قراءة في
رواية كتبتها أنامل الشيطان (سلمان رشدي)
تحت عنوان
الفكر المنحرف وعلاقته
بالعقيدة الرخوة
بقلم البارون الاخير / محمود
صلاح الدين
دعنا في البداية نتفق
على أن ليس هناك فكر بلا عقيدة، وفي الحقيقة، عند قراءتي لهذه الرواية، لم أستغرب
مما ورد فيها، وذلك بسبب أن ما كُتب فيها لم أسمعه أو أقرأه لأول مرة، وهنا سنبيّن
العقلية التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في كتابة هذه الرواية، وإذا ما أردنا
رسم خارطة بيانية لكل الجماعات المنحرفة من الناحية العقيدية، فسوف تجد أن كل
المؤشرات سوف تتجه إلى اتجاه واحد من الناحية المكانية، من ظهور ما يُعرف بالخوارج
إلى يومنا هذا، ولهذا لا تجد شيئاً قد لا تعرفه في سطور الرواية. وهنا لن تكون
قراءتي فنية فحسب، ولكن فكرية توضّح المبادئ التي اعتنقها هذا الرجل، ليكون له
قاعدة شيطانية تسهّل عليه كتابة ما كتب، ولهذا سنبدأ من استعراض سريع.
العرض السريع... سقوط
طائرة برجلين وهما
جبريل فرشتة / الممثل
الذي يعيش تحولات رمزية ورؤى غريبة.
صلاح الدين صمّد /
المهاجر الذي يعاني من أزمة هوية ومحاولة اندماج.
كشخوص رئيسية للرواية،
وكل منهم يمثل جانباً تسقيطياً في ذهن المؤلف، والتي تأخذ القارئ لساحل يفرض عليه
فتح باب الأسئلة التي تسيء لمبدأ الذي أُقيم عليه الدين، وهنا يكمن دور الشيطان في
الموضوع؛ فهو من يكمن في التفاصيل الصغيرة، فلا تنتظر منه أن يعلن عن وجوده في
الرواية بشكل مباشر، في إعلان ما يريد، ولكن دخوله كان في مقارنة الثنائيات التي
هدفها التشكيك بكل شيء، والغريب أن هذا سوف يتم من جهة واحدة، ولا يتعرض إلى
العقائد التي ينطلق منها، وكان الأمر برمته عملية تسقيط ممنهجة.
وما يثير السخرية في
الموضوع أن الهدف من الرواية واضح إلى درجة أنك تستطيع أن تحدد المسارات الذهنية
للكاتب من خلال اختيار الرموز التي تدخل في الرواية.
الرواية والمنطلقات العقائدية... سؤال لا بد من طرحه ، ومن هنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية: من أين استقى المؤلف
بعض المواد التي أقام عليها بناءه الروائي؟ وهل كانت اختياراته عشوائية، أم أن
وراءها مرجعيات فكرية وتاريخية وعقائدية سبق أن تشكلت في ذهنه؟ إن الكاتب، مهما
حاول أن يفصل بين شخصه ونصه، لا يستطيع أن يكتب من فراغ، فالنص في النهاية هو
حصيلة بيئة وثقافة وتاريخ وقراءات ومواقف فكرية تتداخل جميعها في تشكيل رؤيته.
وعندما نقترب من «آيات شيطانية» نجد أن المسألة لا تتوقف
عند استخدام رمز ديني واحد، وإنما تمتد إلى مجموعة من الرموز المتصلة بالوحي
والنبوة وجبريل والشيطان والجاهلية وقصة الغرانيق. وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
لماذا اختار المؤلف هذه الرموز تحديداً؟ ولماذا أعاد تركيبها داخل عالم روائي يقوم
على الحلم والخيال والتحول؟
ومن هنا يمكن أن نطرح فرضية أخرى، لا باعتبارها حكماً
نهائياً، وإنما باعتبارها مجالاً للبحث: هل تأثرت بعض اختيارات الرواية بروايات أو
تصورات موجودة في بيئات مذهبية وفكرية مختلفة عن التصور الإسلامي السني التقليدي؟
وهنا تحديداً يجب أن نكون أكثر دقة؛ لأن وجود رواية أو
تصور في مصدر شيعي لا يعني أن ذلك التصور يمثل المذهب الشيعي كله، كما أن وجود
رواية ضعيفة أو شاذة في كتب التراث لا يجعلها عقيدة لأتباع ذلك المذهب. ولذلك فإن
الباحث الجاد لا يقول: «هذه عقيدة الشيعة»، وإنما يقول: «هذا تصور ورد عند بعض
الفرق أو في بعض المصادر، ثم نبحث هل توجد صلة بينه وبين المادة التي وظفها الكاتب
أم لا».
