بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 27 يوليو 2026

مقال

 

حسن البنا... رأس الفتنة

تحت عنوان

منهجية شراذم الإخوان

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لتكن البداية من مزايا هذه الشخصية التي لا أعتبرها مثيرةً للجدل بقدر ما أنها تثير الاشمئزاز في نفسي. وبعيدًا عن الخصوصية، إذا ما أمعنّا النظر في جوانب هذا الموضوع، نجد شخصًا أقرب إلى البهلوانية في قوله وفعله. فقد استغل الأوضاع السياسية للبلد في تشكيل تنظيم يُعدّ اللبنة الأساسية لتأسيس كثير من الجماعات المنحرفة، في صورة الإسلام الحديث. وكيف لا، وهو من عمل بمنهجية: **«كلمة حق يُراد بها باطل»**.

 

من هو؟ ...كما يدّعي أتباعه، فهو داعية ومعلم مصري، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وهذه وحدها أعدّها نقيصةً في سيرته بأكملها.

 

الدين لا يحتاج إلى أحزاب... ولي رأي في هذا، أن رسولنا الكريم، في حجة الوداع، قال بالنص: **«اليوم أكملت لكم دينكم»**، وبهذا يكون كل ما يُكتب في منهجية الدين بعد هذا القول باطلًا، ومنها فكرة تشكيل تجمعات تأخذ دور الدعوة تحت مسمى الحزب. ولو كان الإنسان سويًّا من الأصل، لأدرك حينها أن الدين لا يحتاج إلى مجاميع، وإنما يحتاج إلى قراءة جديدة للنصوص تواكب تغيرات معايير العقل المعاصر.

 

الغلو والتشدد... هنا تبرز هذه المصطلحات في تكوين شخصيته، من خلال تقيده بقضية التنظيم حتى باتت جزءًا من حياته، وعلى صعيد حياته الشخصية أيضًا، حتى أصبح ذلك جزءًا من آليات التنظيم، مما فتح الباب أمام المتشددين من أصحاب العقول الساذجة لرسم خطوط الانحراف الفكري.

 

منهجية اللص... في الغالب، نعرف أن الحق لا يحتاج إلى التورية والخفاء، لأنه حق، ومستوحى من الحق ذاته الذي يتجسد في الذات الإلهية. ولكن ما قام به هذا الرجل هو ترسيخ منهج اللصوص في رسم حدود التنظيم، من خلال جعله تنظيمًا سريًا.

 

ربكم الأعلى... بهذا كان ينظر إليه أفراد التنظيم، حتى إنهم، في مرحلة من المراحل، قد نسوا الله والرسول، واكتفوا بمقولات البنا وأفعاله، وبهذا رسّخ الانقياد الأعمى، مما سهّل على أعداء الإسلام خلق جماعات تحفظ ولا تفهم، وهو ما أوجد بيئة سيئة وُلدت من خلالها جماعات أقرب إلى الانحراف.

 

وهذا ما كان على الصعيد الشخصي، أما في منهجية ما كان يدعو إليه، فهناك كوارث فكرية، منها:

 

ضبابية الرؤية... إذا ما أعدنا النظر، لم يكن للرجل القدرة على التمييز بين مصطلحي الدعوة والسياسة، مما أدخل الدين في دوامة الصراعات العقائدية والمذهبية بشكل معلن. وقد فشل، بشكل مريع، في وضع رؤية صائبة، فتجده يتحدث عن الدعوة، وفي موضع آخر تجده يُقحم الدين في مستنقع السياسة، وهو ما زعزع إيمان الكثيرين، فكان هناك نفور علني من فكرة التدين.

 

الغموض في بعض المواقف... وهذا ما لم يفهمه بعض المفكرين الذين تناولوا منهجيته، ولكن الأمر أبسط مما يتصور القارئ؛ فالرجل كان يتعامل مع القضايا والمواقف التي يجب اتخاذها وفق المثل الشعبي: **«الذي تغلبه العب به»**، وهو منهج الانتهازي.

 

فكرة تأسيس تنظيم الإخوان... منهجية السرطان، وهذا أدق وصف يمكن أن يُطلق على هذه التنظيمات؛ فاتباع الحركة السرية جعل من فكرة التنظيم أشبه بذلك المرض الخبيث الذي يسري في الجسد دون إعلان مسبق. والغريب أن تلك التنظيمات كانت تستهدف شريحة الشباب اليافع على وجه الخصوص، لإيمانها بأنهم قليلو الخبرة والمعرفة بشؤون الدين، ولا يزالون يمارسون هذا الفعل حتى اليوم. وهذا يعود إلى ضعف حجتهم، وقلة أدلتهم فيما يريدون إقناع العامة به. والحقيقة أن فكرة تكوين التنظيم جاءت من حب السيطرة والطمع في السلطة، وهو ما جعل هدف التنظيم الأول والأخير الاستحواذ على السلطة، بغض النظر عما كان يُشاع عن الهدف الدعوي.

 

فكرة الاستبداد بالرأي... فكل من انضوى تحت هذا المسمى اليوم يرى في نفسه المؤمن الوحيد على هذه الأرض، والمدافع عن الإسلام، والحقيقة أنهم، بحد ذاتهم، باتوا إخوان الشيطان. فإن لم تكن معهم، فأنت كافر يحلّ قتلك، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة. وهنا يتجسد الخطر الحقيقي لهذا الفكر التنظيمي، لأنه ينتهج مع البشرية منهج المؤسس نفسه، وحلم السلطة والاستبداد.

 

العفطيات والبهلوانيات... لم أقرأ أو أسمع عن شخصية، على مر التاريخ، تمتلك هذا القدر من المراوغة في طرح الأفكار مثلما فعل البنا. فلم نعلم ما حدود فكره في التعامل مع المصطلحات الحديثة، مثل: **تداول السلطة** و**الديمقراطية**. فمن جهة يدعو إلى الخلافة بشكل سري، ومن جهة أخرى نراهم ينخرطون فيما يُعرف بالانتخابات، وهذا، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على الازدواجية في المعايير.

 

بين الفكرة والتنظيم.. ضاع الدين ... المشكلة الحقيقية ليست في أن يختلف الناس في فهم النصوص، فهذا أمر لازم كل العصور، وإنما تبدأ الكارثة عندما يتحول الفهم البشري إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، ويصبح التنظيم هو المعيار الذي تُقاس به العقائد، لا القرآن ولا السنة. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن الحق، بل يبحث عما يثبت أن جماعته هي الحق، ولو خالف ذلك أبسط قواعد العقل والمنطق.

لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات التي ترفع الشعارات الدينية سرعان ما تتحول إلى كيانات تدافع عن نفسها أكثر مما تدافع عن مبادئها. فتصبح الطاعة فضيلة مطلقة، والمراجعة خيانة، والنقد مؤامرة، والانشقاق ردة عن المشروع. وهنا يفقد العقل وظيفته، لأن المطلوب ليس أن تفكر، بل أن تطيع.

والمؤلم في الأمر أن الدين، الذي جاء ليحرر الإنسان من عبودية البشر، يُعاد تقديمه داخل هذه المنظومات وكأنه سلسلة من التعليمات التنظيمية، حتى يصبح الانتماء إلى الجماعة عند البعض أهم من الانتماء إلى الحقيقة نفسها. وهذه ليست أزمة دين، بل أزمة توظيف للدين في خدمة مشروع سياسي وتنظيمي.

إن أي فكرة تحتاج إلى السرية كي تستمر، وتخشى من النقد، وتضيق بالحوار، وتعتبر المخالف خصمًا لا محاورًا، هي فكرة مطالبة قبل غيرها بأن تراجع نفسها. فالحق لا يخشى النور، ولا يحتاج إلى الأبواب المغلقة، ولا إلى دوائر الولاء الضيقة، لأن قوة الحق في وضوحه، لا في عدد أتباعه.

والتاريخ لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم النتائج. فإذا كانت النتيجة بعد عقود طويلة هي مزيدًا من الانقسام، والصراعات، وتسييس الدين، وتحويله إلى ساحة تنافس على السلطة، فمن حق الناس أن يسألوا: أين أخطأ المشروع؟ وأين انتهى الوعد الذي رُفع باسمه؟ فالمراجعة ليست عداءً، بل ضرورة لكل تجربة بشرية، لأن الأفكار تُوزن بآثارها، لا ببريق عناوينها.

 

الخلاصة ... لا يمكن للتاريخ أن يُخدع إلى الأبد، فمهما ارتدت الأفكار ثياب القداسة، ومهما اختبأت خلف الشعارات الرنانة، فإن الزمن كفيل بأن يكشف حقيقتها. والأفكار لا تُقاس بما ترفعه من لافتات، وإنما بما تتركه من آثار في واقع الناس.

وحين يتحول التنظيم إلى غاية، والسلطة إلى عقيدة، والطاعة إلى عبادة، فإن الحديث لم يعد عن دعوة، بل عن مشروع بشري يُصيب ويخطئ، ومن حق الناس أن يحاسبوه كما يحاسبون غيره. فلا أحد فوق النقد، ولا تاريخ يُعصم من المراجعة.

ولعل أكبر مأساة أن يُطلب من الإنسان أن يُعطّل عقله باسم الدين، مع أن أول ما كرّم الله به الإنسان هو العقل. ومن هنا تبدأ كل الانحرافات؛ يوم يصبح السؤال جريمة، والمراجعة خيانة، والاختلاف خروجًا عن الصف.

