بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

مقال

 

الفتاة ذات الهالة والكاتب

تحت عنوان

ما قد حدث في الأمس

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ليس كل كلام جميل غزلًا، وليس كل حديث ذي شجون اعترافًا بالحب، وليس كل من يرى الجمال في إنسان يسعى إلى امتلاكه. فثمة مشاعر لا تنتمي إلى قاموس الحب المتعارف عليه، وثمة أرواح تستوقفنا دون موعد، وتترك في داخلنا أثرًا لا نعرف كيف نفسره، سوى أننا نشعر بأن الحياة أصبحت أجمل بوجودها. ولكن هذه المعاني قد لا يفهمها الكثيرون في أيامنا هذه، بعدما أصبح البعض يضع لكل كلمة حسابًا، ولكل ابتسامة غاية، ولكل اهتمام تفسيرًا لا يخرج عن دائرة الرغبة والمصلحة.

 

وبدأت الحكاية... في مكان ما، كنت أنتظرها كل صباح، لا لأنني كنت أبحث عن موعد مع الحب، ولا لأنني كنت أترقب فرصة للتقرب منها، بل لأن حضورها كان يمنح بداية اليوم شيئًا مختلفًا، وكأن الصباح لا يكتمل إلا حين تعبره تلك الهالة التي تحيط بها، فتترك في المكان أثرًا لا يشبه سواه.

كانت تأتي، فيتغير شيء لا أستطيع تحديده؛ ربما في تفاصيل المكان، وربما في نفسي أنا، أو لعلها تلك القدرة الغامضة التي يمتلكها بعض البشر، فيجعلون الأشياء العادية أكثر جمالًا دون أن يفعلوا شيئًا سوى أنهم موجودون.

ومع مرور الأيام، بدأت أتحدث إليها، أحاورها وأستمع إليها، وأترك للكلمات أن تسير بعفويتها، دون أن أحمّلها ما لا تحتمل، أو أبحث لها عن غاية لم تكن في ذهني.

وقد يسألني أحدهم، أو ربما تسأل هي نفسها: هل كنت أحبها؟

والحقيقة أن الإجابة ليست بهذه البساطة التي يتصورها البعض؛ لأننا اعتدنا أن نضع المشاعر في قوالب محددة، فإذا أعجب رجل بامرأة، افترضنا أنه يريدها، وإذا أبدى اهتمامًا بها، ظننا أنه ينتظر منها مقابلًا. وكأن الرجل لا يستطيع أن يرى الجمال إلا بعين الرغبة، ولا يستطيع أن يتحدث مع امرأة إلا إذا كان يخفي وراء حديثه مشروعًا عاطفيًا يريد الوصول إليه.

وهذا ما لا أستطيع أن أراه قاعدة تحكم مشاعر البشر جميعًا.

فأنا أؤمن بأن في الحياة جمالًا يستحق أن نتوقف أمامه، لا لكي نمتلكه، بل لكي نتأمله ونقدّر وجوده. فهل كل من أعجب بزهرة أراد أن يقطفها؟ وهل كل من استوقفته لوحة فنية أراد أن يحملها معه؟ وهل كل من أحب منظر المطر في مساء شتوي كان يبحث عن شيء وراء قطراته؟

ثمة أشياء يكفيها أن تكون جميلة، وثمة أشخاص يكفي حضورهم ليمنحوا أيامنا معنى مختلفًا، دون أن يكون لنا حق في مطالبتهم بشيء، أو أن يكون لهم علينا واجب يتجاوز حدود الاحترام والتقدير.

 

الجمال الذي لا أبحث عن امتلاكه ... هي ليست كغيرها بالنسبة إليّ، ولكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أنني وقعت في حبها، بل يعني أنني وجدت فيها شيئًا يستحق التأمل والتقدير.

فهي بالنسبة إليّ تشبه زهرة شقائق النعمان البرية، حين تظهر بين أعشاب الأرض لتعلن أن الربيع قد بدأ، وكأن الطبيعة قررت أن تترك لنا رسالة صغيرة تقول فيها إن الجمال لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى استئذان كي يلامس أرواحنا.

وتشبه زخات المطر الباردة حين تهبط على يوم حار، فتوقظ في النفس إحساسًا افتقدته طويلًا، أو تشبه أيام الشتاء التي أحبها، حين يتسع للهدوء مكان، وتصبح الأشياء البسيطة أكثر قدرة على ملامسة القلب.

ولعلني كنت أرى فيها شيئًا نفتقده في هذا الزمن؛ نقاءً لا يتصنع البراءة، وطيبًا يسبق صاحبه إلى المكان، وهدوءًا يجعل حضور الإنسان أجمل من كل ما قد يقوله عن نفسه.

كنت ألاحظ حضورها قبل أن تراها عيناي أحيانًا، وكأن النفس تألف بعض التفاصيل حتى تصبح قادرة على تمييزها من بين أشياء كثيرة. وإذا حضرت، كانت ابتسامتها تمنح المكان اتساعًا آخر، وكأنها تجمع في ملامحها شيئًا من دفء العالم، ثم تتركه يمضي معها حين تغادر.

ولم تكن المسألة في ابتسامة عابرة أو حديث جميل فحسب، بل في ذلك الأثر الذي يتركه بعض الناس فينا دون أن يدركوا حجم ما يتركونه. فهناك أشخاص لا يحتاجون إلى فعل استثنائي كي يظلوا في الذاكرة، لأن حضورهم وحده يصبح حدثًا صغيرًا في يوم عادي.

ومع ذلك، لم أكن أرى في هذا كله وعدًا بالحب، ولا كنت أطالبها بأن تفهمني بالطريقة التي أفهم بها نفسي. كنت أعبّر عما أشعر به تجاه حضورها، وأترك للكلمات حقها في أن تكون صادقة وعفوية، دون أن أجعل منها عقدًا يلزم الطرف الآخر بشيء.

فليس كل ما نشعر به ينبغي أن يتحول إلى علاقة، وليس كل ما نعجب به يجب أن ينتهي باعتراف، وليس من الضروري أن نمتلك الأشياء الجميلة حتى نكون صادقين في تقديرها.

 

موقفي من القضية ... قد تكون هي قد رأت في حديثي ما لم أقصده، وربما وضعت كلماتي في سياق مختلف تمامًا عن السياق الذي خرجت منه. وأنا لا أنكر عليها حقها في أن تفهم الأمور وفق ما تراه، ولا أطالبها بأن تتخلى عن حذرها أو تتجاوز حدودها الشخصية من أجل تفسير أقدمه لها.

لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم الآخرين على النوايا التي نفترضها فيهم، وألا نجعل الشك دليلًا قاطعًا على الخطأ، أو نمنح تصوراتنا حقائق لم تثبتها الأفعال.

فكم من كلمة بريئة أُسيء فهمها، وكم من موقف عفوي وُضع في غير موضعه، وكم من إنسان وجد نفسه متهمًا بشيء لم يخطر بباله، فقط لأن الطرف الآخر قرأ الموقف بعين مختلفة.

وإذا كان ما تتصوره عني صحيحًا، أو كان في تصرفاتي ما أوحى إليها بشيء لم أرده، فإن ذلك لا يمنحني حق الاعتراض على مشاعرها أو التقليل من مخاوفها، لكنه يمنحني حقًا إنسانيًا بسيطًا، هو أن أُسمع قبل أن يصدر الحكم عليّ.

فأنا لم أكن أبحث عن فرصة أستغلها، ولا عن باب أتسلل منه إلى حياتها، ولم تكن كلماتي وسيلة للحصول على مقابل. كنت أعبّر بعفوية عن إحساس بالجمال وجدته في إنسانة، وهذا كل ما في الأمر، على الأقل وفق ما أعرفه عن نفسي وما قصدته من حديثي.

والمشكلة أن بعضنا لم يعد يثق ببراءة المشاعر، حتى أصبح يتعامل مع الكلام الجميل وكأنه فخ، ومع الاهتمام وكأنه مطالبة مؤجلة، ومع الإعجاب وكأنه دين ينبغي سداده.

وهكذا نخسر أحيانًا أشياء جميلة قبل أن نعرف حقيقتها، لا لأننا اكتشفنا فيها ما يستوجب الابتعاد، بل لأننا خفنا مما قد يكون وراءها، فاخترنا الحكم بدل السؤال، والانسحاب بدل الحوار، والصمت بدل أن نمنح الحقيقة فرصة للظهور.

 

كيف أراها بعد كل ما حدث ... ما زلت أراها بعين مختلفة عن تلك التي افترضتها، ولم تتحول صورتها في ذاكرتي إلى صورة امرأة كنت أريد الوصول إليها، أو إنسانة كنت أنتظر منها اعترافًا بمشاعري.

أنا أراها كما رأيتها أول مرة؛ إنسانة تحمل من النقاء ما يجعل حضورها مختلفًا، ومن الطيبة ما يجعل ابتسامتها قادرة على ترك أثر في النفس، ومن الجمال ما لا تستطيع الكلمات أن تحيط به.

ولست مضطرًا إلى تحويل هذا الشعور إلى قصة حب كي أبرر وجوده، كما أنني لست مضطرًا إلى إنكار ما شعرت به لمجرد أن أحدًا قد يسيء تفسيره.

فالمشاعر الصادقة لا تفقد قيمتها لمجرد أن الآخرين لم يفهموها، والجمال لا يصبح تهمة لأن أحدهم قرر أن يضعه في موضع الشبهة.

ومع ذلك، فإن احترام الإنسان يبدأ من احترام اختياره؛ فإذا اختارت الابتعاد، فلها ذلك، وإذا لم ترغب في استمرار الحديث، فليس من حقي أن أفرض عليها حضوري. لكن احترام قرارها لا يعني أن أقبل أن تتحول نيتي إلى حقيقة لم أكن أقصدها، أو أن يصبح صمتي اعترافًا بشيء لا أراه في نفسي.

