العراق والأزمات وبلد
المناشدات
تحت عنوان
المسؤولون يقبعون خلف
أبواب موصدة
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
شيءٌ محزن أن ترى
الكثير من أبناء البلد اليوم يمضون نحو أسلوب المناشدات المهينة؛ فمرةً يظهر أحدهم
يناشد مجلس القضاء الأعلى، وآخر يناشد رئيس الوزراء، حتى يصل الحال إلى مناشدة
أصحاب الأموال، وكل هذا يدخل في باب الاستجداء. وهنا يكون السؤال الأهم في
الموضوع: ما الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟
وهنا تكون الإجابة
المختصرة: المسؤول، باختلاف صفاته الوظيفية، من أعلى الهرم إلى أصغر مسؤول في
الدولة. ولهذا كتبت هذه السطور للتعرّف على الكيفية التي ساهم بها هؤلاء في هدم
شخصية المواطن وإذلالها بصورة مهينة.
مسؤولية الشرطي وشرطية
المسؤول ... يبدو لنا في هذه الأيام أن المسؤول لم يقرأ من قبل البيت الشعري:
لا تنهَ عن خُلُقٍ
وتأتيَ مثلَهُ
عارٌ عليك
إذا فعلتَ عظيمُ
ومن خلال ما نلمسه في
حياتنا اليومية، نجد أنهم ينتهجون آليات النظام السابق في التعامل مع المجتمع
العراقي، من خلال إشغاله بخلق أزمات متلاحقة يُقصد منها إبعاده عن المساوئ التي
تقوم بها السلطة الحالية. ويبدو أننا في العراق لا نملك قرارًا ملزمًا على جميع
الأصعدة المتعلقة بالمسؤولية، فالجميع يتعامل مع المنصب بنظرية: "الذي
تغلّبوا العبوا". وهذا ما حوّل جميع المسؤولين إلى دمى خشبية لا تملك أدنى
شعور بالمسؤولية تجاه المواطن، فتحول الجميع من مصادر لاتخاذ القرار إلى مجرد
سلطات تنفيذية تعمل بما يُملى عليها، بغض النظر عن المصلحة العامة.
المناشدة والسقوط في
مستنقع الإهانة ... قد يرى الكثير أن المناشدة أمرٌ طبيعي عندما يصل الحال بأحدهم
إلى طريق مسدود، ولكن هنا يجب التنويه إلى أن الطريق ليس هو المسدود، بل إن أبواب
المسؤولين هي المسدودة بوجه المواطن، مما يخلق هوةً كبيرة بين الطرفين، ويدفع
الثاني إلى البحث عن سبل للمطالبة بحقوقه من خلال وسائل خارجة عن مسار العقل
والمنطق.
فلو كان المسؤول يعرف
معنى الحقوق والواجبات لما أقدم على إغلاق بابه بوجه أحد. فالكثير منهم اليوم
يستبسل في المطالبة بالواجبات، حتى يتحول إلى شرطي يقف على أبواب الدوائر الرسمية
للبحث عما قد يراه، من وجهة نظره، تقصيرًا. أما الحقوق فلها شأن آخر، إذ تتطلب المطالبة
المستمرة والإلحاح، واتباع أساليب التذلل للمسؤول لكي يفكر فقط في النظر إلى ما هو
حق لك.
وقد يكون هذا الفعل
نابعًا من اعتقاد الذين يمسكون بزمام الأمور أن المسؤولية، من وجهة نظرهم، تقتضي
أن يبقى المواطن محتاجًا إليهم طوال الوقت، ليشعروا أنهم مسؤولون، لأن الكثير منهم
لا يصدق نفسه عندما يجلس على كرسي المنصب، فيتعامل معه بوصفه امتيازًا شخصيًا لا
تكليفًا وطنيًا، فيغلق الأبواب بدل أن يفتحها، ويصنع الحواجز بدل أن يزيلها.
المضمون ... أن أخطر ما فعله المسؤول في العراق ليس
الفساد ولا سوء الإدارة ولا حتى ضياع الأموال، بل إنه نجح في تحويل المواطن من
صاحب حق إلى صاحب مناشدة. وبين الكلمتين فرق شاسع؛ فصاحب الحق يقف مرفوع الرأس
لأنه يطالب بما كفله له القانون، أما صاحب المناشدة فيقف منكسرًا وهو ينتظر رحمة
من شخص يفترض أنه موظف عند الشعب لا سيدٌ عليه.