ويبقى الحق أكبر من كل جماعة، وأبقى من كل تنظيم، وأطهر من أن يُحتكر باسم أحد. أما الأشخاص، فإنهم يرحلون، وتبقى أعمالهم وحدها شاهدة لهم أو عليهم، والتاريخ لا يكتب المجاملات، بل يسجل النتائج، ولا يعرف إلا ميزانًا واحدًا: ما الذي تركته الفكرة بعد أن انقشع غبار الشعارات؟

السبت، 25 يوليو 2026

مقال

 

الإنجيليون الجدد والحروب الافتراضية

تحت عنوان

الامتداد التاريخي لجرذان فرسان الهيكل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يظن الكثير اليوم أن الحروب الصليبية قد انتهت، ولكن للحقيقة وجهًا آخر قد يكون صادمًا إلى حدٍّ كبير، أكبر من تصوراتكم. وها نحن نعيش اليوم الحروب الافتراضية، وكأننا في لعبة بلايستيشن. ومن الطبيعي أن يكون لهذه الحروب شخصياتها وأهدافها.

وقد يرى البعض أن الجانب الآخر من الكرة الأرضية لا يقرأ التاريخ، ولكن هذه رؤية قاصرة للموضوع؛ فهم أكثر قراءةً منا نحن لتاريخنا، والغرض من ذلك تطوير أساليب التعامل مع العرب والمسلمين في المنطقة. وعند قراءتهم للتاريخ وجدوا أن الحقبة الأخطر عليهم في تاريخ الإسلام هي حقبة حكم العرب. وكما ذكرتُ فيما سبق، فإن حكم العرب امتد من عهد رسولنا الكريم محمد (ص) إلى وفاة هارون الرشيد، ولهذا كان لا بد من إيجاد سبل تمنع وصول العرب إلى الحكم مرةً ثانية.

وعند فشلهم في السيطرة على المنطقة من خلال الاستعمار المباشر، كان لا بد من إيجاد طريقة أخرى لتركيع العرب والهيمنة على المنطقة وثرواتها. فكانت هناك فكرة قديمة تجسدت في (جرذان فرسان الهيكل) ، ثم جرى تطويرها أو تغيير مسمياتها ووسائل طرحها بشكل آخر، فظهرت فكرة (الإنجيليين الجدد) .

وعلى الرغم من أن معظم المصادر التاريخية تفند فكرة الربط بينهما، فإن هناك تشابهًا عميقًا بين أهداف كلٍّ منهما، ومن أهم تلك الأهداف:

* فرض المسيحية دينًا على المجتمعات.

* السيطرة على الأراضي المقدسة لتأمين طريق الحج للمسيحيين.

ولتنفيذ تلك الأجندة، كان لا بد من تجديد المناهج المعمول بها لتحقيق تلك الأهداف، وهنا سوف نستعرض تلك المناهج.

إن المتتبع لمسار الصراعات الدولية يكتشف أن أدوات الصراع لم تعد ثابتة، بل تتغير بتغير الزمن، بينما تبقى المصالح الكبرى هي المحرك الأساس لكثير من السياسات الدولية. فبعد أن كانت الجيوش والأساطيل هي لغة الهيمنة، أصبحت العقوبات الاقتصادية، والحروب الإعلامية، والصراعات بالوكالة، والتأثير الثقافي، وإدارة الأزمات أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة. وهذا ما يدفع كثيرًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن أشكال الصراع تبدلت، أما جوهر التنافس على النفوذ والثروة والموقع الجغرافي فما زال حاضرًا، وإن ارتدى ثوبًا أكثر حداثة.

إن التاريخ يعلمنا أن الأفكار لا تموت بموت أصحابها، بل تتبدل أسماؤها وتتغير أدواتها كلما اقتضت الحاجة. فكم من مشروع انتهى شكله وبقي مضمونه، وكم من تنظيم اختفى من صفحات التاريخ ليعود بثوب جديد يناسب عصرًا جديدًا. ولهذا فإن دراسة التشابه بين المشاريع الفكرية والسياسية لا تعني بالضرورة إثبات وجود امتداد تنظيمي مباشر، وإنما تعني أن المصالح الكبرى كثيرًا ما تعيد إنتاج الوسائل التي أثبتت فاعليتها، ولو تحت عناوين مختلفة. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تغيرت أهداف الصراع، أم أن الذي تغير هو اللغة التي يُدار بها هذا الصراع؟

 

استنزاف ثروات العرب... ونحن نعيش اليوم هيمنة المال على العالم، فمن الطبيعي أن يفكر هؤلاء في منع جميع الدول العربية والإسلامية من امتلاك ثروات تتيح لها امتلاك القوة. فكانت فكرة الحروب الافتراضية في مناطق العرب، بما يضمن وجودهم ويفرض عليهم ما يعرف بالعامية (الخاوة) ، وهي المبالغ المالية التي يفرضها القوي على الضعيف بحجة حمايته. وهذا، بحسب هذا الطرح، هو السيناريو الذي رسمه ما يعرف بالإنجيليين الجدد.

إن الثروة في عالم السياسة ليست مجرد أرقام تودع في المصارف، وإنما هي قدرة على اتخاذ القرار المستقل. ولذلك فإن إنهاك الاقتصادات، واستنزاف الميزانيات، وإشغال الدول بسباقات التسلح وإعادة الإعمار، يعد من أكثر الوسائل فاعلية في إضعاف أي أمة دون الحاجة إلى احتلالها عسكريًا. فالدولة التي تنفق مواردها على معالجة الأزمات المتكررة لن تجد ما يكفي لبناء الإنسان أو تطوير العلم أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهنا تتحول التبعية إلى واقع يفرض نفسه مهما كانت الشعارات المرفوعة.

 

إيران ودور جاسوس المنطقة... (الخاصرة الرخوة) لكل هيكل أو نظام في هذا العالم نقاط ضعف يمكن من خلالها الدخول لتفتيت أي منظومة. وهذا لا يعني أنني أشكك في إيمانهم، لا سمح الله، ولكن عند قراءتهم لتاريخ إيران وجدوا ما يعرف بحلم الإمبراطورية الفارسية التي هشمتها سيوف الإسلام. فكانت فكرة اللعب على مسألة الحقد على العرب من خلال بث فكرة، في عقول العجم بشكل عام، مفادها أن الإسلام دين العرب. وهذا صحيح؛ فالعرب هم حملة الدين الإسلامي ورواده على مر العصور، ولهذا كان لا بد من تغذية فكرة العداوة للعرب والعمل على نخر جسد الإسلام من الداخل، فلم يجدوا أصلح من النظام الإيراني للعب هذا الدور.

 

إسرائيل ودور مسمار جحا... وبالعودة إلى قراءاتهم لتاريخنا، استخدموا مفهومًا لم يخطر على بال الشيطان نفسه، مستوحى من تراثنا العظيم، وهي حكاية ذلك المسمار الذي تركه جحا في منزله ليصبح الحجة التي يدخل بها إلى منزله للاطمئنان عليه بين حين وآخر.

ولهذا كانت فكرة قيام دولة إسرائيل في المنطقة العربية، من خلال بعض الروايات المختلقة التي تبناها بعض المفكرين الذين جندوا كل شيء من أجل الانتصار على العرب والمسلمين.

وقد تكون فكرة أن هذا الكيان مهم جدًا للذين يديرون المشهد العالمي فكرةً ساذجة إلى حدٍّ كبير؛ فبالعودة إلى كتابات العالم الغربي نجد أن الشخصية اليهودية، عند معظم المفكرين وأصحاب الأقلام، لا تحظى بالاحترام، بل على العكس، تُعد في كثير من أدبياتهم شخصية منبوذة ومرفوضة اجتماعيًا، وهو ما يؤكد، بحسب هذا التصور، أن الموضوع برمته لا يتعدى أن يكون رواية **مسمار جحا**.

 

الحرب الافتراضية... إن حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، وما سوف يأتي بعدها، كلها - وفق هذا الطرح - فعاليات وهمية لا تتعدى أن تكون لعبة للكبار فقط. ومثلما أن هناك ضحايا يقدمون بمثابة قرابين، فإن العرب ودينهم هما الغاية والهدف.

فكل النزاعات التي تشهدها المنطقة تصب، وفق هذه الرؤية، في الاتجاه نفسه. وهناك من يقول إن هناك اتفاقًا بين الجهات المتحاربة، وهذا - من وجهة نظري - غير صحيح، لأن الطرف الأقوى في القتال يتبنى مفهوم **صناعة العدو**.

ومن أهم النتائج التي يرمون إلى تحقيقها:

* استنزاف دول الخليج العربي.

* الهيمنة على المنطقة لأطول وقت ممكن.

* بناء قواعد عسكرية قريبة من المعسكر الشرقي.

 

الخلاصة ... قد يختلف معي الكثيرون، وقد يرفض آخرون هذه القراءة جملةً وتفصيلًا، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن أصحاب العقول لا يكتفون بالنظر إلى ما يحدث، بل يبحثون دائمًا عن سبب حدوثه. فالأحداث الكبرى لا تُقرأ بعينٍ ترى الدخان فقط، وإنما بعقلٍ يبحث عن النار التي أشعلته.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس أن تُهزم في معركة، بل أن تُمنع من طرح الأسئلة، وأن تُقنع بأن كل ما يجري حولها مجرد مصادفات متفرقة لا يجمعها خيط. أما أصحاب البصائر، فإنهم يدركون أن التاريخ لا يكرر نفسه بالحروف، وإنما يعيد إنتاج أنماطه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة وأدوات أكثر دهاءً.