فثمة فرق بين أن تحترم المسافة التي يختارها الآخر، وبين أن تتخلى عن حقك في أن تُفهم على حقيقتك.

 

الذنب الذي اقترفته بحقي ... ربما كان أكثر ما آلمني أنها فهمت ما أرادت أن تفهمه، ثم اتخذت قرارها دون أن تسمعني، وأصبحت تمر وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الأحاديث التي جمعتنا لم تكن سوى تفاصيل عابرة لا تستحق حتى سؤالًا أخيرًا.

ولعل ما وجعني لم يكن ابتعادها بحد ذاته، فالبشر أحرار في اختيار المسافات التي تناسبهم، وإنما ذلك التحول المفاجئ من الألفة إلى التجاهل، ومن الحديث العفوي إلى الصمت، دون أن أعرف كيف انتقلت الحكاية من بدايتها البسيطة إلى هذه النهاية الغامضة.

لقد كانت قد قطعت لي وعدًا بأنها ستكون أول من أراه كل صباح، وربما لم تدرك يومها أن بعض الوعود الصغيرة تترك في النفس أثرًا أكبر من حجمها، لأن قيمتها لا تأتي من الكلمات نفسها، بل من المعنى الذي تمنحه لها قلوبنا.

كنت أنتظر ذلك الصباح الذي أراها فيه كما اعتدت، لا لأطالبها بشيء، ولا لأفتح معها حسابًا عن الماضي، بل لأن الإنسان يألف بعض التفاصيل حتى تصبح جزءًا من يومه، ثم يشعر بفراغها حين تختفي.

لكنني وجدت نفسي أمام غياب لم أفهم سببه، وصمت لا أعرف كيف أفسره، ووعد بقي معلقًا في ذاكرتي، لا أدري إن كان قد قيل بعفوية أم كان يعني لها ما كان يعنيه لي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد لا يكون الإنسان مذنبًا في نظر نفسه، لكنه يجد نفسه متهمًا في نظر غيره، وقد لا يقصد من حديثه سوى أن يعبّر عن جمال رآه، فإذا به يكتشف أن كلماته أصبحت سببًا في مسافة لم يكن يريدها.

ومع ذلك، لا أريد أن أحوّل حكايتي معها إلى محاكمة، ولا أن أجعل من نفسي ضحية كاملة أو منها متهمة لا عذر لها. فربما كان لكل منا ما لم يقله، وربما كانت هناك تفاصيل لا أعرفها، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الحوار كان سيمنح هذه الحكاية فرصة لأن تنتهي بصورة أقل إيلامًا.

فليس من العدل أن نطالب الناس بقراءة ما في قلوبنا، كما أنه ليس من الحكمة أن نقرر ما في قلوبهم دون أن نمنحهم فرصة للكلام.

 

الخلاصة ... بعض الأشخاص لا نحبهم، لكننا نحزن حين نفقد صورتنا في عيونهم

يا صاحبة الهالة، لم أكن أريد أن أجعلك حكاية حب أرويها للآخرين، ولا أن أضيف اسمك إلى قائمة النساء اللواتي مررن في حياة رجل يبحث عن قلب يبادله الشعور. كل ما في الأمر أنني رأيت فيك جمالًا أحببت أن أعبّر عنه، ووجدت في حضورك شيئًا جعل الصباح أكثر لطفًا، فقلت ما شعرت به دون أن أطلب منك شيئًا في المقابل.

لم أكن أريد منك قلبًا، ولا وعدًا، ولا اعترافًا، ولم أكن أبحث عن نافذة أعبر منها إلى حياتك. كنت أريد فقط أن تبقي تلك الصورة الجميلة التي عرفتها، وأن يظل الحديث بيننا مساحة إنسانية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى قصة حب كي تكون لها قيمة.

لكن ما حدث علّمني أن بعض الحكايات لا تنتهي لأن المشاعر ماتت، بل لأنها لم تُفهم منذ البداية، وأن بعض المسافات لا تصنعها الكراهية، وإنما تصنعها فكرة واحدة لم تجد من يسأل عن حقيقتها.

أما وعدك بأن تكوني أول من أرى كل صباح، فقد بقي في ذاكرتي كما بقيت أشياء كثيرة لم تكتمل. وربما لن تعرفي يومًا أنني لم أحزن لأنني فقدت فرصة للحب، بل لأنني فقدت عفوية الحديث، ولأن إنسانة كنت أراها مصدرًا للجمال أصبحت تنظر إليّ من خلف ظنّ لم أستطع تغييره.

وأتعلمين ما الذي يؤلم الكاتب أكثر من كل ذلك؟

أن يقضي عمره محاولًا أن يمنح الكلمات معانيها الحقيقية، ثم يعجز عن إقناع إنسانة واحدة بأن كلماته لم تكن فخًا، وأن الجمال الذي رآه فيها لم يكن مطالبة، وأن إعجابه بحضورها لم يكن ثمنًا ينتظر أن يسترده.

ومع ذلك، لن أندم على أنني رأيت فيك جمالًا، ولن أعتذر عن كلمة صادقة لم تحمل إساءة، ولن أكره ابتسامة كانت تمنح الصباح شيئًا من الضوء.

سأترك لك حق الابتعاد، وأحتفظ لنفسي بحق الشعور، فليس كل ما نحبّه نطلبه، وليس كل من نشتاق إلى رؤيته نريد أن نمتلكه.

و إذا مررتِ بي غدًا، فلن أعاتبك، ولن أسألك لماذا تغيّرتِ، ولن أطالبك بالوفاء لوعد مضى. سأدع الصباح يمضي كما يشاء، لكنني سأعرف أن شيئًا صغيرًا قد تغيّر فيه؛ ليس لأنك لم تعودي أمام عيني، بل لأنني أصبحت مضطرًا إلى إقناع نفسي بأن غيابك لا يعني أن الجمال الذي رأيته فيك لم يكن حقيقيًا.

فبعض الأشخاص يمرّون في حياتنا ليتركوا وراءهم حبًا، وبعضهم يتركون ذكرى، أما أنتِ، فقد تركتِ سؤالًا لا أعرف له جوابًا:

هل أخطأتُ حين عبّرتُ عن جمال رأيته فيكِ، أم أننا أصبحنا نعيش في زمنٍ صار فيه الإنسان يخاف من الكلمة الجميلة، أكثر مما يخاف من قسوة الكلمة الجارحة؟

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

مقال

 

العراق إلى أين؟ (قطع أعناق ولا قطع أرزاق)

تحت عنوان

الماي يغار احمار

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما أوهمونا بأننا نعمل كل شيء بحكم الغيرة، وهنا يجب التفريق بين الغيرة المقترنة بالحسد والغيرة المحمودة. وكل ما قيل مجرد محض افتراء وكذبة كبيرة، وبدأ من أيام كلمة «إيه، الشعب العراقي العظيم».

وخير ما وصف حالتنا اليوم ما جاء في كتاب الله عز وجل في قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، صدق الله العظيم.

وقد يقول أحدكم هنا إن هذه الآية قد نزلت بحق بني إسرائيل، ولكن، لمن لا يعلم، فإن النص الإلهي المتجسد بالقرآن ذو طبيعة متجددة، من باب أن الطبيعة البشرية لا تختلف كثيرًا من شخص لآخر. والسؤال الأهم هنا: ماذا ينتظر العراقيون بشكل عام للتحرك لتغيير واقعهم المرير؟ وهل من المعقول أنهم تحولوا بشكل كامل إلى حالة الاستسلام الشبيهة بحالة الموت السريري؟ وهنا، وفي هذه السطور، سنبحث في الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الحال من خلال ثلاث مراحل.

 

الماضي ... الذي يتجسد ما بين مصطلحين هما الحديد والنار. فمنذ نبوخذنصر، كان منطق القوة الترهيبي هو الأساس في بناء المجتمع على هذه الأرض، وبعدها تعاقبت على المنطقة حقب زمنية لا تقل عنه من ناحية الأيديولوجية.

 

الحاضر... لا يختلف اليوم عن الأمس في تكريس منهجية الإرهاب السلطوي لضمان ديمومة السلطات المتعاقبة، وهذا ما ترك الأثر في ترسيخ حالة من التخاذل والصمت على الانتهاكات بحق المواطن البسيط، ظنًّا منه أن الغد قد يكون أفضل. وهنا أستشهد بمقولة من التراث الشعبي مفادها: «العجي الذي ما يعيش يبين من خراه». وفي هذا القول دلالة على ضرورة وجود دلائل على أن هناك أملًا، ولكن لو نظرت حولك، فلن تجد شيئًا من هذا قد يُذكر.

 

المستقبل ... مجرد أمل بالله أن يعدل الحال، وقد نسوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، صدق الله العظيم.

فالقضية تقترن بالأخذ بالأسباب، أما قضية انتظار المجهول فهي مرفوضة حتى في المفهوم الإلهي، فالله لا يحب المؤمن الضعيف، ويفضل القوي، إذا ما اعتبرنا أن من نتحدث عنهم مؤمنون من الأصل.

 

إلى متى ... يبقى المواطن على هذه الأرض رهينة الأهواء الشخصية لمجموعة المرابين بالدين؟ ولمن لا يعلم، فإن الذين في السلطة اليوم ليس لهم علاقة لا بالدين ولا بمن أنزل الدين، ولكن الأمر أنهم يتخذون من الله حجة لحكم العالم بما تشتهي أنفسهم، ومن يخرج عليهم فقوالب الاتهام جاهزة، لا تحتاج إلى حجة أو دليل، وهذا يُعتبر قمة الذل. وهنا سوف أتكلم بلسانهم، كما يقال، ويأتي السؤال الأهم:

لماذا لم ينتظر الحسين، سلام الله عليه، قضاء الله فيما يخص قضيته؟

وإذا كان الكثير ممن يتخذون من هذه الشخصية قدوةً في قوله وفعله، فأين أنتم من هذا؟

ولنخرج الآن من إطار الدين ونأخذ الأمر من زاوية ثانية، فهناك مقولة: «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، وهنا اقترنت مسببات الرزق بالموت، فلا أجد أبلغ من هذا القول تجسيدًا لما نرمي إليه.

