دعوة لحرق كتب التاريخ والتراث
والعقيدة
تحت عنوان
مبدئيات التجديد الفكر الديني
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
نحن الأمة الوحيدة التي لا تجيد قراءة التاريخ، ولماذا
يُكتب؟ فأنا عندما أقرأ تلك الكتب، لا يهمني كيف سُلب حق عليّ، كرّم الله وجهه،
ولا يهمني كيف نُصّب أبو بكر، رضي الله عنه، خليفةً لرسول الله، لأنني عندما أقرأ
تكون قراءتي هي لتجارب من سبقنا، لا لتكون لها ظلال على رأي أكتبه أو فعل أفعله،
فقد قرأت في كتاب الله عز وجل: **﴿ تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾**.
ولا يهمني أن يرضى اليوم من يقرأ سطوري هذه، فأنا كتبتها
فقط مرضاةً لوجه الله تعالى، وأنا أؤمن أنه علّام الغيوب وما تخفي الصدور، ولن
أدخل في جدال فقهي مع أحدهم أو نقاش أفلاطوني عقيم، وهذا بسبب أن نتائج كل تلك
الكتابات تتجسد أمامنا اليوم كنتائج كارثية، فالإسلام فُتّت إلى طوائف وفرق، وهذا
بسبب جهلهم بأن كل ما كُتب بعد خطبة الوداع وخاتمتها: **﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا﴾** باطل ، وبسبب تلك الكتب أصبحنا اليوم مجتمعات تعشق الحروب
الوهمية، التي أسلحتها عقولهم قبل سيوفهم، فضاع إسلامنا بين ترهات من كتب في
العقيدة.
فاليوم، وبسبب تلك الروايات، أصبحت معاركنا عبثية، فسقط
كل شيء: الفرد، والعائلة، والمجتمع، ومضوا يقاتلون باسم الطوائف. فمشكلتنا اليوم
أننا لم نقرأ التاريخ بالإدراك العقلي، ولكن قرأناه بما أرادوا منا أن نقرأه. ولو
أدرك رسول الله ورأى ما نحن عليه، لأصابه من الحزن ما آلت إليه الأمة.
للشيطان سُنَن وشيعة... وقد تصاب بالذهول عندما تقرأ تلك
الكلمات، فكيف يكون للشيطان سُنَن وشيعة؟ والإجابة هنا ستكون فيمن يتقول على
الرسول، وقد وضع عنه ما يخدم تعزيز فكرهم المريض في بناء هياكل دينية شبيهة بما
كان للذين سبقوهم.
فعندما تجد حديثًا للرسول مكتوبًا في تلك الكتب، بغض
النظر عن صحته، يتعارض مع قول الله، تكون هذه من سُنَنٍ يُراد بها حرف الدين عن
مساره الحقيقي، مثل: **«إن في اختلاف أمتي رحمة»**، وهناك قول الله تعالى:
**﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾**، يكون هناك خلل
عقائدي يبدأ من أولئك الذين جمعوا الأحاديث والسُّنن، ومسألة عدم حذف الضعيف منها
والإبقاء عليه لتكون بمرور الوقت معول هدم وسُننًا شيطانية.
أما عن شيعته، فكانت تجارة الدم من أجل تعميق هوة الخلاف
وإيجاد النعرات العقائدية بحجة الثارات، ولعدم قناعتهم بالعدالة السماوية يريدون
تحقيق العدالة بأيديهم. ولكن السؤال الأهم: من يريدون القصاص؟ والجواب هنا: من
**الإسلام**.
لا قدسية لكتاب بعد كتاب الله ... سوف يتهمني هنا الكثير
أنني من القرآنيين، وإذا ما كان ذلك فهذا شرف ما بعده شرف، لم أصل إليه، ولكن
حقيقتي التي لا يريد الكثير تصديقها أنني عبد من عباد الله، غيور على دينه، وهو
يُمزَّق بين أيدي أناس هم أشد خطرًا من أعداء الدين ذاته.
وهنا يجب أن أذكر حادثة كانت لي مع أحد علماء هذا
الزمان، عندما أخبرته أنني لا آخذ من البخاري ولا مسلم، فقال لي كلمة غريبة وقتها:
**«استغفر ربك»**. وعندها أصابني الذهول: هل وصل بنا الجهل إلى أن نقدس كتبًا
بشرية، لتصل إلى أنني لا آخذ منهم إلى درجة الإثم؟
عندها أدركت حماقة هؤلاء في قضية جهلهم بأن كتاب الله
يتسم بالكمال، لأنه جزء ممن أنزله على رسوله الكريم، وليكون كلامي مسندًا بمنطق
العقل، فكل من كتب في العقيدة لم نرهم، ولم نعرف شيئًا عن وعيهم الفكري والإدراكي
وقتها، ولهذا لا يجب علينا أن نتعامل مع نتاجهم الفكري على أنه مقدس.
