بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

مقال

 

 الزيدي .. وحتمية الفشل

تحت عنوان

المعطيات والنتائج

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين


البداية، ليعلم كلُّ من على هذه الأرض، لو أنَّ ملاكًا من السماء قد تولى أمر العراق اليوم، فلن يملك الحلول السحرية لفكِّ طلاسم الفوضى في هذا البلد. وأستند في قولي إلى كلام الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. صدق الله العظيم.

ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب لقولنا هذا، سوف نستعرض أهمها، وما سوف يكون في الأيام القادمة.

 

سياسة الحريم... قد يسأل أحدكم: ما العلاقة بين سياسة الحريم وما يجري في البلد اليوم؟ وكما هو متعارف عند العامة، فإن معظم النساء تمتلك سياسة واحدة بعد الزواج، حيث تجدها تعاني من اضطهاد أسري داخل المنزل، وفي الغالب تعكسه على الآخرين، أقوالًا أو أفعالًا، وتعتبره أعظم مشاكلها، فتجدها دومًا تردد بأن هذه تغار منها، وأخرى تحسدها، وهناك من تضع عينها على زوجها. وهذه الصورة، بأدق تفاصيلها، تشرح السياسة العراقية المعاصرة للنظام، فعندما أعلن زواجه بالجارة إيران بعقدٍ عقائدي، من وجهة نظر السلطة، أصبحت مشاكله مع المحيط العربي والإقليمي مشابهة لسياسة الحريم.

وبما أن من يُعتبرون رموز النظام قليلو الخبرة في علم السياسة، فلم يدركوا حقيقة العمل السياسي، التي مفادها: (قدرتك على امتلاك أيديولوجيات التعامل السياسي، لضمان ديمومة قدرة البلد على امتلاك علاقات متزنة تضمن المصلحة العامة للدولة.) ورغم وجودهم على رأس الهرم السلطوي في العراق، لم يدركوا بعد هذه الحقيقة، التي انتهت بهم إلى الدخول في أزمات قد تطيح، قريبًا، بالنظام.

 

مسؤول الصدفة... وهنا أشير بشكل واضح إلى شخصية الزيدي، وهو رجل قليل الخبرة في إدارة الدولة، ولا أجد في هذا الكلام نوعًا من الانتقاص من شخصيته كرئيسٍ للوزراء، لأنها الحقيقة. وقدومه كان نوعًا من الالتفاف على التعنت الأمريكي، المتمثل بالرئيس ترامب، وهذه تُعد من القضايا الكارثية في عالم السياسة وإدارة البلدان، ولهذا فلن تجده يملك العصا السحرية كما يظن البعض.

 

أفلام الكابوي... ويبدو أن السياسيين والزعامات السياسية في العراق، ومن خلال احتكاكهم بالعقلية الأمريكية، اكتسبوا فكرة أفلام الكابوي فيما يخص مكافحة الفساد. وإذا ما سألني أحد عن رأيي بما يحدث، فسوف يكون الرد: (إن الفساد في العراق ممثل بقطار، فعندما امتلأ وخرجت رائحته، قرر عرابو العمل السياسي في البلد التضحية ببعض الشخوص، كنوع من ذر الرماد في العيون، لكن القطار سوف يمضي في طريقه، ولن يوقفه أحد.) وكأنك يا أبا زيد ما غزيت. ولهذا تجدني لا أثق بما أسمع أو أرى من المطبلين للنظام.

 

مواعيد عقروب... لم يبقَ من المهلة التي ارتبط بها الوفد الذي زار الولايات المتحدة سوى أيام قليلة، ولكي يكون الأمر كما يزعمون، يجب أن تكون للعمل بوادر ملموسة، ولكنك لن تجد شيئًا يُذكر على أرض الواقع. وما سوف يكون من موقف الرئيس الأمريكي فيما وعد به من إعطاء امتيازات تُخرج العراق من المأزق؟ وفي حالة عدم تحقيق مطالبه، فسوف يكون الأمر كما في إحدى حكايات التراث العربي، إذ يُروى أن شاعرًا زار أحد الشيوخ، وألقى الشعر في حضرته، وكلما كان هناك بيت جميل صاح الشيخ: (لك هذا من العطايا) وعند الصباح جاء الشاعر يطالب بالعطاء، عندها ردد الشيخ مقولته المأثورة: (سمعتنا طيب، وسمعناك طيب) وإذا ما كان هذا هو المصير، فسوف تحل الكارثة، فالبلد لا يُدار بالادعاءات الكاذبة، ولا بالإعلام، ولا باستغباء العالم.

 

السيناريو الدامي... منذ ثمانية أشهر، لا أعلم لماذا، كتبت أننا سوف نصل إلى هذا اليوم، الذي يجد فيه النظام نفسه عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته تجاه المواطن والعامة، وهذا ما سوف يكون فتيل النار التي لا تُبقي ولا تذر. فالاحتقان الطائفي والقومي موجود، ولا أحد يستطيع إنكاره، بسبب أن النظام شرّع القوانين لهذا المصطلح، والسلاح بيد الجميع، دون رقيب أو حسيب يُذكر. وبعدها يخرج علينا أحدهم ليقول إننا ما زلنا بخير، ولا أعلم عن أي خيرٍ يتحدث.

 

الخلاصة ...  لست ممن يعلقون فشل الأوطان على رجلٍ واحد، ولا ممن يصنعون من الأشخاص شماعةً يعلقون عليها كل الأخطاء، لكنني أنظر إلى المعطيات قبل النتائج، وأقرأ المشهد كما هو لا كما يراد لنا أن نراه. فعندما يكون النظام مثقلًا بالأزمات، والقرار موزعًا بين المصالح، والفساد قد تحول إلى ثقافة، والعلاقات الخارجية تدار بمنطق ردود الأفعال لا بمنهج الدولة، فإن أي رئيس للوزراء، مهما امتلك من النوايا، سيجد نفسه يصارع طاحونةً لا تتوقف عن الدوران.

ولهذا فإن حديثي عن حتمية الفشل ليس نبوءة، ولا أمنية، وإنما قراءة لمسارٍ إذا بقيت أسبابه قائمة، فإن نتائجه لن تتغير. فالتاريخ لم يرحم سلطةً عجزت عن قراءة واقعها، ولم يغفر لحاكمٍ ظن أن الإعلام يصنع الإنجاز، أو أن الوعود تؤجل غضب الشعوب إلى الأبد. فالدولة لا تُدار بالشعارات، ولا بالمجاملات، ولا بترحيل الأزمات من شهر إلى آخر، وإنما تُدار بقراراتٍ تغيّر الواقع. وما دام الواقع على حاله، فإن النهاية، في رأيي، لن تكون إلا امتدادًا لبدايةٍ كُتبت ملامحها منذ اليوم الأول.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

مقال

 

المقارنة بين (عاهرة) و(جماعات الإسلام السياسي)

تحت عنوان

عندما يُكسر جدار الصمت

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قد يكون العنوان صادمًا جدًا لمن يهم بقراءة هذا المقال؛ لأنه سيتضمن حكاياتٍ قد لا يجرؤ أحد على سردها. وقد جاءت فكرة المقال من انتقادٍ وجَّهه إليَّ الدكتور عبد السلام الجبوري، أستاذ مادة التاريخ، حين قال لي: (لو كنتَ كتبتَ عن العاهرات بدلًا من موضوعك عن المدعو حسن البنا ومنهجية الإخوان المسلمين) والحق يُقال إنني أجد من الظلم للعاهرة أن توضع في مقارنة مع شراذم الإسلام السياسي.

وتبدأ الحكاية بأنني لم أدَّعِ المثالية يومًا؛ فأنا بشر أخطئ وأصيب، ومن هذا المنطلق سأبين للقارئ كيف يكون خطر العاهرة أقل بكثير من خطر هؤلاء، ومهما بلغت بالسوء فلن تصل إلى ما وصلت إليه الجماعات الإسلامية بجميع مذاهبها المتعارف عليها اليوم.

