بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 15 أبريل 2026

مقال

 

 انتصارات على جماجم العرب

تحت عنوان

حقائق لا أحد يجرؤ على البوح بها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



بين مطرقة الغرب وسندان الشرق، تهشمت اليوم جماجم العرب؛ حقيقة ساطعة كشمس في السماء. وليس فيما سوف يُكتب طعنٌ بفئة أو مذهب، لا سامح الله، ولكن لو نظرنا حولنا، سوف نرى ونسمع أن الهدف الوحيد من هذه المعركة اليوم هو كسر إرادة العرب وهيبتهم، وسوف نُقدِّم الدلائل على هذا هنا، والحكاية قد تبدأ من .

الحروب من أجل الرب... كلُّ الطرفين اليوم يدّعي أن حربه حرب سماوية، وفي هذا جملة من الأهواء التي يخدعون بها العالم، وفي هذا مكرٌ عظيم. وأستشهد هنا بقول الله عز وجل:

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) صدق الله العظيم.

ولكن الحقيقة أن الأهداف ليست كما يأتي في الإعلام المغشوش؛ فالهدف لدى الذين في الشرق هو استعادة أمجاد الإمبراطورية، والهدف الثاني هو من يحلم بحصد الأموال ولو على حساب حصاد الأنفس، وهناك ما يشير إلى كل ما ورد في هذه السطور.

 

أكذوبة وحدة الساحات ... والحكاية تبدأ من قضية استشهاد هنية، وفيها يكمن الفرق بين العرب ومن سواهم؛ فنحن العرب لا يُقتل من أمّناه على حياته في حدودنا، وفي هذا أمثلة كثيرة يشهد بها التاريخ على أن القبائل العربية قد خاضت حروبًا طويلة وشرسة بسبب من استجار بهم. ولكن ما حصل عند حادث الاستشهاد، لم يتحرك أحد منهم، مع أن الحادث كان على أراضيهم، وهذا بسبب أنهم غير معنيين بالأمر.

وليس هذا الشاهد الوحيد على هذه الكذبة الكبيرة، بل كان بعدها ما يُعرف بطوفان الأقصى، وما حدث فيه. وما لا يعرفه الكثير، أن تلك الفصائل لا يمكن أن تجرؤ على ما فعلته لو كانت تعتمد على من توعّد بالوقوف إلى جانبها، ولكن ما صُنع هو دعاية أنهم قاموا بما قاموا به دون الرجوع إليهم، وتركوا غزة وأهلها تحت النيران والتنكيل.

وبعدها تخلّوا عن حليفهم الأسد وحلفائهم، وتركوا من معهم تحت رحمة الذين تمكنوا منهم، ولم يتحركوا أيضًا، لأن الأمر ببساطة لا يعنيهم. حتى عندما تعرضت اليوم للقصف والتنكيل، لم يهمهم الأمر.

وبدأت حادثة "البيجر" التي ذهب ضحيتها المئات من شباب العرب في لبنان، وبعدها استشهاد شيخ الجنوب في لبنان، مع أنه كان الذراع الطولى لهم، لم يستدعِ الأمر تحركهم. واليوم، عندما قبلوا بعملية الهدنة، تركوا جنوب لبنان تحت نيران العدو، وكل هذا كان قرابين عربية تُقدَّم من أجل رفع علم الإمبراطورية القديمة.

 

المغزى... إن كل من ورد ذكرهم من الضحايا كانوا من العرب، بغض النظر عن الانتماء الطائفي، وهذا دليل على أن القضية تنحصر في الحفاظ على حدودهم، أما أبناء الأمة العربية فلا ضرر أن يذهبوا حطبًا لنار النصر الذي يزعمون به. فالحليف الذي يدّعي أنه حامي للعرب ودينهم، اليوم لا يضرب الأراضي الأمريكية، بل استبدلها بضرب الأراضي العربية وشعوبها واقتصاداتها.

 

أما الجانب الغربي... فقد فشل في حماية دول الخليج العربي، التي تجبي الأموال منهم لهذا الغرض عبر اتفاقيات أمنية أثبتت عدم جدواها عند الحاجة إليها، والتي خلّفت الكثير من الخسائر للعرب على كل الأصعدة.

 

أما عن الإسرائيليين... فهذه هي الفرصة الذهبية التي أعطتهم إياها جميع الجهات المتصارعة، للانقضاض على العرب وبلدانهم، من أجل تحقيق ما كان لهم حلم أن يفعلوه .. وهنا يدّعي الجميع أنهم منتصرون، والحق يُقال إنهم جميعهم قد صدقوا، فقد حققوا انتصارًا عظيمًا على العرب.

 

الخلاصة ... أن هذا المشهد الذي تتداخل فيه الدماء مع الشعارات، وتُرفع فيه رايات النصر فوق جثث الأبرياء، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل من بقي أصلًا ليُهزم؟

لقد تحولت الأرض العربية إلى ميدان مفتوح تُصفّى فيه الحسابات، لا مكان فيه للكرامة ولا وزن فيه للإنسان، حتى أصبح العربي مجرد رقم يُضاف في نشرات الأخبار، أو وقودًا لحروب لا ناقة له فيها ولا جمل.

والمأساة الأعظم… أن من يذبحه اليوم، يتحدث باسمه، ومن يتاجر بدمه، يدّعي الدفاع عنه، ومن يتركه للموت، يرفع راية نصره.

هنا تسقط كل الأقنعة، وتُكشف كل الوجوه، ويظهر أن المعركة لم تكن يومًا من أجل الأرض ولا العقيدة، بل كانت ـ ولا تزال ـ معركة على جماجم العرب.

فلا تنتظروا صحوة ضمير، ولا راهنوا على نخوة غائبة، لأن الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على قولها هي: (أن العربي في هذه المعادلة… ليس طرفًا، بل هو الثمن)

الجمعة، 10 أبريل 2026

مقال

 

ماذا لو كنت … (الرئيس)

تحت عنوان

إجابات من خارج الصندوق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



فكرة هذا المقال مستوحاة من سؤال وجّهه لي أحد الأصدقاء بهذه الصيغة: (بما أنك تجيد التحليل والتنظير، فماذا كنتَ لتفعل لو كنتَ أنت الرئيس؟) وهذه مصيبة لا أتمنى الوقوع فيها؛ فأنا من الذين لا يرغبون بالمكوث طويلًا أمام الله يوم الحساب، لأنني أعرف من أكون، وأعرف ما في نفسي من سوء. فقد قال رب العزة في محكم كتابه، وهو أصدق القائلين:

(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [سورة يوسف: 53].

ومن هذا المنطلق، أرى أن هذه الأمنية قاتلة لصاحبها. ولا يقل أحدكم إن بإمكان شخص ما إصلاح ما في الأرض اليوم؛ فهذه مهمة تكاد تكون مستحيلة، لأن الذين هم خير مني ومنك، وهم الأنبياء والرسل، لم يتمكنوا من بلوغ هذه الغاية. وهذا ما يعزز مفهومي في هذه المسألة.