وعندما نصل إلى شخصية جبريل يصبح السؤال أكثر حساسية: هل
اختيار اسم جبريل لشخصية بشرية، ثم وضع هذه الشخصية في حالة من الأحلام والتحولات
والاضطراب، مجرد تقنية روائية؟ أم أن اختيار الرمز نفسه يحمل دلالة تتجاوز الوظيفة
الفنية؟ لا نستطيع أن نحكم على نية المؤلف، ولكن نستطيع أن ندرس النتيجة التي
صنعها هذا الاختيار داخل النص.
والأمر نفسه ينطبق على قصة الغرانيق؛ فهي ليست من
الحقائق المتفق عليها في التراث الإسلامي، بل هي مادة روائية تاريخية اختلف
العلماء في ثبوتها، ولذلك فإن السؤال النقدي الحقيقي ليس فقط: لماذا استخدمها
رشدي؟ وإنما: لماذا اختار مادة خلافية ومتنازعاً في صحتها لتكون جزءاً من بناء
روائي يتناول الوحي والنبوة؟
وهنا تظهر الفكرة التي أريد الوصول إليها: إن خطورة النص
لا تكمن دائماً في الفكرة التي يعلنها بصورة مباشرة، وإنما قد تكمن في الطريقة
التي يعيد بها ترتيب الرموز داخل عقل القارئ. فالرمز الديني عندما ينتقل من سياقه
العقدي إلى السياق الروائي يتغير موقعه ووظيفته، وقد يصبح قابلاً لتأويلات لم تكن
موجودة في سياقه الأصلي.
ومن هنا لا أريد أن أتهم المؤلف بعقيدة معينة، ولا أن
أصدر حكماً على إيمانه، وإنما أريد أن أبحث عن الجذر الفكري الذي أنتج هذه الرؤية،
وعن العلاقة بين المرجعية الفكرية والرمز الأدبي، وبين الرمز والحدث، وبين الحدث
والفكرة التي تصل في النهاية إلى القارئ.
وهنا يصبح السؤال الأكبر: هل الرواية مجرد عمل أدبي
استخدم الرموز الدينية لإنتاج الدهشة والصدمة، أم أن وراء هذا الاستخدام منظومة
فكرية أعادت ترتيب هذه الرموز وفق تصور مختلف للحقيقة والوحي والنبوة؟
وهذا السؤال، برأيي، هو الذي ينبغي أن يكون محور البحث،
لا الحكم على الشخص، لأن نقد الفكرة أقوى من اتهام صاحبها، وكشف آليات إنتاجها أهم
من إطلاق الأحكام عليها.
مسارات الرواية... ولماذا أثارت حفيظة حُفّاظ الدين؟ ... إذا أردنا أن نستعرض مسارات الرواية بعيداً عن الضجيج
الذي رافقها، فإن أول ما يلفت النظر هو أن رشدي لم يقترب من الدين من خلال فكرة
عابرة أو رمز هامشي، وإنما اختار مجموعة من أكثر الرموز حساسية في الوعي الإسلامي:
الوحي، وجبريل، والنبي، والقرآن، والشيطان، ومكة، واللات والعزى ومناة، وقصة
الغرانيق، ثم وضع هذه العناصر داخل فضاء روائي يقوم على الحلم والخيال وإعادة
تشكيل التاريخ.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة الأولى من منظور القارئ
المسلم؛ فالمقدس في العقيدة الإسلامية ليس مادة مفتوحة لإعادة البناء الروائي
بالطريقة نفسها التي يعاد بها بناء الشخصيات والأحداث التاريخية. فالقرآن وحي،
وجبريل عليه السلام مَلَك من ملائكة الله، والنبي محمد ﷺ ليس شخصية روائية قابلة
لإعادة التشكيل وفق خيال الكاتب.
