بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

مقال

 

 نصف ساعة في مقهى شعبي

تحت عنوان

جلسة لما فوق العادة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



منذ فترة طويلة، تعودنا أنا وصاحبي عبد الله حسن مامك، الموظف في المكتبة المركزية، على ممارسة يومية، وهي الجلوس في مقهى قبل الذهاب إلى العمل. والحق يقال، كنا كثيراً ما نكسر الروتين في اختيار الأماكن، فنادراً ما تجدنا نستقر في مكان معين. وبعد فترة، وبطريق الصدفة، وجدنا أنفسنا بالقرب من مقهى أم كلثوم، الكائن على شارع الدركزلية، لصاحبه العم عصمت، الرياضي المتقاعد.

وعند دخولنا، تفاجأنا بوجود شخصيات تواظب على الحضور في كل صباح، وبعد الجلوس معهم وُلد شعور أقل ما يوصف به أنه شعور بالراحة، ولهذا الشعور، من الطبيعي أن تكون له أسباب، سوف نتطرق إليها. ومن باب مقولة: «قل لي من تصاحب، أقل لك من تكون»، سوف نستعرض تلك الشخصيات وتلك الأحاديث التي تدور في هذا الوقت القصير.

 

(عبد الله حسن) هو الصديق الصدوق، قولاً وفعلاً، صاحب النخوة والأفعال الحسنة، وإذا ما أردنا وصفه، فهو «القوي الأمين»، وهذه صفة قلّما تجدها اليوم في شخصية.

(الدكتور خيري شيت شكر) أستاذ مادة التاريخ، وهو الصحفي غير التقليدي، صاحب الشخصية المتمردة على كل ما يتسم بالروتين والتقاليد المقيتة، وهذا ما يعطيه تفرداً في طروحاته.

(الأستاذ شامل الشبلي) المشرف التربوي، صاحب الثقافة الصامتة الرصينة التي تحفظ للمعلومة رصانتها عند طرحها، وهذا ما يؤهله لأن يكون المثقف الحقيقي.

(الدكتور عبد السلام الجبوري) الأستاذ المتقاعد، عالم التاريخ وصاحب الآراء المثيرة للجدل، المستوحاة من الواقع، وهو صاحب القلم الحاد تجاه كل ما يخرج عن المألوف.

(طه الشبلي) رياضي متقاعد، صاحب الأخلاق الحميدة التي يشهد له بها كل من يعرفه.

(سيف أبو علاء) الإداري الرياضي، صاحب القفشات التي طالما تضيف البهجة إلى المكان الذي يكون فيه.

 

وقت مستقطع من الحياة... نصف ساعة في حسابات البشر وقت لا يكاد يُذكر، ولكن ما لا يعرفه أحد هو أنها نافذة لبداية يوم جديد، تعتبر بمثابة طاقة متجددة لبداية يوم شاق، يثقله التعامل مع شخصيات وضعها القدر في طريقك.

وقد لا يجمع الأسماء التي ذكرتها تخصص أو عمل، ولكن هناك تناغماً ملموساً تشعر به من خلال الجلسة، فتسقط كل القيود التي قد تكون قيداً على حديث معين، فيكون كل شيء واضحاً، دون أقنعة أو تجميل لحقيقة معينة.

 

نافذة للمرح... من جملة الأحاديث المتداولة هي معاناة «شيخ المحظورين»، كما يحلو أن يطلق على نفسه الدكتور خيري، وقضية حظر صفحته الفيسبوكية، وتساؤلاته عن الأسباب التي لا يجد لها، في الغالب، تفسيراً.

ومن القضايا التي تدعوه إلى الابتسامة أنه يضع نفسه في مقارنة مع ما أكتبه، فيسألني في الغالب: «لماذا لا يتم حظرك وأنت تكتب ما تكتب؟ وأنا لم أنشر شيئاً ويتم حظري على مدار الساعة؟».

وهنا تنفجر الأفواه بالضحك والابتسامة، لننتقل إلى رغبات الدكتور عبد السلام في تعلم أبجديات العمل بالذكاء الاصطناعي في التعامل مع الصور، وأنا لا أدخر جهداً في إرشاده إلى هذا العمل، ويبدو أن شخصية الدكتور تتخذ من هذا الأمر نوعاً من التسلية، ولا ضرر في هذا، فهو رجل متقاعد.

ثم ننتقل إلى الأستاذ شامل، واستفزازي له من خلال روايات تاريخية منتقاة، ويقوم هو بعمليات التصحيح لي، وهو رجل على دراية بما سوف يقول، ولكنني محب لجعله يتكلم.

ثم نصل إلى الرياضي طه الشبلي، فالرجل هنا يعمل لي بدل منبه؛ فعند الساعة الثامنة صباحاً يصرخ ليقول: «إنها الساعة الثامنة»، كنوع من التنبيه لي بأن وقتك قد انتهى. وعند نسيانه الأمر، يقوم عبد الله بتذكيره من باب الدعابة.

وهنا يكون سيف أبو علاء ومسألة «الريوك الصباحي»، فيعتبره من أهم القضايا التي تشغله طوال الوقت، ولا يخلو حديثه بالعادة من القفشات والقصائد الشعبية.

 

هوية الجلسة... لم ندّعِ يوماً أنها قد تكون جلسة ثقافية أو شيئاً آخر، ولكنها جلسة للراحة، نسقط فيها كل القضايا التقليدية؛ لأنني على إدراك ودراية بأن هذا مقهى شعبي، ولم نحاول إخراجه من محتواه الحقيقي، ولم ندّعِ أن جمعنا هو جمع ثقافي أو مركز توعوي أو إعلامي.

فالجميع متفقون على أن الجلسة هي وقت جميل بصحبة أجمل، يسودها أحاديث المرح والمودة، وهذا ما أعطاها نوعاً من التميز الذي قد لا يحظى به الجميع.. فنحن قد نكون جميعاً محظوظين بهذا الوقت المستقطع من الحياة.

 

ما بين فنجان القهوة وصدق الحكاية... قد يعتقد البعض أن الجلوس في مقهى شعبي مجرد عادة يومية لقتل الوقت، لكنني أرى أن بعض الجلسات لا تقاس بالوقت، وإنما بما تتركه في النفس من أثر. وهذا تحديداً ما وجدته في نصف الساعة التي تجمعني بهذه الشخصيات؛ فهي مساحة صغيرة من الحياة نستعيد فيها شيئاً من أنفسنا التي تسرقها منا ساعات العمل وتفاصيل الحياة.

في هذه الجلسة لا أحد يحاول أن يكون غير نفسه؛ فالدكتور خيري شيت شكر يأتي بشخصيته المتمردة، فيفتح موضوعاً يقود إلى آخر، ثم نجد أنفسنا أمام نقاش ممتع لا نعرف أين بدأ ولا إلى أين سينتهي. أما الأستاذ شامل الشبلي، فصمته ليس فراغاً، وثقافته لا تحتاج إلى إعلان، ولهذا أتعمد أحياناً استفزازه برواية تاريخية، ليس لأني أجهل الإجابة، وإنما لأستمتع بتصحيحه وأراه ينتقل من الصمت إلى حديث يكشف عمق ثقافته.