 

التباين… قيل في مناهج الفلاسفة القدماء: (من الصعب أن تكون عاقلًا في عالم مجنون)، وكذلك العكس صحيح. فمن غير المعقول، وسط كل هذا الاضطراب، أن يكون هناك عاقل وحيد يملك حلولًا سحرية لكل هذه الفوضى. ولهذا، لن تجدني جديرًا بهذه المهام، ليس لعدم قدرتي البدنية أو العقلية، بل لقدرتي على معرفة نفسي أولًا، وفهمي للنفس البشرية جمعاء. ومن هنا، يثبت التباين استحالة الإصلاح الشامل، مما يقتضي الابتعاد عن هذا الوهم.

 

الخير والشر… كلاهما كامن في النفس البشرية، والمسألة تبقى رهينة الزمن؛ ليتضح أيّهما سينمو في داخلك. ولهذا، لن أضع نفسي في معادلة لا تُحمد عقباها. ففي كثير من الأحيان، يتقدم الشر على الخير في هذه الحياة، وذلك بسبب معادلة بسيطة: أن الشر يحظى بأفضلية نتيجة كثرة المستفيدين منه، في مقابل قلة المؤمنين بالخير. وهنا أجد نفسي أمام خيارات صعبة، لا ضمان لنتائجها.

 

تغيّر القيم والمفاهيم… نعم، لقد تغيّر كل شيء. وهناك من يردد مقولة: (إن الزمان قد تغيّر)، لكن الحقيقة أن النفوس، وما بداخلها من قيم، هي التي تغيّرت. فقد أُسقطت من الحسابات قيم الصدق والأمانة، وهما من أساسيات الخير في هذا العالم. لذلك، أصبحت الكراهية أساسًا في كثير من التعاملات البشرية، وإن لم نُعلن ذلك صراحة. ومن هنا، تتكاثر الحروب والمجاعات، إذ إن الإنسانية، كمصطلح، قد جُرِّدت من جوهرها الخيّر. وبما أن الخير بات شبه معدوم في واقعنا اليوم، فإن قواعد التغيير بدأت تأخذ مسارًا آخر.

وهنا أستشهد بقول الشاعر أبي تمام:

السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ *** في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللعبِ

وعليه، يصبح منطق القوة أداةً مفروضة في التغيير. وبما أنني لست رجل حرب، فلن أكون رجل مرحلة، لا صدفةً ولا إعدادًا. فكل فرد في هذه الحياة هو الأقدر على معرفة أبعاد ذاته الإنسانية والنفسية والبدنية، ليحدد من خلالها قدرته الحقيقية على إدارة المشهد القيادي.

 

الخلاصة ... لا تسألني ماذا سأفعل لو كنتُ الرئيس، بل اسأل نفسك: هل ما زلتَ تملك رفاهية الحلم في عالمٍ يقتات على أوهامك؟

فالرئاسة ليست كُرسيًّا… بل اختبارٌ يُجرِّدك من إنسانيتك قطعةً قطعة، حتى إذا انتهيتَ، لم يتبقَّ منك إلا اسمٌ يُصفّق له الناس… وجسدٌ يُحاسَب عليه أمام الله.

والمفارقة التي لا يريد أحد أن يعترف بها… فأنك حين تصل إلى القمة لتُصلح العالم، ستكتشف متأخرًا أنك أصبحتَ جزءًا منه… لا خلاصًا له.

وحينها… لن يكون السؤال: ماذا غيّرت؟

بل: ماذا بقي منك بعد أن حاولت أن تغيّر كل شيء؟

الأربعاء، 8 أبريل 2026

مقال

 

الحرب الدائرة وجدلية الوهم والانتصار

تحت عنوان

قراءة أرض الواقع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



استيقظنا هذا الصباح على بيانات النصر لكلِّ الطرفين، وهناك بعض الاحتفالات، ولكن في جملة الصور الإخبارية التي شاهدتها اليوم كانت لتلك الطفلتين في إقليم كردستان العراق، وهنَّ يقفن وسط الجمع المُشيِّع لوالديهن، وحين سأل الصحفي إحداهن: ماذا تريدين؟ قالت: (أريد والدي). وهذه تُعدُّ إحدى صور النصر لأحد الطرفين أو كليهما، وإذا ما كانت تلك صورة من آلاف الصور التي خلّفتها الحرب، عندها يجب القول: لعنكم الله ولعن نصركم، وهذا يشمل جميع الأطراف المتحاربة، ولهذا يُفرض علينا استعراض صور الانتصار هنا وهناك.

 

الحرب لم تنتهِ بعد... فبعد ليلة أمس المليئة بالتصعيد المسعور من الطرفين، التي حبست الأنفاس في مشارق الأرض ومغاربها، لنتفاجأ باستحداث اتفاق أثبت هشاشته بعد ساعات قليلة من خلال صور الدمار التي رُسمت على الأراضي اللبنانية، وما يدفعني إلى كتابة جملة (إن الحرب لم تنتهِ بعد) هو أن قرارًا مثل هذا، مع أطرافٍ متحاربة كهؤلاء، تكون نهايته بزوال أحدهما أو كليهما، ولكن هذا لم يحصل، لأن الطرفين دخلا الحرب بسبب أطماع الهيمنة، وهذه تُعدُّ النقطة الوحيدة التي تثبت أن الحرب لم تنتهِ بعد.

 

وهم الانتصار... وهنا سوف نستعرض بعض أوجه النصر لكليهما، ولنبدأ بالولايات المتحدة الأمريكية، وكما أعلنت أنها انتصرت، وإذا ما عدنا إلى الأسباب التي نشبت على أساسها الحرب، لم يتم تحقيق نقطة واحدة مما ادّعت، فالنظام ما زال قائمًا، والمواد النووية ما زالت تحتضنها الأرض الإيرانية، والقوى الصاروخية لم تُنفذ بعد. وهذا من الطرف الأول، فهل الانتصار يكمن في حجم الدمار الذي خلّفه على الأرض؟ وماذا عن الذين قُتلوا في بقاع الأرض هنا وهناك؟

وهناك نقطة مهمة برزت اليوم تكسر نظرية الانتصار المزعوم، وهي الاستهداف العلني للوكلاء الذين وقفوا إلى جوار النظام الإيراني، وهذا يدل على أنهم وافقوا على نقطة التخلي عن أذرعهم في المنطقة، وقد كانت نقطة خلافية كما كانوا يدّعون، وهذا باعتراف الرئيس ترامب عندما قال إن الفصائل في لبنان ليست ضمن الاتفاق المبرم. وهنا يبرز أهم سؤال يتردد الآن في ذهن القارئ: لماذا لم تُعلن بنود الاتفاق ليتسنى لنا معرفة المنتصر؟ وبهذا يكون الحديث عن الانتصار مجرد وهم رُسم في أذهان الفرق المتناحرة، ولهذا تُلعن الحرب في كل الأزمنة وتحت أي شعار يُعلن.

 

موقف العرب مما يجري...  ويُعدّون الطرف الوحيد الذي ليس له في هذه الحرب لا ناقة ولا جمل، وهذا ما جعل منها صورة من التراث الشعبي الذي مفاده: (ترك الحمار وراح يمسك بالبردعة)، والبردعة هنا هي العرب، وهي غطاء الحمار، فكلا الطرفين تعاملا مع العرب بهذا المفهوم، ولهذا يُعدّون الخاسر الأكبر في هذه المعركة من المضامين الاقتصادية والحياتية، وهذا بسبب مفهوم التبعية لدى جميع العرب، من المؤيدين للطرفين. ومن الصورة اللبنانية نجد أن النظام الإيراني تعامل مع العرب بالمفهوم الشعبي: (إذا ما جاءك الطوفان فضع ابنك تحت قدمك)، وللأسف هذه هي الحقيقة.