أما المسار الأكثر إثارة للاعتراض فهو مسار الغرانيق؛
لأن الرواية تستثمر قصة اختلف علماء المسلمين في ثبوتها، وتجعل منها مادة لإعادة
طرح مسألة الوحي. وهنا يمكن القول إن الخطأ، من منظور إسلامي، ليس مجرد ذكر
الرواية، وإنما نقل مادة مختلف في صحتها إلى موقع يسمح لها بأن تؤدي وظيفة التشكيك
في أصل ثابت من أصول العقيدة، وهو عصمة الوحي عن أن يكون من إنتاج الشيطان أو
تدخله.
ثم يأتي مسار جبريل، وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ إذ يحمل
الاسم إحالة مباشرة إلى المَلَك جبريل عليه السلام، بينما تصبح الشخصية في الرواية
شخصية بشرية ممثلة تعيش الأحلام والتحولات والاضطرابات. ومن الناحية الفنية يمكن
للكاتب أن يستخدم المفارقة كما يشاء، لكن من المنظور الإسلامي يظل السؤال قائماً:
ماذا يحدث عندما يُنزّل رمز مرتبط بالوحي إلى عالم التمثيل والاضطراب والوهم؟ إن
المشكلة هنا ليست في الاسم وحده، وإنما في الدلالة التي تتولد من وضع الرمز المقدس
في سياق مغاير لوظيفته العقدية.
ثم نصل إلى مسار النبي والنبوة، حيث لا تكتفي الرواية
باستحضار التاريخ الإسلامي، وإنما تعيد تخيله داخل بنية سردية تجعل الشخصيات
والأحداث قابلة لإعادة التفسير. وهنا يرى القارئ المسلم أن الرواية تجاوزت حدود
النقد الاجتماعي أو السياسي إلى مساحة تتصل بجوهر التصور الإسلامي للنبوة والوحي.
أما مسار الشيطان، فهو من أكثر المسارات ارتباطاً بعنوان
الرواية وبنيتها الرمزية؛ لأن الشيطان في التصور الإسلامي ليس مجرد رمز أدبي
للتمرد، وإنما كائن له موقع محدد في العقيدة. ولذلك فإن إدخاله في سياق قضية الوحي
يفتح سؤالاً عقدياً بالغ الحساسية: هل يمكن للباطل أن يتداخل مع الحق في مصدر
الوحي؟ والإجابة الإسلامية واضحة: الوحي الإلهي لا يختلط بالشيطان ولا يكون نتاجاً
له.
وهنا تظهر نقطة أخرى مهمة: الرواية لا تعتمد على رمز
واحد حتى نستطيع عزله عن بقية البناء، وإنما تجمع مجموعة من الرموز الدينية في
شبكة واحدة. ولذلك فإن حفيظة القارئ المسلم لا تأتي بالضرورة من مشهد منفرد، بل من
تراكم هذه العناصر: جبريل، والوحي، والنبوة، والغرانيق، والشيطان، والجاهلية، ثم
إعادة تركيبها جميعاً داخل فضاء تخييلي واحد.
ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل كان الخطأ
في اختيار الموضوع، أم في طريقة معالجته؟
فالكاتب يستطيع أن يناقش التاريخ الإسلامي، وينتقد
المؤسسات الدينية، ويناقش علاقة الإنسان بالسلطة، بل ويطرح أسئلة فلسفية عن
الإيمان والشك؛ لكن عندما تتحول الشخصية النبوية والوحي والقرآن والملائكة إلى
مواد لإعادة البناء التخييلي، فإن المسألة تنتقل من نقد السلطة الدينية إلى
الاقتراب من أصل المقدس نفسه.
لم تكن المشكلة في أن الرواية سألت أسئلة صعبة، وإنما في
نوع الأسئلة التي اختارت أن تضعها داخل فضاء الخيال، وفي الرموز التي جعلتها أدوات
لهذه الأسئلة.