والدكتور عبد السلام الجبوري له طريقته في صناعة الحوار، فلا يترك قضية تمر كما جاءت، وقد يحول الجملة البسيطة إلى نقاش مثير للجدل، لكن الاختلاف هنا ليس صراعاً، وإنما جزء من متعة الجلسة.

أما عبد الله حسن مامك، فهو أكثر من شريك في هذه الجلسة؛ إنه الصديق الذي يمنح المكان حالة من الاطمئنان، ولا تحتاج معه إلى كثير من الكلام حتى يفهمك.

وطه الشبلي هو «منبه الجلسة»؛ فعند الثامنة يعلنها بصوته: «إنها الساعة الثامنة»، ليعيدني إلى الواقع وموعد العمل، بينما يأتي سيف أبو علاء ليمنح الجلسة جرعتها المعتادة من البهجة، فلا يخلو حديثه من «الريوك الصباحي» والقفشات والقصائد الشعبية.

وهنا أدركت أن سر الجلسة ليس في المقهى ولا في فنجان القهوة ولا في نصف الساعة نفسها، وإنما في الأشخاص الذين جعلوا لهذه الدقائق قيمة مختلفة. فقد تجلس ساعات مع أشخاص وتشعر بالثقل، وقد تجلس نصف ساعة مع أشخاص وتشعر بعدها أن يومك أصبح أخف.

نحن لا نذهب إلى مقهى أم كلثوم لنصنع صورة ثقافية أو لنمنح جلستنا صفة أكبر من حقيقتها، وإنما نذهب لأننا وجدنا في المكان شيئاً يشبهنا. نأتي محملين بالعمل ومشكلات الحياة، ثم نترك كل ذلك جانباً لبعض الوقت، ونجلس كما نحن، دون ألقاب أو مناصب أو أقنعة.

قد لا يجمعنا تخصص أو عمل أو عمر واحد، لكن يجمعنا شيء أهم، هو القبول الإنساني. وكل واحد منا جاء من طريق مختلف، لكن طرقنا التقت في نصف ساعة أصبحت مع مرور الأيام جزءاً من تفاصيلنا اليومية.

 

نصف ساعة فقط... لكنها أحياناً تكون كافية لتثبت لنا أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تمنحنا نوافذ صغيرة نتنفس منها. وربما أجمل ما في هذه النافذة أنها لم تكن مخططة، ولم نصنع لها عنواناً، وإنما جاءت ببساطة كما تأتي الأشياء الجميلة.

هي جلسة أصدقاء... لكنها بالنسبة لي نصف ساعة من الحياة لا أريد أن أخسرها.

 

الخلاصة ... ربما يخطئ من يظن أن قيمة الإنسان تقاس بعدد الساعات التي يقضيها في العمل، أو بعدد المناصب التي مرّ بها، أو بعدد الأسماء التي يعرفها، فهناك أوقات قصيرة في عمر الإنسان تساوي سنوات كاملة من العمر، لأنها تمنحه ما لا تمنحه الساعات الطويلة؛ تمنحه نفسه.

نصف ساعة في مقهى شعبي قد تبدو في حساب الزمن شيئاً لا يستحق الذكر، لكنها في حساب الإنسان قد تكون وطناً صغيراً نعود إليه كل صباح، نخلع عند بابه أثقالنا، ونجلس دون ألقاب ولا مناصب ولا أقنعة.

هناك، يصبح الدكتور خيري مجرد خيري، وشامل مجرد شامل، وعبد السلام مجرد عبد السلام، وطه منبهنا الصباحي، وسيف صاحب «الريوك» والقفشة، وعبد الله ذلك الصديق الذي لا يحتاج إلى تعريف، وأنا مجرد رجل وجد نفسه بين هؤلاء.

وهنا تكمن الفلسفة... فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى مكان عظيم حتى يشعر بأنه حي، وإنما يحتاج إلى أشخاص حقيقيين يجعلون المكان عظيماً.

قد تنتهي القهوة، وقد تدق الساعة الثامنة، وقد نغادر جميعاً إلى أعمالنا، لكن شيئاً ما يبقى في الداخل... ضحكة، كلمة، جدال، قفشة، أو حتى صمت جميل.

وربما لهذا السبب أصبحت تلك النصف ساعة أطول من كثير من الأيام؛ لأنها لا تسرق من أعمارنا وقتاً، بل تعيد إلينا شيئاً من أعمارنا التي سرقتها الحياة.

وفي زمن أصبح فيه معظم الناس يجلسون مع بعضهم وهم منشغلون عن بعضهم، أجد نفسي محظوظاً بنصف ساعة أجلس فيها مع أشخاص لا أحتاج معهم إلى أن أكون شخصاً آخر... نصف ساعة فقط... لكنها تكفي أحياناً لتثبت لنا أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل من نجدهم حين نريد أن نكون نحن.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

مقال

 

مفاهيم الالتزام والبصمكية

تحت عنوان

وهم الانضباط الحكومي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البصمة من أساليب القمع الوظيفي، وهي أبشع أنواع الإذلال الوظيفي عند من يملك الإحساس، وقد يسأل هنا أحدكم: كيف يكون هذا؟ ولماذا تصف الموظفين بالبصمكية، مع أنها كلمة من اللهجة العامة في مصر، وتعني الذين لا يقرؤون ولا يكتبون؟ والسبب أنهم قد تحولوا إلى أدوات لا حول ولا قوة لهم.

والحقيقة أن معظم المسؤولين في الدولة اليوم يتعاملون مع مفهوم الالتزام على أنه بصمة، كأنها عصا يلوّح بها المسؤول تجاههم، ولكن هناك مقولة لا يعرف عنها شيئًا ذلك المسؤول، مفادها: (الماي يسوكه مرضعه، سوك العصا ما ينفعه) ، وفي هذا دلالة على أن الالتزام لا يعني أن يبقى أحدهم في العمل لوقت محدود، حتى وإن لم يكن له عمل ينجزه، ولهذه المفاهيم نتائج كارثية، لكن المسؤول لا يمكنه إدراك هذا؛ لأن عمله الرئيسي هو إرضاء من أجلسه في المنصب، ولهذا سوف نبين في هذه السطور الواقع والأسباب والنتائج.

 

الواقع ووهم الانضباط... كثيرًا ما نرى اليوم في بعض دوائر الدولة التشديد على ما يُعرف بنظام البصمة، كنوع من الدلالة على الانضباط، ولكن هناك دوائر يرتبط عملها بتواجد شريحة من المجتمع لتقديم خدمة لها، وبغيابها يصبح عمل الموظف نوعًا من العبثية والاستهلاكية.

