بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

مقال

 

 الشيوعية والثقافة القشرية

تحت عنوان

البغبغاوية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



هناك شائعة مغلوطة بين الكثير من المثقفين والمفكرين اليوم، مفادها أن الشيوعيين هم الأكثر ثقافة من سواهم. ولكن الثقافة ليست أن تقوم بحفظ الكثير من النصوص والأسماء، إنما هي أن يكون لك رأي فيما تحفظ أو تقرأ. فالكثير ممن يحملون جذورًا تاريخية في الانتماء المذهبي لهذا الفكر هم مجرد مستعرضين لما حفظوه، لا أكثر. وهنا سوف نستعرض بعض الأسباب التي ساهمت في صناعة هذه الفكرة.

 

فكرة تصدير الثورة... يظن البعض أن هذه الفكرة تعود إلى نظام الملالي في إيران، ولكن، وللأسف، هذه أيضًا فكرة غير صحيحة، إذ إنها تعود إلى المنهج الشيوعي ومفهوم تطوير أساليب السيطرة في العالم منذ أيام الحروب العالمية وتأسيس الأحزاب الشيوعية، فكان الأدب والفن أبرز أدوات تصدير فكرة الثورة الشيوعية.

 

حقيقة الانتشار الواسع... قد يرى أحدكم، إذا ما عاد إلى تاريخ الأدب والأدباء في العراق، أن نسبة كبيرة جدًا منهم كانت تتبنى هذا الفكر. وإذا ما عدنا إلى حقيقة الأمر، فسوف نجد تلك الشعارات الزائفة عن المساواة ودعم الطبقات الفقيرة. ولكن الاستعراض شيء، والحقائق أمر آخر. فالفكر الشيوعي هو تجسيد لاستعباد الشرائح الاجتماعية، والفرق بينه وبين الرأسمالية أن الأولى تستعبد الجماعة، والثانية تستعبد الفرد. والغريب أن الكثير من المفكرين، لغاية يومنا هذا، لم يدركوا هذه الحقيقة المُرّة. وهناك معلومة يجب أن تعلمها العامة، وهي أن التاريخ الشيوعي، منذ تأسيسه ولغاية تاريخ كتابة هذا المقال، تاريخ دموي بامتياز، وهذا يعود، برأيي، إلى سذاجة ذلك الفكر ومفكريه.

 

أدب اللطامة... لا تغرنك تلك الأسماء اللامعة في الفكر الشيوعي، فجميعهم يلعبون اللعبة ذاتها، التي تنحصر في مصطلح (جلد الذات)، بوصفه نوعًا من استدرار عطف الفئة الأكثر اضطهادًا اجتماعيًا أو سياسيًا. أما عن تلك الأسماء، مثل (مكسيم غوركي، وميخائيل شولوخوف) وغيرهما الكثير، فجميعهم يشتركون في أن الحظ قد خدمهم لتصبح أسماؤهم لامعة. وحتى لو عدنا إلى المؤسس (كارل ماركس)، لوجدناه يعاني الكثير من العقد النفسية والاجتماعية التي دفعته ليكون ما هو عليه. ومن أبرز المآثر التي كان لها صدى واسع الانتشار فكرة (المعاناة تصنع الإبداع)، أي يجب أن تعيش حياة بائسة لتكون مبدعًا، وهذا يلغي دور الموهبة في الموضوع، ولهذا أطلقت عليه أدب اللطامة.

 

مشكلة الشيوعية في الفكر العربي... وهنا يجمع الكثير من المفكرين على فشل الفكر الشيوعي أمام الفكر العربي، ولهذا أسبابه، وأبرزها أن المجتمع العربي هو، بالأصل، مجتمع متدين وعاطفي. ولهذا تجد أنه حتى عند أولئك الشيوعيين العرب، فإنهم ينكرون فكرة الإلحاد وارتباطه بالشيوعية، ولهذا فشلت فكرة تغيير العقيدة التي تمس الدين.

ومن باب الطرفة، قبل أيام، وبينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت مجموعة بعنوان (تجمع شيوعيي العراق)، ولكن عند دخولي لرؤية ما ينشرونه، وجدت أن جميع المنشورات عبارة عن صور للإمام علي، كرم الله وجهه، والإمام الحسين، عليه السلام. فكتبت منشورًا تضمن: (إخوان، أنتم غير قادرين على التفريق بين مصطلحي شيعي وشيوعي). وهنا يكمن المغزى، ويكمن أيضًا الإثبات، على أن ثقافتهم، في حقيقة الأمر، ثقافة قشرية.

 

ثقافة الاقتباس... من أكثر ما يلفت الانتباه في أوساط المتأثرين بهذا الفكر أن كثيرًا من النقاشات تتحول إلى سباق في استعراض أسماء الفلاسفة والروائيين والاقتباسات، حتى يصبح اسم الكاتب أهم من الفكرة نفسها. فتجد أحدهم يردد مقولة لماركس أو لغرامشي أو لغوركي وكأن مجرد الاستشهاد بها يمنحه تفوقًا فكريًا، بينما إذا سألته عن رأيه الشخصي، أو طلبت منه نقدًا لتلك الفكرة، اكتشف أنه لا يملك سوى إعادة ما قرأه بصياغة مختلفة. وهنا تتحول الثقافة من عملية إنتاج للمعرفة إلى مجرد عملية حفظ واستنساخ، ويتحول المثقف إلى ببغاء يكرر ما سمعه، لا إلى عقلٍ قادر على التحليل والمراجعة والمساءلة. فالثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الكتب التي قرأتها، بل بعدد الأفكار التي استطعت أن تعيد النظر فيها وأن تبني منها رأيًا مستقلًا، لأن العقل الذي لا يجيد إلا التكرار لا يصنع معرفة، وإنما يصنع صدىً لأصوات الآخرين.

 

الخلاصة ... أنني هنا لا أخشى أصحاب الأفكار بقدر ما أخشى أصحاب العقول المستعارة؛ أولئك الذين يظنون أن ترديد أسماء الكتب والفلاسفة يمنحهم صكوك التفوق، بينما هم في الحقيقة لا يحملون إلا أصداء أصوات غيرهم. فالثقافة القشرية لا تصنع مفكرًا، بل تصنع ببغاءً يحفظ أكثر مما يفهم، ويكرر أكثر مما يحلل، ويهاجم أكثر مما يناقش. وما أقسى أن يقضي الإنسان عمره يتباهى بما حفظ، ثم يكتشف أنه لم يملك يومًا فكرةً واحدةً تخصه. فالتاريخ لا يخلد حافظي الشعارات، وإنما يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، وجرأة النقد، واستقلال العقل.

 

الاثنين، 13 يوليو 2026

مقال

 

 كتب رسمية تعزز آليات تكميم الأفواه

تحت عنوان

لا أحد فوق ما سوف يُكتب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


لتكن البداية بجملة أوجهها لأصحاب هذه الأفكار الهزيلة، وسوف أكتبها باللهجة العامية: (صيروا أوادم، محد يحچي عليكم).

اليوم، وبطريق الصدفة، وقع نظري على كتاب رسمي غريب جدًا يتضمن نوعًا من التهديد والوعيد لكل من ينشر مشاكله على مواقع التواصل الاجتماعي. والغريب في الأمر تلك الآلية في التعامل مع الكوادر الوظيفية، ونحن في مؤسسة تمثل أعلى الهيكلية الوظيفية في الدولة. والأغرب أن المسؤول اليوم أصبح عاجزًا عن إيجاد الحلول للمشاكل التي يعاني منها الموظف، فيتجه إلى إسكات صوته. وهنا سوف نحاول معرفة ما الذي دفع هؤلاء إلى إصدار هذه النوعية من الكتب الرسمية التي لا أجد لها وصفًا أقل من أنها مهزلة.

 

الصمم مرض المسؤول... ولنبدأ من الوزارة، وعن تجربة شخصية. فعند مراجعتك لهم تصطدم بما يُعرف بباب (شؤون المواطنين)، ومهمتهم فرز القضايا بين ما هو مهم وما هو غير مهم. والغريب أن من أوجد هذه الآلية غير مدرك أن من يصل إلى مبنى الوزارة لم يأتِ للسياحة أو الاستجمام كما يظنون، وإنما هو رجل أو امرأة أنهكته الحياة، وضاقت به السبل، حتى قرر المضي في هذا الطريق. أما الردود عندهم فهي جاهزة، ولا يكلفون أنفسهم عناء النظر في أبعاد القضية المطروحة أو جوانبها الإنسانية، وهذا هو الحال على مستوى الوزارة.

