لماذا لا
نستطيع صناعة الثورة؟
تحت
عنوان
شرعنة
الخوف والطمع
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
تُقاس الأمم بالوعي الحضاري الذي تملكه. فالمكان هو
العراق، والزمان هو وقتنا الحالي، ومع كل ما نشهده من فوضى عارمة في إدارة البلد،
لم نجد ما يُعرف بالمعترضين على كل هذا. ومن الطبيعي أن نستعرض الأسباب والدوافع
التي أوصلتنا إلى درجة أصبحنا نملك فيها القدرة على الأنين فقط. ولهذا، في هذه
السطور سوف تقرأ ما لا يجرؤ أحد على كتابته، وأنا هنا أكسر كل ما قد يرد من محاذير
حول هذا الموضوع.
الثورة... لا تعني بالضرورة عمليات اعتقالات ومداهمات وقتل، كما
اعتدنا أن نرى أو نسمع في عالمنا الحديث والمعاصر، بل هي نوع من رفض الممارسات
التي يراها العامة غير سوية، من خلال قضايا تُعرف بتسميات عديدة، منها: (العصيان
المدني أو شل حركة الميادين العامة)، وبهذا تُعد قمة التحضر الاجتماعي.
لماذا لا نستطيع صناعة الثورة؟ ... في المقولات المتعلقة بالإرث التاريخي توصف الثورة
بأنها: (يخطط لها العظماء، ويفجرها المغفولون، ويستولي على السلطة الانتهازيون
والمتسلقون). وبسبب هذا المنطق، ترى الكثيرين يعزفون عن القيام بأي شيء يُذكر، مما
يخلق حالة من اليأس القاتل بالنسبة للعامة. وبعد عقدين من الزمن، لا ترى ذلك الوعي
الذي قد يفضي إلى القيام بثورة، رغم البنية المتهالكة للنظام وانتشار الفساد.
شرعنة الخوف والطمع...يُعد هذا المعيار النقطة الفاصلة
في أصل الموضوع برمته. فمنذ تأسيس النظام الحالي، اتبع مبدأ (العصا والجزرة)، وهو
أحد مبادئ الدكتاتوريات في العالم. فنحن اليوم نعيش ما يُعرف بـ(الدكتاتورية
الجمعية)، وهي من أسوأ أنواع الدكتاتوريات في العالم.
فبات المواطن اليوم مقيدًا بسلاسل المال من خلال حمى
التعيينات العشوائية غير المدروسة، وما يُعرف برواتب شبكة الحماية الاجتماعية،
التي تُعد، برأيي، منظومة تدعو إلى تحويل المجتمع إلى فئة غير منتجة. وأصبح الجميع
يعمل بنظرية الشيخ عبد المطلب أمام أبرهة الحبشي حين قال: (إني أنا رب الإبل، وإن
للبيت ربًا سيمنعه). وهكذا دخل المواطن اليوم في مقولة: (أنا رب المال، والوطن له
الله)، وهذه تُدخل الجميع في باب شرعنة الطمع، وهو ما يدفعهم إلى إسقاط فكرة
الثورة من الأصل.
أما عن الخوف، فإن النظام منذ البداية اتبع سياسة: (إما
أن تكون معي أو أنت ضدي)، وقد شرعن قوانين وقوالب جاهزة تتوزع بين تهم الإرهاب
والبعثية، وبذلك أصبحت الذريعة موجودة دون الحاجة إلى البحث عن قانون قمعي جديد.
وهنا يصبح كل من يفكر في الخروج عليهم موضع اتهام قد يفضي بصاحبه إلى أحكام قاسية
قد تصل إلى الإعدام، مما يجعل المواطن يعيش دائمًا عند بوابة الخوف.
ثورة تشرين وأخواتها... وقد أطلقتُ عليها تسمية "الثورات الترفيهية".
ولمن لا يعلم، فإنني عاصرت تلك الحركات، وكانت لي مشاركة في بداياتها عام 2017 في
بغداد. وما لا يعلمه الكثيرون أن هناك أسلوبًا مخابراتيًا معروفًا في العالم يُعرف
بـ(القضايا التنفيسية للرأي العام)، حيث تقوم السلطات بحركات مفتعلة يكون الغرض
منها تخفيف الاحتقان في الشارع ورصد الشخصيات المعارضة التي قد تقع في فخ الثورة.
