صور على
جدار المقهى
تحت
عنوان
السيرة
الذاتية لعبود المجنون
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
يُقال إن
لكل دولة رجالًا، وهكذا الحال في حياتنا اليومية، وباختلاف الأزمنة والأسماء ما
بين العظماء والأقزام، وللتفريق بينهم يكون الناتج الحياتي هو الفيصل، ومن باب ترك
الحكم للقاعدة الاجتماعية في النتاج الإنساني، وترك التباهي بما لا يملك أحدهم،
حتى قيل: (إن من أكثر في حمد نفسه فقد ذمّها).
وقد كانت
حكاية من التراث الموصلي، امتزج بها الواقع والخيال، مفادها: (كان هناك في شارع
حلب في الموصل، وهو من الشوارع القديمة في المدينة، رجل يُدعى عبود المجنون، له
عربة لبيع «الكركري»، وهي عبارة عن علكة صلبة، يقف بها أمام المقاهي هناك، وقد كان
على أحد الجدران صور لأدباء ومفكرين، وجرت العادة الوقوف أمام تلك الصور وتأملها
كنوع من أنواع الحسد، ولكن بعد فترة ضرب زلزال اجتماعي المدينة فدمّر كل شيء،
وسقطت جميع تلك الصور، عندها أسرع عبود المجنون في تعليق صورته على جدار ذلك
المقهى المهدّم، كنوع من الانتصار الوهمي لتلك الشخصية التي تشعر بداخلها
بالتهميش).
وإذا ما
تأملنا الدروس والعِبر المستخلصة من مجريات تلك الحكاية، يكون هناك قول واحد، وهو:
(إن أثرك هو ما تقدمه للمجتمع والبشرية). أما عن مسألة التقييم والإشادة بما تفعل،
فاتركها لغيرك، فمن يمتلك مشروعًا إنسانيًا لا يكون هناك قانون ثابت لبدء الربح
والخسارة، وإذا ما خرجت الأمور عن هذه النظرية يكون هناك نوع من أنواع الإسفاف في
تقديم نفسك كمشروع إنساني، فلم يُروَ عن أحد من قبل قد خُلّد ذكره من خلال أعمال
يشوبها نوع من الإسفاف.
القيمة
الإبداعية تكون فقط في امتلاك الأدوات الكتابية، لا من خلال وسائل التملق والتلميع
لشخص آخر من باب الشعور بالنقص، فالمبدع الحقيقي يدرك أنه أمام مسؤولية تاريخية،
والكتابة لا تكون لتقول عنك الناس إنك كاتب أو أديب أو مثقف، ولكن يجب أن تكون لك
رسالة لها هدف نبيل لخدمة العامة.
الريادة
المزعومة شعور خاص لعبود منذ سنوات، وهو يتأمل تلك الصور ويسأل نفسه: ما الذي قدمه
هؤلاء لتكون صورهم على الجدار؟ ولماذا لا تكون لي صورة معهم؟ ويُعد هذا نوعًا من
الأسئلة الغبية إلى حد كبير، وهو يجهل حقيقة مفادها: (إن لكل مخلوقات الله
إحساسًا، ولكن ليس كلها من يمتلك الأدوات للتعبير عن ذلك الإحساس). وهنا يكون هو
أسوأ أنواع المجانين من الناحية العملية، فقد جمع ما بين الغباء والجهل، وهذا ما
جعله يفتعل شعور الريادة المزعومة في داخله، فليس من الأهمية أن تقرأ آلاف الكتب،
ولكن الأهم أن يكون لك رأي بما قرأت، وغير ذلك تتحول إلى طائر ببغاء ساذج، تردد
كلمات قرأتها ولا تفهم المعاني والأهداف التي كُتبت لأجلها.
آخر
مسمار في نعش عبود المجنون… سوف يغضب كل من يقرأ هذه الكلمات ويظن أن المقصود
عددهم، ويبتسم بعضهم ليقول إن هذا المقال كُتب عبر الذكاء الاصطناعي، فوالله لو
تمكن هو من كتابة هذا كما أكتبه أنا، لخرج من زوايا الذكاء ودخل حيّز العبقرية،
وعبقريتي هنا تكمن في رصد أفعال الحمقى والمغفلين والمجانين، كما فعل من سبقنا في
هذا، وهو الجاحظ رحمه الله. وقد قيل في القدم إن صياغة النص اقترنت بمهنة صياغة
الذهب، وهم اليوم يمثلون تجار معدن التنك بدكاكين كُتب عليها كلمة (صائغ)، ولكن
يبقى الزمن وحده الكفيل بالتمييز ما بين الخبيث والطيب، فيومًا ما سوف يرحل عبود،
ويرحل معه أعماله الساذجة، ويبقى ما يستحق البقاء، هي كلمات كُتبت، ولو فهم أحدهم
المقصود والمراد، لما كُتب بعد اليوم حرف واحد.
المصيبة
الحقيقية ليست في عبود المجنون، بل في الجدار الذي سمح لصورة بلا أثر أن تُعلّق،
وفي مقهى صفق للوهم، وفي جمهور لم يسأل يومًا: ماذا قدّمت؟ فالمجانين لا يصنعون
الكارثة وحدهم، بل تصنعها بيئة تُكافئ الضجيج وتخاف المعنى. وحين تختلط الصور
بالأسماء، ويُسوّى الأثر بالادّعاء، تتحول الثقافة إلى ديكور، والكتابة إلى ملصق،
والتاريخ إلى حائط بلا ذاكرة. عندها لا نكون أمام عبود واحد، بل أمام مدينة كاملة
تُعلّق صورتها على جدار الوهم، وتنتظر من الزمن أن يصفّق.