أما على صعيد الجامعات، فأغلبها يخصص يومًا واحدًا يتيمًا لمقابلة العامة، أما بقية أيام الأسبوع فهي للمقابلات الخاصة، في مشهد يعزز الطبقية. وهناك أيضًا لجنة تتمثل وظيفتها في تقرير من تكون قضيته صالحة للعرض على السيد رئيس الجامعة. وإذا ما عدنا إلى الدرجات الوظيفية الأدنى من هذا المنصب، فإن الأمر يتطلب منك التحلي بصبر طويل لمقابلة المسؤول، وأن تحظى بعلاقات مع طاقم السكرتارية، فقد تنتظر ساعات، أو يومًا، أو يومين، لتحظى بشرف المقابلة.

وبعد كل هذا، يأتي أحدهم ليصف من يتعرض للغبن بالوقاحة لأنه فاض به الكيل، فراح يشكو همه للعامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأجد في ذلك نوعًا من عدم احترام حرية الرأي، إن لم يكن خروجًا على احترامها. فالنقد ورصد الهفوات قضية محمودة لمن يملك الرؤية أو القدرة على تصحيح المسارات الوظيفية، ولهذا تجد المسؤول في أغلب الأحيان ناقمًا على من يشق جدار الصمت بصراخه الذي فرضه عليه الألم.

 

التهرب من المسؤولية... ومن أسوأ تقليعات هذا المصطلح ذلك التعميم الذي يُكتب فيه: (بصلاحيات المسؤول المباشر)، ويُستخدم هذا فقط إذا لم يكن الأمر على هوى المسؤول. وفي الغالب، يكون ذلك من نصيب الموظف الذي لا يمتلك أساليب التملق أو محاباة المسؤول، وهم غالبًا من أصحاب الدرجات الوظيفية المتدنية.

ولمن لا يعرف، فأنا أعاني من مشكلة لا يستطيع حلها حتى كولومبو، على مستوى الجامعة والوزارة التابعة لها. ومع أنني لم أترك أحدًا إلا وكلمته في موضوعي، إلا أن الرد كان يدخل من باب التطنيش، لأن الأمر برمته تابع لجهة سيادية في رئاسة الوزراء.

وقد وصل الحال ببعضهم إلى العجز حتى عن مخاطبة الوزارة لتقصي الحقائق حول هذا الموضوع، مبررين موقفهم بأنهم ملتزمون بالكتب الوزارية، ظنًا منهم أنهم يفعلون الصواب.

وهنا أود أن أستشهد بقصة من التراث الإسلامي، مفادها أنه عندما سُجن الإمام أحمد بن حنبل، سأله أحد الحراس: هل أكون في موقف إعانة الظالم على ظلمه؟ فابتسم الإمام وقال له: أتدري يا رجل من الذين أخاف عليهم أن يقعوا في وصف أعوان الظالم؟ إن من يخبز لهم، ومن يقدم لهم الطعام، ومن يسقيهم الماء، أولئك هم من يعين الظالم. فقال الحارس: فمن أكون أنا؟ فرد الإمام: أنت الظالم بعينه.

وإذا ما أمعنا النظر في المغزى من هذه الحكاية، نجد أن كل من يتقاعس عن رد الظلم عن الناس بحجة المسؤولية أو التمسك الحرفي بالقوانين، فهو يظلم نفسه أولًا، ويقع في إثم تجاه الناس، وسوف يسأله الله عن ذلك يوم القيامة.

المشكلة الحقيقية ليست في الموظف الذي كتب منشورًا أو أطلق صرخة وجع على مواقع التواصل، بل في المؤسسة التي أصبحت تخاف من الكلمة أكثر من خوفها من الفساد والإهمال والتقصير. فبدل أن تسأل نفسها لماذا وصل الموظف إلى مرحلة كشف معاناته أمام الناس، راحت تبحث عن طريقة لإسكاته، وكأن الجريمة ليست في الظلم الواقع عليه بل في فضحه. إن أخطر ما وصلت إليه بعض المؤسسات اليوم أنها لم تعد ترى المواطن أو الموظف إنسانًا له حق الشكوى والاعتراض، بل أصبحت تنظر إليه كمصدر إزعاج يجب تطويقه بالكتب الرسمية والتعليمات والتهديدات المقنّعة.

وحين تتحول الكتب الرسمية من أدوات لتنظيم العمل إلى أدوات لبث الرعب الوظيفي، فاعلم أن الخلل لم يعد فرديًا بل أصبح ثقافة إدارية كاملة. ثقافة تقوم على حماية الكرسي لا حماية الإنسان، وعلى دفن الأخطاء لا معالجتها، وعلى معاقبة الصوت الذي يكشف الخلل بدل محاسبة من تسبب به. ولهذا نرى المسؤول يغضب من منشور كتبه موظف مسحوق، لكنه لا يغضب من معاملة مهينة، أو معاملة متوقفة منذ أشهر، أو حق ضائع بين الأدراج والتواقيع. إنهم يريدون موظفًا صامتًا حتى وإن كان مظلومًا، يريدونه أن يتألم بصمت، وأن يخسر حقوقه بصمت، وأن يُعامل كرقم في سجل لا كإنسان يحمل همًا وأسرة ومستقبلًا.

ومن هنا فإن معركة الكلمة ليست معركة منشور على فيسبوك أو تعليق على منصة، بل معركة بين عقلية تؤمن بأن النقد وسيلة للإصلاح، وعقلية أخرى ترى في كل صوت حر تهديدًا لهيبتها المصطنعة. ولهذا كلما ضاقت صدورهم بالكلمة، تأكدنا أن الكلمة أصابت موضع الخلل، وأن الصمت الذي يريدونه ليس حفاظًا على النظام، بل حفاظًا على أخطاء لا يريدون لأحد أن يراها.

 

استراتيجيات خارج منطق العقل... وهنا أستشهد بقول أحد الأساتذة عندما أخبرني أن هناك تعتيمًا إعلاميًا على شخصيتي داخل العمل، وقد يكون هذا الأمر منطقيًا إلى حد كبير، بسبب معرفتهم بأنني لا أسكت عن الخطأ، أيًا كان مصدره أو صاحبه، مهما كان منصبه أو مكانته.

ولمن لا يعلم، فإن هذا هو أسلوبي منذ عهد النظام السابق، وقد سبب لي الكثير من المشاكل، لكنه لم يثنني يومًا عن التخلي عن هذا النهج. ولأنهم غارقون في الجهل، لم يفكر أحد منهم في توظيف هذه الإمكانيات التي أملكها لتدعيم آليات العمل الجامعي، بل على العكس، انتهجوا سياسة العزل، ظنًا منهم أنني سأستسلم.

وهم لا يعلمون أنه لو علموا ما أملكه من قدرة على عرض القضايا وتحليلها بطريقة تجعلهم يقفون أمامها مذهولين، لما سلكوا هذا الطريق أصلًا، لأن ما يفعلونه ليس إلا استراتيجيات تخرج عن منطق العقل، قبل أن تخرج عن منطق الإدارة.

 

الخلاصة ... اكتبوا ما شئتم من كتبٍ رسمية، وعمموا ما شئتم من تعليمات، وشيدوا ما شئتم من جدرانٍ حول الكلمة، لكن تذكروا أن الحقيقة لا تُدفن بتوقيع، ولا تُكمَّم بختم، ولا تُلغى بكتاب صادر من مكتب مسؤول. فالصوت الذي يخرج من رحم الظلم أقوى من كل أرشيفكم الورقي، والوجع الذي يعجز المسؤول عن معالجته لن يعجز صاحبه عن فضحه.

إن هيبة المؤسسة لا تُصنع بإسكات موظفيها، وإنما تُصنع بالعدل، وبالإنصاف، وبفتح الأبواب أمام المظلوم لا بإغلاقها في وجهه. أما أن يصبح كشف الخلل جريمة، ويصبح السكوت فضيلة، فهذه ليست إدارة، بل إعلان صريح بأن الخوف بات يحكم مكان الكفاءة، وأن الحفاظ على الصورة أصبح أهم من إصلاح الواقع.

