بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 25 أكتوبر 2026

مقال

 

شخصية الكرته في المجتمع

تحت عنوان

أعوان السلطة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما يُطرح اليوم السؤال: لماذا تكثر من استخدام مصطلحات أقول عنها إنها غير لائقة؟ ولهذه قصة مفادها أن لكل فئة اجتماعية مصطلحات تعبّر عنها، ومن غير المنطقي أن تكلّم الحمار بلغة لا يفهمها، ولهذا يُقال: لكل مقام مقال.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المصطلحات ليست دائمًا مجرد ألفاظ تُستخدم في التخاطب، بل قد تكون انعكاسًا لحقيقة اجتماعية يصعب وصفها بالمفردات التقليدية. فالمجتمع الذي تتعدد فيه الأقنعة وتختلط فيه الأدوار، يحتاج أحيانًا إلى لغة تكشف حقيقة الأشخاص بعيدًا عن الألقاب التي يمنحونها لأنفسهم. فليس كل من ارتدى ثوب الثقافة مثقفًا، ولا كل من حمل صفة الإعلامي إعلاميًا، ولا كل من رفع شعار الوطنية وطنيًا؛ لأن العبرة ليست بما يدّعيه الإنسان، وإنما بما يقدّمه من فعل، وما يتركه من أثر، وما يقف خلفه من مصالح.

 

الكرته ... وهي كلمة تُستخدم عند العامة باللهجة العراقية، وتُطلق على قطعة معدنية، كل عملها هو تثبيت حذاء ضيّق في القدم، وهذا أبلغ وصف للسلطة الفاسدة وأعوانها.

وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من المعنى الشعبي لهذه المفردة، فإننا سنجد أنفسنا أمام نموذج بشري لا يستطيع الوقوف بذاته، ولا يمتلك من أمره شيئًا، لكنه يصرّ على أن يكون جزءًا من منظومة لا تقبل سقوطه ما دام يؤدي وظيفته في تثبيت أقدامها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالإنسان الذي يفقد استقلاله الفكري يتحوّل تدريجيًا إلى أداة، والأداة لا تسأل عن صحة العمل الذي تؤديه، بل عن الجهة التي تستخدمها والمقابل الذي تحصل عليه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس الفقر ولا ضعف المكانة الاجتماعية، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين مصلحته الشخصية وكرامته، فيبيع الثانية من أجل الأولى، ثم يقف أمام الناس متباهيًا بما حصل عليه.

 

من هم وصفاتهم ... تتوزع أدوارهم بين إعلاميّ ملمّع يعمل عمل البويا، وصحفيّ يبحث عن مبررات للسلطة، وأناس يوصفون بأنهم (لا في العير ولا في النفير). وتراهم يقرعون الطبول وهم خارج دائرة الاستفادة من تلك السلطة، ويأخذون من المنطلق القومي أو الطائفي تبريرًا لفعلهم هذا.

والمشكلة هنا ليست في اختلاف الناس مع السلطة أو اتفاقهم معها، فذلك حق لا ينازعهم فيه أحد، وإنما المشكلة في أن يتحوّل الاختلاف إلى مهنة، والانتماء إلى وسيلة ابتزاز، والدفاع عن المسؤول إلى وظيفة لا علاقة لها بالحقيقة. فالإنسان الذي يدافع عن جهة ما لأنه يؤمن بمشروعها يستطيع أن يشرح موقفه بالحجة والدليل، أما الذي يدافع عنها مهما ارتكبت من أخطاء، فإنه لا يدافع عن مشروع، بل يحرس مصلحة، وقد لا يعرف هو نفسه متى بدأ يتحوّل من صاحب رأي إلى تابع.

وكثيرًا ما تركّز السلطات اليوم على الإعلام وأقزامه في عملية خداع الرأي العام، فترى منهم من يلبس لباس المعارض، فيمضي في البحث عن فضائح المسؤولين، ويقوم بدور المهرّج ليقنع المشاهد بأنه رجل نزيه لا يقبل الخطأ، وهذا غير صحيح، ولكن الحقيقة شيء آخر؛ فهم بمثابة قنوات تنفيس عن الغضب الشعبي من خلال ما يطرحونه من مواضيع، وكأن الأمر ينضوي تحت عنوان (كلمة حق يُراد بها باطل)، وهم الفئة الأخطر من هذه الشريحة.

إن صناعة المعارض الوهمي ليست أقل خطورة من صناعة الموالي الأعمى؛ لأن الأول يستطيع أن يدخل إلى عقول الناس من باب الثقة، بينما يدخل الثاني من باب الانتماء والمصلحة. وحين تتحوّل المعارضة إلى عرض يومي لا يهدف إلى تغيير الواقع، بل إلى امتصاص الغضب وإعادة توجيهه، يصبح المواطن أمام مسرحية تتوزع فيها الأدوار بعناية؛ فهناك من يثير الضجيج، وهناك من يردّ عليه، وهناك من يتابع المشهد معتقدًا أنه يشاهد صراعًا حقيقيًا، بينما قد يكون الجميع جزءًا من دائرة واحدة لا تريد للمتفرج أن يغادر مقعده ويسأل عن حقيقة ما يحدث خارج المسرح.

وهنا يجب أن نفهم أن أخطر أنواع التضليل ليس ذلك الذي يُجبرك على تصديق الكذب، بل الذي يجعلك تعتقد أنك وصلت إلى الحقيقة بنفسك، في حين أن الطريق الذي سلكته قد رُسم لك مسبقًا. فحين يصبح الغضب الشعبي مادة إعلامية للاستهلاك، وتتحوّل الفضائح إلى حلقات متتابعة لا يعقبها حساب ولا تغيير، فإن الفساد لا يكون قد خسر شيئًا، بل يكون قد تعلّم كيف يعيش في ظل الضجيج.

 

أما الصحفيون... فهم عبيد السلطة، ولا أجد وصفًا أدقّ من هذا لهم. فهم يفعلون ما يُملى عليهم في تصوير الوضع العام على أنه بخير، لخلق توازن بعيد عن الواقع، في حين يعتبرون أنفسهم أقلامًا، وهم لا يرتقون إلى مستوى أكثر من شخصية المهرّج الذي من ضمن عمله أن يُسمع الجهات الحكومية ما تريد سماعه، في قوالب ثابتة (افتتحه، زاره، كرّمه). وهذه الأفعال هي الأكثر رواجًا فيما يُعرف بالإعلام الحكومي.

والغريب أن بعض المسؤولين يقوم بتعيين إعلاميين بدرجة دمى، لا خيار لهم، فيقوم هو بمراجعة الخبر وكتابته في الكثير من الأحيان، ويأتي أحدهم ليقول عن نفسه إنه إعلامي، ولا أعلم عن أي إعلام يتحدث، وهو مسلوب الإرادة حتى في صياغة الخبر الحكومي.

إن الصحافة ليست وظيفة لتلميع الوجوه، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، ولا منصبًا يُمنح لمن يجيد ترديد ما يرغب المسؤول في سماعه. الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة، والكلمة التي تُكتب تحت ضغط المصلحة تفقد قيمتها حتى لو كانت سليمة لغويًا، لأن سلامة العبارة لا تعني سلامة الرسالة، كما أن جمال الصورة لا يغيّر قبح الواقع الذي تحاول إخفاءه.

والمشكلة أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم حين يتنازلون عن استقلالهم المهني، فإنهم لا يسيئون إلى أنفسهم وحدهم، بل يساهمون في إضعاف ثقة المجتمع بالمؤسسة الإعلامية كلها. فالمواطن الذي يرى الصحفي يبرر الفشل اليوم، ويصفق للنجاح الوهمي غدًا، لن يعود قادرًا على التمييز بين الخبر والإعلان، وبين الحقيقة والدعاية. وعندها تصبح الكلمة نفسها موضع شك، ويدفع الصحفي النزيه ثمن ما ارتكبه أولئك الذين جعلوا من المهنة وسيلة للارتزاق.

وليس كل صحفي يعمل في مؤسسة حكومية تابعًا للسلطة، كما أن العمل في مؤسسة خاصة لا يمنح صاحبه صك النزاهة؛ فالمعيار الحقيقي هو استقلال الكلمة، والقدرة على قول الحقيقة حين تكون مكلفة، لا حين تكون آمنة ومضمونة العواقب. أما أن تتحوّل الصحافة إلى دفتر يوميات للمسؤولين، فلا نقرأ فيه إلا افتتاحًا وزيارة وتكريمًا، فكأن المجتمع لا يعاني بطالة ولا فقرًا ولا فسادًا، وكأن وظيفة الصحفي أن يقنع الناس بأن حياتهم بخير، حتى وهم يبحثون عن أبسط حقوقهم.

