بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

مقال

 

عادة حليمة لعادتها القديمة

تحت عنوان

مواسم الأزمات الحكومية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



اعتاد النظام منذ أعوام طويلة على منهجية لا يخرج عنها، من خلال بعض الممارسات التي أصبحت جزءًا من تقاليدنا اليومية، وبما أن الجميع متفق اليوم على أن النتائج التي نعيشها اليوم هي، باعتراف رجال النظام، فشل حكومي، ولهذا اقتضى الاستشهاد بمقولة لأينشتاين: «إن إعادة التجربة بنفس المعايير وانتظار نتيجة مغايرة هو نوع من الغباء»، وهنا تكون هذه المقولة بمثابة قاعدة تُبنى عليها المقال.

 

الشعب يريد النفط الأبيض... في خضم القضايا التي تشغل النظام اليوم، من آليات الاستقتال للبقاء على رأس السلطة، وعملية الاستحواذ على رؤوس الأموال بحجة محاربة الفساد، ولكن ما يغيب عن حسابات السلطة والنظام هو مشهد احتياجات المواطن البسيط، على الرغم من أنه لا يوجد شيء يُذكر وقد يُحسب للنظام تجاه المواطن. واليوم، ونحن على أعتاب فصل الشتاء، ومن ضمن متطلبات هذا الفصل هو النفط الأبيض، ولكن يبدو أن لا أحد مهتم بهذا الأمر في خضم ما يحدث، وليس هناك سبب منطقي لتحمل المواطن ذنب مغامراتكم السياسية تحت أي مسمى يُذكر.

والمشكلة هنا ليست في النفط الأبيض وحده، فالقضية أكبر من مجرد مادة يحتاجها المواطن في فصل الشتاء، وإنما في عقلية إدارة الأزمات التي تجعل المواطن ينتظر الحل بعد وقوع المشكلة بدل أن يجد الدولة قد استعدت لها قبل وقوعها. فالشتاء ليس مفاجأة موسمية، والبرد ليس حدثًا طارئًا، واحتياجات المواطن ليست من الأسرار التي تحتاج إلى لجان واجتماعات حتى تكتشفها السلطة. المواطن يعرف موعد الشتاء، والدولة تعرفه أيضًا، فلماذا يتحول الأمر في كل مرة إلى أزمة وانتظار ومناشدات؟ إن الدولة التي تمتلك مواردها وإمكاناتها يفترض أن تجعل احتياجات المواطن جزءًا من خططها لا مادة للمساومة أو التأجيل.

وإذا كان المواطن مطالبًا بالصبر في كل أزمة، فعلى الدولة أن تسأل نفسها: إلى متى؟ فالصبر عندما يتحول إلى سياسة حكومية يصبح استنزافًا للإنسان، وعندما يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن كل ارتباك سياسي وإداري، فإننا لم نعد أمام أزمة نفط أبيض، وإنما أمام أزمة في مفهوم المسؤولية نفسها. المواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يعيش فصل الشتاء دون أن يتحول إلى متسول للخدمات الأساسية.

 

مواسم العطل... مع بداية العام الدراسي الجديد يبدأ فصل آخر من فصول التراجع على كل المستويات، وقد لا تعرف، عزيزي القارئ، أننا البلد الأكثر عطلًا في العالم بأسره، وفي هذا دليل على أن المنهجية التي تتبعها السلطات اليوم غير عملية، ولا تمت بصلة إلى مبدأ وأسس بناء دولة تأخذ من العمل منهاجًا حكوميًا. فترسيخ مبدأ العطلات في عقلية الموظف الحكومي يعتبر نوعًا من أنواع بناء ما يُعرف بالتقاعس الوظيفي، فالدول المتقدمة تحرص على تقليل كل شيء يساهم في إيقاف عجلة التقدم، فكيف يكون الحال في بلد متأخر من الأصل؟

ولست هنا ضد العطلة التي تفرضها مناسبة وطنية أو دينية أو ظرف استثنائي، فالعطلة حق تنظمه الدولة بقانون، وقد نظم العراق العطلات الرسمية بقانون صدر عام 2024، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العطلة من استثناء تنظيمي إلى ثقافة عامة تتسرب إلى عقلية العمل نفسها.

فالدولة لا تُبنى بعدد ساعات النوم ولا بعدد أيام إغلاق الدوائر، وإنما تُبنى بعقلية ترى في الوقت ثروة وطنية. وكل ساعة عمل ضائعة تعني مشروعًا مؤجلًا، ومعاملة متوقفة، ومواطنًا ينتظر، ومؤسسة تزداد تراكمًا في ملفاتها. وما نحتاجه ليس إلغاء العطلات، وإنما إعادة النظر في فلسفة العمل الحكومي، بحيث لا تكون العطلة هي القاعدة والعمل هو الاستثناء.

والأخطر من ذلك أن الموظف عندما يعتاد أن العمل يمكن أن يتوقف لأي سبب، وأن إنجاز معاملته يمكن أن يؤجل، وأن المؤسسة تستطيع أن تغلق أبوابها بينما تبقى حاجات الناس مفتوحة، فإننا نكون قد صنعنا بالتدريج عقلية وظيفية لا ترى في الإنتاج قيمة حقيقية. وهذه ليست مشكلة موظف بعينه، وإنما نتيجة طبيعية لمنهج إداري يحتاج إلى مراجعة جادة.

 

تصريحات غير مسؤولة... يكثر اليوم، وعلى مواقع التواصل، شخصيات تتحدث بلسان السلطات الحكومية، وهذا يعتبر كارثة بكل المقاييس، وفي ذلك أيضًا خطورة تكمن في ترويج الأكاذيب، مما يضعف الأداء الحكومي ويسقط المصداقية عنه. وعدم وجود قنوات حكومية رصينة على مواقع التواصل يدفع الكثيرين إلى أخذ هذا الدور ونشر ما يرونه هم أنه تصريح حكومي، دون التأكد من مصدر المعلومة.

ومثال على هذا حادثة إنقاذ الرهائن في الصومال، وهنا لا أشكك بشجاعة العشائر العربية، ولكن تم تكذيب الخبر الذي نُشر مع صمت حكومي، وهنا يكون هناك مثل يصب في أصل الموضوع، مفاده: «إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم».

والغريب أن قد يُفسر الصمت الحكومي بشكل سيئ، فإذا ما صح الخبر يكون هناك إسقاط حقيقي لهيبة الدولة التي ينادي بها الجميع، وإذا ما كان العكس يكون تقصيرًا متعمدًا بنشر الأكاذيب، والسكوت عنها جريمة بكل المقاييس.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الدولة نفسها، لم يعد الصمت الحكومي خيارًا آمنًا، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، وإنما تملؤه الشائعة والتخمين والتفسير الشخصي. ولهذا فإن وجود المعلومة الرسمية السريعة والدقيقة أصبح جزءًا من هيبة الدولة، وليس مجرد ترف إعلامي. فالحكومة العراقية نفسها أنشأت منصة رسمية للتحقق من الأخبار والبيانات ومواجهة الأخبار الكاذبة والمضللة، وهذا يعني أن مشكلة التضليل معترف بها أصلًا باعتبارها قضية تحتاج إلى مواجهة مؤسسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يترك المواطن أحيانًا يبحث عن الحقيقة بين عشرات الصفحات والحسابات، بينما يفترض أن تكون المعلومة الرسمية هي المصدر الأول والأوضح؟ إن الدولة التي لا تتحدث في الوقت المناسب تترك الآخرين يتحدثون باسمها، ومن يتحدث باسم الدولة دون تفويض منها لا يسيء إلى الحقيقة فقط، بل يضع الدولة نفسها أمام امتحان المصداقية.

فالمعلومة الخاطئة يمكن تصحيحها، ولكن فقدان الثقة أصعب بكثير من تصحيح خبر. ولهذا فإن المسؤولية لا تقع فقط على من ينشر الشائعة، وإنما تقع أيضًا على المؤسسة التي تسمح للفراغ أن يتمدد حتى تصبح الشائعة أسرع من البيان الرسمي.