ولكن القضية أكبر مما قد تدركه العقول، فلم يعد أحد يملك الإحساس، وكأننا نعيش في مقبرة مليئة بالأموات؛ فلا تضر الجثةَ نخسةُ الحراب، ولا تراها تطالب بحياة، رغم أن هناك من يعيش حياة مثالية، لكنه يطالب بتطوير الأفضل، وهذا دأب الشعوب الحية.

أما نحن، فقد استطَبْنا العيش في قبور ونحن على قيد الحياة، ولا أعلم ما الذي قد يدفع تلك الأموات إلى النهوض من قبورها والمطالبة بحقها في الحياة. حتى تلك الأقلام والأصوات هنا وهناك تُعتبر مثلها مثل المثل الشعبي: «ضرطة في سوق الصفافير»، حيث يعلو الضجيج فيصمّ أسماع الموتى، فتتحول كل تلك المحاولات إلى ممارسات عبثية لا قيمة لها. ولكن، رغم هذا، ما زلنا نؤمن بأقلامنا فقط؛ لأننا لا نريد أن ننطوي تحت كلمة «أضعف الإيمان». فرحم الله الشاعر القائل: «إما حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدا».

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية التي لا يريد الكثيرون الاعتراف بها، فالمشكلة لم تعد في سلطة تمارس سطوتها على الناس، بل في الإنسان الذي اعتاد سطوة السلطة حتى أصبح يخشى فقدان ما تبقى له من فتات أكثر من خوفه على ضياع مستقبله ومستقبل أبنائه. وهنا تتحول المأساة من فعل يرتكبه الحاكم إلى ثقافة يتبناها المحكوم، فيصبح المظلوم مدافعًا عن ظالمه، والفقير حارسًا لمصالح من تسبب بفقره، والمقهور عدوًا لكل من يحاول كسر القيود التي اعتادها. وهذه هي قمة المهزلة الإنسانية؛ أن يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن المطالبة بحقه جريمة، وأن السكوت عن سرقة مستقبله حكمة، وأن الخوف على لقمة عيشه يبرر له التنازل عن كرامته. ولكن أي لقمة هذه التي تُشترى من كرامة الإنسان؟ وأي حياة تلك التي يقضيها المرء في حساب خطواته وكلماته خوفًا من غضب أصحاب السلطة؟ إن الشعوب لا تموت عندما تجوع، بل تبدأ بالموت الحقيقي عندما تفقد إحساسها بالجوع، ولا تُهزم عندما تُكسر إرادتها بالقوة، بل عندما تقنع نفسها بأن العجز قدر لا مفر منه. أما الذين يتخذون من قطع الأرزاق وسيلة لإسكات الأفواه، فهم لا يدركون أنهم يصنعون بأيديهم أسباب سقوطهم الأخلاقي، لأن السلطة التي تحتاج إلى تجويع الناس كي تضمن طاعتهم ليست سلطة تحترم مواطنيها، بل سلطة تخشى وعيهم. ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه كل عراقي مع نفسه: هل جئنا إلى هذه الدنيا لنعيش عبيدًا لخوفنا، أم لنعيش أحرارًا في وطننا؟ فمن رضي أن يكون ثمن بقائه صامتًا هو كرامته، فلا يلومنّ غدًا من يسرق ما تبقى له، لأن من يتنازل عن حقه مرةً خوفًا على رزقه قد يجد نفسه في النهاية بلا حق ولا رزق ولا كرامة.

فاخرجوا من أجل لقمة عيشكم، أو من أجل مستقبل أبنائكم، أو حتى من أجل إيمانكم، فبقاء هذه السلطة سيؤدي بكم إلى الخروج عن الإرادة الإلهية في الوقت القريب. وأثبتوا لأنفسكم، لمرة واحدة، أنكم تملكون غيرة على أنفسكم ووطنكم، ولا تكونوا مثل الحمار في هذه الحياة.

 

الخلاصة... هنا لن أقول: «خذوني من هنا فقد جردوني من كل شيء»، وأنا باقٍ. وما في هذه السطور اليوم دعوة للخروج عليكم، وغدًا سوف أحلّ للناس رقابكم ودماءكم، فالقاعدة تقول: «قطع أعناق ولا قطع أرزاق».

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

مقال

 

 عملية تركيع القارة العجوز

تحت عنوان

ماذا يحدث هناك؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قبل ولاية السيد ترامب بمدة، كان لي مقال بعنوان (ترامب أعظم ما أنجبت الولايات المتحدة)، ولم يعلم أحد لماذا كُتب هذا المقال بهذا العنوان المستفز، ولكن الحقيقة أنه لم يكن مجرد عنوان مستفز، بل إن القضية أكبر بكثير مما تتصور، عزيزي القارئ.

فالمسألة لم تكن يومًا مرتبطة بشخصية رئيس أو بطبيعة تصريحاته، وإنما بقراءة عقلية سياسية تتعامل مع العالم بوصفه ساحة مصالح، لا ساحة مبادئ، ومع الدول بوصفها أدوات يمكن تحريكها أو الضغط عليها وفقًا لمقتضيات المرحلة. ومن هنا، فإن فهم شخصية ترامب لا يكون من خلال ما يقوله أمام الكاميرات فحسب، بل من خلال ما يمكن أن تحققه سياساته من نتائج على مستوى إعادة توزيع القوة والنفوذ. فهناك فرق كبير بين من يقرأ الحدث بعد وقوعه، ومن يحاول قراءة الغايات التي قد تقف خلف صناعته.

هناك مثل عربي مفاده: (الذي ما يجي بذهب الوالي يجي بسيفه)، وهذا ما انتهجه قادة أمريكا، وما تراه اليوم من ممارسات الفوضى والشغب التي تملأ شوارع العواصم الأوروبية لم يكن حدثًا عارضًا كما يظن الكثيرون، ولكن الأمر برمته مرتبط بالمواقف الأوروبية تجاه حرب الخليج الأخيرة، وحالة الرفض للدخول في مغامرات الرئيس الأمريكي.

إن سياسة إخضاع الدول لا تقوم دائمًا على استخدام القوة العسكرية المباشرة، فهناك وسائل أخرى قد تكون أشد تأثيرًا وأطول عمرًا، تبدأ بالضغط الاقتصادي، ولا تنتهي بإشعال الخلافات الداخلية واستثمار الأزمات الاجتماعية. فالدولة التي لا تستطيع إرغامها على اتخاذ موقف معين بالقوة، قد تحاول دفعها إلى ذلك من خلال جعل كلفة الرفض أعلى من كلفة الاستجابة. وهنا تكمن خطورة السياسة عندما تتحول المصالح الاقتصادية إلى أدوات ضغط، وتصبح الأزمات الداخلية جزءًا من معادلة الصراع الخارجي. ومع ذلك، فإن ربط الاضطرابات التي تشهدها أوروبا بجهة خارجية محددة يحتاج إلى أدلة، لأن الفوضى قد تكون نتيجة أسباب داخلية أيضًا، وقد تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في صناعة الحدث.

 

المؤشرات ... نرى ونسمع منذ شهور التقلبات في موقف الإدارة الأمريكية بشأن حسم الصراع الدائر في الخليج، وقد يعزو الكثير من المحللين الأمر إلى إنهاك القوات الأمريكية في الحرب، وهذا غير صحيح. ولكن، لو نظرت إلى الأمر من زاوية ثانية، لأدركت أن السيد ترامب ينتظر أمرًا يستند إلى استمرار حالة غلق المضائق، ففي زوايا البيت الأبيض، كل شيء بقدر.

إن الحروب لا تُقاس دائمًا بما تحققه الجيوش على الأرض، وإنما بما تتركه من آثار على الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من خيارات على الدول التي تجد نفسها أمام أزمات متلاحقة. فالمضائق البحرية ليست مجرد ممرات تعبر من خلالها السفن، بل شرايين اقتصادية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وأي اضطراب فيها يمكن أن يتحول إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة التي تشهد الصراع. ومن هنا، فإن قراءة الأحداث تتطلب النظر إلى المصالح التي قد تنتج عن استمرار الأزمة، لا إلى نتائج المواجهة العسكرية وحدها. ولكن الاستفادة من أزمة لا تعني بالضرورة أن المستفيد هو من صنعها، وهذه نقطة لا بد من التمييز بينها عند تحليل المشهد السياسي.

ولا تظن، كما يُروَّج عن الرئيس الأمريكي، أنه شخص معتوه صاحب قرارات غير مدروسة، وقد يسأل أحدكم هنا: ما الذي ينتظره من القارة العجوز، وهي تعاني أصلًا من عجز مالي (المشاركة العسكرية)؟

نعم، فالعقلية التي يُدار بها العالم اليوم، والتي وصفتها منذ زمن، هي عقلية تاجر العقارات، والتي تُعرف عند العامة بـ(الدلّال). ولو عدنا إلى قراءة هذه الشخصية، فسوف تجد أنها لا تملك قواعد أخلاقية تجاه مسألة الربح، وهذا معروف عند العامة. ومن هذا المنطلق، كان لا بد من معاقبة القارة العجوز بإقامة حلف عسكري شامل، وها نحن نرى النتائج.

إن عقلية التاجر عندما تنتقل إلى إدارة العلاقات الدولية، قد تجعل الربح والخسارة المعيار الأول في تحديد المواقف، حتى لو كان الثمن اضطراب علاقات تاريخية أو إضعاف حلفاء سابقين. فالحليف الذي لا يحقق المنفعة المطلوبة قد يتحول، في هذه العقلية، من شريك إلى عبء، ومن طرف يستحق الحماية إلى طرف ينبغي الضغط عليه كي يدفع ثمن الحماية أو يتحمل كلفة قراره المستقل. وهنا لا تعود التحالفات قائمة على الثقة وحدها، بل تصبح أقرب إلى العقود التجارية التي يمكن إعادة التفاوض عليها كلما تغيرت المصالح. غير أن خطورة هذه العقلية لا تكمن في تحقيق المكاسب الآنية فحسب، وإنما في أنها قد تهدم الثقة التي تحتاج إليها الدول لبناء استقرار طويل الأمد. فالدولة التي تجعل مصالحها فوق جميع الاعتبارات قد تكسب جولة، لكنها قد تخسر ثقة حلفائها في الجولات القادمة.

