بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 1 يونيو 2026

قراءة نقدية

 قراءة نقدية لعشرة أبيات في قصيدة (عاد الزمان) للشاعر غسان عزيز

تحت عنوان

الأدب الموصلي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



والبداية من سؤال أحد الأدباء لي: (ما هي الألوان الأدبية التي تجيدها؟)، وكان جوابي في طلبي تغيير صيغة السؤال لتكون: (ما هو اللون الأدبي الذي لا أجيد الكتابة فيه؟). وقد يعتبر هذا عند البعض نوعًا من الغرور، والعياذ بالله، ولكنني على دراية بالأدوات التي أمتلكها من أجل الكتابة، وهذا ما يتيح لي الكتابة في المجال الذي يخدم أصل الفكرة المكتوبة.

الشاعر الدكتور غسان عزيز أستاذ اللغة العربية في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل، وله العديد من الأعمال الأدبية المطبوعة وأخرى غير جاهزة للطبع، بالإضافة إلى عشرات القصائد المنشورة في الصحف والمجلات، وهذا ما دفعني للكتابة عن نص شعري من نتاجه، لتكون هذه السطور جديرة بروعة النص.

 

يا غُربةَ الروحِ في عمرٍ بلا وطنِ

               والكلُّ حولكِ في أوهامِهم رَحَلوا

يا غُربةَ الصدقِ إذ باتتْ بضاعتُه

           في سوقِ كذبٍ لها الأذنابُ تشتعلُ

 

يبتدئ الشاعر قصيدته بنداءٍ متعدد يتوزع ما بين (غربة الروح وغربة الصدق)، وهو انتقال يُعد احترافيًا إلى حد كبير، فالانتقال من المعاناة الفردية إلى المعاناة العامة يجعل الوطن لا يبدو، في نظر كاتب النص، مجرد جغرافيا، بل صورة لمنظومة أخلاقية.

أما عن الجوانب التي تميز هذه الأبيات، فتتمثل في افتتاحية قوية ذات بعد وجداني، بالإضافة إلى توظيف الصورة التي تتمثل في (سوق الكذب)، وهي صورة تحمل دلالة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق.

أما ما يضعف الأبيات الأولى فهو ورود عبارة (لها الأذناب تشتعل)، وهي تحمل قوة انفعالية، لكنها غامضة الدلالة، وتبدو صورة غير مكتملة الوضوح.

 

كم من عزيزٍ غدا في الناسِ مُنكسراً

                  وكم وَضيعٍ بغيرِ الحقِّ يرتجلُ

قد بَعثرَ الخوفُ أوراقَ الحيارى فما

                      عادَ الفؤادُ إلى خِلٍّ فيكتملُ

 

وهنا يكون هناك انقلاب في موازين القيم الاجتماعية والأخلاقية، حيث تراجع في هذه الأبيات أصحاب القيم، وتقدم الانتهازيون. فكانت هناك مقابلة بين (عزيز ووضيع)، وقد كانت محاولة ناجحة إلى حد كبير، أما الصورة الشعرية التي برزت فكانت في عبارة (بعثر الخوف أوراق الحيارى)، كما برزت وحدة الفكرة هنا، وهذا مما يُحسب للشاعر.

 

ولكن استعمال كلمة (يرتجل) لا يبدو الأكثر دقة هنا، إذ ترتبط عادة بالكلام أو الشعر، بينما المقصود ربما التسلط أو التصدر. كما جاءت كلمة (فيكتمل) لخدمة المعنى هنا، لكنها أقل توهجًا من بقية الصور.

 

يا ليلُ هل في ضياءِ الفجرِ مُتَّسعٌ

           لنقرأَ الحرفَ حينَ الموتُ يرتجلُ؟

فلا العيونُ رأت حزناً نُكابدهُ

         ولا القلوبُ وَعَت ما حادَ أو وَصَلوا

 

ليطرح الشاعر في هذه الأبيات سؤالًا عن إمكانية بقاء المعرفة والوعي في زمن الموت والخراب، حيث إن توظيف الاستفهام الشعري هنا يمنح النص بعدًا تأمليًا، ولكن يبدو أن الشاعر قد وقع في ذات المشكلة بإعادة استعمال الكلمة نفسها (يرتجل). كما يبدو أن الشطر الثاني من هذه الأبيات أقل وضوحًا، متمثلًا في عبارة (ما حاد أو وصلوا)، والتي قد تربك القارئ.

 

ستبقى في الحنايا جمرةٌ أبداً

           تقتاتُ من دمعِنا، والكلُّ قد غَفَلوا

عادَ الزمانُ بأثوابٍ ممزقةٍ

        والناسُ في سَكراتِ الجهلِ قد غفلوا

 

ليعود العنوان إلى صلب الموضوع في هذا الموضع، فالزمان عاد، لكنه عاد مشوهًا وممزقًا. وكانت عبارة (جمرة في الحنايا) من أجمل الصور المؤثرة والمتجذرة في الوجدان العربي، لتأتي بعدها صورة الزمان المرتدي أثوابًا ممزقة، وهي صورة موفقة في هذه الأبيات. ولكن ما أضعف الأثر هو تكرار لفظة (غفلوا).

 

والعهدُ في شفةِ الغدّارِ مهزلةٌ

           والكلُّ من كذبِ الأقوالِ ما خجلوا

يا ويحَ قلبيَ إن ناديتُ مكرُمةً

       والناسُ عن نصرةِ المظلومِ قد عدلوا

 

لينتقل الشاعر هنا إلى نقد الانهيار الأخلاقي وفقدان القيم، لتكون عبارة (العهد في شفة الغدار مهزلة) من أقوى أبيات القصيدة، وليبرز هنا وضوح الرسالة التي يرغب النص في إيصالها، جامعًا بين قوة المفارقة ووضوح الدلالة.

 

الخلاصة ...يمكن القول إن قصيدة (عاد الزمان) تمثل نصاً مشبعاً بالهمّ الإنساني والاجتماعي، يتقاطع فيه الوجدان الفردي مع صدى الواقع العام، في محاولة لالتقاط صورة زمنٍ مضطرب تتداخل فيه القيم وتتشظى فيه الملامح. وقد استطاع الشاعر أن ينسج من الألم رؤيةً شعريةً تتأرجح بين قوة التعبير وصدق الانفعال، وبين جمال الصورة وعمق الدلالة.

ومع ذلك، فإن هذا الحضور الكثيف للمعنى لم يخلُ من بعض الهفوات الأسلوبية أو الغموض الدلالي في مواضع محددة، وهو ما لا ينتقص من قيمة النص بقدر ما يفتح باب التأمل في إمكانية صقل التجربة الشعرية أكثر، بما ينسجم مع عمق الفكرة واتساع الرؤية.

إن هذه القراءة لا تدّعي الإحاطة الكاملة بالنص، بقدر ما تحاول الاقتراب من روحه، واستنطاق طبقاته الجمالية والفكرية، في زمن باتت فيه الكلمة الصادقة موقفاً، والشعر شهادةً على عصرٍ يزداد تعقيداً وانكساراً. وتبقى القصيدة، في جوهرها، محاولة للتمسك بخيط الضوء الأخير وسط عتمة تتسع، وصوتاً يذكّر بأن الجمال لا يموت ما دام هناك من يقرأه بوعيٍ وتأمل.