ولهذا، فإن الأمر برمته يبدو ــ في نظر من يقرأ الوقائع بعقلٍ ناقد ــ أوضح مما يتخيله الكثيرون؛ فليست كل الحقائق تُخفى، وإنما بعضها يختبئ خلف ضجيج الأحداث، ولا يراها إلا من اعتاد أن يقرأ ما بين السطور، لا السطور وحدها.

 

الاثنين، 20 يوليو 2026

مقال

 

 أبصر الله وأنتم لا تُبصرون

تحت عنوان

حقائق صادمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية، وعند شروعي في كتابة هذا الموضوع، استشرت الكاتب والصحفي الدكتور خيري شيت، فأشار إلى أن موضوعي هذا سوف يدخل في إشكالية الحلاج، انطلاقًا من العنوان. وبصراحة، أنا أقدر وأحترم هذا الرأي، ولكن، ولمن لا يعلم، فإن شخصية الحلاج بذاتها قد تعرضت إلى غبن كبير بسبب إشكاليات الوعي الإدراكي. فعندما سُئل: (أين الله؟) أجاب: (إن الله يكمن تحت جبتي) ، فظن كثيرون أنه يدعي الألوهية، بينما كانت القضية التي يرمي إليها أكبر بكثير من تلك العقول التي أفتت بصلبه. فقد استند في إجابته إلى قصة أول الخلق والسجود لآدم، حيث لم تكن تلك السجدة لآدم بذاته، وإنما لعظمة خلق الله التي تجسدت في خلقه لآدم. ومن هنا تكون الانطلاقة في موضوعنا هذا.

وللتنويه... في هذه الكلمات لا أدعي الصلاح، وأشهد الله على ذلك، فأنا بشر أخطئ وأصيب، وقد يكون في نفسي سوء، ولكن قضيتي هي التذكير، فمن منا بلا خطيئة؟ وإن وُجد، فليرمني بحجر.

 

ملامح الله ... وهنا لا أقصد الملامح العينية، ولكن هناك ما يعرف بصورة الله في الأرض، وللتعرف على ملامحها يجب البحث عنها في أعمال عباده الصالحين، إن وُجد اليوم أحد منهم. ولمعرفة تلك الملامح، ابحث عن الأعمال التي تثبت صفاته من خلال أفعال أصحابها، وقد تكون أسماؤه الحسنى هي المصدر الوحيد لتلك الملامح. وكذلك هناك ما يعرف بالتجني على الذات الإلهية، فالكثير اليوم يقوم بعملين حذرت منهما الملائكة عند خلق آدم، وهما الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وهما قضيتان ترميان فاعلهما إلى قعر جهنم، والعياذ بالله. وليس هذا موضوعنا الآن، ولنعد إلى قضية: (كيف أرى الله؟)

 

ولو أدرك البشر كيف يرون الله، لما بقي على هذه الأرض من يشرع في الشرك. وإذا ما جمعت تلك الأسماء بوصفها صفات له سبحانه، فسوف تدرك عظمته، وهو العظيم، والعظمة تأتي من رحمته. وكيف لا، وهو الذي خصَّ نفسه بها؟ ولهذا ترى أن هناك من يتمادى في المعصية طمعًا في هذه الصفة، ولكنهم يجهلون معايير التعامل معه، عز وجل، فهو ملك الملوك، الذي تخضع له كل من في الأرض ومن في السماء، وهو السلام. وهنا يكون التجني على الذات الإلهية، فالكثير اليوم يرتكب أعظم الكبائر، وهي سفك الدماء، ويدعي أنها من أجل الله. وهذه ليست قضية حديثة، ولكن لو عدنا إلى النصوص التي تستند إليها الكتب السماوية القديمة، لرأينا أنها تصفه برب الجنود، في إشارة إلى تبويب العنف السماوي بين البشر، وكل هذا وأكثر يدخل ضمن عمليات تشويه صورة الذات الإلهية.

 

كيف أرى الله ... لمن لا يعلم، أنا من الذين يُبصرون الله بعين القلب وإدراك العقل، والوصول إلى هذا ليس بالأمر السهل كما يظن البعض. فأنا ممن إذا بحث عنه وجده في قلبه، ولكني أفتقده في قلوب كثير من البشر، عندما ترى أن أخطاءهم تجاوزت حدود ذواتهم البشرية. وهذا يعزز قولي إن جميع من على الأرض غافلون، ويكون استيقاظهم عند الموت. فهو آخر من أكلمه في يومي، وأول من أناجيه في صباحي، وأدرك لطفه عند مرضي. لم يتخلَّ عني عندما تخلى عني الجميع، والعلاقة به قد تجاوزت حدود العبودية إلى المحبة؛ فأنا أحبه، نعم، وهذا لأنني أعلم من يكون. وقد وصلت إلى قناعة بأن حدود قدرته لا حدود لها، وكيف لا وهو القادر على كل شيء؟ ولم يكن هذا بفعل النصوص البشرية التي ورثناها عمن سبقونا، وإنما هو القلب الذي أعلن ولاءه لله عز وجل، بسبب الإدراك العقلي بأن الله أكبر من أن يُعبد بين مصطلحي الترغيب والترهيب، والمقصود هنا الجنة والنار. ولو وصل أحد إلى هذا المستوى، لكانت رؤيته لله غير تلك التي رسمتها كتب الفقهاء ورجال الدين في جميع الديانات السماوية.

 

الصورة التي لا تليق به... اليوم نرى أن كثيرًا من دعاة الصلاح ينتهجون منهج تشويه صورة الله من خلال أقوالهم وأفعالهم، وهذا يعد شركًا خفيًا، إن كنتم لا تعلمون. فعندما يسرق رجل الدين، يقول الناس: هؤلاء رجال الله. وعندما يقتلون، يعلنون أن ذلك أمر من الله، وهذا ما يجعل هناك نفورًا غير معلن عن الله. وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيتحدث عنه بما لا يليق به، من خلال منازعته لله في ملكه، والعياذ بالله، فيرمي هذا إلى النار، وذاك إلى الجنة، وفق وجهات نظره المحدودة. ولهذا العمل نتائج كارثية، منها بعث روح اليأس من رحمة الله، وهذه، في مذهبي، أعظم أنواع الشرك. وليس هذا فحسب، بل يذهب بعضهم إلى التعامل مع الله بالحسابات البشرية.

وأستشهد هنا بحكاية من الواقع؛ فقبل فترة رأيت أحد رجال الدين يحمل في يده ما يعرف بالحاسبة، يحسب بها الأذكار كما يدعي، وقد أصابني شيء من الغضب، فقلت له: (يا شيخنا، أليس الله أكبر من أن تُحسب له ما تقدم؟) وقد نُقل عن أحد الفقهاء قوله: (أحصوا سيئاتكم، وأنا ضامن لحسناتكم) ، انطلاقًا من إيمانه بقدرة الله على كل شيء.

وحكاية أخرى، يُروى أن أحد الدراويش كان يحمل المال معه وهو في حلقات الذكر، وفي وقت معين سقط ذلك المال على الأرض، فاجتمع الناس عليه، ولم يستطع التوقف عن الإنشاد، فأخذ يصرخ: (محسوبات ومعدودات) ، وفي ذلك تأكيد أن ما عند الله لا يضيع.

 

علاقتي به ... يشاع عني أنني بعيد كل البعد عن الله، وهذا رأيهم، وهم يتحملون وزره يوم اللقاء. ولكن ما لا يعلمونه أنني من المؤمنين بأن العلاقة مع الله علاقة شخصية بين العبد وربه، فإذا ظهرت للناس دخلت في باب الرياء، أبعدكم الله عنه. ولهذا أرى أن معضلة الإيمان تكمن في قضية التصديق، وأن يكون ما في اللسان مطابقًا لما في القلب. فإن الله لا ينظر إلى صوركم التي تشمل أفعالكم اليومية، وإنما ينظر إلى قلوبكم، وذلك هو خير الإيمان.

وأنا لا أكترث بما يثار حولي من أقاويل، لأنني أثق بقولنا الشعبي: (الله يعرف من سرق الحبل)

 

المضمون ... وهنا أصل إلى جوهر ما أريد قوله... إن أكبر جريمة ارتكبها الإنسان بحق الإيمان لم تكن في إنكاره لله، بل في رسم صورة لا تليق به، حتى أصبح كثير من الناس يفرون من تلك الصورة المشوهة، وهم يظنون أنهم يفرون من الله. لقد اختزلناه في غضب دائم، وفي أحكام بشرية ضيقة، وفي وكلاء نصبوا أنفسهم متحدثين باسمه، حتى صار الخالق عند البعض يشبه أهواء مخلوقاته، وهذا هو التجني بعينه. إن الله، في يقيني، لا يُعرف بكثرة الشعارات، ولا بطول اللحى، ولا بعلو المنابر، ولا بصخب الوعاظ، وإنما يُعرف عندما ترى الرحمة تنتصر على القسوة، والعدل يغلب الظلم، والصدق يهزم الكذب، والإنسان يعلو على شهواته. هناك فقط تبدأ ملامح الصورة التي يستدل بها القلب على خالقه. أما من جعل من الدين وسيلة لسفك الدماء، أو لتوزيع مفاتيح الجنة والنار بين الناس، أو لتخويف العباد من ربهم أكثر من تعريفهم برحمته، فإنه لم يظلم الناس وحدهم، بل ساهم في تشويه تلك الصورة التي من أجلها خُلق الإنسان أصلًا. ولهذا أقول إن الطريق إلى الله لا يبدأ من أفواه الآخرين، وإنما يبدأ من قلب صادق، وعقل لا يخاف من السؤال، ونفس تعرف أن عظمة الخالق أكبر من أن تُحاصر في فهم إنسان، أو في رأي فقيه، أو في اجتهاد رجل دين، لأن الله أعظم من أن يحيط به عقل، وأقرب إلى عباده من أن يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه.