(الفرج فرجها، والأرض أرض الله) مثلٌ مقتبس من الذين يزاولون هذه المنهجية، وفيه دلالة واضحة على أن ذلك السلوك سلوك فردي، وأن من يتعامل معها لا يكون بالضرورة إنسانًا صالحًا أو رجلًا تقيًا، لكنه أيضًا لا يكون مصدر تهديدٍ اجتماعي شامل، وذلك على عكس آليات تلك الجماعات التي تدفع الكثيرين إلى نيل غضب الله.

 

السقوط الحر... هل تعلم أن من تزاول مهنة الدعارة تعيش مفهوم السقوط الحر بالمعنى الحقيقي للكلمة، حتى قد يصل بها الحال إلى إسقاط كل الثوابت التي يمكن أن يعتنقها بشر، وذلك بسبب فقدانها المعيار الوحيد المتعلق بعفتها؟ وهنا تحضرني مقولة الدكتور أحمد يونس ازعيتر: (إن كل شيء يمكن اكتسابه بعد فقدانه، إلا الشرف) وهذا ما يؤكد الفكرة التي أريد الوصول إليها.

 

تجربتي... في حقبة الشباب الأولى، وبينما كنا نحضر أحد الأعراس، أعجبتني امرأة رائعة الجمال من ناحية الشكل، وبعد تبادل النظرات اقتربت مني، وبعد التعارف طلبت مني أن أوصلها إلى منزلها، رغم أنه لم تكن بيننا معرفة سابقة. وما قد يستغربه القارئ أن قراري كان أقرب إلى الجنون، فهو طيش الشباب. وبعد مضي الوقت وتوطيد العلاقة، كان هناك طلب غريب جدًا منها، فبينما كنت جالسًا في منزلها أخرجت سلاحًا وقالت بالحرف الواحد: (أريد منك قتل زوجي) وهنا كانت ما يمكن أن أسميه **صحوة الوعي**؛ إذ قررت الانسحاب، ولم يكن ذلك من باب الجبن أو التخاذل أمام امرأة تربطني بها علاقة، وإنما كان تبيانًا للحقيقة التي قد يصل إليها البشر من السوء، ومع ذلك فإن هذا كله لا يقارن بما يفعله أشباه المتدينين من الأحزاب الدينية. ومع ذلك، فقد كان ذلك عملًا فرديًا، وبين فكرة الرفض والقبول يبقى هناك مفهوم واضح، وهو أن وقوع السوء -إن وقع- سيكون تصرفًا فرديًا، لا منهجًا قائمًا على التكفير والقتل الجماعي.

 

مجتمع لا يملك الإدراك الفكري... فبينما يستهجن فكرة ممارسات العاهرة، يحابي من هم أخطر بكثير من العهر، وذلك بسبب وجود نوعين من الخطر بين هذين النموذجين؛ فالأول يشمل تصرفات فردية، يعرف القاصي والداني أنها مذمومة، أما الخطر الثاني فهو الأكثر فتكًا؛ لأنه يحول العالم بأسره إلى عهرٍ من نوع آخر باسم الدين، فيكون فيهم من يتولى منصب (المرشد للضلال) ، وتكون وظيفته الرئيسية الإرشاد إلى ارتكاب المعاصي الجماعية باسم الذات الإلهية. وبما أن مجتمعاتنا اليوم تتعامل مع تلك الظواهر بهذه الطريقة، يستحضرني مثلٌ شعبي يقول: (يريدوها كبار كبار، يريدوها صغار صغار) ، وفي هذا دلالة على المعايير المتغيرة في التعامل مع الخطأ.

 

تصحيح سوء الفهم... قد يظن الكثير ممن يقرأ هذه السطور أنني أدافع عن السوء، لا سمح الله، ولكنها قضية تهدف إلى بيان الحق في القول والفعل. وما قمت به في هذا المقال هو عقد مقارنة بين السوء والأسوأ، وقد أكسر بهذه الكلمات جدار الصمت الذي يهابه الكثير في تصحيح المسارات الفكرية، وتحديد درجات القضايا التي يمكن من خلالها أن يكون مجتمعنا المعاصر في خطر كبير. وما ورد هنا جاء نوعًا من الرد على الاستهجان الذي أبداه كثيرون تجاه مقالي السابق.

 

المثالية نوع من الشرك بالله (والعياذ بالله)... اليوم، يبدأ كثير ممن تكلمهم حديثه عن الكمال الذي يريد الوصول إليه، وقد يعود ذلك إلى المفاهيم المغلوطة في الإرث الديني الذي وصل إلينا. وما لا يعلمه الكثير أننا لسنا آلهة ولا أنبياء، وإنما نحن بشر خلقنا من نفس ضعيفة، ومن هذا الباب يسعى كثيرون إلى الكمال، مع أن الكمال صفة من صفات الله عز وجل، ومنازعة الله في صفاته أمرٌ عظيم. فالخطأ وارد في حياتنا اليومية، ولو أدرك أحدنا هذا المفهوم لما بقي بيننا من يدعي أنه خالٍ من العيوب، ولو كانت هذه الشخصية موجودة بيننا لاستحقت أن تُعبد من دون الله، ولكن بسبب سوء فهم العامة للنصوص المتعلقة بالدين، وتأثر كثير من المنظرين في الإسلام بمفاهيم فلسفية مثل فكرة (المدينة الفاضلة) ، تجدهم يهرولون نحو تثبيت فكرة الوصول إلى المثالية والكمال، وفي هذا سذاجة لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى، وهذا ما نجده في تلك الجماعات الإسلامية المنحرفة.

 

الخلاصة ... العاهرة ومن يتزعم تلك الجماعات، في معاييري الفكرية، لا يختلف أحدهما عن الآخر من الناحية الأيديولوجية، وإنما يكون الاختلاف في آلية التطبيق؛ فبينما يقوم الأول بقتل نفسه، يقوم الآخر بقتل الكثير من الناس بفكرٍ رسمه الشيطان، ليوهم الجميع بأن الحق باطل، والباطل حق. ولهذا ترى أننا فقدنا اليوم الجوهر الحقيقي للإسلام، حتى وصل الحال بي إلى أن أرى أن ممارسة المجون -رغم قبحها- أقل خطرًا من الانتماء إلى جماعة تلبس ثوب الحق لتخفي به الباطل، وهو أمر لا يقبله العقل، ولا يمكن مقارنته حتى بما فعله الشيطان.

الأربعاء، 29 يوليو 2026

مقال

 

في حياة كلٍّ منا... أحمق

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قد يبدو للقارئ، للوهلة الأولى، أن العنوان يستخدم التعميم في القول، ولكن، وللأسف الشديد، هذه حقيقة لا يمكن حجبها.

فالحمق صفة لا تقتصر على الرجال دون النساء؛ فالأحمق هو الشخص الذي يفتقر إلى حسن التقدير، فيتصرف أو يتكلم دون تعقّل أو نظر في العواقب، فيكرر الأخطاء، ويغلب عليه سوء الحكم أكثر من نقص الذكاء، ولكن لا تستطيع وصفه بالغبي.

وللحمقى في مجتمعنا صور عديدة سوف نستعرضها، فربما تكون واحدًا منهم دون إدراكك لذلك، وربما يكون صديقًا، أو أخًا، أو أختًا، أو أحد الأقارب، أو أحد معارفك، ولهذا تكون أهمية الموضوع نابعة من ارتباطنا بهؤلاء.

 

كيف تعرفهم... والأمر هنا لا يشكو من تعقيد يُذكر؛ فالرجل الذي يستعبد للمال والنساء، والمرأة التي تبحث عن الشكليات، والصديق الذي طالما يبحث عن عيوبك ليتسلى بروايتها أمام الناس، والأقرباء الذين يشغلهم جمع المعلومات عن أقاربهم، لدرجة أن ذلك يصبح شغلهم الشاغل؛ فكل هؤلاء، وأكثر، هم عينة مما سوف يرد في هذه السطور، وكلهم حمقى في حياة كلٍّ منا.