 

العامة ... وهنا تكمن الكارثة، وكثيرًا ما تراهم يرسمون صورة الرأي العام من خلال التواصل الاجتماعي، وأُطلق عليهم هنا (الجحوش الإلكترونية). فترى من يدافع عن طائفة، وآخر عن قومية، ويكتب ما ليس له به علم، فتكثر الحروب الكلامية ما بين شتم وطعن، حتى تظن أن أبا أحدهم في سدّة الحكم، وقد يكون من أولئك الذين لا يحظون بقوت يومهم. وآخرون يذهبون إلى درجة المقاضاة، لمجرد أن أشخاصًا اختلفوا معهم في الرأي، وكل هذا وغيره يكون بسبب انعدام الوعي الاجتماعي.

إن المأساة الحقيقية ليست في أن يمتلك الإنسان رأيًا خاطئًا، فالأفكار قابلة للمراجعة والتصحيح، وإنما في أن يتحوّل رأيه إلى عقيدة مغلقة لا يسمح للعقل بمناقشتها، وأن يصبح دفاعه عن جماعته أهم من دفاعه عن الحقيقة. وهنا يفقد الإنسان قدرته على رؤية الخطأ حين يصدر عن جماعته، ويصبح مستعدًا لتبرير ما يرفضه لو صدر عن خصمه. وبذلك لا يعود معيار الحكم هو الصواب والخطأ، بل هوية الفاعل وانتماؤه، وكأن الحقيقة أصبحت ملكية خاصة تتغيّر بتغيّر الأسماء والرايات.

والأكثر سخرية أن بعض هؤلاء يدافعون عن أشخاص لا يعرفونهم، ويخوضون معارك من أجل مسؤولين قد لا يعلمون بوجودهم أصلًا، ويستهلكون أعصابهم ووقتهم في الدفاع عن امتيازات لا يحصلون منها على شيء. ولو أن جزءًا من هذه الطاقة وُجّه إلى المطالبة بالحقوق والخدمات ومحاسبة المقصرين، لكان أثرها في المجتمع أكبر من آلاف المنشورات التي لا تنتج إلا الكراهية والشتائم.

إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع الجهل من العدم، لكنها منحت الجهل مكبر صوت، ومنحت المتعصب جمهورًا، وجعلت من كل شخص يملك هاتفًا نفسه خبيرًا في السياسة والتاريخ والاقتصاد، من دون أن يشعر بضرورة التعلّم أو التحقق. وهكذا أصبح عدد الإعجابات عند البعض دليلًا على صحة الفكرة، وكثرة المتابعين برهانًا على المعرفة، فيما غابت أبسط قواعد التفكير النقدي: من قال هذا؟ وما دليله؟ ومن يستفيد من نشره؟ وهل أدافع عن حقيقة أم عن انتماء لا أريد الاعتراف بأخطائه؟

ولا يمكن أن نتحدث عن الوعي الاجتماعي ما دام الإنسان يطالب بالعدالة حين يكون ضحية، ثم يرفضها حين يكون المستفيد، وما دام يرفع شعار القانون على خصمه ويبحث عن ألف مبرر لتجاوزه عندما يتعلق الأمر بمن ينتمي إليهم. فالمجتمع لا يتخلّص من الفساد بمجرد تغيير المسؤولين، إذا بقيت العقلية التي تبرر الفساد نفسها حاضرة في الشارع والبيت ومواقع التواصل؛ لأن الفساد حين يجد من يحميه اجتماعيًا، لا يحتاج دائمًا إلى القوة كي يستمر، بل يكفيه أن يجد من يدافع عنه طوعًا.

 

خطر هؤلاء... تكمن خطورة هؤلاء في إعطاء الشرعية للسلطة، بغض النظر عن ارتكازها الشعبي؛ فهم المدافعون عن الفساد والمفسدون، وهم من يقومون بتثبيت السلطة الفاسدة على رأس الحكم من خلال ممارساتهم. فالإعلامي الذي يعمل بصفة جاسوس مزدوج، وهو يتخذ من شعار (قلوبنا مع علي وسيوفنا مع معاوية) منهجًا له، يمثّل أخطر ما قد تواجهه العامة من عمليات تضليل قد تصادفها في حياتك العامة، وهم الغالبية العظمى التي تملأ الزوايا الإعلامية في يومنا هذا.

إن السلطة الفاسدة لا تحتاج دائمًا إلى أن تُسكت الجميع؛ ففي كثير من الأحيان يكفيها أن تجعل بعضهم يتحدث نيابة عنها، وأن تمنح آخرين مساحة محدودة للاعتراض، بينما تبقى القرارات الحقيقية بعيدة عن المساءلة. وهنا تصبح الحرية الظاهرة وسيلة لإخفاء غياب الحرية الحقيقية، ويصبح تعدد الأصوات على الشاشة دليلًا مضللًا على وجود التعددية في الواقع. فليس كل ضجيج معارضة، وليس كل نقد شجاعة، وليس كل من يهاجم مسؤولًا مستعدًا لمحاسبة المنظومة التي أوصلته إلى موقعه.

والخطر الأكبر أن هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود خداع الناس، بل تساهم في صناعة جيل يفقد ثقته بالجميع، فلا يعود يميّز بين النزيه والفاسد، ولا بين صاحب القضية وصاحب المصلحة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح اليأس نفسه حليفًا للفساد؛ لأن المواطن الذي يعتقد أن الجميع متشابهون قد يتوقف عن المطالبة بالتغيير، ويكتفي بالبحث عن حصته من الغنيمة، حتى لو كان يعرف أن الغنيمة مسروقة من حقه وحق أبنائه.

إن أخطر ما يقدّمه أعوان السلطة الفاسدة ليس دفاعهم عن مسؤول بعينه، بل مساهمتهم في تحويل الفساد إلى أمر مألوف، والفشل إلى قدر لا يمكن تغييره، والتنازل عن الحقوق إلى نوع من الواقعية. وعندما ينجحون في إقناع الناس بأن لا بديل عن هذا الواقع، فإنهم يكونون قد حققوا للسلطة ما تعجز عنه أحيانًا أدوات القمع؛ إذ يجعلون المجتمع يراقب قيوده من دون أن يفكر في كسرها.

والصحفي الذي ينشغل في محاباة فلان وعلان لغرض الكسب المالي، بغض النظر عما قد تعانيه العامة، هو ممن قلت عنهم من قبل: (إن أسوأ الناس يوم القيامة الذي يأتي بالإثم على أنه شطارة). والكل في غفلة يعمهون، فلا قلم فيهم يرصد السوء، أو يدافع عن قضية، أو يتبنى رأيًا معينًا. وتلك الأقلام يجب أن تُكسر وأن تُرمى في سلة المهملات، وهذا مكانها المناسب بما تقدّمه.

والمفارقة أن بعض هؤلاء يعتقدون أن ما يحصلون عليه من امتيازات دليل على نجاحهم، في حين أنهم لا يدركون أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقتنصه من فرص، بل بما يحافظ عليه من مبادئ حين تُعرض عليه المساومة. فالمال الذي يأتي مقابل إسكات الحقيقة ليس مكسبًا حقيقيًا، والمنصب الذي يُشترى بالتنازل عن الكرامة ليس مكانة اجتماعية، والتصفيق الذي يُمنح مقابل تزييف الوعي ليس اعترافًا بالنجاح، بل شهادة على أن صاحبه وجد في نفسه استعدادًا لأن يكون جزءًا من المشكلة.

أما العامة، والكارثة الكبرى فهذه قصة قد يُعاد النظر فيها بما كتبه أستاذ علم الاجتماع (علي الوردي)، فلم يلمّ وقتها بهذه القضية التي أعتبرها أكبر مما كُتب في كتبه، وهذا بسبب أنهم اليوم يعتبرون الأداة الفاعلة التي تجنّدها السلطة بأساليب ملتوية؛ فمنهم من يُحكم بمنصبه، ومنهم براتبه، وآخرون بالانتماء الطائفي والقومي، وكلهم يعملون من أجل خدمة السلطة الفاسدة، وهم المفسدون الحقيقيون، فباتوا عبيدًا بلا سلاسل في المحاباة والتطبيل.

إن المجتمع الذي يعتاد تبرير الأخطاء بحجة الانتماء، ويصمت عن الظلم لأن المستفيد منه قريب أو صاحب مصلحة، لا يمكن أن يطالب بإصلاح حقيقي ما لم يبدأ بمراجعة نفسه. فالمشكلة ليست في المسؤول وحده، بل في البيئة التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وفي العقلية التي تصنع له الأعذار، وفي الأفراد الذين يعرفون الحقيقة ثم يختارون الصمت، أو يشاركون في تزييفها لأن ثمن الموقف أعلى من استعدادهم لدفعه.

ولا يعني ذلك أن المسؤولية تتساوى بين الحاكم والمحكوم، أو أن المواطن الذي يعاني الفقر والحرمان يتحمل وزر فساد من يملك القرار والمال والنفوذ؛ فهناك فرق كبير بين من يملك أدوات السلطة ومن يقع تحت تأثيرها. لكن هذا الفرق لا يلغي مسؤولية الإنسان عن موقفه حين يختار بإرادته أن يتحوّل إلى مدافع عن الفساد، أو أن يجعل من هويته القومية والطائفية حصانة تمنع مساءلة من ينتمي إليهم. فالظروف قد تفسّر بعض المواقف، لكنها لا تمنح كل موقف براءة أخلاقية مطلقة.