السبت، 30 مايو 2026

مقال

 

لماذا لا نستطيع صناعة الثورة؟

تحت عنوان

شرعنة الخوف والطمع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

 


تُقاس الأمم بالوعي الحضاري الذي تملكه. فالمكان هو العراق، والزمان هو وقتنا الحالي، ومع كل ما نشهده من فوضى عارمة في إدارة البلد، لم نجد ما يُعرف بالمعترضين على كل هذا. ومن الطبيعي أن نستعرض الأسباب والدوافع التي أوصلتنا إلى درجة أصبحنا نملك فيها القدرة على الأنين فقط. ولهذا، في هذه السطور سوف تقرأ ما لا يجرؤ أحد على كتابته، وأنا هنا أكسر كل ما قد يرد من محاذير حول هذا الموضوع.

 

الثورة... لا تعني بالضرورة عمليات اعتقالات ومداهمات وقتل، كما اعتدنا أن نرى أو نسمع في عالمنا الحديث والمعاصر، بل هي نوع من رفض الممارسات التي يراها العامة غير سوية، من خلال قضايا تُعرف بتسميات عديدة، منها: (العصيان المدني أو شل حركة الميادين العامة)، وبهذا تُعد قمة التحضر الاجتماعي.

 

لماذا لا نستطيع صناعة الثورة؟ ... في المقولات المتعلقة بالإرث التاريخي توصف الثورة بأنها: (يخطط لها العظماء، ويفجرها المغفولون، ويستولي على السلطة الانتهازيون والمتسلقون). وبسبب هذا المنطق، ترى الكثيرين يعزفون عن القيام بأي شيء يُذكر، مما يخلق حالة من اليأس القاتل بالنسبة للعامة. وبعد عقدين من الزمن، لا ترى ذلك الوعي الذي قد يفضي إلى القيام بثورة، رغم البنية المتهالكة للنظام وانتشار الفساد.

 

شرعنة الخوف والطمع...يُعد هذا المعيار النقطة الفاصلة في أصل الموضوع برمته. فمنذ تأسيس النظام الحالي، اتبع مبدأ (العصا والجزرة)، وهو أحد مبادئ الدكتاتوريات في العالم. فنحن اليوم نعيش ما يُعرف بـ(الدكتاتورية الجمعية)، وهي من أسوأ أنواع الدكتاتوريات في العالم.

فبات المواطن اليوم مقيدًا بسلاسل المال من خلال حمى التعيينات العشوائية غير المدروسة، وما يُعرف برواتب شبكة الحماية الاجتماعية، التي تُعد، برأيي، منظومة تدعو إلى تحويل المجتمع إلى فئة غير منتجة. وأصبح الجميع يعمل بنظرية الشيخ عبد المطلب أمام أبرهة الحبشي حين قال: (إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه). وهكذا دخل المواطن اليوم في مقولة: (أنا رب المال، والوطن له الله)، وهذه تُدخل الجميع في باب شرعنة الطمع، وهو ما يدفعهم إلى إسقاط فكرة الثورة من الأصل.

أما عن الخوف، فإن النظام منذ البداية اتبع سياسة: (إما أن تكون معي أو أنت ضدي)، وقد شرعن قوانين وقوالب جاهزة تتوزع بين تهم الإرهاب والبعثية، وبذلك أصبحت الذريعة موجودة دون الحاجة إلى البحث عن قانون قمعي جديد. وهنا يصبح كل من يفكر في الخروج عليهم موضع اتهام قد يفضي بصاحبه إلى أحكام قاسية قد تصل إلى الإعدام، مما يجعل المواطن يعيش دائمًا عند بوابة الخوف.

 

ثورة تشرين وأخواتها... وقد أطلقتُ عليها تسمية "الثورات الترفيهية". ولمن لا يعلم، فإنني عاصرت تلك الحركات، وكانت لي مشاركة في بداياتها عام 2017 في بغداد. وما لا يعلمه الكثيرون أن هناك أسلوبًا مخابراتيًا معروفًا في العالم يُعرف بـ(القضايا التنفيسية للرأي العام)، حيث تقوم السلطات بحركات مفتعلة يكون الغرض منها تخفيف الاحتقان في الشارع ورصد الشخصيات المعارضة التي قد تقع في فخ الثورة.

وما يُؤخذ على حركة تشرين هو افتقارها إلى الأهداف الواضحة والقيادة الحقيقية، فجميع من كانوا هناك لم يمتلكوا رؤية واضحة حتى لما بعد الأحداث، وهذه كارثة بكل المقاييس العقلية والمنطقية.

 

بين المواطن والرعية... هناك فرق كبير بين المواطن والرعية، فالمواطن يدرك أن له حقوقًا وعليه واجبات، وأن الدولة وجدت لخدمته لا ليكون هو خادمًا لها، أما الرعية فهي تنتظر ما يُلقى إليها من فتات، وتخشى الاعتراض حتى لو رأت الظلم بعينيها. والمشكلة الحقيقية أن الأنظمة لا تخشى الفقراء ولا الجياع، بل تخشى الإنسان الذي يمتلك الوعي، لأن الوعي هو الشرارة الأولى لكل تغيير.

ولهذا نجد أن أغلب المعارك اليوم لم تعد معارك من أجل الخبز أو الخدمات فقط، بل أصبحت معارك ضد الوعي نفسه. فكل صاحب رأي يُتهم، وكل صاحب موقف يُحاصر، وكل من يحاول أن يوقظ الناس من سباتهم يُوصف بأوصاف جاهزة لا تنتهي. وهكذا يتحول المجتمع مع مرور الزمن إلى جمهور يتابع الأحداث بدل أن يصنعها، وينتظر الحلول بدل أن يطالب بها.

والأخطر من ذلك أن الناس اعتادت الواقع حتى أصبح جزءًا من حياتها اليومية، فالفساد لم يعد صدمة، وسوء الإدارة لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى أمر مألوف. وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة الاعتياد على الخطأ، فإنه يفقد أهم شروط الثورة، لأن الثورة لا تبدأ من الشارع، بل تبدأ من رفض داخلي لفكرة التعايش مع الخلل. وما دام هذا الرفض غائبًا أو ضعيفًا، فإن الحديث عن صناعة ثورة سيبقى مجرد أمنيات تُقال في المجالس وتُكتب على صفحات التواصل الاجتماعي.

 

الخلاصة ... لا أعتقد أن مشكلتنا الحقيقية تكمن في السلطة وحدها، لأن السلطة مهما بلغت من القوة لا تستطيع الاستمرار دون بيئة تسمح لها بذلك. فالحاكم الذي يتاجر بالخوف يجد من يصفق له، والفاسد الذي ينهب المال العام يجد من يبرر له، والمتسلق الذي يعتلي الأكتاف يجد من يحمله إلى الأعلى. ولهذا فإن الأزمة لم تعد أزمة نظام فحسب، بل أزمة مجتمع قرر أن يتعايش مع أوجاعه بدل أن يواجهها.

