الحرب الدائرة وجدلية الوهم والانتصار
تحت عنوان
قراءة أرض الواقع
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
استيقظنا هذا الصباح على بيانات النصر لكلِّ الطرفين،
وهناك بعض الاحتفالات، ولكن في جملة الصور الإخبارية التي شاهدتها اليوم كانت لتلك
الطفلتين في إقليم كردستان العراق، وهنَّ يقفن وسط الجمع المُشيِّع لوالديهن، وحين
سأل الصحفي إحداهن: ماذا تريدين؟ قالت: (أريد والدي). وهذه تُعدُّ إحدى صور النصر
لأحد الطرفين أو كليهما، وإذا ما كانت تلك صورة من آلاف الصور التي خلّفتها الحرب،
عندها يجب القول: لعنكم الله ولعن نصركم، وهذا يشمل جميع الأطراف المتحاربة، ولهذا
يُفرض علينا استعراض صور الانتصار هنا وهناك.
الحرب لم تنتهِ بعد... فبعد ليلة أمس المليئة بالتصعيد
المسعور من الطرفين، التي حبست الأنفاس في مشارق الأرض ومغاربها، لنتفاجأ باستحداث
اتفاق أثبت هشاشته بعد ساعات قليلة من خلال صور الدمار التي رُسمت على الأراضي
اللبنانية، وما يدفعني إلى كتابة جملة (إن الحرب لم تنتهِ بعد) هو أن قرارًا مثل
هذا، مع أطرافٍ متحاربة كهؤلاء، تكون نهايته بزوال أحدهما أو كليهما، ولكن هذا لم
يحصل، لأن الطرفين دخلا الحرب بسبب أطماع الهيمنة، وهذه تُعدُّ النقطة الوحيدة
التي تثبت أن الحرب لم تنتهِ بعد.
وهم الانتصار... وهنا سوف نستعرض بعض أوجه النصر لكليهما، ولنبدأ
بالولايات المتحدة الأمريكية، وكما أعلنت أنها انتصرت، وإذا ما عدنا إلى الأسباب
التي نشبت على أساسها الحرب، لم يتم تحقيق نقطة واحدة مما ادّعت، فالنظام ما زال
قائمًا، والمواد النووية ما زالت تحتضنها الأرض الإيرانية، والقوى الصاروخية لم
تُنفذ بعد. وهذا من الطرف الأول، فهل الانتصار يكمن في حجم الدمار الذي خلّفه على
الأرض؟ وماذا عن الذين قُتلوا في بقاع الأرض هنا وهناك؟
وهناك نقطة مهمة برزت اليوم تكسر نظرية الانتصار
المزعوم، وهي الاستهداف العلني للوكلاء الذين وقفوا إلى جوار النظام الإيراني،
وهذا يدل على أنهم وافقوا على نقطة التخلي عن أذرعهم في المنطقة، وقد كانت نقطة
خلافية كما كانوا يدّعون، وهذا باعتراف الرئيس ترامب عندما قال إن الفصائل في
لبنان ليست ضمن الاتفاق المبرم. وهنا يبرز أهم سؤال يتردد الآن في ذهن القارئ:
لماذا لم تُعلن بنود الاتفاق ليتسنى لنا معرفة المنتصر؟ وبهذا يكون الحديث عن
الانتصار مجرد وهم رُسم في أذهان الفرق المتناحرة، ولهذا تُلعن الحرب في كل
الأزمنة وتحت أي شعار يُعلن.
موقف العرب مما يجري... ويُعدّون الطرف الوحيد الذي ليس له في هذه الحرب لا ناقة
ولا جمل، وهذا ما جعل منها صورة من التراث الشعبي الذي مفاده: (ترك الحمار وراح
يمسك بالبردعة)، والبردعة هنا هي العرب، وهي غطاء الحمار، فكلا الطرفين تعاملا مع
العرب بهذا المفهوم، ولهذا يُعدّون الخاسر الأكبر في هذه المعركة من المضامين
الاقتصادية والحياتية، وهذا بسبب مفهوم التبعية لدى جميع العرب، من المؤيدين
للطرفين. ومن الصورة اللبنانية نجد أن النظام الإيراني تعامل مع العرب بالمفهوم
الشعبي: (إذا ما جاءك الطوفان فضع ابنك تحت قدمك)، وللأسف هذه هي الحقيقة.