 

معضلة الراتب ... منذ شهور يقبع المواطن تحت قبة القلق على مصدر رزقه، وبما أننا «دولة رواتب»، حيث تم إهمال الصناعة والزراعة، تكون كل مفاصل الحياة مرتبطة بما يُعرف بالراتب، حتى أصحاب الحرف البسيطة. والسياسة التي تغامر بمقدرات البشر تعتبر غبية إلى حد كبير، ويبدو أن النظام، ومنذ البداية، راهن على قضية الراتب في قضية ديمومة النظام، وجعل منه قيدًا على الرقاب، وهذا ما جعل منه القضية الأبرز فيما يؤرق حياة المواطن.

وعندما يصبح الراتب هو العمود الذي تستند إليه حياة شريحة واسعة من المجتمع، فإن أي ارتباك في هذا الملف لا يبقى مشكلة مالية، وإنما يتحول إلى أزمة اجتماعية ونفسية واقتصادية في الوقت نفسه. فالموظف لا ينتظر راتبه ليشتري الكماليات، وإنما ينتظره للإيجار، والطعام، والدواء، وأقساط الدراسة، وفواتير الكهرباء والماء، والتزامات الأسرة. ولهذا فإن الحديث عن الراتب يجب ألا يكون مجرد أرقام تظهر في جداول الموازنة، وإنما يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستقرار الاجتماعي.

ووزارة المالية تنشر أصلًا تقارير دورية للحسابات والموازنة خلال السنة، بما في ذلك تقارير عام 2026، وهذا يجعل قضية المال العام قابلة للمتابعة والمساءلة بالأرقام لا بالشائعات.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن راتبه أصبح ورقة معلقة بين القرار السياسي والإجراء الإداري. عندها لا يعود الموظف يفكر في عمله فقط، وإنما يبدأ بالتفكير في مصير أسرته، وفي السؤال الذي لا يريد أحد سماعه: ماذا لو تأخر الراتب؟ ومن يدفع ثمن هذا التأخير؟

إن الدولة التي تريد من المواطن أن يكون منتجًا ومستقرًا عليها أولًا أن تمنحه الحد الأدنى من الشعور بالأمان الاقتصادي، لأن الموظف القلق على راتبه لن يستطيع أن يكون مطمئنًا على مستقبله، والمجتمع الذي يعيش أفراده تحت ضغط الراتب يتحول بالتدريج إلى مجتمع ينتظر لا مجتمع ينتج.

 

الخلاصة... إن صناعة الأزمات في حياتنا اليومية أصبحت من ضمن آليات اعتاد عليها المواطن، حتى إنه قد أصابه الملل في المطالبة أو المناشدة، وكان الأمر يكاد أن يكون مع النظام ورجاله يعمل تحت عنوان: «أذن من طين وأذن من عجين»، دلالة على عدم المبالاة لما يخص القضايا التي تخص الحياة اليومية، وتركيزهم على إيجاد مسببات البقاء على رأس السلطة.

وهنا نصل إلى جوهر الحكاية: هل أصبحت الأزمة عندنا حالة طارئة، أم أصبحت جزءًا من طريقة إدارة الدولة؟ لأن الفرق كبير بين حكومة تواجه أزمة مفاجئة، وحكومة تجد نفسها في كل مرة أمام الأزمات نفسها وكأنها تراها للمرة الأولى. فالمشكلة ليست في حدوث الأزمة، فكل الدول تمر بأزمات، وإنما في أن تتحول الأزمة إلى موسم يتكرر، ثم تبدأ معها رحلة التصريحات والتبريرات والوعود، وبعدها تهدأ العاصفة قليلًا، لنعود بعد أشهر إلى الأزمة نفسها وكأن شيئًا لم يحدث.

وهنا تعود مقولة أينشتاين التي بدأنا بها: إذا أعدنا التجربة نفسها بالآليات نفسها ثم انتظرنا نتيجة مختلفة، فالمشكلة ليست في النتيجة وحدها، وإنما في إصرارنا على إعادة إنتاج الطريق نفسه. الدولة التي تريد الخروج من أزماتها لا تحتاج إلى تغيير الوجوه فقط، وإنما تحتاج إلى تغيير الآليات التي تصنع الأزمة وتعيد إنتاجها.

فالأزمة ليست دائمًا عدوًا للنظام؛ أحيانًا تتحول الأزمة إلى ستار تنشغل خلفه الجماهير عن السؤال الحقيقي: لماذا حدثت الأزمة أصلًا؟ ومن المسؤول عن منع تكرارها؟ وما الذي تغير بعد انتهائها؟

وهنا تحديدًا تكمن الخطورة؛ لأن المواطن قد يعتاد الأزمة كما يعتاد الخبر السيئ، وقد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يطالب بحقه، وإنما ينتظر أن تمر الأزمة كما مرت سابقاتها. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المشكلة أكبر من أزمة نفط أو عطلة أو راتب أو تصريح، لأننا نكون أمام صناعة تدريجية للقبول بالأزمة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن نتوقف عنده، لأن الدولة لا تُقاس بعدد الأزمات التي تستطيع تأجيلها، وإنما بعدد الأزمات التي تستطيع منع تكرارها.

وقد يظن هنا البعض أن الفشل الحكومي يعود إلى شخصيات بعينها، ولكن الحقيقة أن الأمر برمته يعود إلى آليات النظام بأكمله، ولهذا وجد النظام في خلق الأزمات حلًا لإشغال الرأي العام عن مسببات الفشل الحقيقي.

السبت، 26 سبتمبر 2026

مقال

 

 الموصل وظاهرة زواج المتعة

تحت عنوان

 شعار (الذي ما يتعدل يتبدل)

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



للتنويه: الموضوع ليس له علاقة بمذهب أو معتقد، ولكن بسلوك منحرف.

شعار ترفعه جماعة النسوية التي أطلقت عليهن (الشمانات)، المستخلص من كلمة (شامان)، وهو الاسم الذي يُطلق على رجال الدين الوثنيين في شرق آسيا قبل الإسلام.

في الآونة الأخيرة كثرت ظاهرة كانت تُعتبر معيبة في الأعراف والتقاليد الموصلية، وهي أن تتزوج المرأة لأكثر من مرتين أو ثلاث، والغريب أن تلك النسوة قد خرجن من عباءة العيب والحرام. وهنا سنبين الأسباب التي بموجبها يكون هذا الفعل غير أخلاقي وشاذ، وهنا لا أُحرّم ما حلل الله، ولكن سوف نوضح كيف يُبوَّب الباطل بالحق.

 

إسقاط قدسية منظومة الزواج ... عندما خلق الله هذا العالم، وضع له قوانين أخلاقية جاءت على لسان الأنبياء والرسل، ومنها تنظيم العلاقات البشرية، ومنها العائلة. وإن من أساسيات تنظيم العائلة هي قضية الزواج، وهي القاعدة الأولى السماوية لمسألة التقويم البشري، ولكن يبدو أن هناك جماعات تسعى لمحاربة الله من خلال الدعوة للخروج عن إرادته، والعياذ بالله، وهذا من خلال إطلاق مقولات وشعارات مظاهرها براقة، ودخلها سمٌّ يراد به قتل القدرة على فعل الصواب من خلال التمسك بتلك الشعارات. فعدم احترام قدسية الزواج والاستخفاف بالعلاقة يساهم في المضي في إسقاط منظومة الزواج.

 

ثوب العفة والحياء ... وهنا أود الاستشهاد بأفعال الرعيل الأول من الإسلام، فكانت هناك امرأة تزوجت من رجل، وبعد فترة استُشهد في الجهاد رحمه الله، وبعدها طلبت أمه منها الزواج، ولكن كانت الإجابة بالرفض. وعند إلحاح الأم لمعرفة سبب رفضها، علمت أنها ما زالت بكرًا، عندها طلبت الأم منها الزواج، فقالت كلمتها المأثورة: «وحيٌّ لم أفضحه وهو حيٌّ أفعلها، وهو قد مات لا والله لا أفعلها».