لقد اعتاد المواطن العراقي أن يرى أبواب المسؤولين
مغلقة، وهواتفهم صامتة، ومكاتبهم محاطة بطبقات من الحمايات والسكرتارية والمواعيد
المؤجلة، حتى أصبح الوصول إلى مسؤول يشبه الوصول إلى كنز مفقود. وعندما يفشل في
الوصول إليه يبدأ رحلة المناشدات، وكأن الحصول على حقه يحتاج إلى معجزة أو شفاعة
أو وساطة أو ظهور إعلامي يثير تعاطف الناس.
والكارثة الحقيقية أن هذا المشهد تكرر حتى أصبح أمرًا
طبيعيًا في نظر المجتمع. فلم يعد أحد يستغرب أن يناشد مريضٌ من أجل العلاج، أو
طالبٌ من أجل مقعد دراسي، أو موظفٌ من أجل راتب، أو عائلةٌ من أجل سقف يأويها.
وكأن الدولة لم تعد مؤسسة تقوم على الحقوق والواجبات، بل تحولت إلى منصة كبيرة
للمناشدات، يتسابق فيها الناس على عرض مآسيهم أملاً في أن تقع عيون أحد المسؤولين
عليها.
وهكذا يُقتل الإنسان مرتين؛ مرةً عندما تُسلب حقوقه،
ومرةً عندما يُجبر على استجدائها أمام الناس. وما من إهانة أشد على المواطن من أن
يتحول حقه المشروع إلى منّةٍ يتفضل بها عليه مسؤول جاء إلى المنصب لخدمته لا
للتعالي عليه.
الخلاصة ... أقول لكل مسؤول أغلق بابه بوجه الناس، ولكل
من ظن أن المنصب حصنٌ يحجبه عن أصوات المظلومين، ولكل من اعتقد أن المواطن خُلق
ليقف على أعتابه متوسلًا لا مطالبًا بحقه: إن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم ليس
ملكًا لك، والسلطة التي بين يديك ليست إرثًا عائليًا، والمنصب الذي تتباهى به ليس
أكثر من تكليف مؤقت سرعان ما ينتهي، ويبقى بعده ما قدمته للناس أو ما اقترفته
بحقهم.
تذكر جيدًا أن أخطر ما يمكن أن يصنعه المسؤول ليس أن
يسرق مالًا أو يهدر فرصة، بل أن يقتل في نفوس الناس إيمانهم بالدولة، وأن يدفعهم
إلى الاعتقاد بأن الحقوق لا تُنال إلا بالمناشدات والوساطات والتذلل. وعندما يصل
المواطن إلى هذه القناعة فإنك لا تكون قد فشلت في إدارة مؤسسة فحسب، بل تكون قد
ساهمت في هدم وطن بأكمله.
فلا تفرح اليوم بطوابير المنتظرين أمام مكتبك، ولا بكثرة
المتوسلين على أبوابك، لأن ذلك ليس دليلًا على عظمتك، بل شهادة دامغة على فشل
المؤسسة التي تديرها. المسؤول الناجح هو الذي تختفي في عهده المناشدات، أما
المسؤول الفاشل فهو الذي تتحول صورته إلى آخر أمل للمواطن بعد أن تُغلق جميع
الأبواب.
وحين يكتب التاريخ يومًا ما قصة هذا الزمن، فلن يسأل كم
حارسًا كان يقف على بابك، ولا كم موكبًا كان يرافقك، ولا كم لقبًا سبق اسمك، بل
سيسأل سؤالًا واحدًا فقط: ماذا فعلت للناس عندما كنت قادرًا على خدمتهم؟ وعندها لن
تنفعك المكاتب الموصدة، ولن تتحدث عنك المناصب، بل ستتكلم عنك دموع من تجاهلتهم،
وحقوق من عطلتها، وأبواب أوصدتها في وجوه من كان ينبغي أن تفتحها لهم.






