بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

مقال

 

البهائم في المجتمع

تحت عنوان

صور من حياتنا اليومية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لتكن البداية من حكاية كان يرويها أبي رحمه الله، يقول فيها: «كان له صديق في العقد الستيني من ذلك الوقت، وكان يتفاخر بأنه لم يضحك يومًا ما في وجه طفل». وبقيت تلك الرواية معلقة في ذهني، ومعها سؤال: ما الذي يدفع بشرًا على هذه الأرض إلى فعل هذا؟ وهل هناك شخوص مشابهة له في يومنا هذا؟

إن خطورة هذه الحكاية لا تكمن في شخص امتنع عن الابتسام لطفل، بقدر ما تكمن في العقلية التي تحوّل القسوة إلى وسام يتفاخر به صاحبه. فهناك فرق كبير بين إنسان لا يبتسم لأسباب تخصه، وبين إنسان يجعل من حرمان الآخرين من أبسط مظاهر الود دليلًا على قوته أو تميّزه. إن الإنسان لا يُقاس بما يمتلكه من مال أو نفوذ أو شهادات، وإنما بما بقي في داخله من إنسانية لم تستطع الحياة أن تنتزعها منه. فحين يصبح إيذاء المشاعر مصدرًا للفخر، نكون أمام خلل في فهم معنى القوة، لأن القوة الحقيقية هي أن تستطيع أن تؤذي فلا تفعل، وأن تمتلك القدرة على الإهانة ثم تختار احترام الآخرين.

ومن هنا كانت فكرة الكتابة عن شريحة البهائم في المجتمع، وصورهم وأفعالهم، وقد تكون تلك النماذج سببًا فيما نعيشه اليوم من نكسات اجتماعية.

وللتنويه... الموضوع ليس له علاقة بالبهيمية كفكرة، ولكن سوف نستعرض بعض السلوكيات التي أصبحت اليوم من الأمور الطبيعية في عالمنا.

وهنا لا بد من التمييز بين الإنسان الذي تنقصه المعرفة، والإنسان الذي تنقصه الإنسانية؛ فالأول يمكن أن يتعلم، أما الثاني فقد يمتلك المعرفة كلها، لكنه يوظفها في خدمة أنانيته ومصالحه. إن الجهل ليس دائمًا نتيجة غياب التعليم، كما أن الثقافة ليست دليلًا قاطعًا على سلامة الضمير. فقد تجد إنسانًا يقرأ آلاف الكتب، لكنه لا يتعلم من صفحة واحدة كيف يحترم حق غيره، وقد تجد آخر لا يحمل شهادة علمية، لكنه يمتلك من المروءة ما يعجز عنه أصحاب الألقاب والمناصب. ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس انتشار الجهل وحده، بل أن تتحول المعرفة إلى أداة لتبرير الخطأ، وأن يصبح الذكاء وسيلة للإفلات من المسؤولية بدلًا من أن يكون وسيلة لاكتشاف الحقيقة.

هل تعلم أن هناك شخوصًا لا يعلمون عن الحياة بأكملها سوى شيء واحد، وهذا لا يعود إلى مرض التوحد بوصفه مرضًا مستعصيًا، ولكن عندما تنعدم بعض القضايا، نكون مجرد دمى تتحرك بلا شعور أو إحساس، وقد يكون هذا من أخطر القضايا التي من الممكن تصورها.

فتخيل للحظة أن هناك شريكًا فاقدًا للرحمة، والضمير، والصدق، والمروءة، وجميع الأخلاقيات المتعارف عليها، ويقوم بالتركيز على شيء واحد، مثل المال أو الجنس أو السلطة. ولو تخيلت هذا للحظة، لأدركت بشاعة الموقف.

إن المشكلة لا تكمن في المال أو الغريزة أو السلطة بحد ذاتها، فهذه أمور تدخل في طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما تكمن في اللحظة التي يتحول فيها أحدها من وسيلة للعيش إلى غاية تبتلع سائر الغايات. عندها لا يعود المال وسيلة لتأمين الحياة، بل يصبح مبررًا لسحقها، ولا تعود الغريزة جزءًا من الطبيعة البشرية، بل تتحول إلى رغبة في امتلاك الآخر وإلغاء إرادته، ولا تعود السلطة مسؤولية لخدمة الناس، بل تصبح امتيازًا يتيح لصاحبها التعامل معهم كما لو كانوا أدوات في ملكيته. وحين يختزل الإنسان وجوده في رغبة واحدة، فإنه لا يخسر علاقته بالآخرين فحسب، بل يخسر قدرته على محاسبة نفسه؛ لأنه يمنح رغباته حق إصدار الأحكام، ثم يجعل من ضميره محاميًا للدفاع عنها مهما بلغت فداحة نتائجها.

ليكون السؤال هنا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى ارتكاب جريمة القتل؟ برأيك، هل يكون ذلك بسبب واحدة من الأمور التي ذكرتها، في قضية التركيز على شيء واحد لإلغاء كل شيء من حوله؟

ولعل الجريمة تبدأ في كثير من الأحيان قبل أن تتحول إلى فعل ملموس؛ إذ تبدأ حين يسقط الإنسان من حساباته حق الآخر في الحياة والكرامة، وحين يقنع نفسه بأن مصلحته أعلى من وجود غيره، وأن اختلاف الآخرين معه يمنحه الحق في إقصائهم أو الانتقام منهم. فليس كل من يحمل السلاح هو الذي صنع الجريمة من بدايتها، فقد تسبقه عقلية تبرر الكراهية، وبيئة تكافئ الاعتداء، وخطابات تنزع عن الإنسان صفته الإنسانية لمجرد الاختلاف معه. وهذا لا يعني أن كل صاحب فكر قاسٍ سيصبح قاتلًا، بل يعني أن تبرير الاعتداء وإهدار كرامة الآخرين يهيئان مناخًا أخلاقيًا خطيرًا، تصبح فيه الجريمة أقل استنكارًا لدى من اعتادوا البحث عن الأعذار لها. وهنا تكمن الكارثة: حين يصبح السؤال عند البعض ليس لماذا قتل الإنسان أخاه، بل كيف نبرر له ما فعل؟

وما لا يعلمه الكثيرون أن شريحة البهائم هي الأكثر انتشارًا في هذا العالم، وليس من الضروري أن يكون أحدهم غبيًا متسكعًا في الشوارع، بل على العكس، قد يكون متفوقًا دراسيًا، أو من أصحاب الأموال، أو من أصحاب البدل الرسمية. وهذا يدفعنا إلى السؤال الأهم في الموضوع: كيف تعرفهم وتميزهم؟

والإجابة تكون من بداية يومك؛ فأنت إن لم تبدأ يومك بابتسامة، فأنت منهم، وإن استيقظت من نومك وأنت تكره هذا، وتحقد على هذا، وتضمر المكر لذاك، فأنت منهم. وإذا جعلت من المال إلهًا تعبده، وبه يمكن سحق القريب والبعيد، ويأمرك بأن تستبدل الحق بالباطل، فأنت منهم. وإذا جعلت من حياتك مصائد تصطاد بها النسوة في كل مكان، وجعلت غايتك المرأة والحصول عليها، فأنت منهم. وإذا ما جعلت نفسك دمية بيد الغير للحصول على مكتسبات سلطوية، ولو كنت قاضيًا في محكمة، فأنت منهم. ولهذا نرى اليوم أن عالمنا أصبح كثير المناشدات، وقد يرجع البعض هذا إلى ضعف القانون، وهذا غير صحيح، ولكنهم أماتوا كل الأشياء الفطرية التي زرعها الله فينا.

ليكون السؤال في هذا الموضوع: هل هم لا يدركون هذا؟ والإجابة في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ . صدق الله العظيم.

وفي موضع آخر وصفهم الله بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . صدق الله العظيم... وما جاء في كتاب الله لم أبتعد عنه كثيرًا فيما ورد في هذه السطور.

إن الإشارة القرآنية إلى عمى القلوب تضعنا أمام حقيقة تتجاوز فقدان البصر إلى فقدان البصيرة؛ فالإنسان قد يرى الوقائع أمامه، ويعرف نتائج أفعاله، ويدرك مقدار الضرر الذي ألحقه بالآخرين، لكنه يرفض الاعتراف بالحقيقة لأنها تتعارض مع مصلحته أو صورته عن نفسه. وهنا يصبح الخلل أخلاقيًا قبل أن يكون معرفيًا، لأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الدليل، بل في الاستعداد لقبوله. فالمرء قد يسمع النصيحة ثم يردها، ويرى الظلم ثم يبحث له عن مبررات، ويشهد انكسار الآخرين ثم يقنع نفسه بأنهم يستحقون ما حدث لهم. ومن هنا فإن مراجعة النفس ليست ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا عابرًا، بل ضرورة تحمي الإنسان من التحول إلى خصم للحقيقة التي يدعي الدفاع عنها.

كيف لا أكون منهم؟ إنه لأمر بسيط جدًا: عُدْ إلى قراءة القضايا التي خلقك الله عليها، وما ورد في الكتب السماوية، بقراءة مختلفة تُبعدنا عن الدخول في صراعات عبثية. عندها فقط تدرك أن الذي يختلف معك في الدين ليس عدوًا لك، إلا إذا ما أراد المساس بمعتقداتك الأساسية أو استعبادك. وغير ذلك، ضع في حساباتك أنك لم تُخلق للحقد والضغينة والقتل.