وهنا تبرز أهمية ما تركه علي الوردي من أسئلة تتعلق بطبيعة المجتمع وتناقضاته، لا بوصفها أحكامًا نهائية على الناس، بل بوصفها دعوة إلى فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يقول شيئًا ويفعل نقيضه. فالمجتمع الذي يرفع شعارات النزاهة ثم يكافئ المتملق، ويتغنى بالكرامة ثم يسخر من صاحب الموقف، ويطالب بالعدالة ثم يرفضها عندما تمسّ جماعته، يعيش تناقضًا لا يمكن علاجه بتبديل الوجوه وحده. إن إصلاح المؤسسات يحتاج إلى قوانين ومحاسبة، لكن إصلاح الوعي يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن بعض ما نمارسه يوميًا يساهم في إعادة إنتاج المشكلة التي نشكو منها.

 

الخلاصة ... العبيد الذين لا تحتاج السلطة إلى سلاسل لتقييدهم ، إن الكرته الحقيقية ليست تلك القطعة المعدنية التي تثبّت الحذاء في القدم، بل ذلك الإنسان الذي يقبل أن يكون قطعة في حذاء السلطة، يثبّت خطواتها مهما اتجهت، ويحميها مهما أخطأت، ويبرّر لها مهما أفسدت، ثم يخرج على الناس بوجه المنتصر، معتقدًا أن ما حصل عليه من مال أو منصب أو شهرة يعوّض ما فقده من استقلال وكرامة.

وهؤلاء، مهما اختلفت أسماؤهم وتعددت مواقعهم، يشتركون في حقيقة واحدة: أنهم يمنحون السلطة أكثر مما تمنحهم؛ فهم يمنحونها أصواتهم وعقولهم وضمائرهم، بينما تمنحهم هي ما يكفي لإبقائهم في خدمتها. وقد يظن أحدهم أنه يضحك على الناس، لكنه لا يدرك أنه أول ضحايا الخدعة؛ لأن الإنسان الذي يبيع الحقيقة طويلًا ينتهي به الأمر إلى العجز عن التمييز بينها وبين الكذبة التي صنعها بيده.

ولست معنيًا هنا بمن يختلف مع السلطة في الرأي أو يتفق معها، ولا بمن يعمل في مؤسسة حكومية أو يتقاضى راتبًا من الدولة، فهذه أمور لا تجعل الإنسان فاسدًا بمجردها. إنما الحديث عن أولئك الذين يعرفون مواضع الخلل، ثم يتعمدون إخفاءها، والذين يشاهدون حقوق الناس تُهدر، ثم يسارعون إلى تبرير ذلك، والذين يرفعون شعارات الوطن وهم لا يرون في الوطن سوى باب لمصلحة شخصية أو طائفية أو قومية.

أما الخاتمة التي لا تحتاج إلى تزيين، فهي أن السلطة الفاسدة قد تسقط يومًا، وقد يتبدل المسؤول ويختفي اسمه من المشهد، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى أعوانها في المجتمع، يغيّرون وجوههم وشعاراتهم، وينتقلون من سفينة إلى أخرى، ثم يقدّمون أنفسهم بوصفهم أصحاب مواقف ومبادئ.

فالسلطة التي تفسد تُحاسَب على ما ترتكبه، أما من يزيّن فسادها ويخدع الناس بشأنه، فهو شريك في الجريمة الأخلاقية، حتى لو لم يجلس يومًا على كرسي الحكم. والأكثر إثارة للاشمئزاز أن بعض هؤلاء لا يكتفون ببيع ضمائرهم، بل يريدون من الناس أن يصفقوا لهم على الصفقة، وأن يمنحوهم لقب الوطني والنزيه والإعلامي والمثقف.

وإذا كان للسلطة الفاسدة حذاء تمشي به، فإن هؤلاء هم من يحرصون على تثبيته في أقدامها، لا حبًا بالوطن، ولا دفاعًا عن الناس، بل خوفًا على ما اعتادوا الحصول عليه من فتات موائدها. وحين تنتهي الحاجة إليهم، سيكتشفون متأخرين أن اليد التي استخدمتهم لم تكن يومًا تحترمهم، وأن من يبيع كرامته ليحتمي بسلطة لا تحترم كرامة الناس، لا يصبح شريكًا في قوتها، بل يتحوّل إلى أداة تُرمى عندما تنتهي صلاحيتها.

فالعبودية ليست دائمًا قيدًا في اليد، فقد تكون راتبًا يُسكت صاحبه، أو منصبًا يعمي بصيرته، أو انتماءً يسرق عقله، أو شهرةً يبيع من أجلها ضميره. وأقبح العبيد ليس من أُجبر على الانحناء، بل من ينحني بإرادته، ثم يقف ليقنع الآخرين بأن انحناءه بطولة، وأن تبعيته موقف، وأن خيانته للحقيقة وجهة نظر. هؤلاء لا يحتاجون إلى سلاسل؛ لأنهم أدّوا المهمة الأصعب: صنعوا سجونهم داخل عقولهم، ثم نصبوا أنفسهم حرّاسًا على أبوابها.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

مقال

 

 أبو تمام ليس شاعرًا موصليًا 

تحت عنوان

الكرعة تتباهى بشعر أختها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



من أكبر الجرائم التي تُرتكب بحق المجتمع هو تزييف الوعي الجمعي، ولا يعيب مدينةً على وجه الأرض أنها لا تملك تاريخًا في مضمارٍ معين، ولكن صناعة وعي تاريخي مزيف من قِبل شخصيات تقدم نفسها على أنها نخب ثقافية، وكل علاقتها بالثقافة هويات تصدر من جهات حكومية، وهي بحد ذاتها تُعتبر مثلبة تُحسب عليهم. فالشعراء، على سبيل المثال، ليسوا ممن يجيدون ترتيب الأوزان الاستعراضية فقط، ولكن عليهم قراءة محاور أخرى تساهم في صناعة شخصية الشاعر، ومنها التاريخ، وبهذا يكون هناك بناء لما يُعرف ببنية القصيدة.

 

أبو تمام ... هو حبيب بن أوس بن حارث الطائي، المولود في إقليم حوران في بلاد الشام، وعلاقته بمدينة الموصل أنه شغل منصبًا في البريد بمدينة الموصل في عهد الدولة الحمدانية. ومصادر المعلومات هنا: (سير أعلام النبلاء ــ ج 11، ص 4، 64 / وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ــ ج 2، ص 11).

ومن هنا نفهم دقة المعلومة ومصادرها، وهنا لا أريد الحديث بشكل تفصيلي عن حياة الشاعر، ولكن لأبيّن الحقيقة التي يستند إليها المقال.

 

بناء الوعي المزيف ... المعضلة هنا في التعامل مع قراءة التاريخ وبناء وعي كامل على حقيقة مزيفة، من خلال قضية نسب شخصيات إلى مكان معين. والغريب في الموضوع أن مدينة الموصل، ذات التاريخ الحضاري والثقافي، تزخر بأسماء الشعراء الذين لا يُشق لهم غبار قديمًا وحديثًا، ومنهم السري الرفاء الموصلي، المتوفى سنة 973م، وآخرون في العصر الحديث، ومنهم الشاعر وليد الصراف، والشاعرة الدكتورة بشرى البستاني والدكتور جاسم العجة، وكرم الأعرجي، وآخرون كثر خُلّدت حروفهم بوشاح من نور، بالإضافة إلى الرواد في فنون الأدب، وبهذا تصبح المدينة في حيز الإرث الثقافي.

ولهذا، فإن تقديم الشاعر أبي تمام على أنه إرث لمدينة لا ينتمي إليها يُعد نوعًا من تزييف الوعي لدى العامة، وهنا تكمن خطورة القضية، فالمسألة برمتها تعود إلى الأمانة التاريخية والتعامل معها على أنها فرض واقع، بغض النظر عن حقيقتها.

 

الجوانب التي تترتب على هذا ... قد يظن الكثيرون هنا أن الموضوع عرضي، لا يتعدى كونه مسألة احتفاء بشاعر عربي، ولكن هذا بحسب الرؤية القاصرة من الناحية الشكلية، وإن انتهاج هذا المنهج هو قضية تبناها غير العرب في انتساب بعض الأسماء العربية إليهم، ومنحهم لقب الأماكن التي أقاموا فيها، مثل (البخاري، النيسابوري). وسوف يكون لنا مقال بهذا الخصوص في القريب العاجل. وهذا أيضًا من منهجية تزييف الوعي الجمعي، ومنها فتح الباب أمام قضايا قد تكون أكبر مما قد يتصور الآخرون، وبناء تلك الآراء سوف يبني ذاكرة مليئة بالمغالطات التي يُطبّل لها في يومنا هذا بسبب تبني مفاهيم الثقافة القشرية.