والسؤال هنا: أين نساؤنا اليوم من هذا الأمر؟

ومحاكمنا تعج بالقضايا المعيبة اليوم، التي يخجل القلم من توثيقها، لما تشمل من قباحة أخلاقية بعيدة عن الدين والأخلاق، وإن تعدد الزيجات للمرأة، ولو كان بإطار شرعي، يساهم في خلع ثوب الحياء والعفة عنها، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد نكرانها. ولهذا تظهر علينا اليوم نماذج في حياتنا اليومية أو من خلال مواقع التواصل، تدعو إلى تلك الشعارات التي تهدد أيديولوجيات بناء النسيج العائلي والاجتماعي.

 

كلمة حق يراد بها باطل ... وهنا، إذا ما سألتَهن، يجبن بشيء مفاده: **«العذر هنا يكون أقبح من الذنب»**، وهي أنها تفعل هذا كي لا تقع بالحرام، وكأنه لم تكن لها عائلة أو لم تكن محصنة.

ولكن هنا يكون الأمر فيه مسألة تعوّد، فالمرأة التي تتعدد دخولها إلى المحاكم لأكثر من مرة تكون قد بررت لنفسها فعل أي شيء تراه هي أنه الصواب. فعندما تصل المرأة إلى قناعة أن الرجل من الممكن استبداله، تكون هناك مشكلة كبيرة لا يمكن السكوت عنها، فالحق لا يكون في موضع الباطل، وإذا حدث يكون علينا تصحيح البوصلة العقلية، ولو من خلال كلمة، لأنه قد يدخل الأمر برمته في القضية العقائدية.

 

هو زواج متعة ... هذه حقيقة، حتى ولو كان بأطر شرعية وقانونية، فالمسألة هنا لا تكون بتحديد مدة الزواج، ولكن بقناعات أن الرباط يحظى بالقدسية، وأن المرأة التي لا تؤمن بهذا دخلت في مقارنة مع شخصية (المومس)، نعم هي كذلك، بل قد تكون هي النموذج الأسوأ من ناحية الآثار التي قد تساهم في هدم العادات والتقاليد والأصول، وهو سلوك لم تعرفه المدينة من قبل.

 

عندما يتحول الزواج إلى محطة عابرة ... المشكلة ليست في أن تتزوج المرأة مرة ثانية أو ثالثة، فالحياة الزوجية قد تفشل، والإنسان قد يخطئ في الاختيار، وقد تكون هناك أسباب قاهرة تجعل استمرار الزواج أمرًا مستحيلًا، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. ولكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الزواج من رابطة لها مسؤوليتها الاجتماعية والإنسانية إلى محطة عابرة، يدخلها الإنسان ويخرج منها وكأن الأمر لا يتجاوز تغيير عنوان في سجل الأحوال الشخصية.

فالأسرة ليست عقدًا ينتهي بانتهاء المشاعر، وليست علاقة تُقاس بمقدار ما يقدمه أحد الطرفين للآخر، وإنما هي بناء اجتماعي كامل، وأي اهتزاز متكرر في هذا البناء لا يتوقف أثره عند الزوج والزوجة، بل يمتد إلى الأبناء، وإلى طريقة تفكيرهم، وإلى علاقتهم بالمجتمع، وإلى مفهومهم عن الاستقرار والمسؤولية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تصبح فكرة الاستبدال أمرًا طبيعيًا؛ فإذا لم يعجبني هذا أبحث عن غيره، وإذا اختلفنا أنهي العلاقة، وإذا ظهرت مشكلة أبحث عن البديل بدل أن أبحث عن الحل. وعندما تصبح هذه الثقافة قاعدة، فإننا لا نهدم بيتًا واحدًا، بل نبدأ بهدم فكرة البيت نفسها وليس من المنطق أن نحمّل المرأة وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، فالرجل أيضًا شريك في صناعة هذه الثقافة، والخلل عندما يتحول الزواج إلى علاقة استهلاكية يكون مسؤولية الطرفين، بل مسؤولية منظومة اجتماعية كاملة بدأت تتعامل مع الزواج باعتباره شأنًا شخصيًا منفصلًا عن نتائجه الاجتماعية.

فالطفل الذي يرى والديه يدخلان في علاقات متكررة وينفصلان بصورة متكررة قد لا يفهم معنى الاستقرار كما فهمته الأجيال السابقة، وقد ينشأ وهو يحمل في داخله قناعة أن العلاقات الإنسانية مؤقتة، وأن الانفصال هو الحل الأول عند أول اختلاف. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأن المجتمع الذي يفقد أبناءه الإيمان بمعنى الأسرة، يفقد تدريجيًا واحدة من أهم ركائز تماسكه.

نحن لا ندعو إلى إجبار إنسان على البقاء في زواج فاشل، ولا ندافع عن الظلم داخل الأسرة، ولا نقول إن الطلاق جريمة، فالطلاق قد يكون في بعض الحالات مخرجًا لا بد منه. لكننا نتحدث عن شيء مختلف تمامًا: عن تحويل الزواج إلى تجربة قابلة للتكرار بلا حساب لعواقبها، وعن صناعة ثقافة تجعل الانفصال أسهل من الصبر، والاستبدال أسهل من الإصلاح، والهروب أسهل من مواجهة المسؤولية.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: إلى أين نذهب بهذه الأسرة؟

فإذا أصبح الرجل والمرأة ينظران إلى بعضهما بوصفهما مشروعًا قابلًا للاستبدال، وإذا أصبح الزواج مجرد تجربة يمكن إنهاؤها كلما تغير المزاج، فمن الذي سيدفع الثمن؟

سيدفع الثمن الأبناء أولًا، ثم الأسرة، ثم المجتمع بأكمله.

إن المجتمعات لا تنهار في يوم واحد، وإنما تبدأ بالانهيار عندما تفقد الأشياء الكبيرة معناها؛ عندما يصبح الأب أبًا بالاسم فقط، والأم أمًا بالاسم فقط، والزوج زوجًا إلى إشعار آخر، والزوجة زوجة ما دامت العلاقة تحقق لها ما تريد وهنا لا تعود القضية قضية امرأة تزوجت أكثر من مرة، ولا قضية رجل تزوج أكثر من مرة، وإنما تصبح القضية قضية **ثقافة اجتماعية كاملة** تعيد تعريف الالتزام، وتعيد تعريف الأسرة، وتعيد تعريف المسؤولية وعندما يُعاد تعريف كل شيء وفق مبدأ: «إذا لم يعجبك فاستبدله»، فلا تستغربوا عندما يأتي يوم يصبح فيه الإنسان نفسه مجرد سلعة في سوق العلاقات وهذه هي المصيبة التي يجب أن نتوقف عندها قبل أن نبحث عن الأسماء، وقبل أن نوزع الاتهامات، وقبل أن نختبئ خلف الشعارات؛ لأن المجتمع الذي لا يحمي قيمة الأسرة، ولا يربي أبناءه على معنى الالتزام، سيكتشف متأخرًا أن ما كان يظنه حرية شخصية قد تحول إلى أزمة اجتماعية يدفع ثمنها الجميع.

 

الخلاصة ... ليس كل ما يرفع تحت عنوان الحرية يستحق أن يسمى حرية، وليس كل شعار يلمع في مواقع التواصل يحمل في داخله قيمة أو أخلاقًا. فهناك شعارات تبدأ بكلمة براقة وتنتهي بهدم معنى الأسرة، وهناك من يحاول أن يبيع الفوضى على أنها تحرر، والانفلات على أنه حق، والتخلي عن المسؤولية على أنه انتصار للذات.

نحن لا نخاف من المرأة الواعية، ولا من الإنسان الذي يطالب بحقه، ولا من الطلاق حين يصبح الحل الأخير، وإنما نخاف من صناعة جيل يُقنع نفسه بأن العلاقات الإنسانية مجرد أبواب متجاورة، كلما أغلق باب فتح آخر، وكلما فشل في علاقة بحث عن بديل، ثم يخرج علينا من يصف ذلك كله بأنه تطور اجتماعي!