 

أمريكا لا تكذب ... ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن بسبب أنهم هم من يصنعون الحدث، وهم من يختارون الزمان والمكان. فعندما قالوا إنهم سوف يسقطون النظام في العراق، كانت هناك سنوات تفصل بين التصريح وحدوث ذلك، وهذا بسبب ضمان إنهاك العامة وإضعاف المقاومة في حال وجودها، وهذا ما حصل.

وقبل سنة، قالوا إنهم سوف يسقطون النظام الإيراني وحلفاءه في المنطقة، ولهذا أقول لسياسيي الصدفة: احزموا حقائبكم، وسوف يحدث هذا، وسوف يكون هناك حلف على خلفية الأحداث التي تشهدها أوروبا اليوم. فالمسألة مسألة وقت لا أكثر، وتذكروا هذه الكلمات.

إن أخطر ما في القوة الدولية ليس قدرتها على تنفيذ قرار عسكري فحسب، وإنما قدرتها على جعل الآخرين يعيشون تحت ضغط التوقع المستمر لما قد يحدث. فالتصريح السياسي قد يتحول إلى أداة ضغط قبل أن يتحول إلى فعل، والتهديد قد يحقق بعض أهدافه من خلال دفع الخصم إلى إعادة حساباته، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة. وعندما تعيش الدول في حالة انتظار وقلق، فإنها قد تتخذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف طبيعية، وقد تنفق مواردها على الاستعداد للخطر بدلًا من توجيهها إلى التنمية والاستقرار. وهذه إحدى صور الهيمنة التي لا تحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض، لأنها قد تبدأ بالسيطرة على حسابات الآخرين، وتنتهي بالتأثير في خياراتهم. لكن التاريخ لا يسير وفق جدول زمني ثابت، والتصريحات السياسية لا تكفي وحدها لإثبات أن كل ما يُعلن سيتحقق بالصورة نفسها التي رُسمت له.

ولهذا أقول لسياسيي الصدفة: إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة هو أن تتعامل مع الأحداث بعقلية رد الفعل، وأن تنتظر حتى تقع الكارثة لتبدأ البحث عن أسبابها. فالسياسة ليست مجرد تصريحات تُطلق في المؤتمرات، ولا مواقف تُتخذ تحت ضغط الشارع، وإنما قدرة على قراءة المصالح وتقدير النتائج قبل وقوعها. ومن لا يمتلك مشروعًا مستقلًا لحماية مصالح بلاده، سيجد نفسه في نهاية المطاف جزءًا من مشروع يضعه الآخرون، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.

 

نحن أمام حدث جلل ... يُروّج الكثيرون أننا على أعتاب الحرب العالمية الثالثة، وهذا غير صحيح، فليس من مصلحة الحكومة الخفية اليوم خراب الأرض، ولكن أصحاب مشاريع الهيمنة العالمية يُعِدّون لإعادة تغيير الخرائط على الأرض، ونحن اليوم بتنا قريبين جدًا من عصر المقاطعات الذي حذّرت منه من قبل، وهذا يعني صهر مفهوم الدولة وتقسيم المجتمع المُجزّأ لغرض السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية.

إن السيطرة على العالم لا تعني بالضرورة أن يرفع طرف ما علمه فوق جميع العواصم، فهذه صورة تقليدية للهيمنة تجاوزتها أشكال كثيرة من الصراع الحديث. فقد تصبح السيطرة أكثر فاعلية عندما تتحول الدول إلى كيانات عاجزة عن اتخاذ قراراتها الاقتصادية بصورة مستقلة، أو عندما تصبح مواردها مرتبطة بإرادة قوى خارجية، أو عندما تنشغل مجتمعاتها بصراعات داخلية تستنزف طاقاتها وتمنعها من بناء مشروع وطني جامع. وعندها قد تبقى الحدود مرسومة على الخرائط، وتبقى الأعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية، لكن القرار الحقيقي يصبح موزعًا بين مراكز قوة لا تخضع بالضرورة لإرادة الشعب. وهنا تكمن خطورة تفكيك مفهوم الدولة، لأن الدولة ليست حدودًا جغرافية فقط، بل مؤسسات وسيادة وهوية ومصالح مشتركة.

أما الموارد الطبيعية، فهي في كثير من الأحيان جوهر الصراع الذي تختبئ خلفه الشعارات الكبرى. فكم من أزمة رُفعت فيها رايات الأمن والاستقرار، بينما كانت المصالح الاقتصادية حاضرة في حسابات الأطراف المتصارعة؟ وكم من دولة امتلكت ثروات هائلة، لكنها عجزت عن تحويل تلك الثروات إلى قوة حقيقية بسبب ضعف مؤسساتها وتنازع القوى على قرارها؟ إن امتلاك الثروة لا يعني امتلاك القوة بالضرورة، لأن القوة الحقيقية تبدأ من قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية قرارها، وتنتهي بقدرتها على منع الآخرين من تحويل حاجتها الاقتصادية إلى وسيلة لإخضاعها.

 

الحلول الاقتصادية بطعم الحرب ... سوف يجد القادة في أوروبا أنهم أمام خيار وحيد للخروج من هذا المأزق، ليأتي الحل من أروقة البيت الأبيض بتشكيل حلف لفتح المضائق وتلقين درس لكل من تسوّل له نفسه اللعب مع الكبار، كما يصفون أنفسهم. عندها سوف يكون هناك حسم قاسٍ، لا رحمة فيه لأحد، وسوف تكون هناك أسماء لدول لم نسمع بها من قبل، برعاية أوروبية، وكأن الأمر برمته، في نظر الإدارة الأمريكية، كالمثال القائل: (بحجة بيبي تاكل ماما).

إن أخطر الحلول السياسية هي تلك التي تُقدَّم للدول على أنها المخرج الوحيد من أزماتها، لأن الدولة عندما تصل إلى مرحلة الاعتقاد بأنها لا تملك سوى خيار واحد، تكون قد فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على المناورة واتخاذ القرار المستقل. وقد تبدأ المسألة بأزمة اقتصادية، ثم تتحول إلى حاجة أمنية، وبعدها يصبح التدخل العسكري، الذي كان مرفوضًا بالأمس، حلًا مقبولًا تحت ضغط الضرورة. وهنا تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، ويصبح السؤال الحقيقي: من الذي سيدفع الثمن، ومن الذي سيحصد النتائج؟ فالدول التي تدخل التحالفات وهي تعتقد أنها تحمي مصالحها قد تجد نفسها، في بعض الحالات، تتحمل أعباءً تفوق المكاسب التي حصلت عليها، بينما تكون القوى الأكثر نفوذًا قد رتبت حساباتها بطريقة تضمن لها مساحة أوسع للحركة.

وليس من الضروري أن تكون كل التحالفات مؤامرات، أو أن يكون كل تعاون عسكري مقدمة للهيمنة، ولكن الخطأ يبدأ عندما تتعامل الدول مع التحالف بوصفه ضمانة مطلقة، من دون أن تسأل عن حدود التزاماتها، وعن طبيعة الأهداف التي تسعى إليها الأطراف الأخرى. فالسيادة لا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الدولة، وإنما بقدرتها على معرفة ما الذي تريده من تلك الاتفاقيات، وما الذي تستطيع رفضه عندما تتعارض مع مصالحها الوطنية. أما الدول التي تدخل الصراعات من دون حساب دقيق للعواقب، فقد تجد نفسها تدفع فاتورة قرارات لم تكن صاحبة القرار الأول في اتخاذها.

 

الخلاصة ... الكارثة الاقتصادية التي سوف تغيّر وجه العالم، وهذا ما حذّر منه الكثير من الخبراء الاقتصاديين منذ عقود، حيث سوف تكون هناك صورة للعالم لم نعرفها من قبل. وفي النهاية، نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، فالشر أصبح في كل مكان، وتحول فيه الإنسان إلى الصور التي نشاهدها اليوم على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي: (بشر فوضوي) يسرق وقد يقتل، والله المستعان على ما يفعلون بنا.

إن العالم لا يتغير فقط عندما تتحرك الجيوش أو تتبدل الحكومات، بل يتغير أيضًا عندما تنهار الثقة بين الدول، وتتحول المصالح المشتركة إلى أدوات ابتزاز، ويصبح الاقتصاد سلاحًا يُستخدم لإجبار الشعوب على قبول ما لم تكن لتقبله في الظروف الطبيعية. وعندها لا تكون الكارثة في ارتفاع الأسعار أو تراجع العملات وحدهما، بل في اتساع الفجوة بين من يملكون القدرة على توجيه الأحداث ومن يتحملون نتائجها. فالشعوب التي لا تشارك في صناعة القرار غالبًا ما تكون أول من يدفع ثمنه، بينما يبقى أصحاب المصالح بعيدين عن مشاهد المعاناة التي تتركها قراراتهم.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أن العالم لا تحكمه النوايا المعلنة وحدها، وإنما تحكمه المصالح وموازين القوة، وأن الوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لحماية المجتمعات من التلاعب بمصائرها. فلا يكفي أن ننتظر ما سيحدث، بل علينا أن نفهم لماذا يحدث، ومن المستفيد منه، وما الثمن الذي ستدفعه الشعوب. نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، وأن يجنب البشرية شرور الحروب والفوضى، لأن الإنسان الذي يفقد إنسانيته في صراع المصالح يصبح أخطر من السلاح الذي يحمله، والله المستعان على ما يفعلون بنا.