ولا يمكن أن نكتشف حقيقة الإنسان من مظهره أو مهنته أو مقدار ما يمتلكه، لأن المظاهر قد تتشابه بينما تختلف الضمائر اختلافًا لا حدود له. إن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تتعارض المصلحة مع الأمانة، وعندما تصبح الحقيقة عبئًا على صاحبها، وعندما يستطيع الإنسان أن يستغل ضعف غيره دون أن يراه أحد. هناك، بعيدًا عن المنابر والشعارات والصور الاجتماعية المصطنعة، تتكشف المعادن الحقيقية. فكم من إنسان يتحدث عن الأخلاق ما دامت لا تكلفه شيئًا، ثم يتخلى عنها عند أول منفعة، وكم من شخص يطالب بالعدالة حين يكون مظلومًا، فإذا امتلك القوة أصبح خصمًا للعدالة التي كان يطالب بها. إن الأخلاق ليست ما نقوله عندما نكون في موضع الوعظ، بل ما نفعله عندما نكون في موضع القدرة والاختيار.

فإذا ما كان هذا، فبعدها اعقد صلحًا مع الله، ثم مع نفسك. وهنا يسأل أحدكم: هل نحن في خصومة مع الله؟ وتكون الإجابة: نعم؛ فعندما تخرج عن إرادته، فأنت خصمه. والأمانة التي حملها الإنسان تبدأ بنفسك، ثم الإنسان الذي يحيا معك، ثم الأرض التي منحك الله إياها. وأنت اليوم تقود معارك عالمية للاستحواذ على ما هو ملك لله، فكيف لا يكون خصمك بعد هذا؟

وهنا ليست البهيمية التي يتناولها هذا المقال شكلًا أو مهنة أو طبقة اجتماعية، وإنما هي استعارة نقدية لسلوك يفقد فيه الإنسان بوصلته الأخلاقية، حين يقدم شهواته ومصالحه على حقوق الآخرين، ويجعل من قوته مبررًا لتجاوز الحدود. ولا أحد منا يمتلك حصانة مطلقة من الخطأ، لكن الفارق أن هناك من يراجع نفسه حين يخطئ، وهناك من يحوّل الخطأ إلى مبدأ، والأنانية إلى حق، والاعتداء إلى بطولة. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه؛ فلا يكفي أن نلعن الظلام إذا كنا نرفض الاعتراف بما نساهم به في صناعته، ولا يكفي أن نتحدث عن الله والعدالة والأخلاق إذا كانت أفعالنا تنقض كل ما تقوله ألسنتنا. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في ادعائه الفضيلة، بل في قدرته على ممارستها حين تتعارض مع مصلحته، ولا يظهر إيمانه في كثرة ما يردده من أقوال، بل في أثر ذلك الإيمان على عدله ورحمته وأمانته. وتلك هي المسافة الفاصلة بين إنسان يخطئ ثم يحاسب نفسه، وإنسان يتخذ من أخطائه أسلوب حياة، ثم يطالب العالم بأن يحترمه.

الخلاصة ... وفي الختام، أقول لكل من باع ضميره من أجل المال، وداس على كرامة الناس من أجل السلطة، واتخذ من الشهوة غاية، ومن المكر وسيلة، ومن القسوة بطولة: أنتم لستم أذكياء كما تتوهمون، بل أنتم صورة لانهيار الإنسان في داخلكم. فمهما ارتديتم من بدلات رسمية، وامتلكتم من أموال ومناصب، ستبقون عراة أمام حقيقة أفعالكم؛ لأن البهائم ليست من فقدت النطق، بل من فقد إنسانيته وهو يتباهى بأنه إنسان!

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

مقال

 

 الرد على ما نُشر من تفاهات في موقع الحوار المتمدن

تحت عنوان

مقال «أبناء الزنى كيف أصبحوا أمراء المسلمين» المنسوب إلى عكاشة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



أعاد أحدهم نشر مقال منسوب إلى أسامة أنور عكاشة، كاتب السيناريو المصري المعروف، وهو مقال يحمل عنوانًا يستفز القارئ ويدفعه إلى الدخول في متاهة من الاتهامات التي تتعلق بالأنساب والشرف والتاريخ. وهنا لا بد لنا من الوقوف أمام ما نُشر، لا من باب الدفاع عن أشخاص مضوا إلى التاريخ، بل من باب الدفاع عن قيمة الكلمة، وحرمة الحقيقة التاريخية، وحق العقل في ألا يتحول إلى أداة لترويج الأكاذيب.

وللتنويه، قلتها منذ زمن طويل: إن القراءة النقدية الحديثة تقوم على نزع قدسية الشخوص عن النص، ولكن هذه القاعدة لا تعني أن ننزع عن أنفسنا قدسية الحقيقة، ولا أن نحول النقد إلى ساحة مفتوحة للطعن والتشهير. فهناك فرق كبير بين أن تنقد شخصية تاريخية، وأن تختلق رواية عنها، وبين أن تفكك نصًا تاريخيًا، وأن تستخرج منه ما يخدم رغبتك في الإساءة إلى الآخرين.

ويبدو أن ناشر المقال لم يميز بين النقد التاريخي والطعن في التاريخ، ولا بين البحث عن الحقيقة والبحث عما يرضي القناعات المسبقة. فالتاريخ ليس حانوتًا نختار من بضاعته ما يناسب خصومتنا، ثم نغلق أبوابه أمام كل ما يخالف أهواءنا. وليس من حق أي كاتب أن يتعامل مع الأنساب بوصفها مادة للتسلية أو وسيلة لإهانة شخصيات اختلف معها فكريًا أو عقائديًا.

وأنا هنا لا أدافع عن الشرف من باب العصبية، ولا أطالب بمنح الشخصيات التاريخية حصانة تمنع مساءلتها، وإنما أطالب بميزان واحد في التعامل مع الجميع؛ فمن كانت لديه رواية فليأتِ بمصدرها، ومن كانت لديه حجة فليعرضها، أما أن تتحول التهمة إلى حقيقة لمجرد تكرارها، فهذه ليست ثقافة ولا بحثًا ولا شجاعة فكرية، وإنما إفلاس في التعامل مع المعرفة.

ولنبدأ بالسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ما كُتب محاولة للكشف عن حقيقة الشخصيات التاريخية، فأين الدليل الذي يثبت تلك الاتهامات؟ وهل يصبح الطعن في الأنساب بحثًا تاريخيًا لمجرد وضع عنوان مثير فوقه؟

إن المشكلة ليست في أن يختلف الناس حول التاريخ، فالاختلاف هو الذي يفتح أبواب البحث، وإنما المشكلة في أن يتحول الاختلاف إلى محكمة تصدر أحكامها قبل أن تستمع إلى الأدلة. وحين يصبح الاتهام هو الدليل، وتصبح الخصومة هي المنهج، فإننا لا نكون أمام قراءة للتاريخ، بل أمام رغبة في إعادة كتابة الماضي وفق مزاج الحاضر.

 

الطعن في الأنساب وصناعة الخصومة ... إن من يتتبع تاريخ العرب يجد أن النسب كان يحتل موقعًا مهمًا في بنية المجتمع، وأن الشعر والهجاء والمفاخرات القبلية استُخدمت في الدفاع عن المكانة الاجتماعية أو النيل من الخصوم. ولكن وجود هذه الظاهرة في التاريخ لا يمنحنا الحق في تحويل كل ما قيل في مجالس الخصومة إلى حقيقة ثابتة، ولا يجعل كل هجاء دليلًا على صحة ما يتضمنه من اتهامات.

فالشاعر الذي يهجو خصمه ليس مؤرخًا محايدًا بالضرورة، والخصم الذي يطعن في نسب خصمه لا يقدم شهادة براءة لنفسه. إنما نحن أمام خطاب تحكمه أحيانًا المنافسة والمبالغة والمصلحة، ولذلك يحتاج إلى قراءة نقدية تكشف دوافعه وسياقه، لا إلى عقل يلتقط الكلمات ويحولها إلى أحكام نهائية.

وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها بعض الكتّاب؛ إذ يرفعون شعار القراءة النقدية عندما يتعلق الأمر بمن يختلفون معهم، ثم يتخلون عن أبسط قواعد النقد عندما يجدون رواية تخدم موقفهم. فيقبلون الخبر بلا تمحيص، ويهملون مصدره، ولا يسألون عن زمن تدوينه أو عن الظروف التي أحاطت به، وكأن الحقيقة التاريخية أصبحت ملكًا لمن يصرخ أكثر من غيره.

وإذا كان الطعن في الأنساب قد استُخدم في بعض مراحل التاريخ أداةً للنيل من الخصوم، فإن إعادة نشر تلك الاتهامات في عصرنا من دون تحقق لا تجعل صاحبها باحثًا، بل تجعله حلقة جديدة في سلسلة نقل الروايات التي لم تخضع للفحص الكافي.

 

بين الأصل والأخلاق ... من الأخطاء الفكرية التي ينبغي الوقوف عندها الربط الآلي بين الأصل والأخلاق، وكأن الإنسان يحمل صفاته الأخلاقية في شهادة نسبه، أو كأن الشجاعة والكرم والذكاء لا يمكن أن توجد إلا في أسرة بعينها.

لقد عرفت المجتمعات العربية مفاخرات بالأنساب، كما عرفت قصصًا عن الشجاعة والكرم والوفاء، لكن هذه المفاهيم لا يجوز أن تتحول إلى قوانين بيولوجية أو أحكام قطعية على الناس. فالأخلاق تُعرف بالمواقف والأفعال، والشجاعة تُعرف عند الشدائد، والكرم يُعرف عند البذل، أما النسب وحده فلا يمنح صاحبه شهادة أخلاقية، ولا يسلبها من غيره.

