الصراع القيمي
تحت عنوان
قراءة في عمل سينمائي بعنوان (برشامة) لعام 2026
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
ما زال هناك أمل.. بهذه الجملة أبدأ قراءتي في عمل سينمائي أُنتج لهذا العام، ينتمي إلى السينما المصرية، وهو - إذا ما أردنا أن نُبوِّبه - يكون من باب الكوميديا الساخرة. أُنتج العمل سنة 2026، وهو من تأليف وإخراج خالد دياب، وأداء مجموعة متميزة من الفنانين. وما يميز هذا العمل، بشكل عام، أنه أسقط نظرية البطولة المطلقة، وطرح مجموعة من القضايا بأسلوب ساخر. وقد يكون عنوان العمل غريبًا نوعًا ما، وهو (برشامة)، ويُقصد بها قصاصة الغش. وهنا سوف نقدم عرضًا لبعض التقنيات المستخدمة في العمل.
فكرة العمل... العمل برمته مستوحى من فكرة يجسدها مثل
شعبي عراقي مفاده: (هم يضحك وهم يبكي). وتدور القصة حول لجنة امتحانية يُطلق عليها
في مصر (امتحان بمنازلهم)، وهي الامتحانات الخارجية للطلبة الذين تأخروا في
التحصيل الدراسي. وهنا تكون الفكرة جامعة لمجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل
شرائح اجتماعية مختلفة، بينهم رجل دين، وراقصة، وسجين، وغيرهم الكثير. وهذا ما خلق
نوعًا من الصراع القيمي في طرق الحصول على تقييم امتحاني عالٍ. وقد تكون فكرة
الفصل الدراسي فكرة مستهلكة في السينما المصرية، إلا أنها في هذا العمل جاءت
متميزة في طرح الموضوعات بصورة مختلفة.
نقاط القوة والضعف في العمل... لكل عمل في الحياة نقاط
قوة تُحسب له، وأخرى ضعيفة تُحسب عليه. ومن أبرز نقاط القوة طرح المشكلة بأسلوب
يجمع بين الكوميديا والدراما، دون أن يفقد رسالته الأساسية، وهذا يتجسد في عبقرية
النص وتقديمه بصورة مقنعة، مما يمنحه ميزة سهولة وصول الفكرة إلى المتلقي. بالإضافة
إلى أداء جيد من أبطال الفيلم، خصوصًا في المشاهد التي تتطلب توازنًا بين
الكوميديا والانفعال، حتى على مستوى الأدوار الثانوية.
وهنا تكون هناك نقطة مميزة رصدتها من خلال مشاهدتي
للعمل، وهي أن الإيقاع السريع في الثلث الأول من الفيلم جذب انتباه المشاهد، وفي
هذا أيضًا تميز يُحسب لإدارة العمل الفني، المتمثلة بشخصية المخرج.
ومن جملة القضايا التي طرحها الفيلم احتواء العمل على
رسائل تربوية وأخلاقية دون تعقيد كبير، ومنها الصراع القيمي بين مجموعة من
الشخصيات، مثل رجل الدين، والراقصة، والسجين، وهذه هي أصل الفكرة التي قام عليها
العمل.
ومن خلال وجود مواقف كوميدية نابعة من الموقف الدرامي،
أكثر من اعتمادها على الإفيهات فقط، شدَّ انتباهي أحد تلك الإفيهات التي تصب في
فكرة الموضوع، والتي وردت في النص، إذ قال أحدهم: «إن الغش في بعض المواقف الحرجة
حلال»، فرد عليه رجل الدين: «من الذي قال هذا؟ أنا أحفظ كل ما ورد عن ابن حنبل،
ولم يرد شيء من هذا.» فرد الآخر قائلًا: «هذا لم يقله ابن حنبل، وإنما قاله ابن
عمي.»