فلكل مدينة تاريخها، ولا يوجد مكان بلا تاريخ ولا شخوص، ولا نحتاج إلى صناعة تاريخ يخدم التوجهات الآنية، ففي ذلك إثم بحق العامة، وبحق المعلومات التي تُوجَّه إلى الرأي العام من قِبل طبقات تتسيّد الثقافة لأنها تملك طبلة للسلطة القائمة. وهنا أقول لهؤلاء: (ما هكذا تُورَد الإبل يا هذا).

إن أخطر ما في هذه القضية ليس أن ننسب شاعرًا إلى مدينة لم يولد فيها، بل أن تتحول المعلومة المغلوطة، بفعل التكرار والاحتفاء الرسمي والتصفيق الثقافي، إلى حقيقة راسخة في أذهان الأجيال، وعندها يصبح تصحيحها أشبه بمعركة مع ذاكرة جرى تلقينها ما يجب أن تؤمن به. فالتاريخ لا يُكتب وفق رغبات القائمين على المؤسسات، ولا يُعاد تشكيله بما يتناسب مع أهواء من يملكون المنابر، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى مهرجان كي تصبح حقيقة، ولا تحتاج إلى قرار إداري كي تكتسب شرعيتها. والمصيبة حين تتحول الثقافة من أداة لكشف الحقائق إلى وسيلة لتسويق الأوهام، ويصبح بعض من يتصدرون مشهدها أشبه بموظفين لدى الذاكرة الرسمية، يرددون ما يُطلب منهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث أو مراجعة المصادر. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بأبي تمام أو غيره، بل بمبدأ أخطر بكثير، وهو: هل نحن أمام ثقافة تنتج المعرفة، أم أمام ثقافة تصنع روايات مريحة للسلطة والجمهور؟ فحين يصبح التصفيق بديلًا عن البحث، والاحتفاء بديلًا عن التوثيق، تتحول المؤسسات الثقافية إلى مصانع لإنتاج المسلّمات، ويغدو الاعتراض على الخطأ جريمة في نظر من اعتادوا أن تمر مغالطاتهم بلا مساءلة. وأنا هنا لا أصادر حق مدينة في الاحتفاء بشاعر أقام فيها أو ترك أثرًا في حياتها الثقافية، ولكنني أرفض أن يتحول الاحتفاء إلى عملية استحواذ على نسبه التاريخي، لأن الفرق كبير بين أن نحتفي بشاعر مرّ من مدينتنا، وبين أن نصنع منه ابنًا لها لمجرد أن اسمه يخدم رواية نريد تسويقها. فالأمم التي تحترم تاريخها لا تحتاج إلى استعارة أمجاد الآخرين، والمدن العريقة لا تنتقص من مكانتها حقيقة أن شاعرًا بعينه لم يولد فيها، وإنما تنتقص من مكانتها حين تعجز عن تقديم أبنائها الحقيقيين وتلجأ إلى صناعة أمجاد لا تسندها الحقائق. أما الذين يعتقدون أن تكرار المغالطة يمنحها حصانة تاريخية، فعليهم أن يدركوا أن الذاكرة قد تُخدع زمنًا، لكنها لا تتحول بذلك إلى مصدر موثوق للحقيقة، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله المثقف ليس أن يجهل التاريخ، بل أن يعرف أن هناك حقيقة تستحق البحث ثم يختار الصمت، أو أن يردد الخطأ لأنه وجد فيه مصلحة أو مكانة أو فرصة للتصفيق.

 

تصحيح لا انتقاد ... سوف يفهم البعض أن ما ورد هنا نوع من التسقيط أو الانتقاص من شخصيات أو فعاليات بعينها، ولكن هذا غير صحيح. وللتنويه، فإن فكرة أبي تمام وانتسابه إلى مدينة الموصل هي فكرة الحقبة السابقة من السلطة، ورغم أن الذين هم اليوم في دفة الحكم ينتقدون تلك الحقبة، لم يستطيعوا تبيّن حقيقة صغيرة جدًا زُرعت في الذاكرة العامة. ولهذا، فإن كل ما ورد من معلومات موثّق بالمصادر الرصينة، وهو أسلوب مستحدث في كتاباتي لغرض أن المقال موجّه إلى دعاة الثقافة النخبوية، وهي كتب لا تقبل التشكيك، التي سوف تقطع كل رد قد يُكتب بهذا الموضوع. وإن من أخلاقيات القلم أن يعرض الحقائق، حتى الموجعة منها، بغض النظر عمّن سوف تزعجهم هذه الكلمات، فأنا كنت ولا زلت أكتب لله والتاريخ، فلكم طبول ولي قلم.

 

الخلاصة ... الأدب والفكر ليست وظيفتهما الوحيدة صياغة كلمات جميلة تساهم في تضليل الرأي العام عن واقع مزرٍ ثقافي أو اجتماعي، ولكنهما أيضًا عين ترصد المعلومة التي يتم تزييفها لغرض معين، بغض النظر عن الشخوص التي تتبنى الفكرة أو المعلومة. ولهذا، فأنا اليوم أكتب لتصحيح المسارات الفكرية المنحرفة التي تتبنى الانحراف، وقد يكون لهذه الكلمات وقع موجع، ولكن، للأسف، هذه هي الحقيقة: (أبو تمام ليس شاعرًا موصليًا) ، ورحم الله القائل: **(الكرعة تتباهى بشعر أختها).

مقال

 

الفتاة ذات الهالة والكاتب

تحت عنوان

ما قد حدث في الأمس

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ليس كل كلام جميل غزلًا، وليس كل حديث ذي شجون اعترافًا بالحب، وليس كل من يرى الجمال في إنسان يسعى إلى امتلاكه. فثمة مشاعر لا تنتمي إلى قاموس الحب المتعارف عليه، وثمة أرواح تستوقفنا دون موعد، وتترك في داخلنا أثرًا لا نعرف كيف نفسره، سوى أننا نشعر بأن الحياة أصبحت أجمل بوجودها. ولكن هذه المعاني قد لا يفهمها الكثيرون في أيامنا هذه، بعدما أصبح البعض يضع لكل كلمة حسابًا، ولكل ابتسامة غاية، ولكل اهتمام تفسيرًا لا يخرج عن دائرة الرغبة والمصلحة.

 

وبدأت الحكاية... في مكان ما، كنت أنتظرها كل صباح، لا لأنني كنت أبحث عن موعد مع الحب، ولا لأنني كنت أترقب فرصة للتقرب منها، بل لأن حضورها كان يمنح بداية اليوم شيئًا مختلفًا، وكأن الصباح لا يكتمل إلا حين تعبره تلك الهالة التي تحيط بها، فتترك في المكان أثرًا لا يشبه سواه.

كانت تأتي، فيتغير شيء لا أستطيع تحديده؛ ربما في تفاصيل المكان، وربما في نفسي أنا، أو لعلها تلك القدرة الغامضة التي يمتلكها بعض البشر، فيجعلون الأشياء العادية أكثر جمالًا دون أن يفعلوا شيئًا سوى أنهم موجودون.

ومع مرور الأيام، بدأت أتحدث إليها، أحاورها وأستمع إليها، وأترك للكلمات أن تسير بعفويتها، دون أن أحمّلها ما لا تحتمل، أو أبحث لها عن غاية لم تكن في ذهني.

وقد يسألني أحدهم، أو ربما تسأل هي نفسها: هل كنت أحبها؟

والحقيقة أن الإجابة ليست بهذه البساطة التي يتصورها البعض؛ لأننا اعتدنا أن نضع المشاعر في قوالب محددة، فإذا أعجب رجل بامرأة، افترضنا أنه يريدها، وإذا أبدى اهتمامًا بها، ظننا أنه ينتظر منها مقابلًا. وكأن الرجل لا يستطيع أن يرى الجمال إلا بعين الرغبة، ولا يستطيع أن يتحدث مع امرأة إلا إذا كان يخفي وراء حديثه مشروعًا عاطفيًا يريد الوصول إليه.

وهذا ما لا أستطيع أن أراه قاعدة تحكم مشاعر البشر جميعًا.

فأنا أؤمن بأن في الحياة جمالًا يستحق أن نتوقف أمامه، لا لكي نمتلكه، بل لكي نتأمله ونقدّر وجوده. فهل كل من أعجب بزهرة أراد أن يقطفها؟ وهل كل من استوقفته لوحة فنية أراد أن يحملها معه؟ وهل كل من أحب منظر المطر في مساء شتوي كان يبحث عن شيء وراء قطراته؟

ثمة أشياء يكفيها أن تكون جميلة، وثمة أشخاص يكفي حضورهم ليمنحوا أيامنا معنى مختلفًا، دون أن يكون لنا حق في مطالبتهم بشيء، أو أن يكون لهم علينا واجب يتجاوز حدود الاحترام والتقدير.

 

الجمال الذي لا أبحث عن امتلاكه ... هي ليست كغيرها بالنسبة إليّ، ولكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أنني وقعت في حبها، بل يعني أنني وجدت فيها شيئًا يستحق التأمل والتقدير.