 

الخلاصة ... لن أسأل أحدًا بعد اليوم: (أين الله؟) لأنني، في رحلتي مع الحياة، تعلمت أن السؤال الأصدق هو: (أين الإنسان من الله؟) فكم من إنسان يحفظ أسماءه الحسنى ولا يحمل من معانيها اسمًا واحدًا، وكم من آخر لا يجيد الحديث عنه، لكن أفعاله تنطق برحمته وعدله وصدقه. أما أنا، فإن كانت لي عقيدة ألقى الله بها، فهي أنني كلما ازددت معرفة بعظمته، ازددت يقينًا بعجزي عن الإحاطة به، وكلما اقترب قلبي منه، ازداد لساني صمتًا عنه. لهذا لا أبحث عن الله في ضجيج المنابر، ولا في صراخ المتخاصمين باسمه، ولا في الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على رحمته، وإنما أبحث عنه في كل موضع ينتصر فيه الحق على الهوى، والرحمة على القسوة، والعدل على الظلم، والإنسان على وحشه الكامن فيه. فإن أخطأت في فهمي، فحسبي أنني اجتهدت بقلب يريد وجهه، وإن أصبت، فالفضل له وحده. وسيبقى يقيني الذي لا أفرضه على أحد أن أعظم ما يمكن أن يراه الإنسان في طريقه إلى الله ليس صورة يتخيلها، ولا وصفًا يصنعه، وإنما أثر أسمائه الحسنى حين تنعكس على أخلاق عباده. هناك يبدأ البصر الحقيقي... وهناك فقط يدرك القلب لماذا قلت منذ البداية: (أبصر الله وأنتم لا تُبصرون) .

الأحد، 19 يوليو 2026

مقال

 

 أسطورة جدي البطل

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية، وليشهد الله، لستُ بطعّانٍ ولا لعّانٍ، لأن ما سوف يرد هنا قد يُحمل على محمل الطعن بالأنساب، وهذا ليس من أسلوبي. ولكن انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التباهي بقرونٍ من طين، من خلال جملة: (كان أبي وكان جدي) واستحضرني هنا بيتٌ من الشعر:

كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واكتسِب أَدَباً ** يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ

إِنَّ الفَتى مَن يَقولُ ها أَنا ذا ** لَيسَ الفَتى مَـن يَقولُ كانَ أَبي

لنفهم منه مغزىً عظيمًا، وهو أن التباهي يكون بما تصنعه جوارحك أنت، بيدك ولسانك، ولهذا علينا اليوم تفنيد أكذوبة  (كان جدي بطلًا) . والسؤال الأهم في الموضوع هو: **ماذا صنعت أنت؟** وما مدى الاستفادة من وجودك على هذه الأرض؟ وفي الغالب تنطلق هذه الظاهرة من المنطلق العشائري.

 

معضلتنا مع التاريخ... ولمن لا يعرف، لا وجود لحقيقةٍ مطلقة على صفحات التاريخ، ونحن العرب والمسلمون كان التاريخ المطرقة التي هشّمت عظام البنية العربية على مر الأزمنة، من خلال رواياتٍ أسطورية تعزز آليات تخدير العقل في التعامل مع ما هو حاضر وقادم، حتى وصل الأمر عند الكثيرين اليوم إلى أنهم يجدون في التاريخ المعيار الوحيد للتعامل مع الآخرين، وهذه كارثة لا يعلمها كثيرون. فمنها تنطلق العنصرية والطبقية، حتى تلك الأكاذيب التي نطلقها، مثل: (شعب أصيل) و (هذه أرضنا) .

وللتنويه، يجب أن ندرك أن الاجتياح المغولي أسقط أسطورة (الدماء النقية) و**(هذه أرضنا)**. ولمن لا يعلم، فإن الأرض وما عليها لله عز وجل، والانطلاق من تلك المفاهيم المغلوطة سوف يضعك في إشكالية أمام الله. حتى إن رسولنا الكريم أشار إلى هذا بقوله: (دعوها فإنها عفنه) . وقد يقول أحدهم إنه حديث ضعيف السند، وردّي على هذا بمنهجية أؤمن بها، وهي أن كل حديث يرد عن رسول الله محمد (ص)، إذا كان يصب في معيار يقبله العقل ويطمئن له القلب، فهو أولى بالأخذ. وقد لا ترضي هذه النظرية كثيرًا من رجال الدين، ولكن ما لا يعلمونه أن الرب ربي، والرسول رسولي، وأنا حر في الكيفية التي أراهما بها.

 

استغلال الأجداد ... المصيبة هنا أننا، نحن الشعوب العربية، أكثر الشعوب التي تتغنى بالماضي، وأنا لا أنكر أن لدينا تاريخًا مشرّفًا بكل عيوبه، ولكن يجب علينا العمل لنكون لائقين بهذا التاريخ والإرث الحضاري.

فتسمع اليوم أحدهم يقول: (أنا جدي الزير سالم) ، أو آخر ليعطي صورةً للمقابل بأنه شجاع أو شيء من هذا القبيل، ولكن إذا ما عدنا إلى طباع القائل، لا تجد أن الشجاعة تمت له بصلة تُذكر، أو أي صفةٍ محمودة، وهذا ما يخلق اضطرابًا معياريًا بين القول والفعل.

وإذا ما عدنا إلى المجتمع الموصلي بشكل خاص، سوف تجد أن كثيرًا من ألقاب التباهي مشكوكٌ بها؛ فمنها ما كان أصلها نابعًا من تبعيةٍ مقيتة تعود إلى زمن المستعمرين ودرجة العمالة في ذلك الوقت، وأخرى تجد أنها تعود إلى أسطورة لا حقائق لها، تناقلتها الأجيال. والغريب أن تلك العوائل ترى نفسها الأعلى أو الأسمى من سواها في هذه المدينة، مما خلق نوعًا من ممارسات التعالي على الغير.

والأسوأ من كل ما ذكرت هنا هي تلك الشرائح القروية التي تمثل اليوم غزوًا حضاريًا يهدد الهيكل العام للمدينة، وهذه أيضًا تعتمد على الأساطير القبلية التي يستبسل بها أشباه مسيلمة الكذاب، أجلكم الله، فترى الكثير منهم يحدث الناس بما ليس له علاقة بعمله، وكلها تحت عنوان (شماعة الأجداد) ، وهي أكذوبة الأساطير.

 

بطولات بالإرث لا بالفعل ... من أغرب ما ابتُلي به مجتمعنا أن كثيرًا من الناس يعيشون على رصيدٍ لم يودعوه هم في بنك الحياة، بل ورثوه من أسماءٍ سبقتهم بقرون. فتراه يدخل أي مجلس وكأنه يحمل شهادة شجاعة موقعة من جده، أو صكًا بالأفضلية صادرًا عن نسبه، وكأن التاريخ وكالة شرعية تورَّث مع الميراث. ولو سألته عن أثره في الناس، أو عن موقفٍ واحدٍ وقف فيه مع مظلوم، أو عن علمٍ نفع به غيره، أو عن عملٍ ترك بصمة في وطنه، لصمت صمت القبور. إن البطولة لا تُورَّث، والشرف لا ينتقل بالجينات، والمجد لا يسكن في شجرة النسب، بل يولد كل صباح مع الإنسان حين يقرر أن يكون نافعًا لمن حوله. أما من يجعل الأجداد مهنة، والتاريخ وظيفة، فإنه لم يزد على أن يكون ظلًا لرجلٍ مات، بينما هو لم يبدأ حياته بعد.

 

حروب من أجل البقاء... يجهل اليوم الكثيرون إيجاد تبويبٍ لكل الحروب في هذا العالم، فمنهم من يقول إنها حرب دينية، وآخرون يرددون أنها طبقية أو فئوية، ولكنها، وللأسف، صراعٌ من أجل البقاء بصبغة الماضي الذي وجدوا فيه المسار الآمن لكسب الرأي العام تحت مسميات (العرق والدين) .

وبخصوص الأولى، فهناك مقولة مفادها: (البعرة تدل على البعير) ، إشارةً إلى أن عملك يدل على أصلك. أما الثاني، فكثيرون يعرفون الدين على أنه ممارسات أو عبادات، ولكن حقيقته أنه خُلُق لا أكثر، فمنذ بدأ الخلق وهو عبارة عن دساتير تضبط الأسلوب العام للبشر، لا ميزة تبعث فينا روح التعالي والطبقية.

