جحا شاعر موصلي (منو هذا؟)
تحت عنوان
صور من الواقع الشعري للمدينة
بقلم / البارون الاخير محمود صلاح الدين
الموصل، بوصفها مدينةً أنجبت شعراء عظامًا معاصرين، لا
يُشقّ لهم غبار، ولا يستطيع أحد المساومة على موهبتهم أو تجربتهم الشعرية؛ ومنهم:
(الشاعر الدكتور وليد الصرّاف، الشاعر الدكتور حمد دوخي، الشاعر كرم الأعرجي،
الشاعر الدكتور جاسم العجّة، الشاعر عمر عنّاز، الدكتور أحمد جار الله، والشاعر
بهجت السقّا)، ومن العنصر النسوي: (الشاعرة بشرى البستاني، والشاعرة يسرى
الحسيني)، وغيرهم الكثير.
لكننا اليوم لسنا بصدد الحديث عن شعراء المدينة الأفذاذ،
بل سنتناول ظاهرة «جحا الشاعر» في الأوساط الأدبية داخل المدينة.
الشعر لسان العرب منذ فجر التاريخ، ولا يختلف في ذلك
أحد؛ إذ كان حجّتهم وكنزهم الذي امتازوا به، وهو في أصله موهبة. لكن مع مرور
الزمن، جاء من أتاح لغير الموهوبين التسلّل إلى هذا الميدان، حين وُضعت قواعده على
يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، التي حوّلها البعض إلى قيود جامدة، جعلت من الشعر
أمرًا مكتسبًا أكثر منه موهبة، فأُخرج من مضمار الإبداع إلى ساحة المتسلّقين على
أكتاف الشعر والشعراء، حتى وصلنا إلى يومٍ أصبح فيه «جحا» واحدًا من شعراء
المدينة.
صفاته… ومن أبرزها، كما يُقال في العامية، أنه «فارغ»؛
إذ لا يمتلك العمق البيئي للمدينة، وهو ممن ينظمون الشعر ولا يقولونه، وبين
الاثنين فرق شاسع، يظهر في غياب روح النص وتجسيده داخل القصيدة. فتجده يُكثر من
لغو الكلمات التي تحكمها أوزان جامدة أفقدت الموضوع رونقه الشعري.
كما أنه يتعامل مع الحركة الشعرية وكأنها دائرة حكومية،
يسعى بكل السبل ليكون في صدارة مشهدٍ هشّ، هو في الأصل أحد أبرز أسباب هشاشته. ولم
يكتفِ بذلك، بل ابتدع نظام التكتلات الأدبية، حتى بات الأمر يذكّر بـ«عصابة بلبو»
الكارتونية، في إشارة واضحة إلى سطحية الشخصية في تعاملها مع الواقع الثقافي.
وحين أدرك عجزه عن مجاراة الشعراء، اتجه إلى العمل
كـ«ورّاق»، فصار يرعى مشاريع وموضوعات تفوح منها رائحة النصب والاحتيال، بقصد
التربّح وجمع المريدين حوله.
وإن أخطر ما في هذه الشخصية ليس ضعفها، بل قدرتها على
التمويه؛ فهي تستعير شكل الشعر دون روحه، وتستند إلى الوزن كعكازٍ يخفي عجزها،
فتُنتج نصوصًا بلا حياة، وتخلق وهمًا أدبيًا قائمًا على الضجيج لا على القيمة،
مستفيدةً من فراغ الساحة وضعف النقد الحقيقي.
خطورة هذه الشخصية… تكمن في أثرها الكبير على الواقع
الأدبي للمدينة، وهو أثر قد لا يدركه الكثيرون؛ إذ تسهم في خنق الفرص الحقيقية
لإبراز المواهب الأصيلة، من خلال احتكارها للتقييم وكأنها النابغة الذبياني في سوق
عكاظ. والحقيقة أنه، منذ بداياته وحتى اليوم، لم يرتقِ حتى إلى مستوى من كانوا
ينشدون «سجع الكهّان».
وفوق ذلك، يتبنّى منهجًا فوضويًا في تقييم الآخرين، في
مشهد يعكس حماقةً بالغة؛ فهو ممن قيل فيهم: «إذا ما خاصم فجر». وهكذا، اكتسب «جحا»
صفة السفاقة، ما أدى إلى حالة من الخمول الأدبي والترهّل الكتابي، وأضعف روح
التكاتف الثقافي، وأقصى كثيرًا من المؤثرين عن المشهد.
حتى بات الشعر، في بعض صوره، للنطيحة والمتردية، وخسرت
المدينة فتراتٍ كان يمكن فيها إنعاش الحركة الأدبية.
وتكمن الخطورة في تحوّل هذه النماذج إلى مراكز نفوذ
ثقافي مصغّرة، تعيد تشكيل المشهد وفق مقاسها الضيق، فتُقصي المختلف، وتُروّج
للرديء، وتُعيد إنتاج الرداءة بوصفها معيارًا، ما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية
للإبداع، وإفراغ الثقافة من دورها التنويري الحقيقي.
فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في غياب الشعراء، بل في
ضياع معايير التمييز بينهم، فحين تختلط الأسماء الكبيرة مع الطارئين في الوعي
الجمعي، يصبح الذوق العام ضحيةً لخللٍ نقدي عميق، وتتحول القيمة الأدبية من معيار
إبداعي إلى مجرد حضور شكلي داخل المشهد الثقافي.
وما حدث للشعر اليوم ليس تطورًا بقدر ما هو انزلاق من
جوهر الموهبة إلى قشور الصنعة، فحين تُفهم القواعد على أنها بديل عن الإبداع،
تتحول إلى أداة تسطيح لا إلى وسيلة بناء، ويغدو الشعر مهنة من لا مهنة له، بدل أن
يبقى موهبةً تُولد مع صاحبها وتتفرد به.
الخلاصة… أن هذا المشهد المتهالك، لا بدّ من قول ما لا
يُقال: إن أمثال هذا “الشاعر” ليسوا سوى عارضٍ طارئ على جسد الأدب، طفيليات لغوية
تعيش على بقايا المعنى، وتتغذّى على جهل المتلقي وضعف النقد.
هو ليس شاعرًا، مهما زيّن لنفسه اللقب، بل مجرّد صانع
ضجيج، يتقن الظهور أكثر مما يتقن الكتابة، ويعرف كيف يتسلّق، لكنه يجهل كيف يقف.
إنه نتاج مرحلة رخوة، اختلطت فيها القيم، فصار الرديء
يُسوّق على أنه إبداع، وصار الفراغ يُقدَّم بوصفه تجربة. لكنه، في الحقيقة، لا
يمتلك إلا هشاشته، ولا يُخفي خلف نصوصه سوى عجزٍ يتكرر بأشكال مختلفة.
وليعلم جيدًا، أن الأدب لا يرحم … فالتاريخ لا يكتب
أسماء المتسلقين، بل يلفظهم خارج ذاكرته كما تُلفظ الشوائب ... وكل ما بناه من
وهمٍ سيسقط دفعةً واحدة، حين يُسحب عنه غطاء المجاملة... سيأتي يوم، لا يُذكر فيه
إلا على هامش الحكايات، لا بوصفه شاعرًا، بل بوصفه نكتةً ثقافية عابرة…
دليلًا على زمنٍ اختلطت فيه الأصوات حتى تجرأ الصدى أن
يدّعي أنه الأصل.
وحينها فقط… سيعود السؤال، أكثر قسوةً من أي وقت مضى: (منو
هذا؟)