والأهم من ذلك أن ظروف الولادة لا تمثل ذنبًا يرتكبه الإنسان، ولا يجوز تحويلها إلى وصمة تلاحقه طوال حياته. فإذا كنا نرفض الطعن في شخصيات تاريخية من خلال اتهامات غير مثبتة، فعلينا أيضًا أن نرفض تحميل أي إنسان مسؤولية أمر لم يختره ولم يرتكبه.

إن محاكمة الإنسان بأصله بدلًا من فعله صورة من صور العجز عن محاكمته بما يستحقه من معايير. وهي مفارقة مؤلمة أن يرفع البعض راية الأخلاق، ثم يستخدموا النسب أداةً للإهانة، مع أن الأخلاق الحقيقية تبدأ من العدل في الحكم على الآخرين.

 

حين يتحول التاريخ إلى سلاح ... إذا أردنا أن نجري مقارنة بين ما ورد في المقال المتداول وبين الأسماء التاريخية التي تناولها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف نثبت التهمة؟ بل: ما الدليل الذي يجعلنا نقبلها أصلًا؟

فوجود قائد أو شاعر أو فارس أو صاحب رأي في التاريخ لا يثبت صحة نسبه ولا ينفيها، كما أن نجاحه أو إخفاقه لا يمثل دليلًا قاطعًا على ظروف ولادته. إنما لكل ادعاء دليله الخاص، ولكل رواية سياقها، ولكل شخصية تاريخية ما يمكن إثباته من خلال المصادر المتاحة.

أما أن نرى رجلًا عظيمًا في مواقفه، فنستنتج من عظمته حقيقة نسبه، أو أن نرى رجلًا سيئ السيرة فنستنتج من سوء فعله فساد أصله، فهذه مغالطة لا تقل خطورة عن المغالطة التي ننتقدها. فالحقيقة لا تُستخرج من رغبتنا في تمجيد شخص أو تحقيره، وإنما من الأدلة التي يمكن فحصها ومناقشتها.

وهنا أقول: ليس من الضروري أن نحول كل شخصية تاريخية إلى ملاك حتى نرفض الطعن فيها، وليس من الضروري أن نمنح أحدًا صك البراءة من أخطائه حتى نطالب بالإنصاف في محاكمته. فالتاريخ أكبر من أن يُختصر في معادلة تقوم على التقديس المطلق أو التشويه المطلق.

 

هند بنت عتبة وسؤال الشرف ... وهنا أستشهد بالموقف المشهور المنقول عن هند بنت عتبة عند بيعة النساء، حين ورد في الرواية قولها: «أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟». ويُستشهد بهذا الموقف في سياق الحديث عن تصور الشرف والعفة في المجتمع العربي، لكن من الضروري ألا نحمل العبارة أكثر مما تحتمل، وألا نجعلها وحدها دليلًا على كل ما نريد إثباته بشأن المجتمع قبل الإسلام.

إن قيمة هذا الاستشهاد تكمن في أنه يفتح بابًا لفهم تصورات المجتمع عن العفة والشرف، لا في أنه يمنحنا الحق في إصدار أحكام شاملة على جميع العرب أو جميع النساء في ذلك العصر. فالمجتمعات لا تُفهم من عبارة واحدة، والتاريخ لا يُختزل في موقف منفرد، والرواية مهما كانت مشهورة تحتاج إلى قراءة في سياقها عندما نريد استخدامها دليلًا على قضية واسعة.

وهنا يظهر الفرق بين الكاتب الذي يستشهد بالنص ليفهمه، والكاتب الذي يستدعي النص ليجعله شاهدًا على حكم قرره سلفًا. فالأول يبحث عن الدلالة، والثاني يبحث عن عبارة تمنحه شعورًا بأنه انتصر.

 

معضلة المصادر ومن يكتب التاريخ ومن يعيد تدويره؟  ... كثير من الأقلام تستقي معلوماتها من الكتب، ومنها الرصين الذي يستند إلى البحث والتحقيق، ومنها ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، ومنها ما كُتب في ظروف سياسية أو طائفية أو عقائدية أثرت في طريقة عرض الوقائع. ولهذا فإن مجرد وجود رواية في كتاب لا يعني أنها أصبحت حقيقة نهائية، كما أن اختلافنا مع مؤلف لا يكفي وحده لإسقاط كل ما كتبه.

إن السؤال الحقيقي هو: من نقل الرواية؟ ومتى نُقلت؟ وما المصدر الذي استند إليه الناقل؟ وهل توجد روايات أخرى تخالفها؟ وهل تعامل معها المؤرخون بوصفها حقيقة أم بوصفها خبرًا يحتاج إلى التمحيص؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع الباحث، لا كثرة الاقتباسات ولا ارتفاع نبرة الخطاب. فهناك من يقرأ عشرات الكتب ولا يتجاوز مرحلة جمع العبارات، وهناك من يقرأ نصًا واحدًا قراءة نقدية متأنية فيكتشف ما بين سطوره من تناقضات ومصالح ودوافع.

ومن هنا، فإن إعادة نشر رواية قديمة لا تُعد إنجازًا معرفيًا بحد ذاتها. الإنجاز هو أن تفحص الرواية، وتكشف مصدرها، وتحدد درجة موثوقيتها، ثم تضعها أمام القارئ في إطارها الصحيح. أما أن تعيد تدويرها وتمنحها عنوانًا صادمًا، فأنت لم تضف إلى المعرفة شيئًا، بل ربما أضفت إلى التضليل جمهورًا جديدًا.

 

حرية التعبير ليست حرية اختلاق الوقائع ... إن حرية التعبير حق لا ينبغي أن يخضع لأهواء الأشخاص أو المؤسسات، ولكن الحرية لا تعني أن تصبح الادعاءات حقائق بمجرد نشرها، ولا أن يتحول النقد إلى حصانة تحمي الكاتب من مساءلة ما يقدمه من معلومات.

فالكاتب الذي يطالب بحقه في التعبير مطالب أيضًا باحترام عقل القارئ. ومن يطالب الآخرين بتقبل رأيه، عليه أن يقبل مساءلة مصادره. ومن يرفع شعار كشف المستور، ينبغي أن يكون أول من يخضع لما يكشفه من معلومات للفحص والتحقق.

وليس كل من خالفنا خصمًا للحقيقة، كما أن ليس كل من وافقنا شاهدًا عليها. إن أخطر ما يصيب الثقافة أن تنقسم العقول إلى معسكرات لا تبحث عن الصواب، بل تبحث عما يثبت أنها كانت على صواب منذ البداية.

وهذا ما يجعل بعض الكتابات أشبه بالمرافعات المغلقة؛ فهي لا تطرح سؤالًا لتبحث عن إجابته، وإنما تصوغ السؤال بطريقة تجعل الإجابة محسومة قبل بدء النقاش. وعندها لا يعود القارئ شريكًا في التفكير، بل يتحول إلى متلقٍ مطلوب منه أن يصفق للحكم النهائي.

 

من يطعن في الآخرين ماذا يملك من دليل؟ ... إنني أعتبر هذه النوعية من الكتابات إفلاسًا فكريًا عندما تستبدل الحجة بالإهانة، والدليل بالتكرار، والبحث بالتشهير. فالكاتب الذي لا يجد ما يناقش به خصمه، ثم يلجأ إلى اتهامات تمس نسبه أو شرفه من دون دليل موثوق، إنما يكشف عن أزمة في أدواته قبل أن يكشف عن أي شيء يتعلق بالشخص الذي يهاجمه.

وهنا تنطبق الحكمة الشعبية: «إن كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة». فليس المقصود أن نسكت عن أخطاء الآخرين خوفًا من أخطائنا، بل أن نراجع معاييرنا قبل أن نستخدمها في محاكمة الناس. ومن يطالب بالعدل عليه أن يقبل تطبيق المعيار ذاته على نفسه وعلى من يوافقه، لا أن يجعل النقد سلاحًا باتجاه واحد.

ولو أراد الطرف الآخر أن يرد على الاتهامات باتهامات مماثلة، لما انتهى هذا النوع من الخصومات؛ إذ يستطيع كل فريق أن يجمع ما يشاء من روايات متفرقة، ثم يصنع منها صورة مشوهة عن خصمه. ولكن هل تكون النتيجة كشفًا للحقيقة، أم سباقًا في صناعة الأكاذيب؟

إن المجتمع الذي يسمح للكلمة بأن تتحول إلى حكم نهائي من دون دليل، يفتح الباب أمام كل من يريد أن يصفي حساباته مع الآخرين باسم التاريخ أو الدين أو الثقافة. وعندها يصبح القلم أداة لتوزيع الاتهامات بدلًا من أن يكون وسيلة لتنوير العقول.

العظمة لا تثبت النسب، والاتهام لا يثبت الحقيقة ... إن الرجال الذين تناولهم المقال المتداول لا يمكن الحكم عليهم جميعًا بحكم واحد، كما لا يمكن أن نثبت صحة أنسابهم أو ننفيها من خلال مناصبهم أو بطولاتهم أو شهرتهم. فلكل شخصية تاريخها، ولكل واقعة مصادرها، ولكل ادعاء ما يلزم لإثباته.

لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن الطعن في أمهات الشخصيات لا يقدم تفسيرًا علميًا لإنجازاتها، ولا يفسر أسباب صعودها، ولا يكشف حقيقة مواقفها. إنه ينقل النقاش من الأفعال إلى الأنساب، ومن تحليل التاريخ إلى استثارة الغرائز الاجتماعية.

والإنسان قد يرث ظروفًا اجتماعية معينة، لكنه لا يرث بالضرورة موقفًا أخلاقيًا محددًا، كما أن المكانة العائلية لا تضمن الفضيلة، والفقر أو اضطراب النسب لا يفرضان الرذيلة. إنما تُقاس قيمة الإنسان بما يفعله، وبما يتحمله من مسؤولية، وبما يتركه من أثر.

ولهذا فإن القول إن النساء اللاتي أنجبن رجالًا عظماء لا يمكن أن يكنّ بالصفات التي نُسبت إليهن يحتاج هو الآخر إلى ضبط منطقي؛ فالأفعال العظيمة للأبناء ليست دليلًا قاطعًا على كل تفاصيل حياة أمهاتهم، كما أن الاتهامات الموجهة إلى الأمهات لا تُبطل إنجازات الأبناء. والحكم العادل لا يخلط بين هذه المستويات، بل يضع كل مسألة أمام دليلها الخاص.

إنني لا أحتاج إلى إثبات فضيلة شخص من خلال نسبه، ولا إلى إثبات خطأ خصمه من خلال اتهام أمه. يكفيني أن أطالب كل من يكتب في التاريخ بأن يقدم ما لديه من أدلة، وأن يتحمل مسؤولية ما ينشره، وأن يدرك أن إثارة الجدل ليست إنجازًا معرفيًا ما لم تقترن بالحقيقة.

 

الدين وهيبة الحقيقة ... وللتوضيح، فإن الدفاع عن الدين ورجاله لا يكون بتعطيل العقل، كما أن نقد الروايات المتعلقة بتاريخ الدين لا يعني بالضرورة الطعن في الدين نفسه. فهناك فرق بين من يناقش رواية تاريخية وفق قواعد البحث، وبين من يتعمد تحريفها أو توظيفها للإساءة إلى معتقدات الناس.

إن الخلط بين الأمرين يضر بالحقيقة من جهتين؛ فهو يمنح بعض الادعاءات حصانة لا تستحقها، ويفتح المجال في الوقت نفسه أمام من يريد استغلال الأخطاء أو الروايات الضعيفة للطعن في منظومة كاملة. أما المنهج الرصين فيفصل بين النص والرواية، وبين الرواية وتفسيرها، وبين الوقائع التاريخية والمواقف العقائدية التي تُبنى عليها.

وإذا كان المرء يؤمن بأن الدين يقوم على الحق والعدل، فعليه أن يجعل هاتين القيمتين أساسًا في تعامله مع التاريخ، لا أن يكتفي برفض ما يسيء إليه وقبول ما يوافقه من دون تمحيص. فالحقيقة لا تحتاج إلى أكاذيب تحرسها، والعدل لا يحتاج إلى ظلم الآخرين حتى يثبت وجوده.

وهنا تكمن مسؤولية الكاتب؛ فهو لا يكتب لنفسه وحدها، بل يشارك في تشكيل وعي القارئ، وقد تتحول كلماته إلى قناعة عامة تتناقلها الأجيال. ولهذا فإن التهاون في نقل الأخبار التاريخية ليس خطأً بسيطًا دائمًا، بل قد يكون مدخلًا لتشويه الذاكرة الجماعية وإدامة الخصومات التي كان يفترض بالثقافة أن تساعد على تجاوزها.

 

الخلاصة ... يبقى السؤال الذي أوجهه إلى ناشر المقال، وإلى كل من يعتقد أن إعادة نشر الاتهامات تكفي لإثباتها: ما المصدر الذي تعتمد عليه؟ وما معيارك في قبول الرواية أو رفضها؟ وهل ستقبل المعيار ذاته عندما يستخدمه شخص آخر ضد من تؤمن بهم أو تدافع عنهم؟

إن هذا هو الاختبار الحقيقي للكاتب، لا قدرته على اختيار عنوان مثير، ولا مهارته في جمع العبارات التي تستفز الجمهور. فالكاتب الذي يمتلك حجة لا يخشى السؤال عن مصدرها، والباحث الذي يثق بمنهجه لا يهرب من النقد، أما من يكتفي بتكرار الاتهام، فإنه يراهن على أن يسبق انفعال القارئ تفكيره.

إن التاريخ ليس ملكًا لطائفة، ولا حكرًا على عقيدة، ولا ساحة مباحة لتصفية الحسابات الشخصية. إنه ذاكرة البشر، وما يُكتب عنه ينبغي أن يخضع لمعيار الدليل، لا لمعيار الخصومة. ومن حقنا أن نختلف في تفسير الوقائع، لكن ليس من حقنا أن نصنع الوقائع على مقاس اختلافاتنا.

وأقولها بوضوح: إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب ليس أن يخطئ في معلومة، فالخطأ قابل للتصحيح، وإنما أن يتعامل مع الخطأ بوصفه حقيقة بعد أن يُكشف له، وأن يجعل من قلمه وسيلة لتضليل الآخرين بدلًا من مساعدتهم على الفهم.

أما السؤال الأخير، فهو ليس عن أنساب الرجال الذين وردت أسماؤهم في المقال، وإنما عن أنساب الروايات نفسها: من أين جاءت؟ ومن نقلها؟ وما الذي يثبت صحتها؟ ومن المستفيد من إعادة نشرها بهذه الصورة؟

فإذا كان الكاتب يطالبنا بأن نصدق ما يكتبه عن التاريخ، فعليه أولًا أن يثبت أنه احترم التاريخ عندما كتب عنه.

 

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

مقال

 

من فضائل أخلاق العرب ( المروءة )

تحت عنوان

المطعم بن عدي والبرجمي نموذجًا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما يتحدثون اليوم بما يعيب العرب، ويعود هذا، في الغالب، إلى أسباب تتعلق باختلاف العرق، وإلى القصور الذهني وضعف الوعي في التعامل مع قضية المختلف. وقد يظن الكثيرون أن ما سيرد في هذه السطور نوع من التطبيل للعرق الذي أنتمي إليه، ولكن المسألة أكبر من هذا بكثير؛ فالعرب ليسوا مجرد قبائل بدائية كما يروّج عنهم البعض، بل هم مجاميع بشرية تميّزت، على مر التاريخ والحقب الزمنية، بجملة من القيم والأخلاق التي شكّلت جانبًا من هويتها الحضارية. والأخلاق هنا مصطلح شمولي يضم جوانب كثيرة، سنتحدث عن واحد منها، وهو (المروءة).

وهنا لا بد أن نميّز بين من يتحدث عن الأخلاق بوصفها مفردات جميلة يتداولها في المجالس، وبين من يحملها سلوكًا يظهر عند الاختبار الحقيقي؛ فالأخلاق لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، وإنما بما يفعله عندما تتعارض مصلحته مع مصلحة الآخرين. والمروءة تحديدًا لا تحتاج إلى منصة خطابية كي تثبت حضورها، بل تحتاج إلى موقف يكون فيه الإنسان قادرًا على اختيار مصلحته، ثم يقرّر، رغم قدرته، ألّا يتخلّى عن إنسانيته. وهنا تكمن المسألة التي يغفل عنها كثيرون: ليس كل من امتلك القوة امتلك المروءة، وليس كل من امتلك المال أو السلطة أو المكانة الاجتماعية أهلًا لأن يكون قدوة لغيره.

ومنذ زمن طويل قلتها وكتبتها: إن الانتصارات التي حققها الإسلام لم تكن بالسيوف وحدها، بل أسهمت الأخلاق في تشكيل جانب مهم من قوته الحضارية. ففي القتال كنا نملك سيوفًا، وهم كذلك، وكنا نملك رجالًا، وهم كذلك، ولكن السؤال الذي أطرحه هنا: ماذا كان يميّز الإنسان عن الآخر عندما تتساوى أدوات القوة؟ إن المعركة الحقيقية لا تبدأ عندما تتقابل السيوف، بل عندما يقرّر الإنسان أيّ حدود لنفسه لا يتجاوزها حتى في أشد لحظات الصراع. فالسيف يستطيع أن يحسم مواجهة، ولكنه لا يستطيع وحده أن يصنع قيمة حضارية، والقوة قد تفرض الخضوع، لكنها لا تضمن الاحترام. أما الأخلاق فهي التي تمنح النصر معناه، وتمنع المنتصر من التحوّل إلى نسخة أخرى من خصمه.

ولهذا فإن الحديث عن انتصارات العرب لا ينبغي أن يُختزل في عدد المعارك أو اتساع الرقعة الجغرافية، بل يجب أن يمتد إلى منظومة القيم التي وجّهت السلوك، وإلى قدرة الإنسان على الجمع بين الشجاعة وضبط النفس، وبين القوة واحترام الحدود الأخلاقية. فليس كل منتصر صاحب مجد، كما أن ليس كل مهزوم فاقدًا للقيمة. وبعد مجيء الإسلام، صُقِل ذلك الخُلُق، واكتسبت القيم الأخلاقية إطارًا دينيًا يوجّه السلوك ويعزّز معاني الرحمة والعدل والوفاء.