الخميس، 15 أكتوبر 2026

مقال

 

شواهد بلا قبور

تحت عنوان

صور من الفشل الحكومي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



خبرٌ تصدّر الصحف العالمية مفاده: (مصرع عدد من الشباب العراقيين العابرين إلى القارة العجوز عبر قوارب الموت، وجارٍ فحص الجثث من قبل السفارة في العاصمة طرابلس، ليبيا) . وهنا يكون السؤال الأهم : لماذا لم يهتم الإعلام الحكومي بهذا الخبر؟ وهنا سنوضح أسباب التعتيم.

رحم الله أمير المؤمنين، الخليفة عمر بن الخطاب، في قوله: (لو عثرت شاة في العراق لسُئل عنها عمر). وهذا هو حال ولاة الأمر في متابعة الرعية، ولكن واقعنا اليوم مغاير لما قدّمه الرعيل الأول في الإسلام من دروس في فن القيادة، وهناك مقولة تعبّر عن المواقف الحكومية تجاه الموضوع، مفادها: (البعرة تدل على البعير).

ومن هنا تكون الانطلاقة في مقالنا هذا، وما الذي دفع هؤلاء الشباب إلى رمي أنفسهم بين أمواج الموت؟ ولهذا، سوف تتم مراجعة القضايا التي قد تكون من الأسباب المباشرة وغير المباشرة.

 

ماذا ينتظر الشباب في العراق؟ ... سؤال يُطرح من خلال هذه السطور، والإجابة تكون: (لا شيء). فعندما تعلم أنك لن تحصل على شيء، تفقد الشغف في العمل والحياة بشكل عام، مما يسبب الإحباط النفسي الذي يدفع الكثيرين إلى الهجرة، وهذا دليل واضح لا يقبل الغلط على أن هناك خللًا منهجيًا في إدارة الدولة.

 

*لقمة العيش والمغامرات العقائدية... كثيرًا ما يُردَّد في الإعلام أننا بلد ديمقراطي فدرالي تعددي، والحقيقة أن نظام الحكم اليوم طائفي إلى حد النخاع، فالدخول في معارك عبثية باسم الطائفة يهدد الأمن الغذائي للمواطن البسيط، وهذا ما يدفع الكثيرين إلى البحث عن أماكن يظنونها أكثر أمنًا من البلد الأم، وهذا أيضًا يعود إلى سوء التخطيط في إدارة البلد.

 

تعزيز ظاهرة الانتحار... إن ما فعله هؤلاء الفتية هو (انتحار)، والمصطلح ليس شرطًا أن يعلّق الفرد لنفسه حبلًا يشنق نفسه به، ولكن يبدو أن السلطات أخذت على عاتقها هذا الدور من خلال قتل أحلام الشباب في بناء مستقبل يليق بهم.

 

التنصل من المسؤولية الأخلاقية... هل تعلم، يا عزيزي القارئ، أن حدثًا بهذا الحجم في الدول المحترمة يُسقط وزارات وحكومات؟ ولكن الأمر يختلف هنا، فلم نعرف بالخبر إلا من الصحف الخارجية، وهذا ما يعزز حالة التخاذل تجاه حقوق المواطن على البلد. وهناك أمثلة في مقولات تُكتب على بعض الجوازات في بلدان تحترم الإنسان، ومنها: (حامل هذا الجواز تحت حماية جمهورية أوزبكستان). ولكن لو نظرت إلى جواز السفر عندنا، فقد كُتب عليه: (عند فقدان الجواز يترتب عليك دفع غرامة مالية). ومن هنا تفهم عمق قضية التخلي عن المسؤوليات تجاه المواطن.

 

انعدام التخطيط الإداري للدولة... يُعتبر من الأسباب الرئيسة في هذه الحادثة، فلو كانت هناك مشاريع تدعم قضية تأمين العمل وتوفير فرص العمل التي تضمن لهم الحماية الاجتماعية بشكل حقيقي، لما وصل الأمر إلى هذا الحد. إن انعدام القطاعين الصناعي والزراعي، والقضاء على القطاع الخاص، وحصر المشاريع غير الخدمية في مجالات مثل (مطعم، مول)، وهي مشاريع استهلاكية لا توفر فرص عمل حقيقية للشباب، كلها أمور تساهم في التراجع النفسي في قضية الإيمان بالمستقبل.

 

الهروب إلى المجهول... لمن لا يعرف، فإن كل من همّوا بالعبور أو عبروا في تلك القوارب البائسة، كان ذلك نتيجة الشعور باليأس، بغض النظر عن البلد القادم منه. فتصبح هناك مقارنة بين موت وموت، وكأنها لعبة بوكر يراهن أحدهم فيها على الحظ، لعله يكون من أولئك الذين تُكتب لهم النجاة، ومن ثم حصوله على فرصة عمل محترمة. والسؤال هنا: لماذا لا نسعى اليوم، هنا، إلى بناء تلك الفرص لحماية الفرد والمجتمع من المجهول الذي يقبع خلف أمواج الهلاك؟

 

الخلاصة... إن المسؤولية تقع اليوم على الجميع دون استثناء، من رأس الهرم المتمثل برئيس الجمهورية إلى عامل الخدمة، ولكن هناك تباينًا فيما يقع على عاتق كل واحد منهم. فالفشل الحكومي في إدارة الحياة العامة دفع الفتية، رحمهم الله، إلى ذلك المصير، ويكون الموت وقتها حاملًا عنوان: **(شواهد بلا قبور).**

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

مقال

 

البهائم في المجتمع

تحت عنوان

صور من حياتنا اليومية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لتكن البداية من حكاية كان يرويها أبي رحمه الله، يقول فيها: «كان له صديق في العقد الستيني من ذلك الوقت، وكان يتفاخر بأنه لم يضحك يومًا ما في وجه طفل». وبقيت تلك الرواية معلقة في ذهني، ومعها سؤال: ما الذي يدفع بشرًا على هذه الأرض إلى فعل هذا؟ وهل هناك شخوص مشابهة له في يومنا هذا؟

إن خطورة هذه الحكاية لا تكمن في شخص امتنع عن الابتسام لطفل، بقدر ما تكمن في العقلية التي تحوّل القسوة إلى وسام يتفاخر به صاحبه. فهناك فرق كبير بين إنسان لا يبتسم لأسباب تخصه، وبين إنسان يجعل من حرمان الآخرين من أبسط مظاهر الود دليلًا على قوته أو تميّزه. إن الإنسان لا يُقاس بما يمتلكه من مال أو نفوذ أو شهادات، وإنما بما بقي في داخله من إنسانية لم تستطع الحياة أن تنتزعها منه. فحين يصبح إيذاء المشاعر مصدرًا للفخر، نكون أمام خلل في فهم معنى القوة، لأن القوة الحقيقية هي أن تستطيع أن تؤذي فلا تفعل، وأن تمتلك القدرة على الإهانة ثم تختار احترام الآخرين.

ومن هنا كانت فكرة الكتابة عن شريحة البهائم في المجتمع، وصورهم وأفعالهم، وقد تكون تلك النماذج سببًا فيما نعيشه اليوم من نكسات اجتماعية.

وللتنويه... الموضوع ليس له علاقة بالبهيمية كفكرة، ولكن سوف نستعرض بعض السلوكيات التي أصبحت اليوم من الأمور الطبيعية في عالمنا.

وهنا لا بد من التمييز بين الإنسان الذي تنقصه المعرفة، والإنسان الذي تنقصه الإنسانية؛ فالأول يمكن أن يتعلم، أما الثاني فقد يمتلك المعرفة كلها، لكنه يوظفها في خدمة أنانيته ومصالحه. إن الجهل ليس دائمًا نتيجة غياب التعليم، كما أن الثقافة ليست دليلًا قاطعًا على سلامة الضمير. فقد تجد إنسانًا يقرأ آلاف الكتب، لكنه لا يتعلم من صفحة واحدة كيف يحترم حق غيره، وقد تجد آخر لا يحمل شهادة علمية، لكنه يمتلك من المروءة ما يعجز عنه أصحاب الألقاب والمناصب. ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس انتشار الجهل وحده، بل أن تتحول المعرفة إلى أداة لتبرير الخطأ، وأن يصبح الذكاء وسيلة للإفلات من المسؤولية بدلًا من أن يكون وسيلة لاكتشاف الحقيقة.

هل تعلم أن هناك شخوصًا لا يعلمون عن الحياة بأكملها سوى شيء واحد، وهذا لا يعود إلى مرض التوحد بوصفه مرضًا مستعصيًا، ولكن عندما تنعدم بعض القضايا، نكون مجرد دمى تتحرك بلا شعور أو إحساس، وقد يكون هذا من أخطر القضايا التي من الممكن تصورها.

فتخيل للحظة أن هناك شريكًا فاقدًا للرحمة، والضمير، والصدق، والمروءة، وجميع الأخلاقيات المتعارف عليها، ويقوم بالتركيز على شيء واحد، مثل المال أو الجنس أو السلطة. ولو تخيلت هذا للحظة، لأدركت بشاعة الموقف.

إن المشكلة لا تكمن في المال أو الغريزة أو السلطة بحد ذاتها، فهذه أمور تدخل في طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما تكمن في اللحظة التي يتحول فيها أحدها من وسيلة للعيش إلى غاية تبتلع سائر الغايات. عندها لا يعود المال وسيلة لتأمين الحياة، بل يصبح مبررًا لسحقها، ولا تعود الغريزة جزءًا من الطبيعة البشرية، بل تتحول إلى رغبة في امتلاك الآخر وإلغاء إرادته، ولا تعود السلطة مسؤولية لخدمة الناس، بل تصبح امتيازًا يتيح لصاحبها التعامل معهم كما لو كانوا أدوات في ملكيته. وحين يختزل الإنسان وجوده في رغبة واحدة، فإنه لا يخسر علاقته بالآخرين فحسب، بل يخسر قدرته على محاسبة نفسه؛ لأنه يمنح رغباته حق إصدار الأحكام، ثم يجعل من ضميره محاميًا للدفاع عنها مهما بلغت فداحة نتائجها.