فهي بالنسبة إليّ تشبه زهرة شقائق النعمان البرية، حين تظهر بين أعشاب الأرض لتعلن أن الربيع قد بدأ، وكأن الطبيعة قررت أن تترك لنا رسالة صغيرة تقول فيها إن الجمال لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى استئذان كي يلامس أرواحنا.

وتشبه زخات المطر الباردة حين تهبط على يوم حار، فتوقظ في النفس إحساسًا افتقدته طويلًا، أو تشبه أيام الشتاء التي أحبها، حين يتسع للهدوء مكان، وتصبح الأشياء البسيطة أكثر قدرة على ملامسة القلب.

ولعلني كنت أرى فيها شيئًا نفتقده في هذا الزمن؛ نقاءً لا يتصنع البراءة، وطيبًا يسبق صاحبه إلى المكان، وهدوءًا يجعل حضور الإنسان أجمل من كل ما قد يقوله عن نفسه.

كنت ألاحظ حضورها قبل أن تراها عيناي أحيانًا، وكأن النفس تألف بعض التفاصيل حتى تصبح قادرة على تمييزها من بين أشياء كثيرة. وإذا حضرت، كانت ابتسامتها تمنح المكان اتساعًا آخر، وكأنها تجمع في ملامحها شيئًا من دفء العالم، ثم تتركه يمضي معها حين تغادر.

ولم تكن المسألة في ابتسامة عابرة أو حديث جميل فحسب، بل في ذلك الأثر الذي يتركه بعض الناس فينا دون أن يدركوا حجم ما يتركونه. فهناك أشخاص لا يحتاجون إلى فعل استثنائي كي يظلوا في الذاكرة، لأن حضورهم وحده يصبح حدثًا صغيرًا في يوم عادي.

ومع ذلك، لم أكن أرى في هذا كله وعدًا بالحب، ولا كنت أطالبها بأن تفهمني بالطريقة التي أفهم بها نفسي. كنت أعبّر عما أشعر به تجاه حضورها، وأترك للكلمات حقها في أن تكون صادقة وعفوية، دون أن أجعل منها عقدًا يلزم الطرف الآخر بشيء.

فليس كل ما نشعر به ينبغي أن يتحول إلى علاقة، وليس كل ما نعجب به يجب أن ينتهي باعتراف، وليس من الضروري أن نمتلك الأشياء الجميلة حتى نكون صادقين في تقديرها.

 

موقفي من القضية ... قد تكون هي قد رأت في حديثي ما لم أقصده، وربما وضعت كلماتي في سياق مختلف تمامًا عن السياق الذي خرجت منه. وأنا لا أنكر عليها حقها في أن تفهم الأمور وفق ما تراه، ولا أطالبها بأن تتخلى عن حذرها أو تتجاوز حدودها الشخصية من أجل تفسير أقدمه لها.

لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم الآخرين على النوايا التي نفترضها فيهم، وألا نجعل الشك دليلًا قاطعًا على الخطأ، أو نمنح تصوراتنا حقائق لم تثبتها الأفعال.

فكم من كلمة بريئة أُسيء فهمها، وكم من موقف عفوي وُضع في غير موضعه، وكم من إنسان وجد نفسه متهمًا بشيء لم يخطر بباله، فقط لأن الطرف الآخر قرأ الموقف بعين مختلفة.

وإذا كان ما تتصوره عني صحيحًا، أو كان في تصرفاتي ما أوحى إليها بشيء لم أرده، فإن ذلك لا يمنحني حق الاعتراض على مشاعرها أو التقليل من مخاوفها، لكنه يمنحني حقًا إنسانيًا بسيطًا، هو أن أُسمع قبل أن يصدر الحكم عليّ.

فأنا لم أكن أبحث عن فرصة أستغلها، ولا عن باب أتسلل منه إلى حياتها، ولم تكن كلماتي وسيلة للحصول على مقابل. كنت أعبّر بعفوية عن إحساس بالجمال وجدته في إنسانة، وهذا كل ما في الأمر، على الأقل وفق ما أعرفه عن نفسي وما قصدته من حديثي.

والمشكلة أن بعضنا لم يعد يثق ببراءة المشاعر، حتى أصبح يتعامل مع الكلام الجميل وكأنه فخ، ومع الاهتمام وكأنه مطالبة مؤجلة، ومع الإعجاب وكأنه دين ينبغي سداده.

وهكذا نخسر أحيانًا أشياء جميلة قبل أن نعرف حقيقتها، لا لأننا اكتشفنا فيها ما يستوجب الابتعاد، بل لأننا خفنا مما قد يكون وراءها، فاخترنا الحكم بدل السؤال، والانسحاب بدل الحوار، والصمت بدل أن نمنح الحقيقة فرصة للظهور.

 

كيف أراها بعد كل ما حدث ... ما زلت أراها بعين مختلفة عن تلك التي افترضتها، ولم تتحول صورتها في ذاكرتي إلى صورة امرأة كنت أريد الوصول إليها، أو إنسانة كنت أنتظر منها اعترافًا بمشاعري.

أنا أراها كما رأيتها أول مرة؛ إنسانة تحمل من النقاء ما يجعل حضورها مختلفًا، ومن الطيبة ما يجعل ابتسامتها قادرة على ترك أثر في النفس، ومن الجمال ما لا تستطيع الكلمات أن تحيط به.

ولست مضطرًا إلى تحويل هذا الشعور إلى قصة حب كي أبرر وجوده، كما أنني لست مضطرًا إلى إنكار ما شعرت به لمجرد أن أحدًا قد يسيء تفسيره.

فالمشاعر الصادقة لا تفقد قيمتها لمجرد أن الآخرين لم يفهموها، والجمال لا يصبح تهمة لأن أحدهم قرر أن يضعه في موضع الشبهة.

ومع ذلك، فإن احترام الإنسان يبدأ من احترام اختياره؛ فإذا اختارت الابتعاد، فلها ذلك، وإذا لم ترغب في استمرار الحديث، فليس من حقي أن أفرض عليها حضوري. لكن احترام قرارها لا يعني أن أقبل أن تتحول نيتي إلى حقيقة لم أكن أقصدها، أو أن يصبح صمتي اعترافًا بشيء لا أراه في نفسي.

فثمة فرق بين أن تحترم المسافة التي يختارها الآخر، وبين أن تتخلى عن حقك في أن تُفهم على حقيقتك.

 

الذنب الذي اقترفته بحقي ... ربما كان أكثر ما آلمني أنها فهمت ما أرادت أن تفهمه، ثم اتخذت قرارها دون أن تسمعني، وأصبحت تمر وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الأحاديث التي جمعتنا لم تكن سوى تفاصيل عابرة لا تستحق حتى سؤالًا أخيرًا.

ولعل ما وجعني لم يكن ابتعادها بحد ذاته، فالبشر أحرار في اختيار المسافات التي تناسبهم، وإنما ذلك التحول المفاجئ من الألفة إلى التجاهل، ومن الحديث العفوي إلى الصمت، دون أن أعرف كيف انتقلت الحكاية من بدايتها البسيطة إلى هذه النهاية الغامضة.

لقد كانت قد قطعت لي وعدًا بأنها ستكون أول من أراه كل صباح، وربما لم تدرك يومها أن بعض الوعود الصغيرة تترك في النفس أثرًا أكبر من حجمها، لأن قيمتها لا تأتي من الكلمات نفسها، بل من المعنى الذي تمنحه لها قلوبنا.

كنت أنتظر ذلك الصباح الذي أراها فيه كما اعتدت، لا لأطالبها بشيء، ولا لأفتح معها حسابًا عن الماضي، بل لأن الإنسان يألف بعض التفاصيل حتى تصبح جزءًا من يومه، ثم يشعر بفراغها حين تختفي.

لكنني وجدت نفسي أمام غياب لم أفهم سببه، وصمت لا أعرف كيف أفسره، ووعد بقي معلقًا في ذاكرتي، لا أدري إن كان قد قيل بعفوية أم كان يعني لها ما كان يعنيه لي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد لا يكون الإنسان مذنبًا في نظر نفسه، لكنه يجد نفسه متهمًا في نظر غيره، وقد لا يقصد من حديثه سوى أن يعبّر عن جمال رآه، فإذا به يكتشف أن كلماته أصبحت سببًا في مسافة لم يكن يريدها.

ومع ذلك، لا أريد أن أحوّل حكايتي معها إلى محاكمة، ولا أن أجعل من نفسي ضحية كاملة أو منها متهمة لا عذر لها. فربما كان لكل منا ما لم يقله، وربما كانت هناك تفاصيل لا أعرفها، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الحوار كان سيمنح هذه الحكاية فرصة لأن تنتهي بصورة أقل إيلامًا.

فليس من العدل أن نطالب الناس بقراءة ما في قلوبنا، كما أنه ليس من الحكمة أن نقرر ما في قلوبهم دون أن نمنحهم فرصة للكلام.