 

المطعم بن عدي... وهنا يكون المثل الشعبي نوعًا من الشواهد التي قد تعزّز فكرة المقال، ومفاده: «إن كذبة أبعد شاهدك». وشاهدي في هذه الفقرة رجل لم يدخل الإسلام، رغم أنه عاصر النبوة، وهو المطعم بن عدي، أحد سادة قريش، الذي ارتبط اسمه بمواقف لها دلالتها في تاريخ الدعوة الإسلامية. ولا يهمّني هنا استعراض نسبه ومكانته بقدر ما يهمّني الموقف الذي يجسّد قضية المروءة؛ فالقصة ليست في الاسم أو النسب، وإنما في الفعل الذي يبقى شاهدًا على صاحبه.

لقد ارتبط اسم المطعم بن عدي بموقفه من نقض صحيفة المقاطعة التي فُرضت على بني هاشم وبني المطلب، وما ترتّب عليها من حصار ومعاناة. وهنا يستحق الموقف أن نتوقف عنده؛ فالمروءة قد تظهر أحيانًا في اللحظة التي تتعارض فيها الأعراف السائدة مع صوت الضمير. فالإنسان الذي يرفض تجويع الضعفاء لا يحتاج إلى أن يكون موافقًا لهم في العقيدة أو الرأي حتى يعترف بحقهم في الحياة والكرامة.

وهنا تتجلّى قيمة الموقف التاريخي؛ لأن الاختلاف لم يمنع صاحبه من اتخاذ موقف أخلاقي، ولأن الانتماء لم يكن، في تلك اللحظة، مبررًا للتخلّي عن المبادئ. ولو تأملنا هذه المسألة بعيدًا عن العاطفة، لوجدنا أن المجتمعات لا تُختبر في مقدار ما تمنحه لأبنائها الأقوياء، وإنما في مقدار ما تحمي به الضعفاء عندما يصبح الدفاع عنهم مكلفًا. فهل نحتاج إلى أن نتفق مع الإنسان كي نعترف بحقه، أم أن المروءة تبدأ عندما نحترم حقه رغم اختلافنا معه؟

ولا يقولنّ أحدكم إن ما دفع المطعم بن عدي إلى مواقفه هو صلة القرابة وحدها؛ لأن القرابة، لو كانت العامل الوحيد الذي يحكم المواقف، لما أمكن تفسير اختلاف سلوك الأشخاص الذين تجمعهم روابط النسب نفسها. ويكفي أن نتأمل موقف أبي لهب، عمّ الرسول ﷺ، لندرك أن القرابة وحدها لا تصنع موقفًا أخلاقيًا، وأن الإنسان قد يكون قريبًا في النسب، بعيدًا في الموقف.

وهنا أصل إلى الفكرة التي أريدها: إن الأخلاق لا تُختزل في النسب، ولا تُمنح بالوراثة وحدها، ولا يكفي الانتساب إلى جماعة ما لإثبات امتلاك قيمها. وإنما تتجلى الأخلاق في المواقف التي يختارها الإنسان، وفي الحدود التي يضعها لنفسه عندما يكون قادرًا على تجاوزها. ولمن لا يعلم، فإن هناك تأكيدًا نبويًا على مركزية الأخلاق في الرسالة، في قوله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وهذا المعنى يضع أمامنا مسؤولية فهم الأخلاق بوصفها ممارسة، لا مجرد شعار نتغنّى به.

 

وهذا ما جاء في ذكر سادتنا، ولكن هل تعلم أن بعض الروايات تنسب إلى اللصوص والشطّار والعيّارين وصايا ومواقف تتصل بالأخلاق أيضًا؟ ولهذا سأقدّم نموذجًا آخر، مختلفًا في مكانته الاجتماعية عن النموذج الأول، لكنه يفتح أمامنا بابًا للتأمل في طبيعة المروءة.

 

البرجمي... يُذكر البرجمي في الحكايات والروايات المتصلة بالشطّار والعيّارين في بغداد، وتُنسب إليه وصايا تتعلق ببعض الحدود التي ينبغي ألّا يتجاوزها أصحاب تلك الفئة. وعندما اقتربت منه المنيّة، تروي بعض الأخبار أن له وصايا تدل على المروءة، ومنها:

* عدم الاعتداء على المرأة.

* عدم التعرّض لمن يستأمنهم.

* عدم نهب أموال الفقراء، وتوجيه العمل إلى أصحاب الأموال الطائلة.

وهنا، لا أُجمّل قبحًا، معاذ الله، ولكن الشيء بالشيء يُذكر. فليس الغرض من استحضار هذه الرواية تحويل اللص إلى بطل أخلاقي، أو منح السلوك المرفوض غطاءً من التبرير، وإنما الوقوف عند المفارقة التي تكشفها الرواية إن صحّت؛ وهي أن بعض الحدود الأخلاقية قد تبقى حاضرة حتى في بيئات تتعارض أفعال أصحابها مع القانون والأعراف السائدة.

إن الإنسان ليس كتلة واحدة من الفضائل والرذائل، وقد تجتمع فيه خصال متناقضة، وهذا لا يبرّر الخطأ ولا يمنح صاحبه صكًّا بالغفران، لكنه يفرض علينا ألّا نحاكم الوقائع بمنطق التعميم الأعمى. فالمروءة لا تمحو الجريمة، كما أن الجريمة لا تجعل كل قول يصدر عن صاحبها باطلًا بالضرورة. وبين الأمرين مساحة من التفكير تستحق أن نتوقف عندها، بدل أن نكتفي بإصدار الأحكام التي لا ترى من الإنسان إلا جانبًا واحدًا.

وكل ما ورد على لسان سيد الشطّار والعيّارين، إذا ثبتت نسبته إليه، يحمل دلالة تستحق البحث في مفهوم الأخلاق وحدود حضورها في المجتمع. فعندما يتساوى في خُلُق محدد سيد قومه ورجل مذموم السلوك، فإن الأمر يستحق الوقوف عنده وإعادة قراءة تلك الأفعال والأقوال، لا من أجل المساواة بين الشخصيتين، بل لمعرفة ما الذي يجعل قيمة أخلاقية معينة حاضرة في شخصيات تختلف في المكانة والسمعة والسلوك العام.

 

المضمون ... إن اختياري لشخصيتين مختلفتين في المكانة الاجتماعية ليس من أجل وضع الصالح والطالح في كفّة واحدة، بل للإشارة إلى أن القيمة الأخلاقية لا تُقاس باللقب الذي يحمله الإنسان. فقد يكون المرء سيدًا في قومه، لكنه صغير في موقفه، وقد يصدر عن شخص مرفوض اجتماعيًا قول يكشف إدراكًا لحدّ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الشخصيتين نفسيهما: هل نحكم على الناس بما يملكون من ألقاب، أم بما تكشفه مواقفهم؟

إن الألقاب قد تصنع الهيبة، والأموال قد تصنع النفوذ، والسلطة قد تفرض الطاعة، لكن أيًّا منها لا يستطيع أن يمنح الإنسان قيمة أخلاقية لا يمتلكها في سلوكه. وهذا هو جوهر المروءة؛ فهي ليست امتيازًا اجتماعيًا يُمنح لفئة دون أخرى، وإنما قيمة يُختبر صدقها في الموقف، وتظهر حقيقتها عندما تتعارض مع المصلحة الشخصية.

وهنا تكمن إجابة كثير من الأسئلة التي قد ترد في ذهن القارئ عند قراءة هذه السطور. إن الحديث عن العرب وأخلاقهم لا ينبغي أن يتحوّل إلى ادعاء بأن الفضائل حكر عليهم، بل إلى قراءة لما تركته منظومة القيم في تاريخهم من شواهد تستحق التأمل. فالعرب، كما أراهم في هذا السياق، حملوا إرثًا من المروءة والكرم والوفاء وحماية المستجير، وهي قيم تستحق الاعتزاز حين تتحول إلى أفعال، لا حين تبقى مجرد أوصاف نتداولها في الحديث عن الماضي.

إن الاعتزاز بالهوية لا يعني أن نضعها فوق النقد، ولا أن نحوّل تاريخنا إلى رواية مثالية لا مكان فيها للخطأ. فالهوية التي تخشى مراجعة ماضيها لا تحمي أصالتها، بل تحمي صورتها من الحقيقة. وإذا كنا نعتز بما نراه من مواقف المروءة في تاريخ العرب، فإن هذا الاعتزاز ينبغي أن يدفعنا إلى استعادة تلك القيم في واقعنا، لا الاكتفاء بترديدها في المناسبات.

فما قيمة أن نفتخر بكرم الأجداد إذا كان المحتاج بيننا لا يجد من يسنده؟ وما قيمة أن نتحدث عن حماية المستجير إذا كان صاحب الحق اليوم يبحث عمّن يسمع صوته؟ وما قيمة أن نتغنّى بالوفاء إذا كانت المصالح قادرة على تغيير مواقفنا عند أول اختبار؟ إن التاريخ لا يمنحنا شهادة تفوّق أبدية، بل يضع أمامنا مسؤولية المحافظة على القيم التي نعتز بها. فالأمم لا تعيش على رصيد أمجادها إلى الأبد، وإنما تجدّد مكانتها بما تقدّمه من سلوك ومواقف في حاضرها.

واختياري لشخصيات مختلفة في المكانة والزمن لم يكن أمرًا اعتباطيًا، بل هو محاولة للتأكيد على أن الأخلاق لا تُقرأ من خلال الألقاب وحدها، وإنما من خلال المواقف التي تكشف جوهر الإنسان. وقد استشهدتُ بقول الله تعالى في سورة آل عمران: **﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾**، صدق الله العظيم. وهي آية كريمة تستحق أن نتأمل دلالتها ومسؤوليتها، لا أن نجعلها مجرد عبارة نرفعها لإثبات التفوق من دون النظر إلى ما يترتب عليها من واجبات.

