرآة، وكل مرآة حقيقية لا تجامل صاحبها.

وعندما نقف أمام سيرة رسول الله، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا كان يفعل؟ بل يجب أن نسأل السؤال الأصعب: )ماذا نفعل نحن لو وضعنا أنفسنا في المكان نفسه؟(

فإذا كان رسول الله قد ملك القلوب قبل أن يدعوها إلى الإيمان، فكيف نحاول نحن أن نأخذ قلوب الناس بالقوة، أو بالخوف، أو بالوصاية، أو بادعاء امتلاك الحقيقة؟

وإذا كان قد جعل الرحمة طريقًا إلى الإنسان، فلماذا جعلنا نحن الاختلاف سببًا للكراهية؟

وإذا كان قد عفا عمن آذاه، فلماذا نبحث عن فرصة للانتقام من كل من أخطأ بحقنا؟

وإذا كان قد عاش التواضع وهو أعظم من مشى على هذه الأرض، فلماذا يتحول بعضنا إلى طاغية صغير بمجرد أن يمتلك سلطة على إنسان أضعف منه؟

هنا تبدأ عظمة رسول الله بالظهور فينا، لا في الكلمات التي نقولها عنه.

فالرسول لا يحتاج إلى أن نثبت عظمته بالصراخ؛ لأن العظمة لا تحتاج إلى من يرفع صوته كي تثبت وجودها. العظمة الحقيقية تفرض نفسها على الزمن، وتبقى حاضرة حتى بعد أن يغيب أصحابها.

ولهذا أرى أن أخطر سؤال يمكن أن يواجهنا في هذه المناسبة ليس: **كيف نحتفي برسول الله؟

بل: (هل لو رآنا رسول الله اليوم، عرف في أخلاقنا شيئًا مما جاء به؟)

ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع الزينة أن تجيب عنه، ولا المظاهر، ولا الكلمات، ولا الاحتفالات. لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الناس بما يرتدي، وبما يقول، وبما يرفع من شعارات، لكنه لا يستطيع أن يخدع أخلاقه عندما تختبرها الحياة.

ولهذا فإن رسول الله لا يحتاج منا إلى احتفال بقدر ما يحتاج إلى إنسان يفهم لماذا كان عظيمًا.

فإن فهمنا الصدق، أصبحنا صادقين وإن فهمنا الأمانة، حفظنا ما اؤتمنّا عليه وإن فهمنا الرحمة، لم نحتقر ضعيفًا وإن فهمنا التواضع، لم نرَ أنفسنا فوق الناس وإن فهمنا العفو، لم نجعل الانتقام دينًا وإن فهمنا الوفاء، لم ننسَ من كان له فضل علينا.

وعندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نحتفل برسول الله في يوم، بل حملنا شيئًا منه في كل يوم وهنا يكون الاحتفاء الحقيقي؛ أن يرى الناس أثر محمد في أخلاقنا، لا أن يسمعوا اسم محمد على ألسنتنا فقط.

فالرسول الذي غيّر وجه التاريخ لا يليق أن تكون ذكراه عاجزة عن تغيير سلوكنا.

 

الخلاصة ... ماذا يمكن لقلم مثلي أن يقول عن رجلٍ عجز التاريخ نفسه عن أن يضعه في سطر، وعجزت اللغة عن أن تمنح عظمته حقها، وعجزت القرون عن أن تطفئ أثره؟

إننا لا نتحدث عن رجلٍ عاش ثم مضى، وإنما نتحدث عن سيرة ما زالت تمشي بين الناس، وعن أخلاق لو عادت إلى حياتنا اليوم لأعادت للإنسان شيئًا من إنسانيته.

محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن عظيمًا لأننا قلنا إنه عظيم، بل كان عظيمًا قبل أن نعرف نحن كيف نصف العظمة. ولم يكن رسول الله بحاجة إلى أصواتنا كي يرتفع اسمه، فقد رفعه الله، ولكننا نحن بحاجة إلى سيرته كي نرتفع من ضعف أخلاقنا إلى قوة الإنسان الذي أراده الله أن يكون.

