السيرة الذاتية للنعال
تحت عنوان
كلمات لا يجرؤ
أحد على كتابتها
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
ماذا لو تكلّم النعال، وماذا سوف يقول؟
وُلدتُ، لمن لا يعرف، كأيٍّ من الاختراعات في الحياة
البشرية، وقد أكون من أوائل الاختراعات التي كان سببها الحاجة، وكما يقال في
الأثر: **«الحاجة أم الاختراع»**. وكانت وظيفتي منذ ذلك الوقت هي حماية القدم من
المؤثرات الخارجية، فكانت ولادتي يوم أدرك البشر أن أقدامهم أضعف من الطريق. وكانت
البداية قطعة جلد تُربط بالحبال، قبل أن تكون لي ماركات أو ألوان.
فأنا أول من قدّم خدمة الحماية للإنسان، فعُمري اليوم
أقدم من مناصبكم أو ألقابكم، ويبدو أنني الاختراع الوحيد الذي كان وجوده قبل أن
يأخذني البعض إلى دائرة المظاهر والشكليات.
الجميع مدين لي بالاعتذار... هل تعلم أنني الوحيد الذي
يشتغل طول اليوم بلا راتب، وإذا تمزقتُ قالوا: انتهت صلاحيتك؟ وهذا ما يُدخل
الكثير من البشر في حيّز نكران الجميل. وأنا اليوم لست هنا لأعتذر عن وظيفتي
ومسألة التحقير بي، وأكثر ما يؤلمني أنهم يتخذون من اسمي شتيمة، ولكن هناك اليوم
من بدأ في تقمّص شخصيتي وإظهارها بشكل سيئ، رغم أنهم لا يستطيعون تقديم الكثير مما
أقدمه.
تقمّص الشخصية... إن أكثر ما يحزنني في الموضوع أن هناك
من ينتحل شخصيتي. فالجميع يعرف أنني متعدد الألوان والأحجام، وليس هذا ما يكون وجه
التشابه بيني وبين بعض البشر، ولكن هناك من يسيء إلى سمعتي كنعال. فأنا لم أختر
القدم التي أكون تحتها لغرض تحقيق منفعة معينة، وهذا ما ينتهجه الكثير من الناس
وينسبه إليّ.
ولكن هناك شبه واحد بيني وبين هؤلاء: نحن الاثنان، عندما
تنتهي صلاحيتنا، تكون نهايتنا في سلة المهملات.
خدمة لا يشعر بها أحد .. انا النعال، وربما تكونون قد اعتدتم على وجودي
الى درجة انكم لم تعودوا تشعرون بخدمتي، وهذه مشكلة البشر، فهم لا يشعرون بقيمة
الشيء الا عندما يفقدونه.
انا الذي اكون بين القدم والارض، اتحمل الحصى
والشوك والحرارة والماء والطين، وكل ما يمكن ان يؤذي القدم، ومع ذلك لا احد يقول
لي شكرا، وكأنني موظف حكومي انتهت معاملته بمجرد وضع الختم والاغرب من ذلك ان بعض
البشر عندما يريد اهانة انسان يقول له: سوف اضربك بالنعال، وكأن النعال هو الذي
ارتكب الخطأ.
عجيب امركم ايها البشر، انا احمي اقدامكم من
الاذى، وذات الشعار يردده البعض مع تغير التعبير مع فارق التشبيه بيني وبين من
يررد شعار مشابه لهذا وانتم تستخدمونني لالحاق الاذى ببعضكم .. فهل اصبحت الخدمة
عندكم دليلا على الاهانة؟
انا لا اختار من يخدمني ... هناك قضية اخرى يجب ان اوضحها، انا لا اختار
القدم التي اكون تحتها، فلا تسألوني عن صاحبها، ولا عن منصبه، ولا عن رصيده، ولا
عن عدد السيارات التي يمتلكها.
انا نعال، مهمتي ان اخدم القدم التي وضعتني فيها
لكنني ارى بعض البشر يفعلون العكس تماما، فهو لا يخدم الانسان، بل يبحث عن الانسان
الذي يستطيع ان يخدم مصالحه، وكلما تغيرت المصلحة تغيرت القدم التي يقف تحتها.
انا على الاقل صريح مع نفسي، اعرف انني نعال .. اما
بعض البشر فلا اعرف ماذا يسمون انفسهم .. انا لا اختار القدم، ولكن بعض البشر
يختارون الاقدام التي يسيرون خلفها.
المقاس والمصلحة ... انا لدي مقاسات، صغير وكبير وواسع وضيق، ولكل
قدم مقاسها، ولم يحدث يوما ان قلت لقدم: انا اكبر منك ولن اخدمك لكنني رأيت بعض
البشر مقاساتهم تتغير حسب المكان .. امام القوي يصبح صغيرا جدا، وامام الضعيف يصبح
اكبر من مقاسه، وامام صاحب المال يكون على مقاس المصلحة تماما.
وهنا اقول: لا تلوموني على تعدد المقاسات،
فالفرق بيني وبين بعض البشر ان مقاسي مصنوع للقدم، اما مقاسهم فمصنوع للمصلحة .. انا
اغير المقاس للراحة، وبعض البشر يغيرون المقاس للمنفعة .. اهانتي ام اهانتكم؟
تضربونني بالقدم ثم تقولون عني وسيلة اهانة،
تضعونني في القدم ثم تجعلون اسمي شتيمة، تمشون بي في الشوارع ثم تخجلون مني اذا
اهترأت.
