قراءة في الدراما التاريخية التركية
تحت عنوان
دائرة التوجيه القومي
في الآونة الأخيرة ظهرت مجموعة من الأعمال الدرامية التي
تُقدَّم بوصفها توثيقًا تاريخيًا لحقبة معينة من تاريخ الأتراك، ولا سيما المرحلة
التي سبقت قيام الدولة العثمانية، مثل Alparslan: Büyük
Selçuklu وKuruluş: Osman.
ولكل عملٍ من هذه الأعمال ميزاته وعيوبه، واليوم سيكون
حديثنا استعراضًا لما قد لا يدركه المشاهد من باب القراءة الفنية، ومن زاوية بعيدة
عمّا أراد صنّاع العمل تمريره أو توجيهه للمتلقي، ولنبدأ من قضية التحشيد لفكرة
القومية تحت غطاء التدين.
فكرة القومية ... جنّدت هذه الأعمال جميع إمكانياتها النصية والفنية لصالح
ترسيخ بعض المصطلحات والتركيز عليها، مثل: (قبيلة الكاي)، (الأتراك)، (التفاحة
الحمراء)، و(الدم الأزرق)، وجميع هذه المفاهيم تصب في مجرى واحد، وهو تعزيز الروح
القومية. وتنقسم هذه المصطلحات إلى قسمين: الأول ذو جذور تاريخية حقيقية، والثاني
جاء بصيغة تعزيزية تخدم الخطاب الدرامي. وقد يرى الكثير من المتابعين أن ما يُطرح
يمثل روايات تاريخية معتمدة بالكامل، إلا أن ذلك لا يعكس بدقة الواقع المكتوب لتلك
المرحلة الزمنية.
القواعد التي ارتكز عليها العمل
بناء شخصية البطل ... اعتمدت هذه الأعمال منذ البداية على خلق صورة خارقة
للبطل، سواء في شخصية ألب أرسلان أو عثمان المؤسس، من خلال منحهما صفات بشرية
تتجاوز حدود المألوف. فلم يطرح المسلسل، على سبيل المثال، معركة حقيقية خسرها
الأبطال بصورة واضحة ومؤثرة، والهدف من ذلك هو صناعة ما يُعرف بالمساحة المعرفية
في العقل الباطن للمتلقي، لترسيخ صورة الرجل الذي لا يُهزم.
توظيف البعد الديني ... وهنا يُحسب للعمل نجاحه في توظيف العديد من المصطلحات
الدينية، مثل الخطاب الإسلامي المرتبط بالصوفية، والقيم المنحدرة منها، إلى جانب
مفاهيم الجهاد والعدالة، وكلها استُخدمت لاستثارة المشاعر الإسلامية لدى المشاهد
بصورة مباشرة، وقد جرى التركيز عليها بشكل مكثف وواضح.
اللعب على الإيقاع العاطفي ... اعتمدت هذه الأعمال على عناصر مثل: (الخيانة، الانتقام،
الولاء، الحب، والتضحية)، وقد تم توظيفها بحرفية عالية، مما منح العمل مشاهد
درامية ذات جودة بصرية مرتفعة، وأسهم في صناعة حالة من التفاعل العاطفي المستمر
لدى المشاهد.
أما نقاط الضعف التي عانى منها العمل
الانتقائية ... وقد يصل الأمر أحيانًا إلى مستوى التزييف الجزئي
للحقائق، إذ تناولت هذه الأعمال الحقب التي تخدم التوجهات السياسية الحديثة
للدولة، وهو ما قد يُضعف الصيغة المقدمة للرواية التاريخية، ويجعلها أقرب إلى
إعادة إنتاج الماضي بما يخدم الحاضر.
تجميل الواقع ... لم تتناول هذه الأعمال جانبًا مهمًا من الصراعات
العائلية والسياسية، وأظهرت الكثير من النزاعات على أنها مجرد حالات خيانة فردية،
بدلًا من كونها صراعات حقيقية على السلطة والنفوذ، ولهذا نجد أن هناك أحداثًا
تاريخية وحقبًا زمنية كاملة لم يتم التطرق إليها عمدًا.
اختزال الثنائيات ... المتابع لهذه الأعمال سيلمس وجود صراع واحد يكاد يتكرر
بصورة دائمة، وهو ثنائية: (المؤمن مقابل الخائن)، بينما تم التغاضي عن الكثير من
الثنائيات الإنسانية الأخرى، مثل الحب والكراهية، والرغبة في السلطة والزهد فيها،
الأمر الذي أدى إلى اختزال شخصيات عديدة داخل قوالب جامدة، رغم أن الواقع التاريخي
أكثر تعقيدًا واتساعًا.
التكرار الدرامي وصناعة القدسية للشخصيات ... تشابهت أغلب الأعمال المقدمة في مجموعة من المشاهد
المتكررة، مثل: (جاسوس القبيلة، الخائن المقرّب، المعركة الأخيرة، والبطل الذي لا
يُهزم)، وهذا التكرار كوّن صورة ذهنية ثابتة لدى المتلقي، وجعل الكثير من الأحداث
متوقعة قبل وقوعها، مما أفقد المشاهدة جزءًا من عنصر المفاجأة والإثارة.