وما يُؤخذ على حركة تشرين هو افتقارها إلى الأهداف
الواضحة والقيادة الحقيقية، فجميع من كانوا هناك لم يمتلكوا رؤية واضحة حتى لما
بعد الأحداث، وهذه كارثة بكل المقاييس العقلية والمنطقية.
بين المواطن والرعية... هناك فرق كبير بين المواطن والرعية، فالمواطن يدرك أن له
حقوقًا وعليه واجبات، وأن الدولة وجدت لخدمته لا ليكون هو خادمًا لها، أما الرعية
فهي تنتظر ما يُلقى إليها من فتات، وتخشى الاعتراض حتى لو رأت الظلم بعينيها.
والمشكلة الحقيقية أن الأنظمة لا تخشى الفقراء ولا الجياع، بل تخشى الإنسان الذي
يمتلك الوعي، لأن الوعي هو الشرارة الأولى لكل تغيير.
ولهذا نجد أن أغلب المعارك اليوم لم تعد معارك من أجل
الخبز أو الخدمات فقط، بل أصبحت معارك ضد الوعي نفسه. فكل صاحب رأي يُتهم، وكل
صاحب موقف يُحاصر، وكل من يحاول أن يوقظ الناس من سباتهم يُوصف بأوصاف جاهزة لا
تنتهي. وهكذا يتحول المجتمع مع مرور الزمن إلى جمهور يتابع الأحداث بدل أن يصنعها،
وينتظر الحلول بدل أن يطالب بها.
والأخطر من ذلك أن الناس اعتادت الواقع حتى أصبح جزءًا
من حياتها اليومية، فالفساد لم يعد صدمة، وسوء الإدارة لم يعد حدثًا استثنائيًا،
بل تحول إلى أمر مألوف. وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة الاعتياد على الخطأ، فإنه
يفقد أهم شروط الثورة، لأن الثورة لا تبدأ من الشارع، بل تبدأ من رفض داخلي لفكرة
التعايش مع الخلل. وما دام هذا الرفض غائبًا أو ضعيفًا، فإن الحديث عن صناعة ثورة
سيبقى مجرد أمنيات تُقال في المجالس وتُكتب على صفحات التواصل الاجتماعي.
الخلاصة ... لا أعتقد أن مشكلتنا الحقيقية تكمن في
السلطة وحدها، لأن السلطة مهما بلغت من القوة لا تستطيع الاستمرار دون بيئة تسمح
لها بذلك. فالحاكم الذي يتاجر بالخوف يجد من يصفق له، والفاسد الذي ينهب المال
العام يجد من يبرر له، والمتسلق الذي يعتلي الأكتاف يجد من يحمله إلى الأعلى.
ولهذا فإن الأزمة لم تعد أزمة نظام فحسب، بل أزمة مجتمع قرر أن يتعايش مع أوجاعه
بدل أن يواجهها.
لقد نجحت السلطة في صناعة مواطن يخشى على راتبه أكثر مما
يخشى على وطنه، ونجح جزء من المجتمع في تحويل الصمت إلى فضيلة، والخوف إلى حكمة،
والانكفاء إلى أسلوب حياة. وبين هذا وذاك، ضاعت فكرة التغيير وتحولت الثورة إلى
حكاية تُروى عن الشعوب الأخرى.
إن الأمم لا تسقط عندما يكثر فيها الفاسدون، بل عندما
يصبح الفساد أمرًا اعتياديًا، ولا تنهار عندما يرتفع صوت الظالم، بل عندما يعتاد
المظلوم الصمت. وعندها لا تكون المأساة في وجود سلطة فاشلة، بل في وجود شعب توقف
عن مساءلتها، واكتفى بمراقبة انهيار وطنه وكأنه يشاهد خبرًا عابرًا لا يعنيه.
وحين يأتي يوم الحساب أمام صفحات التاريخ، فلن يُسأل
أصحاب السلطة وحدهم عما فعلوا، بل سيُسأل أيضًا كل من رأى الخلل فسكت، وكل من عرف
الحقيقة فهرب منها، وكل من باع موقفه مقابل منفعة مؤقتة. فالأوطان لا يقتلها
الطغاة وحدهم، بل يقتلها كذلك صمت القادرين على قول كلمة الحق.






