الرد على
ما نُشر من تفاهات في موقع الحوار المتمدن
تحت
عنوان
مقال
«أبناء الزنى كيف أصبحوا أمراء المسلمين» المنسوب إلى عكاشة
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
أعاد
أحدهم نشر مقال منسوب إلى أسامة أنور عكاشة، كاتب السيناريو المصري المعروف، وهو
مقال يحمل عنوانًا يستفز القارئ ويدفعه إلى الدخول في متاهة من الاتهامات التي
تتعلق بالأنساب والشرف والتاريخ. وهنا لا بد لنا من الوقوف أمام ما نُشر، لا من
باب الدفاع عن أشخاص مضوا إلى التاريخ، بل من باب الدفاع عن قيمة الكلمة، وحرمة
الحقيقة التاريخية، وحق العقل في ألا يتحول إلى أداة لترويج الأكاذيب.
وللتنويه،
قلتها منذ زمن طويل: إن القراءة النقدية الحديثة تقوم على نزع قدسية الشخوص عن
النص، ولكن هذه القاعدة لا تعني أن ننزع عن أنفسنا قدسية الحقيقة، ولا أن نحول
النقد إلى ساحة مفتوحة للطعن والتشهير. فهناك فرق كبير بين أن تنقد شخصية تاريخية،
وأن تختلق رواية عنها، وبين أن تفكك نصًا تاريخيًا، وأن تستخرج منه ما يخدم رغبتك
في الإساءة إلى الآخرين.
ويبدو أن
ناشر المقال لم يميز بين النقد التاريخي والطعن في التاريخ، ولا بين البحث عن
الحقيقة والبحث عما يرضي القناعات المسبقة. فالتاريخ ليس حانوتًا نختار من بضاعته
ما يناسب خصومتنا، ثم نغلق أبوابه أمام كل ما يخالف أهواءنا. وليس من حق أي كاتب
أن يتعامل مع الأنساب بوصفها مادة للتسلية أو وسيلة لإهانة شخصيات اختلف معها
فكريًا أو عقائديًا.
وأنا هنا
لا أدافع عن الشرف من باب العصبية، ولا أطالب بمنح الشخصيات التاريخية حصانة تمنع
مساءلتها، وإنما أطالب بميزان واحد في التعامل مع الجميع؛ فمن كانت لديه رواية
فليأتِ بمصدرها، ومن كانت لديه حجة فليعرضها، أما أن تتحول التهمة إلى حقيقة لمجرد
تكرارها، فهذه ليست ثقافة ولا بحثًا ولا شجاعة فكرية، وإنما إفلاس في التعامل مع
المعرفة.
ولنبدأ
بالسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ما كُتب محاولة للكشف عن حقيقة الشخصيات
التاريخية، فأين الدليل الذي يثبت تلك الاتهامات؟ وهل يصبح الطعن في الأنساب بحثًا
تاريخيًا لمجرد وضع عنوان مثير فوقه؟
إن
المشكلة ليست في أن يختلف الناس حول التاريخ، فالاختلاف هو الذي يفتح أبواب البحث،
وإنما المشكلة في أن يتحول الاختلاف إلى محكمة تصدر أحكامها قبل أن تستمع إلى
الأدلة. وحين يصبح الاتهام هو الدليل، وتصبح الخصومة هي المنهج، فإننا لا نكون
أمام قراءة للتاريخ، بل أمام رغبة في إعادة كتابة الماضي وفق مزاج الحاضر.
الطعن في
الأنساب وصناعة الخصومة
... إن من يتتبع تاريخ العرب يجد أن النسب كان يحتل
موقعًا مهمًا في بنية المجتمع، وأن الشعر والهجاء والمفاخرات القبلية استُخدمت في
الدفاع عن المكانة الاجتماعية أو النيل من الخصوم. ولكن وجود هذه الظاهرة في
التاريخ لا يمنحنا الحق في تحويل كل ما قيل في مجالس الخصومة إلى حقيقة ثابتة، ولا
يجعل كل هجاء دليلًا على صحة ما يتضمنه من اتهامات.
فالشاعر
الذي يهجو خصمه ليس مؤرخًا محايدًا بالضرورة، والخصم الذي يطعن في نسب خصمه لا
يقدم شهادة براءة لنفسه. إنما نحن أمام خطاب تحكمه أحيانًا المنافسة والمبالغة
والمصلحة، ولذلك يحتاج إلى قراءة نقدية تكشف دوافعه وسياقه، لا إلى عقل يلتقط
الكلمات ويحولها إلى أحكام نهائية.