 

هو شيطان وهو حيوان... ولنبدأ هنا من تراثنا الشعبي في مدينة الموصل؛ فهناك مصطلح يُطلق على أفعالهم، وهو  (غل مزاح) ، ويُقصد به ذلك الفعل الذي يُجند فيه المزاح لغرض (التنمر والغيبة والنميمة) . وهذا نوع لا يمكن إدراجه تحت مصطلح الغباء؛ لأنه احترافي في توظيف السوء بمقولات ضاحكة، ويُعد هذا النوع من أكثر الأنواع شيوعًا في مجتمعاتنا المعاصرة.

 

من يوصف بالشاطر... وما لا يعلمه الكثير أن (الشاطر) اسم من أسماء الشيطان، والعياذ بالله. وهذه أيضًا من الحماقة؛ فأشقى الناس يوم الحساب هو من يأتي بالإثم على أنه شطارة. وهؤلاء تجدهم متمسكين بما يُعرف بالممارسات التي تسهل عليهم الربح الدنيوي، حتى ولو كان ذلك على حساب الأفراد والجماعات، دون وازع ديني أو أخلاقي، وقد يُعد هذا النوع من الحماقة الأوسع انتشارًا اليوم.

 

الباحثون عن المشاكل... وهنا تكمن الكارثة؛ فهناك الكثير من البشر لا يستطيعون العيش دون مشكلة يتداولونها، فتراه مرة ناقلًا، وأخرى هو من افتعل الحدث، حتى قد يصل الأمر به إلى استيحاش السلام من حوله، بل إن الأمر قد يرتقي إلى أن يكون سلوكًا يشابه ما يُعرف في علم النفس بالشخصية المثيرة للدراما  (High-Conflict Personality)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف أشخاص يدخلون باستمرار في صراعات، ويلومون الآخرين، ويصعّدون الخلافات حتى في أبسط المواقف.

 

الحمقى لا يتعلمون... ولعل أكثر ما يميز هذه الفئة أنها لا تتعامل مع الخطأ على أنه تجربة، بل تتعامل معه على أنه منهج حياة. فمهما اصطدمت بالنتائج، ومهما خسرت من الناس، ومهما دفعت من أثمان، فإنها تعود إلى الفعل نفسه وكأن شيئًا لم يكن. ولهذا قيل إن العاقل يتعلم من خطئه، والحكيم يتعلم من خطأ غيره، أما الأحمق فلا يتعلم لا من هذا ولا من ذاك، لأنه يرى نفسه دائمًا على صواب، ويرى أن الكون كله هو المخطئ. ولهذا لا تجد الأحمق يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن مبرر جديد يستر به حماقته القديمة.

 

الأحمق عدو نفسه... ومن الغريب أن هذا الصنف لا يحتاج إلى عدو، لأنه يقوم بالمهمة بنفسه. يهدم ما بناه بيديه، ويكسر الجسور التي أوصلته إلى الناس، ثم يجلس يتساءل لماذا ابتعد الجميع عنه. يجرح من أحسن إليه، ويخاصم من نصحه، ويثق بمن يخدعه، ثم يعلن في نهاية المطاف أن الدنيا لا تستحق العيش. والحقيقة أن الدنيا لم تظلمه، وإنما ظلم نفسه حين جعل الحماقة مستشارًا دائمًا لكل قراراته.

 

بين الذكاء والحماقة... قد يكون الإنسان محدود العلم، لكنه حكيم في تصرفاته، وقد يحمل أعلى الشهادات، ولكنه لا يحسن إدارة موقف واحد في حياته. فالحماقة لا تقاس بمقدار ما يحمله الإنسان من معلومات، وإنما تقاس بمقدار الضرر الذي يصنعه لنفسه ولغيره. ولهذا نجد في الحياة أناسًا بسطاء، لكنهم أصحاب عقول راجحة، ونجد آخرين يتحدثون في كل شيء، ولا يحسنون شيئًا سوى صناعة الفوضى وإقناع أنفسهم أنهم أصحاب رأي.

 

الأحمق حين ينصح... ومن أعجب صور الحماقة أن يتحول صاحبها إلى واعظ للناس. فهو أول من يخالف ما يقول، وأول من يسقط في الفخ الذي حذر غيره منه. يعطي النصائح كما توزع المنشورات، لكنه لا يلتزم منها بشيء، حتى إذا واجهته بالحقيقة غضب، لأن الأحمق لا يكره شيئًا كما يكره المرآة التي تكشف صورته الحقيقية.

 

أخطر أنواع الحماقة... هي تلك التي ترتدي ثوب الفضيلة. فتجد صاحبها يتحدث عن الأخلاق وهو أول من يهتكها، ويتحدث عن الصدق وهو أكثر الناس كذبًا، ويتحدث عن الوفاء وهو أول من يغدر، ويتحدث عن الدين وهو يجعل منه وسيلة لتحقيق مصالحه. وهذه ليست مجرد حماقة، بل حماقة متخفية، لأنها تخدع الناس فترة من الزمن قبل أن تنكشف، وما أكثر الأقنعة التي سقطت حين جاءت ساعة الامتحان.

 

ولأننا نعيش بينهم... فإن المشكلة لا تكمن في وجود الحمقى، فهؤلاء وجدوا في كل زمان ومكان، وإنما تكمن في منحهم مساحة أكبر من حجمهم الحقيقي. فالأحمق إذا وجد من يصفق له، ظن نفسه حكيمًا، وإذا وجد من يخشاه، ظن نفسه قويًا، وإذا وجد من يصمت عنه، اعتقد أن الجميع يقر له بالصواب. ولهذا فإن أخطر ما يفعله المجتمع ليس صناعة الأحمق، بل صناعة الهالة التي تحيط به، حتى يتحول مع مرور الأيام إلى مرجع لمن هم أشد حماقة منه.

 

الخلاصة ... لا تبحث عن الأحمق في الطرقات، فربما كان يجلس إلى جوارك، أو يشاركك مجلسك، أو يملأ صفحات هاتفك كل يوم، وربما يكون أكثر الناس حديثًا عن العقل والحكمة. فالحماقة لا تلبس ثياب المهرجين، بل كثيرًا ما ترتدي بدلة أنيقة، أو تتزين بعبارات رنانة، أو تختبئ خلف ابتسامة مصطنعة.

إن أخطر الحمقى ليسوا أولئك الذين يجهلون، بل أولئك الذين يظنون أن كل ما يفعلونه صواب، وأن كل من يخالفهم عدو، وأن الاعتراف بالخطأ هزيمة. هؤلاء لا يصنعون لأنفسهم مستقبلًا، بل يصنعون للأوطان أزمات، وللمجتمعات شقوقًا، وللعلاقات الإنسانية قبورًا مفتوحة.

ولذلك، إن أردت أن تعرف مقدار الحماقة في مجتمع ما، فلا تنظر إلى عدد الحمقى فيه، فهؤلاء وجدوا في كل زمان، وإنما انظر إلى عدد الذين يصفقون لهم، ويدافعون عنهم، ويمنحونهم صكوك الحكمة وهم لا يحسنون حتى إدارة عقولهم.

ويبقى السؤال الذي لا يملك أحد الهروب منه... عندما انتهيت من قراءة هذه السطور، كم وجهًا مرَّ في ذاكرتك... وكم مرة خفت أن تكون إحدى تلك الوجوه هي صورتك في المرآة؟

 

 

الاثنين، 27 يوليو 2026

مقال

 

حسن البنا... رأس الفتنة

تحت عنوان

منهجية شراذم الإخوان

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لتكن البداية من مزايا هذه الشخصية التي لا أعتبرها مثيرةً للجدل بقدر ما أنها تثير الاشمئزاز في نفسي. وبعيدًا عن الخصوصية، إذا ما أمعنّا النظر في جوانب هذا الموضوع، نجد شخصًا أقرب إلى البهلوانية في قوله وفعله. فقد استغل الأوضاع السياسية للبلد في تشكيل تنظيم يُعدّ اللبنة الأساسية لتأسيس كثير من الجماعات المنحرفة، في صورة الإسلام الحديث. وكيف لا، وهو من عمل بمنهجية: **«كلمة حق يُراد بها باطل»**.