 

المضمون ... أيُّ نصرٍ هذا الذي يمرُّ فوق جسد الأب ويُترك الطفل وحيدًا في مواجهة الفراغ؟ هذا ليس نصرًا، بل سقوطٌ أخلاقي كامل لا يمكن تغطيته بأي بيان أو خطاب. فالحروب التي تُشعل من أجل الهيمنة لا تُطفأ بتوقيعٍ ولا تُختصر باتفاق، لأنها منذ البداية لم تُخلق لتنتهي، بل لتستمر بأشكالٍ مختلفة، وكل هدنةٍ لا تقتلع جذور الصراع ليست سوى استراحةٍ لالتقاط الأنفاس قبل جولة دمٍ جديدة. أما البيانات التي تُعلن هنا وهناك فهي لا تصنع نصرًا بقدر ما تصنع كذبةً كبيرة قابلة للتصديق، لأن الحقيقة البسيطة تبقى قائمة: عندما يبقى الخصم واقفًا كما هو، فلا حديث عن نصر، بل عن وهمٍ مُعلن يُسوَّق للجماهير.

فالدمار الذي يُقدَّم على أنه إنجاز ليس قوة، بل قد يكون في كثيرٍ من الأحيان اعترافًا بالعجز عن الحسم، والحليف في زمن المصالح لا يعدو كونه ورقةً مؤجلة للبيع عند أول طاولة تفاوض، حيث تُدار الصفقات بعيدًا عن الشعارات، ويُخفى ما هو أخطر مما يُعلن، لأن ما لا يُقال في الاتفاق هو الحقيقة، وما يُقال ليس سوى ديكورٍ لتجميل المشهد. وعندما تُخلع الأخلاق من السياسة، تتحول الحرب إلى تجارة خسائر، ويصبح الإنسان رقمًا في معادلة لا تعترف به، وحينها لا يعود للحديث عن الشرف أو القيم أي معنى.

وفي هذا المشهد، من لا يملك قراره لا يملك حتى حق الخسارة بكرامة، لأن التبعية لا تحمي أحدًا، بل تؤجل لحظة إدراكه أنه كان الخاسر منذ البداية، أما الوقوف على الهامش فليس نجاة، بل انتظارٌ بارد للدور القادم. فالشعارات الكبيرة التي تُرفع في وجه العالم غالبًا ما تُبنى فوق ظهور من لا صوت لهم، وحين يتحول الإنسان إلى وسيلة، تسقط كل الأقنعة دفعةً واحدة، وتظهر الحقيقة كما هي: أن الحرب لا تُلعن فقط لأنها قاسية، بل لأنها تقنع الجميع أنهم على حق، وهم في الحقيقة يغرقون في القذارة ذاتها.

 

الخلاصة ... لا أحد منتصر هنا، مهما ارتفعت الأصوات وتضخّمت البيانات. أنتم لا تكتبون تاريخًا، أنتم تكتبون عارًا يُتلى على ألسنة الأجيال القادمة. كلُّ رصاصة أُطلقت، وكلُّ بيتٍ تهدّم، وكلُّ طفلٍ بكى… هو شهادة إدانة عليكم جميعًا دون استثناء. لا تختبئوا خلف راياتٍ ولا شعارات، فالحقيقة أبسط وأقسى: أنتم خسرتم إنسانيتكم قبل أن تربحوا معارككم.

تتحدثون عن النصر وكأن الأرض لم تمتلئ بجثث الأبرياء، وكأن السماء لم تختنق بدخان أفعالكم، وكأن الأمهات لم يُدفنّ وهنّ أحياء. أيُّ نصرٍ هذا الذي يحتاج إلى كل هذا الخراب ليُثبت نفسه؟ وأيُّ مجدٍ هذا الذي لا يقوم إلا فوق جماجم من لا علاقة لهم بحروبكم؟ أنتم لا تنتصرون… أنتم فقط تتفننون في صناعة الهزيمة بأسماء مختلفة.

وإن كان لا بد من كلمة أخيرة… فهي ليست لكم، بل للتاريخ الذي لن يرحم أحدًا منكم: لعن الله حربكم، ولعن أوهامكم، ولعن انتصاراتكم التي لا تشبه إلا وجوهكم حين تسقط عنها كل الأقنعة.

الاثنين، 6 أبريل 2026

مقال

 

 إخوان الشياطين

تحت عنوان

قراءة في المشهد للإسلام السياسي لمدينة الموصل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ظهرت في الآونة الأخيرة مظاهر مريبة تديرها بعض الشخصيات التي تمثل جهة مما يُعرف بالإسلام السياسي، وهنا سوف نستعرض بعض الصور من فعاليات وأفعال تلفت الأنظار وتثير ما لا يبعث في القلب الأمان من تلك الجهات. ويبدو أن تلك الجماعات بدأت تستعد للتغيرات السياسية في المنطقة كوريث شرعي للقوة التي كانت تهيمن قبل الحرب، ولهذا كان لا بد من رسم صورة لما يجري في المدينة في العلن والخفاء، وقبلها يجب أن نستعرض بعض الأيديولوجيات لتلك الجماعة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خطورة هذه التحركات لا تكمن في ظاهرها، بل في تراكمها الصامت الذي يعيد تشكيل الوعي الجمعي للمدينة بشكل تدريجي، حتى يصبح الأمر واقعاً مفروضاً لا يُناقش، بل يُسلَّم به كجزء من النسيج العام، وهذه هي أخطر مراحل التغلغل الفكري عندما يتحول الانحراف إلى أمر اعتيادي لا يثير التساؤل.

 

فكرة الحزب... لمن لا يعرف، إن كلمة "أحزاب" ومفردها "حزب" جاء ذكرها في القرآن الكريم كنوع من أوصاف الذم:

(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) صدق الله العظيم، سورة الروم - الآية 32.

ومن هنا نفهم أن الفكرة من الأصل هي من القضايا المكروهة، وقد يستغرب أحدكم اليوم: لماذا إذا كانت مكروهة كما ذُكر، هناك من تبناها؟ والسبب يكمن في إشكالية الأيديولوجيات الخاطئة في مسألة التطبيق، بما يخص المفاهيم الشرعية، وهذا لا يشمل فقط إخوان الشياطين.

وهذا يقودنا إلى إشكالية أعمق تتعلق بتحويل المفاهيم الدينية من إطارها الإيماني الروحي إلى أدوات تنظيمية مغلقة، تُدار بعقلية الانتماء لا بعقلية الإيمان، فتُصبح الفكرة بديلاً عن الحقيقة، والجماعة بديلاً عن الدين، وهنا تبدأ ملامح الانحراف الحقيقي الذي لا يظهر دفعة واحدة، بل يتسلل تحت غطاء الشرعية.

وللتنويه... إن جميع الفئات التي تحمل التطرف قد خرجت من ذات العباءة التي تمثل فكرهم ومفاهيمهم في قضية فهم الدين الإسلامي من الأصل.