فالانتساب إلى أمة تحمل رسالة أخلاقية لا يعني أن كل فرد فيها يلتزم بتلك الرسالة، بل يعني أن مسؤولية تمثيل قيمها تقع على عاتق أبنائها. والفرق كبير بين أمة تعتز بأخلاقها لأنها تمارسها، وأمة تكتفي بترديد أمجادها لأنها لم تعد تجد في حاضرها ما يكفي لتستند إليه. ومن هنا أرى أن الوفاء الحقيقي للماضي لا يكون بتكرار حكاياته فقط، وإنما بجعلها معيارًا نراجع به أفعالنا ومواقفنا.

أما الحديث عن نقاء الدم العرقي وربطه بالأخلاق، فهما مسألتان مختلفتان؛ إذ لا يكفي الاهتمام بالأنساب لإثبات التفوق الأخلاقي، ولا يمكن أن نعدّ الفضائل حكرًا على عرق دون غيره. إن اهتمام العرب بأنساب الخيول وحفظ سلالاتها جانب من جوانب تراثهم، لكنه لا يثبت وحده تفوقًا عرقيًا أو أخلاقيًا. وما أريد التأكيد عليه هو أن الاعتزاز بالأصل لا يكون بانتقاص الآخرين، وإنما بصيانة ما نراه من قيم أصيلة في تاريخنا، والعمل على إبقائها حيّة في واقعنا.

ولمن لا يعلم، فإن الماضي، مهما كان غنيًا بالشواهد، لا يستطيع أن يضمن المستقبل وحده. وإذا كنا نعتقد أن أرضنا وشعبنا سيبقيان في قلب الأحداث التي تشهدها المنطقة، فإن ذلك ينبغي أن يدفعنا إلى قراءة الواقع بوعي، لا إلى انتظار المستقبل وكأنه قدر يتحقق من دون عمل. فالإيمان بالمستقبل لا يعفينا من مسؤولية صناعته، والاعتزاز بالأرض لا يكفي لحمايتها ما لم تسنده المعرفة والعمل والوعي.

وللتنويه، فإن الحروب التي تدور رحاها في المنطقة تتداخل فيها المصالح والنفوذ والحسابات الدولية، ولا تكفي الشعارات وحدها لتفسير أهدافها. ومن وجهة نظري، فإن من الضروري أن نقرأ أثر هذه الصراعات في مستقبل العرب ومكانتهم، وأن نميّز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها والتفسيرات التي تحتاج إلى أدلة. وإذا كان هناك من يسعى إلى إضعاف العرب أو إخضاع إرادتهم، فإن مواجهة ذلك لا تكون بمجرد إعلان التحدي، بل ببناء الإنسان الواعي القادر على فهم ما يجري، وحماية حقوقه، وصيانة كرامته، وعدم التحول إلى أداة في يد من يستغلون عاطفته وانتماءه.

إن الدفاع عن الكرامة لا يكون بالشعارات فقط، بل ببناء الإنسان الذي يعرف حقوقه ويحترم حقوق غيره، ويمتلك من الوعي ما يمنعه من أن يكون أسيرًا للانفعال أو ضحية للتضليل. فالأوطان لا يحميها الماضي وحده، وإنما يحميها حاضر يمتلك أسبابه، ومستقبل يمتلك شروطه. وإذا كانت المروءة قد ظهرت في مواقف تاريخية تستحق الاستذكار، فإن الاختبار الحقيقي لها هو قدرتنا على ترجمتها إلى سلوك يحمي الإنسان من الظلم، ويمنع القوة من التحول إلى وسيلة للعدوان.

 

الخلاصة... إن العرب أكبر من أن يُختزل تاريخهم في صورة واحدة، كما أن أخلاقهم لا يمكن اختزالها في حكاية أو موقف. وما أردتُ الإشارة إليه في هذا المقال هو أن المروءة قيمة تستحق أن نبحث عن شواهدها، وأن نفهم الظروف التي ظهرت فيها، وأن نعيد قراءتها بعيدًا عن الأحكام الجاهزة. لقد اخترتُ المطعم بن عدي، بما ارتبط باسمه من مواقف، واخترتُ البرجمي، بما يُروى عنه من وصايا، لأضع أمام القارئ شخصيتين مختلفتين في المكانة والسلوك، وأطرح سؤالًا يتجاوزهما معًا: ما الذي يجعل الموقف جديرًا بالبقاء في الذاكرة؟

إن المروءة ليست حكرًا على اسم أو لقب أو نسب، وإنما هي قيمة تظهر في الموقف، ويُختبر صدقها عندما تصبح مكلفة. وإذا كانت شواهد التاريخ تمنحنا أسبابًا للاعتزاز، فإنها تمنحنا أيضًا أسبابًا للمراجعة والتأمل. ولا أجد في ذلك انتقاصًا من العرب أو من تاريخهم، بل أرى أن الاعتزاز الحقيقي هو أن نعرف ما الذي جعل تلك المواقف جديرة بالبقاء في الذاكرة، ثم نسأل أنفسنا: هل ما زلنا نمتلك القدرة على إنتاج مواقف تشبهها؟

إن المروءة التي لا تغادر صفحات الكتب تبقى ذكرى، أما المروءة التي تتحول إلى سلوك في حياة الناس فهي التي تمنح التاريخ معنى، وتجعل الماضي شاهدًا على الحاضر، لا بديلًا عنه. فليس المطلوب أن نكتفي بالقول إن أجدادنا امتلكوا الأخلاق، بل أن نثبت أن القيم التي نعتز بها ما زالت قادرة على الحياة فينا، وأننا لم نحولها إلى حكايات جميلة نستخدمها حين نريد تمجيد الماضي، ثم نتجاهلها عندما يأتي دورنا في الاختبار.

وتبقى الحقيقة التي أريد أن أختم بها أن العلاقة بين العرب والإسلام علاقة تاريخية وحضارية عميقة، أسهم العرب في حمل رسالته ونشره، وأسهم الإسلام في تشكيل جوانب أساسية من ثقافتهم وقيمهم. لكن قيمة هذه العلاقة لا تُقاس بالشعارات، بل بما ينتج عنها من عدل ورحمة ووفاء ومروءة. فالدين الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق لا يُختبر في كثرة ما نتحدث عنه، وإنما في مقدار ما نطبّقه من قيمه.

وتبقى عبارتي الأخيرة: «لا عرب بلا إسلام، ولا إسلام بلا عرب».

الأحد، 11 أكتوبر 2026

مقال

 

جدلية العلاقة التاريخية بين النعال والصرصر وآليات صناعة الثورة

تحت عنوان

هؤلاء هم بصورهم الحقيقية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من مقولة «لكل مقام مقال» ننطلق في اختيار كل ما يناسب من يكون هدفًا لمقالنا هذا أو غيره، ولهذا يجب أن يكون الوصف مقاربًا للواقع؛ فالكلمات ليست مجرد حروف نضعها في جمل، وإنما هي وسيلة للتعبير عن حقيقة قد يعجز البعض عن مواجهتها بأسمائها الصريحة. وعندما يصبح الواقع مشوهًا إلى درجة تفقد فيها المصطلحات قدرتها على وصفه، يصبح من حق الكاتب أن يبحث عن صورة مجازية تقرّب المعنى إلى القارئ، وتجعله يرى ما اعتاد النظر إليه دون أن ينتبه إلى حقيقته. فالكاتب ليس مطالبًا بأن يجمّل القبيح كي يرضى عنه أصحابه، ولا أن يمنح الفاسد لقبًا لا يستحقه خوفًا من ردة فعله؛ لأن قيمة الكلمة تكمن في قدرتها على كشف الحقيقة، لا في قدرتها على إرضاء من يحاولون إخفاءها.

بالأمس القريب، كتبنا موضوعًا عن السيرة الذاتية للنعال، وبعدها كان لنا موضوع عن الصرصر، واليوم سوف نكتب عن جدلية العلاقة التاريخية بينهما وصناعة الثورة. ولعل القارئ يتساءل عن سر هذا الربط الغريب بين كائن صغير وأداة بسيطة وبين مفهوم كبير اسمه الثورة، ولكن المفارقات التي تصنعها الحياة تجعلنا أحيانًا نعيد النظر في الأشياء من زوايا مختلفة؛ فما يبدو صغيرًا في حجمه قد يكون كبيرًا في دلالته، وما يبدو بسيطًا في شكله قد يحمل من المعاني ما تعجز عن حمله الخطب الطويلة والشعارات الرنانة. فالتاريخ لا يُقرأ دائمًا من خلال أسماء الحكام وعدد الجيوش وحجم القصور، بل يمكن أن يُقرأ أيضًا من خلال تلك اللحظة التي يفقد فيها الحاكم هيبته في عيون الناس، ويتحول فيها ما كان يخشاه المواطن إلى شيء لم يعد قادرًا على فرض الخوف عليه. وهنا تبدأ الحكاية، لا من حجم النعال ولا من طبيعة الصرصر، وإنما من العلاقة التي تنشأ بين الفساد والصبر الشعبي وحدود الاحتمال.