نحترم جهدهم، نعم، ولكن لا نجعلهم خارج قواعد النقد
العقلي، فالكتاب الذي يساهم في شق عصا الإسلام، مهما كان كاتبه، يجب أن يُتلف أو
يُحرق.
المضمون ... أنا عندما اقول احرقوا كتب التاريخ والتراث
والعقيدة لا اقصد حرق الورق لان الورق لا ذنب له ولكن اقصد حرق ما تركته تلك الكتب
في عقولنا من افكار اصبحت بمرور الزمن اكثر قدسية من النص الذي نزل من السماء وهنا
تكمن المشكلة الحقيقية فليس كل ما كتب يستحق ان يبقى وليس كل من كتب يمتلك الحقيقة
وليس كل رواية وصلت الينا يجب ان تكون جزء من ديننا وعقيدتنا
فالكتاب في حقيقته ليس اكثر من وسيلة للمعرفة ولكن عندما
يتحول الى سلطة على العقل هنا يجب ان نقف ونقول كفى لانني لا يمكن ان اقبل ان يكون
كتاب كتبه انسان قبل مئات السنين قادرًا على ان يحدد لي اليوم من احب ومن اكره ومن
اؤمن به ومن اختلف معه ومن اقاتل ومن اسالم وكأن الزمن توقف عند اولئك الذين كتبوا
وهنا يصبح حرق الكتاب فعلًا فلسفيًا وليس فعلًا عدائيًا
لانني لا احرق المعرفة وانما احرق سلطة الكتاب عندما تتحول الى قيد على العقل
واحرق القداسة التي صنعها الانسان حول كلمات انسان اخر ثم جعل منها دينًا لا يجوز
الاقتراب منه او مناقشته
انا احترم كل من كتب واجتهد وبحث ولكنني لا اقبل ان
يتحول احترامه الى عبودية لنتاجه الفكري فالمؤلف مات وانتهى زمنه ولكننا نحن الذين
ما زلنا ندفع ثمن ما كتبوه من خلافات ونزاعات وطوائف ومذاهب وكل طرف يحمل كتابه في
يده وكأنه يحمل سيفًا على رقبة الطرف الاخر
وهنا اسال سؤالًا بسيطًا لماذا نحافظ على كتاب تسبب في
تمزيق الانسان اكثر مما نحافظ على الانسان نفسه ولماذا نخاف على صفحات كتاب من
النار ولا نخاف على مجتمع كامل من الاحتراق بنار الطائفية ولماذا يصبح نقد الرواية
جريمة بينما يصبح الاقتتال بسببها بطولة
انا لا ارى في حرق كتاب جريمة اذا كان ذلك الكتاب قد
تحول الى اداة لهدم الانسان لان الكتاب وجد من اجل الانسان وليس الانسان وجد من
اجل الكتاب فاذا اصبح الكتاب سببًا في قتل العقل وجب علينا ان نقتله قبل ان يقتل
عقولنا
وقد يقول احدهم انك بهذا تريد هدم التراث واقول له نعم
اريد هدم الجزء الذي تحول من تراث الى صنم اما التراث الذي يساعدني على فهم الماضي
فسأقرأه واحترمه ولكن لن اعبده ولن اسمح له ان يكتب مستقبلي لان الماضي تجربة وليس
سجنًا والموتى لا يمكن ان يكونوا اوصياء على الاحياء
فانا عندما اقرأ التاريخ لا اريد ان اكون طرفًا في معركة
انتهت منذ مئات السنين ولا اريد ان احمل دماء الذين ماتوا على كتفي ولا اريد ان
اكون عدوًا لانسان لمجرد ان كتابًا اخبرني ان اكرهه ولا اريد ان اكون محاربًا
بالنيابة عن اشخاص لم اعرفهم ولم اعاصرهم
وهنا تكون فلسفة الحرق الحقيقية ان نحرق الفكرة التي
تقول ان كل ما ورثناه صحيح وان كل ما كتبه السابقون مقدس وان من ينتقدهم خارج عن
الدين فهذه ليست قداسة وانما صناعة بشرية للقداسة
فالقداسة لله ولما انزله الله اما الانسان فهو انسان
مهما بلغ علمه ومهما علت منزلته ومهما كتب من الكتب ولذلك انا لا اخاف من حرق كتاب
ولكني اخاف من عقل لا يستطيع ان يحرق فكرة خاطئة خوفًا من صاحبها
اخاف من انسان يقرأ رواية فتجعله يكره اخاه ويصدقها اكثر