 

الخلاصة ... بعض الأشخاص لا نحبهم، لكننا نحزن حين نفقد صورتنا في عيونهم

يا صاحبة الهالة، لم أكن أريد أن أجعلك حكاية حب أرويها للآخرين، ولا أن أضيف اسمك إلى قائمة النساء اللواتي مررن في حياة رجل يبحث عن قلب يبادله الشعور. كل ما في الأمر أنني رأيت فيك جمالًا أحببت أن أعبّر عنه، ووجدت في حضورك شيئًا جعل الصباح أكثر لطفًا، فقلت ما شعرت به دون أن أطلب منك شيئًا في المقابل.

لم أكن أريد منك قلبًا، ولا وعدًا، ولا اعترافًا، ولم أكن أبحث عن نافذة أعبر منها إلى حياتك. كنت أريد فقط أن تبقي تلك الصورة الجميلة التي عرفتها، وأن يظل الحديث بيننا مساحة إنسانية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى قصة حب كي تكون لها قيمة.

لكن ما حدث علّمني أن بعض الحكايات لا تنتهي لأن المشاعر ماتت، بل لأنها لم تُفهم منذ البداية، وأن بعض المسافات لا تصنعها الكراهية، وإنما تصنعها فكرة واحدة لم تجد من يسأل عن حقيقتها.

أما وعدك بأن تكوني أول من أرى كل صباح، فقد بقي في ذاكرتي كما بقيت أشياء كثيرة لم تكتمل. وربما لن تعرفي يومًا أنني لم أحزن لأنني فقدت فرصة للحب، بل لأنني فقدت عفوية الحديث، ولأن إنسانة كنت أراها مصدرًا للجمال أصبحت تنظر إليّ من خلف ظنّ لم أستطع تغييره.

وأتعلمين ما الذي يؤلم الكاتب أكثر من كل ذلك؟

أن يقضي عمره محاولًا أن يمنح الكلمات معانيها الحقيقية، ثم يعجز عن إقناع إنسانة واحدة بأن كلماته لم تكن فخًا، وأن الجمال الذي رآه فيها لم يكن مطالبة، وأن إعجابه بحضورها لم يكن ثمنًا ينتظر أن يسترده.

ومع ذلك، لن أندم على أنني رأيت فيك جمالًا، ولن أعتذر عن كلمة صادقة لم تحمل إساءة، ولن أكره ابتسامة كانت تمنح الصباح شيئًا من الضوء.

سأترك لك حق الابتعاد، وأحتفظ لنفسي بحق الشعور، فليس كل ما نحبّه نطلبه، وليس كل من نشتاق إلى رؤيته نريد أن نمتلكه.

و إذا مررتِ بي غدًا، فلن أعاتبك، ولن أسألك لماذا تغيّرتِ، ولن أطالبك بالوفاء لوعد مضى. سأدع الصباح يمضي كما يشاء، لكنني سأعرف أن شيئًا صغيرًا قد تغيّر فيه؛ ليس لأنك لم تعودي أمام عيني، بل لأنني أصبحت مضطرًا إلى إقناع نفسي بأن غيابك لا يعني أن الجمال الذي رأيته فيك لم يكن حقيقيًا.

فبعض الأشخاص يمرّون في حياتنا ليتركوا وراءهم حبًا، وبعضهم يتركون ذكرى، أما أنتِ، فقد تركتِ سؤالًا لا أعرف له جوابًا:

هل أخطأتُ حين عبّرتُ عن جمال رأيته فيكِ، أم أننا أصبحنا نعيش في زمنٍ صار فيه الإنسان يخاف من الكلمة الجميلة، أكثر مما يخاف من قسوة الكلمة الجارحة؟

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

مقال

 

العراق إلى أين؟ (قطع أعناق ولا قطع أرزاق)

تحت عنوان

الماي يغار احمار

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما أوهمونا بأننا نعمل كل شيء بحكم الغيرة، وهنا يجب التفريق بين الغيرة المقترنة بالحسد والغيرة المحمودة. وكل ما قيل مجرد محض افتراء وكذبة كبيرة، وبدأ من أيام كلمة «إيه، الشعب العراقي العظيم».

وخير ما وصف حالتنا اليوم ما جاء في كتاب الله عز وجل في قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، صدق الله العظيم.

وقد يقول أحدكم هنا إن هذه الآية قد نزلت بحق بني إسرائيل، ولكن، لمن لا يعلم، فإن النص الإلهي المتجسد بالقرآن ذو طبيعة متجددة، من باب أن الطبيعة البشرية لا تختلف كثيرًا من شخص لآخر. والسؤال الأهم هنا: ماذا ينتظر العراقيون بشكل عام للتحرك لتغيير واقعهم المرير؟ وهل من المعقول أنهم تحولوا بشكل كامل إلى حالة الاستسلام الشبيهة بحالة الموت السريري؟ وهنا، وفي هذه السطور، سنبحث في الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الحال من خلال ثلاث مراحل.

 

الماضي ... الذي يتجسد ما بين مصطلحين هما الحديد والنار. فمنذ نبوخذنصر، كان منطق القوة الترهيبي هو الأساس في بناء المجتمع على هذه الأرض، وبعدها تعاقبت على المنطقة حقب زمنية لا تقل عنه من ناحية الأيديولوجية.

 

الحاضر... لا يختلف اليوم عن الأمس في تكريس منهجية الإرهاب السلطوي لضمان ديمومة السلطات المتعاقبة، وهذا ما ترك الأثر في ترسيخ حالة من التخاذل والصمت على الانتهاكات بحق المواطن البسيط، ظنًّا منه أن الغد قد يكون أفضل. وهنا أستشهد بمقولة من التراث الشعبي مفادها: «العجي الذي ما يعيش يبين من خراه». وفي هذا القول دلالة على ضرورة وجود دلائل على أن هناك أملًا، ولكن لو نظرت حولك، فلن تجد شيئًا من هذا قد يُذكر.

 

المستقبل ... مجرد أمل بالله أن يعدل الحال، وقد نسوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، صدق الله العظيم.

فالقضية تقترن بالأخذ بالأسباب، أما قضية انتظار المجهول فهي مرفوضة حتى في المفهوم الإلهي، فالله لا يحب المؤمن الضعيف، ويفضل القوي، إذا ما اعتبرنا أن من نتحدث عنهم مؤمنون من الأصل.

 

إلى متى ... يبقى المواطن على هذه الأرض رهينة الأهواء الشخصية لمجموعة المرابين بالدين؟ ولمن لا يعلم، فإن الذين في السلطة اليوم ليس لهم علاقة لا بالدين ولا بمن أنزل الدين، ولكن الأمر أنهم يتخذون من الله حجة لحكم العالم بما تشتهي أنفسهم، ومن يخرج عليهم فقوالب الاتهام جاهزة، لا تحتاج إلى حجة أو دليل، وهذا يُعتبر قمة الذل. وهنا سوف أتكلم بلسانهم، كما يقال، ويأتي السؤال الأهم:

لماذا لم ينتظر الحسين، سلام الله عليه، قضاء الله فيما يخص قضيته؟

وإذا كان الكثير ممن يتخذون من هذه الشخصية قدوةً في قوله وفعله، فأين أنتم من هذا؟

ولنخرج الآن من إطار الدين ونأخذ الأمر من زاوية ثانية، فهناك مقولة: «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، وهنا اقترنت مسببات الرزق بالموت، فلا أجد أبلغ من هذا القول تجسيدًا لما نرمي إليه.

ولكن القضية أكبر مما قد تدركه العقول، فلم يعد أحد يملك الإحساس، وكأننا نعيش في مقبرة مليئة بالأموات؛ فلا تضر الجثةَ نخسةُ الحراب، ولا تراها تطالب بحياة، رغم أن هناك من يعيش حياة مثالية، لكنه يطالب بتطوير الأفضل، وهذا دأب الشعوب الحية.

أما نحن، فقد استطَبْنا العيش في قبور ونحن على قيد الحياة، ولا أعلم ما الذي قد يدفع تلك الأموات إلى النهوض من قبورها والمطالبة بحقها في الحياة. حتى تلك الأقلام والأصوات هنا وهناك تُعتبر مثلها مثل المثل الشعبي: «ضرطة في سوق الصفافير»، حيث يعلو الضجيج فيصمّ أسماع الموتى، فتتحول كل تلك المحاولات إلى ممارسات عبثية لا قيمة لها. ولكن، رغم هذا، ما زلنا نؤمن بأقلامنا فقط؛ لأننا لا نريد أن ننطوي تحت كلمة «أضعف الإيمان». فرحم الله الشاعر القائل: «إما حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدا».

