قارورة عطر
تحت عنوان
صورة تعيد رسم الوجع
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
مرّ الوقت وكأنه أعوام طوال، كنت أحاول فيها إقناع نفسي
أنني ما زلت بخير، فقط لأنها تنعم بحياة هادئة، ولكن اليوم رأيت صورتها، عندها مرّ
شريط الذكريات وكأنه عرض سينمائي بالكلمات والأفعال والابتسامات والضحكات التي كان
لها صدى يهز القلوب، ولكن بعد ثوانٍ حصل شيء غريب.
امرأة لا أعرفها... عندما وقعت عيناي على صورتها الجديدة
لم أعرفها، رغم علمي بأنها هي لا غيرها، وإذا ما أردت وصف الشعور بشكل دقيق،
فكأنني دخلت قلعة مهجورة اجتاحها التتار، ولا أقصد هنا تغيّر ملامح الوجه، ولكن لم
يعد ذلك الشعور الذي كنت أحمله لها، وكأن شيئًا لم يكن بيننا من قبل، ولكن لم يكن
ذلك نهاية الحب الذي أحمله لها.
كاذبًا أنا، فأنا لا زلت أحب تلك الفتاة... قد يكون
شيئًا في قلبي قد أحرقته من قبل هي، وهذا بسبب أنها جعلتني يومًا أرسم قلاعًا لها
على جدار القلب المفعم بالعاطفة تجاهها، ويبقى كل شيء رهينة ذلك الوقت الذي كان
بيننا، وقد يجدها آخرون بنظرهم شخصًا سيئًا، ولكن ما لا يعلمه الآخرون، فأنا من
يحب حتى تلك القضايا المعيبة في مناهج البعض، ولم أسمح لنفسي أن أراها بغير صورة
ذلك الملاك الذي كان بصحبتي.
في عشقي لها شيء من الجنون... كل من كان يعرفنا كان يقول
لي إنها لا تحبك، ولكنني أحببتها وبصدق الأنبياء، لم يكن ما بيننا سوى حزمة مشاعر
نبيلة لا يعرف الناس عنها شيئًا، فكنت أصدقها رغم علمي أنها تكذب، وكنت أخلق لها
الأعذار كلما غابت عني، وكنت أرى فيها ما لا أرى في نساء الأرض، وقد يكون الجميع
صادقين إلا هي، ولكن صدقتها وآمنت بتلك الكلمات التي كانت تسمعني هي، ومع هذا لم
أشك للحظة أنها يومًا سوف تختار الرحيل.
زجاجة العطر ما زالت في درج مكتبي... في يومٍ ما دخلت
مكتبي وهي تحمل زجاجة عطر وقدمتها لي على أنها هدية، ولم أدرك وقتها أنه إعلان
للرحيل عمّا كان بيننا، ولكن رحلت هي وبقي ذلك العطر يرافقني رغم مضي الوقت، فكلما
اشتقت لها أرش ذلك العطر في المكان كنوع من إعلان الحضور، فأنا كنت أعلم أن في
منهج الحياة، عندما تكون هناك هدية عطر، يكون هناك فراق، ولكن قلت إن ما كان بيننا
سوف يكسر كل تلك المعتقدات البالية، ولكن في نهاية المطاف انتصرت المعتقدات، وبقيت
وحدي مع ذلك العطر كملك مهزوم.
صورة تعيد رسم الوجع... في الحقيقة لم تكن الصورة موجعة،
ولكن قد تكون هي بمثابة ذلك الملح الذي رُشَّ على جرح قديم، الذي قد فشلت الأيام
في علاجه، وأدركت وقتها أن لا حقيقة لمصطلح الغياب، فبعض البشر تغيب أجسادها، لكن
يبقى ذلك الطيف يغفو بثنايا القلب الذي أحبها منذ ذلك الوقت، فالصورة قد أعادت
ذاكرة الوجع فقط، ولكن وفي لحظة إدراك، أدركت أنني لا زلت أحب تلك الفتاة.
حين أحببتها ... لم أكن أبحث عن امرأة تشبه النساء، بل
كنت أبحث عن تلك التي تشبه قلبي... ولهذا ربما عجزت عن نسيانها، لأنني لم أحب فيها
وجهًا أو صوتًا أو حضورًا عابرًا، وإنما أحببت تفاصيل صغيرة لم يكن يراها غيري،
نظرة عينيها عندما كانت تتحدث، طريقة صمتها، ضحكتها التي كانت تأتي في غير موعدها،
وحتى الأشياء التي كانت تزعجني فيها كنت أجد لها مكانًا في قلبي. ولهذا عندما
رحلت، لم ترحل امرأة من حياتي فقط، بل رحلت معها تفاصيل كثيرة كنت أعيش عليها دون
أن أدرك أنها كانت تصنع كل ذلك الفرح في داخلي.