 

من هو؟ ...كما يدّعي أتباعه، فهو داعية ومعلم مصري، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وهذه وحدها أعدّها نقيصةً في سيرته بأكملها.

 

الدين لا يحتاج إلى أحزاب... ولي رأي في هذا، أن رسولنا الكريم، في حجة الوداع، قال بالنص: **«اليوم أكملت لكم دينكم»**، وبهذا يكون كل ما يُكتب في منهجية الدين بعد هذا القول باطلًا، ومنها فكرة تشكيل تجمعات تأخذ دور الدعوة تحت مسمى الحزب. ولو كان الإنسان سويًّا من الأصل، لأدرك حينها أن الدين لا يحتاج إلى مجاميع، وإنما يحتاج إلى قراءة جديدة للنصوص تواكب تغيرات معايير العقل المعاصر.

 

الغلو والتشدد... هنا تبرز هذه المصطلحات في تكوين شخصيته، من خلال تقيده بقضية التنظيم حتى باتت جزءًا من حياته، وعلى صعيد حياته الشخصية أيضًا، حتى أصبح ذلك جزءًا من آليات التنظيم، مما فتح الباب أمام المتشددين من أصحاب العقول الساذجة لرسم خطوط الانحراف الفكري.

 

منهجية اللص... في الغالب، نعرف أن الحق لا يحتاج إلى التورية والخفاء، لأنه حق، ومستوحى من الحق ذاته الذي يتجسد في الذات الإلهية. ولكن ما قام به هذا الرجل هو ترسيخ منهج اللصوص في رسم حدود التنظيم، من خلال جعله تنظيمًا سريًا.

 

ربكم الأعلى... بهذا كان ينظر إليه أفراد التنظيم، حتى إنهم، في مرحلة من المراحل، قد نسوا الله والرسول، واكتفوا بمقولات البنا وأفعاله، وبهذا رسّخ الانقياد الأعمى، مما سهّل على أعداء الإسلام خلق جماعات تحفظ ولا تفهم، وهو ما أوجد بيئة سيئة وُلدت من خلالها جماعات أقرب إلى الانحراف.

 

وهذا ما كان على الصعيد الشخصي، أما في منهجية ما كان يدعو إليه، فهناك كوارث فكرية، منها:

 

ضبابية الرؤية... إذا ما أعدنا النظر، لم يكن للرجل القدرة على التمييز بين مصطلحي الدعوة والسياسة، مما أدخل الدين في دوامة الصراعات العقائدية والمذهبية بشكل معلن. وقد فشل، بشكل مريع، في وضع رؤية صائبة، فتجده يتحدث عن الدعوة، وفي موضع آخر تجده يُقحم الدين في مستنقع السياسة، وهو ما زعزع إيمان الكثيرين، فكان هناك نفور علني من فكرة التدين.

 

الغموض في بعض المواقف... وهذا ما لم يفهمه بعض المفكرين الذين تناولوا منهجيته، ولكن الأمر أبسط مما يتصور القارئ؛ فالرجل كان يتعامل مع القضايا والمواقف التي يجب اتخاذها وفق المثل الشعبي: **«الذي تغلبه العب به»**، وهو منهج الانتهازي.

 

فكرة تأسيس تنظيم الإخوان... منهجية السرطان، وهذا أدق وصف يمكن أن يُطلق على هذه التنظيمات؛ فاتباع الحركة السرية جعل من فكرة التنظيم أشبه بذلك المرض الخبيث الذي يسري في الجسد دون إعلان مسبق. والغريب أن تلك التنظيمات كانت تستهدف شريحة الشباب اليافع على وجه الخصوص، لإيمانها بأنهم قليلو الخبرة والمعرفة بشؤون الدين، ولا يزالون يمارسون هذا الفعل حتى اليوم. وهذا يعود إلى ضعف حجتهم، وقلة أدلتهم فيما يريدون إقناع العامة به. والحقيقة أن فكرة تكوين التنظيم جاءت من حب السيطرة والطمع في السلطة، وهو ما جعل هدف التنظيم الأول والأخير الاستحواذ على السلطة، بغض النظر عما كان يُشاع عن الهدف الدعوي.

 

فكرة الاستبداد بالرأي... فكل من انضوى تحت هذا المسمى اليوم يرى في نفسه المؤمن الوحيد على هذه الأرض، والمدافع عن الإسلام، والحقيقة أنهم، بحد ذاتهم، باتوا إخوان الشيطان. فإن لم تكن معهم، فأنت كافر يحلّ قتلك، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة. وهنا يتجسد الخطر الحقيقي لهذا الفكر التنظيمي، لأنه ينتهج مع البشرية منهج المؤسس نفسه، وحلم السلطة والاستبداد.

 

العفطيات والبهلوانيات... لم أقرأ أو أسمع عن شخصية، على مر التاريخ، تمتلك هذا القدر من المراوغة في طرح الأفكار مثلما فعل البنا. فلم نعلم ما حدود فكره في التعامل مع المصطلحات الحديثة، مثل: **تداول السلطة** و**الديمقراطية**. فمن جهة يدعو إلى الخلافة بشكل سري، ومن جهة أخرى نراهم ينخرطون فيما يُعرف بالانتخابات، وهذا، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على الازدواجية في المعايير.

 

بين الفكرة والتنظيم.. ضاع الدين ... المشكلة الحقيقية ليست في أن يختلف الناس في فهم النصوص، فهذا أمر لازم كل العصور، وإنما تبدأ الكارثة عندما يتحول الفهم البشري إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، ويصبح التنظيم هو المعيار الذي تُقاس به العقائد، لا القرآن ولا السنة. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن الحق، بل يبحث عما يثبت أن جماعته هي الحق، ولو خالف ذلك أبسط قواعد العقل والمنطق.

لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات التي ترفع الشعارات الدينية سرعان ما تتحول إلى كيانات تدافع عن نفسها أكثر مما تدافع عن مبادئها. فتصبح الطاعة فضيلة مطلقة، والمراجعة خيانة، والنقد مؤامرة، والانشقاق ردة عن المشروع. وهنا يفقد العقل وظيفته، لأن المطلوب ليس أن تفكر، بل أن تطيع.

والمؤلم في الأمر أن الدين، الذي جاء ليحرر الإنسان من عبودية البشر، يُعاد تقديمه داخل هذه المنظومات وكأنه سلسلة من التعليمات التنظيمية، حتى يصبح الانتماء إلى الجماعة عند البعض أهم من الانتماء إلى الحقيقة نفسها. وهذه ليست أزمة دين، بل أزمة توظيف للدين في خدمة مشروع سياسي وتنظيمي.

إن أي فكرة تحتاج إلى السرية كي تستمر، وتخشى من النقد، وتضيق بالحوار، وتعتبر المخالف خصمًا لا محاورًا، هي فكرة مطالبة قبل غيرها بأن تراجع نفسها. فالحق لا يخشى النور، ولا يحتاج إلى الأبواب المغلقة، ولا إلى دوائر الولاء الضيقة، لأن قوة الحق في وضوحه، لا في عدد أتباعه.

والتاريخ لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم النتائج. فإذا كانت النتيجة بعد عقود طويلة هي مزيدًا من الانقسام، والصراعات، وتسييس الدين، وتحويله إلى ساحة تنافس على السلطة، فمن حق الناس أن يسألوا: أين أخطأ المشروع؟ وأين انتهى الوعد الذي رُفع باسمه؟ فالمراجعة ليست عداءً، بل ضرورة لكل تجربة بشرية، لأن الأفكار تُوزن بآثارها، لا ببريق عناوينها.

 

الخلاصة ... لا يمكن للتاريخ أن يُخدع إلى الأبد، فمهما ارتدت الأفكار ثياب القداسة، ومهما اختبأت خلف الشعارات الرنانة، فإن الزمن كفيل بأن يكشف حقيقتها. والأفكار لا تُقاس بما ترفعه من لافتات، وإنما بما تتركه من آثار في واقع الناس.