المضمون ... أيُّ نصرٍ هذا الذي يمرُّ فوق جسد الأب
ويُترك الطفل وحيدًا في مواجهة الفراغ؟ هذا ليس نصرًا، بل سقوطٌ أخلاقي كامل لا
يمكن تغطيته بأي بيان أو خطاب. فالحروب التي تُشعل من أجل الهيمنة لا تُطفأ
بتوقيعٍ ولا تُختصر باتفاق، لأنها منذ البداية لم تُخلق لتنتهي، بل لتستمر بأشكالٍ
مختلفة، وكل هدنةٍ لا تقتلع جذور الصراع ليست سوى استراحةٍ لالتقاط الأنفاس قبل
جولة دمٍ جديدة. أما البيانات التي تُعلن هنا وهناك فهي لا تصنع نصرًا بقدر ما
تصنع كذبةً كبيرة قابلة للتصديق، لأن الحقيقة البسيطة تبقى قائمة: عندما يبقى
الخصم واقفًا كما هو، فلا حديث عن نصر، بل عن وهمٍ مُعلن يُسوَّق للجماهير.
فالدمار الذي يُقدَّم على أنه إنجاز ليس قوة، بل قد يكون
في كثيرٍ من الأحيان اعترافًا بالعجز عن الحسم، والحليف في زمن المصالح لا يعدو
كونه ورقةً مؤجلة للبيع عند أول طاولة تفاوض، حيث تُدار الصفقات بعيدًا عن
الشعارات، ويُخفى ما هو أخطر مما يُعلن، لأن ما لا يُقال في الاتفاق هو الحقيقة،
وما يُقال ليس سوى ديكورٍ لتجميل المشهد. وعندما تُخلع الأخلاق من السياسة، تتحول
الحرب إلى تجارة خسائر، ويصبح الإنسان رقمًا في معادلة لا تعترف به، وحينها لا
يعود للحديث عن الشرف أو القيم أي معنى.
وفي هذا المشهد، من لا يملك قراره لا يملك حتى حق
الخسارة بكرامة، لأن التبعية لا تحمي أحدًا، بل تؤجل لحظة إدراكه أنه كان الخاسر
منذ البداية، أما الوقوف على الهامش فليس نجاة، بل انتظارٌ بارد للدور القادم.
فالشعارات الكبيرة التي تُرفع في وجه العالم غالبًا ما تُبنى فوق ظهور من لا صوت
لهم، وحين يتحول الإنسان إلى وسيلة، تسقط كل الأقنعة دفعةً واحدة، وتظهر الحقيقة
كما هي: أن الحرب لا تُلعن فقط لأنها قاسية، بل لأنها تقنع الجميع أنهم على حق،
وهم في الحقيقة يغرقون في القذارة ذاتها.
الخلاصة ... لا
أحد منتصر هنا، مهما ارتفعت الأصوات وتضخّمت البيانات. أنتم لا تكتبون تاريخًا،
أنتم تكتبون عارًا يُتلى على ألسنة الأجيال القادمة. كلُّ رصاصة أُطلقت، وكلُّ
بيتٍ تهدّم، وكلُّ طفلٍ بكى… هو شهادة إدانة عليكم جميعًا دون استثناء. لا تختبئوا
خلف راياتٍ ولا شعارات، فالحقيقة أبسط وأقسى: أنتم خسرتم إنسانيتكم قبل أن تربحوا
معارككم.
تتحدثون عن النصر وكأن الأرض لم تمتلئ بجثث الأبرياء،
وكأن السماء لم تختنق بدخان أفعالكم، وكأن الأمهات لم يُدفنّ وهنّ أحياء. أيُّ
نصرٍ هذا الذي يحتاج إلى كل هذا الخراب ليُثبت نفسه؟ وأيُّ مجدٍ هذا الذي لا يقوم
إلا فوق جماجم من لا علاقة لهم بحروبكم؟ أنتم لا تنتصرون… أنتم فقط تتفننون في
صناعة الهزيمة بأسماء مختلفة.
وإن كان لا بد من كلمة أخيرة… فهي ليست لكم، بل للتاريخ
الذي لن يرحم أحدًا منكم: لعن الله حربكم، ولعن أوهامكم، ولعن انتصاراتكم التي لا
تشبه إلا وجوهكم حين تسقط عنها كل الأقنعة.