كنت أظن أن الحب مع مرور الوقت يتحول إلى ذكرى، وأن
الذكريات مهما كانت جميلة يعلو عليها غبار الأيام، ولكنني اكتشفت أن بعض الذكريات
لا يغطيها الغبار، لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تسكن القلب. ولهذا كانت صورتها
قادرة على أن تعيد إليّ كل شيء في لحظة واحدة؛ كأن السنوات التي مرت لم تكن سوى
باب أغلقته الأيام، وجاءت صورتها اليوم لتفتحه دون استئذان.
لم أكرهها لأنها رحلت، ولم أتعلم يومًا كيف ألومها على
اختيارها، وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي جعل حبها يبقى نقيًا في داخلي... فأنا
لا أريد أن أتذكرها كامرأة كسرت قلبي، بل كامرأة جعلت قلبي يعرف للمرة الأولى كيف
يكون الحب. وربما كان من السهل أن أكرهها، لكنني لم أستطع، لأن الإنسان لا يستطيع
أن يكره اليد التي وضعت يومًا وردة في قلبه، حتى وإن كانت هي نفسها اليد التي
تركته بعد ذلك وحيدًا بين الأشواك.
الغريب في الحب أن الإنسان قد ينسى آلاف الكلمات، لكنه
لا ينسى كلمة واحدة قيلت له في لحظة كان قلبه فيها مستعدًا لتصديق العالم كله...
وأنا ما زلت أتذكر أشياء ربما لم تعد تعني لها شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت حياة
كاملة. أتذكر الأماكن، واللحظات، والانتظار، والرسائل، وحتى ذلك الصمت الذي كان
بيننا أحيانًا، لأنني كنت أجد في صمتها كلامًا أكثر مما أجده في حديث الآخرين.
كنت أريدها أن تبقى، ليس لأنها كانت كاملة، فأنا أعرف أن
لا أحد كامل، ولكن لأنها كانت الجزء الذي أحببته حتى في نقصه. كنت أريدها أن تكبر
معي في العمر، أن تتغير ملامحها أمامي، وأن أرى السنوات وهي تسرق من وجهها شيئًا
من الشباب، دون أن تسرق من قلبي شيئًا منها. كنت أريد أن أصل معها إلى ذلك العمر
الذي يصبح فيه الحب أقل كلامًا وأكثر صمتًا، ولكن صمتًا يفهمه قلبان عاشا طويلًا
معًا.
وربما لو سألتني اليوم: هل ما زلت تنتظر عودتها؟ سأقول
إن الانتظار شيء، والحب شيء آخر... قد لا أنتظر أن تعود، وقد لا أفتح لها الباب
إذا عادت، ولكن هذا لا يعني أنني توقفت عن حبها. فهناك أشخاص تنتهي علاقتنا بهم،
ولكن لا تنتهي علاقتنا بذكراهم، لأن بعض البشر لا يغادروننا عندما يغادرون حياتنا،
وإنما يتحولون إلى جزء من تاريخنا لا نستطيع حذفه مهما حاولنا.**
أما قارورة العطر، فما زالت في مكانها، وكأنها آخر شاهد
على قصة لم تجد خاتمتها التي كنت أتمناها... أحيانًا أنظر إليها وأبتسم، وأحيانًا
أشعر أنني أمام امرأة لم تعد موجودة إلا في ذاكرتي، وأحيانًا أمد يدي إليها ثم
أتراجع، لأنني أخاف أن يخرج من تلك القارورة شيء أكبر من العطر... أخاف أن يخرج
معها صوتها، وضحكتها، وأيامها، وكل الأشياء التي دفنتها بصعوبة تحت ركام السنوات.
لقد فهمت متأخرًا أن بعض العطور لا تُهدى للجسد، وإنما
تُهدى للذاكرة... وأن بعض الهدايا لا تكون قيمتها فيما تحمله، بل في الشخص الذي
تركها خلفه. ولهذا بقيت تلك القارورة عندي، لا لأن رائحتها ما زالت جميلة، وإنما
لأنها تحمل شيئًا منها، وأنا الرجل الذي لم يتعلم كيف يتخلص من الأشياء التي تحمل
رائحة من أحب.
الخلاصة .. ربما كانت الصورة أقسى من الرحيل نفسه، لأنها
لم تأخذ مني شيئًا جديدًا، وإنما أعادت إليّ شيئًا كنت قد حاولت نسيانه... أعادت
لي امرأة أحببتها، وأعادت لي رجلًا كنت أنا يومًا عندما كنت إلى جوارها. ولهذا
عندما أغلقت الصورة، لم أبكِ عليها وحدها، وإنما بكيت على ذلك الرجل الذي كان يصدق
أن بعض الأحلام يمكن أن تبقى إلى الأبد.