لقد نجحت السلطة في صناعة مواطن يخشى على راتبه أكثر مما يخشى على وطنه، ونجح جزء من المجتمع في تحويل الصمت إلى فضيلة، والخوف إلى حكمة، والانكفاء إلى أسلوب حياة. وبين هذا وذاك، ضاعت فكرة التغيير وتحولت الثورة إلى حكاية تُروى عن الشعوب الأخرى.

إن الأمم لا تسقط عندما يكثر فيها الفاسدون، بل عندما يصبح الفساد أمرًا اعتياديًا، ولا تنهار عندما يرتفع صوت الظالم، بل عندما يعتاد المظلوم الصمت. وعندها لا تكون المأساة في وجود سلطة فاشلة، بل في وجود شعب توقف عن مساءلتها، واكتفى بمراقبة انهيار وطنه وكأنه يشاهد خبرًا عابرًا لا يعنيه.

وحين يأتي يوم الحساب أمام صفحات التاريخ، فلن يُسأل أصحاب السلطة وحدهم عما فعلوا، بل سيُسأل أيضًا كل من رأى الخلل فسكت، وكل من عرف الحقيقة فهرب منها، وكل من باع موقفه مقابل منفعة مؤقتة. فالأوطان لا يقتلها الطغاة وحدهم، بل يقتلها كذلك صمت القادرين على قول كلمة الحق.

الجمعة، 29 مايو 2026

مقال

 

 أحذروا... ما زالت النار تحت الرماد

تحت عنوان

تأجيج الخطاب الطائفي والقومي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين


بالحقيقة، لم أستغرب من فعل اللاعب الكردي في بطولة فخر العرب، فهذا وغيره عبارة عن نتائج لممارسات ممنهجة بدقة متناهية، ولا شيء عشوائي كما يظن البعض. والمسألة لم ولن تقف عند الإخوة الأكراد، فالقضية أكبر مما قد يتصوره القارئ اليوم، والكثير قد يتساءل عن قصة تمردي على كل شيء في هذا البلد، فمشكلتي ليست مع شخوصٍ ما بالتحديد، ولكن المشكلة تكمن في آليات عمل النظام بأسره، الذي أوصلنا لمشاهدة هذه الممارسات الشاذة.

فانقلبت الدنيا على فعل اللاعب بالأمس، ولكن هذا يعتبر، برؤيتي، قطرةً من فيض، ولمعرفة ما نحن عليه يجب أن تكون لنا القدرة على النظر في المرآة لرؤية مدى قبح وجوهنا.

الصورة التي تُفرض علينا رؤيتها هي أننا قد تجاوزنا كل حدود الطائفية والقومية من خلال دستور أعرج يرسخ مبدأ التعددية، التي تعتبر البذرة الأولى للانقسام، وهنا تكمن أصل المشكلة، فهناك عملية تعبئة تُدار من المستفيدين والمنتفعين من عملية قتل مبدأ الوطن، ومسح من الذاكرة مفهوم المواطنة، وهذا يشمل من زاخو إلى الفاو، ولا أستثني أحدًا يُذكر من هذا.

وللخروج من هذا النفق، يجب انتهاج مبدأ مغاير في إدارة البلد، يعتمد على منهجية الانتماء إلى الوطن، ولتسقط به كل الانتماءات التي تغذي الصراعات الداخلية، والبداية تكون من حملة إعادة كتابة الدستور، وإيقاف العمل بالنسخة الأولى لحين إعادة النظر في الفقرات التي تُبقي نار الفتن كامنة تحت الرماد، والتي تشكل، بالغالب، ما تفرزه أعمال فردية لا تمثل الشرائح الاجتماعية في هذا البلد.

وبسبب نقص الوعي عند المواطن اليوم، والذي كان أحد أبرز أسبابه أن الفقرات الأساسية في بناء هذا النظام وضعت الحجر الأساس لبث روح التفرقة تحت شعارات طائفية مرة، وقومية مرة أخرى، ولهذا يبقى الخطر قائمًا، وهو بمثابة الشرارة التي سوف توقد النار التي ستحرق الجميع، فهي مسألة وقت لا أكثر.

وهذا بالإضافة إلى ترك المناهج التعليمية في المدارس والجامعات بدون رقابة مركزية، من خلال إسناد الأمر لشخوص تنتهج معايير بعيدة كل البعد عن المنهج وفكرة بناء وطن، والمضي في عملية بناء مقاطعات تساهم في شق الصف الوطني، مما أدى إلى استهلاك العقل الاجتماعي، والمضي في الخضوع لمناهج مثل الانتماء العشائري والطائفي والقومي بسبب غياب فكرة الوطن.

والحل لا يكون عبر بيانات التهدئة المؤقتة ولا من خلال التصريحات التي تُطلق عند كل أزمة ثم تختفي بعد أيام، لأن أصل الداء ما زال موجودًا ويتغذى كل يوم على حساب الوطن. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى مسكنات إعلامية بقدر حاجته إلى عملية جراحية حقيقية تُعيد تعريف معنى الدولة ومعنى المواطن ومعنى الانتماء.

فلا يمكن بناء وطن وهناك من يُربي أبناءه على أن الطائفة فوق الوطن، أو أن القومية أعلى من هوية العراق، ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية بينما الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الثقافي ما زال يقتات على تقسيم الناس وفرزهم وفق الهويات الفرعية. ولهذا فإن أولى خطوات الإنقاذ تبدأ من إعادة صناعة العقل العراقي، لا عبر الشعارات، بل من خلال مشروع وطني حقيقي يبدأ من المدرسة وينتهي عند مؤسسات الدولة.

يجب أن تكون هناك رقابة صارمة على كل خطاب يزرع الكراهية مهما كان مصدره، وأن يُمنع استغلال الرياضة والفن والتعليم والمنابر الإعلامية في تأجيج الانقسامات، لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل التي تُبنى داخل العقول حتى يتحول المواطن إلى قنبلة مؤقتة تنفجر عند أول أزمة.

كما أن إعادة هيبة الدولة تبقى من أهم الحلول، لأن الدولة الضعيفة تفتح الباب أمام صعود الولاءات البديلة، وكلما غابت سلطة القانون حضرت سلطة الطائفة والعشيرة والقومية. ولهذا فإن بناء دولة قوية عادلة تُعامل الجميع بمبدأ المواطنة هو الطريق الوحيد لإخماد النار قبل أن تتحول إلى حريق لا يُبقي ولا يذر.

فنحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نعيد بناء مفهوم الوطن بصورة حقيقية، أو أن نستمر في دفن رؤوسنا تحت الرمال حتى يأتي اليوم الذي لن ينفع فيه الندم، لأن النار التي تُترك تحت الرماد لا تموت، بل تنتظر فقط لحظة الريح.

 

الخلاصة ... لا يحق لأحد في هذا البلد أن يدّعي البراءة، فالجميع شارك بصورةٍ أو بأخرى في صناعة هذا الخراب، إما بالصمت، أو بالتبرير، أو بالتصفيق، أو بالركض خلف الهويات الضيقة وترك الوطن وحيدًا ينزف في منتصف الطريق.