وللعودة بالذاكرة إلى ما تناولناه سابقًا، فهناك نقطة يجتمع عندها المصطلحان، وهي القذارة، أجلكم الله. ومن هنا ستكون النقطة التي ننطلق منها لفهم علاقتهما بآليات صناعة الثورة. فالقذارة في هذا السياق ليست مجرد وصف مادي، وإنما هي صورة رمزية لكل ما يتراكم في المجتمع من فساد وانحطاط في القيم وتجاوز على حقوق الآخرين. وحين تصبح القذارة حالة عامة، لا يعود الخلل مقتصرًا على شخص أو مؤسسة، بل يتحول إلى منظومة تحاول حماية نفسها من كل محاولة للتغيير. والمشكلة أن بعض المجتمعات قد تعتاد المشهد إلى درجة يصبح فيها الفساد مألوفًا، ويُنظر إلى النزاهة باعتبارها استثناءً غريبًا، وإلى صاحب المبدأ باعتباره شخصًا لا يفهم طبيعة الحياة. وعند هذه النقطة، لا تكون الخطورة في وجود الفاسدين وحدهم، بل في قدرتهم على جعل المجتمع يتعايش مع فسادهم، حتى يصبح الاعتراض عليهم فعلًا غير مألوف، وكأن النظافة هي التي تحتاج إلى تبرير، لا القذارة.

 

الصرصر حاكمًا... تخيل للحظة أن يحكم عالمك مجموعة من الصراصر، فمن المؤكد أن يكون عالمك مليئًا بالقذارة المتمثلة بالفساد. وهناك مقولة من التراث الشعبي مفادها: «إن الصرصر لا يمكنه العيش في حديقة مليئة بالزهر والرياحين، ولكن لو أخذته إلى المرحاض فسوف ينتعش». وهذه من البديهيات في الحياة، ولهذا لا ترى مكانًا للفاسدين في بيئة سليمة؛ لأنها ليست بيئتهم.

وإذا أسقطنا هذه الصورة على واقع بعض المجتمعات، فسوف نجد أن المشكلة لا تكمن في وجود الصرصر وحده، وإنما في البيئة التي تسمح له بالتكاثر والانتشار. فالفاسد الذي يجد أمامه مؤسسات تحاسبه، وقانونًا لا يميّز بين صاحب المنصب والمواطن البسيط، ومجتمعًا لا يبيع مواقفه مقابل منفعة عابرة، سوف يجد نفسه أمام حدود لا يستطيع تجاوزها بسهولة. أما حين تتحول المناصب إلى امتيازات شخصية، وتصبح العلاقات بديلًا عن الكفاءة، ويُعامل المال العام وكأنه ملك خاص لمن يجلس على كرسي المسؤولية، فإننا لا نكون أمام حالة فساد فردية، بل أمام بيئة تساعد على إنتاج الفساد وإعادة إنتاجه.

والأكثر غرابة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالعيش في تلك البيئة، بل يحاولون إقناع الآخرين بأن ما يفعلونه هو طبيعة الحياة، وأن النزاهة مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وأن من لا يستغل موقعه لمصلحته الشخصية إنما يضيّع فرصة من فرص العمر. وهنا تنقلب المعايير، فيصبح الشريف موضع استغراب، ويصبح الفاسد صاحب خبرة، ويُمنح المتملق صفة الحكمة، بينما يُتهم صاحب الرأي بأنه لا يعرف كيف يتعامل مع الواقع. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، لا تعود المسألة مرتبطة بصرصر واحد، وإنما تصبح قضية مجتمع يحتاج إلى استعادة معاييره قبل أن يبحث عن تغيير وجوهه.

 

النعال قوة ردع شعبية... وهنا يكون من الطبيعي، مع وجود تلك الحشرات، أن تكون لها بعض الحلول، وفي هذه المسألة يكون هناك حل واحد لا غير، وهو «النعال»؛ لأنه بمثابة آخر الحلول لقضايا مستعصية قد تصيب مجتمعًا معينًا. ففي بعض الأحيان، قد تجد نفسك في مفترق الطرق إزاء مسألة معينة، تتطلب انتهاج مبدأ مخل بالذوق العام من ناحية الفطرة الإنسانية.

ولكن دعونا نتوقف قليلًا عند هذه الأداة البسيطة التي لا تمنح صاحبها منصبًا، ولا تحتاج إلى شهادة، ولا تتطلب اجتماعًا رسميًا لاتخاذ قرار استخدامها في الصورة المجازية التي نتحدث عنها. فالنعال هنا ليس مجرد أداة، وإنما هو تعبير عن وصول الأمور إلى مرحلة لا تنفع معها المجاملات، ولا تستطيع الكلمات الناعمة أن تخفي قبح المشهد. إنه رمز للحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن كرامته قد أصبحت موضع استهانة، وأن صبره الذي اعتاد الآخرون تفسيره على أنه ضعف، لم يعد كافيًا لتبرير استمرار التجاوزات.

غير أن الردع الحقيقي لا يُقاس بقوة الضربة، وإنما بقدرة المجتمع على منع تكرار الخطأ. فقد يُسقط الناس شخصًا من موقعه، ولكنهم إذا أبقوا الأبواب التي سمحت له بالفساد مفتوحة، فسوف يجدون أنفسهم أمام نسخة أخرى لا تختلف عنه إلا في الاسم والصورة. ولهذا فإن النعال في معادلتنا ليس نهاية الحكاية، بل هو بداية السؤال الأهم: هل يريد المجتمع التخلص من شخص أساء استخدام السلطة، أم يريد التخلص من المنهج الذي جعل إساءة استخدام السلطة ممكنة أصلًا؟ فالفارق كبير بين غضبة تنتهي بتغيير الوجوه، ووعي يستطيع أن يفرض قواعد تمنع إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.

 

آليات صناعة الثورة... قد يسأل أحدكم: ما الذي يربط الثورة وآلياتها بدورة حياة الصرصر والنعال من ناحية الشكل والمضمون؟ ولكن ما لا يعرفه البعض هو أن الثورات في العصر الحديث، ومن بينها الثورة الفرنسية، تمثل محطات تاريخية ارتبطت باعتراض الشعوب على أنظمة سياسية واجتماعية لم تعد قادرة على تلبية مطالبها. وفي استعارتنا الساخرة، يمكن تشبيه لحظة الانفجار الشعبي بضربة نعال تُوجَّه إلى الصراصر التي ملأت الأرض بالفساد الإداري والمالي. عندها تصبح الثورة، في نظر من وصلوا إلى أقصى درجات الإنهاك، آخر الحلول التي يتصورونها للتخلص من نظام فقدوا الثقة بقدرته على الإصلاح.

لكن صناعة الثورة ليست مسألة غضب مفاجئ كما يتصور البعض، وليست مجرد حكاية تبدأ بصرخة وتنتهي بسقوط حاكم. فالغضب قد يكون موجودًا منذ سنوات، والشكوى قد تتكرر في المجالس والبيوت، والرفض قد يتراكم في النفوس دون أن يجد طريقه إلى الفعل العام. وما يحوّل هذا الغضب إلى حركة تغيير هو اجتماع عوامل متعددة، منها اتساع الشعور بالظلم، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وتراجع الأمل في الإصلاح، وظهور مطالب مشتركة تتجاوز المصالح الفردية. وحين يدرك الناس أن مشكلاتهم ليست حوادث منفصلة، وإنما نتائج لخلل واحد تتكرر آثاره في حياتهم، يبدأ الوعي بالتحول من الشكوى الفردية إلى السؤال الجماعي عن أسباب المشكلة وطرق معالجتها.

ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حين تقترن بأزمة ثقة بين السلطة والمجتمع، قد تتحول إلى منعطفات كبرى. والثورة الفرنسية مثال تاريخي على تداخل عوامل متعددة، من بينها التفاوت الاجتماعي والأزمة المالية والصراع حول الامتيازات والتمثيل السياسي. ولهذا فإن اختزال الثورات في ضربة واحدة، مهما كانت قوة الصورة الساخرة، لا يكشف جميع جوانبها؛ فالضربة التي يراها الناس في لحظة الانفجار سبقتها في العادة سنوات من التراكمات التي لم تجد حلولًا مقنعة.

وهنا تكمن المفارقة التي نريد الوصول إليها: النظام الذي يظن أن الناس مجرد أرقام في سجلاته، وأن صمتهم دليل على رضاهم، قد يكتشف متأخرًا أن المجتمع كان يحمل في داخله أسئلة مؤجلة ومطالب لم تختفِ بمجرد تجاهلها. فالسكوت لا يعني دائمًا القبول، والصبر لا يعني التنازل عن الحقوق، والخوف لا يصنع شرعية دائمة. ومع ذلك، فإن سقوط النظام لا يضمن وحده قيام نظام عادل؛ لأن التغيير الحقيقي لا يكتمل بإزاحة من أخطأ، بل ببناء مؤسسات تحاسب المسؤول، وتحمي الحقوق، وتمنع عودة الاستبداد بأسماء وشعارات جديدة.

 

المشهد العام... انظر حولك وأمعن النظر، وسوف ترى الكثير ممن ينتهجون منهج الصراصر في الحياة العامة؛ فالذي يسرق المال العام، والذي يغامر بمقدرات العامة بسياسة غبية تهدد لقمة عيش المواطن البسيط، والذي يجعل نفسه الخيار الوحيد أمام الرأي العام، والذي يجعل من السلاح منهجًا حياتيًا، والذي يُمعن في قمع الفكر والرأي، والذي يسعى دومًا إلى إسقاط القيم، مثل الوطن، ويستبدلها بقضايا عقائدية بالية، ويجعل منها قاعدة لبناء منهج في إدارة الدولة، يكون صرصرًا بالمعنى الحقيقي.