ولذلك أقولها بوضوح: لا تخيفني كتبكم الرسمية، لأن القلم الذي لا يخاف من قول الحقيقة لا يرهب توقيعًا، ولا يرتجف أمام ختم، ولا يبدل قناعاته إرضاءً لمن اعتادوا سماع التصفيق بدل سماع النقد. وسأظل أكتب، لأن الكلمة الحرة لا تستأذن أحدًا، ولأن التاريخ لا يخلّد من كمّم الأفواه، بل يخلّد من امتلك الشجاعة ليقول: هنا بدأ الخطأ... وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح.

السبت، 11 يوليو 2026

قراءة

 

 الصراع القيمي

تحت عنوان

قراءة في عمل سينمائي بعنوان (برشامة) لعام 2026

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ما زال هناك أمل.. بهذه الجملة أبدأ قراءتي في عمل سينمائي أُنتج لهذا العام، ينتمي إلى السينما المصرية، وهو - إذا ما أردنا أن نُبوِّبه - يكون من باب الكوميديا الساخرة. أُنتج العمل سنة 2026، وهو من تأليف وإخراج خالد دياب، وأداء مجموعة متميزة من الفنانين. وما يميز هذا العمل، بشكل عام، أنه أسقط نظرية البطولة المطلقة، وطرح مجموعة من القضايا بأسلوب ساخر. وقد يكون عنوان العمل غريبًا نوعًا ما، وهو (برشامة)، ويُقصد بها قصاصة الغش. وهنا سوف نقدم عرضًا لبعض التقنيات المستخدمة في العمل.

 

فكرة العمل... العمل برمته مستوحى من فكرة يجسدها مثل شعبي عراقي مفاده: (هم يضحك وهم يبكي). وتدور القصة حول لجنة امتحانية يُطلق عليها في مصر (امتحان بمنازلهم)، وهي الامتحانات الخارجية للطلبة الذين تأخروا في التحصيل الدراسي. وهنا تكون الفكرة جامعة لمجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل شرائح اجتماعية مختلفة، بينهم رجل دين، وراقصة، وسجين، وغيرهم الكثير. وهذا ما خلق نوعًا من الصراع القيمي في طرق الحصول على تقييم امتحاني عالٍ. وقد تكون فكرة الفصل الدراسي فكرة مستهلكة في السينما المصرية، إلا أنها في هذا العمل جاءت متميزة في طرح الموضوعات بصورة مختلفة.

 

نقاط القوة والضعف في العمل... لكل عمل في الحياة نقاط قوة تُحسب له، وأخرى ضعيفة تُحسب عليه. ومن أبرز نقاط القوة طرح المشكلة بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما، دون أن يفقد رسالته الأساسية، وهذا يتجسد في عبقرية النص وتقديمه بصورة مقنعة، مما يمنحه ميزة سهولة وصول الفكرة إلى المتلقي. بالإضافة إلى أداء جيد من أبطال الفيلم، خصوصًا في المشاهد التي تتطلب توازنًا بين الكوميديا والانفعال، حتى على مستوى الأدوار الثانوية.

وهنا تكون هناك نقطة مميزة رصدتها من خلال مشاهدتي للعمل، وهي أن الإيقاع السريع في الثلث الأول من الفيلم جذب انتباه المشاهد، وفي هذا أيضًا تميز يُحسب لإدارة العمل الفني، المتمثلة بشخصية المخرج.

ومن جملة القضايا التي طرحها الفيلم احتواء العمل على رسائل تربوية وأخلاقية دون تعقيد كبير، ومنها الصراع القيمي بين مجموعة من الشخصيات، مثل رجل الدين، والراقصة، والسجين، وهذه هي أصل الفكرة التي قام عليها العمل.

ومن خلال وجود مواقف كوميدية نابعة من الموقف الدرامي، أكثر من اعتمادها على الإفيهات فقط، شدَّ انتباهي أحد تلك الإفيهات التي تصب في فكرة الموضوع، والتي وردت في النص، إذ قال أحدهم: «إن الغش في بعض المواقف الحرجة حلال»، فرد عليه رجل الدين: «من الذي قال هذا؟ أنا أحفظ كل ما ورد عن ابن حنبل، ولم يرد شيء من هذا.» فرد الآخر قائلًا: «هذا لم يقله ابن حنبل، وإنما قاله ابن عمي.»

وهنا تبرز فكرة تسفيه القيم التي تُحسب على العمل. ومن باب الطرفة، فقد مرت عليَّ فكرة مشابهة لمحتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما قالت امرأة لزوجها: «إن الرجل لا يجوز أن يهمل زوجته، وهو حديث متفق عليه.» فرد الرجل: «ومن هؤلاء المتفقون على هذا الحديث؟» فقالت: «أنا ونسوان الحي.»

ومن هذا المنطلق يكون هناك ما يُعرف بتشويه الصورة للقيم الأخلاقية بصورة لينة، لزرع الفكرة في العقل الباطن للمشاهد.

 

المضمون... إن العمل، رغم ما ذُكر مما يُحسب عليه، يُعد عملًا ناجحًا يستحق المشاهدة إلى حد كبير، بسبب بساطة الطرح الممتع، وابتعاده عن تلميع الشخصيات في العمل، وهو الأمر الذي طالما تعودنا عليه. وهذا ما ينتمي إلى مفهوم السهل الممتنع، الذي عالج به مجموعة من القضايا بصورة موحدة في عمل سينمائي أعده، من وجهة نظري، طفرة فريدة في فوضى السينما، ليكون هذا العمل بمثابة بذرة أمل في تقديم عروض هادفة.

ومن زاوية أخرى، فإن العمل لم يكن يتحدث عن ورقة امتحانية بقدر ما كان يتحدث عن امتحان الضمير الإنساني، فكل شخصية دخلت قاعة الامتحان وهي تحمل معها منظومة من المبادئ والقيم التي تشكلت عبر سنوات طويلة، ولهذا لم يكن الصراع الحقيقي على الإجابة الصحيحة، وإنما على الوسيلة التي تُوصل إليها. فهناك من رأى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهناك من تمسك بقيمه حتى وهو يدرك أن خسارته قد تكون أكبر من ربح الآخرين. وهنا تكمن عبقرية النص، لأنه نقل الامتحان من كونه حدثًا دراسيًا إلى كونه مرآة تعكس طبيعة المجتمع، وكيف يمكن للحاجة أو الخوف أو الطمع أن تعيد تشكيل المبادئ عندما توضع أمام اختبار حقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن الفيلم لا يدين الغش بحد ذاته فحسب، بل يدين البيئة التي تجعل الإنسان يبحث عن المبررات قبل أن يبحث عن الحقيقة، وهذا ما منح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود الكوميديا ليقترب من النقد الاجتماعي الهادئ الذي يترك أثره في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.

 

الخلاصة ... يبقى العمل السينمائي الحقيقي هو ذلك الذي لا تنتهي حكايته عند نزول الستار، وإنما يبدأ تأثيره بعد مغادرة المشاهد لقاعة العرض. وهذا ما نجح فيلم (برشامة) في تحقيقه، إذ لم يكتفِ بصناعة الضحكة، بل جعل منها وسيلة لطرح أسئلة مؤجلة عن منظومة القيم التي أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا تحت وطأة المصلحة والظرف والتبرير. فالفيلم، وإن جاء في قالب كوميدي، إلا أنه قدّم رسالة مفادها أن سقوط الإنسان لا يبدأ حين يرتكب الخطأ، بل عندما يصبح الخطأ أمرًا اعتياديًا يجد له الجميع مبرراته. ومن هنا أرى أن قيمة هذا العمل لا تكمن في عدد المشاهد التي أضحكت الجمهور، وإنما في عدد الأفكار التي بقيت عالقة في أذهانهم بعد انتهاء الفيلم، ليؤكد مرة أخرى أن السينما، عندما تحترم عقل المشاهد، تستطيع أن تكون مدرسةً للفكر قبل أن تكون وسيلةً للترفيه.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

مقال

 

 الإسلام وحافة الهاوية

تحت عنوان

ضرورة ولَّدت المُجدِّد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



إن الفكرة التي لا تقبل التجديد، مصيرها إلى الزوال، حتى وإن كانت في باب الدين. فمنذ فترة سألتني إحدى الصحفيات: "لماذا توجه سهامك دائماً ضد الإسلام؟" وهنا يكمن الخطأ في صياغة السؤال، إذ كان ينبغي أن يكون: "ما هي مشكلتك مع الإسلام؟"

والحقيقة أنني لا أملك مشكلة مع الإسلام كدين، وإنما تكمن مشكلتي في قضية تحريف الدين، ومنهجية التقول على الله عز وجل ورسوله الكريم محمد (ص)، وتوظيفهما للمنافع الدنيوية والشخصية. وهذا، بالضبط، ما يمنع تقبل فكرة المُجدِّد.