ورغم هذا، تجد أن الكثير من المسؤولين يدركون ذلك، ورغم ذلك يتقمص شخصية الشرطي في قضية الحراسة، وهذا يأتي من نقص الشعور بالمسؤولية، وينطلق من باب: يجب أن يكون هناك أحد يمارس عليه عقدته الإدارية، حتى لو كان الموظف يمارس دورًا عبثيًا في تواجده داخل دوائر الدولة.

والتهرب من المسؤولية الأخلاقية تجاه الموظف، يمارس المسؤول أسلوب الاحتيال الإداري أمام مطالب الموظفين، فيكون التهميش بإعطاء حق المطالبة بعبارة (حسب صلاحيات المدير المباشر) ، وهو على علم ويقين أنه لا يخرج عما يريد في التضييق على الموظف وتركيعه بحجة الالتزام، وتلك أقذر الأساليب الإدارية.

 

الأسباب، أزمة ثقة... وهي من أكبر المشاكل التي نعاني منها في يومنا هذا؛ فالمسؤول لم يعد يثق بالموظف، والعكس أيضًا صحيح، ولهذا ترى أساليب مبتذلة تُمارس بحجة الانضباط، ومنها قطع الإنترنت خلال الامتحانات الوزارية، وفي ذلك تشكيك صريح بأمانة الموظف الحكومي.

والسؤال هنا: لماذا تقدم الدوائر الحكومية على إسناد مهام لشخصيات لا تثق بها؟

والجواب هنا أن انعدام الثقة ليس بالموظف الذي أوكلت له المهمة، ولكن هو انعدام الثقة بأنفسهم من خلال الشخصيات الموكلة إليها الأعمال، وهكذا الحال مع قضية وقت العمل والبصمة، فهي نابعة من عدم الثقة التي تعتبر من أهم القضايا التي تنهك الموظف في وقتنا الحالي.

 

النتائج الكارثية... (البطالة المقنعة) ، لمن لا يعلم من المسؤولين، إن تلك الممارسات العبثية لها نتائج يتحملها هو وحده، منها ظاهرة (الريوك الصباحي) ، ففي بعض دوائر الدولة اليوم تتحول بعض الشعب إلى مطاعم شعبية وتجمعات لا معنى لها، ومنها إلى (قال وقلت) .

ومن الطبيعي، عندما لا يكون للموظف عمل ينجزه، سوف يكون شغله الشاغل في يومه الوظيفي البحث عن المشاكل، وليس هذا فحسب، ولكن هناك ظاهرة أكثر سوءًا مما تتصور؛ فترى بعضهم يمضي للبحث عن حجج وتبريرات أمام المسؤول ليحظى بإجازة، فقط ليتهرب من مسؤوليته أمام العمل.

ولمن لا يعلم، فإنني رأيت بعض الموظفين غير متواجدين في عملهم بشكل يثير الشك والريبة، فكيف يكون هناك موظف أو موظفة على الملاك الدائم، وهو معك ولم تره لمدة سنوات سوى شهر أو أقل في السنة، بينما آخر يكاد يصاب باليأس لعدم قدرته على الحصول على رخصة للغياب يومًا واحدًا؟

وهذه ليست رؤية تدخل محض الافتراء، لا سامح الله، ولكنها حقيقة دون ذكر الأسماء.

وآخرون يجعلون من العمل عيادات نفسية، يسرد أحدهم للآخر مشاكلهم العائلية، كنوع من القمع الأسري الذي يعاني منه رجل كان أو امرأة، وكل هذا وأكثر، ويأتي المسؤول، كما يقال عند العامة، وعذرًا للفظ: **(يدور بالخرا حب ركي)**، ويفرض البصمة كنوع من الانضباط الوهمي، بدلًا من أن يبحث عن حلول جذرية لتلك الظواهر الشاذة في العمل.

 

الحلول وفق المنطق والعقل... لنبدأ من رأس الهرم، يجب مد الجسور بين الموظف والمسؤول، على أساس أن الموظف يعمل معه لا يعمل لديه، وتلك نقطة في غاية الأهمية لمن يدركها، وأن يتخلى عن دور الشرطي في البحث عن حجج لمعاقبة الموظف، وأن يدرك حجم المهام الموكلة له من خلال إيجاد حلول طويلة الأمد، لا الاكتفاء بالحلول الآنية والشكلية.

فالكثير اليوم من المسؤولين يتعاملون مع الوظيفة من باب أنهم وُلدوا مسؤولين، وأنهم لم يمروا بتلك المراحل، فهم يعملون اليوم بمبدأ المثل الشعبي: **(يا حمي، ما كنتِ كنه قالت: كنتو ونسيتو)**، وهذا ما سوف يزيد في تعميق المشكلة.

أما عن الموظف بكافة أشكاله، فيجب أن تكون هناك ورش توعوية حقيقية تزرع الوعي الأخلاقي تجاه العمل، والامتناع عن أساليب التشكيك في كل منهم بالآخر.

 

الخلاصة... هذه الكلمات ليست دعوة للفوضى الإدارية في العمل، بقدر ما هي رسالة نقدية وفق المعايير العقلية والمعقولة في دوائر الدولة، والكف عن التعامل مع الموظفين بمبدأ الاستعباد.

وكونك مسؤولًا اليوم، هذا لا يعني بالضرورة أنك أنقى وأشرف من الآخرين في العمل، وهذا يأتي من الآلية التي تختار بها الدولة اليوم، وباب المحاصصة.

فاليوم، التواجد على المكاتب والبصمة لا يعنيان بالضرورة الانضباط، وهذا ما لا يدركه الكثير منهم اليوم، ويجب على كل مسؤول اليوم أن يضع جدارية أمامه يكتب عليها: (إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك)

الاثنين، 10 أغسطس 2026

مقال

 

ثقافة (الصرصر)

تحت عنوان

صور من الحياة العامة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين




رحم الله أبي، كان عندما يرى أحدًا لا يرضى بالحق ولا يقبل بالنصيحة، يقول عنه: (هذا مثل الصرصر، إذا تأخذه إلى حديقة مليئة بالزهور والرياحين يموت، ولكن إذا أبقيته في المرحاض فسوف ينتعش). لم أدرك وقتها ما كان يرمي إليه من مضمون عميق، ولكن بعد مرور الوقت، ومن خلال التعامل مع الآخرين في مضمار الحياة، أدركت ما الذي كان أبي يريد قوله، فقد اختصر مجلدات في علم الاجتماع في بضع كلمات، ولهذا سوف نستعرض اليوم ميزات تلك الثقافة.

 

مجتمع الحشرات... فثقافة الصرصر هي جزء من الثقافة الجمعية، ولهذا لا أستغرب أن يظهر هذا النوع من البشرية الذي يأخذ من تلك الحشرة مثالًا حيًا، فيتقمص طباعها في التعامل مع الحياة. ولمن لا يعلم، فإن مصطلح «حشرة» يُستخدم للتحقير، ولكن الغريب أن الكثير من البشر يرغبون في أن يكونوا في أوطأ مكانة اجتماعية، فيتخذون من الحشرات قيمةً يتعاملون بها مع الآخرين.

