لا
تجعلوا من دينكم مادة درامية
تحت عنوان
فيلم (Ali – HZ) من إنتاج
الذكاء الاصطناعي
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
لا تجعلوا من دينكم
مادة مطاطية، فتقوى الله لعلكم ترحمون. لا ضرر من توظيف أداة الذكاء الاصطناعي
كعامل مساعد، كأي نوع من اختراعات العصر الحديث، وكل اختراع ظهر علينا له أوجه
عديدة، يكون معيارها نابعاً من قناعات التوظيف لتلك الأداة.
ففي صباح هذا اليوم،
وأنا أتصفح مواقع الإنترنت كعادتي، ظهر أمامي على اليوتيوب فيلم بعنوان (علي)،
كرّم الله وجهه، باللغة الإنكليزية. والحقيقة أن المضمون استفزني، ومن خلال
المشاهدة أدركت خطورة ذلك العمل، ومن شرع في إنتاجه عبر تلك الأداة. فالحكاية، كما
يعلن العنوان، قصة أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في الرعيل الأول للدعوة. فالموضوع
بحد ذاته مثير للجدل في يومنا هذا، وأنا لست أوجّه اعتراضي على تناول هذه الشخصية
على وجه التحديد، لا سامح الله، ولكن اعتراضي على ما أُضيف من ترميزات أو قضايا
بعيدة عن الروايات التاريخية.
ليس كل ما يمكن إنتاجه
تقنياً يصبح مقبولاً فكرياً، فهناك فارق كبير بين حرية الإبداع وبين العبث
بالحقائق التاريخية. فالإبداع لا يعني أن نمنح أنفسنا صلاحية إعادة تشكيل الماضي
وفقاً لما تفرضه مخيلتنا، ولا أن نحول الشخصيات التي صنعت صفحات التاريخ إلى نماذج
درامية تخضع لمزاج المنتج أو المخرج. فالتاريخ ليس مساحة مفتوحة للتجارب،
والشخصيات التاريخية ليست دمى يمكن تحريكها كيفما نشاء.
الإساءة إلى شخصية
الإمام... يُظهر العمل شخصية الإمام على أنه منذ الصغر لم يتمتع بالأخلاقيات
الاجتماعية، من خلال دخوله في مجادلات مع من هم أكبر منه، وهذا ما يتنافى مع
الواقع التاريخي. فشخصية بحجم الإمام (علي)، كرّم الله وجهه، لا يجب التعامل معها
بهذه الطريقة، ولمن لا يعرف، فإن الشخصية المطروحة في هذا العمل لها في صفحات
التاريخ ما لم يُكتب لأحد بعد الأنبياء والرسل. وما طُرح في مجريات العمل غير
مقبول، لا شكلاً ولا مضموناً.
المشكلة الحقيقية أن
الصورة المرئية أصبحت اليوم أكثر تأثيراً من النص المكتوب، فالمشاهد الذي لا يمتلك
خلفية تاريخية قد يتعامل مع تلك المشاهد باعتبارها حقائق ثابتة، لا مجرد تصورات
درامية. وهنا تكمن الخطورة، لأننا لا نتحدث عن عمل ترفيهي ينتهي بانتهاء المشاهدة،
بل عن صورة ذهنية قد تستقر في عقول أجيال لا تملك القدرة على التمييز بين الرواية
التاريخية والتصور المصنوع بواسطة التقنية.
الترميز والمؤثرات
المرئية... ما لفت انتباهي في العمل هو (المسبحة) التي ظهرت بيد أبي طالب، والد
الإمام، في مشهد حواري دار بين الإمام ووالده ما قبل الدعوة، وفي هذا نوع من تزييف
الحقيقة. ولم يقف الأمر عند هذا، بل أُضيف نوع من البريق المائل إلى الحمرة، كنوع
من دلالة القوة في عيون الصحابة والمقرّبين للنبي محمد (ص)، وكأننا نرى فيلماً من
أفلام الرعب التي تنتمي إلى فئة مصاصي الدماء، في تصوير تلك الصفوة في الإسلام
(أجلّهم الله). وهذا بالإضافة إلى الملابس التي كانت نوعاً من التفريق بين الفئات
المتقاتلة في العمل، فكانت الجهة المشركة ترتدي ملابس تعود إلى الفئات البربرية
القادمة من الشرق، وفي هذا طعن معلن بالمرجعية العربية التاريخية.
إن تحويل الوقائع
التاريخية إلى مشاهد تستهدف إثارة المشاهد لا يعني بالضرورة تقديم عمل فني ناجح،
فهناك من يعتقد أن إضافة المؤثرات البصرية والمبالغة في رسم ملامح الشخصيات كفيلة
بمنح العمل قيمة فنية، بينما الحقيقة أن المبالغة قد تكون وسيلة لتشويه المضمون لا
لتعزيزه. فحين تصبح المؤثرات أقوى من المعلومة، ويتقدم الخيال على الرواية، نكون
أمام صناعة مشهد لا صناعة معرفة.