أي تطور هذا الذي يجعل الأسرة أضعف، والأبناء أكثر ضياعًا، والالتزام كلمة قديمة، والوفاء تهمة، والصبر سذاجة، والاستبدال هو الحل الجاهز؟

كفى عبثًا بالعقول!

فالمجتمع الذي يسمح لهذه الشعارات أن تتحول إلى ثقافة عامة، ثم يقف متفرجًا وهو يرى منظومة الأسرة تتآكل أمامه، لا يحق له غدًا أن يسأل: لماذا ضاعت القيم؟ ولماذا أصبح الأبناء أكثر تمردًا على فكرة الأسرة؟ ولماذا تحولت العلاقات الإنسانية إلى سوق مفتوح للبدائل؟

أنتم لا تهدمون جدارًا واحدًا، بل تحاولون هدم فكرة البيت من أساسها، وحين يسقط البيت لا يسقط فوق صاحبه وحده، وإنما يسقط فوق الأبناء، وفوق المجتمع، وفوق مستقبل الأجيال.

فمن أراد أن يصفق لهذه الشعارات فليصفق، ومن أراد أن يسمي الانفلات حرية فليسمّه ما يشاء، أما نحن فسنبقى نقولها بوضوح: الحرية التي لا يرافقها وعي تصبح فوضى، والحقوق التي تُفصل عن المسؤولية تتحول إلى أنانية، والشعارات التي تُستخدم لهدم الأسرة ليست مشروعًا للتحرر، وإنما مشروع آخر لتفكيك المجتمع.

وهنا تنتهي المجاملة، ويسقط القناع، وتبقى الحقيقة وحدها واقفة أمام الجميع: إما أن نحمي معنى الأسرة قبل أن يصبح مجرد ذكرى، وإما أن نستيقظ ذات يوم فلا نجد في مجتمعنا إلا أفرادًا يعيشون تحت سقف واحد، ولكن لا يعرف أحد منهم معنى أن يكون أسرة.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

مقال فني

 

الدراما التركية وأيديولوجية صناعة التاريخ الافتراضي

تحت عنوان

قراءة في مسلسل (الملحمة)

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



دعنا نتفق في البداية على أنه ليس من العيب ألّا يكون لفئة من البشر تاريخ موثّق، ولكن من المعيب أن تصنع تاريخًا افتراضيًا. فمنذ أعوام طويلة، كان الكثير من العرب يتخذون من فيلم «الرسالة» المصدر الوحيد الضمني لتاريخ الإسلام.

وهنا نكون قد رسمنا القاعدة الأساسية لبناء فكرة المقال، فمسلسل «الملحمة – Destan» هو عمل درامي تركي من إنتاج شركة (Bozdağ Film) ، ومن إنتاج وتصميم مشروع محمد بوزداغ، وإخراج أمير خليل زادة وآخرين. بدأ عرضه في تركيا على قناة (ATV) بتاريخ 23 نوفمبر 2021.

يعتمد المسلسل برمّته على مرويات تراثية متناقلة شفهيًا، وهنا لا تكون المشكلة في بنية العمل الدرامية بحد ذاتها، وإنما في جعل تلك الموروثات حقائق تاريخية يجري ترسيخها في مخيلة المشاهد. وهذا ما عمل عليه القائمون على العمل، وهنا سوف نستعرض بعض القضايا التي وُظِّفت بشكل سيئ.

 

المدن والحقبة التاريخية ... ورد في سياق العمل العديد من أسماء المدن والممالك، ومنها مملكة بوك ومملكة الجبل، وتدور أحداثه في القرن السابع والثامن الميلاديين. ولكن ما تذكره المصادر التاريخية، بحسب ما أطرحه هنا، ينفي وجود تلك المسميات بوصفها كيانات تاريخية على النحو الذي ظهر في المسلسل. فقد كانت تلك الحقب، في الحقيقة، تشهد وجود خاقانيات متفرقة، تشكّل نظمًا قبلية لا تنضوي بالضرورة تحت سلطة موحّدة. وهذا ما يعزّز فرضيتي منذ البداية.

 

الرموز التاريخية ... تناول العمل العديد من الرموز التي وُظِّفت لخدمة ما يُعرف بمتعة المشاهدة، من خلال إشغال العقل الباطن برموز تخلق نوعًا من التغييب الفكري وفرض أجندة مرسومة. ومن هذه الرموز  «بقعة الدم» عند ولادة الشخصيات العظيمة، في إشارة إلى أن «كتوز»، الجد الأول للترك، وُلد على هذه الشاكلة. ولم يكتفِ العمل بذلك، بل عزّز هذه الفكرة بما يُعرف بـ «الذئب الفضي» . وكل تلك الرموز، وفق قراءتي، لا أجد لها أصولًا ثابتة في الحقائق التاريخية.

 

صناعة البطل ... يضم المسلسل العديد من الشخصيات التي صُنِع منها أبطال أسطوريون، مثل «أكيز»، التي يُطلق عليها لقب **«مخلب الذئب ذي الرأسين» ، وهي المحاربة التي تتخذ دور المعارضة للحكم. والحقيقة أن الشخصية، في تصوري، مستنسخة من أسطورة الأمازونيات. كما أن العمل لم ينجح في صياغة صورة تتماشى مع تاريخ الترك، وأنا على يقين بأنه لو كانت ميزانية العمل تسمح بذلك، لجعلوا لها أجنحة تطير بها، فقط لتقديمها بوصفها امرأة مثالية في التاريخ الافتراضي المزعوم.

 

بطل ذو إعاقة ... «باتوغا» هو البطل الذي يُعدّ محور المسلسل، والذي يطلق عليه العمل لقب «الذئب ذو الرأسين» ، في محاولة للإيحاء بصورة البطل الخارق. ولكن، وللمرة الأولى، يكون البطل من ذوي الإعاقة، ثم يتحول بمرور الزمن إلى شخصية خارقة تصلح لقيادة القبائل التركية. وهنا يتبيّن أن القائمين على العمل قد أمعنوا في الذهاب نحو الفانتازيا في صياغة أحداث المسلسل وشخصياته.

ملاحظة / جميع ما ورد في المسلسل من شخصيات وأماكن وأحداث لا يستند، وفق الطرح الذي أقدّمه في هذا المقال، إلى توثيق تاريخي معلوم، والعمل برمّته من خيال الكاتب.

 

حين تتحول الدراما إلى مصنع للتاريخ المزيف ... إن خطورة الدراما التاريخية لا تكمن في قدرتها على صناعة مشاهد مبهرة أو تقديم شخصيات خارقة للعادة، فذلك يدخل في صميم العمل الفني الذي لا يعترض عليه أحد، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية عندما تتحول الشاشة إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وعندما يصبح الخيال الذي نسجه كاتب في غرفة مغلقة بديلًا عن الوقائع التي حفظتها المصادر التاريخية. وهنا نكون أمام إشكالية تتجاوز حدود الترفيه، لتصل إلى مرحلة العبث بالذاكرة الإنسانية، لأن المشاهد البسيط لا يمتلك بالضرورة أدوات المؤرخ الذي يستطيع التمييز بين الرواية الموثقة والأسطورة المتناقلة، بل قد يستقبل المشهد الدرامي بوصفه حقيقة لا تقبل النقاش، خصوصًا عندما يُقدَّم العمل بلغة الواثق، وتُحاط شخصياته بهالة من العظمة والبطولة.

ولعل المصيبة الأكبر أن الصورة المرئية تمتلك من القدرة على التأثير ما لا تمتلكه صفحات الكتب عند كثير من الناس، فمشهد واحد قد يرسخ في الذاكرة أكثر مما ترسخه عشرات الصفحات من الدراسات التاريخية. وعندما تتكرر المشاهد ذاتها، وتُعاد صياغة الشخصيات وفق رؤية محددة، يصبح الخيال مع مرور الزمن جزءًا من الذاكرة المتداولة، حتى ينسى المشاهد أين انتهت الحقيقة وأين بدأت حكاية المؤلف. وعندها لا يعود السؤال: ماذا حدث فعلًا؟ بل يصبح: لماذا لا يوافق التاريخ ما شاهدناه على الشاشة؟ وكأن المؤرخ مطالب بالاعتذار لكاتب السيناريو لأنه لم يكتب التاريخ بالطريقة التي أرادها الأخير!