ولهذا، فإنني لا أريد في نهاية كلماتي أن أقول لكم: احتفلوا بمحمد، بل أقول: اعرفوا محمدًا.

اعرفوه في صدقه عندما يكون الصدق مكلفًا، وفي أمانته عندما تكون الخيانة مربحة، وفي رحمته عندما يكون القسوة أسهل، وفي تواضعه عندما تمنحكم الحياة سلطة على الآخرين، وفي عفوه عندما يكون الانتقام أقرب إلى القلب، وفي وفائه عندما ينتهي نفع الآخرين منكم.

فإن فعلتم ذلك، فلن تكونوا بحاجة إلى أن تبحثوا عن رسول الله في الكتب فقط، لأنكم ستجدون أثره في أخلاقكم.

أما أن نرفع اسمه عاليًا، ثم نسقط أخلاقه من حياتنا، فذلك ليس احتفاءً به، وإنما احتفالٌ بنا نحن.

السلام عليك يا رسول الله، يوم جئت رحمةً للعالمين، ويوم حملت الأمانة، ويوم وقفت وحدك أمام عالمٍ لا يعرف أنك ستغيّر وجهه، ويوم غادرت الدنيا وتركت وراءك سيرةً لم يستطع الزمن أن يغادرها.

سلامٌ عليك يا محمد، ما بقي في الأرض إنسان يبحث عن الصدق، وما بقي في القلب مكان للرحمة، وما بقي في الدنيا من يتعلم كيف يكون الإنسان إنسانًا.

سلام عليك يا رسول الله... فما أعظم رجلٍ كان محمد، وما أعظم أمةً كان يمكن أن تكون لو فهمت محمدًا.

الأحد، 23 أغسطس 2026

مقال

 

 المشاهير في التواصل الاجتماعي وظاهرة التسول

تحت عنوان

سرطان اجتماعي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



الشهرة والشهيرة ، وهناك من يخلط بين المصطلحين، فالأولى أن تعرّفك الناس بمهارة أو موهبة، حتى قالت العرب عنه: «قد ضاع صيته بين الناس»، أما الثانية فهي ما دوماً ترتبط بالسوء. وإذا ما أردت تعريف الظاهرة التي نشهدها اليوم، فهناك مقولة شعبية تعبّر عنها: «مكدي يكدي من مكدي، والله يرحمك يا جدي»، وفي هذا دلالة وصفية لما هو على أرض الواقع.

فالكثير منهم، إذا ما قلنا جميعهم، حديثو نعمة، وعندما يكون هناك تحوّل اجتماعي يكون هناك ما يسمى بالدهشة، ويقال عنه عند العامة: «مدهوش»، فيمضي بين الناس بتصرفات هي أقرب للحماقة، فيسقط عنه جميع المعايير الأخلاقية، وإن ادعى غير ذلك، فهم لاعبون على مشاعر الآخرين، فتراهم يتاجرون بكل شيء، بغض النظر عن الوازع القيمي.

فتراهم يستقطبون ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الحاجة، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أنه يتاجر بالله ذاته، من خلال ترديد بعض المصطلحات التي ما تقترن بالدين، وهنا تكمن خطورة الموضوع؛ فالبشر الذي ليس له ثوابت أو قيم يعتبر أداة هدم اجتماعي.

 

التسول الاجتماعي... لا أستطيع وصف ما يحدث بغير هذا المصطلح، من خلال ما نشهده من قضية اللعب على قضية الطمع، من خلال ما يعرف بالمساعدات المزيفة والهدايا، وليس هذا فحسب، فهناك آليات تدفع الكثير لسلوك غير أخلاقي لغرض الربح السريع، فتجد من يبحث عن المشاهير لغرض استعطافهم لكسب تعاطفهم، وهذه جريمة بكل المقاييس، فبمرور الزمن سوف يتحول هذا إلى ممارسة اجتماعية أساسها التسول.

