تعالوا أحدثكم عن رسول الله
تحت عنوان
السلام عليك يا
رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
اليوم لن أقول إن الاحتفاء بمولده بدعة، لا سامح الله،
ولكن هي فرصة في استذكار ما لا يُنسى ذكره في قلوبنا، ولمن لا يعلم أننا أمام أعظم
من مشى بقدم على هذه الأرض. وقد يحتار القلم هنا: عن ماذا أحدثكم وأنا أمام
رسولنا؟ فقد كان له ما لم يكن لأحد. ففي هذا اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أجد
حرفًا أكتبه يليق بشخصية لم ولن تكون لها سيرة تُكتب بالشكل التقليدي، وقد تكون
هذه الكلمات متواضعة أمام عظمة الحدث والشخصية، ولكن سوف أكتبها، وسوف أحاول أن
يكون ما يُسطر هنا قطرة في محيط عظمة رسولنا الكريم.
كيف يكون الاحتفاء؟ ... وهنا ليست المراسيم توزيع
الحلوى، أو مراسيم احتفالات رسمية بالمناسبة، هو دليل على أننا من أمته، لسبب بسيط
جدًا؛ لأن ما يريده هو أن تتحلى بما يريد، لا بشكليات أو تقليد قد سبقنا أحد إليه.
وهنا يكون السؤال الأهم، وهو: **أين أنت مما ترك لكم رسول الله؟**
وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أن تعرف في البداية من يكون
هو، ولا يقل لي أحدكم الآن: هل جئت تعرفنا برسولنا الكريم؟ ولهذا يكون الرد هنا:
إنك، وما أنتم عليه، لا تعرفونه، وليس لكم علاقة به، فقد كثرت الأسماء التي تُردد
من دونه، والاقتداء به هنا يكون من خلال التحلي بما كان هو عليه، لا من خلال
شعارات زائفة، ولتكون هناك مقارنة بين أخلاق رسولنا الكريم وما تفعلونه أنتم.
ولن أتخذ من الأحاديث النبوية مضامين لما سوف يرد هنا،
ولكن سوف آخذ من الصفات العامة التي يعرفها عدوه قبل أتباعه.
الصدق... وهنا لم يكن فقط صدقه مع أصحابه ومن كان من
حوله، ولكن كان هناك صدق آخر قبل هذا، وهو صدقه مع نفسه، الذي ترك أثره على الأرض
قبل الدعوة، وهذا ما عزز صدقه مع الله واختياره لهذه المهام العظيمة. فالله العظيم
يدرك ما تخفي النفوس وما تُسرّ القلوب، ولهذا كان خُلُق رسول بهذه الصفات وحده
معجزة على عظمة الله في توظيف الأسباب اللازمة لرسم قناعات بشر اتصفوا بأنهم
خُلقوا من نفوس متقلبة، فكان عنوانًا لصفة واحدة من صفاته، لو التزمت بها البشر،
لكان الجميع في مأمن من عذاب الله.
الأمانة... وهنا تتجلى عظمة الشخصية التي نتحدث عنها،
فقد سطّر رسولنا الكريم محمد صورًا غير متناهية عن صفة نفتقدها منذ وفاته.
فالأمانة لا تعني بالضرورة حفظ ما تؤتمن عليه، ولكن عندما تكون أمانتك من خالق
السماوات والأرض، يكون الأمر قد خرج من حدود فهم العقل والإدراك، فأمانة قال عنها
ربي:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ صدق الله العظيم.
ألا رسول الله، فكان خير من حمل الأمانة. فليخبرني أحدكم
اليوم: ماذا فعلتم بأمانة رسول الله؟ ولا تقولوا لي: شهادة وصلاة وصوم وزكاة وحج،
ولكن قل لي: كيف حال أمة محمد اليوم؟ فمن إجابتك أعرف موقعك، أيها القارئ، إذا ما
كنت تتحلى بصفة من صفات رسولنا الكريم.
الرحمة... وأي رحمة كانت تلك التي استُلهمت من رحمة
الله؟ فكان صورة ما بعدها صورة لصفة كانت قاعدة حياتية يستقيم بها كل شيء، في
قوله: **«تراحموا ترحموا»**.
ومن هنا نفهم ضيق الحياة التي نحن عليها اليوم، فالكثير
ممن ليس لهم إدراك عقائدي اليوم يصنع مقارنة أعتبرها ساذجة إلى حد كبير، في قول
أحدهم: لماذا نحن أمة خير من كان على هذا الأرض نعاني، وغيرنا من غير المؤمنين
بالله ورسوله الكريم ينعم بحياة رغيدة وبحبوحة في العيش؟
والإجابة هنا: إنهم فهموا ما أشار إليه رسولنا في حديثه،
فكان لهم من التراحم فيما بينهم ما يجعلهم في بحبوحة العيش.
التواضع... هي من أعظم ما قد تسمع أو تقرأ عن أحد على
هذه الأرض، وبرغم أنه نبي للعالم أجمع، لم يكن يومًا **مختالًا فخورًا**، ولكن على
العكس، كان يرسم بممارساته اليومية خُلُقًا يليق بأهل الجنة، وهو صاحب الجنة.
