أبصر
الله وأنتم لا تُبصرون
تحت
عنوان
حقائق
صادمة
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية،
وعند شروعي في كتابة هذا الموضوع، استشرت الكاتب والصحفي الدكتور خيري شيت، فأشار
إلى أن موضوعي هذا سوف يدخل في إشكالية الحلاج، انطلاقًا من العنوان. وبصراحة، أنا
أقدر وأحترم هذا الرأي، ولكن، ولمن لا يعلم، فإن شخصية الحلاج بذاتها قد تعرضت إلى
غبن كبير بسبب إشكاليات الوعي الإدراكي. فعندما سُئل: (أين الله؟) أجاب: (إن الله
يكمن تحت جبتي) ، فظن كثيرون أنه يدعي الألوهية، بينما كانت القضية التي يرمي
إليها أكبر بكثير من تلك العقول التي أفتت بصلبه. فقد استند في إجابته إلى قصة أول
الخلق والسجود لآدم، حيث لم تكن تلك السجدة لآدم بذاته، وإنما لعظمة خلق الله التي
تجسدت في خلقه لآدم. ومن هنا تكون الانطلاقة في موضوعنا هذا.
وللتنويه...
في هذه الكلمات لا أدعي الصلاح، وأشهد الله على ذلك، فأنا بشر أخطئ وأصيب، وقد
يكون في نفسي سوء، ولكن قضيتي هي التذكير، فمن منا بلا خطيئة؟ وإن وُجد، فليرمني
بحجر.
ملامح
الله ... وهنا لا أقصد الملامح العينية، ولكن هناك ما يعرف بصورة الله في الأرض،
وللتعرف على ملامحها يجب البحث عنها في أعمال عباده الصالحين، إن وُجد اليوم أحد
منهم. ولمعرفة تلك الملامح، ابحث عن الأعمال التي تثبت صفاته من خلال أفعال
أصحابها، وقد تكون أسماؤه الحسنى هي المصدر الوحيد لتلك الملامح. وكذلك هناك ما
يعرف بالتجني على الذات الإلهية، فالكثير اليوم يقوم بعملين حذرت منهما الملائكة
عند خلق آدم، وهما الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وهما قضيتان ترميان فاعلهما إلى
قعر جهنم، والعياذ بالله. وليس هذا موضوعنا الآن، ولنعد إلى قضية: (كيف أرى الله؟)
ولو أدرك
البشر كيف يرون الله، لما بقي على هذه الأرض من يشرع في الشرك. وإذا ما جمعت تلك
الأسماء بوصفها صفات له سبحانه، فسوف تدرك عظمته، وهو العظيم، والعظمة تأتي من
رحمته. وكيف لا، وهو الذي خصَّ نفسه بها؟ ولهذا ترى أن هناك من يتمادى في المعصية
طمعًا في هذه الصفة، ولكنهم يجهلون معايير التعامل معه، عز وجل، فهو ملك الملوك،
الذي تخضع له كل من في الأرض ومن في السماء، وهو السلام. وهنا يكون التجني على
الذات الإلهية، فالكثير اليوم يرتكب أعظم الكبائر، وهي سفك الدماء، ويدعي أنها من
أجل الله. وهذه ليست قضية حديثة، ولكن لو عدنا إلى النصوص التي تستند إليها الكتب
السماوية القديمة، لرأينا أنها تصفه برب الجنود، في إشارة إلى تبويب العنف السماوي
بين البشر، وكل هذا وأكثر يدخل ضمن عمليات تشويه صورة الذات الإلهية.
كيف أرى
الله ... لمن لا يعلم، أنا من الذين يُبصرون الله بعين القلب وإدراك العقل،
والوصول إلى هذا ليس بالأمر السهل كما يظن البعض. فأنا ممن إذا بحث عنه وجده في
قلبه، ولكني أفتقده في قلوب كثير من البشر، عندما ترى أن أخطاءهم تجاوزت حدود
ذواتهم البشرية. وهذا يعزز قولي إن جميع من على الأرض غافلون، ويكون استيقاظهم عند
الموت. فهو آخر من أكلمه في يومي، وأول من أناجيه في صباحي، وأدرك لطفه عند مرضي.
لم يتخلَّ عني عندما تخلى عني الجميع، والعلاقة به قد تجاوزت حدود العبودية إلى
المحبة؛ فأنا أحبه، نعم، وهذا لأنني أعلم من يكون. وقد وصلت إلى قناعة بأن حدود
قدرته لا حدود لها، وكيف لا وهو القادر على كل شيء؟ ولم يكن هذا بفعل النصوص
البشرية التي ورثناها عمن سبقونا، وإنما هو القلب الذي أعلن ولاءه لله عز وجل،
بسبب الإدراك العقلي بأن الله أكبر من أن يُعبد بين مصطلحي الترغيب والترهيب،
والمقصود هنا الجنة والنار. ولو وصل أحد إلى هذا المستوى، لكانت رؤيته لله غير تلك
التي رسمتها كتب الفقهاء ورجال الدين في جميع الديانات السماوية.
الصورة
التي لا تليق به... اليوم نرى أن كثيرًا من دعاة الصلاح ينتهجون منهج تشويه صورة
الله من خلال أقوالهم وأفعالهم، وهذا يعد شركًا خفيًا، إن كنتم لا تعلمون. فعندما
يسرق رجل الدين، يقول الناس: هؤلاء رجال الله. وعندما يقتلون، يعلنون أن ذلك أمر
من الله، وهذا ما يجعل هناك نفورًا غير معلن عن الله. وهناك من يذهب إلى أبعد من
ذلك، فيتحدث عنه بما لا يليق به، من خلال منازعته لله في ملكه، والعياذ بالله،
فيرمي هذا إلى النار، وذاك إلى الجنة، وفق وجهات نظره المحدودة. ولهذا العمل نتائج
كارثية، منها بعث روح اليأس من رحمة الله، وهذه، في مذهبي، أعظم أنواع الشرك. وليس
هذا فحسب، بل يذهب بعضهم إلى التعامل مع الله بالحسابات البشرية.