فاليوم نجد الكثير من البشر يرسمون صورةً لله على الأرض بما يخدم مصالحهم، وهذا العمل يُعد من أعمال المنافقين، والعياذ بالله. وللتنويه، فإن المنافقين هم أكثر الناس حرصاً على إظهار أنفسهم أمام العامة بمظهر المتدينين، وهذا بالضبط ما نراه ونسمعه اليوم.

ولهذا، يجب أن يكون التعامل مع الإسلام على مبدأ شراء بيتٍ مستعمل؛ إذ ينبغي أن يمر بأربع مراحل، وهي: (التنظيف، الشطف، التأثيث، السكن)، ليصبح بعدها منزلاً صالحاً للسكن. وهذه السطور التي أكتبها اليوم تمثل المرحلة الأولى، وهي التنظيف.

 

أيديولوجية توظيف النص... قبل يومين سألت أحد الأساتذة الجامعيين عن سبب الإبقاء على بعض الأحاديث النبوية، وعدم حذفها رغم وجود إجماع على ضعفها، فكانت إجابته: "لتقويم الأخلاق." وضرب مثالاً بحديث: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف."

وليست مشكلتي مع هذه النوعية من الأحاديث، وإنما مع نوعية أخرى وُظِّفت لغرض الدس والتضليل. ومثالي في ذلك الحديث المنسوب: "إن الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه." فهذا الحديث استُخدم -بحسب ما يُطرح- للدس في سيرة أحد الصحابة الكرام، وهو خالد بن الوليد، بسبب أن الرسول (ص) لقبه بـ "سيف الله المسلول". وهذا مثال حي على محاولات الدس.

وهناك حديث آخر مفاده: "إن في اختلاف أمتي رحمة." مع أن هذا الحديث يتعارض -بحسب طرحي- مع النص الإلهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

وقد يظن الكثير أن هذه النصوص ليست بذلك الحجم من الخطورة الذي ألمح إليه، ولكن ما لا يعلمه الكثير أن ما ورد هنا ليس إلا غيضاً من فيض. فقد تكون مثل هذه النصوص بمثابة معول في عملية الهدم والتضليل للرأي العام، لأن الجميع اليوم بات غير قادر على امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين الصواب والخطأ، بسبب التطور التكنولوجي، وإمكانية تغذية المواقع الإلكترونية بالمعلومات التي يعدها الكثيرون المصدر الوحيد للمعرفة.

وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي لا تملك القدرة على التحقق الفكري من مصادر المعلومة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على ما هو متاح من بيانات ومصادر.

 

حتمية شخصية المُجدِّد... بما أن عصر الأنبياء والرسالات السماوية قد انتهى بوفاة رسولنا الكريم محمد (ص)، فمن البديهي أن يكون هناك ما يُعرف بالمُجدِّد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام كدين.

ودليلي في ذلك أن من الأدعية المتداولة في خطب الجمعة: "اللهم ابعث فينا من يجدد ديننا." وهذا -من وجهة نظري- يمثل اعترافاً ضمنياً بفكرة وجود شخصية تقوم بعملية التجديد.

ولكن من هو المُجدِّد؟ وما صفاته؟ ... ليس شرطاً أن يكون خارجاً عن المألوف في تعامله مع جميع النصوص، وإنما يجب أن يحظى أولاً بالعناية الإلهية، وأن يكون قادراً على امتلاك الرؤية في عملية التجديد، ورسم خارطة فكرية للتعامل مع النصوص السماوية، بما يحفظ جوهرها ويمنع استغلالها.

 

الإسلام وحافة الهاوية... الكثير اليوم، عندما تسأله، يقول لك: "الدنيا ما زالت بخير." ولا أعرف عن أي خير يتحدث، وغالباً ما يقصد المتدينين.

والمشكلة أن أشباه المتدينين باتوا الخطر الأكبر على الإسلام، أكثر من أعدائه، حتى أصبحوا يؤدون دور الجاسوس في جسد الإسلام.

وإذا أردنا تحليل هذه الكلمة على سبيل المجاز، فإنها تعود إلى عبارة "جاء السوس"، والسوس هو تلك الحشرة التي تنخر حبة الحنطة من داخلها، وهذا -في نظري- هو الدور الذي يؤديه أشباه المتدينين؛ فهم يمارسون عملية النخر في جسد الدين الإسلامي من الداخل، من خلال بث روح الشقاق والنفاق، وتوظيف النصوص الضعيفة وفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.

 

المضمون ... إن أخطر ما يواجه الإسلام اليوم ليس هجوم خصومه، فالأديان عبر التاريخ واجهت الحروب والاحتلالات ومحاولات الطمس وبقيت قائمة، وإنما الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص إلى أدوات بيد البشر، فيُلبسون أهواءهم ثوب القداسة، ويمنحون مصالحهم صكوكاً إلهية، حتى يصبح الاعتراض على الإنسان اعتراضاً على الله، ويغدو نقد الفهم وكأنه حرب على الدين نفسه. ومن هنا تبدأ رحلة الانحدار؛ لأن الدين حين يفقد قابلية المراجعة الفكرية، ويُغلق باب التجديد، يصبح أسيراً لتراكمات صنعها البشر لا لما أراده الله.

إن المشكلة لا تكمن في وجود نصوص مختلف في فهمها أو في صحة بعضها، بل في العقل الذي يوظفها وفق الحاجة، فيقتطع منها ما يخدم مشروعه، ويغيب ما يهدم مصالحه، حتى تتشكل أجيال لا تعرف أين ينتهي كلام الله ورسوله، وأين يبدأ اجتهاد البشر وتأويلاتهم. ومع هذا الطوفان المعرفي الذي تصنعه التكنولوجيا، وتكرره المواقع الإلكترونية، وتعيد إنتاجه أدوات الذكاء الاصطناعي اعتماداً على ما هو منشور، تتحول المعلومة، مهما كانت ضعيفة، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس لمجرد كثرة تداولها، فيصبح الباطل مألوفاً، ويبدو الحق غريباً بين أهله.

ولهذا فإن الدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى هدم الدين، بل إلى إزالة ما تراكم فوقه عبر القرون من غبار التأويلات والدس والاستغلال. فالإسلام لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى عقل جديد في طريقة التعامل معه، عقل يفرق بين المقدس والاجتهاد البشري، وبين النص الإلهي وما أُلصق به عبر الزمن. فكلما تأخر هذا المشروع، ازداد السوس الذي ينخر في جسد الدين من داخله، حتى يصل الناس إلى مرحلة يدافعون فيها عن الأخطاء باعتبارها من ثوابت العقيدة، بينما هي في حقيقتها صناعة بشرية اكتسبت حصانة القداسة بمرور الزمن. وعندها لا يكون الإسلام هو الذي يقف على حافة الهاوية، بل يكون فهم المسلمين له هو الذي اقترب منها، وتلك هي الكارثة التي يجب أن يتوقف عندها كل صاحب ضمير قبل أن يصبح الإصلاح نفسه تهمة، ويغدو المجدد عدواً لأنه قال: إن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وإن الدين أسمى من أن يُحتكر باسم أحد.

 

الخلاصة ... أقولها بكل وضوح: إن الإسلام لم يصل إلى حافة الهاوية بسبب أعدائه المعلنين، فهؤلاء كانوا معروفين عبر التاريخ، وإنما اقترب منها بسبب أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الله، واحتكروا الحديث باسمه، حتى أصبحوا يوزعون صكوك الإيمان والكفر وكأن مفاتيح السماء معلقة في أعناقهم. يرفعون شعار نصرة الله، بينما يجعلون الدين أسيراً لمصالحهم، ويقدسون اجتهاداتهم كما لو أنها وحي لا يقبل المراجعة.