بشر على شاكلة صراصر... يُعتبر الصرصر أكثر حشرة تمتاز بحياتها القذرة، وكذلك بعض البشر في رسم الصور الحياتية، فتراهم يرفضون كل تغيير أو كسر للقواعد الرتيبة التي يعانون منها. والغريب قناعتهم أو تناغمهم مع فكرة أنهم في أماكنهم التي يستحقونها، رغم ما تمتاز به من القذارة، وهذا يعود إلى تعايشهم مع ما يُسمى بالتخاذل الاجتماعي الذي يعانون منه.

ولهذا تجدهم يرفضون التجديد على الصعيد الفكري والحياتي، وهناك أيضًا بعض الصراصر البشرية المصابة بعمى البصر والبصيرة، فتراه يهرول إلى حذفه بواسطة النعال، أجلكم الله، وهذا ما أعتبره اليوم أوسع انتشارًا في يومنا هذا.

والأغرب من كل هذا، تجد نوعيات منهم يكونون على إدراك كامل بأنهم حشرات، ورغم هذا تجدهم متمسكين برأيهم، مع أن رأيهم وما يتفوهون به بمثابة رائحة لتلك القاذورات التي يعيشون فيها.

وهناك أمثلة حية لتلك الشخصيات نتعامل معها كل يوم، وقد تجدهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتستطيع تمييزهم من تعليقاتهم التي تعبر عن انتماء عقولهم إلى إيديولوجية المرحاض، فتجده لا يكتب شيئًا يعزز أو يفيد المنشور المعلَّق عليه.

وبصراحة، لا تغضبني تلك النماذج بما تكتب، ولكن كان من الواجب الأخلاقي التعريف بهم حتى استحقوا لقب (صراصر الإنترنت) .

 

ثقافة الصرصر في التعامل مع ما يُنشر... المشكلة الحقيقية هنا أن الكثير من صراصر الإنترنت يرون أنفسهم ديناصورات أمام المواد المنشورة، ولكن الحقيقة التي لا يرضى بها أحد أن لا أحد من صاحب المنشور أو قارئه هم عمالقة الفكر؛ فكل منا له رأيه، يرى فيه ما يرى، ولكن كوننا مجتمعًا ملتزمًا كما يدعون، فعلينا العمل بما جاء في السيرة النبوية: (قل خيرًا أو اصمت) .. ولو أدركوا المعنى الحقيقي لهذه الكلمات، لما رأيت أحدًا يتقول بما لا يرضي الله، ولكن يبقى في البداية والنهاية.. (يبقى صرصرًا)

 

طباع بشرية مكتسبة من الصراصر... معلومة قد يجهلها الكثير، حيث يُذكر أن الصرصر إذا ما لمس بشرًا يمضي للاغتسال من قذارة ألمّت به، وهذا الطبع تراه عند الكثير اليوم، فتراه يعاني من كل ما خلق الله من موبقات، وعند تعامله مع الآخرين يكون هو من يكسب شعورًا بالقرف، وهو من هو!

وهذا يعود إلى العقليات الساذجة التي تأخذ من سلوك حشرة طباعًا تتعامل بها، وبسبب نقص الوعي الإدراكي أصبحت هذه قاعدة أساسية للتعامل الحياتي، حتى أصبحت هذه الظاهرة تجد من ينظر لها.

فإذا ما عدنا إلى طباع الصرصر، تجد أنه يميل للعزلة، فيعشق الأماكن المعزولة والمظلمة، عندها تسمع أحدهم ينشد: (راحتي في وحدتي كل البلا من عشرتي ) وهذا ما أعتبره تبويبًا لترسيخ ثقافة الصرصر في الحياة.

 

ضجيج الصراصر... في هذه الأيام، والكثير ممن تجالسهم، يبدأ باستعراض منجزات وهمية لا وجود لها إلا في مخيلته، وهنا أعتبر هذا قد يرتقي إلى أن يكون مرضًا نفسيًا، فهو أشبه بتلك الضوضاء التي لا يُعرف مصدرها.

وبعد البحث والتمحيص، تجد أن مصدرها طنين صرصر، وهذا له مدلولات أن بعض الذين نتعامل معهم هم مجرد **ظواهر صوتية لا أكثر.

 

حين تصبح القذارة وطنًا... وهنا أتوقف عند جانب آخر من ثقافة الصرصر، وهو أن الصرصر لا يبحث عن المكان الجميل لكي يعيش فيه، بل يبحث دائمًا عن المكان الذي يجد فيه ما يناسب طبيعته، ولهذا تجد بعض البشر يفعلون الشيء نفسه، فإذا وجدوا بيئة نظيفة حاولوا تلويثها، وإذا وجدوا فكرة جميلة حاولوا تشويهها، وإذا وجدوا إنسانًا ناجحًا حاولوا البحث عن ثغرة في حياته بدل أن يتعلموا من نجاحه.

وهذه واحدة من أخطر صفات صرصر البشر، فهو لا يستطيع أن يرى النور إلا بوصفه خطرًا عليه، لأن النور يكشف حقيقته، ولهذا تراه دائمًا يميل إلى العتمة، ليس عتمة المكان فقط، وإنما عتمة الفكر أيضًا، فيرتاح عندما تكون الأشياء غامضة، ويشعر بالانزعاج عندما يأتي شخص ليضع الحقيقة أمامه دون مساحيق.

 

الصرصر لا يصنع شيئًا.. ولكنه يفسد كل شيء ومن طباع الصرصر أنه لا يحتاج إلى أن يبني شيئًا حتى يشعر بأنه موجود، يكفيه أن يفسد ما بناه الآخرون، ولهذا تجد بعض البشر لا يمتلكون مشروعًا ولا فكرة ولا إنجازًا، ولكنهم يمتلكون قدرة عجيبة على الانتقاص من إنجازات الآخرين.

فإذا رأى كتابًا قال: لا قيمة له، وإذا رأى نجاحًا قال: جاء بالواسطة، وإذا رأى شخصية محترمة قال: وراءها حكاية لا يعرفها أحد، وإذا رأى إنسانًا يحاول أن يقدم شيئًا لمجتمعه، بحث بكل ما أوتي من قدرة عن كلمة يلوث بها صورته.

وهنا يصبح الصرصر البشري أخطر من الصرصر العادي، لأن الحشرة تلوث المكان فقط، أما هذا النوع من البشر فيحاول تلويث عقول الناس.

 

التطفل... إحدى علامات ثقافة الصرصر ... ومن الأشياء التي لا يمكن تجاهلها أن الصرصر لا يعيش منتجًا لما يحتاجه، وإنما يعيش على ما يجده من بقايا الآخرين، وهذه الصفة تجد لها صورًا بشرية كثيرة.

هناك من لا يملك فكرة واحدة، ولكنه يتغذى على أفكار الآخرين، ولا يستطيع أن يصنع لنفسه حضورًا إلا من خلال الإساءة إلى من سبقوه. وهناك من لا يستطيع أن يصنع نجاحًا خاصًا به، فيحاول أن يجعل من فشل الآخرين مصدرًا لشعوره بالتميز.