وإذا أردنا أن نتوسع في قراءة هذا المشهد، فعلينا أن ندرك أن الفساد لا يقتصر على سرقة المال، على الرغم من أن سرقة المال العام واحدة من أكثر صوره وضوحًا وخطورة. فهناك من يسرق حق المواطن في الفرصة، ومن يسرق حقه في التعبير، ومن يسرق عمره في طوابير الانتظار، ومن يسرق ثقته بالمستقبل حتى يصبح عاجزًا عن تصديق أي وعد جديد. وهناك من يتعامل مع الدولة باعتبارها ملكية شخصية، ومع المنصب باعتباره غنيمة، ومع المواطنين باعتبارهم جمهورًا مطلوبًا منه التصفيق لا المحاسبة.

والأخطر من ذلك أن بعض أصحاب النفوذ لا يريدون من المواطن أن يكون شريكًا في بناء الدولة، بل يريدونه تابعًا ينتظر منه المنّة، ويصفق له عند الإنجاز، ويصمت عن الإخفاق. فإذا طالب المواطن بحقه، قيل له إنه لا يعرف الظروف، وإذا انتقد المسؤول، اتُّهم بأنه يسيء إلى الدولة، وإذا طالب بالمحاسبة، عُدّ كلامه خروجًا عن المألوف. وهنا تختلط الدولة بأشخاصها، وتختلط المؤسسات بمصالح من يديرونها، حتى يصبح نقد المسؤول في نظر البعض نقدًا للوطن نفسه، مع أن الوطن أكبر من أي مسؤول، وأبقى من أي حكومة، وأغلى من أن يُختصر في صورة شخص أو جماعة.

أما حين يصبح السلاح وسيلة لفرض الرأي، ويُحاصر الفكر المختلف، وتُستبدل المواطنة بمعايير ضيقة تجعل بعض الناس أقرب إلى الحقوق من غيرهم، فإن المجتمع يكون أمام أزمة تتجاوز الإدارة والسياسة إلى طبيعة العلاقة بين أفراده. فالوطن لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، ولا تُصان وحدته بإسكات الأصوات، ولا تُحمى قيمه بتحويلها إلى شعارات تُستخدم عند الحاجة ثم تُهمل عندما تتعارض مع المصالح. إن قوة الدولة لا تأتي من قدرتها على إسكات الناس، وإنما من قدرتها على إدارة اختلافاتهم في إطار القانون والحقوق المتساوية.

وهنا يوجب أن يكون للنعال دور في الإطاحة بحكم تلك الحشرة وتوابعها التي باتت تسند حكمهم العفن، والتي لا حياة لها إلا وسط القذارة. والمقصود بهذه الصورة الساخرة هو رفض استمرار الفساد ورفض منحه حصانة دائمة، فالمجتمع الذي يكتشف أن صوته لا يُسمع إلا عندما يتحرك للمطالبة بحقوقه، يحتاج إلى وسائل واعية ومنظمة لاستعادة دوره في الرقابة والمحاسبة. فالتغيير لا ينبغي أن يتحول إلى استبدال قوة متسلطة بقوة أخرى، ولا إلى غضبة عابرة تفتح الباب أمام فوضى جديدة، بل يجب أن يكون انتقالًا نحو قانون يحمي الجميع، ومؤسسات لا تخضع لمزاج الأفراد، ومحاسبة لا تتوقف عند حدود الضعفاء.

وهذا لا يعني أن الذي سوف يسقطهم سيكون بالضرورة خيرًا منهم، ولنا تجربة في هذا؛ فكلهم سوف يكونون مساحة تمتد في فكرة ما بين الصرصر والنعال. فقد يرفع القادمون شعارات الإصلاح، ويتحدثون عن العدالة والحقوق، ثم يكتشف الناس بعد مدة أن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في غياب الضوابط التي تمنعهم من تكرار أخطاء من سبقوهم. وقد تتغير الأسماء والصور والألقاب، بينما تبقى الممارسات كما هي، ويظل المواطن يدفع الثمن ذاته، وإن اختلفت الكلمات التي تُقدَّم له لتبريرها.

ومن هنا، فإن الوعي الشعبي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: مَن الذي يجب أن يرحل؟ بل عليه أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي يجب أن يتغير حتى لا يعود المشهد نفسه؟ فالثورة التي لا تحمل تصورًا واضحًا للعدالة والمحاسبة وحماية الحقوق قد تفتح أبوابًا لا يعرف المجتمع كيف يغلقها، أما التغيير الذي يستند إلى وعي ومؤسسات وقواعد قانونية، فيمنح المجتمع فرصة لبناء واقع مختلف، بدل الدوران في حلقة تبدأ بالرفض وتنتهي بخيبة جديدة.

 

حتمية ثورة النعل على الصراصر... في الحياة، كثيرًا ما يصل الأمر إلى درجة لا يمكن السكوت عنها، ولهذا تصبح آليات الثورة ضرورة لا بد منها عندما تُغلق أبواب الإصلاح وتستمر الانتهاكات ويشعر الناس بأن حقوقهم لم تعد تجد من يحميها. وبما أن لكل مقام مقالًا، فمن الطبيعي أن تتسم الثورة بالنعل على الصراصر الحاكمة في صورتنا المجازية؛ فمن غير المعقول أن تُحدّث غير العاقل بما يعقل. ولهذا، عندما يُكتب عنهم وعن منهجيتهم، يجب أن تختار الوصف الصحيح لهم، وليس في هذا ما يعيب النصوص النقدية التي ترصد القضايا المشينة في حكم الصراصر.

ولكن حتمية التغيير لا تعني أن كل انفجار شعبي يؤدي بالضرورة إلى نتيجة عادلة، ولا أن كل من يرفع شعار الثورة يمتلك مشروعًا قادرًا على بناء الدولة. فالتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات قد تنجح في التخلص من واقع ترفضه، ثم تواجه صعوبة في الاتفاق على البديل الذي تريده. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق لحظة الغضب، أو يرافقها، هو: ماذا نريد بعد التغيير؟ وهل نمتلك من الوعي والمؤسسات والضمانات ما يمنع عودة الأخطاء نفسها؟ لأن إسقاط الأشخاص قد يكون حدثًا سريعًا، أما بناء دولة عادلة فهو عمل طويل يحتاج إلى ثقافة عامة تؤمن بأن القانون فوق الجميع، وأن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس تابعًا لأحد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول رفضه للظلم إلى رغبة في الانتقام، وأن يستبدل معيار العدالة بمعيار التشفي، فيصبح هدفه رؤية خصمه يسقط، دون أن يسأل عن مصير الحقوق التي ضاعت، أو عن الضمانات التي تمنع تكرار التجربة. فالمجتمع الذي يريد أن يتخلص من الصراصر لا ينبغي أن يسمح للنعال بأن يتحول إلى حاكم جديد، لأن الأداة التي تُستخدم في استعارتنا لمواجهة القذارة لا تصلح وحدها لبناء حديقة نظيفة. وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها: ليس كل من أسقط فاسدًا قادرًا على بناء مجتمع صالح، وليس كل من رفع شعار التغيير مؤهلًا لحماية نتائجه.

 

الخلاصة ... التي نريد الوصول إليها أن الصرصر والنعال ليسا مجرد مفردتين في مقال ساخر، بل صورتان لعلاقة متوترة بين الفساد ورد الفعل عليه؛ الأولى تمثل، في سياقنا المجازي، سلوكًا يقتات على البيئة الفاسدة، والثانية تمثل رد الفعل الذي يظهر عندما يصل المجتمع إلى حدود احتماله. لكن بين الصورتين مساحة واسعة يجب ألا نهملها، وهي مساحة الوعي الذي يحدد شكل التغيير ونتائجه. فالمجتمع الذي يكتفي بالغضب قد يغيّر الوجوه، أما المجتمع الذي يفهم أسباب الخلل فيستطيع أن يعمل على تغيير القواعد التي سمحت به.

ولهذا، فإننا حين نكتب عن الصراصر، لا نكتب عن حشرات في عالم الطبيعة، بل عن سلوكيات نرفضها في عالم البشر، وحين نستحضر النعال، فإننا نستخدم صورة ساخرة للتعبير عن رفض الخضوع الدائم للفساد. فالكاتب الذي يحترم كلمته لا يحتاج إلى تجميل القبيح، ولا إلى منح الفساد أسماء براقة، ولكنه يحتاج أيضًا إلى أن يجعل من نقده بابًا للتفكير، لا مجرد صرخة تضيع في ضجيج الحياة.

وفي النهاية، تبقى القاعدة التي ننطلق منها حاضرة: لكل مقام مقال، ولكل واقع وصف يقترب من حقيقته، ولكل مجتمع الحق في أن يرفض الفساد ويطالب بالمحاسبة. أما الانتصار الحقيقي، فلا يكون بمجرد سقوط الصرصر، وإنما في اليوم الذي لا يجد فيه صرصر آخر البيئة المناسبة للعيش والتكاثر، ولا يجد فيه الفاسد بابًا مفتوحًا يعود منه إلى الموقع الذي أُخرج منه، لأن المجتمع يكون قد تعلّم كيف يحمي نفسه بالقانون والوعي والمحاسبة، لا بالغضب وحده.

مقال

  البهائم في المجتمع تحت عنوان صور من حياتنا اليومية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين لتكن البداية من حكاية كان يرويها أبي رحم...