فالعراق لم يسقط بيومٍ واحد، بل سقط حين تحولت الطائفة إلى وطن، والقومية إلى عقيدة كراهية، والعشيرة إلى دولة، والمصلحة إلى مبدأ، وسقط أكثر حين أصبح الإنسان يفرح لانتصار جماعته حتى وإن احترق البلد بأكمله.

لقد مات فينا الشعور الحقيقي بالعراق، وأصبح كل طرف ينتظر لحظة ضعف الآخر ليشمت به، ناسياً أن السفينة إذا غرقت فلن تنجو مقصورة دون أخرى، وأن النار حين تشتعل لن تسأل عن اسمك ولا مذهبك ولا قوميتك، بل ستحرق الجميع دون استثناء.

ولهذا لا تخدعوا أنفسكم كثيرًا بشعارات التعايش الكاذبة، لأن الحقيقة المرة هي أننا نعيش فوق أرض مليئة بالاحتقان، وأن كل أزمة تكشف حجم التشقق الذي نخفيه خلف المجاملات والخطب الوطنية الرنانة.

وإن لم يراجع العراقي نفسه قبل أن يراجع الآخرين، فسوف يأتي يوم نبكي فيه جميعًا على وطنٍ قتلناه بأيدينا، ثم وقف كل واحدٍ منا يتساءل: من القاتل؟

الثلاثاء، 26 مايو 2026

مقال

 

عند الله لا تُقبل أنصاف الحلول

تحت عنوان

مواسم التديّن

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قبل أيام، عابَ أحدهم عملي، حيث قال: (اذهب، فكلُّ عملك انتقادُ الناس وسبُّ الذات الإلهية والعياذ بالله)... وأُشهد الله أنني لم أفعل ما قيل في حقي، فالذي مثلي لا يفعل هذا ولو كان السيف على رقبته. قد أكون مقصرًا، فأنا لا أخاف الموت لسببين؛ أولهما أنني أعرف الله وأؤمن به وبعظمته ورحمته التي هي أكبر من أي ذنب، والثاني أنني أعرف عملي وما فعلت.

فمنذ سنوات قلتها: (الدين هو علاقة شخصية بين العبد وربه)، ولكن ما نراه ونسمعه اليوم أن للتديّن مواسم.

وللتنويه... لا أقصد مذهبًا معينًا، إنما العالم الإسلامي بأسره.

والبداية هي من قضية الصراع ما بين الخير والشر، المتمثلة بالله عز وجل والشيطان لعنة الله عليه، وهذا ما خلق لنا مساحتين؛ هما الإيمان والكفر، ولكن ما لا يعلمه الجميع أن هناك أرضًا بينهما تُسمى في العلوم العسكرية بـ(أرض الحرام)، وهي المنطقة الفاصلة بين الجهات المتحاربة، وكل من يدخلها يكون في قائمة الخسائر مسبقًا، وتُسمى بالنفاق، ودخول هذه الأرض يكون من بوابة الرياء والعياذ بالله.

فالله لا يريد منك المجاهرة بالعبادة، وإذا ما يخص قضية التعبّد، فلن تعبد الله أكثر من الشيطان لعنة الله عليه، ولكن ما أخرجه من رحمة الله كان فعله، ظنًا منه أن العبادة قد تشفع له، وها نحن البشر اليوم نقع في نفس الخطأ. ولو نظرنا حولنا لدهشنا من كثرة مرتادي الجوامع والمتحدثين باسم الله، حتى لو تصفحت مواقع التواصل لوجدت الكل بلا استثناء، وهنا يكمن السؤال: (من يفعل السوء إذًا؟)

وللإجابة عن هذا السؤال ندرك أن الكثير اليوم دخل منطقة الحرام، فحديثه شيء وفعله شيء آخر، ولا أُبرّئ نفسي من هذا.

 

مناسبات دينية... اليوم عرفة، والجمعة مباركة، ومولد النبي مبارك، وعيد الغدير مبارك، وشهر محرم مجمع المناسبات الدينية التي يكثر فيها عدد المتدينين، ولكن ماذا عن بقية الأيام؟ ومن يقتل اليوم؟ ومن يسرق؟ ومن يكذب؟ ومن يفعل كل الأفعال التي نهى عنها الله عز وجل؟

الإجابة دائمًا أن أحدهم سوف يقول: (لا تعمم في القول، ففيه إثم عظيم).

وهنا تكون حجتي على هذا القول، فإن من لم يفعل السوء فالسكوت عنه أسوأ بكثير مما قد تتصور.

 

الإعلان وُجد للبضائع السيئة... نعم، ففكرة الإعلان بحد ذاتها وُجدت من أجل تسويق البضائع التي ليس لها حظ في قبول المتسوق، وكذلك حالنا اليوم، فالكثير يحرص على الإعلان عن إيمانه للناس من خلال مواقع التواصل، وكأن الأمر برمته للتباهي، وهذا ما يضعك فيما قد لا يُحمد عقباه.

أما فكرة الإيمان حسب الأهواء، فإن الأمر قد لا يرضي الله، وقد تعمدت في قول: (قد لا يرضي الله) لأنني لا أريد العمل بعمل الله والعياذ بالله.

فبدل الإعلان عن إيمانك أمام الناس، احرص على إظهاره يوم لقائه، فهناك لا شيء يسقط سهوًا، ولتكن قصة تقديم القرابين من أبناء آدم خير شاهد على حديثي هذا.

 

نحن اليوم لا نعيش أزمة دين ... بل نعيش أزمة ضمير، فالدين موجود في كل مكان؛ في المساجد، والحسينيات، والكنائس، وعلى الشاشات، وحتى في الصور الشخصية والمنشورات، ولكن أين أثر هذا الدين في التعامل والرحمة والصدق والخوف من الله؟ فالقضية لم تعد قضية عبادة بقدر ما أصبحت قضية استعراض، حتى بات البعض يظن أن كثرة الكلام عن الله تكفي للنجاة، ناسياً أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الضجيج الذي نصنعه أمام الناس.

فكم من شخص يرفع شعارات التديّن وهو أول من يطعن ويؤذي ويكسر الخواطر ويأكل حقوق الآخرين، وكم من إنسان بسيط لا يتحدث كثيرًا عن الدين، ولكنه يحمل من الرحمة والإنسانية ما يجعله أقرب إلى الله من آلاف الخطب والكلمات. فالله لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالكلام بقدر ما يحتاج منك أن تكون صورةً حقيقيةً لما تؤمن به.

والمصيبة الكبرى أن البعض أصبح يتعامل مع الله بعقلية المواسم، ففي أيام معينة يتحول إلى إنسان مثالي، يوزع النصائح ويكثر من الأدعية والمنشورات الدينية، وكأن أبواب السماء لا تُفتح إلا في تلك المناسبات، ثم ما إن تنتهي حتى يعود كل شيء كما كان؛ ظلم، وكذب، وحقد، وأذية، وكأن الله حاضر في وقت وغائب في وقت آخر، والعياذ بالله.