فاليوم، إذا ما كنت تريد استذكاره، يجب أن تعمل بما كان
يفعل، ليس من باب التعصب وفرض على الناس أقوالًا لا تمت بصلة إلى شخصه الكريم، فدع
الناس ترى رسولنا الكريم بفعلك المستلهم من رسول الله محمد.
الحلم والعفو... وهي الصفة التي لم تكن لأحد سواه بعد
الله عز وجل، وقد جسّد في عمله هذه الصفة يوم فتح مكة. لم يكن، حاشاه، ناقمًا
منتقمًا من أحد، ولكن كان عفوه عن من آذاه درسًا يجب أن يكون في مناهج التعليم
الأخلاقي، ليكون عنوانًا لما يُردد اليوم بعنوان **السلام الاجتماعي**.
فالقضية لا تكون بمصطلحات مكتوبة، ولكن بفعل تراه الناس،
وعندها يسألون: من علّمكم هذا؟ فتكون الإجابة: رسولنا محمد.
وبالسؤال يكمن الانتصار الحقيقي، إن كنتم لا تعلمون؛
فالعفو الذي تحلى به لم يكن في قول نُقل عنه، ولكن في فعل فعله على أرض الواقع،
فكان رمز التسامح الاجتماعي.
الوفاء... من الصور التي لفتت انتباهي تحت عنوان هذه
الصفة هو الوفاء لسيدتنا خديجة، سلام الله عليها، وكيف كان يكرم ذكرها ويكرم من له
علاقة بها، وهذا بحد ذاته شيء قلما نراه اليوم.
وهي صورة من صور كثيرة نجدها في سيرته العطرة، ولكن ما
دفعني لتناولها فيما أكتب، أن الوفاء هنا بدأ بأهله، ومن كان خيره لأهله، فعلم أن
الخير سوف يكون للعالم الذين حوله... فالرسول هنا ملك القلوب قبل أن يدعوها للإيمان.
الاحتفاء الذي لا يحتاج إلى مناسبة ... ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تعريف الاحتفاء برسول
الله، لأننا جعلنا الاحتفاء مناسبة، بينما كان هو مشروع حياة، وجعلنا ذكراه كلمات
نرددها، بينما كانت سيرته أفعالًا عاشها، وجعلنا محبته صوتًا يرتفع في المناسبات،
بينما كانت محبته عند أصحابه سلوكًا يُرى في تفاصيل حياتهم.
المشكلة ليست في أن نتذكر رسول الله، وإنما في أن نتذكره
بطريقة لا تغيّر فينا شيئًا.
فالإنسان يستطيع أن يبكي وهو يسمع عن الرحمة، ثم يخرج من
مجلسه ليقسو على إنسان ضعيف، ويستطيع أن يتحدث عن أمانة رسول الله، ثم يخون أمانة
وُضعت بين يديه، ويستطيع أن يرفع صوته بالحديث عن تواضعه، ثم يمشي بين الناس وكأنه
خُلق ليكون فوقهم.
وهنا تصبح المسألة فلسفة أخلاق قبل أن تكون مسألة احتفاء
ديني؛ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرفه من الفضائل، وإنما بما يسمح لهذه
الفضائل أن تفعله في حياته.
فالصدق الذي لا يمنعك من الكذب ليس صدقًا، والأمانة التي
تنتهي عند حدود مصالحك ليست أمانة، والرحمة التي تختار لها من يستحقها وفق مزاجك
ليست رحمة، والتواضع الذي يحتاج إلى جمهور يراك متواضعًا ليس تواضعًا، والعفو الذي
نتحدث عنه ولا نمارسه ليس عفوًا، والوفاء الذي ينتهي عندما تنتهي مصلحة الإنسان
منك ليس وفاءً ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى رسول الله ليس أن نكثر
الحديث عنه، بل أن نقلل المسافة بين ما نقوله عنه وما نفعله نحن فالسيرة النبوية
ليست كتابًا نضعه على الرف ثم نعود إليه في المناسبات، وإنما هي مرآة، وكل مرآة
حقيقية لا تجامل صاحبها.
وعندما نقف أمام سيرة رسول الله، لا ينبغي أن نسأل فقط:
ماذا كان يفعل؟ بل يجب أن نسأل السؤال الأصعب: )ماذا
نفعل نحن لو وضعنا أنفسنا في المكان نفسه؟(
فإذا كان رسول الله قد ملك القلوب قبل أن يدعوها إلى
الإيمان، فكيف نحاول نحن أن نأخذ قلوب الناس بالقوة، أو بالخوف، أو بالوصاية، أو
بادعاء امتلاك الحقيقة؟
وإذا كان قد جعل الرحمة طريقًا إلى الإنسان، فلماذا
جعلنا نحن الاختلاف سببًا للكراهية؟
وإذا كان قد عفا عمن آذاه، فلماذا نبحث عن فرصة للانتقام
من كل من أخطأ بحقنا؟
وإذا كان قد عاش التواضع وهو أعظم من مشى على هذه الأرض،
فلماذا يتحول بعضنا إلى طاغية صغير بمجرد أن يمتلك سلطة على إنسان أضعف منه؟
هنا تبدأ عظمة رسول الله بالظهور فينا، لا في الكلمات
التي نقولها عنه.