وهذا النوع من البشر لا يبحث عن طريق يصنع به مجده، وإنما يبحث عن كتف يصعد عليه، وإذا لم يجد كتفًا صعد فوق سمعة الآخرين، وإذا لم يجد سمعة يسيء إليها اخترع واحدة.

 

الخوف من الضوء... وأكثر ما يثير انتباهي أن الصرصر يهرب عندما يظهر الضوء، وهذه ليست مجرد صفة لحشرة، بل أجدها صورة متكررة في حياة بعض البشر؛ فهناك أشخاص لا يخافون من الحقيقة لأنها خاطئة، وإنما يخافون منها لأنها تكشفهم.

ولهذا تجدهم يحاربون كل صوت يحاول أن يفتح نافذة في الجدار، وكل قلم يحاول أن يقول ما لا يريدون سماعه، وكل إنسان يرفض أن يعيش وفق القواعد التي وضعوها لأنفسهم.

فهم لا يريدون إطفاء الضوء لأنه يؤذي أعينهم، وإنما لأن الضوء يجعل الناس ترى ما كانوا يخفونه في الظلام.

 

حين تصبح القذارة وجهة نظر... المصيبة لا تكمن في وجود الصرصر، فكل مجتمع فيه نماذج مختلفة، وإنما المصيبة عندما يتحول وجوده إلى حالة مقبولة، وعندما يصبح سلوكه وجهة نظر، وعندما يبدأ المجتمع بالدفاع عنه بدل أن يحاول إصلاحه.

عندها لا يعود الأمر متعلقًا بشخص يكتب تعليقًا تافهًا أو إنسان يرفض النصيحة، وإنما يتحول إلى ثقافة، والثقافة عندما تتأسس على الخطأ تصبح أكثر خطورة من الخطأ نفسه.

لأن الإنسان قد يخطئ مرة، ولكن عندما يتعلم الخطأ ويورثه لغيره، فنحن أمام مشكلة تحتاج إلى أكثر من نصيحة.

 

صراصر لا تحب أن تُسمّى صراصر ... والأكثر طرافة في هذه الحكاية أن الصرصر البشري غالبًا لا يقبل أن تقول له إنه صرصر، بل يغضب ويعتبرها إهانة، مع أن سلوكه هو الذي منحه هذا اللقب.

وهنا أقول: لا تغضب من المرآة إذا أظهرت وجهك كما هو، فالمشكلة ليست في المرآة، وإنما في الوجه الذي يقف أمامها.

ولو أن بعض هؤلاء قضى دقائق قليلة في مراجعة نفسه، لعرف أن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.

فالإنسان الحقيقي يترك وراءه فكرة، أو موقفًا، أو كلمة طيبة، أو أثرًا جميلًا، أما صرصر البشر فلا يترك خلفه إلا ضجيجًا وقذارة ورائحة لا يرغب أحد في الاقتراب منها.

ولهذا ربما كان أبي أكثر حكمة مما أدركت يومها، عندما قال إن الصرصر يموت في حديقة الزهور وينتعش في المرحاض؛ لأن بعض الكائنات لا تعرف قيمة النقاء، ولا تستطيع أن تعيش إلا في البيئة التي تشبهها.

وهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد حشرة.. إنها حكاية إنسان اختار أن تكون القذارة أسلوب حياة، ثم غضب عندما وصفناه بما اختاره لنفسه.

 

الخلاصة... نحن اليوم أمام مأزق فكري شديد الحساسية، فهؤلاء اليوم هم مجرد ظاهرة، ولكن قد تتحول بمرور الوقت إلى ثقافة عامة تخرج البشرية من الوعي الإنساني إلى أسلوب حياتي مستوحى من يوميات حشرة.

عندها سوف نفقد كل ما هو لنا من أخلاقيات وقيم نبيلة، ويكون كل شيء مقترنًا بما يفعله الصرصر.

الأحد، 9 أغسطس 2026

قراءة في شخصية

 

أقف إلى جوار الكارزما والجمال

تحت عنوان

الدكتورة ليلى المولى استاذة علم الفلسفة ... نموذجًا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



نعم، أنا كذلك... ولتكن البداية من عودتها إلى صفحات مجلة زهرة البارون، وقراري أن تتصدر الغلاف. عندها اتصل بي أحد المستشارين للمجلة، الذين أعتز بهم وأكنّ له كل التقدير والاحترام، حيث بدأ تعجبه من قراري هذا، وهو لا يعلم أن هناك حقيقة لا يعلمها الكثير عني، وهي أنني أرى ما لا تراه الناس، ومن هذا المنطلق كانت هذه الكلمات.

 

ليلى كما لا تراها الناس... ولمن لا يعرف، تعود معرفتي بالشخصية التي بصدد الحديث عنها إلى السنة الأولى لما بعد تحرير الموصل، وإذا ما أردت تعريف الدكتورة ليلى فسوف يكون: (عندما تتحدى الكارزما والجمال سوء الطالع) .

فأنا على دراية ليست صغيرة بمجريات حياتها الشخصية والعملية، وهنا لا يُعتبر ما أكتبه بمثابة تزكية أو شهادة بحقها، وهذا بسبب أنها أكبر من أي كلمات قد تُكتب عنها.

وهنا يشاء القدر أن تخصصها الأكاديمي هو الفلسفة اليونانية، والشخصيات التي خلّدها التاريخ في تلك الحقبة، فهي، إن لم تكن في عالمنا هذا، سوف تجدها تجسد إحدى الشخصيات المحاربة، مثل: هيبوليتا (Hippolyta)، وميرينا (Myrina) ، وهي تمتلك كل تلك الميزات الأسطورية لشخصيتها القيادية.

وإذا ما تحدثنا عن جمالها، فهي لا تقل، من وجهة نظري المتواضعة، عن *بسيخي (Psyche)، وأريادن (Ariadne) ، والحق يُقال إن جمالها يضاهي كل الأسماء التي ذُكرت هنا، وكأنها على موعد مع ظاهرة تكرار التاريخ، ولكن بصورة قد تكون أجمل مما سطرته الأقلام لتلك الحقبة والشخصيات النسائية.

 

رعايتها للكلاب... اليوم، وكثير من الناس يستهجنون هذا العمل، وهم جاهلون في الحكم على هذا الأمر. فالمرأة ليست مؤرخة أو معلمة أو أي شيء آخر، ولكنها من تشرب من عروق الفلسفة التي تنتهي إلى الحكمة، وأكاد أجزم أن لها فلسفة في هذا.

فهي، عندما تعبت من إيجاد لغة يفهمها البشر في هذا العصر، قررت أن يكون الكلب هو الرفيق، وهذا بسبب صفة افتقدتها في التعامل مع الناس، وهي الوفاء.

فمن الطبيعي أن يكون لكل فعل ردّة فعل، ورعاية الكلاب لم تكن شيئًا منكرًا كما يروّج لها المتدينون الجدد؛ فالكلب رفيق الإنسان، وهذا حسب النصوص السماوية.