وهنا تبرز فكرة تسفيه القيم التي تُحسب على العمل. ومن
باب الطرفة، فقد مرت عليَّ فكرة مشابهة لمحتوى متداول على مواقع التواصل
الاجتماعي، عندما قالت امرأة لزوجها: «إن الرجل لا يجوز أن يهمل زوجته، وهو حديث
متفق عليه.» فرد الرجل: «ومن هؤلاء المتفقون على هذا الحديث؟» فقالت: «أنا ونسوان
الحي.»
ومن هذا المنطلق يكون هناك ما يُعرف بتشويه الصورة للقيم
الأخلاقية بصورة لينة، لزرع الفكرة في العقل الباطن للمشاهد.
المضمون... إن العمل، رغم ما ذُكر مما يُحسب عليه، يُعد
عملًا ناجحًا يستحق المشاهدة إلى حد كبير، بسبب بساطة الطرح الممتع، وابتعاده عن
تلميع الشخصيات في العمل، وهو الأمر الذي طالما تعودنا عليه. وهذا ما ينتمي إلى
مفهوم السهل الممتنع، الذي عالج به مجموعة من القضايا بصورة موحدة في عمل سينمائي
أعده، من وجهة نظري، طفرة فريدة في فوضى السينما، ليكون هذا العمل بمثابة بذرة أمل
في تقديم عروض هادفة.
ومن زاوية أخرى، فإن العمل لم يكن يتحدث عن ورقة
امتحانية بقدر ما كان يتحدث عن امتحان الضمير الإنساني، فكل شخصية دخلت قاعة
الامتحان وهي تحمل معها منظومة من المبادئ والقيم التي تشكلت عبر سنوات طويلة،
ولهذا لم يكن الصراع الحقيقي على الإجابة الصحيحة، وإنما على الوسيلة التي تُوصل
إليها. فهناك من رأى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهناك من تمسك بقيمه حتى وهو يدرك أن
خسارته قد تكون أكبر من ربح الآخرين. وهنا تكمن عبقرية النص، لأنه نقل الامتحان من
كونه حدثًا دراسيًا إلى كونه مرآة تعكس طبيعة المجتمع، وكيف يمكن للحاجة أو الخوف
أو الطمع أن تعيد تشكيل المبادئ عندما توضع أمام اختبار حقيقي. ومن هذا المنطلق،
فإن الفيلم لا يدين الغش بحد ذاته فحسب، بل يدين البيئة التي تجعل الإنسان يبحث عن
المبررات قبل أن يبحث عن الحقيقة، وهذا ما منح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود
الكوميديا ليقترب من النقد الاجتماعي الهادئ الذي يترك أثره في ذهن المشاهد بعد
انتهاء العرض.
الخلاصة ... يبقى العمل السينمائي الحقيقي هو ذلك الذي
لا تنتهي حكايته عند نزول الستار، وإنما يبدأ تأثيره بعد مغادرة المشاهد لقاعة
العرض. وهذا ما نجح فيلم (برشامة) في تحقيقه، إذ لم يكتفِ بصناعة الضحكة، بل جعل
منها وسيلة لطرح أسئلة مؤجلة عن منظومة القيم التي أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا تحت
وطأة المصلحة والظرف والتبرير. فالفيلم، وإن جاء في قالب كوميدي، إلا أنه قدّم
رسالة مفادها أن سقوط الإنسان لا يبدأ حين يرتكب الخطأ، بل عندما يصبح الخطأ أمرًا
اعتياديًا يجد له الجميع مبرراته. ومن هنا أرى أن قيمة هذا العمل لا تكمن في عدد
المشاهد التي أضحكت الجمهور، وإنما في عدد الأفكار التي بقيت عالقة في أذهانهم بعد
انتهاء الفيلم، ليؤكد مرة أخرى أن السينما، عندما تحترم عقل المشاهد، تستطيع أن
تكون مدرسةً للفكر قبل أن تكون وسيلةً للترفيه.