 

ربما تكون هناك غانية خيرٌ من رجالكم... وفي هذا أستشهد بحكاية تُروى من التراث الموصلي عن امرأة تمارس البغاء تُسمى (حسنة ملص) ، ومفادها أنه في أحد الأيام كانت في سيارتها، فرأت رجلًا وبقربه أربع فتيات صغيرات، وامرأة، وأغراضًا مرمية على قارعة الطريق، وبقربهم رجل يصرخ بوجوههم. وهنا استفزها المنظر، فأمرت سائقها بالتوقف للاستفسار عن حقيقة هذا المشهد.

فكانت الرواية أن صاحب الدار قد طردهم بسبب عدم تمكن هذا الرجل من تسديد الإيجار نتيجة مرضه، فما كان منها إلا أن قالت للرجلين: **لي موعد معكما غدًا في دائرة تسجيل العقارات**، دون توضيح السبب. وعند الموعد قالت لصاحب الدار: **كم ثمن دارك هذا؟** وبعد أن أخبرها، قالت له: هذا ثمن الدار، وسجله باسم صاحب هذه العائلة الفقيرة.**

ولمن لا يعلم، لم أستشهد بهذه الحكاية من باب تجميل القبح، لا سمح الله، ولكن هنا يولد سؤال مهم جدًا: كم رجل من أصحاب التواريخ العظيمة قادر على فعل ما أقدمت عليه صاحبة هذا العمل، وهي، كما يشاع عنها،  (مموس) ؟

وهذا يؤكد أن عملك وصورتك وما أنت عليه لا يخضع للمعايير التاريخية، وأن الأعمال العظيمة ليست شرطًا أن تقترن بأصلٍ أو دين.

 

الخلاصة ... لا يهمني من كان جدك، ولا كم فارسًا خرج من بيتك، ولا كم صفحةً كتبها التاريخ عن عشيرتك. ما يهمني فقط هو: عندما تصبح أنت غدًا جزءًا من التاريخ، ماذا سيكتب عنك؟ هل سيقال إنك كنت رجلًا صنع أثرًا، أم مجرد شخص عاش عمره يردد أسماء الموتى لأنه لم يجد في حياته اسمًا يستحق أن يُذكر؟

اعلموا أن الأجداد لا يحتاجون إلى أحفاد يتاجرون بأسمائهم، بل يحتاجون إلى رجال يحفظون مكانتهم بالأفعال لا بالخطب. ومن يعيش عمره متكئًا على قبر جده، فهو يعترف، من حيث لا يدري، بأنه لم ينجح في بناء قبرٍ يليق باسمه حين يرحل.

اصنعوا لأنفسكم تاريخًا، فالتاريخ لا يرحم الكسالى، ولا يسجل أسماء الذين عاشوا على أمجاد غيرهم. وعندما يقف الإنسان بين يدي الله، لن يسأله: **من كان جدك؟** بل سيسأله: (ماذا قدمت أنت؟) وهناك... لن تنفعك شجرة نسب، ولن يشفع لك لقب، ولن يتكلم عنك تاريخٌ لم تكن أنت أحد صُنّاعه.

 

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

مقال

 

 الشيوعية والثقافة القشرية

تحت عنوان

البغبغاوية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



هناك شائعة مغلوطة بين الكثير من المثقفين والمفكرين اليوم، مفادها أن الشيوعيين هم الأكثر ثقافة من سواهم. ولكن الثقافة ليست أن تقوم بحفظ الكثير من النصوص والأسماء، إنما هي أن يكون لك رأي فيما تحفظ أو تقرأ. فالكثير ممن يحملون جذورًا تاريخية في الانتماء المذهبي لهذا الفكر هم مجرد مستعرضين لما حفظوه، لا أكثر. وهنا سوف نستعرض بعض الأسباب التي ساهمت في صناعة هذه الفكرة.

 

فكرة تصدير الثورة... يظن البعض أن هذه الفكرة تعود إلى نظام الملالي في إيران، ولكن، وللأسف، هذه أيضًا فكرة غير صحيحة، إذ إنها تعود إلى المنهج الشيوعي ومفهوم تطوير أساليب السيطرة في العالم منذ أيام الحروب العالمية وتأسيس الأحزاب الشيوعية، فكان الأدب والفن أبرز أدوات تصدير فكرة الثورة الشيوعية.

 

حقيقة الانتشار الواسع... قد يرى أحدكم، إذا ما عاد إلى تاريخ الأدب والأدباء في العراق، أن نسبة كبيرة جدًا منهم كانت تتبنى هذا الفكر. وإذا ما عدنا إلى حقيقة الأمر، فسوف نجد تلك الشعارات الزائفة عن المساواة ودعم الطبقات الفقيرة. ولكن الاستعراض شيء، والحقائق أمر آخر. فالفكر الشيوعي هو تجسيد لاستعباد الشرائح الاجتماعية، والفرق بينه وبين الرأسمالية أن الأولى تستعبد الجماعة، والثانية تستعبد الفرد. والغريب أن الكثير من المفكرين، لغاية يومنا هذا، لم يدركوا هذه الحقيقة المُرّة. وهناك معلومة يجب أن تعلمها العامة، وهي أن التاريخ الشيوعي، منذ تأسيسه ولغاية تاريخ كتابة هذا المقال، تاريخ دموي بامتياز، وهذا يعود، برأيي، إلى سذاجة ذلك الفكر ومفكريه.

 

أدب اللطامة... لا تغرنك تلك الأسماء اللامعة في الفكر الشيوعي، فجميعهم يلعبون اللعبة ذاتها، التي تنحصر في مصطلح (جلد الذات)، بوصفه نوعًا من استدرار عطف الفئة الأكثر اضطهادًا اجتماعيًا أو سياسيًا. أما عن تلك الأسماء، مثل (مكسيم غوركي، وميخائيل شولوخوف) وغيرهما الكثير، فجميعهم يشتركون في أن الحظ قد خدمهم لتصبح أسماؤهم لامعة. وحتى لو عدنا إلى المؤسس (كارل ماركس)، لوجدناه يعاني الكثير من العقد النفسية والاجتماعية التي دفعته ليكون ما هو عليه. ومن أبرز المآثر التي كان لها صدى واسع الانتشار فكرة (المعاناة تصنع الإبداع)، أي يجب أن تعيش حياة بائسة لتكون مبدعًا، وهذا يلغي دور الموهبة في الموضوع، ولهذا أطلقت عليه أدب اللطامة.

 

مشكلة الشيوعية في الفكر العربي... وهنا يجمع الكثير من المفكرين على فشل الفكر الشيوعي أمام الفكر العربي، ولهذا أسبابه، وأبرزها أن المجتمع العربي هو، بالأصل، مجتمع متدين وعاطفي. ولهذا تجد أنه حتى عند أولئك الشيوعيين العرب، فإنهم ينكرون فكرة الإلحاد وارتباطه بالشيوعية، ولهذا فشلت فكرة تغيير العقيدة التي تمس الدين.

ومن باب الطرفة، قبل أيام، وبينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت مجموعة بعنوان (تجمع شيوعيي العراق)، ولكن عند دخولي لرؤية ما ينشرونه، وجدت أن جميع المنشورات عبارة عن صور للإمام علي، كرم الله وجهه، والإمام الحسين، عليه السلام. فكتبت منشورًا تضمن: (إخوان، أنتم غير قادرين على التفريق بين مصطلحي شيعي وشيوعي). وهنا يكمن المغزى، ويكمن أيضًا الإثبات، على أن ثقافتهم، في حقيقة الأمر، ثقافة قشرية.

 

ثقافة الاقتباس... من أكثر ما يلفت الانتباه في أوساط المتأثرين بهذا الفكر أن كثيرًا من النقاشات تتحول إلى سباق في استعراض أسماء الفلاسفة والروائيين والاقتباسات، حتى يصبح اسم الكاتب أهم من الفكرة نفسها. فتجد أحدهم يردد مقولة لماركس أو لغرامشي أو لغوركي وكأن مجرد الاستشهاد بها يمنحه تفوقًا فكريًا، بينما إذا سألته عن رأيه الشخصي، أو طلبت منه نقدًا لتلك الفكرة، اكتشف أنه لا يملك سوى إعادة ما قرأه بصياغة مختلفة. وهنا تتحول الثقافة من عملية إنتاج للمعرفة إلى مجرد عملية حفظ واستنساخ، ويتحول المثقف إلى ببغاء يكرر ما سمعه، لا إلى عقلٍ قادر على التحليل والمراجعة والمساءلة. فالثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الكتب التي قرأتها، بل بعدد الأفكار التي استطعت أن تعيد النظر فيها وأن تبني منها رأيًا مستقلًا، لأن العقل الذي لا يجيد إلا التكرار لا يصنع معرفة، وإنما يصنع صدىً لأصوات الآخرين.

 

الخلاصة ... أنني هنا لا أخشى أصحاب الأفكار بقدر ما أخشى أصحاب العقول المستعارة؛ أولئك الذين يظنون أن ترديد أسماء الكتب والفلاسفة يمنحهم صكوك التفوق، بينما هم في الحقيقة لا يحملون إلا أصداء أصوات غيرهم. فالثقافة القشرية لا تصنع مفكرًا، بل تصنع ببغاءً يحفظ أكثر مما يفهم، ويكرر أكثر مما يحلل، ويهاجم أكثر مما يناقش. وما أقسى أن يقضي الإنسان عمره يتباهى بما حفظ، ثم يكتشف أنه لم يملك يومًا فكرةً واحدةً تخصه. فالتاريخ لا يخلد حافظي الشعارات، وإنما يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، وجرأة النقد، واستقلال العقل.