وحين يتحول التنظيم إلى غاية، والسلطة إلى عقيدة، والطاعة إلى عبادة، فإن الحديث لم يعد عن دعوة، بل عن مشروع بشري يُصيب ويخطئ، ومن حق الناس أن يحاسبوه كما يحاسبون غيره. فلا أحد فوق النقد، ولا تاريخ يُعصم من المراجعة.

ولعل أكبر مأساة أن يُطلب من الإنسان أن يُعطّل عقله باسم الدين، مع أن أول ما كرّم الله به الإنسان هو العقل. ومن هنا تبدأ كل الانحرافات؛ يوم يصبح السؤال جريمة، والمراجعة خيانة، والاختلاف خروجًا عن الصف.

ويبقى الحق أكبر من كل جماعة، وأبقى من كل تنظيم، وأطهر من أن يُحتكر باسم أحد. أما الأشخاص، فإنهم يرحلون، وتبقى أعمالهم وحدها شاهدة لهم أو عليهم، والتاريخ لا يكتب المجاملات، بل يسجل النتائج، ولا يعرف إلا ميزانًا واحدًا: ما الذي تركته الفكرة بعد أن انقشع غبار الشعارات؟

السبت، 25 يوليو 2026

مقال

 

الإنجيليون الجدد والحروب الافتراضية

تحت عنوان

الامتداد التاريخي لجرذان فرسان الهيكل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يظن الكثير اليوم أن الحروب الصليبية قد انتهت، ولكن للحقيقة وجهًا آخر قد يكون صادمًا إلى حدٍّ كبير، أكبر من تصوراتكم. وها نحن نعيش اليوم الحروب الافتراضية، وكأننا في لعبة بلايستيشن. ومن الطبيعي أن يكون لهذه الحروب شخصياتها وأهدافها.

وقد يرى البعض أن الجانب الآخر من الكرة الأرضية لا يقرأ التاريخ، ولكن هذه رؤية قاصرة للموضوع؛ فهم أكثر قراءةً منا نحن لتاريخنا، والغرض من ذلك تطوير أساليب التعامل مع العرب والمسلمين في المنطقة. وعند قراءتهم للتاريخ وجدوا أن الحقبة الأخطر عليهم في تاريخ الإسلام هي حقبة حكم العرب. وكما ذكرتُ فيما سبق، فإن حكم العرب امتد من عهد رسولنا الكريم محمد (ص) إلى وفاة هارون الرشيد، ولهذا كان لا بد من إيجاد سبل تمنع وصول العرب إلى الحكم مرةً ثانية.

وعند فشلهم في السيطرة على المنطقة من خلال الاستعمار المباشر، كان لا بد من إيجاد طريقة أخرى لتركيع العرب والهيمنة على المنطقة وثرواتها. فكانت هناك فكرة قديمة تجسدت في (جرذان فرسان الهيكل) ، ثم جرى تطويرها أو تغيير مسمياتها ووسائل طرحها بشكل آخر، فظهرت فكرة (الإنجيليين الجدد) .

وعلى الرغم من أن معظم المصادر التاريخية تفند فكرة الربط بينهما، فإن هناك تشابهًا عميقًا بين أهداف كلٍّ منهما، ومن أهم تلك الأهداف:

* فرض المسيحية دينًا على المجتمعات.

* السيطرة على الأراضي المقدسة لتأمين طريق الحج للمسيحيين.

ولتنفيذ تلك الأجندة، كان لا بد من تجديد المناهج المعمول بها لتحقيق تلك الأهداف، وهنا سوف نستعرض تلك المناهج.

إن المتتبع لمسار الصراعات الدولية يكتشف أن أدوات الصراع لم تعد ثابتة، بل تتغير بتغير الزمن، بينما تبقى المصالح الكبرى هي المحرك الأساس لكثير من السياسات الدولية. فبعد أن كانت الجيوش والأساطيل هي لغة الهيمنة، أصبحت العقوبات الاقتصادية، والحروب الإعلامية، والصراعات بالوكالة، والتأثير الثقافي، وإدارة الأزمات أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة. وهذا ما يدفع كثيرًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن أشكال الصراع تبدلت، أما جوهر التنافس على النفوذ والثروة والموقع الجغرافي فما زال حاضرًا، وإن ارتدى ثوبًا أكثر حداثة.

إن التاريخ يعلمنا أن الأفكار لا تموت بموت أصحابها، بل تتبدل أسماؤها وتتغير أدواتها كلما اقتضت الحاجة. فكم من مشروع انتهى شكله وبقي مضمونه، وكم من تنظيم اختفى من صفحات التاريخ ليعود بثوب جديد يناسب عصرًا جديدًا. ولهذا فإن دراسة التشابه بين المشاريع الفكرية والسياسية لا تعني بالضرورة إثبات وجود امتداد تنظيمي مباشر، وإنما تعني أن المصالح الكبرى كثيرًا ما تعيد إنتاج الوسائل التي أثبتت فاعليتها، ولو تحت عناوين مختلفة. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تغيرت أهداف الصراع، أم أن الذي تغير هو اللغة التي يُدار بها هذا الصراع؟

 

استنزاف ثروات العرب... ونحن نعيش اليوم هيمنة المال على العالم، فمن الطبيعي أن يفكر هؤلاء في منع جميع الدول العربية والإسلامية من امتلاك ثروات تتيح لها امتلاك القوة. فكانت فكرة الحروب الافتراضية في مناطق العرب، بما يضمن وجودهم ويفرض عليهم ما يعرف بالعامية (الخاوة) ، وهي المبالغ المالية التي يفرضها القوي على الضعيف بحجة حمايته. وهذا، بحسب هذا الطرح، هو السيناريو الذي رسمه ما يعرف بالإنجيليين الجدد.

إن الثروة في عالم السياسة ليست مجرد أرقام تودع في المصارف، وإنما هي قدرة على اتخاذ القرار المستقل. ولذلك فإن إنهاك الاقتصادات، واستنزاف الميزانيات، وإشغال الدول بسباقات التسلح وإعادة الإعمار، يعد من أكثر الوسائل فاعلية في إضعاف أي أمة دون الحاجة إلى احتلالها عسكريًا. فالدولة التي تنفق مواردها على معالجة الأزمات المتكررة لن تجد ما يكفي لبناء الإنسان أو تطوير العلم أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهنا تتحول التبعية إلى واقع يفرض نفسه مهما كانت الشعارات المرفوعة.

 

إيران ودور جاسوس المنطقة... (الخاصرة الرخوة) لكل هيكل أو نظام في هذا العالم نقاط ضعف يمكن من خلالها الدخول لتفتيت أي منظومة. وهذا لا يعني أنني أشكك في إيمانهم، لا سمح الله، ولكن عند قراءتهم لتاريخ إيران وجدوا ما يعرف بحلم الإمبراطورية الفارسية التي هشمتها سيوف الإسلام. فكانت فكرة اللعب على مسألة الحقد على العرب من خلال بث فكرة، في عقول العجم بشكل عام، مفادها أن الإسلام دين العرب. وهذا صحيح؛ فالعرب هم حملة الدين الإسلامي ورواده على مر العصور، ولهذا كان لا بد من تغذية فكرة العداوة للعرب والعمل على نخر جسد الإسلام من الداخل، فلم يجدوا أصلح من النظام الإيراني للعب هذا الدور.

 

إسرائيل ودور مسمار جحا... وبالعودة إلى قراءاتهم لتاريخنا، استخدموا مفهومًا لم يخطر على بال الشيطان نفسه، مستوحى من تراثنا العظيم، وهي حكاية ذلك المسمار الذي تركه جحا في منزله ليصبح الحجة التي يدخل بها إلى منزله للاطمئنان عليه بين حين وآخر.

ولهذا كانت فكرة قيام دولة إسرائيل في المنطقة العربية، من خلال بعض الروايات المختلقة التي تبناها بعض المفكرين الذين جندوا كل شيء من أجل الانتصار على العرب والمسلمين.