 

لماذا أقف معها... ليس لأنني أود التقرب منها، وأنا أعرفها منذ سنوات عديدة، ولكنني أقف دومًا إلى جوار ما يستحق الوقوف لجانبه، ومع أنها لا تحتاج لوقفتي معها من الأصل، وهذا بسبب كارزميتها العالية المكتسبة من رحم المعاناة.

ومن يراها للمرة الأولى يظن أنها من ذوات اللواتي وجدن الطريق معبّدًا لحياة رغيدة، ولكن للحقيقة وجه آخر، فهي كمن يحمل الجبال على أكتافه، وكما يقال عند العامة: «الناس لها الظاهر» ولهذا تجد الكثير منهم يأخذ منها موقفًا مسبقًا دون معرفته بشخصيتها أو حياتها، وما أوصلها إلى هذا المكان.

ورغم هذا، تجدها شخصية لا يمكن كسرها بسهولة، ولا يمكن تجاوزها أو تهميشها. ورغم المحاولات الحثيثة لفعل هذا الشيء، تجدها ما زالت متماسكة، ولهذا من واجبي أن أكون إلى جوارها وداعمًا لها في كل المجالات.

 

الكارزما لا تُصنع أمام المرآة... هناك شخصيات لا تحتاج إلى من يعرّف بها، لأن حضورها يسبق أسماءها، وكارزميتها تتحدث عنها قبل أن تبدأ هي بالكلام، والدكتورة ليلى المولى من هذا النوع من الشخصيات التي لا يمكن اختصارها بصورة أو منصب أو شهادة أكاديمية، لأن خلف كل ذلك إنسانة صنعتها التجارب أكثر مما صنعتها الظروف.

وأنا عندما أتحدث عن الدكتورة ليلى المولى، لا أتحدث عن امرأة جميلة فقط، لأن الجمال وحده لا يصنع شخصية، ولا يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة هذا الكم من المتغيرات التي تضعه الحياة أمامها، وإنما أتحدث عن امرأة استطاعت أن تجعل من الجمال جزءًا من حضورها، ومن الكارزما جزءًا من قوتها، ومن المعاناة مدرسة لم تتخرج منها مكسورة، وإنما خرجت منها أكثر صلابة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية الدكتورة ليلى هو ذلك التناقض الجميل الذي يجتمع فيها؛ امرأة يمكن أن تراها هادئة، ولكن خلف هذا الهدوء الكثير من العناد في مواجهة الحياة، ويمكن أن تراها شديدة الحساسية، ولكنها في الوقت نفسه تمتلك قدرة غريبة على تحمل ما لا يستطيع الكثيرون تحمله.

وهنا تكمن الحكاية.. فبعض النساء يصنعن حضورهن من خلال ما يمتلكن، وبعضهن يصنعنه من خلال ما يفقدنه، أما الدكتورة ليلى فقد صنعت حضورها من خلال الاثنين معًا، ولهذا فإن من يحاول أن يقرأها من الواجهة فقط سوف يخطئ كثيرًا في فهمها.

 

ليست كل امرأة جميلة... امرأة عادية ... الجمال في كثير من الأحيان يتحول إلى نقمة عندما يكون المجتمع عاجزًا عن رؤية ما خلفه، لأن الناس اعتادت أن تحاكم المرأة من صورتها الأولى، فإذا كانت جميلة افترضوا أن حياتها كانت سهلة، وأن الطريق كان معبّدًا أمامها، وأنها لم تعرف الألم.

 

وهذا من أكثر الأحكام ظلمًا للمرأة... فالجمال لا يلغي المعاناة، والابتسامة لا تعني أن صاحبتها لم تبكِ، والاهتمام بالمظهر لا يعني أن الإنسان فارغ من الداخل، والهدوء لا يعني أن الحياة كانت رحيمة معه.

ولهذا أجد أن الدكتورة ليلى واحدة من النماذج التي تستحق أن يُعاد النظر إليها بعيدًا عن الأحكام السريعة، لأن الإنسان لا يُقاس بما تراه العين في اللحظة الأولى، وإنما بما تركته السنوات في روحه، وما فعلته التجارب في شخصيته، وكيف استطاع أن يبقى واقفًا رغم كل ما كان قادرًا على إسقاطه.

أنا أقف إلى جوار الفكرة قبل الشخص

وهنا أعود إلى السؤال الذي قد يطرحه البعض: لماذا كل هذا الاهتمام بالدكتورة ليلى؟

والجواب بسيط جدًا .. لأنني لا أؤمن بأن الكاتب يجب أن يقف مع الأشخاص لأنهم يحتاجون إليه، وإنما أقف مع من أرى أن الوقوف إلى جواره موقف يستحق أن يُقال ويُكتب، حتى وإن كان ذلك الموقف لن يضيف إليه شيئًا.

أنا لا أكتب عن الدكتورة ليلى لأنها تحتاج إلى شهادة مني، ولا لأنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل لأنني أؤمن أن هناك شخصيات من الظلم أن تمر في حياتنا دون أن نقول لها: (نحن نرى ما لا يراه الآخرون)

وهذه الجملة تحديدًا هي التي دفعتني إلى أن تكون الدكتورة ليلى على غلاف مجلة زهرة البارون.

فالغلاف بالنسبة لي ليس مجرد صورة توضع في واجهة مجلة، وإنما هو رسالة، واختيار الشخص الذي يتصدر الغلاف هو في حد ذاته موقف، وأنا عندما اخترت الدكتورة ليلى لم أكن أبحث عن وجه جميل يزين الغلاف، وإنما كنت أبحث عن شخصية تستطيع أن تحمل الغلاف بما وراء الصورة.

 

عندما يصبح الاختلاف قوة ... ربما يكون أكثر ما يزعج الناس في بعض الشخصيات أنها لا تشبههم.

فالإنسان المختلف يثير الأسئلة، والشخصية المستقلة تزعج من اعتاد أن يرى الجميع يسيرون في الاتجاه نفسه، والمرأة التي تختار طريقها بنفسها تكون دائمًا أكثر عرضة للأحكام الجاهزة.

ولهذا لا أستغرب أن تكون هناك مواقف مسبقة من الدكتورة ليلى لدى البعض، لأن الكثير من الناس لا يحتاجون إلى معرفة الحقيقة حتى يصدروا الحكم، يكفيهم أن يسمعوا نصف حكاية، أو يروا صورة، أو يختلفوا مع تصرف واحد، ثم يبنون شخصية كاملة من خيالهم.

لكن الدكتورة ليلى ليست مطالبة بأن تكون نسخة من توقعات الآخرين.

هي اختارت أن تكون كما هي، وهذا في زمن أصبحت فيه المجاملة أسهل من الصراحة، والتشبه بالآخرين أسهل من صناعة شخصية مستقلة، يُعد في حد ذاته نوعًا من الشجاعة.