إن صناعة التاريخ الافتراضي ليست مجرد إضافة معركة لم تقع، أو اختراع شخصية لم يعرفها المؤرخون، أو منح بطل درامي قدرات خارقة، وإنما هي عملية قد تتجاوز ذلك إلى إعادة بناء صورة الماضي وفق احتياجات الحاضر، بحيث يُعاد توزيع الأدوار، ويُصنع الأبطال، ويُختلق الأعداء، وتُمنح بعض الشخصيات صفات لم تثبت لها، ثم تُقدَّم هذه الصورة إلى الجمهور وكأنها خلاصة تاريخية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وهنا تتحول الدراما من وسيلة لاستحضار الماضي إلى وسيلة لصناعة ماضٍ جديد، ماضٍ لا يحتاج إلى وثيقة أو شاهد، بل يكفي أن يمتلك مخرجًا بارعًا وموسيقى مؤثرة وممثلًا يجيد رفع حاجبيه في اللحظة المناسبة!

ولا أقول إن على الدراما أن تتحول إلى محاضرة جامعية جافة، أو أن يُمنع الكاتب من استخدام الخيال، فالفن بطبيعته يمتلك مساحته الخاصة في التعبير والتأويل، ولكن من حق المشاهد أن يعرف متى يكون أمام واقعة تاريخية، ومتى يكون أمام معالجة فنية، ومتى تكون الشخصية مستندة إلى مصدر، ومتى تكون من اختراع الكاتب. فالفارق كبير بين أن تستلهم الأسطورة وتقدمها بوصفها أسطورة، وبين أن تلبسها ثوب الحقيقة ثم تطالب الناس بتصديقها. الأول إبداع فني، أما الثاني فيفتح الباب أمام تضليل الذاكرة وتغييب الوعي.

ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الكاتب والمخرج وحدهما، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية، وإلى النقاد الذين يتعاملون مع هذه الأعمال، وإلى المشاهد الذي ينبغي ألّا يمنح الشاشة صكًّا تاريخيًا مفتوحًا لمجرد أنها قدمت له مشهدًا مؤثرًا. فالتاريخ ليس ملكًا لشركة إنتاج، ولا إرثًا خاصًا بمخرج، ولا ساحة مفتوحة لكل من أراد أن يضيف إلى الماضي ما يشاء ثم يطالب الآخرين بالتصفيق له. التاريخ ذاكرة أجيال، والعبث به عبثٌ بما تتكئ عليه الشعوب في فهم حاضرها وتفسير ماضيها.

وهنا أعود إلى جوهر مقالي: إن المشكلة ليست في أن تصنع الدراما حكاية من الخيال، بل في أن تُقدَّم الحكاية على أنها تاريخ، ثم يُترك المشاهد أسيرًا لصورة قد لا يكون لها أصل في الواقع. فحين تصبح الأسطورة وثيقة، ويصبح المؤلف مؤرخًا بقرار من نفسه، وتتحول المشاهد المصنوعة إلى حقائق راسخة في عقول الجمهور، نكون قد دخلنا مرحلة خطيرة يصبح فيها تزوير الماضي أسهل من البحث عنه، ويصبح تصحيح الوعي أصعب من صناعة الوهم.

فالتاريخ لا يحتاج إلى أبطال بأجنحة، ولا إلى ذئاب فضية تمنحهم شرعية العظمة، بل يحتاج إلى عقل يسأل، ومصدر يُفحَص، وحقيقة لا تخضع لمزاج كاتب أو رغبة شركة إنتاج. أما تحويل الخيال إلى ذاكرة، فليس إبداعًا مهما بلغت براعة صانعيه، بل هو وصفة جاهزة لصناعة أجيال تحفظ ما لم يحدث، ثم تدافع عنه وكأنها كانت شاهدة على وقوعه!

 

الخلاصة ... وفي ختام هذه المهزلة الدرامية، أقول لمن يتوهمون أن بإمكانهم صناعة التاريخ على مقاسات أحلامهم: إن التاريخ ليس دكانًا لبيع الأساطير، ولا أرضًا سائبة يعبث بها كتّاب السيناريو كلما أعوزتهم الحقيقة، وليس من حق أحد أن يختلق ممالك وشخصيات وأحداثًا، ثم يضع عليها ختم التاريخ لمجرد أنه يمتلك كاميرا وميزانية إنتاج ومجموعة من الممثلين يجيدون الصراخ فوق ظهور الخيل! فالتاريخ أكبر من أن تختصره شركة إنتاج، وأعمق من أن تعبث به مخيلة كاتب قرر أن يمنح أبطاله ما لم تمنحهم إياه الوقائع.

إن ما نشاهده في مثل هذه الأعمال ليس مجرد مبالغة فنية عابرة، بل هو استخفاف بعقل المشاهد حين يُدفع إلى استهلاك الوهم على أنه حقيقة، وتُحشر الأساطير في ذاكرته حشرًا، حتى يصبح الدفاع عن الخيال أشد حماسة من البحث عن الحقيقة. وهنا تكمن الكارثة؛ أن يتحول المتلقي إلى حارسٍ لرواية لم يعرف مصدرها، وأن يصبح السؤال عن الدليل جريمة في نظر من استبدلوا الوثيقة بمشهد تمثيلي، والمصدر التاريخي بموسيقى تصويرية!

يا سادة، إن صناعة البطل لا تصنع تاريخًا، وتكثير المعارك لا يمنح الرواية مصداقية، وإلباس الشخصيات ألقابًا أسطورية لا يحوّلها إلى رموز تاريخية. فالحقيقة لا تحتاج إلى أجنحة تطير بها، ولا إلى ذئب فضي يقودها، ولا إلى بقعة دم تمنحها شهادة ميلاد مزيفة. الحقيقة تحتاج إلى دليل، ومن لا يمتلك الدليل فليتوقف عن بيع الأوهام للناس باسم التاريخ.

أما أنتم، يا صُنّاع هذه الحكايات، فاكتبوا ما شئتم من الأساطير، واصنعوا ما شئتم من العوالم الخيالية، ولكن لا تطلبوا من التاريخ أن يشهد زورًا لمصلحتكم، ولا من عقولنا أن تنحني أمام شاشة تتقن صناعة الوهم أكثر مما تتقن احترام الحقيقة. فالتاريخ ليس مسرحًا لبطولاتكم المصطنعة، ولا ذاكرةً مستباحةً تعبثون بها كما تشاؤون؛ ومن أراد أن يكتب رواية فليسمّها رواية، ومن أراد أن يصنع أسطورة فليعلن أنها أسطورة، أما أن يبيع الخيال على أنه تاريخ، فهذه ليست بطولة درامية، بل مهزلة تستحق أن تُسدل عليها الستارة، قبل أن يصفق الوهم لنفسه ويطالب الحقيقة بمغادرة المسرح!

الأحد، 20 سبتمبر 2026

مقال

 

مزايا القرف في هذا العالم

تحت عنوان

هذه حقيقة البشرية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه اليوم بيد الله، وليس بيد البشر، وهذه أيضًا سوف يجدون لها حلًّا. وتذكّروا هذه الكلمات وقتها؛ فالأغبياء الذين يحكمون هذا العالم سوف يتسببون بكارثة، وعلى إثرها سوف تُبنى أنفاق الإيواء، وسوف يكون الدخول بتذكرة لاستنشاق الهواء النقي. وهذا ليس من وحي الخيال أو رواية أسطورية، ولكن هذا ما سوف يحدث في الأيام القادمة. ولفهم ما سوف يوصلنا إلى ذلك اليوم، يجب أن نستعرض بعض الحقائق عن عالمنا اليوم.

 

نظريات تقسيم الفئات المجتمعية... اليوم نحن نعيش تغيّرات اجتماعية تتضمن تقسيم المجتمع إلى فئات تحت مسميات الاستحقاقات، وكل ما في الأمر هو التمعّن في إذلال الإنسان، ومنها قضية التميّز العلمي. ولا يقول أحدكم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فنص الآية هنا ليس له علاقة بقضية التعليم المعاصر والعلوم العبثية في يومنا هذا، وليس له علاقة بتوفير فرص العيش للبشر.