وقد تكون فكرة أن هذا الكيان مهم جدًا للذين يديرون المشهد العالمي فكرةً ساذجة إلى حدٍّ كبير؛ فبالعودة إلى كتابات العالم الغربي نجد أن الشخصية اليهودية، عند معظم المفكرين وأصحاب الأقلام، لا تحظى بالاحترام، بل على العكس، تُعد في كثير من أدبياتهم شخصية منبوذة ومرفوضة اجتماعيًا، وهو ما يؤكد، بحسب هذا التصور، أن الموضوع برمته لا يتعدى أن يكون رواية **مسمار جحا**.

 

الحرب الافتراضية... إن حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، وما سوف يأتي بعدها، كلها - وفق هذا الطرح - فعاليات وهمية لا تتعدى أن تكون لعبة للكبار فقط. ومثلما أن هناك ضحايا يقدمون بمثابة قرابين، فإن العرب ودينهم هما الغاية والهدف.

فكل النزاعات التي تشهدها المنطقة تصب، وفق هذه الرؤية، في الاتجاه نفسه. وهناك من يقول إن هناك اتفاقًا بين الجهات المتحاربة، وهذا - من وجهة نظري - غير صحيح، لأن الطرف الأقوى في القتال يتبنى مفهوم **صناعة العدو**.

ومن أهم النتائج التي يرمون إلى تحقيقها:

* استنزاف دول الخليج العربي.

* الهيمنة على المنطقة لأطول وقت ممكن.

* بناء قواعد عسكرية قريبة من المعسكر الشرقي.

 

الخلاصة ... قد يختلف معي الكثيرون، وقد يرفض آخرون هذه القراءة جملةً وتفصيلًا، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن أصحاب العقول لا يكتفون بالنظر إلى ما يحدث، بل يبحثون دائمًا عن سبب حدوثه. فالأحداث الكبرى لا تُقرأ بعينٍ ترى الدخان فقط، وإنما بعقلٍ يبحث عن النار التي أشعلته.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس أن تُهزم في معركة، بل أن تُمنع من طرح الأسئلة، وأن تُقنع بأن كل ما يجري حولها مجرد مصادفات متفرقة لا يجمعها خيط. أما أصحاب البصائر، فإنهم يدركون أن التاريخ لا يكرر نفسه بالحروف، وإنما يعيد إنتاج أنماطه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة وأدوات أكثر دهاءً.

ولهذا، فإن الأمر برمته يبدو ــ في نظر من يقرأ الوقائع بعقلٍ ناقد ــ أوضح مما يتخيله الكثيرون؛ فليست كل الحقائق تُخفى، وإنما بعضها يختبئ خلف ضجيج الأحداث، ولا يراها إلا من اعتاد أن يقرأ ما بين السطور، لا السطور وحدها.

 

الاثنين، 20 يوليو 2026

مقال

 

 أبصر الله وأنتم لا تُبصرون

تحت عنوان

حقائق صادمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية، وعند شروعي في كتابة هذا الموضوع، استشرت الكاتب والصحفي الدكتور خيري شيت، فأشار إلى أن موضوعي هذا سوف يدخل في إشكالية الحلاج، انطلاقًا من العنوان. وبصراحة، أنا أقدر وأحترم هذا الرأي، ولكن، ولمن لا يعلم، فإن شخصية الحلاج بذاتها قد تعرضت إلى غبن كبير بسبب إشكاليات الوعي الإدراكي. فعندما سُئل: (أين الله؟) أجاب: (إن الله يكمن تحت جبتي) ، فظن كثيرون أنه يدعي الألوهية، بينما كانت القضية التي يرمي إليها أكبر بكثير من تلك العقول التي أفتت بصلبه. فقد استند في إجابته إلى قصة أول الخلق والسجود لآدم، حيث لم تكن تلك السجدة لآدم بذاته، وإنما لعظمة خلق الله التي تجسدت في خلقه لآدم. ومن هنا تكون الانطلاقة في موضوعنا هذا.

وللتنويه... في هذه الكلمات لا أدعي الصلاح، وأشهد الله على ذلك، فأنا بشر أخطئ وأصيب، وقد يكون في نفسي سوء، ولكن قضيتي هي التذكير، فمن منا بلا خطيئة؟ وإن وُجد، فليرمني بحجر.

 

ملامح الله ... وهنا لا أقصد الملامح العينية، ولكن هناك ما يعرف بصورة الله في الأرض، وللتعرف على ملامحها يجب البحث عنها في أعمال عباده الصالحين، إن وُجد اليوم أحد منهم. ولمعرفة تلك الملامح، ابحث عن الأعمال التي تثبت صفاته من خلال أفعال أصحابها، وقد تكون أسماؤه الحسنى هي المصدر الوحيد لتلك الملامح. وكذلك هناك ما يعرف بالتجني على الذات الإلهية، فالكثير اليوم يقوم بعملين حذرت منهما الملائكة عند خلق آدم، وهما الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وهما قضيتان ترميان فاعلهما إلى قعر جهنم، والعياذ بالله. وليس هذا موضوعنا الآن، ولنعد إلى قضية: (كيف أرى الله؟)

 

ولو أدرك البشر كيف يرون الله، لما بقي على هذه الأرض من يشرع في الشرك. وإذا ما جمعت تلك الأسماء بوصفها صفات له سبحانه، فسوف تدرك عظمته، وهو العظيم، والعظمة تأتي من رحمته. وكيف لا، وهو الذي خصَّ نفسه بها؟ ولهذا ترى أن هناك من يتمادى في المعصية طمعًا في هذه الصفة، ولكنهم يجهلون معايير التعامل معه، عز وجل، فهو ملك الملوك، الذي تخضع له كل من في الأرض ومن في السماء، وهو السلام. وهنا يكون التجني على الذات الإلهية، فالكثير اليوم يرتكب أعظم الكبائر، وهي سفك الدماء، ويدعي أنها من أجل الله. وهذه ليست قضية حديثة، ولكن لو عدنا إلى النصوص التي تستند إليها الكتب السماوية القديمة، لرأينا أنها تصفه برب الجنود، في إشارة إلى تبويب العنف السماوي بين البشر، وكل هذا وأكثر يدخل ضمن عمليات تشويه صورة الذات الإلهية.

 

كيف أرى الله ... لمن لا يعلم، أنا من الذين يُبصرون الله بعين القلب وإدراك العقل، والوصول إلى هذا ليس بالأمر السهل كما يظن البعض. فأنا ممن إذا بحث عنه وجده في قلبه، ولكني أفتقده في قلوب كثير من البشر، عندما ترى أن أخطاءهم تجاوزت حدود ذواتهم البشرية. وهذا يعزز قولي إن جميع من على الأرض غافلون، ويكون استيقاظهم عند الموت. فهو آخر من أكلمه في يومي، وأول من أناجيه في صباحي، وأدرك لطفه عند مرضي. لم يتخلَّ عني عندما تخلى عني الجميع، والعلاقة به قد تجاوزت حدود العبودية إلى المحبة؛ فأنا أحبه، نعم، وهذا لأنني أعلم من يكون. وقد وصلت إلى قناعة بأن حدود قدرته لا حدود لها، وكيف لا وهو القادر على كل شيء؟ ولم يكن هذا بفعل النصوص البشرية التي ورثناها عمن سبقونا، وإنما هو القلب الذي أعلن ولاءه لله عز وجل، بسبب الإدراك العقلي بأن الله أكبر من أن يُعبد بين مصطلحي الترغيب والترهيب، والمقصود هنا الجنة والنار. ولو وصل أحد إلى هذا المستوى، لكانت رؤيته لله غير تلك التي رسمتها كتب الفقهاء ورجال الدين في جميع الديانات السماوية.

