البهائم في المجتمع
تحت عنوان
صور من حياتنا اليومية
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لتكن البداية من حكاية كان يرويها أبي رحمه الله، يقول
فيها: «كان له صديق في العقد الستيني من ذلك الوقت، وكان يتفاخر بأنه لم يضحك
يومًا ما في وجه طفل». وبقيت تلك الرواية معلقة في ذهني، ومعها سؤال: ما الذي يدفع
بشرًا على هذه الأرض إلى فعل هذا؟ وهل هناك شخوص مشابهة له في يومنا هذا؟
إن خطورة هذه الحكاية لا تكمن في شخص امتنع عن الابتسام
لطفل، بقدر ما تكمن في العقلية التي تحوّل القسوة إلى وسام يتفاخر به صاحبه. فهناك
فرق كبير بين إنسان لا يبتسم لأسباب تخصه، وبين إنسان يجعل من حرمان الآخرين من
أبسط مظاهر الود دليلًا على قوته أو تميّزه. إن الإنسان لا يُقاس بما يمتلكه من
مال أو نفوذ أو شهادات، وإنما بما بقي في داخله من إنسانية لم تستطع الحياة أن
تنتزعها منه. فحين يصبح إيذاء المشاعر مصدرًا للفخر، نكون أمام خلل في فهم معنى
القوة، لأن القوة الحقيقية هي أن تستطيع أن تؤذي فلا تفعل، وأن تمتلك القدرة على
الإهانة ثم تختار احترام الآخرين.
ومن هنا كانت فكرة الكتابة عن شريحة البهائم في المجتمع،
وصورهم وأفعالهم، وقد تكون تلك النماذج سببًا فيما نعيشه اليوم من نكسات اجتماعية.
وللتنويه... الموضوع ليس له علاقة بالبهيمية كفكرة، ولكن
سوف نستعرض بعض السلوكيات التي أصبحت اليوم من الأمور الطبيعية في عالمنا.
وهنا لا بد من التمييز بين الإنسان الذي تنقصه المعرفة،
والإنسان الذي تنقصه الإنسانية؛ فالأول يمكن أن يتعلم، أما الثاني فقد يمتلك
المعرفة كلها، لكنه يوظفها في خدمة أنانيته ومصالحه. إن الجهل ليس دائمًا نتيجة
غياب التعليم، كما أن الثقافة ليست دليلًا قاطعًا على سلامة الضمير. فقد تجد
إنسانًا يقرأ آلاف الكتب، لكنه لا يتعلم من صفحة واحدة كيف يحترم حق غيره، وقد تجد
آخر لا يحمل شهادة علمية، لكنه يمتلك من المروءة ما يعجز عنه أصحاب الألقاب
والمناصب. ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس انتشار الجهل وحده، بل أن تتحول المعرفة
إلى أداة لتبرير الخطأ، وأن يصبح الذكاء وسيلة للإفلات من المسؤولية بدلًا من أن
يكون وسيلة لاكتشاف الحقيقة.
هل تعلم أن هناك شخوصًا لا يعلمون عن الحياة بأكملها سوى
شيء واحد، وهذا لا يعود إلى مرض التوحد بوصفه مرضًا مستعصيًا، ولكن عندما تنعدم
بعض القضايا، نكون مجرد دمى تتحرك بلا شعور أو إحساس، وقد يكون هذا من أخطر
القضايا التي من الممكن تصورها.
فتخيل للحظة أن هناك شريكًا فاقدًا للرحمة، والضمير،
والصدق، والمروءة، وجميع الأخلاقيات المتعارف عليها، ويقوم بالتركيز على شيء واحد،
مثل المال أو الجنس أو السلطة. ولو تخيلت هذا للحظة، لأدركت بشاعة الموقف.
إن المشكلة لا تكمن في المال أو الغريزة أو السلطة بحد
ذاتها، فهذه أمور تدخل في طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما تكمن في اللحظة التي
يتحول فيها أحدها من وسيلة للعيش إلى غاية تبتلع سائر الغايات. عندها لا يعود
المال وسيلة لتأمين الحياة، بل يصبح مبررًا لسحقها، ولا تعود الغريزة جزءًا من
الطبيعة البشرية، بل تتحول إلى رغبة في امتلاك الآخر وإلغاء إرادته، ولا تعود
السلطة مسؤولية لخدمة الناس، بل تصبح امتيازًا يتيح لصاحبها التعامل معهم كما لو
كانوا أدوات في ملكيته. وحين يختزل الإنسان وجوده في رغبة واحدة، فإنه لا يخسر علاقته
بالآخرين فحسب، بل يخسر قدرته على محاسبة نفسه؛ لأنه يمنح رغباته حق إصدار
الأحكام، ثم يجعل من ضميره محاميًا للدفاع عنها مهما بلغت فداحة نتائجها.