ولهذا أرى أن الكارزما التي تمتلكها الدكتورة ليلى لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت من تراكم طويل من التجارب، ومن قدرتها على أن تبقى كما هي رغم محاولات كثيرة لدفعها إلى أن تكون شيئًا آخر.

 

الخلاصة ...

أنا لا أريد من هذا المقال أن أضع هالة من القداسة حول شخصية بشرية، فكل إنسان لديه ما له وما عليه، ولكنني أريد أن أقول شيئًا واحدًا فقط:

ليس من العدل أن نحاكم إنسانًا من صورته، ولا أن نختصر امرأة في جمالها، ولا أن نختزل شخصية في موقف، ولا أن نعتقد أن الطريق الذي يبدو سهلًا من بعيد كان فعلًا سهلًا على صاحبه.

ولهذا أقف إلى جوار الكارزما والجمال...

ليس لأنهما يكفيان لصناعة الإنسان، وإنما لأنهما عندما يجتمعان مع الصبر، والمعاناة، والوعي، والقدرة على البقاء، يصبحان حكاية أخرى لا يستطيع أن يقرأها إلا من تعلّم أن يرى ما وراء الصورة.

وهكذا أرى الدكتورة ليلى المولى... لا كصورة على غلاف، ولا كاسم يمر في صفحات مجلة، وإنما كشخصية تركت أثرها، وأثبتت أن بعض النساء لا يحتجن إلى من يمنحهن قيمة، لأن قيمتهن كانت موجودة قبل أن يلتفت إليها الآخرون.

السبت، 8 أغسطس 2026

قراءة في كتاب

 كتب لا أنصح بقراءتها.. (الكافي)

تحت عنوان:

كتب روائية اكتسبت قدسية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين 


منذ البارحة أتممت قراءة كتاب (الكافي) للمؤلف محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر، المعروف بـ  الكليني أو ثقة الإسلام الكليني ، المولود في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، والمتوفى سنة 329هـ/941م في بغداد، وهي السنة نفسها التي تُعرف في التاريخ الإمامي بـ  سنة الغيبة الصغرى الأخيرة ووفاة علي بن محمد السمري، آخر السفراء الأربعة للإمام المهدي وفق الاعتقاد الإمامي الاثني عشري.

 

العنوان... يبدو أن الكاتب اختار هذا العنوان من باب اقتناعه بأن المادة المكتوبة تكفي للقارئ، وأنه قد جمع علوم الأرض وما عليها، ويبقى هذا من وجهة نظر الكاتب، التي لم أقتنع بها.

 

أيديولوجية الكتابة... قد بدا لي، عند الانتهاء من قراءة الكتاب، أن الرجل قد جمع روايات تعتمد على النزعة الروائية التي تتوزع ما بين الحقيقة والخيال، حيث اعتمد في منهجية الكتابة على الجمع العشوائي لما توفر من روايات، دون إسنادٍ واضح لبعضها، وإخضاعها لمسألة منها الضعيفة ومنها المقبولة ، وهذا ما يذهب بالمادة المكتوبة إلى الرواية السردية التي تفتقر إلى القاعدة العقلية في التعامل مع النص.

وليس هذا فحسب، ولكن هناك أيضًا عدم وجود تصنيف صريح للروايات عند عرضها؛ فالقارئ يجد الروايات متتابعة ضمن الأبواب، بينما يأتي الحكم على السند لاحقًا عند علماء الحديث والدراية. ومن الناحية البحثية الحديثة، كان سيكون أكثر وضوحًا لو صاحب كل رواية بيانٌ منهجي لدرجة سندها.

حيث إن (الكافي) ليس إنشاءً حديثيًا من الصفر، بل اعتمد الكليني على أصول ومجاميع روائية سابقة كانت متداولة قبله، وهذا يجعل سؤال عن أصل الرواية وتاريخ انتقالها قبل وصولها إلى الكليني سؤالًا ضروريًا في التحقيق التاريخي.

وتشير الدراسات المتعلقة بتحقيق (الكافي) إلى تأثره بالمصادر السابقة عليه واختلاف نقل الرواية الواحدة بين المصادر، وهذا ما أبرز إشكالية تعدد الروايات وتعارضها .

ومن أبرز المشكلات المنهجية في الموروث الحديثي عمومًا وجود روايات متعارضة في القضية الواحدة. وهنا لا يكفي مجرد جمع الروايات، بل يحتاج الباحث إلى معيار واضح لترجيح إحداها على الأخرى: (السند؟ القرآن؟ العقل؟ الشهرة؟ موافقة الأصول؟)

لتبرز قضية مهمة... وهي تأخر عملية التصحيح الحديثي عن مرحلة الجمع ؛ فالكليني جمع المادة الروائية، ثم جاء بعده علماء اشتغلوا بصورة أكبر على تصنيف الأسانيد والحكم عليها. ولذلك لا ينبغي التعامل مع الكتاب كما لو كان (صحيحًا) وفق مفهوم الكتب التي صُنفت أصلًا على شرط الصحة.

الكافي ... عندما تتحول الرواية إلى حقيقة .. المشكلة في كتاب الكافي ليست في وجود رواية ضعيفة او رواية غريبة او رواية لا يستطيع العقل ان يتقبلها، فهذه وحدها ليست المشكلة الكبرى، لان وجود مثل هذه الروايات يمكن ان يكون مقبولآ في كتاب يقوم على جمع الموروث الروائي، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في المنهج الذي تم من خلاله جمع هذه المادة، ثم في الطريقة التي تحولت بها هذه الروايات مع مرور الزمن من مجرد روايات تحتاج الى التحقيق والتدقيق الى حقائق عقدية اكتسبت نوعآ من القدسية التي جعلت الاقتراب منها او مساءلتها امرآ يثير حساسية كبيرة.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية...عندما تقرأ الكافي تجد نفسك امام كم هائل من الروايات المنقولة عن رواة، والرواة عن رواة، حتى تصل الرواية في نهاية المطاف الى المؤلف، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل وصول الرواية الى الكليني يعني بالضرورة ان الرواية صحيحة؟

بالطبع لا...

فالكليني لم يكن حاضرآ في مجالس الائمة، ولم يكن شاهدآ على معظم الاحداث التي يرويها، وانما اعتمد على ما وصل اليه من روايات ومصادر ومجاميع روائية سبقت عصره، وهذا يعني ان الرواية قبل ان تصل الى الكتاب قطعت طريقآ طويلآ من النقل، وفي كل مرحلة من مراحل هذا الطريق هناك انسان ينقل عن انسان.

وهنا اضع اصبعي على الجرح...

من يضمن لنا ان كل من مرّت الرواية من خلالهم كانوا اهلآ للثقة؟

ومن يضمن لنا ان الرواية لم يدخل عليها النقص او الزيادة او الخطأ او الوهم؟

ومن يضمن لنا ان الذاكرة البشرية التي حملت هذه الروايات لعقود او قرون لم تكن سببآ في تغيير شيء من مضمونها؟

هذه ليست اسئلة عدائية، وانما هي اسئلة المنهج.