 

موضع الخطأ... يتبنى إخوان الشياطين أيديولوجية إقامة الدولة ثم إصلاح الإنسان، وفي هذا ما لا يفضي إلى الهدف المنشود. ولو عدنا إلى بداية الدعوة في ذلك الوقت، سوف نرى أن قضية نشر الدعوة بدأت من الفرد، ثم العائلة، ثم المجتمع، وهذا ما لا يرضى به أحد منهم. وهذا ما له دلالات على أنهم أصحاب فكرة طالبي السلطة بغطاء الدين. وليس هذا فحسب، بل إنهم يتبعون منهجية الأقنعة أمام العامة، فيبدو للآخرين أحدهم حملاً وديعاً، ولكن الحقيقة أنه الذئب الذي يحتمي بفرو الخروف للتمويه وخداع العامة، وهذا ما أثبتته تجاربهم في بعض البلدان العربية.

وهذا الطرح يكشف خللاً جوهرياً في ترتيب الأولويات، إذ لا يمكن بناء كيان سليم على قاعدة إنسان لم يُبْنَ بعد، فالمعادلة مقلوبة منذ البداية، والنتيجة بالضرورة ستكون مشوّهة، لأن السلطة حين تُمنح قبل الوعي، تتحول إلى أداة قمع لا إصلاح، وإلى وسيلة هيمنة لا هداية.

 

ممارسات وظواهر في مدينة الموصل... (متحف إلكتروني، دار نشر، مدارس دينية، ودورات دينية للفتيات، ونشاط اجتماعي)، وكل هذا وأكثر على مرأى ومسمع الجميع. والغريب في الموضوع أن ما يجري له مؤشرات خطيرة أكثر مما قد تتصور. فعندما تزور مؤسسة تعليمية أو حكومية، مع العلم أن تلك الشخصية لا تحمل صفة رسمية، يكون ذلك في باب تعزيز تواجدهم وفرض أنفسهم كواقع يجب أن يرضخ له الجميع.

وهنا تكمن الإشكالية الأخطر، وهي محاولة تطبيع هذا الحضور في الوعي العام عبر أنشطة ظاهرها خيري وباطنها تنظيمي، حيث يتم ربط الناس بالخدمات لا بالمفاهيم، وبالاحتياج لا بالقناعة، فيتحول المجتمع تدريجياً إلى بيئة قابلة للتوجيه دون مقاومة، لأن من يملك مفاتيح الحاجة يملك مفاتيح القرار.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك تقليعات جديدة في تبني تلك الجماعات واجهة إعمار الجوامع في مدينة الموصل، وهنا أذكرهم بقول الله تعالى:

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) صدق الله العظيم، سورة التوبة - الآية 19.

وفي هذا نهي عن الأخذ بالظواهر لخداع الناس باسم الدين كما يعتقدون، ففي مسألة التدين أوجه كثيرة يجب الأخذ بها، فالأرض مليئة بالفقراء، وهنا أستشهد بقول من التراث الشعبي المستوحى من مفهوم التدين:

(الذي يحتاجه المنزل يُحرَّم على الجامع)، وفي هذا مغزى عظيم في تبني مسألة الجوهر والابتعاد عن الشكليات، وهذه بالضبط الفكرة التي ينتهجها إخوان الشياطين في الموصل.

وهذا يعكس بوضوح الفارق بين التدين الحقيقي الذي يقوم على إصلاح الداخل، والتدين الشكلي الذي يكتفي بإظهار الخارج، فالأول يبني إنساناً حراً، والثاني يصنع تابعاً منقاداً، وبين الاثنين مسافة تُقاس بمدى استقلال العقل لا بمدى طول اللحية أو ارتفاع المنبر.

 

الخلاصة... الله عز وجل لا يحتاج إلى دور الوسيط، والعالم قد أُغلق فيه توافد الأنبياء بوفاة رسولنا الكريم محمد (ص)، كما يدّعون هم. ولك على المسلم اليوم النصيحة لا غير، فالإنسان وُلد وحده، ويدخل القبر وحده، وسوف يُبعث وحده، ولكل منا عقل يُدرك من خلاله التفريق بين الحق والباطل، مما يُلغي دور الوسيط.

وفي نهاية هذا المشهد الذي لم يعد قابلاً للتأويل أو حسن الظن، يتضح أن القضية لم تعد مجرد اختلاف في الرؤى أو تباين في الوسائل، بل تحوّلت إلى صراع بين وعي يُراد له أن يبقى حيّاً، وبين مشروع يُتقن فنّ التسلل حتى وهو يرتدي ثوب الفضيلة.

إن أخطر ما في الأمر ليس ما يُقال، بل ما يُمرَّر بصمت، وليس ما يظهر على السطح، بل ما يُزرع في العمق، حيث تُعاد صياغة العقول على مهل، حتى يصبح الإنسان وهو يظن نفسه حراً، مجرد صدى لفكرة لم يخترها.

وهنا، لا بد من قولها بلا مواربة: من يتخذ الدين سلّماً للسلطة، لن يتردد في كسر هذا السلّم فوق رؤوس من صعد بهم، لأن الغاية عنده ليست الهداية، بل السيطرة، وليست الحقيقة، بل الامتلاك.

فلا تُخدعوا بكثرة الأفعال، ولا بانسيابية الخطاب، فكم من مشروع بدأ بآية وانتهى بكارثة، وكم من شعارٍ رُفع باسم الله، وكان الله منه بريئاً.

إنها ليست دعوة للخوف، بل دعوة للاستفاقة… لأن المدينة التي لا تحرس وعيها، ستُحكم يوماً بأقنعة لا تُرى، وأصوات لا تُسمع، ولكن أثرها سيكون أثقل من أن يُحتمل... وحينها … لن ينفع الندم.

الأحد، 5 أبريل 2026

مقال

 

أبتهالات في بلاط المرأة التي... أحبتني

تحت عنوان

زهرة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كسائر قصص الحب في هذه الحياة التي ضاع صيتها عبر التاريخ، مثل (عنتر وعبلة، وروميو وجولييت)، وغيرهم الكثير، انتهاءً بالقصة الملحمية لحكاية (نزار قباني وبلقيس) في العصر الحديث، التي خلدتها قصائد ما زالت عالقة في الذاكرة، وغالبًا ما تنتهي تلك الحكايات بنهايات غير سعيدة أو كارثية، وهنا تبرز حكايتي، وهي ليست ككل الحكايات.

فهنا الكثير ممن يظن أن تسمية مجلة "زهرة البارون" جاءت من باب التيمن بتسميات لمشاريع ثانية كـ(مجلة زهرة الخليج)، وهذا غير صحيح بالمرة، فلهذه التسمية حكاية سوف تُسرد من خلال هذه السطور.

ففي حياة كل رجل امرأة أو أكثر، فمنهن من تمضي كما تمر ريح على سطح القلب، وأخرى تترك أثرًا يتوزع ما بين ذكرى جميلة وأخرى مؤلمة، ولكن ما لا يعلمه الكثير، أن هناك نوعًا آخر لا يعرفه الكثير، وهي تلك التي لا تُنسى، ولا يُمحى أثرها بتقادم الزمن، وهنا تكون (زهرة).

وليس كل حب يُقاس بالبقاء، فهناك مشاعر خُلقت لتكون عابرة في الزمن، لكنها خالدة في الإحساس، تمر كوميض خاطف، لكنها تترك في الروح أثرًا لا يزول، وكأنها جاءت لتُثبت أن القلب قادر على أن يحتفظ بما لا يمكن للحياة أن تُبقيه.