ولهذا فإن القراءة الإسلامية للرواية لا ينبغي أن تكتفي
بالقول: «هذه الرواية مسيئة»، بل عليها أن تسأل بصورة أكثر دقة: ما الذي أُعيد
تشكيله؟ وما الذي تغير معناه؟ وما الذي انتقل من دائرة العقيدة إلى دائرة الخيال؟
وكيف تحولت الرواية المختلف فيها تاريخياً إلى مادة يمكن استخدامها لمناقشة حقيقة
الوحي؟
حين تكون القاعدة التي ينطلق منها الكاتب مختلفة عن
القاعدة العقدية التي ينطلق منها القارئ المسلم، فإن الرمز الواحد قد ينتج معنيين
متناقضين؛ ما يراه الكاتب مادة للخيال والتأويل، قد يراه المؤمن مساساً بحقيقة
ثابتة.
وهذا هو المكان الذي ينبغي أن يبدأ منه النقد الحقيقي
للرواية: نقد الآلية التي انتقلت بها الرموز من معناها العقدي إلى معناها الروائي،
لا مجرد إصدار حكم على الكاتب أو على شخصه.
الخلاصة ... وفي نهاية هذه القراءة، أعود إلى النقطة
التي أراها الأهم: الدين لا يُفهم من خلال الرواية، وإنما الرواية هي التي يجب أن
تُفهم عندما تقترب من الدين على ضوء أصوله وثوابته. فلا يجوز أن يأتي النص الأدبي
فيقلب الثابت متغيراً، والمقدس مادة للعبث، والرواية المختلف في صحتها حقيقةً
تُبنى عليها أسئلة كبرى، ثم يطلب منا أن نخلع عنها مرجعياتنا العقائدية وندخل
عالمها بلا ميزان.
إن الأدب مهما علا شأنه يبقى أدباً، والخيال مهما اتسع
يبقى خيالاً، أما العقيدة فلها أصولها ومصادرها ومعاييرها. ولهذا فإن قراءة أي نص
يقترب من المقدس لا تكون بترك العقل عند باب الرواية، ولا بتسليم القارئ بما يقدمه
الكاتب لمجرد أنه وضعه داخل عمل أدبي، وإنما تكون بإعادة كل فكرة إلى أصلها، وكل
رواية إلى مصدرها، وكل رمز إلى دلالته الأولى، ثم بعد ذلك نرى ماذا فعل الكاتب
بها.
وهنا يظهر الفرق بين الحق والباطل؛ فالحق لا يخشى
السؤال، ولكنه أيضاً لا يسمح للخيال أن ينتحل صفته، والباطل لا يصبح حقاً لأنه
كُتب بلغة جميلة، ولا تتحول الرواية إلى وثيقة تاريخية لمجرد أن صاحبها وضع فيها
أسماء وشخصيات وأحداثاً من التاريخ.
ولهذا أقولها بوضوح: من أراد أن يقرأ نصاً أدبياً تناول
الإسلام، فليقرأه أدبياً، ولكن لا يقرأ الإسلام من خلاله. عليه أن يعود إلى
القرآن، وإلى السنة، وإلى أصول العقيدة، وإلى التحقيق التاريخي، ثم يضع الرواية
أمام هذه الأصول، وعندها فقط يستطيع أن يعرف أين انتهى الأدب وبدأ التلاعب، وأين
انتهى الخيال وبدأ تزوير الحقيقة.
فالكاتب يملك قلمه، ولكنه لا يملك الحقيقة. ويملك أن
يبني عالماً من الورق، لكنه لا يملك أن يغيّر ما استقر في أصل العقيدة بمجرد أن
يعيد صياغته في رواية.
وهنا تكون مهمة القارئ الحقيقي: ألا يكون أسيراً للنص،
بل حاكماً عليه؛ ألا يصفق للفكرة لأنها صادمة، ولا يرفضها لأنها صادمة، وإنما
يضعها على ميزان المعرفة والعقيدة والعقل. فليس كل ما يُكتب يُصدَّق، وليس كل ما
يُروى يُقبل، وليس كل ما يلمع في صفحات الأدب ذهباً. وبين الحق والباطل مسافة لا
يقطعها جمال الأسلوب، وإنما يقطعها الدليل.