إن أخطر خصوم الحقيقة ليس من يعلن رفضها، بل من يرتدي ثوبها ليحرفها. وأخطر من يحارب الدين ليس من يقف خارجه، بل من يقف داخله وهو يبدل معانيه، ويخلط بين قدسية الوحي وقابلية الفهم البشري للخطأ والصواب. فحين يتحول الدين إلى وسيلة للنفوذ، ويصبح الدفاع عن الأشخاص مقدماً على البحث عن الحقيقة، فإن أول الضحايا هو الدين نفسه.

ولهذا، فإن التاريخ لن يسأل من أكثر من رفع الشعارات، بل من كان أميناً عليها. ولن يخلد من ادعى أنه ينصر الله، وإنما من نصر الحق والعدل والصدق دون أن يجعل من نفسه بوابةً بين الخالق وخلقه. أما الذين جعلوا من الدين تجارة، ومن القداسة حصناً لمصالحهم، فسيكتشفون يوماً أن أخطر ما فعلوه لم يكن خداع الناس، بل تشويه الصورة التي جاء الإسلام ليصححها، وأن خصومة الحقيقة باسم الدفاع عنها هي أشد صور العداء لها.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مقال

 

 نحن شعوب لا نستحي

تحت عنوان

بلد نفطي وشعب عفطي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في هذه الأيام، ونحن نعيش تفاصيل أكبر كذبة في التاريخ العراقي المعاصر، وهي محاربة الفساد، برزت ظواهر أقل ما توصف به هو الابتذال، يقوم بها جموع العوام من الشعب. وهنا لن نتحدث عن الفساد بالتفاصيل الدقيقة، ولكن سوف أتحدث عن المفسد الحقيقي في هذا الموضوع. وهنا يجب الاستعانة بمثل شعبي من التراث المصري يصب في أصل الفكرة، وهو: (يا فرعون، مين فرعنك؟ قال: ملقتش اللي يردني.) ومن هنا نفهم أنه ليس بالضرورة أن يكون الفساد والطغيان مصدرهما طرفًا واحدًا.

وقد سأل أحد الفلاسفة في العصور السابقة: إذا ما خُيِّرت بين قتل العبيد أو قتل الطاغية، فماذا تختار؟ فكانت الإجابة: قتل العبيد. وعندما سُئل عن السبب قال: لولا تخاذل العبيد، ما كان ليطغى أحد. ولهذا سوف تتغير هنا المفاهيم المنتشرة في كل مكان.

 

الفاسدون خرجوا منا... يظن الكثير اليوم أن ذلك الفاسد الذي أنهك البلد جاء من القمر، ولكن الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها هي أن الشعب هو المفسد والمجرم الحقيقي في هذا الموضوع. فداخل كل واحد منا فاسد صغير يخرج عندما تكون هناك أرضية خصبة لولادته. فعندما ينتشر الجهل ويغيب الوعي الإدراكي لدى الإنسان، يعود تلقائيًا إلى صفته الحيوانية، ويصبح قانون الغابة أساسًا في تعامله مع الآخرين. ولهذا يكون المجتمع هو المجرم الوحيد في قضية الفساد، من خلال تقبله لفكرة الفساد، وابتكاره طرق التأقلم معه، وجعله أساسًا في التعاملات اليومية. وعندها يكون الفاسد قد وجد الأسباب والذرائع للقيام بأعمال شاذة توصف بالفساد، ولهذا يكون المجتمع مصدر الفساد.

وهنا يجب الاستشهاد بقول خير من مشى على هذه الأرض، رسولنا الكريم محمد (ﷺ): «كما تكونوا يُولَّى عليكم»، فمن غير الطبيعي أن يترأس الصادقين كاذب، أو يكون على رأس الأمناء لص، أو يتزعم الصالحين فاسد، وبهذا يكون لدينا الدليل على أن المفسدين يخرجون من بيننا.

 

الحياء من الأخلاق... في الغالب، وما نعرفه أو نقرأه، أن الشعوب تتباهى بإنجازاتها العلمية والحضارية، ولكن أن تجد شعبًا يتباهى بالقضايا المخزية، فهذه لن تجدها إلا في هذا البلد. فقد وصل الحال بأحدنا إلى أنه لم يعد يملك ذرة من الحياء، وهذا ما قد تلمسه من خلال تصفحك لمواقع التواصل الاجتماعي. ولا يُقصد هنا قضية النشر بحد ذاتها، ولكن سوف تجد بعض التعليقات أكثر خزيًا وعارًا من المنشور الذي عُلِّق عليه، وهذا ما يعطي صورة سيئة عن مجتمعنا أمام أنظار العالم بأسره، حتى بات يُضرب بنا المثل، وهذه كارثة.

وهذا بسبب أننا فقدنا ركنًا من أركان الأخلاق التي كنا نتحلى بها. وبما أننا مجتمع إسلامي كما يدّعون، فهناك حديث لرسولنا الكريم مفاده: «إذا ابتليتم فاستتروا»، ولكن بات القول شيئًا، والفعل شيئًا آخر، فاليوم هناك الكثير منا من يتباهى بالسوء ويفعله على مرأى ومسمع من العامة، بسبب إسقاط مبدأ الحياء من حساباتنا البشرية.

 

موت الخصوصية والممارسات العفطية... جميعنا اليوم يضع ممارساته اليومية أمام العامة؛ خرج من المنزل صوّر، دخل مطعمًا قام بالتقاط صورة، حتى وصل الأمر ببعض النسوة إلى إقامة حفل لفشل حياتهن الزوجية، بما يعرف اليوم بـ حفلات الطلاق. ومن هنا نفهم أنه لم يعد هناك شيء يُعرف بالخصوصية.

والأكثر من هذا، تكالب الكثير على تبني القضايا اللاأخلاقية وقصص الفضائح، حتى وصل الأمر بوقاحة أحدهم إلى التخلي عن رجولته، ليدخل العالم الافتراضي بصفة امرأة، لغرض الإيقاع بالنسوة. وهذه، في مذهبي، قمة الخسة والعار التي قد يصل إليها الإنسان.

 

ولكن ما يشعرك بالقرف هو أننا لم نعد نمتلك اليوم أيًّا من القيم الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته.

 

المضمون ... هناك حقيقة مُرّة لا يريد أحد أن يضعها أمام المرآة، وهي أن الفساد لا يعيش في المكاتب الحكومية وحدها، بل يعيش في العقول قبل أن يسكن الكراسي. فالسياسي الفاسد لم يولد في القصر الجمهوري، والموظف المرتشي لم يهبط من السماء، والتاجر المحتكر لم يأتِ من كوكب آخر، بل خرجوا جميعًا من الأحياء نفسها، وتربوا في البيوت نفسها، ودرسوا في المدارس نفسها، ثم حملوا معهم ما زرعناه فيهم من مفاهيم مشوهة تبرر الخطأ إذا كان فيه منفعة، وتصفق للمحتال إذا نجح، وتمنح اللص لقب الشاطر، وتجعل من صاحب المبادئ إنسانًا ساذجًا لا يعرف كيف يعيش.

إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام، بل ذلك الذي يسرق الضمير الجمعي للأمة، لأن سرقة الأموال يمكن تعويضها، أما سرقة القيم فلا تعوضها مئات السنين. وعندما يصبح الإنسان مستعدًا لأن يبيع صوته، أو ذمته، أو كرامته مقابل منفعة مؤقتة، فلا يحق له بعد ذلك أن يرفع إصبع الاتهام بوجه أحد. فالمجتمع الذي يتسامح مع الخطأ الصغير، هو نفسه الذي يصنع الجريمة الكبيرة، لأن كل كارثة عظيمة بدأت يومًا بخطيئة صغيرة وجد لها الناس ألف مبرر وألف عذر.

ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الفاسدين وحدهم، بل مع الثقافة التي أنجبتهم، ومع البيئة التي احتضنتهم، ومع العقول التي ما زالت تبحث عن شماعة تعلق عليها فشلها، وهي ترفض الاعتراف بأنها كانت جزءًا من صناعة هذا الخراب. فالأوطان لا تنهار عندما يكثر فيها الفاسدون، وإنما تنهار عندما يصبح الفساد سلوكًا اعتياديًا لا يثير الخجل، وعندما يفقد الناس القدرة على الشعور بالعار وهم يشاهدون وطنهم يُباع قطعةً بعد أخرى، ثم يكتفون بالتصفيق أو الصمت.