مما يصدق عقله .. اخاف من مجتمع يقدس الكتب ثم يقتل الانسان بسببها .. اخاف من دين
يتحول الى مجموعة روايات يتقاتل اتباعها ثم يعتقد كل طرف انه يمتلك الله وحده
وهنا يجب ان نكون اكثر شجاعة في مواجهة الحقيقة لان بعض
الكتب يجب ان تبقى في المتاحف حتى نعرف كيف كان يفكر السابقون ولكن لا يجب ان تبقى
فوق عقولنا ولا يجب ان تتحول الى دستور لحياتنا ولا الى سيف نحارب به بعضنا البعض فليس
كل ما وصل الينا من الماضي يجب ان يصل الى المستقبل وهذه هي فلسفة التجديد التي
اريدها تجديد لا يحرق الدين وانما يحرق ما علق بالدين من خرافة وتعصب وتقديس بشري
وتجديد لا يحارب التاريخ وانما يمنع التاريخ من ان يحكم الحاضر وتجديد لا يهدم
المعرفة وانما يهدم الوهم الذي جعلناه معرفة
ولذلك اقولها مرة اخرى وبوضوح .. احرقوا الكتب التي
اصبحت سيوفًا في ايديكم قبل ان تحرقوا بعضكم بها
احرقوا الروايات التي جعلتكم اعداء .. احرقوا الافكار
التي مزقتكم .. احرقوا القداسة التي صنعتموها للبشر
اما كتاب الله فلا يحتاج الى كتاب اخر يحميه ولا يحتاج
الى رواية بشرية تكمله ولا يحتاج الى سيف طائفي يدافع عنه فالمشكلة لم تكن يومًا
في قلة الكتب وانما كانت في كثرة ما جعلناه مقدسًا حتى اصبح العقل هو الشيء الوحيد
الذي لا نسمح له بالكلام.
الخلاصة ... لمن يريد أن يعترض على كلامي، فليعترض، ولكن
قبل أن يرفع سيفه في وجهي باسم الدين والتاريخ والتراث، عليه أن يجيبني عن سؤال
واحد: هل نحمي الكتاب لأن فيه الحقيقة، أم نحميه لأننا أخفنا عقولنا من البحث عن
الحقيقة؟
أنا لا أخاف من اعتراضكم، ولا من اتهاماتكم، ولا من تلك
الكلمات الجاهزة التي ستخرج من أفواه من جعلوا الموروث دينًا والدين موروثًا،
لأنني لم أكتب لأرضيكم، ولم أكتب لأحصل على تصفيقكم، وإنما كتبت لأنني أرى أمةً
تتقاتل منذ قرون على صفحات كتب، وكل طرف يعتقد أن الله يقف خلف كتابه وضد خصمه.
فإن كان كتابٌ ما سيجعلك تكره أخاك، فاحرقه. وإن كانت
رواية ستجعلك ترفع السيف على إنسان، فاحرقها. وإن كان تراثٌ سيمنعك من استعمال
عقلك، فضعه في النار وإن كانت قداسةٌ بشرية ستجعلك تعتقد أن السؤال جريمة، فهذه
القداسة أولى بالحرق.
ولا يأتي أحد ليزايد عليّ في الدين، لأنني لا أحرق دين
الله، وإنما أريد أن أحرق ما صنعه الإنسان حول دين الله حتى أصبح الدين غريبًا بين
أهله.
أنا لا أخشى نارًا تلتهم كتابًا، بقدر خوفي من كتابٍ
يشعل نارًا في صدر إنسان ضد إنسان فإذا كان اختياركم بين بقاء كتابٍ على رفٍّ وبين
بقاء أمةٍ موحدة، فاختاروا الأمة وإذا كان اختياركم بين قداسة ورقٍ وبين حرمة
إنسان، فاختاروا الإنسان وإذا كان اختياركم بين تاريخ الموتى ومستقبل الأحياء،
فأنا بلا تردد أختار الأحياء.
أما من يريد أن يجعل من الكتب أصنامًا، ومن المؤلفين
أنبياء، ومن الروايات قرآنًا آخر، ومن الاختلاف مبررًا للقتل، فأقول له: خذ كتبك
كلها وارحل... فالإسلام أكبر من كتبك، والله أكبر من رواياتك، والإنسان أكبر من
خلافات موتاكم.
هذه ليست دعوة إلى حرق المعرفة...
إنها دعوة إلى حرق الوهم الذي جعلنا نظن أن المعرفة لا
تكون معرفة إلا إذا جاءت مختومة بأسماء الموتى.
ومن يخاف من هذه النار، فليبحث في نفسه أولًا: لعل الذي
يخشاه أن يحترق ليس الكتاب... وإنما الصنم الذي بناه داخل عقله.