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية التي لا يريد الكثيرون الاعتراف بها، فالمشكلة لم تعد في سلطة تمارس سطوتها على الناس، بل في الإنسان الذي اعتاد سطوة السلطة حتى أصبح يخشى فقدان ما تبقى له من فتات أكثر من خوفه على ضياع مستقبله ومستقبل أبنائه. وهنا تتحول المأساة من فعل يرتكبه الحاكم إلى ثقافة يتبناها المحكوم، فيصبح المظلوم مدافعًا عن ظالمه، والفقير حارسًا لمصالح من تسبب بفقره، والمقهور عدوًا لكل من يحاول كسر القيود التي اعتادها. وهذه هي قمة المهزلة الإنسانية؛ أن يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن المطالبة بحقه جريمة، وأن السكوت عن سرقة مستقبله حكمة، وأن الخوف على لقمة عيشه يبرر له التنازل عن كرامته. ولكن أي لقمة هذه التي تُشترى من كرامة الإنسان؟ وأي حياة تلك التي يقضيها المرء في حساب خطواته وكلماته خوفًا من غضب أصحاب السلطة؟ إن الشعوب لا تموت عندما تجوع، بل تبدأ بالموت الحقيقي عندما تفقد إحساسها بالجوع، ولا تُهزم عندما تُكسر إرادتها بالقوة، بل عندما تقنع نفسها بأن العجز قدر لا مفر منه. أما الذين يتخذون من قطع الأرزاق وسيلة لإسكات الأفواه، فهم لا يدركون أنهم يصنعون بأيديهم أسباب سقوطهم الأخلاقي، لأن السلطة التي تحتاج إلى تجويع الناس كي تضمن طاعتهم ليست سلطة تحترم مواطنيها، بل سلطة تخشى وعيهم. ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه كل عراقي مع نفسه: هل جئنا إلى هذه الدنيا لنعيش عبيدًا لخوفنا، أم لنعيش أحرارًا في وطننا؟ فمن رضي أن يكون ثمن بقائه صامتًا هو كرامته، فلا يلومنّ غدًا من يسرق ما تبقى له، لأن من يتنازل عن حقه مرةً خوفًا على رزقه قد يجد نفسه في النهاية بلا حق ولا رزق ولا كرامة.

فاخرجوا من أجل لقمة عيشكم، أو من أجل مستقبل أبنائكم، أو حتى من أجل إيمانكم، فبقاء هذه السلطة سيؤدي بكم إلى الخروج عن الإرادة الإلهية في الوقت القريب. وأثبتوا لأنفسكم، لمرة واحدة، أنكم تملكون غيرة على أنفسكم ووطنكم، ولا تكونوا مثل الحمار في هذه الحياة.

 

الخلاصة... هنا لن أقول: «خذوني من هنا فقد جردوني من كل شيء»، وأنا باقٍ. وما في هذه السطور اليوم دعوة للخروج عليكم، وغدًا سوف أحلّ للناس رقابكم ودماءكم، فالقاعدة تقول: «قطع أعناق ولا قطع أرزاق».

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

مقال

 

 عملية تركيع القارة العجوز

تحت عنوان

ماذا يحدث هناك؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قبل ولاية السيد ترامب بمدة، كان لي مقال بعنوان (ترامب أعظم ما أنجبت الولايات المتحدة)، ولم يعلم أحد لماذا كُتب هذا المقال بهذا العنوان المستفز، ولكن الحقيقة أنه لم يكن مجرد عنوان مستفز، بل إن القضية أكبر بكثير مما تتصور، عزيزي القارئ.

فالمسألة لم تكن يومًا مرتبطة بشخصية رئيس أو بطبيعة تصريحاته، وإنما بقراءة عقلية سياسية تتعامل مع العالم بوصفه ساحة مصالح، لا ساحة مبادئ، ومع الدول بوصفها أدوات يمكن تحريكها أو الضغط عليها وفقًا لمقتضيات المرحلة. ومن هنا، فإن فهم شخصية ترامب لا يكون من خلال ما يقوله أمام الكاميرات فحسب، بل من خلال ما يمكن أن تحققه سياساته من نتائج على مستوى إعادة توزيع القوة والنفوذ. فهناك فرق كبير بين من يقرأ الحدث بعد وقوعه، ومن يحاول قراءة الغايات التي قد تقف خلف صناعته.

هناك مثل عربي مفاده: (الذي ما يجي بذهب الوالي يجي بسيفه)، وهذا ما انتهجه قادة أمريكا، وما تراه اليوم من ممارسات الفوضى والشغب التي تملأ شوارع العواصم الأوروبية لم يكن حدثًا عارضًا كما يظن الكثيرون، ولكن الأمر برمته مرتبط بالمواقف الأوروبية تجاه حرب الخليج الأخيرة، وحالة الرفض للدخول في مغامرات الرئيس الأمريكي.

إن سياسة إخضاع الدول لا تقوم دائمًا على استخدام القوة العسكرية المباشرة، فهناك وسائل أخرى قد تكون أشد تأثيرًا وأطول عمرًا، تبدأ بالضغط الاقتصادي، ولا تنتهي بإشعال الخلافات الداخلية واستثمار الأزمات الاجتماعية. فالدولة التي لا تستطيع إرغامها على اتخاذ موقف معين بالقوة، قد تحاول دفعها إلى ذلك من خلال جعل كلفة الرفض أعلى من كلفة الاستجابة. وهنا تكمن خطورة السياسة عندما تتحول المصالح الاقتصادية إلى أدوات ضغط، وتصبح الأزمات الداخلية جزءًا من معادلة الصراع الخارجي. ومع ذلك، فإن ربط الاضطرابات التي تشهدها أوروبا بجهة خارجية محددة يحتاج إلى أدلة، لأن الفوضى قد تكون نتيجة أسباب داخلية أيضًا، وقد تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في صناعة الحدث.

 

المؤشرات ... نرى ونسمع منذ شهور التقلبات في موقف الإدارة الأمريكية بشأن حسم الصراع الدائر في الخليج، وقد يعزو الكثير من المحللين الأمر إلى إنهاك القوات الأمريكية في الحرب، وهذا غير صحيح. ولكن، لو نظرت إلى الأمر من زاوية ثانية، لأدركت أن السيد ترامب ينتظر أمرًا يستند إلى استمرار حالة غلق المضائق، ففي زوايا البيت الأبيض، كل شيء بقدر.

إن الحروب لا تُقاس دائمًا بما تحققه الجيوش على الأرض، وإنما بما تتركه من آثار على الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من خيارات على الدول التي تجد نفسها أمام أزمات متلاحقة. فالمضائق البحرية ليست مجرد ممرات تعبر من خلالها السفن، بل شرايين اقتصادية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وأي اضطراب فيها يمكن أن يتحول إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة التي تشهد الصراع. ومن هنا، فإن قراءة الأحداث تتطلب النظر إلى المصالح التي قد تنتج عن استمرار الأزمة، لا إلى نتائج المواجهة العسكرية وحدها. ولكن الاستفادة من أزمة لا تعني بالضرورة أن المستفيد هو من صنعها، وهذه نقطة لا بد من التمييز بينها عند تحليل المشهد السياسي.

ولا تظن، كما يُروَّج عن الرئيس الأمريكي، أنه شخص معتوه صاحب قرارات غير مدروسة، وقد يسأل أحدكم هنا: ما الذي ينتظره من القارة العجوز، وهي تعاني أصلًا من عجز مالي (المشاركة العسكرية)؟

نعم، فالعقلية التي يُدار بها العالم اليوم، والتي وصفتها منذ زمن، هي عقلية تاجر العقارات، والتي تُعرف عند العامة بـ(الدلّال). ولو عدنا إلى قراءة هذه الشخصية، فسوف تجد أنها لا تملك قواعد أخلاقية تجاه مسألة الربح، وهذا معروف عند العامة. ومن هذا المنطلق، كان لا بد من معاقبة القارة العجوز بإقامة حلف عسكري شامل، وها نحن نرى النتائج.

إن عقلية التاجر عندما تنتقل إلى إدارة العلاقات الدولية، قد تجعل الربح والخسارة المعيار الأول في تحديد المواقف، حتى لو كان الثمن اضطراب علاقات تاريخية أو إضعاف حلفاء سابقين. فالحليف الذي لا يحقق المنفعة المطلوبة قد يتحول، في هذه العقلية، من شريك إلى عبء، ومن طرف يستحق الحماية إلى طرف ينبغي الضغط عليه كي يدفع ثمن الحماية أو يتحمل كلفة قراره المستقل. وهنا لا تعود التحالفات قائمة على الثقة وحدها، بل تصبح أقرب إلى العقود التجارية التي يمكن إعادة التفاوض عليها كلما تغيرت المصالح. غير أن خطورة هذه العقلية لا تكمن في تحقيق المكاسب الآنية فحسب، وإنما في أنها قد تهدم الثقة التي تحتاج إليها الدول لبناء استقرار طويل الأمد. فالدولة التي تجعل مصالحها فوق جميع الاعتبارات قد تكسب جولة، لكنها قد تخسر ثقة حلفائها في الجولات القادمة.

 

أمريكا لا تكذب ... ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن بسبب أنهم هم من يصنعون الحدث، وهم من يختارون الزمان والمكان. فعندما قالوا إنهم سوف يسقطون النظام في العراق، كانت هناك سنوات تفصل بين التصريح وحدوث ذلك، وهذا بسبب ضمان إنهاك العامة وإضعاف المقاومة في حال وجودها، وهذا ما حصل.