ليكون السؤال هنا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى ارتكاب جريمة القتل؟ برأيك، هل يكون ذلك بسبب واحدة من الأمور التي ذكرتها، في قضية التركيز على شيء واحد لإلغاء كل شيء من حوله؟

ولعل الجريمة تبدأ في كثير من الأحيان قبل أن تتحول إلى فعل ملموس؛ إذ تبدأ حين يسقط الإنسان من حساباته حق الآخر في الحياة والكرامة، وحين يقنع نفسه بأن مصلحته أعلى من وجود غيره، وأن اختلاف الآخرين معه يمنحه الحق في إقصائهم أو الانتقام منهم. فليس كل من يحمل السلاح هو الذي صنع الجريمة من بدايتها، فقد تسبقه عقلية تبرر الكراهية، وبيئة تكافئ الاعتداء، وخطابات تنزع عن الإنسان صفته الإنسانية لمجرد الاختلاف معه. وهذا لا يعني أن كل صاحب فكر قاسٍ سيصبح قاتلًا، بل يعني أن تبرير الاعتداء وإهدار كرامة الآخرين يهيئان مناخًا أخلاقيًا خطيرًا، تصبح فيه الجريمة أقل استنكارًا لدى من اعتادوا البحث عن الأعذار لها. وهنا تكمن الكارثة: حين يصبح السؤال عند البعض ليس لماذا قتل الإنسان أخاه، بل كيف نبرر له ما فعل؟

وما لا يعلمه الكثيرون أن شريحة البهائم هي الأكثر انتشارًا في هذا العالم، وليس من الضروري أن يكون أحدهم غبيًا متسكعًا في الشوارع، بل على العكس، قد يكون متفوقًا دراسيًا، أو من أصحاب الأموال، أو من أصحاب البدل الرسمية. وهذا يدفعنا إلى السؤال الأهم في الموضوع: كيف تعرفهم وتميزهم؟

والإجابة تكون من بداية يومك؛ فأنت إن لم تبدأ يومك بابتسامة، فأنت منهم، وإن استيقظت من نومك وأنت تكره هذا، وتحقد على هذا، وتضمر المكر لذاك، فأنت منهم. وإذا جعلت من المال إلهًا تعبده، وبه يمكن سحق القريب والبعيد، ويأمرك بأن تستبدل الحق بالباطل، فأنت منهم. وإذا جعلت من حياتك مصائد تصطاد بها النسوة في كل مكان، وجعلت غايتك المرأة والحصول عليها، فأنت منهم. وإذا ما جعلت نفسك دمية بيد الغير للحصول على مكتسبات سلطوية، ولو كنت قاضيًا في محكمة، فأنت منهم. ولهذا نرى اليوم أن عالمنا أصبح كثير المناشدات، وقد يرجع البعض هذا إلى ضعف القانون، وهذا غير صحيح، ولكنهم أماتوا كل الأشياء الفطرية التي زرعها الله فينا.

ليكون السؤال في هذا الموضوع: هل هم لا يدركون هذا؟ والإجابة في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ . صدق الله العظيم.

وفي موضع آخر وصفهم الله بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . صدق الله العظيم... وما جاء في كتاب الله لم أبتعد عنه كثيرًا فيما ورد في هذه السطور.

إن الإشارة القرآنية إلى عمى القلوب تضعنا أمام حقيقة تتجاوز فقدان البصر إلى فقدان البصيرة؛ فالإنسان قد يرى الوقائع أمامه، ويعرف نتائج أفعاله، ويدرك مقدار الضرر الذي ألحقه بالآخرين، لكنه يرفض الاعتراف بالحقيقة لأنها تتعارض مع مصلحته أو صورته عن نفسه. وهنا يصبح الخلل أخلاقيًا قبل أن يكون معرفيًا، لأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الدليل، بل في الاستعداد لقبوله. فالمرء قد يسمع النصيحة ثم يردها، ويرى الظلم ثم يبحث له عن مبررات، ويشهد انكسار الآخرين ثم يقنع نفسه بأنهم يستحقون ما حدث لهم. ومن هنا فإن مراجعة النفس ليست ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا عابرًا، بل ضرورة تحمي الإنسان من التحول إلى خصم للحقيقة التي يدعي الدفاع عنها.

كيف لا أكون منهم؟ إنه لأمر بسيط جدًا: عُدْ إلى قراءة القضايا التي خلقك الله عليها، وما ورد في الكتب السماوية، بقراءة مختلفة تُبعدنا عن الدخول في صراعات عبثية. عندها فقط تدرك أن الذي يختلف معك في الدين ليس عدوًا لك، إلا إذا ما أراد المساس بمعتقداتك الأساسية أو استعبادك. وغير ذلك، ضع في حساباتك أنك لم تُخلق للحقد والضغينة والقتل.

ولا يمكن أن نكتشف حقيقة الإنسان من مظهره أو مهنته أو مقدار ما يمتلكه، لأن المظاهر قد تتشابه بينما تختلف الضمائر اختلافًا لا حدود له. إن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تتعارض المصلحة مع الأمانة، وعندما تصبح الحقيقة عبئًا على صاحبها، وعندما يستطيع الإنسان أن يستغل ضعف غيره دون أن يراه أحد. هناك، بعيدًا عن المنابر والشعارات والصور الاجتماعية المصطنعة، تتكشف المعادن الحقيقية. فكم من إنسان يتحدث عن الأخلاق ما دامت لا تكلفه شيئًا، ثم يتخلى عنها عند أول منفعة، وكم من شخص يطالب بالعدالة حين يكون مظلومًا، فإذا امتلك القوة أصبح خصمًا للعدالة التي كان يطالب بها. إن الأخلاق ليست ما نقوله عندما نكون في موضع الوعظ، بل ما نفعله عندما نكون في موضع القدرة والاختيار.

فإذا ما كان هذا، فبعدها اعقد صلحًا مع الله، ثم مع نفسك. وهنا يسأل أحدكم: هل نحن في خصومة مع الله؟ وتكون الإجابة: نعم؛ فعندما تخرج عن إرادته، فأنت خصمه. والأمانة التي حملها الإنسان تبدأ بنفسك، ثم الإنسان الذي يحيا معك، ثم الأرض التي منحك الله إياها. وأنت اليوم تقود معارك عالمية للاستحواذ على ما هو ملك لله، فكيف لا يكون خصمك بعد هذا؟

وهنا ليست البهيمية التي يتناولها هذا المقال شكلًا أو مهنة أو طبقة اجتماعية، وإنما هي استعارة نقدية لسلوك يفقد فيه الإنسان بوصلته الأخلاقية، حين يقدم شهواته ومصالحه على حقوق الآخرين، ويجعل من قوته مبررًا لتجاوز الحدود. ولا أحد منا يمتلك حصانة مطلقة من الخطأ، لكن الفارق أن هناك من يراجع نفسه حين يخطئ، وهناك من يحوّل الخطأ إلى مبدأ، والأنانية إلى حق، والاعتداء إلى بطولة. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه؛ فلا يكفي أن نلعن الظلام إذا كنا نرفض الاعتراف بما نساهم به في صناعته، ولا يكفي أن نتحدث عن الله والعدالة والأخلاق إذا كانت أفعالنا تنقض كل ما تقوله ألسنتنا. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في ادعائه الفضيلة، بل في قدرته على ممارستها حين تتعارض مع مصلحته، ولا يظهر إيمانه في كثرة ما يردده من أقوال، بل في أثر ذلك الإيمان على عدله ورحمته وأمانته. وتلك هي المسافة الفاصلة بين إنسان يخطئ ثم يحاسب نفسه، وإنسان يتخذ من أخطائه أسلوب حياة، ثم يطالب العالم بأن يحترمه.

الخلاصة ... وفي الختام، أقول لكل من باع ضميره من أجل المال، وداس على كرامة الناس من أجل السلطة، واتخذ من الشهوة غاية، ومن المكر وسيلة، ومن القسوة بطولة: أنتم لستم أذكياء كما تتوهمون، بل أنتم صورة لانهيار الإنسان في داخلكم. فمهما ارتديتم من بدلات رسمية، وامتلكتم من أموال ومناصب، ستبقون عراة أمام حقيقة أفعالكم؛ لأن البهائم ليست من فقدت النطق، بل من فقد إنسانيته وهو يتباهى بأنه إنسان!

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

مقال

 

 الرد على ما نُشر من تفاهات في موقع الحوار المتمدن

تحت عنوان

مقال «أبناء الزنى كيف أصبحوا أمراء المسلمين» المنسوب إلى عكاشة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



أعاد أحدهم نشر مقال منسوب إلى أسامة أنور عكاشة، كاتب السيناريو المصري المعروف، وهو مقال يحمل عنوانًا يستفز القارئ ويدفعه إلى الدخول في متاهة من الاتهامات التي تتعلق بالأنساب والشرف والتاريخ. وهنا لا بد لنا من الوقوف أمام ما نُشر، لا من باب الدفاع عن أشخاص مضوا إلى التاريخ، بل من باب الدفاع عن قيمة الكلمة، وحرمة الحقيقة التاريخية، وحق العقل في ألا يتحول إلى أداة لترويج الأكاذيب.

وللتنويه، قلتها منذ زمن طويل: إن القراءة النقدية الحديثة تقوم على نزع قدسية الشخوص عن النص، ولكن هذه القاعدة لا تعني أن ننزع عن أنفسنا قدسية الحقيقة، ولا أن نحول النقد إلى ساحة مفتوحة للطعن والتشهير. فهناك فرق كبير بين أن تنقد شخصية تاريخية، وأن تختلق رواية عنها، وبين أن تفكك نصًا تاريخيًا، وأن تستخرج منه ما يخدم رغبتك في الإساءة إلى الآخرين.