إن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات التي تكتبها، ولا بعدد الصور الدينية التي تنشرها، بل يُقاس بما تفعله حين تكون وحدك، حين لا يراك أحد، حين تكون قادرًا على فعل السوء ثم تتراجع خوفًا من الله، فهناك يبدأ الإيمان الحقيقي، وهناك تسقط كل الأقنعة التي يرتديها البشر أمام بعضهم البعض.

 

الخلاصة ... تذكّروا جيدًا أن الله لا يُخدع بالمظاهر، ولا تغرّه كثرة الكلمات، ولا تعنيه تلك الوجوه التي تتبدل حسب المواسم والمناسبات، فكم من شخصٍ أتعب الناس بحديثه عن الدين وهو عند الله لا يساوي جناح بعوضة، وكم من عبدٍ أخفى إيمانه في قلبه فرفعه الله درجاتٍ لا يعلمها إلا هو.

إن أخطر ما قد يفعله الإنسان بحق نفسه، أن يعيش عمره كاملًا وهو يظن أن الناس هم الغاية، فيُتقن التمثيل أمامهم وينسى أن هناك ربًا يرى السرائر قبل الأفعال، ويعلم ما تخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسن، فالدين ليس ثوبًا نرتديه في المناسبات، ولا كلماتٍ نكتبها حين يشتعل ضميرنا لساعات ثم ينطفئ، بل هو خوفٌ حقيقي من الله حين لا يراك أحد.

فلا تجعلوا من الإيمان مسرحًا للتصفيق، ولا من العبادة وسيلةً لإقناع البشر، لأن يوم الحساب لن ينفعك فيه عدد المتابعين، ولا كثرة المنشورات، ولا الذين كانوا يصفقون لك، فهناك سوف تسقط كل الأقنعة، ويقف الإنسان وحيدًا أمام الله، لا يحمل معه إلا عمله الحقيقي ... قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ سورة طارق صدق الله العظيم.

الأحد، 24 مايو 2026

مقال

 

قدسية الكتب الوزارية في الحياة الجامعية

تحت عنوان

القصف المدفعي ما قبل الحرب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الكثير اليوم يتساءلون عن الأسباب التي أوصلت جامعاتنا إلى هذا الحال، والتي تعبر عنها خروج العديد من الجامعات العراقية من التصنيفات الأكاديمية العالمية المعتمدة، ومن الطبيعي أن يكون هناك ما قد أوصلنا إلى هذا الحال. وأعتقد هنا، وفي هذه السطور، أنني لم أخرج عن قاعدة الانضباط الجامعي، وهذا بسبب أنني من المتضررين من هذه الحالة التي نعاني منها اليوم، ولهذا فإن ما يُكتب اليوم لا يجرؤ أحد حتى أن يُحدث نفسه به، لخطورة الموضوع كما يظن البعض.

 

الكتب الوزارية المقدسة... والبداية من لقب (رئيس الجامعة)، وهنا قد يتساءل أحدهم: ما أهمية هذا في الحياة الجامعية؟ ولماذا يكون رئيسًا وليس مديرًا؟ وهنا تكون الإجابة النموذجية حسب الرؤية المتبعة في العالم، وهذا بسبب أن من يشغل هذا المنصب هو من يرسم آليات العمل الجامعي وفق المعطيات الموجودة على أرض الواقع، لكن تحوّل جميع من يتزعمون المشهد الجامعي إلى مجرد شخوص تمثل السلطة التنفيذية، كما يكون الشرطي في مركز عام، مع احترامي وتقديري لهذه المهنة، حتى تحوّل كل عملهم إلى مجرد كتابة تهميش مفاده: (إجراء اللازم)، بغض النظر عما ورد في الكتاب الوزاري وآليات الفائدة من القرار، وهذا ما يجعل جميع تلك المؤسسات تحت رحمة قرارات لا تُعرف الجهة التي تقوم بتشريعها، ولا المعايير التي اتُّخذت على أساسها.

 

كيف تُتخذ القرارات في وزارة التعليم العالي؟ ... لكل وزارة في هذا العالم تكون لها، في العادة، آليات وخطط حسب الفترات الزمنية، إلا في بلدنا هذا، فكل وزير يرى في نفسه الشخص المثالي الذي لا نظير له في الكون، بسبب أنه تولّى المنصب، متناسيًا أن وجوده في هذا الموقع بعيد عن مبدأ الكفاءة أو التميز بسبب المحاصصة المقيتة، ولهذا فعند توليه المنصب يقوم بنسف كل القرارات القديمة المعتمدة، والمضي في قرارات جديدة تخضع لما يعتقد أنه صحيح وفق ما يُقدَّم له من أفكار من صغار الموظفين في الوزارة. وهنا يقتضي التنويه إلى أن هناك بعض القرارات تُتخذ وفق رؤية المبعوثين إلى الخارج، القادمين من بيئة أكاديمية تسبقنا بسنوات ضوئية، فيقوم الوزير باعتماد هذه الآليات التي تفتقر إلى صلتها بالواقع الملموس، وهذا ما يخلق نوعًا من الارتباك، مما يؤدي إلى الترهل في النسيج الأكاديمي على مستوى الجامعة والكلية. فالواقع أن تلك المعايير المستوردة تكون نتيجة أنهم قد مرّوا بمراحل لم نمر بها، وإذا ما تم تنفيذ قرارات معتمدة على هذه الفكرة، يكون هناك خلل أكاديمي يجب رصده من رئاسة الجامعات، لكن الحقيقة أنهم باتوا مقيدين بالتزامات أمام الوزارة لا يمكن الخروج عنها بسبب فكرة الحفاظ على المنصب، وأكاد أجزم أن ليس باستطاعة أحدهم كتابة كلمة (مداولة) على كتاب وزاري والمضي في مناقشة القرار مع الوزير أو سواه، بسبب ما ذكرته مسبقًا.

 

قدسية الأستاذ الجامعي... قبل سنوات مضت زرت جامعة القاهرة، وهنا أستشهد بجامعة عربية كقياس مقارب لنا، وكانت رؤيتي فيما رأيت مختلفة في التعامل مع الأستاذ الجامعي، وهذا بسبب إيمان القائمين على تلك الصروح بأن التدريسي في الجامعة يُعد الطبقة العليا في المجتمع، وأن قدسيته تأتي من العلم الذي يحمله، لكن اليوم نجد أن الكثير من جامعاتنا تتعامل مع الكادر التدريسي على أنه موظف دولة، لا عالم يحمل مشعل النور في المجتمع، من خلال زجه في أعمال إدارية تسيء بشكل مباشر للدور الذي وُجد من أجله. وهناك قاعدة ذكرتها منذ زمن: إذا ما أردت قتل عالم، فزجّ به في الأعمال الإدارية، من خلال عملية رفع المعلومات بشكل مباشر إلى الوزارة. وهنا السؤال: ما الذي يريده هؤلاء من خلال هذه الأعمال؟ فالأستاذ الجامعي اليوم مطلوب منه عدد من المهام التي لا تُعد بالشيء الهيّن، منها التدريس، وعملية إكمال النصاب، وقضية المشاركات البحثية، ويُضاف لها الأعمال الإدارية، وإذا ما سألت أحد رؤساء جامعاتنا اليوم، يجيب بكلمة واحدة: (تعليمات الوزارة)، متناسيًا أنه كان أستاذًا في يوم ما، وكأنه يعمل بالمثل الشعبي الذي يقول: (يا عَمّة ما كنتِ كنّة؟ قالت: كنتُ ونسيتُ)، ومن هذا نفهم الآليات الجامعية في التعاطي مع الكتب الوزارية المقدسة.