أما ما يحدث في يومنا هذا، فهو أن هناك من يُمعن في التمسك بهذه الممارسات اللاإنسانية التي صيغت على شكل قوانين، مفادها تحديد الفئات التي تستحق العيش. والسؤال هنا يكون: (هل لأنني لم يحالفني الحظ في التعليم يجب أن أُقصى، وأن يتم تضييق فرص العيش عليَّ؟) و(هل لأنني لا أجيد حرفة أو مهنة لا أستحق الحياة؟).

وأي شريعة شيطانية تجيز هذا المفهوم الذي بات هو منهج حياتي؟

 

عندما يكون على رأس السلطة التافهون... وللحديث في هذا، يجب أن يكون السؤال: (كيف وصل التافهون إلى السلطة؟)، وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال صدمة للكثيرين.

·      فعندما يصير المهر حمارًا، يكون هناك خلل.

·      وعندما يكون قول الحق حماقات يُراد بها باطل، ويمر عبر ما يعرفه الكثيرون بالوقاحة، يكون هناك خلل.

·      وعندما يكون المال المعيار الوحيد للتقييم الإنساني، يكون هناك خلل.

·      وعندما تُختزل العلاقات بمدى الاستفادة، يكون هناك خلل.

وهنا نبحث عن موضع الخلل، وما شكله، وما ترتب عليه، وهو الاختلال في المنظومة الفكرية لدى الإنسان وطريقة تعامله مع من حوله. وهذا يكون عبر مفاهيم مغلوطة تتحول بمرور الزمن إلى عادات وتقاليد ثابتة، تكون هي اللبنة الأولى لصناعة التفاهة كواجهة رئيسية للمجتمع.

 

من يكون على صواب؟... قد تستغرب هنا عندما تقرأ: (لا أحد). فالقضية برمتها اليوم تخضع للنسبية، حتى في هذه السطور لا أخضعها لمنطق الصواب المطلق، وأستند في هذا إلى حديث سيد الخلق، رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم): «كل بني آدم خطّاء». صدق رسول الله.

وهنا تم التعميم، ولهذا لا قدسية لنص أو فكر بشري، وهذا ما يرفضه الكثيرون، ومنها إلى رفض قضية النقد بكل أشكاله، ما يعزز فكرة رفض التجديد، وقد يصل بهم الحال إلى اعتباره بدعة. ولا يُعتبر هذا تشكيكًا بمن سبقنا أو بمن سوف يأتي بعدنا، ولكن لو أدركنا الوعي فيما يُملى علينا لتغيّر كل شيء. ولكن الحقيقة هنا أن العالم بأسره ينتمي إلى ما يُعرف بثقافة القطيع.

 

لماذا لا نستطيع التغيير؟... اليوم، العالم لا يحتاج إلى ثورة سلاح أو الاستحواذ على سلطة معينة لفرض التغيير، ولكننا نحتاج اليوم إلى ثورة من نوع آخر، وهي (ثورة الفكر)، نكسر بها كل القيود الفكرية المكتسبة من النصوص البشرية التي أمعنت في قضية الاستعباد الفكري قبل الجسدي.

وهذا قد يكون مرفوضًا حتى من الذين سوف يقرأون هذه السطور؛ لأن الأمر سوف يكون أشبه بذلك الدور الذي كان للنبي إبراهيم (عليه السلام) في تحطيم الأصنام، وقائد الثورة الفكرية اليوم سوف يواجه الأيديولوجية ذاتها التي كانت في ذلك الوقت، وهي (الحرق).

فالبشر منذ ذلك الوقت لم يتغيروا، وهذا يعود إلى الطبيعة البشرية التي تُعتبر من فطرة الإنسان منذ خلقته إلى يومنا هذا. وهذا لا يعني بالضرورة التلميح إلى فشل دور الأنبياء في رسالتهم، كما يظن البعض، ولكن هو لتبيان صعوبة الأمر الذي قد يؤدي بصاحب الفكرة إلى التهلكة. ولكن هذا لا يعني الاستسلام؛ فكن محاولًا، ولتكتفِ بشرف المحاولة.

 

الشعور بالقرف... عندما تكون حياتك مجرد أزمات تثقل حياتك اليومية، وحروب تدفع بها ثمن ما ليس لك بها ناقة ولا جمل، وشخصيات مجبر على تحمّلها رغم علمك أنهم مجموعة من الحمقى والمغفلين، وعندما ترى بنفسك أنك قد تكون من المعصومين، وأن كل من يخالفك الرأي يجب أن ينال عقابًا فقط لأنه لم يقتنع برأيك، بالإضافة إلى أن يكون الاستحقاق بالحياة عطايا ومنحًا من أشخاص حالفهم الحظ، ويكون عليك التصفيق لهم وتمجيدهم واتخاذهم أصنامًا من دون الله... كل هذا وأكثر يكسبك ذلك الشعور، وهو (القرف).

 

الخلاصة... لست هنا لألعب دور المصلح أو الواعظ، ولكنني هنا بمثابة مرآة عاكسة للواقع الذي نعيشه، والذي سوف نعيشه عمّا قريب. وإن المصاب لجلل فيما نراه اليوم حقًّا وهو باطل، ولهذا وجب التحذير، وقد يكون الأخير. فقد أصبحنا في طريق اللاعودة بسبب تجميد الفكر وانعدام الوعي القيمي والأخلاقي.

وليعلم الجميع أن العبادة ليست مقتصرة على تأدية أركان الدين، ولكنها أيضًا أن تدرك حجم المسؤولية التي وضعتها الذات الإلهية على عاتقك، والتي وُصفت بـ(الأمانة).

ولكن لم يعد شيء يجدي، وأكتب كلماتي هذه للتذكير، وأشهد الله على ذلك.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مقال

 

 تجريم الفعل لا تجريم الشخوص

تحت عنوان

قصف المدينة المنورة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



من المسلّمات التي لا تقبل الجدال بها أن إراقة قطرة دم عراقي فهو عمل باطل، ولكن ماذا عن الجرأة على الله وما له في الأرض؟ ولتكن هذه قاعدة مقالي هذا.

أذكر رواية لجدتي كانت ترويها لنا ونحن صغار، مفادها: «إن بيت الله الحرام ومقام قبر رسوله الكريم سوف يُهجر أربعين عامًا، حتى يصبح مرتعًا للوحوش». وبغض النظر عن مصداقية الرواية، كان هناك سؤال في ذهن ذلك الطفل: هل يحدث هذا بسبب انقراض المسلمين وقتها؟ ولكن لم يكن يعلم أن من سوف ينقرض هو الإسلام.

وبغض النظر عن الفاعل، فإنه جريمة، ولو فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن يفعلوا مثل هذا. وإذا ما عدنا إلى التاريخ، فسوف نرى صورًا أبشع مما نحن بصدد الحديث عنه، فيها تعرّض بيت الله للضرب بالمنجنيق مرتين، وكانت حجة من ضربها شرعية كما يدّعون.

ورأيي هنا أن لله ورسوله حرمة المكان والزمان، وتحت أي مسمّى تريدون، فمن ضمن تعظيم شعائر الله بيته وقبر نبيه الكريم. ولمن لا يعلم، فإن لله حدودًا يجب أن تُحترم، والطائرة أو الصاروخ الذي اتجه إلى أرض تحتضن قبر خير من مشى على هذه الأرض، فعلٌ يرفضه كل من في قلبه ذرة إيمان، ويبدو أن هناك من ليس لديه ما يربطه بالله عز وجل من الأصل، ولو ادعى غير ذلك.