تغيير الحقيقة... يبدو
أن العمل برمته مستوحى من فيلم الرسالة، ولكن هناك نوعاً من التحريف في بعض
الحقائق، ومنها حادثة لطم سيدنا حمزة لشخصية أبي جهل، فقد قدّم العمل رؤية أخرى
للرواية التاريخية، إذ كان المشهد أن حمزة فجّ رأسه حتى خرج الدم من رأسه، وفي هذا
تقديم صورة سيئة عن الإسلام على أنه دموي منذ اليوم الأول. ولم يقف الأمر عند هذا
فحسب، بل جرى تقديم جميع الصحابة، بدون استثناء، على أنهم شخصيات ملثمة. ولمن لا
يعلم، فإن لثام الوجه يتناغم مع فرضية الغموض والأشياء المبهمة التي تحتاج إلى
التعريف، بعكس المفهوم العام لقضية الدين الإسلامي.
ومن المسائل التي تستحق
التوقف عندها غياب المرجعية العلمية في مثل هذه الأعمال، فمن يتصدى لتقديم مرحلة
تاريخية أو شخصية إسلامية لا بد أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالمصادر
والروايات واختلافاتها. فليس من المعقول أن تصبح المعلومات التاريخية مجرد مادة
تُجمع من هنا وهناك، ثم يعاد تركيبها بواسطة خوارزميات لا تدرك قيمة الشخصية ولا
حساسية المرحلة التاريخية. فالتقنية تستطيع أن تنتج مشهداً متكاملاً، لكنها لا
تمنح صاحب المشروع شهادة في التاريخ.
إعادة التوجيه الصحيح ...
يبدو أن الكثير من البشر اليوم بات يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يصنع كل شيء بلا
أخطاء، وهذا غير صحيح. والأصح هنا أن تلك الأداة تفعل ما يُملى عليها من قضايا أو
معلومات من ناحية التصميم، والاعتماد عليه في أنه سوف يقوم بكل شيء مناسب دون
تدخلك، فهذا محض من الخيال.
وهناك قضية أخرى لا تقل
أهمية، وهي أن تحويل الرموز الدينية والشخصيات الإسلامية إلى مادة للتسويق
والمشاهدات يفتح الباب أمام استغلال العاطفة الدينية لتحقيق الانتشار. فليس كل عمل
يحمل اسماً إسلامياً يستحق الاحترام، وليس كل من وضع اسماً لشخصية تاريخية على عمله
أصبح مؤهلاً للحديث عنها. فالمسألة ليست في عدد المشاهدات التي يحققها العمل،
وإنما في حجم المسؤولية التي يتحملها من يقف خلف إنتاجه.
ولعل ما يجب أن نفهمه
أن اختراع وسيلة جديدة لا يعني سقوط المسؤولية عن مستخدمها، فالإنسان هو من يختار
الموضوع، ويحدد زاوية المعالجة، ويقرر ما الذي يريد إيصاله إلى المتلقي. ولهذا لا
يجوز أن نجعل من الذكاء الاصطناعي شماعة نعلق عليها أخطاءنا، أو وسيلة نتهرب من
خلالها من مسؤولية ما نقدمه للناس. فالأداة لا تمتلك ضميراً يحاسبها، ولكن الإنسان
الذي يستخدمها يمتلك عقلاً يفترض أن يميز بين ما يجوز إنتاجه وما يجب التوقف عنده.
الخلاصة ... وهنا وإلى
كل من يعتقد أن بإمكانه العبث بالتاريخ الإسلامي وشخصياته تحت ذريعة الإبداع
والتطور التكنولوجي، نقول له: إن عقول الناس ليست مختبراً لتجاربكم، ومقدساتهم
ليست مادة لتصفية حساباتكم أو تحقيق شهرتكم وجمع مشاهداتكم. فمن لا يمتلك الأمانة
العلمية ولا يحترم قيمة الشخصيات التي يتناولها، فالأجدر به أن يبتعد عن هذا
المجال، لا أن يستعين بآلة تمنحه القدرة على إنتاج التشويه بصورة أكثر إقناعاً.
كفى عبثاً بالتاريخ، وكفى استغلالاً للدين تحت عناوين الفن والحداثة؛ فليس كل من
امتلك أدوات الإنتاج أصبح صاحب رسالة، وليس كل من أتقن صناعة المشهد امتلك الحق في
صناعة الحقيقة. فالتاريخ لا يحتاج إلى ذكائكم الاصطناعي كي يعيد كتابة نفسه، ولكنه
يحتاج إلى عقول بشرية تتقي الله فيما تكتب وتنتج وتنشر. ومن لا يحترم تاريخ
الآخرين، لا يحق له أن يطالبهم باحترام ما ينتجه.