 

من تكون ؟ ... هنا قد يستغرب القارئ إعطاء هذه المساحة لامرأة، قد يبدو للكثير أنه أمر طبيعي قد يحدث ما بين رجل وامرأة، ولكن ما جرى أو كان لا يمكن توقعه، فمن الطبيعي أن الرجل يحب، وأن يتعلق بمن أحب، ولكن من الصعب جدًا أن يحظى الرجل بامرأة تحبه بصدق يضاهي صدق الصادقين في هذا العالم إن وجد، وهذه هي زهرة التي أحببتني.

وفي بعض الأحيان، لا يكون الفقد خسارة، بل يكون شكلًا آخر من أشكال الامتلاك، فنحن لا نفقد من أحببنا، بل نُعيد توزيعهم داخلنا، في تفاصيلنا، في صمتنا، في تلك اللحظات التي لا يراها أحد، حيث تتحول الذاكرة إلى وطن، لا يُغادره أحد.

 

أصل التسمية... وهنا تقتضي النصيحة، أيها الرجل، إن حظيت بشخص يكنّ لك الحب بصدق، فأنت ذو حظ عظيم، بغض النظر عن التفاصيل أو النهايات، وقد أكون من الذين أُشير لهم الآن، وكان لا بد من أثر يحفظ ذلك الحب في أحاديث البشر على مر العقود والأزمنة، فأقسمت على نفسي أنني سوف أبني لها صرحًا يذكره التاريخ أنه لها، ويكون مقترنًا بي، فكانت (زهرة البارون).

ما بين الصدق والكذب، هناك منطقة رمادية يعيش فيها أغلب البشر، لكن القلة فقط هم من يجرؤون على الحب بصدق كامل، دون حسابات، دون خوف، دون أقنعة، وهؤلاء هم من يدفعون الثمن دائمًا، لأنهم ببساطة لا يجيدون النجاة من المشاعر.

 

المضمون... وسط عالمنا اليوم، الذي يتقن صنعة الأقنعة، بين امرأة بدأت تأخذ الحياة على أنها مشاريع ربحية، ورجل بات صيادًا سيئ الصيت، تظهر من حين لآخر بعض الأحداث التي تمتاز بالحقيقة. نعم، فعالمنا اليوم السمة الأبرز فيه هي الكذب، فيغضب الرجل من إحداهن لأنها خدعته، وأخرى تمضي تُحدث الناس عن كذب الرجال، وبين هذا وتلك ضاعت جوهرة الحقيقة.

وليست كل النساء نساء، كما ليس كل الرجال رجالًا، فهناك من يحمل الاسم فقط، وهناك من يصنع المعنى، وزهرتي لم تكن اسمًا عابرًا في حياتي، بل كانت تعريفًا جديدًا لمعنى المرأة، معنى لم أقرأه في كتاب، ولم أسمعه في حكاية.

ولكن تبقى زهرة ذلك الكائن النقي مثالًا حيًا على أن عالمنا ما زال بخير، فبيننا مسافات من أراضٍ شاسعة، وبحر وصحارى، ولكن كان هناك رابط إلهي يجمع بيننا، ورغم النهاية التي كنت أكذبها في الكثير من الأحيان، لكن لها في قلبي ما لا تملكه امرأة على سطح الأرض.

وقد يظن البعض أن المسافات تُنهي الأشياء، لكنها في الحقيقة تختبرها، فإما أن تقتلها بصمت، أو تُحولها إلى يقين لا يهتز، ونحن كنا ذلك النوع الذي لم تستطع المسافات أن تُلغيه، بل جعلته أكثر حضورًا رغم الغياب.

وأصعب ما في الحكايات ليس نهايتها، بل تلك اللحظة التي تدرك فيها أن كل شيء كان حقيقيًا… ومع ذلك انتهى، وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، حين لا تستطيع إنكار ما كان، ولا استعادته من جديد.

وهذا له أسباب كثيرة، فمن المعيب اليوم أن تقول إحداهن إنها امرأة، فلا امرأة عُرفت بعد زهرتي التي أحببت.

 

الخلاصة ... لم يكن ما فعلته نزوة عابرة، ولا استعراضًا لعاطفة مؤقتة ، ولا محاولة لخلق حكاية تُروى … بل كان فعلًا مقصودًا بكل وعي، بكل ما فيّ من إدراك ، لأنني ببساطة واجهت أمرًا نادرًا لا يتكرر كثيرًا في هذا العالم.

أنا لم أفعل كل هذا لأنني أحببت … بل لأنني كنت الوحيد الذي أُحب بصدق.

نعم، كل ما بنيته، وكل ما سطّرته، وكل ما خلدته باسمها، لم يكن وفاءً فقط… بل كان اعترافًا بحقيقة نادرة: أن امرأة واحدة، فقط، استطاعت أن تمنحني ذلك الشعور الذي يعجز عنه العالم بأكمله.

ولأن الصدق عملة نادرة، ولأن من يمنحك إياها لا يتكرر، كان لا بد أن يكون الرد بحجم هذا الصدق… لا بحجم الحكايات.

فأنا لم أخلّدها لأنها كانت الأجمل… ولا لأنها كانت الأقرب… بل لأنها كانت الوحيدة التي أحبتني كما ينبغي أن يُحب رجل في هذا العالم.

ولهذا فقط… فعلت كل ما فعلت.

الخميس، 2 أبريل 2026

مقال

 

 جحا شاعر موصلي (منو هذا؟)

تحت عنوان

صور من الواقع الشعري للمدينة

بقلم / البارون الاخير محمود صلاح الدين

 


الموصل، بوصفها مدينةً أنجبت شعراء عظامًا معاصرين، لا يُشقّ لهم غبار، ولا يستطيع أحد المساومة على موهبتهم أو تجربتهم الشعرية؛ ومنهم: (الشاعر الدكتور وليد الصرّاف، الشاعر الدكتور حمد دوخي، الشاعر كرم الأعرجي، الشاعر الدكتور جاسم العجّة، الشاعر عمر عنّاز، الدكتور أحمد جار الله، والشاعر بهجت السقّا)، ومن العنصر النسوي: (الشاعرة بشرى البستاني، والشاعرة يسرى الحسيني)، وغيرهم الكثير.

لكننا اليوم لسنا بصدد الحديث عن شعراء المدينة الأفذاذ، بل سنتناول ظاهرة «جحا الشاعر» في الأوساط الأدبية داخل المدينة.

الشعر لسان العرب منذ فجر التاريخ، ولا يختلف في ذلك أحد؛ إذ كان حجّتهم وكنزهم الذي امتازوا به، وهو في أصله موهبة. لكن مع مرور الزمن، جاء من أتاح لغير الموهوبين التسلّل إلى هذا الميدان، حين وُضعت قواعده على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، التي حوّلها البعض إلى قيود جامدة، جعلت من الشعر أمرًا مكتسبًا أكثر منه موهبة، فأُخرج من مضمار الإبداع إلى ساحة المتسلّقين على أكتاف الشعر والشعراء، حتى وصلنا إلى يومٍ أصبح فيه «جحا» واحدًا من شعراء المدينة.

 

صفاته… ومن أبرزها، كما يُقال في العامية، أنه «فارغ»؛ إذ لا يمتلك العمق البيئي للمدينة، وهو ممن ينظمون الشعر ولا يقولونه، وبين الاثنين فرق شاسع، يظهر في غياب روح النص وتجسيده داخل القصيدة. فتجده يُكثر من لغو الكلمات التي تحكمها أوزان جامدة أفقدت الموضوع رونقه الشعري.