ويبدو أن ناشر المقال لم يميز بين النقد التاريخي والطعن في التاريخ، ولا بين البحث عن الحقيقة والبحث عما يرضي القناعات المسبقة. فالتاريخ ليس حانوتًا نختار من بضاعته ما يناسب خصومتنا، ثم نغلق أبوابه أمام كل ما يخالف أهواءنا. وليس من حق أي كاتب أن يتعامل مع الأنساب بوصفها مادة للتسلية أو وسيلة لإهانة شخصيات اختلف معها فكريًا أو عقائديًا.

وأنا هنا لا أدافع عن الشرف من باب العصبية، ولا أطالب بمنح الشخصيات التاريخية حصانة تمنع مساءلتها، وإنما أطالب بميزان واحد في التعامل مع الجميع؛ فمن كانت لديه رواية فليأتِ بمصدرها، ومن كانت لديه حجة فليعرضها، أما أن تتحول التهمة إلى حقيقة لمجرد تكرارها، فهذه ليست ثقافة ولا بحثًا ولا شجاعة فكرية، وإنما إفلاس في التعامل مع المعرفة.

ولنبدأ بالسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ما كُتب محاولة للكشف عن حقيقة الشخصيات التاريخية، فأين الدليل الذي يثبت تلك الاتهامات؟ وهل يصبح الطعن في الأنساب بحثًا تاريخيًا لمجرد وضع عنوان مثير فوقه؟

إن المشكلة ليست في أن يختلف الناس حول التاريخ، فالاختلاف هو الذي يفتح أبواب البحث، وإنما المشكلة في أن يتحول الاختلاف إلى محكمة تصدر أحكامها قبل أن تستمع إلى الأدلة. وحين يصبح الاتهام هو الدليل، وتصبح الخصومة هي المنهج، فإننا لا نكون أمام قراءة للتاريخ، بل أمام رغبة في إعادة كتابة الماضي وفق مزاج الحاضر.

 

الطعن في الأنساب وصناعة الخصومة ... إن من يتتبع تاريخ العرب يجد أن النسب كان يحتل موقعًا مهمًا في بنية المجتمع، وأن الشعر والهجاء والمفاخرات القبلية استُخدمت في الدفاع عن المكانة الاجتماعية أو النيل من الخصوم. ولكن وجود هذه الظاهرة في التاريخ لا يمنحنا الحق في تحويل كل ما قيل في مجالس الخصومة إلى حقيقة ثابتة، ولا يجعل كل هجاء دليلًا على صحة ما يتضمنه من اتهامات.

فالشاعر الذي يهجو خصمه ليس مؤرخًا محايدًا بالضرورة، والخصم الذي يطعن في نسب خصمه لا يقدم شهادة براءة لنفسه. إنما نحن أمام خطاب تحكمه أحيانًا المنافسة والمبالغة والمصلحة، ولذلك يحتاج إلى قراءة نقدية تكشف دوافعه وسياقه، لا إلى عقل يلتقط الكلمات ويحولها إلى أحكام نهائية.

وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها بعض الكتّاب؛ إذ يرفعون شعار القراءة النقدية عندما يتعلق الأمر بمن يختلفون معهم، ثم يتخلون عن أبسط قواعد النقد عندما يجدون رواية تخدم موقفهم. فيقبلون الخبر بلا تمحيص، ويهملون مصدره، ولا يسألون عن زمن تدوينه أو عن الظروف التي أحاطت به، وكأن الحقيقة التاريخية أصبحت ملكًا لمن يصرخ أكثر من غيره.

وإذا كان الطعن في الأنساب قد استُخدم في بعض مراحل التاريخ أداةً للنيل من الخصوم، فإن إعادة نشر تلك الاتهامات في عصرنا من دون تحقق لا تجعل صاحبها باحثًا، بل تجعله حلقة جديدة في سلسلة نقل الروايات التي لم تخضع للفحص الكافي.

 

بين الأصل والأخلاق ... من الأخطاء الفكرية التي ينبغي الوقوف عندها الربط الآلي بين الأصل والأخلاق، وكأن الإنسان يحمل صفاته الأخلاقية في شهادة نسبه، أو كأن الشجاعة والكرم والذكاء لا يمكن أن توجد إلا في أسرة بعينها.

لقد عرفت المجتمعات العربية مفاخرات بالأنساب، كما عرفت قصصًا عن الشجاعة والكرم والوفاء، لكن هذه المفاهيم لا يجوز أن تتحول إلى قوانين بيولوجية أو أحكام قطعية على الناس. فالأخلاق تُعرف بالمواقف والأفعال، والشجاعة تُعرف عند الشدائد، والكرم يُعرف عند البذل، أما النسب وحده فلا يمنح صاحبه شهادة أخلاقية، ولا يسلبها من غيره.

والأهم من ذلك أن ظروف الولادة لا تمثل ذنبًا يرتكبه الإنسان، ولا يجوز تحويلها إلى وصمة تلاحقه طوال حياته. فإذا كنا نرفض الطعن في شخصيات تاريخية من خلال اتهامات غير مثبتة، فعلينا أيضًا أن نرفض تحميل أي إنسان مسؤولية أمر لم يختره ولم يرتكبه.

إن محاكمة الإنسان بأصله بدلًا من فعله صورة من صور العجز عن محاكمته بما يستحقه من معايير. وهي مفارقة مؤلمة أن يرفع البعض راية الأخلاق، ثم يستخدموا النسب أداةً للإهانة، مع أن الأخلاق الحقيقية تبدأ من العدل في الحكم على الآخرين.

 

حين يتحول التاريخ إلى سلاح ... إذا أردنا أن نجري مقارنة بين ما ورد في المقال المتداول وبين الأسماء التاريخية التي تناولها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف نثبت التهمة؟ بل: ما الدليل الذي يجعلنا نقبلها أصلًا؟

فوجود قائد أو شاعر أو فارس أو صاحب رأي في التاريخ لا يثبت صحة نسبه ولا ينفيها، كما أن نجاحه أو إخفاقه لا يمثل دليلًا قاطعًا على ظروف ولادته. إنما لكل ادعاء دليله الخاص، ولكل رواية سياقها، ولكل شخصية تاريخية ما يمكن إثباته من خلال المصادر المتاحة.

أما أن نرى رجلًا عظيمًا في مواقفه، فنستنتج من عظمته حقيقة نسبه، أو أن نرى رجلًا سيئ السيرة فنستنتج من سوء فعله فساد أصله، فهذه مغالطة لا تقل خطورة عن المغالطة التي ننتقدها. فالحقيقة لا تُستخرج من رغبتنا في تمجيد شخص أو تحقيره، وإنما من الأدلة التي يمكن فحصها ومناقشتها.

وهنا أقول: ليس من الضروري أن نحول كل شخصية تاريخية إلى ملاك حتى نرفض الطعن فيها، وليس من الضروري أن نمنح أحدًا صك البراءة من أخطائه حتى نطالب بالإنصاف في محاكمته. فالتاريخ أكبر من أن يُختصر في معادلة تقوم على التقديس المطلق أو التشويه المطلق.

 

هند بنت عتبة وسؤال الشرف ... وهنا أستشهد بالموقف المشهور المنقول عن هند بنت عتبة عند بيعة النساء، حين ورد في الرواية قولها: «أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟». ويُستشهد بهذا الموقف في سياق الحديث عن تصور الشرف والعفة في المجتمع العربي، لكن من الضروري ألا نحمل العبارة أكثر مما تحتمل، وألا نجعلها وحدها دليلًا على كل ما نريد إثباته بشأن المجتمع قبل الإسلام.

إن قيمة هذا الاستشهاد تكمن في أنه يفتح بابًا لفهم تصورات المجتمع عن العفة والشرف، لا في أنه يمنحنا الحق في إصدار أحكام شاملة على جميع العرب أو جميع النساء في ذلك العصر. فالمجتمعات لا تُفهم من عبارة واحدة، والتاريخ لا يُختزل في موقف منفرد، والرواية مهما كانت مشهورة تحتاج إلى قراءة في سياقها عندما نريد استخدامها دليلًا على قضية واسعة.

وهنا يظهر الفرق بين الكاتب الذي يستشهد بالنص ليفهمه، والكاتب الذي يستدعي النص ليجعله شاهدًا على حكم قرره سلفًا. فالأول يبحث عن الدلالة، والثاني يبحث عن عبارة تمنحه شعورًا بأنه انتصر.

 

معضلة المصادر ومن يكتب التاريخ ومن يعيد تدويره؟  ... كثير من الأقلام تستقي معلوماتها من الكتب، ومنها الرصين الذي يستند إلى البحث والتحقيق، ومنها ما يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، ومنها ما كُتب في ظروف سياسية أو طائفية أو عقائدية أثرت في طريقة عرض الوقائع. ولهذا فإن مجرد وجود رواية في كتاب لا يعني أنها أصبحت حقيقة نهائية، كما أن اختلافنا مع مؤلف لا يكفي وحده لإسقاط كل ما كتبه.

إن السؤال الحقيقي هو: من نقل الرواية؟ ومتى نُقلت؟ وما المصدر الذي استند إليه الناقل؟ وهل توجد روايات أخرى تخالفها؟ وهل تعامل معها المؤرخون بوصفها حقيقة أم بوصفها خبرًا يحتاج إلى التمحيص؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع الباحث، لا كثرة الاقتباسات ولا ارتفاع نبرة الخطاب. فهناك من يقرأ عشرات الكتب ولا يتجاوز مرحلة جمع العبارات، وهناك من يقرأ نصًا واحدًا قراءة نقدية متأنية فيكتشف ما بين سطوره من تناقضات ومصالح ودوافع.