وأستشهد
هنا بحكاية من الواقع؛ فقبل فترة رأيت أحد رجال الدين يحمل في يده ما يعرف
بالحاسبة، يحسب بها الأذكار كما يدعي، وقد أصابني شيء من الغضب، فقلت له: (يا
شيخنا، أليس الله أكبر من أن تُحسب له ما تقدم؟) وقد نُقل عن أحد الفقهاء قوله: (أحصوا
سيئاتكم، وأنا ضامن لحسناتكم) ، انطلاقًا من إيمانه بقدرة الله على كل شيء.
وحكاية
أخرى، يُروى أن أحد الدراويش كان يحمل المال معه وهو في حلقات الذكر، وفي وقت معين
سقط ذلك المال على الأرض، فاجتمع الناس عليه، ولم يستطع التوقف عن الإنشاد، فأخذ
يصرخ: (محسوبات ومعدودات) ، وفي ذلك تأكيد أن ما عند الله لا يضيع.
علاقتي
به ... يشاع عني أنني بعيد كل البعد عن الله، وهذا رأيهم، وهم يتحملون وزره يوم
اللقاء. ولكن ما لا يعلمونه أنني من المؤمنين بأن العلاقة مع الله علاقة شخصية بين
العبد وربه، فإذا ظهرت للناس دخلت في باب الرياء، أبعدكم الله عنه. ولهذا أرى أن
معضلة الإيمان تكمن في قضية التصديق، وأن يكون ما في اللسان مطابقًا لما في القلب.
فإن الله لا ينظر إلى صوركم التي تشمل أفعالكم اليومية، وإنما ينظر إلى قلوبكم،
وذلك هو خير الإيمان.
وأنا لا
أكترث بما يثار حولي من أقاويل، لأنني أثق بقولنا الشعبي: (الله يعرف من سرق الحبل)
المضمون
... وهنا أصل إلى جوهر ما أريد قوله... إن أكبر جريمة ارتكبها الإنسان بحق الإيمان
لم تكن في إنكاره لله، بل في رسم صورة لا تليق به، حتى أصبح كثير من الناس يفرون
من تلك الصورة المشوهة، وهم يظنون أنهم يفرون من الله. لقد اختزلناه في غضب دائم،
وفي أحكام بشرية ضيقة، وفي وكلاء نصبوا أنفسهم متحدثين باسمه، حتى صار الخالق عند
البعض يشبه أهواء مخلوقاته، وهذا هو التجني بعينه. إن الله، في يقيني، لا يُعرف
بكثرة الشعارات، ولا بطول اللحى، ولا بعلو المنابر، ولا بصخب الوعاظ، وإنما يُعرف
عندما ترى الرحمة تنتصر على القسوة، والعدل يغلب الظلم، والصدق يهزم الكذب،
والإنسان يعلو على شهواته. هناك فقط تبدأ ملامح الصورة التي يستدل بها القلب على
خالقه. أما من جعل من الدين وسيلة لسفك الدماء، أو لتوزيع مفاتيح الجنة والنار بين
الناس، أو لتخويف العباد من ربهم أكثر من تعريفهم برحمته، فإنه لم يظلم الناس
وحدهم، بل ساهم في تشويه تلك الصورة التي من أجلها خُلق الإنسان أصلًا. ولهذا أقول
إن الطريق إلى الله لا يبدأ من أفواه الآخرين، وإنما يبدأ من قلب صادق، وعقل لا
يخاف من السؤال، ونفس تعرف أن عظمة الخالق أكبر من أن تُحاصر في فهم إنسان، أو في
رأي فقيه، أو في اجتهاد رجل دين، لأن الله أعظم من أن يحيط به عقل، وأقرب إلى
عباده من أن يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه.
الخلاصة
... لن أسأل أحدًا بعد اليوم: (أين الله؟) لأنني، في رحلتي مع الحياة، تعلمت أن
السؤال الأصدق هو: (أين الإنسان من الله؟) فكم من إنسان يحفظ أسماءه الحسنى ولا
يحمل من معانيها اسمًا واحدًا، وكم من آخر لا يجيد الحديث عنه، لكن أفعاله تنطق
برحمته وعدله وصدقه. أما أنا، فإن كانت لي عقيدة ألقى الله بها، فهي أنني كلما
ازددت معرفة بعظمته، ازددت يقينًا بعجزي عن الإحاطة به، وكلما اقترب قلبي منه،
ازداد لساني صمتًا عنه. لهذا لا أبحث عن الله في ضجيج المنابر، ولا في صراخ
المتخاصمين باسمه، ولا في الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على رحمته، وإنما أبحث عنه في
كل موضع ينتصر فيه الحق على الهوى، والرحمة على القسوة، والعدل على الظلم،
والإنسان على وحشه الكامن فيه. فإن أخطأت في فهمي، فحسبي أنني اجتهدت بقلب يريد
وجهه، وإن أصبت، فالفضل له وحده. وسيبقى يقيني الذي لا أفرضه على أحد أن أعظم ما
يمكن أن يراه الإنسان في طريقه إلى الله ليس صورة يتخيلها، ولا وصفًا يصنعه، وإنما
أثر أسمائه الحسنى حين تنعكس على أخلاق عباده. هناك يبدأ البصر الحقيقي... وهناك
فقط يدرك القلب لماذا قلت منذ البداية: (أبصر الله وأنتم لا تُبصرون) .