 

الاثنين، 13 يوليو 2026

مقال

 

 كتب رسمية تعزز آليات تكميم الأفواه

تحت عنوان

لا أحد فوق ما سوف يُكتب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


لتكن البداية بجملة أوجهها لأصحاب هذه الأفكار الهزيلة، وسوف أكتبها باللهجة العامية: (صيروا أوادم، محد يحچي عليكم).

اليوم، وبطريق الصدفة، وقع نظري على كتاب رسمي غريب جدًا يتضمن نوعًا من التهديد والوعيد لكل من ينشر مشاكله على مواقع التواصل الاجتماعي. والغريب في الأمر تلك الآلية في التعامل مع الكوادر الوظيفية، ونحن في مؤسسة تمثل أعلى الهيكلية الوظيفية في الدولة. والأغرب أن المسؤول اليوم أصبح عاجزًا عن إيجاد الحلول للمشاكل التي يعاني منها الموظف، فيتجه إلى إسكات صوته. وهنا سوف نحاول معرفة ما الذي دفع هؤلاء إلى إصدار هذه النوعية من الكتب الرسمية التي لا أجد لها وصفًا أقل من أنها مهزلة.

 

الصمم مرض المسؤول... ولنبدأ من الوزارة، وعن تجربة شخصية. فعند مراجعتك لهم تصطدم بما يُعرف بباب (شؤون المواطنين)، ومهمتهم فرز القضايا بين ما هو مهم وما هو غير مهم. والغريب أن من أوجد هذه الآلية غير مدرك أن من يصل إلى مبنى الوزارة لم يأتِ للسياحة أو الاستجمام كما يظنون، وإنما هو رجل أو امرأة أنهكته الحياة، وضاقت به السبل، حتى قرر المضي في هذا الطريق. أما الردود عندهم فهي جاهزة، ولا يكلفون أنفسهم عناء النظر في أبعاد القضية المطروحة أو جوانبها الإنسانية، وهذا هو الحال على مستوى الوزارة.

أما على صعيد الجامعات، فأغلبها يخصص يومًا واحدًا يتيمًا لمقابلة العامة، أما بقية أيام الأسبوع فهي للمقابلات الخاصة، في مشهد يعزز الطبقية. وهناك أيضًا لجنة تتمثل وظيفتها في تقرير من تكون قضيته صالحة للعرض على السيد رئيس الجامعة. وإذا ما عدنا إلى الدرجات الوظيفية الأدنى من هذا المنصب، فإن الأمر يتطلب منك التحلي بصبر طويل لمقابلة المسؤول، وأن تحظى بعلاقات مع طاقم السكرتارية، فقد تنتظر ساعات، أو يومًا، أو يومين، لتحظى بشرف المقابلة.

وبعد كل هذا، يأتي أحدهم ليصف من يتعرض للغبن بالوقاحة لأنه فاض به الكيل، فراح يشكو همه للعامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأجد في ذلك نوعًا من عدم احترام حرية الرأي، إن لم يكن خروجًا على احترامها. فالنقد ورصد الهفوات قضية محمودة لمن يملك الرؤية أو القدرة على تصحيح المسارات الوظيفية، ولهذا تجد المسؤول في أغلب الأحيان ناقمًا على من يشق جدار الصمت بصراخه الذي فرضه عليه الألم.

 

التهرب من المسؤولية... ومن أسوأ تقليعات هذا المصطلح ذلك التعميم الذي يُكتب فيه: (بصلاحيات المسؤول المباشر)، ويُستخدم هذا فقط إذا لم يكن الأمر على هوى المسؤول. وفي الغالب، يكون ذلك من نصيب الموظف الذي لا يمتلك أساليب التملق أو محاباة المسؤول، وهم غالبًا من أصحاب الدرجات الوظيفية المتدنية.

ولمن لا يعرف، فأنا أعاني من مشكلة لا يستطيع حلها حتى كولومبو، على مستوى الجامعة والوزارة التابعة لها. ومع أنني لم أترك أحدًا إلا وكلمته في موضوعي، إلا أن الرد كان يدخل من باب التطنيش، لأن الأمر برمته تابع لجهة سيادية في رئاسة الوزراء.

وقد وصل الحال ببعضهم إلى العجز حتى عن مخاطبة الوزارة لتقصي الحقائق حول هذا الموضوع، مبررين موقفهم بأنهم ملتزمون بالكتب الوزارية، ظنًا منهم أنهم يفعلون الصواب.

وهنا أود أن أستشهد بقصة من التراث الإسلامي، مفادها أنه عندما سُجن الإمام أحمد بن حنبل، سأله أحد الحراس: هل أكون في موقف إعانة الظالم على ظلمه؟ فابتسم الإمام وقال له: أتدري يا رجل من الذين أخاف عليهم أن يقعوا في وصف أعوان الظالم؟ إن من يخبز لهم، ومن يقدم لهم الطعام، ومن يسقيهم الماء، أولئك هم من يعين الظالم. فقال الحارس: فمن أكون أنا؟ فرد الإمام: أنت الظالم بعينه.

وإذا ما أمعنا النظر في المغزى من هذه الحكاية، نجد أن كل من يتقاعس عن رد الظلم عن الناس بحجة المسؤولية أو التمسك الحرفي بالقوانين، فهو يظلم نفسه أولًا، ويقع في إثم تجاه الناس، وسوف يسأله الله عن ذلك يوم القيامة.

المشكلة الحقيقية ليست في الموظف الذي كتب منشورًا أو أطلق صرخة وجع على مواقع التواصل، بل في المؤسسة التي أصبحت تخاف من الكلمة أكثر من خوفها من الفساد والإهمال والتقصير. فبدل أن تسأل نفسها لماذا وصل الموظف إلى مرحلة كشف معاناته أمام الناس، راحت تبحث عن طريقة لإسكاته، وكأن الجريمة ليست في الظلم الواقع عليه بل في فضحه. إن أخطر ما وصلت إليه بعض المؤسسات اليوم أنها لم تعد ترى المواطن أو الموظف إنسانًا له حق الشكوى والاعتراض، بل أصبحت تنظر إليه كمصدر إزعاج يجب تطويقه بالكتب الرسمية والتعليمات والتهديدات المقنّعة.

وحين تتحول الكتب الرسمية من أدوات لتنظيم العمل إلى أدوات لبث الرعب الوظيفي، فاعلم أن الخلل لم يعد فرديًا بل أصبح ثقافة إدارية كاملة. ثقافة تقوم على حماية الكرسي لا حماية الإنسان، وعلى دفن الأخطاء لا معالجتها، وعلى معاقبة الصوت الذي يكشف الخلل بدل محاسبة من تسبب به. ولهذا نرى المسؤول يغضب من منشور كتبه موظف مسحوق، لكنه لا يغضب من معاملة مهينة، أو معاملة متوقفة منذ أشهر، أو حق ضائع بين الأدراج والتواقيع. إنهم يريدون موظفًا صامتًا حتى وإن كان مظلومًا، يريدونه أن يتألم بصمت، وأن يخسر حقوقه بصمت، وأن يُعامل كرقم في سجل لا كإنسان يحمل همًا وأسرة ومستقبلًا.

ومن هنا فإن معركة الكلمة ليست معركة منشور على فيسبوك أو تعليق على منصة، بل معركة بين عقلية تؤمن بأن النقد وسيلة للإصلاح، وعقلية أخرى ترى في كل صوت حر تهديدًا لهيبتها المصطنعة. ولهذا كلما ضاقت صدورهم بالكلمة، تأكدنا أن الكلمة أصابت موضع الخلل، وأن الصمت الذي يريدونه ليس حفاظًا على النظام، بل حفاظًا على أخطاء لا يريدون لأحد أن يراها.

 

استراتيجيات خارج منطق العقل... وهنا أستشهد بقول أحد الأساتذة عندما أخبرني أن هناك تعتيمًا إعلاميًا على شخصيتي داخل العمل، وقد يكون هذا الأمر منطقيًا إلى حد كبير، بسبب معرفتهم بأنني لا أسكت عن الخطأ، أيًا كان مصدره أو صاحبه، مهما كان منصبه أو مكانته.

ولمن لا يعلم، فإن هذا هو أسلوبي منذ عهد النظام السابق، وقد سبب لي الكثير من المشاكل، لكنه لم يثنني يومًا عن التخلي عن هذا النهج. ولأنهم غارقون في الجهل، لم يفكر أحد منهم في توظيف هذه الإمكانيات التي أملكها لتدعيم آليات العمل الجامعي، بل على العكس، انتهجوا سياسة العزل، ظنًا منهم أنني سأستسلم.

وهم لا يعلمون أنه لو علموا ما أملكه من قدرة على عرض القضايا وتحليلها بطريقة تجعلهم يقفون أمامها مذهولين، لما سلكوا هذا الطريق أصلًا، لأن ما يفعلونه ليس إلا استراتيجيات تخرج عن منطق العقل، قبل أن تخرج عن منطق الإدارة.