ليكون السؤال هنا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى ارتكاب
جريمة القتل؟ برأيك، هل يكون ذلك بسبب واحدة من الأمور التي ذكرتها، في قضية
التركيز على شيء واحد لإلغاء كل شيء من حوله؟
ولعل الجريمة تبدأ في كثير من الأحيان قبل أن تتحول إلى
فعل ملموس؛ إذ تبدأ حين يسقط الإنسان من حساباته حق الآخر في الحياة والكرامة،
وحين يقنع نفسه بأن مصلحته أعلى من وجود غيره، وأن اختلاف الآخرين معه يمنحه الحق
في إقصائهم أو الانتقام منهم. فليس كل من يحمل السلاح هو الذي صنع الجريمة من
بدايتها، فقد تسبقه عقلية تبرر الكراهية، وبيئة تكافئ الاعتداء، وخطابات تنزع عن
الإنسان صفته الإنسانية لمجرد الاختلاف معه. وهذا لا يعني أن كل صاحب فكر قاسٍ
سيصبح قاتلًا، بل يعني أن تبرير الاعتداء وإهدار كرامة الآخرين يهيئان مناخًا
أخلاقيًا خطيرًا، تصبح فيه الجريمة أقل استنكارًا لدى من اعتادوا البحث عن الأعذار
لها. وهنا تكمن الكارثة: حين يصبح السؤال عند البعض ليس لماذا قتل الإنسان أخاه،
بل كيف نبرر له ما فعل؟
وما لا يعلمه الكثيرون أن شريحة البهائم هي الأكثر
انتشارًا في هذا العالم، وليس من الضروري أن يكون أحدهم غبيًا متسكعًا في الشوارع،
بل على العكس، قد يكون متفوقًا دراسيًا، أو من أصحاب الأموال، أو من أصحاب البدل
الرسمية. وهذا يدفعنا إلى السؤال الأهم في الموضوع: كيف تعرفهم وتميزهم؟
والإجابة تكون من بداية يومك؛ فأنت إن لم تبدأ يومك
بابتسامة، فأنت منهم، وإن استيقظت من نومك وأنت تكره هذا، وتحقد على هذا، وتضمر
المكر لذاك، فأنت منهم. وإذا جعلت من المال إلهًا تعبده، وبه يمكن سحق القريب
والبعيد، ويأمرك بأن تستبدل الحق بالباطل، فأنت منهم. وإذا جعلت من حياتك مصائد
تصطاد بها النسوة في كل مكان، وجعلت غايتك المرأة والحصول عليها، فأنت منهم. وإذا
ما جعلت نفسك دمية بيد الغير للحصول على مكتسبات سلطوية، ولو كنت قاضيًا في محكمة،
فأنت منهم. ولهذا نرى اليوم أن عالمنا أصبح كثير المناشدات، وقد يرجع البعض هذا
إلى ضعف القانون، وهذا غير صحيح، ولكنهم أماتوا كل الأشياء الفطرية التي زرعها
الله فينا.
ليكون السؤال في هذا الموضوع: هل هم لا يدركون هذا؟
والإجابة في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ
تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ . صدق الله العظيم.
وفي موضع آخر وصفهم الله بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ
كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . صدق الله العظيم... وما جاء في كتاب
الله لم أبتعد عنه كثيرًا فيما ورد في هذه السطور.
إن الإشارة القرآنية إلى عمى القلوب تضعنا أمام حقيقة
تتجاوز فقدان البصر إلى فقدان البصيرة؛ فالإنسان قد يرى الوقائع أمامه، ويعرف
نتائج أفعاله، ويدرك مقدار الضرر الذي ألحقه بالآخرين، لكنه يرفض الاعتراف
بالحقيقة لأنها تتعارض مع مصلحته أو صورته عن نفسه. وهنا يصبح الخلل أخلاقيًا قبل
أن يكون معرفيًا، لأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الدليل، بل في الاستعداد
لقبوله. فالمرء قد يسمع النصيحة ثم يردها، ويرى الظلم ثم يبحث له عن مبررات، ويشهد
انكسار الآخرين ثم يقنع نفسه بأنهم يستحقون ما حدث لهم. ومن هنا فإن مراجعة النفس ليست
ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا عابرًا، بل ضرورة تحمي الإنسان من التحول إلى خصم
للحقيقة التي يدعي الدفاع عنها.