 

الخلاصة ... اننا لم يعد من حقنا أن نبكي على وطنٍ أضعناه بأيدينا، ولا أن نلعن الفساد ونحن نمارسه بأشكال مختلفة كل يوم. لقد أصبحنا بارعين في صناعة الأعذار أكثر من براعتنا في صناعة الأوطان، حتى غدا النفط أغنى من الإنسان، وأصبحت الأرض تنام فوق بحارٍ من الثروات بينما يمشي أهلها فوق جبالٍ من الفشل. ليست المأساة أن يعيش شعبٌ في بلدٍ فقير، فذلك قد تصنعه الظروف، وإنما المأساة الحقيقية أن يعيش شعبٌ بعقلية الفقر وهو يقف فوق كنوز لا تُعد ولا تُحصى.

إن أخطر ما وصلنا إليه ليس انهيار الاقتصاد، ولا فساد السياسة، ولا عجز المؤسسات، بل انهيار الشعور بالخجل. فعندما يفقد المجتمع حياءه، يصبح كل قبيحٍ أمرًا اعتياديًا، وكل منكرٍ خبرًا عابرًا، وكل سقوطٍ مجرد تفصيلٍ يومي. عندها لا يكون الوطن قد خسر معركة، بل يكون قد خسر الإنسان نفسه.

ولهذا، لا تبحثوا طويلًا عن المذنب، فالحقيقة تقف أمام المرآة كل صباح. وإذا أردنا يومًا أن يتغير هذا البلد، فعلينا أولًا أن نتوقف عن خداع أنفسنا، لأن الأمم لا تنهض بالكذب على الواقع، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما تبدأ نهضتها يوم تمتلك شجاعة الاعتراف بأن الخراب لا يسكن الجدران وحدها، بل قد يسكن العقول أيضًا.

الأحد، 28 يونيو 2026

مقال

 

 حمّى الاستقالات

تحت عنوان

القفز من المركب الغارق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

لتكن البداية برأيي فيما يحصل من حملة الاعتقالات الجارية في العاصمة وبعض المحافظات العراقية. وهنا قد يبدو الجواب صادمًا، ويتمثل في أن الفساد المستشري منذ عقود يشبه قطارًا يسير بشكل مستقيم، وعندما امتلأت عرباته بفداحة رائحته، قرر قادة القطار التضحية ببعض الشخصيات لذرِّ الرماد في العيون. وقد يبدو أن هذا الجواب لا يحتوي على تفاؤل، وهذا بسبب أنني لا أثق بأحد من عناصر النظام الحاكم، ويعود كل ما كُتب هنا إلى سؤال بالغ الأهمية: أين كان هؤلاء الأفذاذ منذ سنوات طويلة؟ ولماذا لم يتحرك منهم أحد إلا بعد تلقي (Order)، أي طلب، من القوات المحتلة المتمثلة بالسيد ترامب؟ ولهذا يبقى هذا العمل منقوص الإرادة.

 

الاستقالات... وهي تعتبر ورقة تحمل أبعادًا مختلفة من حالة الرفض أو الخوف، على حد سواء. وبما أن الكثير ممن ألقوا استقالاتهم كانوا من أبرز الضالعين في بناء هيكل الدولة القائمة، من رجال الإعلام والصحافة، فإن الأمر برمته يدعو إلى الشك والريبة. ولهذا كان الأحرى بأولئك المستقيلين أن يبينوا الأسباب التي دفعتهم إلى الإقدام على هذا العمل بشكل واضح، إلا أن الأمر بقي يكتنفه الغموض. ولكن ما حصل بعد تلك الاستقالات، والحملات التي قام بها السيد رئيس الوزراء، أقول فيه كما قالت العرب قديمًا: (فلح إن صدق). وهذا لا يعني أنني أشكك في فعله، ولكن جميع الذين شملتهم الإجراءات لا يرتقون إلى درجة الحيتان، ولهذا لا يُعد العمل برمته إنجازًا يُحسب له. وليس هذا موضوعنا اليوم، ولكن الاستقالات في هذا التوقيت لا تُعد شجاعة كما يُروج لها، بل تُعد طوق نجاة في سفينة يظن الكثير أنها سوف تنجو بالعمليات الترقيعية التي يطبل لها المطبلون اليوم.

 

القلم مسؤولية... سُئل أحد الشعراء يومًا عن فاعلية القصيدة لدى المتلقي، فأجاب بأن القصيدة التي لا تتسبب في موت قائلها لا تُعد، في الأصل، قصيدة لشاعر. وكذلك الصحفيون والإعلاميون ومن يدور في هذا الفلك. فمنذ فترة ليست بالقصيرة كنت حاضرًا في إحدى فعاليات اتحاد الصحفيين في الموصل، والغريب أن جميع الموجودين كانوا يُعدون من الصحفيين، ولكن الحقيقة أنني لم أرَ سوى بعض الشخصيات التي تُعد على أصابع اليد الواحدة ممن يمارسون العمل الصحفي فعلًا، أما البقية فهم حملة هويات من أجل المكتسبات أو المنح، ويُعد هذا من أهم الأسباب التي أسقطت مهنة الصحافة. فالصحفيون العاملون الحقيقيون أعرفهم، وأعرف أسماءهم وكناهم والطريقة التي يكتبون بها دون الحاجة إلى ذكر أسمائهم، أما من تبقى فهم المدعون والراكضون خلف لقب صحفي، وهذا ما أساء، بشكل كبير، إلى مهنة الصحافة.

 

أنواع الصحفيين

المهرجات... انتشرت في الآونة الأخيرة فئة ممن يطلقن على أنفسهن إعلاميات أو صحفيات، وهن في الغالب يأخذن صفة الإعلام الحكومي، ويحرصن على الظهور في مواقع التواصل بصورة أقرب إلى الابتذال. يتشاجرن مع بعضهن مرة، وفي مرة أخرى يعملن كمطبلات لمدرائهن، وهن في حقيقة الأمر أشبه بذلك المهرج الذي كان أحد وسائل تسلية الملوك والسلاطين في العصور الوسطى.

المتكسبون... وهم فئة تسعى للحصول على هوية الصحفي من أجل الكسب المادي والمعنوي، ويعتبرون هذه الهوية، في الغالب، من الكماليات التي تكمل شعورهم بالنقص الاجتماعي، وهذه تُعد كارثة بكل معنى الكلمة.

 

الهروب من المسؤولية... لا توجد خيانة أكبر من أن يشارك الإنسان في صناعة المشهد سنوات طويلة، ثم يقرر في اللحظة التي يشعر فيها بأن الرياح قد تغيرت أن يقف بين الناس بصفة المتفرج، وكأن كل ما جرى كان يحدث أمام عينيه دون أن يكون جزءًا منه. فالمسؤولية لا تبدأ عند توزيع المناصب ولا تنتهي عند كتابة ورقة استقالة، بل تبدأ منذ اللحظة التي يقبل فيها الإنسان أن يكون شريكًا في القرار، أو شاهدًا صامتًا على الخطأ وهو قادر على الاعتراض. ولهذا فإن الاستقالة، عندما تأتي بعد سنوات من الصمت، لا تمحو ما سبقها، ولا تعفي صاحبها من مسؤولية المرحلة التي كان جزءًا منها، لأن التاريخ لا يقرأ التوقيعات الأخيرة، وإنما يقرأ المواقف الأولى.

إن من السهل جدًا أن يقفز الإنسان من المركب عندما يشعر بأنه بدأ يغرق، ولكن الشجاعة الحقيقية ليست في القفز، بل في البقاء ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، أو إعلان الرفض يوم كان الرفض ثمنه باهظًا. أما بعد أن تتغير الموازين، ويبدأ الجميع بالبحث عن طريق النجاة، فإن البطولة تصبح رخيصة، ويصبح كل واحد يحاول أن يكتب لنفسه تاريخًا جديدًا يمحو به سنوات طويلة من الصمت أو المجاملة أو المسايرة. ولهذا فإن الشعوب لا تنخدع بسهولة، لأنها تعرف جيدًا من كان يهتف بالأمس، ومن أصبح اليوم يتحدث بلغة الضحية.