كما أنه يتعامل مع الحركة الشعرية وكأنها دائرة حكومية، يسعى بكل السبل ليكون في صدارة مشهدٍ هشّ، هو في الأصل أحد أبرز أسباب هشاشته. ولم يكتفِ بذلك، بل ابتدع نظام التكتلات الأدبية، حتى بات الأمر يذكّر بـ«عصابة بلبو» الكارتونية، في إشارة واضحة إلى سطحية الشخصية في تعاملها مع الواقع الثقافي.

وحين أدرك عجزه عن مجاراة الشعراء، اتجه إلى العمل كـ«ورّاق»، فصار يرعى مشاريع وموضوعات تفوح منها رائحة النصب والاحتيال، بقصد التربّح وجمع المريدين حوله.

وإن أخطر ما في هذه الشخصية ليس ضعفها، بل قدرتها على التمويه؛ فهي تستعير شكل الشعر دون روحه، وتستند إلى الوزن كعكازٍ يخفي عجزها، فتُنتج نصوصًا بلا حياة، وتخلق وهمًا أدبيًا قائمًا على الضجيج لا على القيمة، مستفيدةً من فراغ الساحة وضعف النقد الحقيقي.

 

خطورة هذه الشخصية… تكمن في أثرها الكبير على الواقع الأدبي للمدينة، وهو أثر قد لا يدركه الكثيرون؛ إذ تسهم في خنق الفرص الحقيقية لإبراز المواهب الأصيلة، من خلال احتكارها للتقييم وكأنها النابغة الذبياني في سوق عكاظ. والحقيقة أنه، منذ بداياته وحتى اليوم، لم يرتقِ حتى إلى مستوى من كانوا ينشدون «سجع الكهّان».

وفوق ذلك، يتبنّى منهجًا فوضويًا في تقييم الآخرين، في مشهد يعكس حماقةً بالغة؛ فهو ممن قيل فيهم: «إذا ما خاصم فجر». وهكذا، اكتسب «جحا» صفة السفاقة، ما أدى إلى حالة من الخمول الأدبي والترهّل الكتابي، وأضعف روح التكاتف الثقافي، وأقصى كثيرًا من المؤثرين عن المشهد.

حتى بات الشعر، في بعض صوره، للنطيحة والمتردية، وخسرت المدينة فتراتٍ كان يمكن فيها إنعاش الحركة الأدبية.

وتكمن الخطورة في تحوّل هذه النماذج إلى مراكز نفوذ ثقافي مصغّرة، تعيد تشكيل المشهد وفق مقاسها الضيق، فتُقصي المختلف، وتُروّج للرديء، وتُعيد إنتاج الرداءة بوصفها معيارًا، ما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية للإبداع، وإفراغ الثقافة من دورها التنويري الحقيقي.

فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في غياب الشعراء، بل في ضياع معايير التمييز بينهم، فحين تختلط الأسماء الكبيرة مع الطارئين في الوعي الجمعي، يصبح الذوق العام ضحيةً لخللٍ نقدي عميق، وتتحول القيمة الأدبية من معيار إبداعي إلى مجرد حضور شكلي داخل المشهد الثقافي.

وما حدث للشعر اليوم ليس تطورًا بقدر ما هو انزلاق من جوهر الموهبة إلى قشور الصنعة، فحين تُفهم القواعد على أنها بديل عن الإبداع، تتحول إلى أداة تسطيح لا إلى وسيلة بناء، ويغدو الشعر مهنة من لا مهنة له، بدل أن يبقى موهبةً تُولد مع صاحبها وتتفرد به.

 

الخلاصة… أن هذا المشهد المتهالك، لا بدّ من قول ما لا يُقال: إن أمثال هذا “الشاعر” ليسوا سوى عارضٍ طارئ على جسد الأدب، طفيليات لغوية تعيش على بقايا المعنى، وتتغذّى على جهل المتلقي وضعف النقد.

هو ليس شاعرًا، مهما زيّن لنفسه اللقب، بل مجرّد صانع ضجيج، يتقن الظهور أكثر مما يتقن الكتابة، ويعرف كيف يتسلّق، لكنه يجهل كيف يقف.

إنه نتاج مرحلة رخوة، اختلطت فيها القيم، فصار الرديء يُسوّق على أنه إبداع، وصار الفراغ يُقدَّم بوصفه تجربة. لكنه، في الحقيقة، لا يمتلك إلا هشاشته، ولا يُخفي خلف نصوصه سوى عجزٍ يتكرر بأشكال مختلفة.

وليعلم جيدًا، أن الأدب لا يرحم … فالتاريخ لا يكتب أسماء المتسلقين، بل يلفظهم خارج ذاكرته كما تُلفظ الشوائب ... وكل ما بناه من وهمٍ سيسقط دفعةً واحدة، حين يُسحب عنه غطاء المجاملة... سيأتي يوم، لا يُذكر فيه إلا على هامش الحكايات، لا بوصفه شاعرًا، بل بوصفه نكتةً ثقافية عابرة…

دليلًا على زمنٍ اختلطت فيه الأصوات حتى تجرأ الصدى أن يدّعي أنه الأصل.

وحينها فقط… سيعود السؤال، أكثر قسوةً من أي وقت مضى: (منو هذا؟)

الثلاثاء، 31 مارس 2026

مقال

 

 الحبكة وتقنية الكتابة

تحت عنوان

صياغة الذهب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



طالما اقترنت كلمة صياغة بطريقة الكتابة منذ زمن طويل، وهي الكلمة التي تُطلق على صناعة الذهب، ومن هنا نفهم أهمية القيمة الحقيقية للكتابة.

وللتنويه، إن الكلمة التي أكتبها كالرصاصة التي إذا ما انطلقت لن تعود إلا بالدم، وبعدما حدث اللغط الذي حدث بعد كتابة مقالي الأخير، وتلك الاتهامات الباطلة التي توجهت نحوي ما بين مدفوع وأخرى، أن جملة كتاباتي مستخلصة من الذكاء الاصطناعي، ولهذا كان يجب توضيح بعض القضايا التي من الممكن أن تُبين للقارئ الحقيقة والهدف من خلال كتاباتي والمقصود بـ (البارون).

 

الحرفية ... ليس من الشجاعة مواجهة الشر بصدر عارٍ، ففي ذلك نوع من الحماقة، فكان لا بد من تطوير المهارات الكتابية لحماية صاحب النص، ولهذا كانت الحرفية غير التقليدية في أن ترسم صورة المومأ إليها دون ترك أثر لما كتبت قد يعرضك للمساءلة القانونية، بالاستعانة بالكثير من الأدوات، ومنها الموروث الشعبي وطرق توظيفه لخدمة المضمون، ويُعتبر هذا نوعًا من أنواع الاحترافية في الكتابة التي قد لا يدرك حتى الذكاء الاصطناعي امتلاكها، ومن هنا من الممكن التمييز ما بين النصوص الاحترافية والمصنّعة، وهناك أيضًا ما يُعرف بإدارة الموضوع المكتوب من خلال خلق رؤية كتابية تُعبر عن طريقة الوصول للهدف من الكتابة.