كيف لا أكون منهم؟ إنه لأمر بسيط جدًا: عُدْ إلى قراءة
القضايا التي خلقك الله عليها، وما ورد في الكتب السماوية، بقراءة مختلفة تُبعدنا
عن الدخول في صراعات عبثية. عندها فقط تدرك أن الذي يختلف معك في الدين ليس عدوًا
لك، إلا إذا ما أراد المساس بمعتقداتك الأساسية أو استعبادك. وغير ذلك، ضع في
حساباتك أنك لم تُخلق للحقد والضغينة والقتل.
ولا يمكن أن نكتشف حقيقة الإنسان من مظهره أو مهنته أو
مقدار ما يمتلكه، لأن المظاهر قد تتشابه بينما تختلف الضمائر اختلافًا لا حدود له.
إن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تتعارض المصلحة مع الأمانة، وعندما تصبح الحقيقة
عبئًا على صاحبها، وعندما يستطيع الإنسان أن يستغل ضعف غيره دون أن يراه أحد.
هناك، بعيدًا عن المنابر والشعارات والصور الاجتماعية المصطنعة، تتكشف المعادن
الحقيقية. فكم من إنسان يتحدث عن الأخلاق ما دامت لا تكلفه شيئًا، ثم يتخلى عنها
عند أول منفعة، وكم من شخص يطالب بالعدالة حين يكون مظلومًا، فإذا امتلك القوة
أصبح خصمًا للعدالة التي كان يطالب بها. إن الأخلاق ليست ما نقوله عندما نكون في
موضع الوعظ، بل ما نفعله عندما نكون في موضع القدرة والاختيار.
فإذا ما كان هذا، فبعدها اعقد صلحًا مع الله، ثم مع
نفسك. وهنا يسأل أحدكم: هل نحن في خصومة مع الله؟ وتكون الإجابة: نعم؛ فعندما تخرج
عن إرادته، فأنت خصمه. والأمانة التي حملها الإنسان تبدأ بنفسك، ثم الإنسان الذي
يحيا معك، ثم الأرض التي منحك الله إياها. وأنت اليوم تقود معارك عالمية للاستحواذ
على ما هو ملك لله، فكيف لا يكون خصمك بعد هذا؟
وهنا ليست البهيمية التي يتناولها هذا المقال شكلًا أو
مهنة أو طبقة اجتماعية، وإنما هي استعارة نقدية لسلوك يفقد فيه الإنسان بوصلته
الأخلاقية، حين يقدم شهواته ومصالحه على حقوق الآخرين، ويجعل من قوته مبررًا
لتجاوز الحدود. ولا أحد منا يمتلك حصانة مطلقة من الخطأ، لكن الفارق أن هناك من
يراجع نفسه حين يخطئ، وهناك من يحوّل الخطأ إلى مبدأ، والأنانية إلى حق، والاعتداء
إلى بطولة. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه؛ فلا
يكفي أن نلعن الظلام إذا كنا نرفض الاعتراف بما نساهم به في صناعته، ولا يكفي أن
نتحدث عن الله والعدالة والأخلاق إذا كانت أفعالنا تنقض كل ما تقوله ألسنتنا.
فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في ادعائه الفضيلة، بل في قدرته على ممارستها
حين تتعارض مع مصلحته، ولا يظهر إيمانه في كثرة ما يردده من أقوال، بل في أثر ذلك
الإيمان على عدله ورحمته وأمانته. وتلك هي المسافة الفاصلة بين إنسان يخطئ ثم
يحاسب نفسه، وإنسان يتخذ من أخطائه أسلوب حياة، ثم يطالب العالم بأن يحترمه.
الخلاصة ... وفي الختام، أقول لكل من باع ضميره من أجل
المال، وداس على كرامة الناس من أجل السلطة، واتخذ من الشهوة غاية، ومن المكر
وسيلة، ومن القسوة بطولة: أنتم لستم أذكياء كما تتوهمون، بل أنتم صورة لانهيار
الإنسان في داخلكم. فمهما ارتديتم من بدلات رسمية، وامتلكتم من أموال ومناصب،
ستبقون عراة أمام حقيقة أفعالكم؛ لأن البهائم ليست من فقدت النطق، بل من فقد
إنسانيته وهو يتباهى بأنه إنسان!