 

الخروج عن المألوف... لمن لا يعلم، أن هناك أجندة تسعى إلى إنهاك العملية الأكاديمية لصالح جهات معينة، أكبر حتى من صلاحيات رؤساء الجامعات الحكومية، حتى وصل الحال إلى أن الكثير من أساتذتنا يفكرون في مسألة التقاعد المبكر، وهنا تكمن الكارثة، فإن إفراغ هذه المؤسسات من الكوادر التدريسية يساهم بشكل أو بآخر في تراجع تلك الجامعات إذا ما أرادت المنافسة مع أقرانها. وكان يجب على تلك الصروح الأكاديمية الانتباه إلى تلك الظواهر، وعدم انتظار شخص مثلي يقوم بإيضاح مواضع الخلل في عملهم، وكان الأحرى بالجميع عدم ترك مساحة للأقلام بالكتابة عن هذا الموضوع، حتى ولو كان وفق منطق عقلاني وعلمي كما فعلت اليوم. فمن الطبيعي أن الفرد، في أي مؤسسة عاملة، عندما لا يشعر أنه جزء أساسي فيها، يكون هناك نوع من الخروج عن المألوف، والتعبير عن حالة الرفض التي بداخله، بالتفكير بالتقاعد المبكر، من خلال رؤية الكثير لأنفسهم غرباء في المكان الذي ساهم في بناء شخصياتهم العلمية.

المصيبة الحقيقية لا تكمن في كثرة الكتب الوزارية ولا في حجم التعليمات التي تغرق الجامعات يوميًا، بل في تحول المؤسسة الأكاديمية إلى ساحة خوف وصمت جماعي، حتى بات الكثير يعيش داخل الجامعة بعقل الموظف لا بعقل العالم، وكأن الغاية من وجوده تنفيذ الأوامر لا صناعة المعرفة. فالجامعة التي كانت يومًا مصنعًا للعقول تحولت عند البعض إلى دائرة روتينية تُقاس فيها قيمة الأستاذ بعدد التواقيع والتعاميم لا بعدد الأفكار التي ينتجها أو العقول التي يصنعها.

الأخطر من ذلك أن البعض أصبح ينظر إلى الأستاذ الجامعي بعين الشك لا بعين الاحترام، وكأن حمله للشهادة العلمية تهمة تحتاج إلى مراقبة مستمرة، ولهذا نرى حالة الإنهاك النفسي التي يعيشها الكثير من التدريسيين اليوم، حتى بات بعضهم يدخل قاعة الدرس بجسد حاضر وعقل منهك وروح مطفأة، بسبب شعوره أن المؤسسة التي ينتمي إليها لم تعد تؤمن بقيمته الحقيقية. وهذه الكارثة لا تظهر نتائجها فورًا، بل تظهر بعد سنوات، عندما تكتشف الدولة أنها خسرت العقول بصمت، وأن الجامعات التي كانت تخرّج العلماء أصبحت تخرّج أجيالًا تحفظ أكثر مما تفكر، وتنفذ أكثر مما تناقش.

والأشد وجعًا أن هناك من يتصور أن السيطرة على الجامعة تكون بكثرة القيود والتعليمات، متناسيًا أن الجامعات العظيمة في العالم لم تُبنَ بالخوف، بل بفتح مساحة الحرية للعقل الأكاديمي، لأن الأستاذ عندما يشعر أن رأيه مصان، وأن مكانته محفوظة، يتحول إلى مشروع نهضة حقيقي، أما عندما يشعر أنه مجرد رقم في كتاب إداري، فإنه يفقد تدريجيًا ذلك الشغف الذي جاء من أجله إلى الجامعة. وعندها لا تسقط الجامعات بسبب قلة الأموال، بل بسبب موت الروح العلمية داخلها، وهذا أخطر أنواع السقوط التي قد لا يراها أحد إلا بعد فوات الأوان.

 

الخلاصة ... أقولها بوضوح لا يقبل التأويل، إن السكوت الذي التزمنا به لسنوات طويلة لم يكن خوفًا ولا ضعفًا، بل احترامًا لما تبقى من هيبة المؤسسة الأكاديمية، لكن يبدو أن البعض فهم الصمت على أنه عجز، وفهم احترامنا للجامعة على أنه استسلام للأخطاء التي تنخر جسدها يومًا بعد آخر. ولهذا فإن استمرار هذه الممارسات، والتعامل مع الجامعات بعقلية السلطة لا بعقلية العلم، لن يبقي الأقلام صامتة إلى الأبد، لأن مرحلة المجاملة انتهت عندما أصبح الأستاذ الجامعي يشعر بالغربة داخل المؤسسة التي أفنى عمره في خدمتها.

وما يُكتب اليوم ليس إلا مقدمة بسيطة جدًا لما يمكن أن يُقال لاحقًا، لأن الملفات التي بقيت مغلقة لسنوات بدأت أبوابها تُفتح، والكثير من الحقائق التي كانت تُدار خلف الكواليس باتت أوضح من أن تُخفى بالشعارات والكتب الوزارية والتعاميم اليومية. فالتاريخ لا يرحم، والجامعات التي تُهين عقولها بأيديها تكتب بنفسها شهادة تراجعها وسقوطها، وحينها لن ينفع تبرير ولا مؤتمرات ولا تصنيفات تُشترى بالكلام الإعلامي.

ولهذا، فإن الرسالة الأخيرة التي يجب أن تصل للجميع هي أن صبر الأكاديمي ليس بلا نهاية، وأن الأقلام عندما تصمت احترامًا قد تعود يومًا لتكتب بوجع وغضب لا يمكن احتواؤه، وعندها سيكون القصف الحقيقي ليس بالكلمات فقط، بل بكشف كل مواضع الخلل التي حاول الكثير إخفاءها خلف قدسية الكتب الوزارية وهيبة المناصب المؤقتة.

الأربعاء، 20 مايو 2026

 

جدلية الزواج السري بين الوجوب والتحريم

تحت عنوان

سوف أحطم كل قلاعكم أمام الله

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لستُ هنا للفتوى بأمرٍ ما، لا سمح الله، وأستند في هذا إلى قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]

ولكنني سأبين وجهة نظر العقل من قاعدة دينية بحتة، نبين من خلالها المنطق المطلوب في التعامل مع هذا الأمر، وليكن ذلك من بوابة الرجل والمرأة على حدٍّ سواء، فالأمر شائكٌ من الأصل، ولهذا كان لا بد من طرح الموضوع ومواجهة الحقيقة رغم مرارتها، ويعود ذلك لأمرين مهمين: الخوف والحياء، وهما الدافعان الرئيسيان لفعل هذا الأمر، ولكن قد يسأل أحدكم: كيف يكون ذلك؟

 

الزواج... وهو التنظيم السماوي للحياة، ويُسمى بـ(العقد)، ولكل عقد شروط واجبة، من أهمها الإشهار، وهو العنصر المفقود في هذا النوع من الزواج، وهنا يكون إبطال هذا العقد، وكما يُقال في الأثر: العقد شريعة المتعاقدين.