ومن هنا، فإن إعادة نشر رواية قديمة لا تُعد إنجازًا معرفيًا بحد ذاتها. الإنجاز هو أن تفحص الرواية، وتكشف مصدرها، وتحدد درجة موثوقيتها، ثم تضعها أمام القارئ في إطارها الصحيح. أما أن تعيد تدويرها وتمنحها عنوانًا صادمًا، فأنت لم تضف إلى المعرفة شيئًا، بل ربما أضفت إلى التضليل جمهورًا جديدًا.

 

حرية التعبير ليست حرية اختلاق الوقائع ... إن حرية التعبير حق لا ينبغي أن يخضع لأهواء الأشخاص أو المؤسسات، ولكن الحرية لا تعني أن تصبح الادعاءات حقائق بمجرد نشرها، ولا أن يتحول النقد إلى حصانة تحمي الكاتب من مساءلة ما يقدمه من معلومات.

فالكاتب الذي يطالب بحقه في التعبير مطالب أيضًا باحترام عقل القارئ. ومن يطالب الآخرين بتقبل رأيه، عليه أن يقبل مساءلة مصادره. ومن يرفع شعار كشف المستور، ينبغي أن يكون أول من يخضع لما يكشفه من معلومات للفحص والتحقق.

وليس كل من خالفنا خصمًا للحقيقة، كما أن ليس كل من وافقنا شاهدًا عليها. إن أخطر ما يصيب الثقافة أن تنقسم العقول إلى معسكرات لا تبحث عن الصواب، بل تبحث عما يثبت أنها كانت على صواب منذ البداية.

وهذا ما يجعل بعض الكتابات أشبه بالمرافعات المغلقة؛ فهي لا تطرح سؤالًا لتبحث عن إجابته، وإنما تصوغ السؤال بطريقة تجعل الإجابة محسومة قبل بدء النقاش. وعندها لا يعود القارئ شريكًا في التفكير، بل يتحول إلى متلقٍ مطلوب منه أن يصفق للحكم النهائي.

 

من يطعن في الآخرين ماذا يملك من دليل؟ ... إنني أعتبر هذه النوعية من الكتابات إفلاسًا فكريًا عندما تستبدل الحجة بالإهانة، والدليل بالتكرار، والبحث بالتشهير. فالكاتب الذي لا يجد ما يناقش به خصمه، ثم يلجأ إلى اتهامات تمس نسبه أو شرفه من دون دليل موثوق، إنما يكشف عن أزمة في أدواته قبل أن يكشف عن أي شيء يتعلق بالشخص الذي يهاجمه.

وهنا تنطبق الحكمة الشعبية: «إن كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة». فليس المقصود أن نسكت عن أخطاء الآخرين خوفًا من أخطائنا، بل أن نراجع معاييرنا قبل أن نستخدمها في محاكمة الناس. ومن يطالب بالعدل عليه أن يقبل تطبيق المعيار ذاته على نفسه وعلى من يوافقه، لا أن يجعل النقد سلاحًا باتجاه واحد.

ولو أراد الطرف الآخر أن يرد على الاتهامات باتهامات مماثلة، لما انتهى هذا النوع من الخصومات؛ إذ يستطيع كل فريق أن يجمع ما يشاء من روايات متفرقة، ثم يصنع منها صورة مشوهة عن خصمه. ولكن هل تكون النتيجة كشفًا للحقيقة، أم سباقًا في صناعة الأكاذيب؟

إن المجتمع الذي يسمح للكلمة بأن تتحول إلى حكم نهائي من دون دليل، يفتح الباب أمام كل من يريد أن يصفي حساباته مع الآخرين باسم التاريخ أو الدين أو الثقافة. وعندها يصبح القلم أداة لتوزيع الاتهامات بدلًا من أن يكون وسيلة لتنوير العقول.

العظمة لا تثبت النسب، والاتهام لا يثبت الحقيقة ... إن الرجال الذين تناولهم المقال المتداول لا يمكن الحكم عليهم جميعًا بحكم واحد، كما لا يمكن أن نثبت صحة أنسابهم أو ننفيها من خلال مناصبهم أو بطولاتهم أو شهرتهم. فلكل شخصية تاريخها، ولكل واقعة مصادرها، ولكل ادعاء ما يلزم لإثباته.

لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن الطعن في أمهات الشخصيات لا يقدم تفسيرًا علميًا لإنجازاتها، ولا يفسر أسباب صعودها، ولا يكشف حقيقة مواقفها. إنه ينقل النقاش من الأفعال إلى الأنساب، ومن تحليل التاريخ إلى استثارة الغرائز الاجتماعية.

والإنسان قد يرث ظروفًا اجتماعية معينة، لكنه لا يرث بالضرورة موقفًا أخلاقيًا محددًا، كما أن المكانة العائلية لا تضمن الفضيلة، والفقر أو اضطراب النسب لا يفرضان الرذيلة. إنما تُقاس قيمة الإنسان بما يفعله، وبما يتحمله من مسؤولية، وبما يتركه من أثر.

ولهذا فإن القول إن النساء اللاتي أنجبن رجالًا عظماء لا يمكن أن يكنّ بالصفات التي نُسبت إليهن يحتاج هو الآخر إلى ضبط منطقي؛ فالأفعال العظيمة للأبناء ليست دليلًا قاطعًا على كل تفاصيل حياة أمهاتهم، كما أن الاتهامات الموجهة إلى الأمهات لا تُبطل إنجازات الأبناء. والحكم العادل لا يخلط بين هذه المستويات، بل يضع كل مسألة أمام دليلها الخاص.

إنني لا أحتاج إلى إثبات فضيلة شخص من خلال نسبه، ولا إلى إثبات خطأ خصمه من خلال اتهام أمه. يكفيني أن أطالب كل من يكتب في التاريخ بأن يقدم ما لديه من أدلة، وأن يتحمل مسؤولية ما ينشره، وأن يدرك أن إثارة الجدل ليست إنجازًا معرفيًا ما لم تقترن بالحقيقة.

 

الدين وهيبة الحقيقة ... وللتوضيح، فإن الدفاع عن الدين ورجاله لا يكون بتعطيل العقل، كما أن نقد الروايات المتعلقة بتاريخ الدين لا يعني بالضرورة الطعن في الدين نفسه. فهناك فرق بين من يناقش رواية تاريخية وفق قواعد البحث، وبين من يتعمد تحريفها أو توظيفها للإساءة إلى معتقدات الناس.

إن الخلط بين الأمرين يضر بالحقيقة من جهتين؛ فهو يمنح بعض الادعاءات حصانة لا تستحقها، ويفتح المجال في الوقت نفسه أمام من يريد استغلال الأخطاء أو الروايات الضعيفة للطعن في منظومة كاملة. أما المنهج الرصين فيفصل بين النص والرواية، وبين الرواية وتفسيرها، وبين الوقائع التاريخية والمواقف العقائدية التي تُبنى عليها.

وإذا كان المرء يؤمن بأن الدين يقوم على الحق والعدل، فعليه أن يجعل هاتين القيمتين أساسًا في تعامله مع التاريخ، لا أن يكتفي برفض ما يسيء إليه وقبول ما يوافقه من دون تمحيص. فالحقيقة لا تحتاج إلى أكاذيب تحرسها، والعدل لا يحتاج إلى ظلم الآخرين حتى يثبت وجوده.

وهنا تكمن مسؤولية الكاتب؛ فهو لا يكتب لنفسه وحدها، بل يشارك في تشكيل وعي القارئ، وقد تتحول كلماته إلى قناعة عامة تتناقلها الأجيال. ولهذا فإن التهاون في نقل الأخبار التاريخية ليس خطأً بسيطًا دائمًا، بل قد يكون مدخلًا لتشويه الذاكرة الجماعية وإدامة الخصومات التي كان يفترض بالثقافة أن تساعد على تجاوزها.

 

الخلاصة ... يبقى السؤال الذي أوجهه إلى ناشر المقال، وإلى كل من يعتقد أن إعادة نشر الاتهامات تكفي لإثباتها: ما المصدر الذي تعتمد عليه؟ وما معيارك في قبول الرواية أو رفضها؟ وهل ستقبل المعيار ذاته عندما يستخدمه شخص آخر ضد من تؤمن بهم أو تدافع عنهم؟

إن هذا هو الاختبار الحقيقي للكاتب، لا قدرته على اختيار عنوان مثير، ولا مهارته في جمع العبارات التي تستفز الجمهور. فالكاتب الذي يمتلك حجة لا يخشى السؤال عن مصدرها، والباحث الذي يثق بمنهجه لا يهرب من النقد، أما من يكتفي بتكرار الاتهام، فإنه يراهن على أن يسبق انفعال القارئ تفكيره.

إن التاريخ ليس ملكًا لطائفة، ولا حكرًا على عقيدة، ولا ساحة مباحة لتصفية الحسابات الشخصية. إنه ذاكرة البشر، وما يُكتب عنه ينبغي أن يخضع لمعيار الدليل، لا لمعيار الخصومة. ومن حقنا أن نختلف في تفسير الوقائع، لكن ليس من حقنا أن نصنع الوقائع على مقاس اختلافاتنا.

وأقولها بوضوح: إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب ليس أن يخطئ في معلومة، فالخطأ قابل للتصحيح، وإنما أن يتعامل مع الخطأ بوصفه حقيقة بعد أن يُكشف له، وأن يجعل من قلمه وسيلة لتضليل الآخرين بدلًا من مساعدتهم على الفهم.

أما السؤال الأخير، فهو ليس عن أنساب الرجال الذين وردت أسماؤهم في المقال، وإنما عن أنساب الروايات نفسها: من أين جاءت؟ ومن نقلها؟ وما الذي يثبت صحتها؟ ومن المستفيد من إعادة نشرها بهذه الصورة؟

فإذا كان الكاتب يطالبنا بأن نصدق ما يكتبه عن التاريخ، فعليه أولًا أن يثبت أنه احترم التاريخ عندما كتب عنه.

 

مقال

  الفتاة ذات الهالة والكاتب تحت عنوان ما قد حدث في الأمس بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين ليس كل كلام جميل غزلًا، وليس كل حدي...