وهنا أستشهد بقول الشاعر أبي الأسود الدؤلي:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ

                                   عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

فالأمس واليوم، وكل الطوائف الإسلامية تستنكر فعل ضرب الكعبة بالمنجنيق، بغض النظر عمّن فعلها، ولكن نجد اليوم من يفعل ذات الفعل بتغيير الأسماء والأمكنة، والغريب أن فاعله يبدو أنه يستحي من الناس أو يخافهم، ولكنه لم يستحِ أو يخفِ الله بما فعل. وهذا يضعنا أمام منعطف شرعي، وهو استسهال التطاول على ما يخص الله عز وجل. فالمقذوف من صنع البشر، فماذا لو أخطأ هدفه وأصاب الحضرة الشريفة؟ فماذا سوف يقول فاعلها يومئذٍ للرسول يوم اللقاء؟ هل سوف يقول: كنت أدافع عن دينك، فضربتك؟ والله إنكم قومًا لا تؤمنون ولا تستحون، فويل لمن كان خصمه يوم القيامة رسولنا محمد.

وهنا أتوقع إجابة تلك الزمرة الفاعلة للفعل، سوف تقول: والله إننا كنا نقاتل اليهود والنصارى. وأي يهود ونصارى اليوم في مهد النبوة، المدينة المنورة؟ أو سوف يقولون: إننا استهدفنا مصادر الطاقة. ولكن السؤال هنا: لماذا تم اختيار نقطة الضربة قريبة من قبر رسولنا الكريم؟ ألم تكن هناك نقاط ثانية؟ ولكن اختيار هذا المكان لأنه خارج حماية الدولة، وهنا يكون العذر أقبح من الذنب و المصيبة ليست دائمًا في الفعل وحده، وإنما في العذر الذي يأتي بعده ليحاول أن يغسل عاره ويمنحه ثوبًا شرعيًا أو وطنيًا أو عسكريًا. فحين يكون المكان معلومًا، والهدف معلومًا، والنتيجة المحتملة معلومة، ثم يأتي الفاعل ليقول: لم نقصد، أو كنا نستهدف شيئًا آخر، فهنا لا يصبح العذر مبررًا، بل يصبح جريمة ثانية تضاف إلى الجريمة الأولى. لأن الخطأ في مثل هذه المواضع ليس كمن أخطأ الطريق، وإنما كمن اختار الطريق وهو يعلم إلى أين يقوده.

أنا لا أناقش هنا أسماء الفاعلين ولا انتماءاتهم، ولا أبحث عن تبرئة طرف وإدانة طرف، لأن قاعدة مقالي واضحة: الفعل يُجرَّم ولا تُجرَّم الشخوص. فمن أخطأ يُحاسب على فعله، ومن أصاب يُقال له أحسنت، حتى لو كان من أقرب الناس إلينا أو من أبعدهم. فالحق لا يتغير بتغير أسماء أصحابه، وحرمة الأماكن لا تصبح مباحة لأن من اقترب منها رفع شعارًا يراه هو مقدسًا.

ثم أي منطق هذا الذي يجعل حماية هدف عسكري مبررًا للمجازفة بمكان يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل أصبحت الضرورة العسكرية أوسع من حدود الحرمة؟ وهل كل هدف يمكن ضربه لمجرد أن وراءه احتمالًا عسكريًا؟ إن كان هذا هو المنطق، فأين تقف الحدود؟ وأين يتوقف الصاروخ حين يكون أمامه مكان له حرمة في عقيدة ملايين المسلمين؟

والأشد إيلامًا أن يتحول الخطأ إلى بطولة، وأن تتحول المجازفة بحرمة المكان إلى مجرد تفصيل عسكري، ثم يُطلب من الناس أن يصفقوا للعذر بدل أن يسألوا عن الفعل. لا يا سادة، العذر لا يمسح آثار الذنب، والشعار لا يطهّر الفعل، والعدو الذي نحاربه لا يمنحنا رخصة للاستهانة بما نعظّمه ونقدسه.

فإذا كان الفاعل قد أخطأ في تقدير الهدف، فهذه ليست فضيلة تُذكر، وإنما مسؤولية يجب أن تُحاسب. وإذا كان يعلم قرب المكان وحرمته ثم أقدم، فالمصيبة أعظم. وفي الحالتين لا يجوز لنا أن ندفن السؤال تحت ركام الشعارات؛ لأن من حق المؤمن أن يسأل: هل كان بالإمكان اختيار هدف آخر؟ هل كانت هناك وسيلة أخرى؟ هل رُوعيت حرمة المكان؟ وهل كانت حياة الناس وأمنهم ومقدساتهم حاضرة في حسابات من ضغط على زر الإطلاق؟

وهنا أقولها بلا مواربة: حين يصبح الاعتذار عن الفعل أسوأ من الفعل نفسه، وحين يتحول الخطأ إلى تبرير، والتبرير إلى عقيدة، والعقيدة إلى حق مكتسب، فنحن لا نواجه مجرد خطأ عابر، وإنما نواجه خللًا في ميزان القيم. وعندها يصبح السكوت مشاركة في صناعة هذا الخلل، لأن الذي يسكت عن الخطأ بحجة الانتماء أو الخصومة السياسية أو العسكرية، قد يجد نفسه غدًا مضطرًا إلى تبرير خطأ أكبر.

إن حرمة المدينة المنورة ليست قضية طرف سياسي، ولا ورقة في صراع عسكري، ولا تفصيلًا يمكن تجاوزه عند رسم الأهداف. إنها في وجدان المسلمين رمز ديني عظيم، ومن هنا فإن الاقتراب منها يستوجب أعلى درجات الحذر، لا البحث عن أعذار بعد وقوع الكارثة. فالذنب قد يكون فعلًا واحدًا، أما العذر الذي يشرّع له ويدافع عنه ويحوّله إلى بطولة، فقد يكون بداية الطريق إلى ألف ذنب.

وقد تكون هذه كلماتي من أخطر ما كتبت، ولكن ليس مهمًا؛ فالدفاع عن حدود الله واجب لكل من يؤمن. وإن قرأت ما كتبت ولم تتأثر، ولم تكتب ما يرضي الله ورسوله، فذاك شأنك، ولكن ليس من شأن من يؤمن أن يصمت عن فعل يبغضه الله والرسول والمؤمنون.

 

الخلاصة ...  أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: هناك أفعال لا يغسلها العذر، وأماكن لا يجوز أن تكون حقلًا لتجارب الصواريخ والحسابات العسكرية، ومقدسات لا ينبغي أن تدخل أصلًا في قاموس المساومات والخرائط الحربية.

ومن يعتقد أن رفع شعار الدفاع عن الدين يمنحه صكًّا مفتوحًا للاستهانة بحرمة المدينة المنورة، فعليه أن يعيد قراءة معنى الدين قبل أن يتحدث باسمه.

أنا لا أطلب من أحد أن يحب خصمه، ولا أن يترك ساحة القتال، ولا أن يتنازل عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولكنني أقول: (لا تجعلوا الدين شماعة لأفعالكم، ولا تجعلوا المقدسات ضحية لأخطائكم، ثم تطلبوا من الناس أن يسمّوا الخطأ بطولة) فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى صاروخ أعمى، ولا إلى قذيفة تقترب من قبر نبيه حتى يثبت أحدٌ أنه يدافع عن الإسلام.

والأشد قسوة من سقوط المقذوف هو سقوط هيبة الحرمة في نفوس من أطلقوه ومن برروا لهم. فحين يصبح الاقتراب من المدينة المنورة أمرًا عاديًا، وحين يصبح احتمال إصابة موضع يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد «خطأ محتمل»، فالمشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في العقل الذي أعطى السلاح حق الاقتراب أصلًا.

ولست هنا قاضيًا على النيات، ولا مفتشًا في صدور الرجال؛ **أنا أحاكم فعلًا ظاهرًا، وأرفض أن يتحول الخطأ إلى بطولة، والجريمة إلى ضرورة، والضرورة إلى مبرر، والمبرر إلى عقيدة.** فمن أراد أن يقاتل فليقاتل في ميدان القتال، ومن أراد أن يواجه خصمه فليواجهه، أما أن تُوضع المدينة المنورة في مرمى الخطر ثم يُطلب منا أن نبتلع الحكاية كاملة مع عذرها، فهذا ما لا أقبله ولا أستطيع أن أصفق له.