وقبل سنة، قالوا إنهم سوف يسقطون النظام الإيراني وحلفاءه في المنطقة، ولهذا أقول لسياسيي الصدفة: احزموا حقائبكم، وسوف يحدث هذا، وسوف يكون هناك حلف على خلفية الأحداث التي تشهدها أوروبا اليوم. فالمسألة مسألة وقت لا أكثر، وتذكروا هذه الكلمات.

إن أخطر ما في القوة الدولية ليس قدرتها على تنفيذ قرار عسكري فحسب، وإنما قدرتها على جعل الآخرين يعيشون تحت ضغط التوقع المستمر لما قد يحدث. فالتصريح السياسي قد يتحول إلى أداة ضغط قبل أن يتحول إلى فعل، والتهديد قد يحقق بعض أهدافه من خلال دفع الخصم إلى إعادة حساباته، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة. وعندما تعيش الدول في حالة انتظار وقلق، فإنها قد تتخذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف طبيعية، وقد تنفق مواردها على الاستعداد للخطر بدلًا من توجيهها إلى التنمية والاستقرار. وهذه إحدى صور الهيمنة التي لا تحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض، لأنها قد تبدأ بالسيطرة على حسابات الآخرين، وتنتهي بالتأثير في خياراتهم. لكن التاريخ لا يسير وفق جدول زمني ثابت، والتصريحات السياسية لا تكفي وحدها لإثبات أن كل ما يُعلن سيتحقق بالصورة نفسها التي رُسمت له.

ولهذا أقول لسياسيي الصدفة: إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة هو أن تتعامل مع الأحداث بعقلية رد الفعل، وأن تنتظر حتى تقع الكارثة لتبدأ البحث عن أسبابها. فالسياسة ليست مجرد تصريحات تُطلق في المؤتمرات، ولا مواقف تُتخذ تحت ضغط الشارع، وإنما قدرة على قراءة المصالح وتقدير النتائج قبل وقوعها. ومن لا يمتلك مشروعًا مستقلًا لحماية مصالح بلاده، سيجد نفسه في نهاية المطاف جزءًا من مشروع يضعه الآخرون، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.

 

نحن أمام حدث جلل ... يُروّج الكثيرون أننا على أعتاب الحرب العالمية الثالثة، وهذا غير صحيح، فليس من مصلحة الحكومة الخفية اليوم خراب الأرض، ولكن أصحاب مشاريع الهيمنة العالمية يُعِدّون لإعادة تغيير الخرائط على الأرض، ونحن اليوم بتنا قريبين جدًا من عصر المقاطعات الذي حذّرت منه من قبل، وهذا يعني صهر مفهوم الدولة وتقسيم المجتمع المُجزّأ لغرض السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية.

إن السيطرة على العالم لا تعني بالضرورة أن يرفع طرف ما علمه فوق جميع العواصم، فهذه صورة تقليدية للهيمنة تجاوزتها أشكال كثيرة من الصراع الحديث. فقد تصبح السيطرة أكثر فاعلية عندما تتحول الدول إلى كيانات عاجزة عن اتخاذ قراراتها الاقتصادية بصورة مستقلة، أو عندما تصبح مواردها مرتبطة بإرادة قوى خارجية، أو عندما تنشغل مجتمعاتها بصراعات داخلية تستنزف طاقاتها وتمنعها من بناء مشروع وطني جامع. وعندها قد تبقى الحدود مرسومة على الخرائط، وتبقى الأعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية، لكن القرار الحقيقي يصبح موزعًا بين مراكز قوة لا تخضع بالضرورة لإرادة الشعب. وهنا تكمن خطورة تفكيك مفهوم الدولة، لأن الدولة ليست حدودًا جغرافية فقط، بل مؤسسات وسيادة وهوية ومصالح مشتركة.

أما الموارد الطبيعية، فهي في كثير من الأحيان جوهر الصراع الذي تختبئ خلفه الشعارات الكبرى. فكم من أزمة رُفعت فيها رايات الأمن والاستقرار، بينما كانت المصالح الاقتصادية حاضرة في حسابات الأطراف المتصارعة؟ وكم من دولة امتلكت ثروات هائلة، لكنها عجزت عن تحويل تلك الثروات إلى قوة حقيقية بسبب ضعف مؤسساتها وتنازع القوى على قرارها؟ إن امتلاك الثروة لا يعني امتلاك القوة بالضرورة، لأن القوة الحقيقية تبدأ من قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية قرارها، وتنتهي بقدرتها على منع الآخرين من تحويل حاجتها الاقتصادية إلى وسيلة لإخضاعها.

 

الحلول الاقتصادية بطعم الحرب ... سوف يجد القادة في أوروبا أنهم أمام خيار وحيد للخروج من هذا المأزق، ليأتي الحل من أروقة البيت الأبيض بتشكيل حلف لفتح المضائق وتلقين درس لكل من تسوّل له نفسه اللعب مع الكبار، كما يصفون أنفسهم. عندها سوف يكون هناك حسم قاسٍ، لا رحمة فيه لأحد، وسوف تكون هناك أسماء لدول لم نسمع بها من قبل، برعاية أوروبية، وكأن الأمر برمته، في نظر الإدارة الأمريكية، كالمثال القائل: (بحجة بيبي تاكل ماما).

إن أخطر الحلول السياسية هي تلك التي تُقدَّم للدول على أنها المخرج الوحيد من أزماتها، لأن الدولة عندما تصل إلى مرحلة الاعتقاد بأنها لا تملك سوى خيار واحد، تكون قد فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على المناورة واتخاذ القرار المستقل. وقد تبدأ المسألة بأزمة اقتصادية، ثم تتحول إلى حاجة أمنية، وبعدها يصبح التدخل العسكري، الذي كان مرفوضًا بالأمس، حلًا مقبولًا تحت ضغط الضرورة. وهنا تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، ويصبح السؤال الحقيقي: من الذي سيدفع الثمن، ومن الذي سيحصد النتائج؟ فالدول التي تدخل التحالفات وهي تعتقد أنها تحمي مصالحها قد تجد نفسها، في بعض الحالات، تتحمل أعباءً تفوق المكاسب التي حصلت عليها، بينما تكون القوى الأكثر نفوذًا قد رتبت حساباتها بطريقة تضمن لها مساحة أوسع للحركة.

وليس من الضروري أن تكون كل التحالفات مؤامرات، أو أن يكون كل تعاون عسكري مقدمة للهيمنة، ولكن الخطأ يبدأ عندما تتعامل الدول مع التحالف بوصفه ضمانة مطلقة، من دون أن تسأل عن حدود التزاماتها، وعن طبيعة الأهداف التي تسعى إليها الأطراف الأخرى. فالسيادة لا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الدولة، وإنما بقدرتها على معرفة ما الذي تريده من تلك الاتفاقيات، وما الذي تستطيع رفضه عندما تتعارض مع مصالحها الوطنية. أما الدول التي تدخل الصراعات من دون حساب دقيق للعواقب، فقد تجد نفسها تدفع فاتورة قرارات لم تكن صاحبة القرار الأول في اتخاذها.

 

الخلاصة ... الكارثة الاقتصادية التي سوف تغيّر وجه العالم، وهذا ما حذّر منه الكثير من الخبراء الاقتصاديين منذ عقود، حيث سوف تكون هناك صورة للعالم لم نعرفها من قبل. وفي النهاية، نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، فالشر أصبح في كل مكان، وتحول فيه الإنسان إلى الصور التي نشاهدها اليوم على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي: (بشر فوضوي) يسرق وقد يقتل، والله المستعان على ما يفعلون بنا.

إن العالم لا يتغير فقط عندما تتحرك الجيوش أو تتبدل الحكومات، بل يتغير أيضًا عندما تنهار الثقة بين الدول، وتتحول المصالح المشتركة إلى أدوات ابتزاز، ويصبح الاقتصاد سلاحًا يُستخدم لإجبار الشعوب على قبول ما لم تكن لتقبله في الظروف الطبيعية. وعندها لا تكون الكارثة في ارتفاع الأسعار أو تراجع العملات وحدهما، بل في اتساع الفجوة بين من يملكون القدرة على توجيه الأحداث ومن يتحملون نتائجها. فالشعوب التي لا تشارك في صناعة القرار غالبًا ما تكون أول من يدفع ثمنه، بينما يبقى أصحاب المصالح بعيدين عن مشاهد المعاناة التي تتركها قراراتهم.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أن العالم لا تحكمه النوايا المعلنة وحدها، وإنما تحكمه المصالح وموازين القوة، وأن الوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لحماية المجتمعات من التلاعب بمصائرها. فلا يكفي أن ننتظر ما سيحدث، بل علينا أن نفهم لماذا يحدث، ومن المستفيد منه، وما الثمن الذي ستدفعه الشعوب. نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، وأن يجنب البشرية شرور الحروب والفوضى، لأن الإنسان الذي يفقد إنسانيته في صراع المصالح يصبح أخطر من السلاح الذي يحمله، والله المستعان على ما يفعلون بنا.

مقال

  شخصية الكرته في المجتمع تحت عنوان أعوان السلطة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين كثيرًا ما يُطرح اليوم السؤال: لماذا تكثر من ...