وهنا
تكمن المفارقة التي يغفل عنها بعض الكتّاب؛ إذ يرفعون شعار القراءة النقدية عندما
يتعلق الأمر بمن يختلفون معهم، ثم يتخلون عن أبسط قواعد النقد عندما يجدون رواية
تخدم موقفهم. فيقبلون الخبر بلا تمحيص، ويهملون مصدره، ولا يسألون عن زمن تدوينه
أو عن الظروف التي أحاطت به، وكأن الحقيقة التاريخية أصبحت ملكًا لمن يصرخ أكثر من
غيره.
وإذا كان
الطعن في الأنساب قد استُخدم في بعض مراحل التاريخ أداةً للنيل من الخصوم، فإن
إعادة نشر تلك الاتهامات في عصرنا من دون تحقق لا تجعل صاحبها باحثًا، بل تجعله
حلقة جديدة في سلسلة نقل الروايات التي لم تخضع للفحص الكافي.
بين
الأصل والأخلاق
... من الأخطاء الفكرية التي ينبغي الوقوف عندها الربط
الآلي بين الأصل والأخلاق، وكأن الإنسان يحمل صفاته الأخلاقية في شهادة نسبه، أو
كأن الشجاعة والكرم والذكاء لا يمكن أن توجد إلا في أسرة بعينها.
لقد عرفت
المجتمعات العربية مفاخرات بالأنساب، كما عرفت قصصًا عن الشجاعة والكرم والوفاء،
لكن هذه المفاهيم لا يجوز أن تتحول إلى قوانين بيولوجية أو أحكام قطعية على الناس.
فالأخلاق تُعرف بالمواقف والأفعال، والشجاعة تُعرف عند الشدائد، والكرم يُعرف عند
البذل، أما النسب وحده فلا يمنح صاحبه شهادة أخلاقية، ولا يسلبها من غيره.
والأهم
من ذلك أن ظروف الولادة لا تمثل ذنبًا يرتكبه الإنسان، ولا يجوز تحويلها إلى وصمة
تلاحقه طوال حياته. فإذا كنا نرفض الطعن في شخصيات تاريخية من خلال اتهامات غير
مثبتة، فعلينا أيضًا أن نرفض تحميل أي إنسان مسؤولية أمر لم يختره ولم يرتكبه.
إن
محاكمة الإنسان بأصله بدلًا من فعله صورة من صور العجز عن محاكمته بما يستحقه من
معايير. وهي مفارقة مؤلمة أن يرفع البعض راية الأخلاق، ثم يستخدموا النسب أداةً
للإهانة، مع أن الأخلاق الحقيقية تبدأ من العدل في الحكم على الآخرين.
حين
يتحول التاريخ إلى سلاح
... إذا أردنا أن نجري مقارنة بين ما ورد في المقال
المتداول وبين الأسماء التاريخية التي تناولها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف
نثبت التهمة؟ بل: ما الدليل الذي يجعلنا نقبلها أصلًا؟
فوجود
قائد أو شاعر أو فارس أو صاحب رأي في التاريخ لا يثبت صحة نسبه ولا ينفيها، كما أن
نجاحه أو إخفاقه لا يمثل دليلًا قاطعًا على ظروف ولادته. إنما لكل ادعاء دليله
الخاص، ولكل رواية سياقها، ولكل شخصية تاريخية ما يمكن إثباته من خلال المصادر
المتاحة.
أما أن
نرى رجلًا عظيمًا في مواقفه، فنستنتج من عظمته حقيقة نسبه، أو أن نرى رجلًا سيئ
السيرة فنستنتج من سوء فعله فساد أصله، فهذه مغالطة لا تقل خطورة عن المغالطة التي
ننتقدها. فالحقيقة لا تُستخرج من رغبتنا في تمجيد شخص أو تحقيره، وإنما من الأدلة
التي يمكن فحصها ومناقشتها.
وهنا
أقول: ليس من الضروري أن نحول كل شخصية تاريخية إلى ملاك حتى نرفض الطعن فيها،
وليس من الضروري أن نمنح أحدًا صك البراءة من أخطائه حتى نطالب بالإنصاف في
محاكمته. فالتاريخ أكبر من أن يُختصر في معادلة تقوم على التقديس المطلق أو
التشويه المطلق.