والغريب ان البعض يتعامل مع هذه الاسئلة وكأنها اعتداء على المقدسات، بينما الحقيقة ان الكتاب نفسه يحتاج الى هذه الاسئلة حتى يمكن معرفة ما الذي يمكن قبوله وما الذي يجب رفضه.

ثم تأتي مشكلة اخرى اكثر وضوحآ... الكليني جمع الروايات، لكنه لم يقدم للقارئ امام كل رواية شهادة تقول هذه صحيحة وهذه ضعيفة وهذه موضوعة.

بل وضع الروايات داخل ابواب متعددة، ثم جاء علماء الحديث والدراية بعده ليمارسوا عملية الفرز والتصحيح والتضعيف.

وهنا أسأل: اذا كان الكتاب يحتاج بعد مؤلفه الى علماء يأتون بعد قرون حتى يحددوا الصحيح من الضعيف، فكيف تحول الكتاب عند البعض الى مصدر لا يجوز الاقتراب منه بالنقد؟

أليس من المفترض ان يكون النقد سابقآ على بناء العقيدة، وليس ان تبنى العقيدة ثم نبحث بعد ذلك عن الرواية التي تؤيدها؟

وهنا تظهر واحدة من اخطر المشكلات في الكتاب...

عناوين الابواب نفسها... فحين يضع المؤلف بابآ عن علم الائمة بما كان وما يكون، او بابآ عن علمهم، او بابآ عن النص عليهم، او بابآ عن الجفر والجامعة ومصحف فاطمة، فهو لا يقدم للقارئ مجرد روايات مبعثرة، وانما يضعها داخل سياق معين يجعل القارئ ينظر اليها من خلال العنوان الذي وضعه المؤلف.

وهنا تصبح المسألة اكبر من رواية.. تصبح المسألة بناءآ فكريآ كاملآ.

والسؤال الذي لا بد من طرحه:

هل الرواية هي التي صنعت العنوان؟ .. ام ان العنوان اصبح هو الذي يوجه القارئ الى الطريقة التي يفهم بها الرواية؟

وهذه نقطة خطيرة في منهجية التعامل مع النص.. ثم نأتي الى مسألة اخرى لا يمكن تجاوزها...

 

تعارض الروايات.. روايات متعددة في القضية نفسها، ومضامين مختلفة، واحيانآ روايات يصعب الجمع بينها، ثم يأتي الباحث بعد ذلك ليبحث عن طريقة للتوفيق بينها او ترجيح بعضها على بعض.

وهنا اسأل:

اذا كانت الروايات جميعها طريقآ الى الحقيقة، فلماذا تختلف؟

واذا اختلفت، فمن الذي يملك معيار الحقيقة؟

(السند / ام القرآن / ام العقل / ام رواية اخرى / ام الشهرة / ام الاصول)

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لاننا نكتشف ان الرواية وحدها لا تستطيع ان تكون الحكم على نفسها.

فالرواية تحتاج الى سند.. والسند يحتاج الى رجال.. والرجال يحتاجون الى توثيق.. والتوثيق يحتاج الى معيار.. والمعيار يحتاج الى مرجعية.. وبذلك نجد اننا دخلنا في دائرة لا تنتهي بمجرد القول: (قال الكليني)

فالكليني لم يكن معصومآ، والراوي لم يكن معصومآ، والكتاب لم ينزل من السماء وهذه الحقيقة يجب ان تبقى واضحة مهما ارتفعت مكانة الكتاب عند اتباعه وانا لا اقول ان الكافي لا قيمة له، بل على العكس، قيمته التاريخية كبيرة جدآ لمن يريد دراسة الفكر الروائي الامامي وتطوره، ولكن القيمة التاريخية شيء، وتحويل كل ما فيه الى حقيقة دينية مطلقة شيء آخر.

 

وهنا تكمن المفارقة... كتاب يحتاج الى التمحيص حتى نعرف الصحيح من الضعيف، لا يمكن ان يكون هو نفسه معيارآ نهائيآ للصحة وكتاب يحتوي على روايات تحتاج الى الترجيح والتأويل لا يمكن ان يتحول بمجرد شهرته الى كتاب فوق النقد والاكثر غرابة ان البعض عندما تواجهه برواية مشكلة من الكافي يقول لك: الرواية ضعيفة

ولكن هنا يأتي السؤال: اذا كانت ضعيفة، فلماذا وجدت طريقها الى كتاب يعده البعض من اهم كتب الرواية؟ .. واذا كانت صحيحة، فلماذا يحتاج مضمونها الى كل هذا التأويل؟ .. واذا كانت لا هذه ولا تلك، فلماذا لا يكون هناك منهج واضح منذ البداية يبين للقارئ حقيقة كل رواية؟

وهنا اصل الى النتيجة التي اراها واضحة بعد قراءة الكتاب:

الكافي ليس كتابآ معصومآ، وليس كل ما فيه صحيحآ، وليس كل ما فيه صالحآ لبناء عقيدة، وليس وجود الرواية بين دفتيه دليلآ على صحتها ومن يريد ان يدافع عن الكتاب فليدافع عنه بالمنهج، لا بالقدسية.

وليأتنا بالرواية وسندها ومصدرها وتاريخ انتقالها ومضمونها، ثم ليترك للعقل حق السؤال.. لانني لا اخشى الرواية التي تستطيع ان تقف امام النقد.. انا اخشى الرواية التي تحتاج الى منع السؤال حتى تبقى واقفة.

ولهذا اقولها بصراحة: اذا كان الكافي يحتاج الى قرون من علماء الرجال حتى نعرف ماذا نقبل منه وماذا نرفض، فهذه وحدها كافية لنعرف اننا امام كتاب روائي يحتاج الى التحقيق، لا امام كتاب مقدس يحتاج الى التسليم.

 

الخلاصة ... المشكلة في «الكافي» ليست في رواية ضعيفة أو أخرى غريبة، بل في القداسة التي أُحيط بها كتاب بشري، حتى أصبح نقد بعض رواياته عند البعض وكأنه نقد للعقيدة نفسها.

فالكليني ليس معصومًا، والرواة ليسوا معصومين، والكتاب ليس وحيًا، والرواية لا تصبح حقيقة لمجرد أنها وجدت مكانًا بين دفتيه.

إن كان النص صحيحًا، فليصمد أمام العقل والنقد. وإن كان ضعيفًا، فلا تنقذوه بالقداسة.. فالكتاب الذي يحتاج إلى قرون من العلماء لتمييز صحيحه من سقيمه، لا يمكن أن يُعامل وكأنه كتاب الحقيقة المطلقة.

وهنا أقولها بلا مواربة: اقرأوا «الكافي» بعقولكم، لا بقداسته؛ فالحقيقة لا تخشى السؤال، أما النص الذي يخاف من النقد، فربما كان أول ما يحتاج إليه هو النقد.

 


مقال

    نصف ساعة في مقهى شعبي تحت عنوان جلسة لما فوق العادة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين منذ فترة طويلة، تعودنا أنا وصاحبي عبد...