منهجية
التجمعات والمجاميع الثقافية
تحت
عنوان
الموصل
ومثقفوها أمام عدسة المجهر
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لا أحد
خارج الساحة النقدية، وما كُتب وسوف يُكتب هو مجرد رسمٍ للحقيقة أمام أصحابها، لأن
الحقيقة وإن تأخرت لا تموت، بل تتراكم حتى تنفجر في وجه من يحاول طمسها. والموضوع
اليوم يضم جميع المسميات، التقليدية وغير التقليدية، من اتحادات ونقابات وروابط
ومراكز وملتقيات، التي تكاثرت كما تتكاثر الظواهر دون أن يصاحبها بالضرورة عمقٌ في
الفعل أو الأثر. ولكل هؤلاء منهجيات تختلف عن سواها، لهذا يجب علينا استعراض تلك
المنهجيات وسبل تطبيقها على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالتنظير الذي بات سمةً طاغية
على المشهد. فلكل مدينة حضارية صورتها التي تُرسم من خلال مثقفيها، التي تكون على
شكل مجاميع ثقافية، وهي المعيار الحقيقي لصناعة الوعي عند العامة، لا سيما أن غياب
هذا الوعي يفتح الباب أمام تشوهات فكرية يصعب ترميمها لاحقًا. ولهذا سوف نقوم
بقراءات للوضع العام لتلك التجمعات، قراءة لا تجامل ولا تهادن، بل تضع اليد على
الجرح مباشرة.
الاستجداء
أو التبعية... فالكثير
من تلك التجمعات لا تمتلك في الغالب مصادر تمويل حكومية أو اجتماعية، نتيجة غياب
التخطيط المؤسسي الحقيقي واعتمادها على ردود الأفعال لا على الرؤى بعيدة المدى،
فتكون أمام خياراتٍ أحلاها مُرٌّ كالعَلْقَم، ما بين القبول بالتبعية مقابل المال،
أو اتباع منهج الاستجداء من شخصيات نافذة أو مؤسسات، فيتحول الفعل الثقافي من
رسالة إلى وسيلة ارتزاق. وفي كلتا الحالتين، تكون هناك ملاءة سياسية أو عقائدية،
تُفرض بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وهذا ما سوف يفقدك المصداقية أمام الجمهور
الثقافي، لأن المثقف حين يُشترى صوته يفقد قدرته على قول الحقيقة، ويصبح جزءًا من
المشكلة لا من الحل.
الدكتاتورية
الثقافية... في
الغالب ما يقترن هذا المصطلح (الدكتاتورية) بالسياسة، ولكن اليوم تم تعميمه على
الجميع، ومن ضمنها الثقافة، حتى بات بعض “حراس المشهد” يمارسون الوصاية وكأن
الثقافة ملكية خاصة. فأغلب التجمعات الثقافية، تحت جميع المسميات، لا تعتمد منهجية
الاعتدال في قيادة المشهد، بل تُدار بعقلية الفرد الواحد، فيكون هناك شخصيات تتخذ
من مبدأ التعالي أسلوبًا في إدارة تلك المجاميع، وتُقصي كل صوتٍ لا ينسجم مع
رؤيتها. فلن تجد فيها انتخابات حقيقية أو حوارات يحكمها العقل، بل أشكالًا شكلية
تُستخدم للتجميل فقط، وهذا ما يجعل لغة الحوار تخرج من باب الثقافة العامة وتدخل
من شباك المجاملات، فتُدفن الكفاءة ويُرفع شعار الولاء بدل الاستحقاق.
المقاطعات
الثقافية... يُقسَّم
المشهد الثقافي، في الغالب، في مدينة الموصل حسب التوجهات الفكرية لقادة كل
مجموعة، وكأن الثقافة تحولت إلى جزرٍ معزولة لا جسور بينها، والكل اليوم يرفع
شعار: (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، وإن لم يُفصحوا عن ذلك، فهو حاضر في السلوك
والممارسة. وهذا ما ولَّد الضبابية في رؤية المشهد الثقافي للمدينة، وجعل المتلقي
في حيرةٍ من أمره بين هذا وذاك. وبرغم أن البعض يرى في ذلك الاختلاف نوعًا من
أنواع التنوع الفكري، إلا أن هذا الطرح عارٍ عن الصحة حين يتحول الاختلاف إلى صراع
نفوذ لا صراع أفكار. فقد أفرزت تلك الممارسات نوعًا من الاستهجان عند الكثير من
أصحاب الأقلام، واتخاذ مواقف عدائية من البعض، بل وأدت إلى هجرة صامتة للكفاءات
التي رفضت الدخول في هذه الدوامة، ولهذا قد يكون هذا سببًا رئيسيًا في عدم قدرة
المدينة على تحديد هويتها الثقافية منذ زمنٍ بعيد.
أنانية
القلم... وهنا
تكمن المعضلة في رؤية كلٍّ منا للآخر، حيث يغيب مبدأ التكامل ويحضر هاجس التفوق
الوهمي، والابتعاد عن مقولة: (إن الكمال لله عز وجل)، وهذا ما يولِّد نوعًا من
الكراهية والأحقاد، ويُنتج بيئة غير صحية لا يمكن أن تزدهر فيها أي حركة فكرية
حقيقية. فيتم انتهاج منهجية التسقيط الفكرية لصنع الفارق، كما يظن الكثير، عبر
التقليل من الآخر بدل تطوير الذات. ولكن هناك حقيقة تكمن في أصل الموضوع، وهي
المعيار الحقيقي، ألا وهو جودة النص الأدبي والفكري، لا عدد التصفيقات ولا دوائر
العلاقات. وهذا ما لم يستطع أصحاب الأقلام، لغاية يومنا هذا، الوصول إليه بالشكل
الذي يليق بتاريخ المدينة، وهو ما يؤهل كلًّا من المثقف أو الأديب أو الصحفي أو
الفنان أن يكون عاملًا في بناء قاعدة فكرية للمدينة بشكل عام، قائمة على التراكم
لا على الاستعراض.
الخلاصة... لستُ هنا
لتقييم هذا وذاك، ولكن قد أكون المرآة العاكسة للواقع بجميع تفاصيله، لأن تجاهل
الخلل لا يعني زواله بل تعميقه. ولهذا يجب أن يكون هناك دور لتصحيح ما يمكن تصحيحه
من الصورة الثقافية لمدينة الموصل، عبر مراجعة جادة لا تجميلية، تبدأ من الداخل لا
من الشعارات. وليكن في علم الجميع أنني لا أنضوي تحت أي مسمى من تلك المجاميع، ليس
من باب الكِبر والغرور، لا سمح الله، ولكن من إيماني المطلق بأن تلك التجمعات،
بصيغتها الحالية، لا تصنع منك شاعرًا أو صحفيًا أو فنانًا، بل قد تُقيدك أكثر مما
تُحررك. إن الرهان الوحيد لتكون كل ذلك هو نتاجك الفكري، القادر على الصمود خارج
أي مظلة. فلا قيمة للقلم بلا فكر واعٍ، ولا قيمة لأي تجمع مهما كبر، إن لم يُراجع
ذاته قبل أن يُنظّر على الآخرين، إلا أن يضع مدينة الموصل وصورتها الثقافية أولًا.
ولهذا، دعوة لكل تلك المجاميع: اتقوا الله بأنفسكم وبالآخرين، فالتاريخ لا يرحم،
والذاكرة الثقافية لا تنسى.