هند بنت
عتبة وسؤال الشرف
... وهنا أستشهد بالموقف المشهور المنقول عن هند بنت
عتبة عند بيعة النساء، حين ورد في الرواية قولها: «أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟».
ويُستشهد بهذا الموقف في سياق الحديث عن تصور الشرف والعفة في المجتمع العربي، لكن
من الضروري ألا نحمل العبارة أكثر مما تحتمل، وألا نجعلها وحدها دليلًا على كل ما
نريد إثباته بشأن المجتمع قبل الإسلام.
إن قيمة
هذا الاستشهاد تكمن في أنه يفتح بابًا لفهم تصورات المجتمع عن العفة والشرف، لا في
أنه يمنحنا الحق في إصدار أحكام شاملة على جميع العرب أو جميع النساء في ذلك
العصر. فالمجتمعات لا تُفهم من عبارة واحدة، والتاريخ لا يُختزل في موقف منفرد،
والرواية مهما كانت مشهورة تحتاج إلى قراءة في سياقها عندما نريد استخدامها دليلًا
على قضية واسعة.
وهنا
يظهر الفرق بين الكاتب الذي يستشهد بالنص ليفهمه، والكاتب الذي يستدعي النص ليجعله
شاهدًا على حكم قرره سلفًا. فالأول يبحث عن الدلالة، والثاني يبحث عن عبارة تمنحه
شعورًا بأنه انتصر.
معضلة
المصادر ومن يكتب التاريخ ومن يعيد تدويره؟ ... كثير
من الأقلام تستقي معلوماتها من الكتب، ومنها الرصين الذي يستند إلى البحث
والتحقيق، ومنها ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، ومنها ما كُتب في ظروف سياسية أو
طائفية أو عقائدية أثرت في طريقة عرض الوقائع. ولهذا فإن مجرد وجود رواية في كتاب
لا يعني أنها أصبحت حقيقة نهائية، كما أن اختلافنا مع مؤلف لا يكفي وحده لإسقاط كل
ما كتبه.
إن
السؤال الحقيقي هو: من نقل الرواية؟ ومتى نُقلت؟ وما المصدر الذي استند إليه
الناقل؟ وهل توجد روايات أخرى تخالفها؟ وهل تعامل معها المؤرخون بوصفها حقيقة أم
بوصفها خبرًا يحتاج إلى التمحيص؟
هذه
الأسئلة هي التي تصنع الباحث، لا كثرة الاقتباسات ولا ارتفاع نبرة الخطاب. فهناك
من يقرأ عشرات الكتب ولا يتجاوز مرحلة جمع العبارات، وهناك من يقرأ نصًا واحدًا
قراءة نقدية متأنية فيكتشف ما بين سطوره من تناقضات ومصالح ودوافع.
ومن هنا،
فإن إعادة نشر رواية قديمة لا تُعد إنجازًا معرفيًا بحد ذاتها. الإنجاز هو أن تفحص
الرواية، وتكشف مصدرها، وتحدد درجة موثوقيتها، ثم تضعها أمام القارئ في إطارها
الصحيح. أما أن تعيد تدويرها وتمنحها عنوانًا صادمًا، فأنت لم تضف إلى المعرفة
شيئًا، بل ربما أضفت إلى التضليل جمهورًا جديدًا.
حرية
التعبير ليست حرية اختلاق الوقائع ... إن حرية
التعبير حق لا ينبغي أن يخضع لأهواء الأشخاص أو المؤسسات، ولكن الحرية لا تعني أن
تصبح الادعاءات حقائق بمجرد نشرها، ولا أن يتحول النقد إلى حصانة تحمي الكاتب من
مساءلة ما يقدمه من معلومات.
فالكاتب
الذي يطالب بحقه في التعبير مطالب أيضًا باحترام عقل القارئ. ومن يطالب الآخرين
بتقبل رأيه، عليه أن يقبل مساءلة مصادره. ومن يرفع شعار كشف المستور، ينبغي أن
يكون أول من يخضع لما يكشفه من معلومات للفحص والتحقق.
وليس كل
من خالفنا خصمًا للحقيقة، كما أن ليس كل من وافقنا شاهدًا عليها. إن أخطر ما يصيب
الثقافة أن تنقسم العقول إلى معسكرات لا تبحث عن الصواب، بل تبحث عما يثبت أنها
كانت على صواب منذ البداية.