 

الصورة التي لا تليق به... اليوم نرى أن كثيرًا من دعاة الصلاح ينتهجون منهج تشويه صورة الله من خلال أقوالهم وأفعالهم، وهذا يعد شركًا خفيًا، إن كنتم لا تعلمون. فعندما يسرق رجل الدين، يقول الناس: هؤلاء رجال الله. وعندما يقتلون، يعلنون أن ذلك أمر من الله، وهذا ما يجعل هناك نفورًا غير معلن عن الله. وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيتحدث عنه بما لا يليق به، من خلال منازعته لله في ملكه، والعياذ بالله، فيرمي هذا إلى النار، وذاك إلى الجنة، وفق وجهات نظره المحدودة. ولهذا العمل نتائج كارثية، منها بعث روح اليأس من رحمة الله، وهذه، في مذهبي، أعظم أنواع الشرك. وليس هذا فحسب، بل يذهب بعضهم إلى التعامل مع الله بالحسابات البشرية.

وأستشهد هنا بحكاية من الواقع؛ فقبل فترة رأيت أحد رجال الدين يحمل في يده ما يعرف بالحاسبة، يحسب بها الأذكار كما يدعي، وقد أصابني شيء من الغضب، فقلت له: (يا شيخنا، أليس الله أكبر من أن تُحسب له ما تقدم؟) وقد نُقل عن أحد الفقهاء قوله: (أحصوا سيئاتكم، وأنا ضامن لحسناتكم) ، انطلاقًا من إيمانه بقدرة الله على كل شيء.

وحكاية أخرى، يُروى أن أحد الدراويش كان يحمل المال معه وهو في حلقات الذكر، وفي وقت معين سقط ذلك المال على الأرض، فاجتمع الناس عليه، ولم يستطع التوقف عن الإنشاد، فأخذ يصرخ: (محسوبات ومعدودات) ، وفي ذلك تأكيد أن ما عند الله لا يضيع.

 

علاقتي به ... يشاع عني أنني بعيد كل البعد عن الله، وهذا رأيهم، وهم يتحملون وزره يوم اللقاء. ولكن ما لا يعلمونه أنني من المؤمنين بأن العلاقة مع الله علاقة شخصية بين العبد وربه، فإذا ظهرت للناس دخلت في باب الرياء، أبعدكم الله عنه. ولهذا أرى أن معضلة الإيمان تكمن في قضية التصديق، وأن يكون ما في اللسان مطابقًا لما في القلب. فإن الله لا ينظر إلى صوركم التي تشمل أفعالكم اليومية، وإنما ينظر إلى قلوبكم، وذلك هو خير الإيمان.

وأنا لا أكترث بما يثار حولي من أقاويل، لأنني أثق بقولنا الشعبي: (الله يعرف من سرق الحبل)

 

المضمون ... وهنا أصل إلى جوهر ما أريد قوله... إن أكبر جريمة ارتكبها الإنسان بحق الإيمان لم تكن في إنكاره لله، بل في رسم صورة لا تليق به، حتى أصبح كثير من الناس يفرون من تلك الصورة المشوهة، وهم يظنون أنهم يفرون من الله. لقد اختزلناه في غضب دائم، وفي أحكام بشرية ضيقة، وفي وكلاء نصبوا أنفسهم متحدثين باسمه، حتى صار الخالق عند البعض يشبه أهواء مخلوقاته، وهذا هو التجني بعينه. إن الله، في يقيني، لا يُعرف بكثرة الشعارات، ولا بطول اللحى، ولا بعلو المنابر، ولا بصخب الوعاظ، وإنما يُعرف عندما ترى الرحمة تنتصر على القسوة، والعدل يغلب الظلم، والصدق يهزم الكذب، والإنسان يعلو على شهواته. هناك فقط تبدأ ملامح الصورة التي يستدل بها القلب على خالقه. أما من جعل من الدين وسيلة لسفك الدماء، أو لتوزيع مفاتيح الجنة والنار بين الناس، أو لتخويف العباد من ربهم أكثر من تعريفهم برحمته، فإنه لم يظلم الناس وحدهم، بل ساهم في تشويه تلك الصورة التي من أجلها خُلق الإنسان أصلًا. ولهذا أقول إن الطريق إلى الله لا يبدأ من أفواه الآخرين، وإنما يبدأ من قلب صادق، وعقل لا يخاف من السؤال، ونفس تعرف أن عظمة الخالق أكبر من أن تُحاصر في فهم إنسان، أو في رأي فقيه، أو في اجتهاد رجل دين، لأن الله أعظم من أن يحيط به عقل، وأقرب إلى عباده من أن يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه.

 

الخلاصة ... لن أسأل أحدًا بعد اليوم: (أين الله؟) لأنني، في رحلتي مع الحياة، تعلمت أن السؤال الأصدق هو: (أين الإنسان من الله؟) فكم من إنسان يحفظ أسماءه الحسنى ولا يحمل من معانيها اسمًا واحدًا، وكم من آخر لا يجيد الحديث عنه، لكن أفعاله تنطق برحمته وعدله وصدقه. أما أنا، فإن كانت لي عقيدة ألقى الله بها، فهي أنني كلما ازددت معرفة بعظمته، ازددت يقينًا بعجزي عن الإحاطة به، وكلما اقترب قلبي منه، ازداد لساني صمتًا عنه. لهذا لا أبحث عن الله في ضجيج المنابر، ولا في صراخ المتخاصمين باسمه، ولا في الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على رحمته، وإنما أبحث عنه في كل موضع ينتصر فيه الحق على الهوى، والرحمة على القسوة، والعدل على الظلم، والإنسان على وحشه الكامن فيه. فإن أخطأت في فهمي، فحسبي أنني اجتهدت بقلب يريد وجهه، وإن أصبت، فالفضل له وحده. وسيبقى يقيني الذي لا أفرضه على أحد أن أعظم ما يمكن أن يراه الإنسان في طريقه إلى الله ليس صورة يتخيلها، ولا وصفًا يصنعه، وإنما أثر أسمائه الحسنى حين تنعكس على أخلاق عباده. هناك يبدأ البصر الحقيقي... وهناك فقط يدرك القلب لماذا قلت منذ البداية: (أبصر الله وأنتم لا تُبصرون) .

الأحد، 19 يوليو 2026

مقال

 

 أسطورة جدي البطل

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية، وليشهد الله، لستُ بطعّانٍ ولا لعّانٍ، لأن ما سوف يرد هنا قد يُحمل على محمل الطعن بالأنساب، وهذا ليس من أسلوبي. ولكن انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التباهي بقرونٍ من طين، من خلال جملة: (كان أبي وكان جدي) واستحضرني هنا بيتٌ من الشعر:

كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واكتسِب أَدَباً ** يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ

إِنَّ الفَتى مَن يَقولُ ها أَنا ذا ** لَيسَ الفَتى مَـن يَقولُ كانَ أَبي

لنفهم منه مغزىً عظيمًا، وهو أن التباهي يكون بما تصنعه جوارحك أنت، بيدك ولسانك، ولهذا علينا اليوم تفنيد أكذوبة  (كان جدي بطلًا) . والسؤال الأهم في الموضوع هو: **ماذا صنعت أنت؟** وما مدى الاستفادة من وجودك على هذه الأرض؟ وفي الغالب تنطلق هذه الظاهرة من المنطلق العشائري.

 

معضلتنا مع التاريخ... ولمن لا يعرف، لا وجود لحقيقةٍ مطلقة على صفحات التاريخ، ونحن العرب والمسلمون كان التاريخ المطرقة التي هشّمت عظام البنية العربية على مر الأزمنة، من خلال رواياتٍ أسطورية تعزز آليات تخدير العقل في التعامل مع ما هو حاضر وقادم، حتى وصل الأمر عند الكثيرين اليوم إلى أنهم يجدون في التاريخ المعيار الوحيد للتعامل مع الآخرين، وهذه كارثة لا يعلمها كثيرون. فمنها تنطلق العنصرية والطبقية، حتى تلك الأكاذيب التي نطلقها، مثل: (شعب أصيل) و (هذه أرضنا) .