إن المسؤولية ليست منصبًا يُعاد إلى الدولة، ولا هوية صحفية تُرمى على الطاولة، ولا تصريحًا إعلاميًا يُنشر على مواقع التواصل، وإنما هي موقف أخلاقي يبقى ملازمًا لصاحبه حتى بعد مغادرته مكانه. ومن اعتاد أن يبرر كل شيء عندما كانت المصالح قائمة، ثم تحول فجأة إلى ناقد بعد أن تبدلت الظروف، فإنه لا يكون قد غادر المركب، وإنما يبحث عن مكان أفضل على شاطئ النجاة، ينتظر منه أن يصفق له الناس على بطولة لم يصنعها، وعلى موقف تأخر حتى فقد قيمته.

 

الخلاصة ... لا أجد ما يستحق التصفيق، فالمركب الذي يتسابق الجميع اليوم إلى القفز منه لم يغرق في ليلة واحدة، وإنما ظل يغرق عامًا بعد عام، بينما كان بعضهم يبيع للناس أوهام النجاة، ويكتب بيانات الانتصار، ويصفق لكل قرار، ويهاجم كل من قال إن الماء بدأ يتسلل إلى الداخل. واليوم، وبعد أن أصبح الغرق حقيقة لا يمكن إخفاؤها، ارتدى الجميع ثياب الأبرياء، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من المشهد.

أما السلطة، فإنها لن تُقنع الناس بحملات متأخرة ما لم تُثبت أن القانون لا يعرف كبيرًا ولا صغيرًا، وأن المساءلة لا تتوقف عند الأسماء السهلة، بل تصل إلى كل من أسهم في صناعة هذا الواقع، أيًّا كان موقعه أو نفوذه. وأما من حملوا صفة الصحفي أو الإعلامي، ثم جعلوا أقلامهم وسيلة للتطبيل بدل الرقابة، فإن الاستقالة لن تغسل حبر المجاملة، ولن تمحو ذاكرة الناس، لأن القلم لا يُحاسَب بما يكتبه اليوم، بل بما أخفاه بالأمس.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق الجميع: عندما كان الوطن يُستنزف، أين كانت أصواتكم؟ وعندما كانت الحقيقة تُدفن تحت ركام المصالح، أين كانت أقلامكم؟ فإن كنتم قد صمتم خوفًا، فهذه مصيبة، وإن كنتم قد صمتم طمعًا، فالمصيبة أعظم. أما التاريخ، فلا يعترف بالمستقيلين بعد انتهاء المعركة، ولا يكتب أسماء من قفزوا من المركب، بل يكتب أسماء الذين بقوا يواجهون الغرق حتى النهاية.

مقال

 

تجريم الإعلام

تحت عنوان

هو سبب فشل المؤسسات والدول

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



بعد الثورة التقنية في عالمنا اليوم، أصبحت مهنة الإعلام حقًّا للجميع، وهذا من أهم الأسباب التي ساهمت في تأخر نهوض البلد. وهناك أسباب سوف نطرحها في مقالنا هذا، ومن تلك الأسباب تولي السلطة أناسًا مغمورين ليس لهم سوى بعض الأوراق كُتب عليها شهادة أكاديمية، أما الثقافة فهم يعانون من جهلٍ مطبقٍ ليس له مثيل على سطح الأرض. وتلك الشخصيات هي من ساهمت في تولي سلطة الإعلام ثلةً من الانتهازيين والمرتزقة وغير الحرفيين بهذه المهنة، فترى هؤلاء هم أبواق لصنع اسم للإدارات المغمورة، حتى ولو كان على حساب الصالح العام.

ومن تلك الممارسات الأعمال الوهمية، وهذه جريمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومن تلك الصور هناك صور حية عشناها ونعيشها كل يوم. ومن التاريخ القريب شخصية (محمد مهدي الصحاف)، وهو وزير الإعلام في النظام السابق في زمن الحرب الأخيرة، وتلك الممارسات التي كانت نتيجتها انهيار الدولة بأكملها. ومن الغريب أن تلك الشخصية استُنسخت آلاف النسخ منذ عام 2003 ولحد يومنا هذا، وما زلنا نرى تلك الشخصية في يومنا هذا، وهي المسؤولة عما هو عليه البلد اليوم، وبشكل كبير.

فالانتهازيون في الإعلام لا يهمهم أن يكون العمل بشكل جيد، ولكن الأهم إبراز تلك الشخصيات بشكل حسن أمام الرأي العام، حتى ولو اضطر بعضهم إلى الأخبار الوهمية ونسبها إلى السلطة المغمورة للتغطية على مساوئ تلك الشخصيات في الإدارة.

ولم يقف الأمر عند هذا، ولكن بلغ الأمر في تلك السلطات المغمورة استبعاد كل من يكون على دراية بقضية الإعلام، خوفًا من الاضطرار إلى تغييب شخصيته المغمورة. والكثير منهم يعاني من عقدة الظهور الإعلامي، فبعض تلك السلطات تكون بحالة عدم تصديق ذاتها في تولي تلك السلطة، فتذهب إلى تلميع الذات ورسم صورة أسطورية في أذهان من هو أعلى منهم سلطة، فقط للتركيز على ديمومة تلك السلطة، أما ما يقدمه بشكل حقيقي لتلك المؤسسة أو الدائرة الحكومية أو الأكاديمية، فليس له أي تواجد على أرض الواقع.

وهذه الصورة ليست على صعيد الإعلام المؤسساتي، ولكن هناك صورة أسوأ بكثير في الإعلام المرئي في القنوات المحلية، فوصل الحال بتلك القنوات إلى العمل بمبدأ (العُرف)، أي لمن تربطه صلة بصاحب القناة أو ابن صاحب القناة. والغريب أن بعض تلك القنوات تمثل هوية مدن لها تراث وتاريخ، وتدار بهذه النظرية، فهي جريمة يجب أن يكون هناك قانون رادع لتلك الشرائح من الواجهات الإعلامية، فهذا وغيره مما يسيء إلى تلك المدن، ويُسيّس تلك القنوات من باب البيع والشراء، بعيدًا عن الرسالة الإعلامية.

وصور أخرى من سوء الواقع الإعلامي، تلك المتمثلة بالشخصيات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، ما بين رجل راقص وامرأة غانية تعرض بضاعتها على الجميع، وتنسب نفسها إلى مدينة أو مكان. وتلك الصور التي تثير الاشمئزاز تدخل أيضًا بالواقع الإعلامي، وهو أمر واقع، وللأسف فإن تلك الممارسات الشاذة تُحسب على الجانب الإعلامي، لتزيد من قبح صورة الإعلام في يومنا هذا.

وقد يحمل المقال تلميحًا لشخصيات في واقعنا، وهذا لم يكن من باب الصدفة كما يقال، ولكنه مقصود، لأن الأمر قد خرج عن السيطرة، وبات عالمنا اليوم بخطر كبير بسبب تلك الصور اللاأخلاقية من بعض الإعلاميين والمحسوبين عليه.. ولتصحيح تلك المسارات، يجب تسليط الضوء على تلك الممارسات، ووضع الرأي العام ما بين الصواب والخطأ.

وفي نهاية ما كتبت، فإن ما كتبته ليس من واقع الخيال، إنما هو عن تجربة لي في عالم الإعلام.

الخميس، 25 يونيو 2026

مقال

 

 حكاية ليلى والسعلوة (قصة حقيقية من الموصل)

تحت عنوان

عاهات الحزب الإسلامي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قبل فترة من الزمن، وفي أثناء حضوري أحد المنتديات الثقافية، قدّم المنتدى إحدى المواهب الواعدة، وهي طفلة تمتلك فن الخطابة بشكل ملفت للأنظار. ولغاية هنا يبدو الأمر طبيعيًا، ولكن وسط الاحتفاء الرائع بتلك الطفلة كانت هناك امرأة ممن يدّعين التدين، لم ترفع عينيها عنها. وقد لاحظت ذلك، وكان هذا الفعل مستفزًا لي بصراحة. وما إن انتهت الجلسة حتى اقتربت تلك السعلوة، كما أسميتها، منها وبدأت تتحدث معها، وهذا ما أثار مخاوفي من الموضوع. وبعدها اقتربت من والدها وقدمت له نصيحة بأن يأخذ حذره من تسلل الأفكار الشاذة إلى ابنته. وقد تقبل الأب كلامي بشكل طبيعي آنذاك، ولكن قبل يومين رأيت فيديو للفتاة على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث فيه عن قضايا أكبر من عمرها في ساحة التدين، فعندها أدركت أن ما كنت أحسبه قد حصل، وأن السعلوة قامت بخطف الفتاة.