وهذا ما
يجعل بعض الكتابات أشبه بالمرافعات المغلقة؛ فهي لا تطرح سؤالًا لتبحث عن إجابته،
وإنما تصوغ السؤال بطريقة تجعل الإجابة محسومة قبل بدء النقاش. وعندها لا يعود
القارئ شريكًا في التفكير، بل يتحول إلى متلقٍ مطلوب منه أن يصفق للحكم النهائي.
من يطعن
في الآخرين ماذا يملك من دليل؟
... إنني أعتبر هذه النوعية من الكتابات إفلاسًا فكريًا
عندما تستبدل الحجة بالإهانة، والدليل بالتكرار، والبحث بالتشهير. فالكاتب الذي لا
يجد ما يناقش به خصمه، ثم يلجأ إلى اتهامات تمس نسبه أو شرفه من دون دليل موثوق،
إنما يكشف عن أزمة في أدواته قبل أن يكشف عن أي شيء يتعلق بالشخص الذي يهاجمه.
وهنا
تنطبق الحكمة الشعبية: «إن كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة». فليس
المقصود أن نسكت عن أخطاء الآخرين خوفًا من أخطائنا، بل أن نراجع معاييرنا قبل أن
نستخدمها في محاكمة الناس. ومن يطالب بالعدل عليه أن يقبل تطبيق المعيار ذاته على
نفسه وعلى من يوافقه، لا أن يجعل النقد سلاحًا باتجاه واحد.
ولو أراد
الطرف الآخر أن يرد على الاتهامات باتهامات مماثلة، لما انتهى هذا النوع من
الخصومات؛ إذ يستطيع كل فريق أن يجمع ما يشاء من روايات متفرقة، ثم يصنع منها صورة
مشوهة عن خصمه. ولكن هل تكون النتيجة كشفًا للحقيقة، أم سباقًا في صناعة الأكاذيب؟
إن
المجتمع الذي يسمح للكلمة بأن تتحول إلى حكم نهائي من دون دليل، يفتح الباب أمام
كل من يريد أن يصفي حساباته مع الآخرين باسم التاريخ أو الدين أو الثقافة. وعندها
يصبح القلم أداة لتوزيع الاتهامات بدلًا من أن يكون وسيلة لتنوير العقول.
العظمة
لا تثبت النسب، والاتهام لا يثبت الحقيقة ... إن الرجال الذين تناولهم المقال
المتداول لا يمكن الحكم عليهم جميعًا بحكم واحد، كما لا يمكن أن نثبت صحة أنسابهم
أو ننفيها من خلال مناصبهم أو بطولاتهم أو شهرتهم. فلكل شخصية تاريخها، ولكل واقعة
مصادرها، ولكل ادعاء ما يلزم لإثباته.
لكن ما
يمكن قوله بوضوح هو أن الطعن في أمهات الشخصيات لا يقدم تفسيرًا علميًا
لإنجازاتها، ولا يفسر أسباب صعودها، ولا يكشف حقيقة مواقفها. إنه ينقل النقاش من
الأفعال إلى الأنساب، ومن تحليل التاريخ إلى استثارة الغرائز الاجتماعية.
والإنسان
قد يرث ظروفًا اجتماعية معينة، لكنه لا يرث بالضرورة موقفًا أخلاقيًا محددًا، كما
أن المكانة العائلية لا تضمن الفضيلة، والفقر أو اضطراب النسب لا يفرضان الرذيلة.
إنما تُقاس قيمة الإنسان بما يفعله، وبما يتحمله من مسؤولية، وبما يتركه من أثر.
ولهذا
فإن القول إن النساء اللاتي أنجبن رجالًا عظماء لا يمكن أن يكنّ بالصفات التي
نُسبت إليهن يحتاج هو الآخر إلى ضبط منطقي؛ فالأفعال العظيمة للأبناء ليست دليلًا
قاطعًا على كل تفاصيل حياة أمهاتهم، كما أن الاتهامات الموجهة إلى الأمهات لا
تُبطل إنجازات الأبناء. والحكم العادل لا يخلط بين هذه المستويات، بل يضع كل مسألة
أمام دليلها الخاص.
إنني لا
أحتاج إلى إثبات فضيلة شخص من خلال نسبه، ولا إلى إثبات خطأ خصمه من خلال اتهام
أمه. يكفيني أن أطالب كل من يكتب في التاريخ بأن يقدم ما لديه من أدلة، وأن يتحمل
مسؤولية ما ينشره، وأن يدرك أن إثارة الجدل ليست إنجازًا معرفيًا ما لم تقترن
بالحقيقة.