الصراعات النسوية ... لم يخلُ عمل واحد من الصراعات النسوية، وقد لجأ كثير من
المخرجين إلى هذا العنصر لكسر رتابة سير الأحداث. إلا أن هذه الصراعات انحصرت
غالبًا في مفاهيم محددة مثل: (الوفاء، البكاء، والتحريض)، في حين أن تاريخ الأتراك
والسلاجقة والعثمانيين يضم شخصيات نسائية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا مما قُدِّم
دراميًا.
وهناك جانب آخر لم تنتبه له هذه الأعمال بصورة مباشرة،
وهو صناعة العدو المثالي، فكل عمل درامي من هذه الأعمال لم يكن يكتفي ببناء صورة
البطل فقط، بل كان يعمل بالتوازي على بناء صورة العدو بصورة تجعل المتلقي يقتنع أن
الطرف المقابل لا يحمل أي بعد إنساني أو فكري، بل مجرد أداة للشر المطلق.
ولهذا نجد أن الروم، والمغول، وحتى بعض الشخصيات
الإسلامية المعارضة، جرى تقديمهم غالبًا ضمن قوالب جاهزة تقوم على الخيانة
والوحشية والمؤامرة، بينما تم إهمال الأبعاد السياسية والفكرية الحقيقية للصراعات
التي كانت قائمة في تلك الفترات، وكأن التاريخ لم يكن سوى معركة بين الخير المطلق
والشر المطلق.
كذلك اعتمدت هذه الأعمال على ما يمكن تسميته
بـ"الذاكرة الانتقائية للمشاهد"، فهي لا تقدم الحدث التاريخي كاملًا، بل
تمنح المتلقي أجزاءً محددة منه، ثم تترك العقل يربط بينها بصورة عاطفية لا
عقلانية.
ولهذا ترى أن كثيرًا من المشاهد خرجوا من هذه الأعمال
وهم يحملون قناعة تاريخية راسخة، رغم أن أغلب ما شاهدوه كان قائمًا على المعالجة
الدرامية لا على النصوص التاريخية الدقيقة.
ومن النقاط المهمة أيضًا أن هذه الأعمال نجحت في خلق
حالة من الربط النفسي بين الماضي والحاضر، فالمشاهد لا يتابع قصة تاريخية فقط، بل
يشعر بصورة غير مباشرة أن ما جرى بالأمس ما زال مستمرًا اليوم، وأن المعارك
القديمة تحولت إلى رسائل سياسية وثقافية حديثة، وهذا ما يفسر حجم الاهتمام الرسمي
والإعلامي الكبير بمثل هذه الأعمال داخل تركيا وخارجها.
أما من الناحية الفنية، فقد اعتمدت هذه المسلسلات على
الإبهار البصري بوصفه وسيلة لإخفاء بعض الثغرات النصية، فالموسيقى الحماسية،
وزوايا التصوير، وحركة الكاميرا، وتصميم الأزياء، والمعارك الضخمة، كلها عناصر
لعبت دورًا كبيرًا في دفع المشاهد إلى التفاعل العاطفي مع الحدث دون التوقف كثيرًا
عند منطقية بعض التفاصيل أو دقتها التاريخية.
وهناك نقطة أخيرة قد تكون الأخطر، وهي أن هذه الأعمال لم
تقدم التاريخ بوصفه مادة للقراءة أو النقاش، بل قدمته على شكل يقين مطلق، وهذا ما
يجعل المشاهد يتحول من متابع لعمل درامي إلى مدافع أيديولوجي عن شخصيات وأحداث قد
لا يعرف عنها سوى ما قدمه له النص التلفزيوني، وهنا تتحول الدراما من فن بصري إلى
أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة هادئة ولكن شديدة التأثير.
الخلاصة ... لا أعتقد أن أخطر ما فعلته هذه الأعمال هو
تزوير بعض الوقائع أو تجميل صورة بعض الشخصيات، بل الكارثة الحقيقية أنها نجحت في
تحويل المشاهد من إنسان يقرأ التاريخ إلى إنسان يستهلكه بصريًا دون أن يفكر به.
لقد صنعت هذه الدراما أجيالًا تحفظ أسماء السيوف أكثر
مما تحفظ أسماء العلماء، وتبكي على موت شخصية خيالية أكثر مما تتألم على سقوط أمة
كاملة في الجهل والتخلف.
المشكلة لم تعد في مسلسل يروي قصة عثمان أو ألب أرسلان،
بل في عقلٍ بات يصدق أن التاريخ يُختصر ببطل لا يُهزم، وخائن يجب قتله، وراية لا
تسقط، بينما الحقيقة أن أغلب الإمبراطوريات لم تسقط بسبب الأعداء، بل بسبب
الأكاذيب التي كانت ترويها لنفسها.
هذه الأعمال لم تقدّم التاريخ… بل قدّمت مخدرًا قوميًا
فاخرًا، مغلفًا بالدين والعاطفة والموسيقى الحماسية، حتى أصبح المشاهد يصفق
للدراما وهو يظن أنه يقرأ التاريخ، بينما هو في الحقيقة يشاهد نسخة معاد تصنيعها
لتخدم وعيًا جديدًا لا علاقة له بالماضي بقدر علاقته بالسيطرة على الحاضر وصناعة
المستقبل.
والأخطر من كل ذلك، أن الأمة التي تتحول ذاكرتها إلى
مسلسل، ستستيقظ يومًا لتكتشف أن أبطال الشاشة انتصروا في كل المعارك… إلا المعركة
الحقيقية التي خسرها الواقع.