فالحرفية ليست مهارة لغوية فقط، بل هي فن التمويه الذكي الذي يجعل النص يقول كل شيء دون أن يُمسك عليه شيء. إنها القدرة على زرع الفكرة في عقل القارئ دون أن تترك بصمة مباشرة تُدينك، وكأنك تكتب بمدادٍ مرئي للوعي وخفي عن المساءلة. وهنا تتحول الكتابة من فعل تعبير إلى استراتيجية بقاء، ومن مساحة رأي إلى ساحة مناورة، لا ينتصر فيها إلا من يجيد استخدام أدواته دون ضجيج.

التعميم ... وفي الغالب ما يكون غير محمود في طريقة الكتابة، ولكنه في بعض الأحيان ما يخلق فضاءً للقارئ في تبويب الموضوع حسب وجهة نظره، مما يصنع مساحة في متعة الكتابة وترك الباب مفتوحًا للمثل المصري (الذي على راسه بطحة بيحسس عليها)، وبهذا فقط يكون هناك توازن ما بين النص ومخيلة المتلقي الذي في الغالب يكون هو الهدف والوسيلة.

والتعميم ليس دائمًا هروبًا من المواجهة، بل قد يكون أداة ذكية لتوسيع دائرة الاشتباك مع القارئ، حيث يتحول النص إلى مرآة متعددة الوجوه، يرى فيها كل قارئ نفسه وفق زاويته الخاصة. فكلما اتسعت مساحة الغموض المحسوب، زادت احتمالات التأويل، وهنا تتحقق متعة النص، حين لا يفرض نفسه، بل يُستدعى من داخل المتلقي، فيصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ له.

 

الرؤى ... قد يسأل هنا أحدكم كيف أختار مواضيعي الكتابية، والحق يُقال هنا إن جملة مواضيعي مستلهمة من العامة والخاصة، فقد تجد ما تبحث عنه في منزلك أو الشارع أو العمل أو جدال مع أحدهم، ولكن بشرط أن تمتلك رؤية ثقافية عميقة تولد من القراءة الاحترافية أو المطالعة، فالكتابة بالأصل، وكل مفاصلها، تعتمد على أمرين: الأول قدرتك على استيعاب ما تقرأ، والثاني تلخيص التجارب الحياتية وخلق مزيج يرتقي إلى أن يكون مادة للمتعة الذهنية.

الرؤية ليست ما تراه العين، بل ما تعجز عن تجاهله بعد أن تراه. وهي تلك القدرة على التقاط العادي وإعادة تقديمه بوصفه استثنائيًا. فالحياة مليئة بالمواضيع، لكن القليل فقط يملك عين الالتقاط، والأقل منهم من يملك قدرة التحويل. وهنا تصبح الكتابة فعل اكتشاف لا نقل، وفعل خلق لا تكرار، حيث تتحول التجربة اليومية إلى مادة فلسفية، إن امتلك الكاتب عمق القراءة وجرأة التأويل.

 

الرأي والرأي الآخر ... ما تكتبه ليس كتابًا مقدسًا قد نزل من السماء، وهذه الحقيقة التي يجب على كل صاحب محتوى كتابي الإيمان بها، ولو عدنا للماضي نجد أن التجارب البشرية قد أنكرت على الأنبياء أصحاب المعجزات دعوتهم، فمن سوف تكون أنت لتحظى برضى الجميع؟ فمن الطبيعي أن تجد من يخالفك في الرأي والقضية التي تتبناها، ولكن الحكمة أن تكون على قدر المسؤولية في الكلمة التي تكتبها، فهذا فقط المعيار الوحيد لمصداقية ما تكتب.

فالوعي الحقيقي لا يُقاس بعدد الموافقين لك، بل بقدرتك على تحمّل الاختلاف دون أن تنهار فكرتك. فالرأي الذي لا يُختبر بالضد يبقى هشًا، والكاتب الذي يبحث عن التصفيق فقط، يكتب لنفسه لا للناس. وهنا تكمن خطورة النص، حين يتحول إلى مساحة مواجهة فكرية، لا إلى منصة استعراض، فإما أن تكون صاحب موقف، أو مجرد صدى يتردد في فراغ الآخرين.

 

الأبعاد القيمية ... ليس مطلوبًا من الكاتب أو الشاعر أو القاص أن يكون نبيًا، ولكن يجب أن يسعى لتصحيح ما يمكن إصلاحه من خلال النصوص المكتوبة، والسعي إلى خلق فضاء قيمي بعيد عن انتظار النتائج، والمضي لخلق بيئة كتابية للارتقاء بالمشهد الثقافي ليكون جديرًا بالاحترام.

فالقيمة الحقيقية للنص لا تكمن في جماله، بل في أثره. فالنص الذي لا يُحرّك ساكنًا في الداخل، يبقى مجرد تمرين لغوي مهما بلغ من البلاغة. وهنا يظهر دور الكاتب كفاعل قيمي، لا واعظ، بل محفّز خفي يعيد ترتيب أولويات القارئ دون أن يُملي عليه شيئًا. فالكتابة ليست دعوة مباشرة للإصلاح، بل خلق بيئة تجعل الإصلاح احتمالًا واردًا في وعي المتلقي.

 

الكاتب ومسألة الحق ... وهذه من أصعب الأفخاخ التي قد يقع فيها أصحاب الأقلام الحقيقية، وهنا قلت حقيقية، وهذا بسبب ظهور فئة متطفلة على الكتابة بسبب انتماء عقائدي أو سياسي أو حتى منفعي شخصي، وهناك نوع ظهر في الفترة الأخيرة، وهم من اتخذوا من الكتابة صنعة بسبب الفراغ الذي يعانون منه، فأصبحت الكتابة صنعة من لا صنعة له، ولهذا يكون هناك تضارب في تمييز الحق بسبب تلك الفئات، وهم ليسوا بالأعداد القليلة كما يظن البعض.

فأخطر ما يواجه الكاتب ليس الخطأ، بل تزييف الحق على هيئة نص جميل. فليس كل من كتب أصاب، وليس كل من صمت أخطأ. وهنا يصبح التمييز بين الكاتب الحقيقي والمُتطفل ضرورة، لا ترفًا، لأن ضجيج الكتابة الرديئة قد يُغرق الصوت الصادق. وفي زمن اختلطت فيه الدوافع، لم يعد النص دليلًا كافيًا على الحقيقة، بل أصبح يحتاج إلى قراءة ما وراءه، لا ما فيه فقط.

 

الخلاصة ... أود أن أخبركم سرّ مضمونه أنني أتعامل مع الحروف على أنها ذرات من معدن الذهب، بسبب درايتي لقيمة الكلمة ودورها في تغيير مسارات الأمم والحضارات، السابقة منها والحاضرة، ولهذا نحن اليوم أمام مشهد دراماتيكي في رؤية الساحة الثقافية والدور القيمي لجوهر الكتابة.

فليست الحروف ما نكتبه، بل ما نُخفيه بينها. فالكاتب الحقيقي لا يضع الذهب في النص، بل يجعل القارئ يكتشفه بنفسه. وهنا تتحول الكتابة من فعل قول إلى فعل كشف، ومن مادة تُقرأ إلى تجربة تُعاش. ولذلك، فإن أخطر النصوص ليست تلك التي تُفهم مباشرة، بل تلك التي تبقى عالقة في الذهن، تعيد تشكيله بصمت، دون أن تطلب الإذن.