 

الرجل... يُقدم في الكثير من الأحيان على هذا الفعل من باب الخوف، ولكن ليس من الله، بل من شيءٍ آخر، قد تكون الزوجة أو الأولاد أو أشخاصًا من الدرجة الأولى، متناسيًا أن خوفه الحقيقي يجب أن يكون ممن أوجد هذه الحدود، مع العلم أن التعدد من حقوقه الشرعية، ولكن الأمر بدأ يستفحل حتى جُنِّدت بعض الأقوال لتعزيز هذه الظاهرة، كقول البعض: الذي لا يخاف ليس رجلًا، وهنا تكون قمة السخرية من شخصية الرجل، ودفعه لارتكاب المعاصي بغطاء الشرع، وهم على جهالةٍ بأن الشيطان يتمكن منهم من مواضع أمنهم، وهذا بالضبط ما وقع فيه كثيرٌ من رجال هذه الأيام.

 

المرأة... وهي ليست بأحسن حالًا من الرجل في هذا الأمر، فمنهن من تُقدم على فعل ذلك من باب الحياء كما تعتقد، وليس من باب الاستحياء من الله، بل من البشر الذين حولها، وأستغرب هنا من هذا الأمر، فكيف للإنسان أن يستحي من بشرٍ مثله، ولا يستحي من الذي خلقه؟ وهذا ما قد يوقع الكثير منهن في دائرة غضب الله إن كنتم لا تعلمون.

 

مواضع الخطأ في الموضوع... قد يرى الكثير من الرجال والنساء في هذا الأمر وكأنه حلٌّ من باب التحايل على الله عز وجل، والعياذ بالله، وهذه بحسب أجندات مدروسة لخلق ارتباكٍ اجتماعي من خلال الخروج عن المسارات الإلهية التي ترسم الحدود لحياة الإنسان على هذه الأرض.

وهنا نصل إلى أخطر نقطة في هذا الموضوع، وهي أن البعض بدأ يتعامل مع الزواج السري وكأنه انتصار على المجتمع، لا عقدٌ تُبنى عليه حياة ومسؤولية وأمانة أمام الله، فتحول الأمر عند البعض من وسيلة لبناء أسرة إلى بابٍ للفوضى المقننة تحت غطاء الدين، والدين منهم براء. فكيف لعلاقة تُبنى في الظلام أن تُنتج استقرارًا في العلن؟ وكيف لعقدٍ يخشى أصحابه إعلانَه أن يكون قائمًا على الطمأنينة والسكينة التي أرادها الله بين الرجل والمرأة؟

والأخطر من ذلك أن هذا النوع من العلاقات بدأ يُنتج جيلًا يعيش حالة ازدواجية مرعبة، رجلٌ يخفي زوجته وكأنها جريمة، وامرأة تعيش القلق في كل لحظة خوفًا من انكشاف أمرها، وكأن العلاقة تحولت من ميثاق غليظ إلى عملية تهريب اجتماعي، لا يعلم أصحابها أن أكثر ما يهدم الإنسان هو العيش بشخصيتين؛ واحدة أمام الناس، وأخرى في الخفاء.

ثم أين حقوق المرأة في هذا كله؟ وأين حق الأبناء إن وُجدوا؟ وكيف تُصان الكرامة حين يصبح مصير المرأة متعلقًا بمزاج رجل قد ينكر كل شيء في أي لحظة؟ وهنا تتحول القضية من زواج إلى أزمة أخلاقية واجتماعية وقانونية تضرب أساس الثقة بين البشر، لأن أي علاقة لا يحميها الوضوح ستكون مشروع كارثة مؤجلة مهما حاول البعض تجميلها بالكلمات والشعارات الدينية.

وما غفل عنه الكثيرون أيضًا أن الله حين وضع الإشهار لم يجعله أمرًا شكليًا، بل جعله حماية للمجتمع من الانهيار، لأن العلاقات السرية مهما تلونت تبقى بيئة خصبة للشك والخيانة وضياع الحقوق، ولهذا نرى اليوم أن كثيرًا من البيوت لم تعد تُهدم بسبب الفقر أو الجوع، بل بسبب العلاقات التي بدأت سرًا وانتهت بفضائح وخصومات وكراهية بين العوائل.

وهنا تكون الطامة الكبرى، حين يتحول الإنسان من البحث عن رضا الله إلى البحث عن مخارج يبرر بها ضعفه أمام شهواته أو خوفه من المجتمع، ناسِيًا أن الله لا تُخدع حدوده، وأن كل باب يُفتح بالخفاء بعيدًا عن الحق سيأتي يوم وينهار على رؤوس أصحابه مهما طال الزمن.

 

الخلاصة ... أقولها أمام الله قبل أن أقولها أمام البشر: إن أخطر ما يفعله الإنسان ليس الوقوع في الخطأ، بل تحويل الخطأ إلى ثقافة، وتزيين المعصية حتى تبدو وكأنها انتصار للعقل والدين والمجتمع، بينما هي في حقيقتها إعلان حربٍ على حدود الله التي لو سقطت، لسقطت معها الإنسانية كلها.

فالزواج الذي يخجل صاحبه من إعلانه، ويخاف من ظهوره، ويعيش أصحابه خلف الأبواب المغلقة، ليس أزمة عقدٍ فقط، بل أزمة ضمير مات حتى أصبح الإنسان يستحي من الناس أكثر مما يستحي من خالقه، وكأن الله لا يرى، وكأن السماء لا تُسجل، وكأن يوم الحساب مجرد قصة تُروى للأطفال.

تذكروا جيدًا... أن الله لم يشرّع الحلال ليُمارس في الظلام، ولم يجعل الميثاق الغليظ وسيلةً للتحايل أو الاختباء، لأن كل علاقة تبدأ بخوفٍ من البشر ستنتهي بخوفٍ من الفضيحة، وكل باب يُفتح بعيدًا عن نور الله سيتحول يومًا إلى نارٍ تحرق أصحابها ولو بعد حين.

وهنا تكون الكارثة الحقيقية، حين يقف الإنسان أمام الله يوم القيامة لا ليُسأل فقط عمّا فعل، بل لماذا تجرأ على العبث بحدود الله وهو يعلم أنها حدودٌ لم تُوضع عبثًا، بل لحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي والإنساني. وعندها لن تنفعه الأعذار، ولا الأقوال، ولا تبريرات البشر، لأن إرادة الله لا تُهزم، وحدوده لا تُكسر، ومن يظن أنه قادر على الالتفاف عليها، فليتذكر أن الله يمهل... لكنه لا يُهمل.