 

الخلاصة ... اكتبوا ما شئتم من كتبٍ رسمية، وعمموا ما شئتم من تعليمات، وشيدوا ما شئتم من جدرانٍ حول الكلمة، لكن تذكروا أن الحقيقة لا تُدفن بتوقيع، ولا تُكمَّم بختم، ولا تُلغى بكتاب صادر من مكتب مسؤول. فالصوت الذي يخرج من رحم الظلم أقوى من كل أرشيفكم الورقي، والوجع الذي يعجز المسؤول عن معالجته لن يعجز صاحبه عن فضحه.

إن هيبة المؤسسة لا تُصنع بإسكات موظفيها، وإنما تُصنع بالعدل، وبالإنصاف، وبفتح الأبواب أمام المظلوم لا بإغلاقها في وجهه. أما أن يصبح كشف الخلل جريمة، ويصبح السكوت فضيلة، فهذه ليست إدارة، بل إعلان صريح بأن الخوف بات يحكم مكان الكفاءة، وأن الحفاظ على الصورة أصبح أهم من إصلاح الواقع.

ولذلك أقولها بوضوح: لا تخيفني كتبكم الرسمية، لأن القلم الذي لا يخاف من قول الحقيقة لا يرهب توقيعًا، ولا يرتجف أمام ختم، ولا يبدل قناعاته إرضاءً لمن اعتادوا سماع التصفيق بدل سماع النقد. وسأظل أكتب، لأن الكلمة الحرة لا تستأذن أحدًا، ولأن التاريخ لا يخلّد من كمّم الأفواه، بل يخلّد من امتلك الشجاعة ليقول: هنا بدأ الخطأ... وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح.

السبت، 11 يوليو 2026

قراءة

 

 الصراع القيمي

تحت عنوان

قراءة في عمل سينمائي بعنوان (برشامة) لعام 2026

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ما زال هناك أمل.. بهذه الجملة أبدأ قراءتي في عمل سينمائي أُنتج لهذا العام، ينتمي إلى السينما المصرية، وهو - إذا ما أردنا أن نُبوِّبه - يكون من باب الكوميديا الساخرة. أُنتج العمل سنة 2026، وهو من تأليف وإخراج خالد دياب، وأداء مجموعة متميزة من الفنانين. وما يميز هذا العمل، بشكل عام، أنه أسقط نظرية البطولة المطلقة، وطرح مجموعة من القضايا بأسلوب ساخر. وقد يكون عنوان العمل غريبًا نوعًا ما، وهو (برشامة)، ويُقصد بها قصاصة الغش. وهنا سوف نقدم عرضًا لبعض التقنيات المستخدمة في العمل.

 

فكرة العمل... العمل برمته مستوحى من فكرة يجسدها مثل شعبي عراقي مفاده: (هم يضحك وهم يبكي). وتدور القصة حول لجنة امتحانية يُطلق عليها في مصر (امتحان بمنازلهم)، وهي الامتحانات الخارجية للطلبة الذين تأخروا في التحصيل الدراسي. وهنا تكون الفكرة جامعة لمجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل شرائح اجتماعية مختلفة، بينهم رجل دين، وراقصة، وسجين، وغيرهم الكثير. وهذا ما خلق نوعًا من الصراع القيمي في طرق الحصول على تقييم امتحاني عالٍ. وقد تكون فكرة الفصل الدراسي فكرة مستهلكة في السينما المصرية، إلا أنها في هذا العمل جاءت متميزة في طرح الموضوعات بصورة مختلفة.

 

نقاط القوة والضعف في العمل... لكل عمل في الحياة نقاط قوة تُحسب له، وأخرى ضعيفة تُحسب عليه. ومن أبرز نقاط القوة طرح المشكلة بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما، دون أن يفقد رسالته الأساسية، وهذا يتجسد في عبقرية النص وتقديمه بصورة مقنعة، مما يمنحه ميزة سهولة وصول الفكرة إلى المتلقي. بالإضافة إلى أداء جيد من أبطال الفيلم، خصوصًا في المشاهد التي تتطلب توازنًا بين الكوميديا والانفعال، حتى على مستوى الأدوار الثانوية.

وهنا تكون هناك نقطة مميزة رصدتها من خلال مشاهدتي للعمل، وهي أن الإيقاع السريع في الثلث الأول من الفيلم جذب انتباه المشاهد، وفي هذا أيضًا تميز يُحسب لإدارة العمل الفني، المتمثلة بشخصية المخرج.

ومن جملة القضايا التي طرحها الفيلم احتواء العمل على رسائل تربوية وأخلاقية دون تعقيد كبير، ومنها الصراع القيمي بين مجموعة من الشخصيات، مثل رجل الدين، والراقصة، والسجين، وهذه هي أصل الفكرة التي قام عليها العمل.

ومن خلال وجود مواقف كوميدية نابعة من الموقف الدرامي، أكثر من اعتمادها على الإفيهات فقط، شدَّ انتباهي أحد تلك الإفيهات التي تصب في فكرة الموضوع، والتي وردت في النص، إذ قال أحدهم: «إن الغش في بعض المواقف الحرجة حلال»، فرد عليه رجل الدين: «من الذي قال هذا؟ أنا أحفظ كل ما ورد عن ابن حنبل، ولم يرد شيء من هذا.» فرد الآخر قائلًا: «هذا لم يقله ابن حنبل، وإنما قاله ابن عمي.»

وهنا تبرز فكرة تسفيه القيم التي تُحسب على العمل. ومن باب الطرفة، فقد مرت عليَّ فكرة مشابهة لمحتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما قالت امرأة لزوجها: «إن الرجل لا يجوز أن يهمل زوجته، وهو حديث متفق عليه.» فرد الرجل: «ومن هؤلاء المتفقون على هذا الحديث؟» فقالت: «أنا ونسوان الحي.»

ومن هذا المنطلق يكون هناك ما يُعرف بتشويه الصورة للقيم الأخلاقية بصورة لينة، لزرع الفكرة في العقل الباطن للمشاهد.

 

المضمون... إن العمل، رغم ما ذُكر مما يُحسب عليه، يُعد عملًا ناجحًا يستحق المشاهدة إلى حد كبير، بسبب بساطة الطرح الممتع، وابتعاده عن تلميع الشخصيات في العمل، وهو الأمر الذي طالما تعودنا عليه. وهذا ما ينتمي إلى مفهوم السهل الممتنع، الذي عالج به مجموعة من القضايا بصورة موحدة في عمل سينمائي أعده، من وجهة نظري، طفرة فريدة في فوضى السينما، ليكون هذا العمل بمثابة بذرة أمل في تقديم عروض هادفة.

ومن زاوية أخرى، فإن العمل لم يكن يتحدث عن ورقة امتحانية بقدر ما كان يتحدث عن امتحان الضمير الإنساني، فكل شخصية دخلت قاعة الامتحان وهي تحمل معها منظومة من المبادئ والقيم التي تشكلت عبر سنوات طويلة، ولهذا لم يكن الصراع الحقيقي على الإجابة الصحيحة، وإنما على الوسيلة التي تُوصل إليها. فهناك من رأى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهناك من تمسك بقيمه حتى وهو يدرك أن خسارته قد تكون أكبر من ربح الآخرين. وهنا تكمن عبقرية النص، لأنه نقل الامتحان من كونه حدثًا دراسيًا إلى كونه مرآة تعكس طبيعة المجتمع، وكيف يمكن للحاجة أو الخوف أو الطمع أن تعيد تشكيل المبادئ عندما توضع أمام اختبار حقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن الفيلم لا يدين الغش بحد ذاته فحسب، بل يدين البيئة التي تجعل الإنسان يبحث عن المبررات قبل أن يبحث عن الحقيقة، وهذا ما منح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود الكوميديا ليقترب من النقد الاجتماعي الهادئ الذي يترك أثره في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.

 

الخلاصة ... يبقى العمل السينمائي الحقيقي هو ذلك الذي لا تنتهي حكايته عند نزول الستار، وإنما يبدأ تأثيره بعد مغادرة المشاهد لقاعة العرض. وهذا ما نجح فيلم (برشامة) في تحقيقه، إذ لم يكتفِ بصناعة الضحكة، بل جعل منها وسيلة لطرح أسئلة مؤجلة عن منظومة القيم التي أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا تحت وطأة المصلحة والظرف والتبرير. فالفيلم، وإن جاء في قالب كوميدي، إلا أنه قدّم رسالة مفادها أن سقوط الإنسان لا يبدأ حين يرتكب الخطأ، بل عندما يصبح الخطأ أمرًا اعتياديًا يجد له الجميع مبرراته. ومن هنا أرى أن قيمة هذا العمل لا تكمن في عدد المشاهد التي أضحكت الجمهور، وإنما في عدد الأفكار التي بقيت عالقة في أذهانهم بعد انتهاء الفيلم، ليؤكد مرة أخرى أن السينما، عندما تحترم عقل المشاهد، تستطيع أن تكون مدرسةً للفكر قبل أن تكون وسيلةً للترفيه.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

مقال

 

 الإسلام وحافة الهاوية

تحت عنوان

ضرورة ولَّدت المُجدِّد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



إن الفكرة التي لا تقبل التجديد، مصيرها إلى الزوال، حتى وإن كانت في باب الدين. فمنذ فترة سألتني إحدى الصحفيات: "لماذا توجه سهامك دائماً ضد الإسلام؟" وهنا يكمن الخطأ في صياغة السؤال، إذ كان ينبغي أن يكون: "ما هي مشكلتك مع الإسلام؟"

والحقيقة أنني لا أملك مشكلة مع الإسلام كدين، وإنما تكمن مشكلتي في قضية تحريف الدين، ومنهجية التقول على الله عز وجل ورسوله الكريم محمد (ص)، وتوظيفهما للمنافع الدنيوية والشخصية. وهذا، بالضبط، ما يمنع تقبل فكرة المُجدِّد.