الأحد، 29 مارس 2026

مقال

 

منهجية التجمعات والمجاميع الثقافية

تحت عنوان

الموصل ومثقفوها أمام عدسة المجهر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لا أحد خارج الساحة النقدية، وما كُتب وسوف يُكتب هو مجرد رسمٍ للحقيقة أمام أصحابها، لأن الحقيقة وإن تأخرت لا تموت، بل تتراكم حتى تنفجر في وجه من يحاول طمسها. والموضوع اليوم يضم جميع المسميات، التقليدية وغير التقليدية، من اتحادات ونقابات وروابط ومراكز وملتقيات، التي تكاثرت كما تتكاثر الظواهر دون أن يصاحبها بالضرورة عمقٌ في الفعل أو الأثر. ولكل هؤلاء منهجيات تختلف عن سواها، لهذا يجب علينا استعراض تلك المنهجيات وسبل تطبيقها على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالتنظير الذي بات سمةً طاغية على المشهد. فلكل مدينة حضارية صورتها التي تُرسم من خلال مثقفيها، التي تكون على شكل مجاميع ثقافية، وهي المعيار الحقيقي لصناعة الوعي عند العامة، لا سيما أن غياب هذا الوعي يفتح الباب أمام تشوهات فكرية يصعب ترميمها لاحقًا. ولهذا سوف نقوم بقراءات للوضع العام لتلك التجمعات، قراءة لا تجامل ولا تهادن، بل تضع اليد على الجرح مباشرة.

 

الاستجداء أو التبعية... فالكثير من تلك التجمعات لا تمتلك في الغالب مصادر تمويل حكومية أو اجتماعية، نتيجة غياب التخطيط المؤسسي الحقيقي واعتمادها على ردود الأفعال لا على الرؤى بعيدة المدى، فتكون أمام خياراتٍ أحلاها مُرٌّ كالعَلْقَم، ما بين القبول بالتبعية مقابل المال، أو اتباع منهج الاستجداء من شخصيات نافذة أو مؤسسات، فيتحول الفعل الثقافي من رسالة إلى وسيلة ارتزاق. وفي كلتا الحالتين، تكون هناك ملاءة سياسية أو عقائدية، تُفرض بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وهذا ما سوف يفقدك المصداقية أمام الجمهور الثقافي، لأن المثقف حين يُشترى صوته يفقد قدرته على قول الحقيقة، ويصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.

 

الدكتاتورية الثقافية... في الغالب ما يقترن هذا المصطلح (الدكتاتورية) بالسياسة، ولكن اليوم تم تعميمه على الجميع، ومن ضمنها الثقافة، حتى بات بعض “حراس المشهد” يمارسون الوصاية وكأن الثقافة ملكية خاصة. فأغلب التجمعات الثقافية، تحت جميع المسميات، لا تعتمد منهجية الاعتدال في قيادة المشهد، بل تُدار بعقلية الفرد الواحد، فيكون هناك شخصيات تتخذ من مبدأ التعالي أسلوبًا في إدارة تلك المجاميع، وتُقصي كل صوتٍ لا ينسجم مع رؤيتها. فلن تجد فيها انتخابات حقيقية أو حوارات يحكمها العقل، بل أشكالًا شكلية تُستخدم للتجميل فقط، وهذا ما يجعل لغة الحوار تخرج من باب الثقافة العامة وتدخل من شباك المجاملات، فتُدفن الكفاءة ويُرفع شعار الولاء بدل الاستحقاق.

 

المقاطعات الثقافية... يُقسَّم المشهد الثقافي، في الغالب، في مدينة الموصل حسب التوجهات الفكرية لقادة كل مجموعة، وكأن الثقافة تحولت إلى جزرٍ معزولة لا جسور بينها، والكل اليوم يرفع شعار: (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، وإن لم يُفصحوا عن ذلك، فهو حاضر في السلوك والممارسة. وهذا ما ولَّد الضبابية في رؤية المشهد الثقافي للمدينة، وجعل المتلقي في حيرةٍ من أمره بين هذا وذاك. وبرغم أن البعض يرى في ذلك الاختلاف نوعًا من أنواع التنوع الفكري، إلا أن هذا الطرح عارٍ عن الصحة حين يتحول الاختلاف إلى صراع نفوذ لا صراع أفكار. فقد أفرزت تلك الممارسات نوعًا من الاستهجان عند الكثير من أصحاب الأقلام، واتخاذ مواقف عدائية من البعض، بل وأدت إلى هجرة صامتة للكفاءات التي رفضت الدخول في هذه الدوامة، ولهذا قد يكون هذا سببًا رئيسيًا في عدم قدرة المدينة على تحديد هويتها الثقافية منذ زمنٍ بعيد.

 

أنانية القلم... وهنا تكمن المعضلة في رؤية كلٍّ منا للآخر، حيث يغيب مبدأ التكامل ويحضر هاجس التفوق الوهمي، والابتعاد عن مقولة: (إن الكمال لله عز وجل)، وهذا ما يولِّد نوعًا من الكراهية والأحقاد، ويُنتج بيئة غير صحية لا يمكن أن تزدهر فيها أي حركة فكرية حقيقية. فيتم انتهاج منهجية التسقيط الفكرية لصنع الفارق، كما يظن الكثير، عبر التقليل من الآخر بدل تطوير الذات. ولكن هناك حقيقة تكمن في أصل الموضوع، وهي المعيار الحقيقي، ألا وهو جودة النص الأدبي والفكري، لا عدد التصفيقات ولا دوائر العلاقات. وهذا ما لم يستطع أصحاب الأقلام، لغاية يومنا هذا، الوصول إليه بالشكل الذي يليق بتاريخ المدينة، وهو ما يؤهل كلًّا من المثقف أو الأديب أو الصحفي أو الفنان أن يكون عاملًا في بناء قاعدة فكرية للمدينة بشكل عام، قائمة على التراكم لا على الاستعراض.

 

الخلاصة... لستُ هنا لتقييم هذا وذاك، ولكن قد أكون المرآة العاكسة للواقع بجميع تفاصيله، لأن تجاهل الخلل لا يعني زواله بل تعميقه. ولهذا يجب أن يكون هناك دور لتصحيح ما يمكن تصحيحه من الصورة الثقافية لمدينة الموصل، عبر مراجعة جادة لا تجميلية، تبدأ من الداخل لا من الشعارات. وليكن في علم الجميع أنني لا أنضوي تحت أي مسمى من تلك المجاميع، ليس من باب الكِبر والغرور، لا سمح الله، ولكن من إيماني المطلق بأن تلك التجمعات، بصيغتها الحالية، لا تصنع منك شاعرًا أو صحفيًا أو فنانًا، بل قد تُقيدك أكثر مما تُحررك. إن الرهان الوحيد لتكون كل ذلك هو نتاجك الفكري، القادر على الصمود خارج أي مظلة. فلا قيمة للقلم بلا فكر واعٍ، ولا قيمة لأي تجمع مهما كبر، إن لم يُراجع ذاته قبل أن يُنظّر على الآخرين، إلا أن يضع مدينة الموصل وصورتها الثقافية أولًا. ولهذا، دعوة لكل تلك المجاميع: اتقوا الله بأنفسكم وبالآخرين، فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الثقافية لا تنسى.

مقال

    انتصارات على جماجم العرب تحت عنوان حقائق لا أحد يجرؤ على البوح بها بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين بين مطرقة الغرب وسندان...