الاثنين، 18 مايو 2026

مقال

 

قضايا عشائرية (يا عزيزي كلنا شيوخ)

تحت عنوان

العشيرة من تكثر شيوخها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



القبيلة أو العشيرة هي تجمعات بشرية ترتبط فيما بينها بالأنساب أو روابط الدم، وتُبنى على أساسها علاقات اجتماعية متوارثة عبر الزمن. ولكل هذه التجمعات شخصيات قيادية تدير المشهد، سواء على مستوى القبيلة أو العشيرة، ويُطلق على هذه الشخصية لقب “الشيخ”، وهو منصب تشريفي قائم على معايير متفق عليها داخل البيئة العشائرية.

وتعود هذه التقاليد إلى الموروث العربي عبر التاريخ، إذ كان يُطلق قديمًا لقب “السيد”، أما تسمية “الشيخ” فلها جذور مرتبطة بتلقي العلوم عند العرب، فغالبًا ما كان يُقال عن أصحاب العلم والمعرفة “شيوخ”.

أما اليوم، فقد انتشرت ظاهرة غريبة تتمثل بكثرة حاملي هذا اللقب، بحق أو من دونه، والأصح أن هذا اللقب كان يُكتسب في العادة بالوراثة بوصفه دليلًا على أصالة النسب والعِرق، إلا أن هذه القاعدة قد كُسرت في أيامنا هذه، وأصبح حمل هذا اللقب مرتبطًا بارتداء “العقال والدشداشة والعباءة”، الأمر الذي انعكس بصورة كارثية على المجتمعات العشائرية، حتى بات الحال أشبه بالمثل الشعبي القائل: “ما بعد تعرف رجلها من حماها”.

 

من هو الشيخ؟ ... تحمل هذه الشخصية العديد من الصفات، أبرزها: التاريخ، والنسب، والأخلاق، وجميعها تُعد من المقومات الأساسية لتمثيل هذا المنصب.

فالتاريخ هنا يُعتبر من القضايا الجوهرية، إذ لا يمكن لأي شخص أن يتصدر هذا المكان من دون ماضٍ مشرّف، سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي. أما النسب، فهو من البديهيات التي تقترن بالأب والجد، لأن الموضوع مرتبط بأصل الموروثات الاجتماعية والعشائرية.

ثم تأتي الأخلاق، وهنا يكمن أصل الموضوع، ولهذا المصطلح معانٍ كثيرة، لكن أهم ما يجب أن تمثله هذه الشخصية لنجاح هذا المشروع الاجتماعي هو أن يكون الشيخ جامعًا لا مفرقًا؛ فإذا كان الأول أصلح وأصلح من معه، أما إذا كان الثاني فقد أفسد الأمر برمته.

 

مساوئ تعدد الشيوخ ... إن من أبرز مساوئ هذه الظاهرة هو إضعاف وحدة القرار، فكثرة أصحاب القرار تؤدي إلى تشتت تلك الجماعات وإضعافها، مهما بلغ عددها. فالسفينة التي تُدار بأكثر من ربان يكون مصيرها الغرق، وهذا الأمر ينطبق على القبيلة أو العشيرة.

ورغم أنني لا أؤمن كثيرًا بهذه التجمعات، لكن من باب “حشر مع الناس عيد”، كان لا بد من وضع مفاهيم صحيحة لهذا الموضوع. ويبدو أن هذه المنهجية تُتبع من قبل بعض الشخصيات لغرض ديمومة الخلافات داخل القبيلة أو العشيرة، للاستفادة المعنوية والمادية منها.

إن خلق مثل هذه الأجواء المشحونة يساهم في بقاء الناس تحت سلطة المحبين للنفوذ، فبعض الأشخاص خُلقوا وهم يعشقون السلطة، حتى وإن كانت على حجر، إلى درجة أن بعض الشخوص باتت تسعى للحصول على لقب “شيخ” على شخص أو شخصين داخل دائرته العائلية المغلقة، وهذه بحد ذاتها كارثة اجتماعية حقيقية.

ولعل أخطر ما في هذا الموضوع أن البعض أصبح يتعامل مع مفهوم “الشيخة” وكأنه وسيلة لإثبات الوجود الاجتماعي لا مسؤولية أخلاقية وإنسانية، فترى البعض يسعى خلف اللقب أكثر من سعيه خلف خدمة الناس، حتى أصبحت بعض المجالس العشائرية عبارة عن صراع ألقاب واستعراض أسماء، بينما تضيع القضايا الحقيقية التي وجدت العشيرة من أجلها، مثل الإصلاح بين الناس وحماية الضعيف وحفظ هيبة الجماعة.

فالعشيرة التي تتحول إلى ساحة تنافس بين عدة شيوخ تفقد تدريجيًا قيمتها المعنوية، لأن كثرة الرؤوس تخلق التصادم، والتصادم يولد الانقسام، والانقسام يفتح أبواب الثأر والحقد والخلافات الداخلية، وهنا تتحول العشيرة من قوة اجتماعية إلى عبء اجتماعي.

والأمر الأكثر غرابة أن البعض بات يمنح نفسه هذا اللقب اعتمادًا على المال أو العلاقات أو عدد الأشخاص المحيطين به، وكأن تاريخ العشائر يمكن شراؤه أو صناعته خلال ليلة وضحاها، متناسين أن المكانة الحقيقية لا تُفرض بالقوة ولا تُشترى بالمصالح، بل تُبنى عبر سنوات طويلة من المواقف المشرفة وحفظ الكلمة واحترام الناس.

ولهذا فإن المجتمعات العشائرية اليوم لا تعاني من قلة الشيوخ، بل من قلة الرجال الذين يفهمون معنى أن يكون الإنسان شيخًا، لأن الشيخ الحقيقي ليس من يرفع صوته في المجالس، بل من يستطيع أن يُطفئ نار الفتنة قبل اشتعالها، ويجمع الناس عندما يتفرقون، ويقف مع الحق حتى لو كان ضد نفسه وأقرب الناس إليه.

 

الخلاصة ... إن بيئتنا اليوم تحتاج إلى تأسيس قاعدة صحيحة لهذه الجماعات، تقوم على أسس بعيدة عن المصالح الشخصية والمحسوبية، من أجل بناء جسور اجتماعية تعود بالفائدة على الجميع، خصوصًا في جانب التكافل الاجتماعي، فمساندة الضعفاء والتصدي لما قد يتعرض له أبناء العشيرة عمل نبيل يستحق الاحترام.

أما ما نشهده اليوم فهو مغاير تمامًا لكل ذلك، إذ أصبحت هذه الألقاب تُمنح لكل من يرى في نفسه أهلية اللقب، بعيدًا عن الشروط الحقيقية التي يجب أن تتوفر فيه ليكون جديرًا به، حتى وصل حالنا إلى ما يشبه المثل القائل: “شليلة وضايع راسها”.

قراءة نقدية

  قراءة نقدية لعشرة أبيات في قصيدة (عاد الزمان) للشاعر غسان عزيز تحت عنوان الأدب الموصلي بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين والب...