فاليوم نجد الكثير من البشر يرسمون صورةً لله على الأرض بما يخدم مصالحهم، وهذا العمل يُعد من أعمال المنافقين، والعياذ بالله. وللتنويه، فإن المنافقين هم أكثر الناس حرصاً على إظهار أنفسهم أمام العامة بمظهر المتدينين، وهذا بالضبط ما نراه ونسمعه اليوم.

ولهذا، يجب أن يكون التعامل مع الإسلام على مبدأ شراء بيتٍ مستعمل؛ إذ ينبغي أن يمر بأربع مراحل، وهي: (التنظيف، الشطف، التأثيث، السكن)، ليصبح بعدها منزلاً صالحاً للسكن. وهذه السطور التي أكتبها اليوم تمثل المرحلة الأولى، وهي التنظيف.

 

أيديولوجية توظيف النص... قبل يومين سألت أحد الأساتذة الجامعيين عن سبب الإبقاء على بعض الأحاديث النبوية، وعدم حذفها رغم وجود إجماع على ضعفها، فكانت إجابته: "لتقويم الأخلاق." وضرب مثالاً بحديث: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف."

وليست مشكلتي مع هذه النوعية من الأحاديث، وإنما مع نوعية أخرى وُظِّفت لغرض الدس والتضليل. ومثالي في ذلك الحديث المنسوب: "إن الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه." فهذا الحديث استُخدم -بحسب ما يُطرح- للدس في سيرة أحد الصحابة الكرام، وهو خالد بن الوليد، بسبب أن الرسول (ص) لقبه بـ "سيف الله المسلول". وهذا مثال حي على محاولات الدس.

وهناك حديث آخر مفاده: "إن في اختلاف أمتي رحمة." مع أن هذا الحديث يتعارض -بحسب طرحي- مع النص الإلهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

وقد يظن الكثير أن هذه النصوص ليست بذلك الحجم من الخطورة الذي ألمح إليه، ولكن ما لا يعلمه الكثير أن ما ورد هنا ليس إلا غيضاً من فيض. فقد تكون مثل هذه النصوص بمثابة معول في عملية الهدم والتضليل للرأي العام، لأن الجميع اليوم بات غير قادر على امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين الصواب والخطأ، بسبب التطور التكنولوجي، وإمكانية تغذية المواقع الإلكترونية بالمعلومات التي يعدها الكثيرون المصدر الوحيد للمعرفة.

وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي لا تملك القدرة على التحقق الفكري من مصادر المعلومة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على ما هو متاح من بيانات ومصادر.

 

حتمية شخصية المُجدِّد... بما أن عصر الأنبياء والرسالات السماوية قد انتهى بوفاة رسولنا الكريم محمد (ص)، فمن البديهي أن يكون هناك ما يُعرف بالمُجدِّد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام كدين.

ودليلي في ذلك أن من الأدعية المتداولة في خطب الجمعة: "اللهم ابعث فينا من يجدد ديننا." وهذا -من وجهة نظري- يمثل اعترافاً ضمنياً بفكرة وجود شخصية تقوم بعملية التجديد.

ولكن من هو المُجدِّد؟ وما صفاته؟ ... ليس شرطاً أن يكون خارجاً عن المألوف في تعامله مع جميع النصوص، وإنما يجب أن يحظى أولاً بالعناية الإلهية، وأن يكون قادراً على امتلاك الرؤية في عملية التجديد، ورسم خارطة فكرية للتعامل مع النصوص السماوية، بما يحفظ جوهرها ويمنع استغلالها.

 

الإسلام وحافة الهاوية... الكثير اليوم، عندما تسأله، يقول لك: "الدنيا ما زالت بخير." ولا أعرف عن أي خير يتحدث، وغالباً ما يقصد المتدينين.

والمشكلة أن أشباه المتدينين باتوا الخطر الأكبر على الإسلام، أكثر من أعدائه، حتى أصبحوا يؤدون دور الجاسوس في جسد الإسلام.

وإذا أردنا تحليل هذه الكلمة على سبيل المجاز، فإنها تعود إلى عبارة "جاء السوس"، والسوس هو تلك الحشرة التي تنخر حبة الحنطة من داخلها، وهذا -في نظري- هو الدور الذي يؤديه أشباه المتدينين؛ فهم يمارسون عملية النخر في جسد الدين الإسلامي من الداخل، من خلال بث روح الشقاق والنفاق، وتوظيف النصوص الضعيفة وفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.

 

المضمون ... إن أخطر ما يواجه الإسلام اليوم ليس هجوم خصومه، فالأديان عبر التاريخ واجهت الحروب والاحتلالات ومحاولات الطمس وبقيت قائمة، وإنما الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص إلى أدوات بيد البشر، فيُلبسون أهواءهم ثوب القداسة، ويمنحون مصالحهم صكوكاً إلهية، حتى يصبح الاعتراض على الإنسان اعتراضاً على الله، ويغدو نقد الفهم وكأنه حرب على الدين نفسه. ومن هنا تبدأ رحلة الانحدار؛ لأن الدين حين يفقد قابلية المراجعة الفكرية، ويُغلق باب التجديد، يصبح أسيراً لتراكمات صنعها البشر لا لما أراده الله.

إن المشكلة لا تكمن في وجود نصوص مختلف في فهمها أو في صحة بعضها، بل في العقل الذي يوظفها وفق الحاجة، فيقتطع منها ما يخدم مشروعه، ويغيب ما يهدم مصالحه، حتى تتشكل أجيال لا تعرف أين ينتهي كلام الله ورسوله، وأين يبدأ اجتهاد البشر وتأويلاتهم. ومع هذا الطوفان المعرفي الذي تصنعه التكنولوجيا، وتكرره المواقع الإلكترونية، وتعيد إنتاجه أدوات الذكاء الاصطناعي اعتماداً على ما هو منشور، تتحول المعلومة، مهما كانت ضعيفة، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس لمجرد كثرة تداولها، فيصبح الباطل مألوفاً، ويبدو الحق غريباً بين أهله.

ولهذا فإن الدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى هدم الدين، بل إلى إزالة ما تراكم فوقه عبر القرون من غبار التأويلات والدس والاستغلال. فالإسلام لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى عقل جديد في طريقة التعامل معه، عقل يفرق بين المقدس والاجتهاد البشري، وبين النص الإلهي وما أُلصق به عبر الزمن. فكلما تأخر هذا المشروع، ازداد السوس الذي ينخر في جسد الدين من داخله، حتى يصل الناس إلى مرحلة يدافعون فيها عن الأخطاء باعتبارها من ثوابت العقيدة، بينما هي في حقيقتها صناعة بشرية اكتسبت حصانة القداسة بمرور الزمن. وعندها لا يكون الإسلام هو الذي يقف على حافة الهاوية، بل يكون فهم المسلمين له هو الذي اقترب منها، وتلك هي الكارثة التي يجب أن يتوقف عندها كل صاحب ضمير قبل أن يصبح الإصلاح نفسه تهمة، ويغدو المجدد عدواً لأنه قال: إن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وإن الدين أسمى من أن يُحتكر باسم أحد.

 

الخلاصة ... أقولها بكل وضوح: إن الإسلام لم يصل إلى حافة الهاوية بسبب أعدائه المعلنين، فهؤلاء كانوا معروفين عبر التاريخ، وإنما اقترب منها بسبب أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الله، واحتكروا الحديث باسمه، حتى أصبحوا يوزعون صكوك الإيمان والكفر وكأن مفاتيح السماء معلقة في أعناقهم. يرفعون شعار نصرة الله، بينما يجعلون الدين أسيراً لمصالحهم، ويقدسون اجتهاداتهم كما لو أنها وحي لا يقبل المراجعة.

إن أخطر خصوم الحقيقة ليس من يعلن رفضها، بل من يرتدي ثوبها ليحرفها. وأخطر من يحارب الدين ليس من يقف خارجه، بل من يقف داخله وهو يبدل معانيه، ويخلط بين قدسية الوحي وقابلية الفهم البشري للخطأ والصواب. فحين يتحول الدين إلى وسيلة للنفوذ، ويصبح الدفاع عن الأشخاص مقدماً على البحث عن الحقيقة، فإن أول الضحايا هو الدين نفسه.

ولهذا، فإن التاريخ لن يسأل من أكثر من رفع الشعارات، بل من كان أميناً عليها. ولن يخلد من ادعى أنه ينصر الله، وإنما من نصر الحق والعدل والصدق دون أن يجعل من نفسه بوابةً بين الخالق وخلقه. أما الذين جعلوا من الدين تجارة، ومن القداسة حصناً لمصالحهم، فسيكتشفون يوماً أن أخطر ما فعلوه لم يكن خداع الناس، بل تشويه الصورة التي جاء الإسلام ليصححها، وأن خصومة الحقيقة باسم الدفاع عنها هي أشد صور العداء لها.

مقال

  حسن البنا... رأس الفتنة تحت عنوان منهجية شراذم الإخوان بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين لتكن البداية من مزايا هذه الشخصية ال...