وأقولها بأشد ما أستطيع: (إن كان العذر هو أنكم أخطأتم الهدف، فهذه مصيبة، وإن كان الهدف معلومًا فالمصيبة أعظم، وإن كان اقتراب السلاح من المدينة مقصودًا ثم جرى البحث عن عذر بعد ذلك، فهنا يصبح العذر أقبح من الذنب) وفي جميع الأحوال، لا تجعلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدًا على أخطائكم يوم القيامة، ولا تجعلوا الدفاع عن الدين ذريعة لفعلٍ يسيء إلى حرمة ما عظّمه الدين.

فأنا لا أجامل أحدًا في هذه القضية، ولا يهمني اسم الفاعل ولا رايته ولا مذهبه؛ (فحين تكون القضية متعلقة بحرمة رسول الله ومدينته، تسقط كل الرايات ويبقى الحق وحده واقفًا) ومن لم يعجبه هذا الكلام فليجادلني في الفعل، لا في ولائي، وليناقش الدليل، لا أن يهرب إلى الشتائم والشعارات.

فالدين ليس غطاءً للصاروخ، والمدينة المنورة ليست هدفًا عسكريًا، وحرمة رسول الله ليست هامشًا في دفتر العمليات، ومن يخطئ في حق المقدسات ثم يبحث عن عذر، عليه أن يتذكر جيدًا: قد تستطيع أن تقنع الناس بعذرك، لكنك لن تستطيع أن تخدع الله.

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

مقال

سياسة مجنون بني عبس

تحت عنوان

بين المحاباة وقول الحقيقة

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



لتكن البداية من القضية التي استفزتني لكتابة الموضوع، فبالأمس كان هناك إعلان من جهة حكومية لصرف بعض المستحقات، والغريب أن الكثير بدأ يعتبر أن صرف المستحقات على أنه إنجازات تُحسب لشخص، لتنهال التعليقات مشيدةً بدور رئيس المؤسسة في هذا الإنجاز، وكلها تنضوي تحت مصطلح (اللواكة)، وليس هذا موضوعنا.

ولكن ما حدث ذكرني بحادثة شهيرة في تاريخ الحجاج (رحمه الله)، عندما التقى بأحد الرجال في البادية وسأله عن رأيه بوالي الحجاز، فكانت الإجابة الصادمة في قوله: (لعنه الله ولعن من ولاه). فكانت الإجابة: ويحك، أتعرف من أنا؟ فكانت الإجابة: ومن تكون؟ فصاح: أنا الحجاج. فخرَّ الرجل خوفًا، فقال: وتعلم أنت من أكون أنا؟ مجنون بني عبس، يصيبني الصرع في اليوم مرتين، وأصاب من أثرها بالجنون، وهذه واحدة منها.

وفي هذه الحادثة دلالة واضحة لجملة السياسات التي تتبعها العقلية الجمعية فيما يخص القضايا التي تلامس حياتها بشكل مباشر، وكان الأمر برمته استنساخًا لمنهجية العبيد، وبما أننا هنا قد ورد مصطلح العبيد، يجب أن نستذكر قولًا لأحد الفلاسفة عند سؤاله: (إذا ما كان له الخيار في قتل الطاغية أو قتل العبيد؟) فكانت الإجابة وجوب قتل العبيد، لأن منهجيتهم هي من صُنْعة الطغاة.

وما يحصل اليوم من أزمات متلاحقة، من قضية البنزين وغيرها الكثير مما يعاني منه المواطن، هو بسبب سياسة مجنون بني عبس، وهذا ما أتاح للنظام فكرة تمجيد الواجب، وتلك القناعات التي تدفع العامة للتكالب على كتابة التعليقات التي تساهم في دعم السلطات المقصرة من الأصل، ما يحول دون ابتكار فكرة الإصلاح. وهذا بسبب رأيهم في استحصال الحقوق على أنه إنجاز يُحسب للنظام والسلطة ورجالها، وهذا الفعل يذكرني بمثال شعبي: (الذي يرى الموت يرضى بالحمى).

ومن هنا يكون السؤال الأهم في الموضوع: (ما الذي يمنعنا من قول الحقيقة؟) هل هو الخوف والتراكمات الزمنية التي عملت على ترسيخها الأنظمة المتعاقبة، حتى أصبحت الشجاعة في موضع كهذا نوعًا من السذاجة العقلية؟

 

شرعنة الخوف... ليعلم القارئ هنا أن هذه الحالة التي نعيشها اليوم ليست وليدة اللحظة، ولكن هناك موروثًا شعبيًا يعزز هذا المصطلح في حياتنا اليوم، ومنها (الهزيمة ثلثين المرجلة)، والحقيقة ليس هناك علاقة ما بين المرجلة والهزيمة، ولكن لتبرير الحالة الانهزامية التي يعيشها الكثير، ومنها عدم قدرتهم على قول الحقيقة.

ولو عدنا بالزمن، نرى أمثلة عظيمة في الإقدام على قول الحقيقة، ومنهم أنبياء الله عليهم السلام أجمعين. وهنا لا أريد أن تكون نبيًا، فقد انتهى عصر الأنبياء، ولكن كن إنسانًا فقط في معرفة ما لك وما عليك، وإذا ما فشل اليوم أحدنا في هذا، يذهب لإيجاد الأعذار لتبرير فشله أمام ذاته، وفي ذلك نوع من الحماقة التي تزدهر في عصرنا هذا.

 

هذه هي مكانتكم... وهنا أستشهد بمقولة كان أبي (رحمه الله) يرددها، مفادها: (إذا تشوف واحد على المنارة، قل له الله يزيدك، وإذا تشوف أحد بالطهارة، قل له الله يزيدك، لأن الاثنين يستحقان ما هم عليه).

وفي هذا دلالة على أن الإنسان هو من يختار مكانته في المجتمع، فإذا ما أردت أن تكون طبلًا فسوف تصفق حتى لذلك الذي يذلك كل يوم، وإذا ما أردت أن تكون بشرًا يستحق الحياة، فقول الحقيقة سوف يمنحك هذه الفرصة.

ولهذا تراني قليلًا ما أتحدث عن معاناة العامة بشكل خاص، وهذا بسبب استنتاج لي من قراءة التجارب التي سبقتنا، فالعقلية التي أدت إلى اعتقال (جيفارا)، وهي أنه كان صوت رصاص الحرية، تزعج غنم الراعي الذي يمثل عقلية المجتمع، ليكون كل ما نكتبه أو نفعله من أجل الآخرين بلا قيمة.

ولكن سوف أكتب الحقيقة التي تنضوي تحت عنوان (لله والتاريخ)، فالاثنان هنا لا يعرفان معنى النسيان، ويكفي فخرًا أن تُذكر أسماؤنا في قوائم الشجعان، ولو خرجت من هذه الحياة بلا شيء آخر يُذكر، على أن أملك العالم وأنا لا أستطيع الوقوف أمام المرآة، وأنا لا أحظى بالاحترام أمام نفسي على الأقل.

 

الخلاصة... لم أعد أغضب لرؤية المتخاذلين والجبناء، وقد يكون بسبب أنها أصبحت الظاهرة الأوسع انتشارًا اليوم، وهذا يعود إلى أن الشجعان في هذه الحياة لا يعيشون طويلًا، فالمجد للأبطال، والحياة وكل ما فيها للجبناء الذين يفضلون العيش بذل على قول الحقيقة.

وسوف أقولها كما قالها من قبلي: أفضل أن ألقى الله وأنا قادر على قول الحق، بدل لقائه وأنا على قوائم المنافقين فقط؛ لأنني أريد الحياة.

فعندما تتحول الواجبات إلى إنجازات، تسهم في سيل من التطبيل والتهويل، يكون مجنون بني عبس وسياسته هو أفضل من قول الحقيقة لاقول هنا «فاتقوا الله بأنفسكم، لعلكم تُرحمون.»


مقال

  عادة حليمة لعادتها القديمة تحت عنوان مواسم الأزمات الحكومية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين اعتاد النظام منذ أعوام طويلة عل...