وللتنويه، يجب أن ندرك أن الاجتياح المغولي أسقط أسطورة (الدماء النقية) و**(هذه أرضنا)**. ولمن لا يعلم، فإن الأرض وما عليها لله عز وجل، والانطلاق من تلك المفاهيم المغلوطة سوف يضعك في إشكالية أمام الله. حتى إن رسولنا الكريم أشار إلى هذا بقوله: (دعوها فإنها عفنه) . وقد يقول أحدهم إنه حديث ضعيف السند، وردّي على هذا بمنهجية أؤمن بها، وهي أن كل حديث يرد عن رسول الله محمد (ص)، إذا كان يصب في معيار يقبله العقل ويطمئن له القلب، فهو أولى بالأخذ. وقد لا ترضي هذه النظرية كثيرًا من رجال الدين، ولكن ما لا يعلمونه أن الرب ربي، والرسول رسولي، وأنا حر في الكيفية التي أراهما بها.

 

استغلال الأجداد ... المصيبة هنا أننا، نحن الشعوب العربية، أكثر الشعوب التي تتغنى بالماضي، وأنا لا أنكر أن لدينا تاريخًا مشرّفًا بكل عيوبه، ولكن يجب علينا العمل لنكون لائقين بهذا التاريخ والإرث الحضاري.

فتسمع اليوم أحدهم يقول: (أنا جدي الزير سالم) ، أو آخر ليعطي صورةً للمقابل بأنه شجاع أو شيء من هذا القبيل، ولكن إذا ما عدنا إلى طباع القائل، لا تجد أن الشجاعة تمت له بصلة تُذكر، أو أي صفةٍ محمودة، وهذا ما يخلق اضطرابًا معياريًا بين القول والفعل.

وإذا ما عدنا إلى المجتمع الموصلي بشكل خاص، سوف تجد أن كثيرًا من ألقاب التباهي مشكوكٌ بها؛ فمنها ما كان أصلها نابعًا من تبعيةٍ مقيتة تعود إلى زمن المستعمرين ودرجة العمالة في ذلك الوقت، وأخرى تجد أنها تعود إلى أسطورة لا حقائق لها، تناقلتها الأجيال. والغريب أن تلك العوائل ترى نفسها الأعلى أو الأسمى من سواها في هذه المدينة، مما خلق نوعًا من ممارسات التعالي على الغير.

والأسوأ من كل ما ذكرت هنا هي تلك الشرائح القروية التي تمثل اليوم غزوًا حضاريًا يهدد الهيكل العام للمدينة، وهذه أيضًا تعتمد على الأساطير القبلية التي يستبسل بها أشباه مسيلمة الكذاب، أجلكم الله، فترى الكثير منهم يحدث الناس بما ليس له علاقة بعمله، وكلها تحت عنوان (شماعة الأجداد) ، وهي أكذوبة الأساطير.

 

بطولات بالإرث لا بالفعل ... من أغرب ما ابتُلي به مجتمعنا أن كثيرًا من الناس يعيشون على رصيدٍ لم يودعوه هم في بنك الحياة، بل ورثوه من أسماءٍ سبقتهم بقرون. فتراه يدخل أي مجلس وكأنه يحمل شهادة شجاعة موقعة من جده، أو صكًا بالأفضلية صادرًا عن نسبه، وكأن التاريخ وكالة شرعية تورَّث مع الميراث. ولو سألته عن أثره في الناس، أو عن موقفٍ واحدٍ وقف فيه مع مظلوم، أو عن علمٍ نفع به غيره، أو عن عملٍ ترك بصمة في وطنه، لصمت صمت القبور. إن البطولة لا تُورَّث، والشرف لا ينتقل بالجينات، والمجد لا يسكن في شجرة النسب، بل يولد كل صباح مع الإنسان حين يقرر أن يكون نافعًا لمن حوله. أما من يجعل الأجداد مهنة، والتاريخ وظيفة، فإنه لم يزد على أن يكون ظلًا لرجلٍ مات، بينما هو لم يبدأ حياته بعد.

 

حروب من أجل البقاء... يجهل اليوم الكثيرون إيجاد تبويبٍ لكل الحروب في هذا العالم، فمنهم من يقول إنها حرب دينية، وآخرون يرددون أنها طبقية أو فئوية، ولكنها، وللأسف، صراعٌ من أجل البقاء بصبغة الماضي الذي وجدوا فيه المسار الآمن لكسب الرأي العام تحت مسميات (العرق والدين) .

وبخصوص الأولى، فهناك مقولة مفادها: (البعرة تدل على البعير) ، إشارةً إلى أن عملك يدل على أصلك. أما الثاني، فكثيرون يعرفون الدين على أنه ممارسات أو عبادات، ولكن حقيقته أنه خُلُق لا أكثر، فمنذ بدأ الخلق وهو عبارة عن دساتير تضبط الأسلوب العام للبشر، لا ميزة تبعث فينا روح التعالي والطبقية.

 

ربما تكون هناك غانية خيرٌ من رجالكم... وفي هذا أستشهد بحكاية تُروى من التراث الموصلي عن امرأة تمارس البغاء تُسمى (حسنة ملص) ، ومفادها أنه في أحد الأيام كانت في سيارتها، فرأت رجلًا وبقربه أربع فتيات صغيرات، وامرأة، وأغراضًا مرمية على قارعة الطريق، وبقربهم رجل يصرخ بوجوههم. وهنا استفزها المنظر، فأمرت سائقها بالتوقف للاستفسار عن حقيقة هذا المشهد.

فكانت الرواية أن صاحب الدار قد طردهم بسبب عدم تمكن هذا الرجل من تسديد الإيجار نتيجة مرضه، فما كان منها إلا أن قالت للرجلين: **لي موعد معكما غدًا في دائرة تسجيل العقارات**، دون توضيح السبب. وعند الموعد قالت لصاحب الدار: **كم ثمن دارك هذا؟** وبعد أن أخبرها، قالت له: هذا ثمن الدار، وسجله باسم صاحب هذه العائلة الفقيرة.**

ولمن لا يعلم، لم أستشهد بهذه الحكاية من باب تجميل القبح، لا سمح الله، ولكن هنا يولد سؤال مهم جدًا: كم رجل من أصحاب التواريخ العظيمة قادر على فعل ما أقدمت عليه صاحبة هذا العمل، وهي، كما يشاع عنها،  (مموس) ؟

وهذا يؤكد أن عملك وصورتك وما أنت عليه لا يخضع للمعايير التاريخية، وأن الأعمال العظيمة ليست شرطًا أن تقترن بأصلٍ أو دين.

 

الخلاصة ... لا يهمني من كان جدك، ولا كم فارسًا خرج من بيتك، ولا كم صفحةً كتبها التاريخ عن عشيرتك. ما يهمني فقط هو: عندما تصبح أنت غدًا جزءًا من التاريخ، ماذا سيكتب عنك؟ هل سيقال إنك كنت رجلًا صنع أثرًا، أم مجرد شخص عاش عمره يردد أسماء الموتى لأنه لم يجد في حياته اسمًا يستحق أن يُذكر؟

اعلموا أن الأجداد لا يحتاجون إلى أحفاد يتاجرون بأسمائهم، بل يحتاجون إلى رجال يحفظون مكانتهم بالأفعال لا بالخطب. ومن يعيش عمره متكئًا على قبر جده، فهو يعترف، من حيث لا يدري، بأنه لم ينجح في بناء قبرٍ يليق باسمه حين يرحل.

اصنعوا لأنفسكم تاريخًا، فالتاريخ لا يرحم الكسالى، ولا يسجل أسماء الذين عاشوا على أمجاد غيرهم. وعندما يقف الإنسان بين يدي الله، لن يسأله: **من كان جدك؟** بل سيسأله: (ماذا قدمت أنت؟) وهناك... لن تنفعك شجرة نسب، ولن يشفع لك لقب، ولن يتكلم عنك تاريخٌ لم تكن أنت أحد صُنّاعه.

 

مقال

    الزيدي .. وحتمية الفشل تحت عنوان المعطيات والنتائج بقلم البارون الاخير / محمو د صلاح الدين البداية، ليعلم كلُّ من على هذه الأرض،...