وهنا يقتضي التنويه إلى بعض القضايا التي تأخذ شكل من يضع السم في العسل من بوابة الدين.

 

سرطان التدين ... من الطبيعي أن يكون لكل مرض تاريخ يُدوَّن في سجلات الصحة العالمية، وكذلك الحال مع الأمراض الفكرية. وبداية هذا المرض تعود إلى أواخر عشرينيات القرن الماضي، عندما قام أحدهم بالتجارة بالله بدلًا مما يُعرف بالتجارة مع الله. ومن هنا فُتح باب النفاق على مصراعيه لولادة نماذج ـ والعياذ بالله منهم ومما يفعلون ـ ومن الطبيعي أن جميع الأفكار يتم تطويرها، كذلك فعل ذلك الفكر الشاذ في أيامنا هذه. فعندما فقد قدرته على إقناع العامة بتلك الأفكار، شرع في تصدير مجموعة من النسوة تعمل بمثابة أبواق لتسهم في تشويه صورة الدين من حيث لا يشعرن. وبرغم أننا نعيش في هذه الأيام أزمة دينية وأخلاقية، فإن هذا المرض يصدر تلك الشخصيات لتزيد الطين بلة. ولمن لا يعلم، فإن جميع الأفكار الشاذة اليوم لدى الأحزاب الدينية، بغض النظر عن الطائفة، مصدرها واحد، وهو ذلك الفكر الذي ساهم منذ بداياته في تشويه صورة الإسلام.

 

أيديولوجية الدعوية... قد يظن القارئ أن ما كُتب هنا يُعد من باب التهجم على الدين، وهذا بسبب أن المجتمع اليوم وصل إلى حالة من عدم الوعي والإدراك في التفريق بين ما هو صواب وما هو خطأ. ولهذا ترى أن من يتحدث بشكل قويم يوافق العقل والمنطق يُتَّهم بأنه قد كفر بما أُنزل على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم). وهذا يعود إلى الاستخفاف بالأيديولوجية الدعوية، فبدأ الجميع يتحدث بأمور الدين، وبدأ يفتي بأن هذا حلال وهذا حرام، وهذه كارثة بكل المقاييس. أما عن دفع تلك الفتاة للتحدث في قضايا قد لا يدرك عمرها القدرة على استيعابها، فهذه مصيبة، وإن تصدير هذا النوع لبناء الثقافة العامة أو لنشر تلك الأفكار يساهم في تضليل المجتمع. فالداعية يجب أن يكون ملمًا بالأمور الفقهية من خلال قراءة مطولة واستيعاب عقلي يؤهله للحديث في قضايا يكون الخطأ فيها خصمه أمام الله.

 

أنبياء كذبة... بات اليوم أصحاب الفكر السرطاني يقدمون أنفسهم للعامة على أنهم أصحاب الله ووكلاؤه في حالة غيابه، (اللهم إن هذا شيء منكر لا يرضينا ولا يرضيك). وهذه حقيقة قد تلمسها عند التعامل معهم، فإنهم ينتهجون فكرة: "إن لم تكن منا فأنت خارج عن الملة"، وهذا تكفير صريح وإن لم يعلنوا ذلك بصورة مباشرة. والمشكلة أنهم ينتهجون منذ البداية منهجية الأمراض السرطانية في الانتشار الصامت، عبر استهداف الفئات العمرية في وقت مبكر من خلال نشاطات رياضية وثقافية واجتماعية تحت شعارات نبيلة، لكن الهدف هو أن يحظوا بشرف أخوة الشيطان.

 

خطرهم على المجتمع... يكمن خطرهم في رسم مفاهيم عن الدين بحسب أهوائهم الشخصية وما يخدم أهدافهم التي تفضي إلى الهيمنة على السلطة، بغض النظر عن قضية تحريف المفاهيم الدينية القويمة التي أنزلها الله على رسوله الكريم. والمشكلة في هؤلاء أنهم لم يقرأوا النصوص التاريخية المتعلقة بانتشار الإسلام والدعوة إليه في ذلك الوقت. ولسنا اليوم بأحسن حالًا من أيام الجاهلية الأولى، فقد كان الإسلام آنذاك يعمل على إصلاح الفرد، ثم العائلة، ثم المجتمع. أما عن إخوان الشياطين، فقد بات همهم الوحيد الاستحواذ على السلطة بحجة إصلاح المجتمع ولو بالقوة، وفي هذا سذاجة عظيمة. فلو كانت القوة قادرة على تغيير المسارات الفكرية والاجتماعية، لانتصر فرعون واندحر موسى (عليه السلام) في زمانه. ولهذا يجب علينا توعية المجتمع بخطرهم، كما جاء في هذا الموضوع.

 

المضمون ... إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الجهل وحده، بل أولئك الذين يتخذون من الدين سلّمًا لتحقيق غاياتهم، فيخلطون بين الدعوة والهيمنة، وبين التربية والتجنيد الفكري، وبين الإيمان الصادق والولاء الأعمى. فحين تتحول عقول الأطفال إلى ساحات صراع أيديولوجي، وتُسلب منهم براءة العمر ليُزج بهم في قضايا أكبر من قدرتهم على الفهم والاستيعاب، نكون أمام مشروع لا يسعى إلى بناء الإنسان بقدر ما يسعى إلى صناعة الأتباع.

والمصيبة أن هذه الأفكار لا تدخل على الناس من أبوابها الحقيقية، بل تتسلل إليهم متخفية بشعارات أخلاقية وثقافية واجتماعية تبدو في ظاهرها الرحمة والإصلاح، بينما تخفي في باطنها رغبة جامحة في السيطرة على العقول وتشكيلها وفق مقاسات ضيقة لا علاقة لها بجوهر الدين وقيمه السامية. ولهذا فإن معركة الوعي اليوم لم تعد معركة بين التدين والإلحاد كما يحاول البعض تصويرها، بل هي معركة بين الدين الحقيقي الذي يبني الإنسان ويحرره، وبين المتاجرة بالدين التي تحوله إلى أداة للنفوذ والوصاية على الناس.

 

الخلاصة ... وهنا لا أكتب هذا الكلام لأنني أرى نفسي أكثر إيمانًا من غيري، ولا لأنني أنزه نفسي عن الخطأ والزلل، فأنا ابن هذه الحياة المليئة بالنقص، وأحمل من العيوب ما يجعلني أستغفر الله في كل يوم أكثر من مرة. لكن الفرق بين الخطأ البشري الطبيعي وبين صناعة الخطأ على أنه دين، هو كالفرق بين من يتعثر في طريقه وبين من يحفر حفرة للآخرين ثم يسميها طريق النجاة.

إن أكثر ما يؤلمني ليس أن يخطئ الإنسان، بل أن تُسرق براءة الأطفال وعقولهم باسم الله، وأن يتحول الدين الذي جاء ليحرر الإنسان إلى قيد يوضع في عنقه، وأن يصبح بعض الناس أوصياء على الخلق وهم عاجزون عن الوصاية على أنفسهم. وما أخشاه على مجتمعاتنا ليس من أعدائها الظاهرين، بل من أولئك الذين يرتدون أثواب الصلاح ويتحدثون بلغة السماء بينما تمتلئ أيديهم بمشاريع الأرض.

سيبقى الله أكبر من أحزابهم، وأعظم من شعاراتهم، وأقدس من أن يُختزل في جماعة أو تنظيم أو مشروع سلطة. وسيأتي يوم يسقط فيه كل قناع، وعندها لن يُسأل الناس كم تابعًا جمعوا، ولا كم طفلًا أقنعوا، ولا كم منبرًا اعتلوا، بل سيُسألون: ماذا فعلتم بقلوب الناس التي استأمنكم الله عليها؟

مقال

    الشيوعية والثقافة القشرية تحت عنوان البغبغاوية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين هناك شائعة مغلوطة بين الكثير من المثقفين و...