فالرسول لا يحتاج إلى أن نثبت عظمته بالصراخ؛ لأن العظمة
لا تحتاج إلى من يرفع صوته كي تثبت وجودها. العظمة الحقيقية تفرض نفسها على الزمن،
وتبقى حاضرة حتى بعد أن يغيب أصحابها.
ولهذا أرى أن أخطر سؤال يمكن أن يواجهنا في هذه المناسبة
ليس: **كيف نحتفي برسول الله؟
بل: (هل
لو رآنا رسول الله اليوم، عرف في أخلاقنا شيئًا مما جاء به؟)
ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع الزينة أن تجيب عنه، ولا
المظاهر، ولا الكلمات، ولا الاحتفالات. لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الناس بما يرتدي، وبما يقول،
وبما يرفع من شعارات، لكنه لا يستطيع أن يخدع أخلاقه عندما تختبرها الحياة.
ولهذا فإن رسول الله لا يحتاج منا إلى احتفال بقدر ما
يحتاج إلى إنسان يفهم لماذا كان عظيمًا.
فإن فهمنا الصدق، أصبحنا صادقين وإن فهمنا الأمانة،
حفظنا ما اؤتمنّا عليه وإن فهمنا الرحمة، لم نحتقر ضعيفًا وإن فهمنا التواضع، لم
نرَ أنفسنا فوق الناس وإن فهمنا العفو، لم نجعل الانتقام دينًا وإن فهمنا الوفاء،
لم ننسَ من كان له فضل علينا.
وعندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نحتفل برسول الله في
يوم، بل حملنا شيئًا منه في كل يوم وهنا يكون الاحتفاء الحقيقي؛ أن يرى الناس أثر
محمد في أخلاقنا، لا أن يسمعوا اسم محمد على ألسنتنا فقط.
فالرسول الذي غيّر وجه التاريخ لا يليق أن تكون ذكراه
عاجزة عن تغيير سلوكنا.
الخلاصة ... ماذا يمكن لقلم مثلي أن يقول عن رجلٍ عجز
التاريخ نفسه عن أن يضعه في سطر، وعجزت اللغة عن أن تمنح عظمته حقها، وعجزت القرون
عن أن تطفئ أثره؟
إننا لا نتحدث عن رجلٍ عاش ثم مضى، وإنما نتحدث عن سيرة
ما زالت تمشي بين الناس، وعن أخلاق لو عادت إلى حياتنا اليوم لأعادت للإنسان شيئًا
من إنسانيته.
محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن عظيمًا لأننا قلنا إنه
عظيم، بل كان عظيمًا قبل أن نعرف نحن كيف نصف العظمة. ولم يكن رسول الله بحاجة إلى
أصواتنا كي يرتفع اسمه، فقد رفعه الله، ولكننا نحن بحاجة إلى سيرته كي نرتفع من
ضعف أخلاقنا إلى قوة الإنسان الذي أراده الله أن يكون.
ولهذا، فإنني لا أريد في نهاية كلماتي أن أقول لكم:
احتفلوا بمحمد، بل أقول: اعرفوا محمدًا.
اعرفوه في صدقه عندما يكون الصدق مكلفًا، وفي أمانته
عندما تكون الخيانة مربحة، وفي رحمته عندما يكون القسوة أسهل، وفي تواضعه عندما
تمنحكم الحياة سلطة على الآخرين، وفي عفوه عندما يكون الانتقام أقرب إلى القلب،
وفي وفائه عندما ينتهي نفع الآخرين منكم.
فإن فعلتم ذلك، فلن تكونوا بحاجة إلى أن تبحثوا عن رسول
الله في الكتب فقط، لأنكم ستجدون أثره في أخلاقكم.
أما أن نرفع اسمه عاليًا، ثم نسقط أخلاقه من حياتنا،
فذلك ليس احتفاءً به، وإنما احتفالٌ بنا نحن.
السلام عليك يا رسول الله، يوم جئت رحمةً للعالمين، ويوم
حملت الأمانة، ويوم وقفت وحدك أمام عالمٍ لا يعرف أنك ستغيّر وجهه، ويوم غادرت
الدنيا وتركت وراءك سيرةً لم يستطع الزمن أن يغادرها.
سلامٌ عليك يا محمد، ما بقي في الأرض إنسان يبحث عن
الصدق، وما بقي في القلب مكان للرحمة، وما بقي في الدنيا من يتعلم كيف يكون
الإنسان إنسانًا.
سلام عليك يا رسول الله... فما أعظم رجلٍ كان محمد، وما
أعظم أمةً كان يمكن أن تكون لو فهمت محمدًا.