 

التجارة غير المشروعة... أموال ومشاريع وتمويل مجهول المصدر، وكل هذا يجب أن يبوّب بطريقة أو بأخرى، ولهذا ترى بعضهم يصوّر نفسه أنه مع القانون والدولة، وهو المتحايل عليهما، وآخرون مفلسون من قضايا مفيدة أو نافعة للمجتمع، فيذهبون إلى تجارة الجنس من خلال استقطاب بعض الفتيات في إعلاناتهم، وهذه نوع جديد من السمسرة، إن كانوا لا يعلمون، من خلال عرضهن كمادة قابلة للبيع.

وهذه ليست أسوأ أنواع التجارة، ولكن هناك الأسوأ، وهو التجارة بالله ذاته، من خلال المضي في دعم ممارسات دينية لا ينتمون لها من الأصل، فقط لكسب تعاطف شعبي، وتلك أقذر تجارة قد تراها اليوم، أو ترديد أقوال لها علاقة بالدين، أو حتى يستخدمون الحلفان لغرض الترويج الإعلاني.

 

الكرم المشروط... كثيراً ما ترى اليوم العديد من المشاهير يقومون بمبادرات خيرية كما يروّج لها اليوم، ولكن للحقيقة وجه آخر، فكلهن أفعال مدروسة، وكما يقال عند العامة: «أولدرات»، من أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة التي يديرها الكثير من المهرجين ممن يطلقون على أنفسهم مشاهير.

وهذا ما يعزز أن القضية تخرج من طابع الكفالة الاجتماعية إلى استعباد المجتمع بحجة المال، من خلال الاستعراضات الوهمية، ومن خلال ما يعرف بالبثوث، وهذا يعد تشويهاً ضمنياً لمسألة تقديم العون، وقد وصل الحال بأحدهم إلى الاستخفاف والاستهانة بمعاناة الآخرين، وربط المساعدة بدعم الداعمين، في هذا نوع من النفاق.

 

شروط الشهير... والحقيقة، ولمن لا يعرف، أن أهم تلك الشروط أن يكون من الشخصيات المغمورة التي تتمتع بالتفاهة، ويكون أيضاً لا يمتلك أي نوع من أنواع الوعي القيمي الذي قد يمنعه من تنفيذ ما يُملى عليه، فلن ترى منهم كاتباً أو شاعراً أو فناناً.

ولهذا تجمعهم صفة واحدة، وهي الحماقة، وهذا قد يكون الشرط الأساسي في القضية، وهنا أستشهد بمقولة قلت لأحدهم عنها يوماً ما:

«أنا وأنت نريد أن نصل للسماء، ولكن أنت تريد الصعود بصاروخ، إشارةً للسرعة، وأنا أريد أن أبني برجاً عاجياً، لتكون نهايتنا مختلفة؛ فأنت سوف يكون سقوطك بذات السرعة التي وصلت بها للقمة، ولكن أنا عند موتي سوف أترك ذلك البرج تتحدث الناس عنه فترة بعد موتي».

عندها قال لي: «لم أفهم»، فقلت له: «لو فهمت ما أقول، لكنت اليوم من أصحاب الحكمة على هذه الأرض».

 

خطرهم على المجتمع... يتركز خطرهم في ترسيخ أفكار الانحراف وتقديمها على أنها أسس اجتماعية، ومع مرور الوقت تتحول إلى ثقافة، فهم الذين ينتشرون كمرض سرطاني في المجتمع، فتراهم جميعاً ينتهجون من الانحلال سلوكاً حياتياً، ويصبحون أداة تسويقية لكل ظاهرة قد تقوم بهدم المجتمع.

فالكل اليوم يبحث عنهم فقط لكسب ما يمكن أن يخرج منهم، ولو عن طريق الإهانة التي تتمثل بقضية التصوير. فهؤلاء يعيشون على فضح البشر وتقديم أنفسهم على أنهم أصحاب الخير، والحقيقة أنهم دمى لا تملك لنفسها من الخير أو الشر شيئاً يُذكر.

فكلهم اليوم باتوا شخصيات تدعم فكرة تتفيه المجتمع، ويبدو أنهم قد نجحوا في هذا، فأصبحوا نجوم المجتمع اليوم.