انا لا افهم هذه المعادلة .. اذا كنت سيئا الى
هذه الدرجة، فلماذا تحتاجونني كل يوم؟ .. انا لم اطلب ان اكون فوق رؤوسكم، ولم ادع يوما
انني تاج، ولم اطلب منصبا ولا راتبا ولا حصة ولا امتيازا.
انا فقط اؤدي وظيفتي. وهنا
اتساءل: هل المشكلة في النعال الذي يقبع تحت القدم، ام في الانسان الذي يرفع نفسه
فوق الناس ثم يدوسهم؟
قد اكون تحت القدم، لكنني لم اتعلم كيف ادوس على
كرامة احد.
انا والسيارة .. اخترعتم السيارة فصفقتم لها، وصنعتم لها
المصانع، وكتبتم عنها الكتب، واحتفلتم بتطورها، واصبح لها اسم وماركة ومكانة .. اما
انا، فلا احد يتذكر انني كنت ايضا اختراعا من اجل خدمة الانسان.
السيارة تنقلكم من مكان الى مكان، وانا اساعدكم
على السير في المكان .. السيارة تحميكم من الطريق، وانا احمي اقدامكم من الطريق لكن
الفرق بيني وبينها ان السيارة اذا كانت فاخرة قالوا عنها تحفة، وانا اذا كنت فاخرا
قالوا: نعال!
انا لا احسد السيارة، ولكن عندي سؤال صغير:
لماذا تحترمون الاختراع عندما يكون غالي الثمن،
وتحتقرونه عندما يكون رخيصا؟
انا لا اخجل من مكاني .. انا تحت القدم، وهذه حقيقة لا انكرها.
لكنني لا اخجل من مكاني، لانني اعرف ماذا افعل وهذه
مشكلة بعض البشر، يريدون دائما ان يكونوا فوق الجميع، ولكنهم لا يسألون انفسهم
ماذا يقدمون لمن هم تحتهم.
انا في الاسفل واحمي من فوقي، وبعض البشر في
الاعلى ولا يفعلون شيئا سوى حماية مصالحهم لذلك لا تقيسوا قيمة الشيء بمكانه،
فربما يكون الشيء في الاسفل هو الذي يمنع من في الاعلى من الاصطدام بالارض .. ليس
كل من كان في الاعلى عاليا، وليس كل من كان في الاسفل واطئا ..
حين تنتهي صلاحيتي ... عندما اتمزق تقولون: انتهت صلاحيته ولا احد
يسأل: كم طريقا مشى؟ وكم شوكة تحمل؟ وكم مرة انقذ القدم من الاذى؟
ترمونني في سلة المهملات وكأنني لم اقدم شيئا.
وهنا اضحك لانني رأيت بعض البشر يفعلون الشيء
نفسه مع بعضهم، ما دام الشخص نافعا اقتربوا منه، وما ان تنتهي فائدته حتى يصبح غير
صالح للاستعمال.
الفرق الوحيد انني انتهيت من الخدمة فعلا .. اما
بعض البشر فما زالوا يمارسون الخدمة ولكن لمصلحة انفسهم .. انا تنتهي صلاحيتي
عندما اهترئ، وبعض البشر تنتهي صلاحيتهم عندما تنتهي المصلحة.
اعتذار متأخر ... بعد كل هذا، لا اريد منكم شيئا .. لا اريد تمثالا، ولا وساما، ولا شهادة تقديرية،
ولا حتى كلمة شكرا لكن لدي طلب واحد فقط: عندما
تريدون اهانة انسان، لا تستخدموا اسمي.
فانا لم اخن احدا، ولم انافق احدا، ولم اغير
موقفي من اجل المال، ولم اترك قدما فقيرة بحثا عن قدم غنية .. انا بقيت نعالا من اول يوم الى اخر يوم.
ولذلك اقول لكم: اذا
اردتم اهانة احد، ابحثوا عن سلوك يستحق الاهانة، ولا تظلموا النعال.
فانا، في نهاية الامر، مجرد نعال ولكنني بدأت
اشك ان بعض البشر يحتاجون الى ان يتعلموا مني كيف يكونون اوفى لوظيفتهم، واكثر
صدقا مع انفسهم.
انا النعال ... لا ادعي انني انسان، لكنني
احيانا اخجل من بعض الذين يدّعون الانسانية.
الخلاصة ... وفي نهاية هذه السيرة التي لم يتوقع أحد أن يسمعها من
نعال، أقول لكم: لا تحاكموني بمكاني تحت القدم، بل حاكموني بما قدمته لها. فأنا لم
أختر أن أكون في الأسفل، لكنني اخترت أن أحمي من هو فوقي من أذى الطريق.
أنتم من جعلتم اسمي شتيمة، مع أنني لم أخن، ولم أنافق،
ولم أبدّل موقفي من أجل مصلحة، ولم أبحث عن قدمٍ أقوى لأقف تحتها. أنا فقط أؤدي
وظيفتي بصمت.
أما بعض البشر، فقد امتلكوا الألسنة والعقول والمناصب،
ثم استخدموا كل ذلك في الدوس على الآخرين.. لذلك، لا تؤلموني عندما تقولون: «نعال»... فالنعال يعرف
وظيفته جيداً، ويؤديها دون ادعاء.
وإذا كان لا بد أن نبحث عن النعال الحقيقي، فلا تبحثوا
عنه تحت الأقدام... ابحثوا عنه في السلوك؛ فهناك من يمشي على قدمين، لكنه قضى عمره
كله يبحث عن قدمٍ يقف تحتها.
أنا النعال... انتهت سيرتي، لكن يبدو أن السيرة الحقيقية
بدأت الآن.