الدين
وهيبة الحقيقة ... وللتوضيح،
فإن الدفاع عن الدين ورجاله لا يكون بتعطيل العقل، كما أن نقد الروايات المتعلقة
بتاريخ الدين لا يعني بالضرورة الطعن في الدين نفسه. فهناك فرق بين من يناقش رواية
تاريخية وفق قواعد البحث، وبين من يتعمد تحريفها أو توظيفها للإساءة إلى معتقدات
الناس.
إن الخلط
بين الأمرين يضر بالحقيقة من جهتين؛ فهو يمنح بعض الادعاءات حصانة لا تستحقها،
ويفتح المجال في الوقت نفسه أمام من يريد استغلال الأخطاء أو الروايات الضعيفة
للطعن في منظومة كاملة. أما المنهج الرصين فيفصل بين النص والرواية، وبين الرواية
وتفسيرها، وبين الوقائع التاريخية والمواقف العقائدية التي تُبنى عليها.
وإذا كان
المرء يؤمن بأن الدين يقوم على الحق والعدل، فعليه أن يجعل هاتين القيمتين أساسًا
في تعامله مع التاريخ، لا أن يكتفي برفض ما يسيء إليه وقبول ما يوافقه من دون
تمحيص. فالحقيقة لا تحتاج إلى أكاذيب تحرسها، والعدل لا يحتاج إلى ظلم الآخرين حتى
يثبت وجوده.
وهنا
تكمن مسؤولية الكاتب؛ فهو لا يكتب لنفسه وحدها، بل يشارك في تشكيل وعي القارئ، وقد
تتحول كلماته إلى قناعة عامة تتناقلها الأجيال. ولهذا فإن التهاون في نقل الأخبار
التاريخية ليس خطأً بسيطًا دائمًا، بل قد يكون مدخلًا لتشويه الذاكرة الجماعية
وإدامة الخصومات التي كان يفترض بالثقافة أن تساعد على تجاوزها.
الخلاصة ... يبقى
السؤال الذي أوجهه إلى ناشر المقال، وإلى كل من يعتقد أن إعادة نشر الاتهامات تكفي
لإثباتها: ما المصدر الذي تعتمد عليه؟ وما معيارك في قبول الرواية أو رفضها؟ وهل
ستقبل المعيار ذاته عندما يستخدمه شخص آخر ضد من تؤمن بهم أو تدافع عنهم؟
إن هذا
هو الاختبار الحقيقي للكاتب، لا قدرته على اختيار عنوان مثير، ولا مهارته في جمع
العبارات التي تستفز الجمهور. فالكاتب الذي يمتلك حجة لا يخشى السؤال عن مصدرها،
والباحث الذي يثق بمنهجه لا يهرب من النقد، أما من يكتفي بتكرار الاتهام، فإنه
يراهن على أن يسبق انفعال القارئ تفكيره.
إن
التاريخ ليس ملكًا لطائفة، ولا حكرًا على عقيدة، ولا ساحة مباحة لتصفية الحسابات
الشخصية. إنه ذاكرة البشر، وما يُكتب عنه ينبغي أن يخضع لمعيار الدليل، لا لمعيار
الخصومة. ومن حقنا أن نختلف في تفسير الوقائع، لكن ليس من حقنا أن نصنع الوقائع
على مقاس اختلافاتنا.
وأقولها
بوضوح: إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب ليس أن يخطئ في معلومة، فالخطأ قابل
للتصحيح، وإنما أن يتعامل مع الخطأ بوصفه حقيقة بعد أن يُكشف له، وأن يجعل من قلمه
وسيلة لتضليل الآخرين بدلًا من مساعدتهم على الفهم.
أما
السؤال الأخير، فهو ليس عن أنساب الرجال الذين وردت أسماؤهم في المقال، وإنما عن
أنساب الروايات نفسها: من أين جاءت؟ ومن نقلها؟ وما الذي يثبت صحتها؟ ومن المستفيد
من إعادة نشرها بهذه الصورة؟
فإذا كان
الكاتب يطالبنا بأن نصدق ما يكتبه عن التاريخ، فعليه أولًا أن يثبت أنه احترم
التاريخ عندما كتب عنه.