انا عربي والعروبة بدمي
تحت عنوان
هذا نحن، فمن أنتم؟
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
العرب أسياد الأرض، من هنا كانت البداية، وسوف تكون
النهاية على هذه الأرض؛ فالأنبياء منا، والأوصياء منا، والعظماء عبر التاريخ مرّوا
بكنفنا، ولمن لا يرضيه هذا الطرح، لا أنصحه أن يُكمل هذه السطور.
ولمن لا يعلم، إن الحرب اليوم ليست كما يُروَّج في
الإعلام أنها بين إيران وأمريكا، وهذه هي الكذبة الكبرى لمن لا يعلم، لكنها حرب
لتركيع العرب وشعوبها، وكسر هيبتهم التي خصّهم الله بها، وقد اعتمدت جميع الأطراف
المتحاربة على جملة من النصوص، كلها تُحذّر من دور العربي في الأيام القادمة.
وتأتي أهمية العرب ليس فقط من تلك الدماء النقية التي لا
تزال تُصارع من أجل بقائها كما هي، ولكن تأتي أيضًا من قدسية جميع الكتب السماوية
التي بشّرت بنبي العرب، وهذه الحقيقة التي قد تُزعج الكثيرين اليوم.
ومن هنا تبدأ الحكاية، فمحمد بن عبد الله (ص) عربي،
والقرآن عربي، وجميع الرموز الإسلامية كلهم عرب أقحاح لا غبار في هذا، ومن هذا
يكون العرب ذلك المارد الخامد الذي سوف يكون له موعد مع التاريخ، وهم متيقنون من
هذا، ولهذا يجتمع الكل من أجل إحكام القيود على العرب من خلال حروب مفتعلة.
وذهب البعض إلى نعت العرب بالخيانة والتقصير تجاه
القضايا العربية، وأهمها فلسطين، ولو عدنا إلى الوراء في التاريخ، سوف نجد أن هناك
الكثير من الغزاة قاموا باحتلال بيت المقدس، ولكن لم يبقَ سوى العرب، ورحل الجميع،
ولهذا يكون هناك خطر دائم بوجود العرب.
ولهذا تجد اليوم كلاب الأرض، من مشارقها إلى مغاربها،
تهمّ بالانقضاض عليهم؛ لأنهم أدركوا مقولة: (عرب لن يكونوا شيئًا بلا إسلام، ولا
إسلام بلا عرب)، وهذه الكلمات قد تختزل مجلدات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع.
وقد بدأت الحكاية في هذه البقعة من الأرض، فهي من كانت
وجهة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وولِد فيها خاتم وسيد المرسلين (محمد) ﷺ،
ولهذا كانت أرض العرب ذات قدسية سماوية، وكذلك الحال لمن يسكنها، وقد يذهب البعض
إلى الرأي الأكثر انتشارًا بأنها حرب ضد الإسلام، وهذا صحيح، ولكننا لو أمعنّا
النظر جيدًا، سوف نجد أن العرب اقترنوا بالإسلام منذ فجر وجوده على هذه الأرض،
لهذا على الجميع عدم الطعن بالعرب وقيمهم النبيلة التي خُلقت منهم ولهم، ولهذا
استحق العرب مكانة لا يمكن لأحد شغلها.
ولا بدّ أن نُدرك أن الصراع لم يكن يومًا صراع أرضٍ فقط،
بل صراع هويةٍ ووجود، فالعرب لم يُستهدفوا لأنهم يسكنون هذه البقعة فحسب، بل لأنهم
يحملون معنى يتجاوز الجغرافيا، معنى أمةٍ كانت يومًا ميزان العالم، ولا تزال في
أعماقها تحتفظ بذلك الميزان وإن اختلّت كفّتاه مؤقتًا.
وإن من يغفل عن حقيقة أن اللغة العربية لم تكن مجرد
وسيلة تواصل، بل كانت وعاءً للفكر الإنساني والروحي، فإنه يغفل عن سرّ من أسرار
هذا الاستهداف، فحين تُستهدف اللغة، يُستهدف الوعي، وحين يُضرب الوعي، تُصبح الأمة
قابلة لإعادة التشكيل وفق ما يريده الآخرون.
وليس غريبًا أن يُحاول البعض سلخ العربي عن تاريخه، أو
تشويه صورته أمام نفسه قبل الآخرين، لأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في
الميدان، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل فتُقنع الإنسان أنه أقلّ مما هو عليه، وأنه
بلا قيمة تُذكر.
كما أن ما يُسمّى بالتفرقة بين العرب، ما هو إلا أحد
أخطر الأسلحة التي استُخدمت عبر التاريخ، فحين ينشغل العربي بأخيه، يُتاح للآخر أن
يُحكم قبضته دون مقاومة تُذكر، وهذه ليست صدفة، بل هي سياسة مُتقنة تُدار بعناية
منذ عقود.
ولو نظرنا بعينٍ أكثر عمقًا، لوجدنا أن كل محاولات إسقاط
العرب لم تنجح في اقتلاع جذورهم، لأن هذه الجذور لم تُغرس في الأرض فقط، بل غُرست
في الوجدان والتاريخ والعقيدة، ولهذا بقي العربي رغم كل ما مرّ به، قادرًا على
النهوض كلما ظنّ الآخرون أنه انتهى.
ومن هنا، فإن الحديث عن العرب ليس حديث ماضٍ يُستعاد، بل
حديث مستقبلٍ يُصنع، لأن أمةً هذا عمقها، لا يمكن أن تكون هامشًا في كتاب العالم،
بل هي صفحةٌ أساسية فيه، مهما حاول البعض طمسها أو تجاوزها.
الخلاصة ... وفي نهاية الحكاية، لا يُقاس العرب بما هم
عليه الآن، بل بما يحملونه في أعماقهم من إرثٍ لا ينضب، وقوةٍ لا تُكسر، وهويةٍ لم
تُخلق لتكون تابعة، بل لتكون الأصل الذي تُقاس عليه الأمم.
فالعرب لم يكونوا مجرد عابرين في سجلّ التاريخ، بل كانوا
صُنّاعه حين غاب غيرهم، وحُماته حين تراجع الآخرون، وأصحاب الرسالة التي لم تنطفئ
رغم كل محاولات الإطفاء.
وإن بدا عليهم الصمت يومًا، فهو صمت الواثق لا العاجز،
وصمت من يعرف قدر نفسه جيدًا، لا من يبحث عن تعريفٍ لها، لأن العربي لا يُصنع من
ظرف، بل من تراكم حضارة، ومن امتداد رسالة، ومن يقينٍ لا يتزعزع.
سيبقى العرب الرقم الأصعب في معادلة العالم، شاء من شاء
وأبى من أبى، لأنهم لم يُخلقوا ليكونوا ظلًا، بل ليكونوا شمسًا، وإذا ما قرروا أن
يشرقوا… فلن يكون في الأفق متسعٌ لغير نورهم.
هذا نحن… كما كنا، وكما سنكون.