 

حين يصبح التسول ثقافة ... المشكلة ليست في أن يعطي المشهور هدية، ولا في أن يقدم جائزة لمن يستحقها، فهذه في أصلها أفعال يمكن أن تكون جميلة إذا بقيت في إطارها الطبيعي، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهدية إلى وسيلة لصناعة مجتمع ينتظر من المشهور أن يدفع، وأن يمنح، وأن يوزع، وأن يحل مشاكل الناس، وكأن هؤلاء المشاهير أصبحوا خزائن عامة، وكل ما على المواطن فعله هو أن يقف أمامها منتظراً دوره.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأنك لا تصنع إنساناً منتجاً عندما تعوّده على أن يحصل على المال دون مقابل، بل تصنع إنساناً ينتظر المال، ومع مرور الوقت يتحول الانتظار إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، والثقافة في النهاية تصبح مرضاً اجتماعياً يصعب علاجه.

فاليوم نرى من يتسابق على الظهور أمام المشهور، لا ليعرض إنجازاً، ولا ليقدم موهبة، ولا ليقول كلمة تستحق أن يسمعها الناس، وإنما ليعرض حاجته، وكلما كانت الحاجة أكثر إثارة للشفقة كانت فرصة الحصول على الهدية أكبر، وكأن المجتمع دخل في مزاد علني عنوانه: من يستطيع أن يقنع المشهور بأنه الأكثر فقراً؟

وهنا يتحول الإنسان من صاحب كرامة إلى صاحب قصة، ومن صاحب قصة إلى مادة للبث، ومن مادة للبث إلى رقم في المشاهدات، ثم تأتي الهدية في نهاية المشهد وكأنها الحل، بينما الحقيقة أنها ليست حلاً، وإنما جرعة مؤقتة من المال تخفي مرضاً أكبر اسمه (إدمان العطاء السهل).

والأخطر من ذلك أن المشهور نفسه يبدأ بتربية جمهور لا يعرفه إلا من خلال ما يمنحه؛ فإذا توقف عن الهدايا انفضّ عنه كثير ممن كانوا يصفقون له، وإذا أعلن عن جائزة ظهر الآلاف، وإذا قال سأساعد عشرة أشخاص أصبح الملايين يتمنون أن يكونوا أحدهم، وهنا لم يعد المشهور يصنع محتوى، بل أصبح يصنع طوابير من المنتظرين.

وهذه الطوابير هي أخطر ما يمكن أن تنتجه ظاهرة الشهرة؛ لأن المجتمع الذي ينتظر الجائزة أكثر مما ينتظر فرصة العمل، وينتظر الهدية أكثر مما ينتظر نتيجة جهده، سوف يصل في يوم من الأيام إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: **ماذا سوف يعطيني؟** بدلاً من السؤال: (ماذا أستطيع أن أقدم؟)

وهنا يبدأ سقوط قيمة العمل، لأن العمل يحتاج إلى صبر، والموهبة تحتاج إلى سنوات، والعلم يحتاج إلى تعب، أما الهدية فلا تحتاج إلا إلى قصة مؤثرة، ووجه أمام الكاميرا، ومشهور يمتلك المال والرغبة في الظهور.

ولذلك فإن بعض ما يسمى اليوم مبادرات إنسانية قد تكون، من حيث لا يشعر أصحابها، مشاركة في صناعة مجتمع متسول؛ مجتمع يتعلم أن أبواب الشهرة أقصر من أبواب العمل، وأن الكاميرا أسرع من الشهادة، وأن دمعة أمام العدسة قد تكون أكثر ربحاً من سنوات قضيتها في الدراسة أو العمل.

وهنا لا تعود القضية قضية مشهور يمنح هدية لشخص محتاج، وإنما تصبح قضية (إعادة صياغة مفهوم الحاجة نفسه) ؛ فالحاجة التي كانت في الماضي تدفع الإنسان إلى البحث عن العمل أصبحت اليوم تدفعه إلى البحث عن مشهور، والفقير الذي كان يخجل من مد يده أصبح اليوم يمدها أمام ملايين المتابعين دون خجل، لأن المجتمع نفسه بدأ يمنحه التصفيق بدلاً من أن يمنحه فرصة لاستعادة قدرته على الوقوف.

وهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً؛ فليس كل من أعطى محسناً، وليس كل من أخذ محتاجاً، وليس كل ما يحدث أمام الكاميرا عملاً إنسانياً.

فأحياناً تكون الهدية (رشوة اجتماعية مغلفة بالإنسانية) ، وأحياناً يكون التصوير إهانة للفقير أكثر من كونه مساعدة له، لأن الإنسان قد يحتاج إلى المال، لكنه لا يحتاج أن تتحول حاجته إلى فرجة يتسلّى بها الآخرون.

وإذا استمر هذا النهج، فسوف يأتي يوم لا يسأل فيه الناس عن المشهور ماذا قدم للمجتمع من علم أو ثقافة أو إبداع، وإنما يسألونه سؤالاً واحداً: (ماذا ستوزع اليوم؟)

وعندها نكون قد نجحنا في تحويل الشهرة من قيمة إلى خزينة، والمشهور من شخصية عامة إلى ماكينة توزيع، والمواطن من إنسان يبحث عن فرصة إلى يد تنتظر أن تمتد إليها هدية.

وهنا تحديداً يصبح التسول ليس عيباً يمارسه بعض الأفراد، بل (ثقافة يتعلمها جيل كامل ويعتبرها حقاً مكتسباً)

 

الخلاصة ... لا تكمن خطورة المشاهير في أنهم يوزعون الهدايا والجوائز، وإنما في أنهم بدأوا ــ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ــ بصناعة إنسان ينتظر أن يُعطى، أكثر مما يسعى إلى أن يُنتج، ويبحث عن يدٍ تمتد إليه، أكثر مما يبحث عن طريقٍ يقف فيه على قدميه.

فحين تصبح الحاجة وسيلة للظهور، والفقر مادة للمشاهدة، والهدية جائزة على الاستعطاف، تتحول الإنسانية إلى عرضٍ جماهيري، ويتحول المجتمع شيئاً فشيئاً من مجتمع يعمل ليعيش إلى مجتمع ينتظر ليأخذ.

وهنا يكون الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمع لا يموت عندما يفتقر إلى المال، وإنما يموت عندما يفتقر إلى قيمة العمل، وكرامة الإنسان، وشعوره بأنه قادر على صناعة حياته بيده.

فالمشهور الذي يشتري المشاهدات بالهدايا لا يصنع مجتمعاً سعيداً، وإنما يصنع جمهوراً جائعاً إلى المزيد، والمواطن الذي يعتاد طرق أبواب المشاهير سوف يأتي عليه يوم لا يعرف فيه كيف يطرق باب العمل.

وعندما تصبح الشهرة خزينة، والهدايا راتباً، والجوائز حقاً، والتسول مهنة، والكرامة شيئاً قابلاً للتصوير والنشر، فهنا لا تعود المشكلة في المشاهير وحدهم، بل في مجتمع سمح لهم بأن يصبحوا مصنعاً لإنتاج الاتكالية.

ولذلك فإن أخطر سرطان اجتماعي ليس أن يكون لدينا مشاهير بلا قيمة، وإنما أن يتحول هؤلاء إلى قدوة، وأن يصبح ما يفعلونه نموذجاً يحتذى، حتى يستيقظ المجتمع ذات يوم ليكتشف أنه لم يعد يبحث عن من يعلمه كيف يعمل، بل عن من يعلمه كيف يطلب.

وعندها ستكون الكارثة قد اكتملت...

فالمجتمع الذي يعتاد أن يعيش على الهدايا، يفقد مع الوقت القدرة على صناعة مستقبله؛ لأن اليد التي اعتادت أن تُعطى، قد تنسى كيف تصنع.

مقال

    استعراض وزارة الصحة وأزمة البنزين تحت عنوان أزمة تخطيط بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تعود فكرة هذا المقال إلى حوار مثمر...