قضايا عشائرية
تحت عنوان
الدية والدخول في باب التحريم
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدية
في البداية، وفي هذه السطور، لا يوجد أي تحريم لما أحلّه
الله عز وجل، والعياذ بالله، ولكننا اليوم سنوضح ما قد يدفع الحلال إلى بوابة
الحرام، ولهذا يكون من واجبنا التنبيه إلى ما قد يغفل عنه الآخرون، ونحتسب ذلك عند
الله من الأعمال العظيمة.
الدية... وهي تشريع سماوي لا يمكن لأحد التشكيك أو
الجدال فيه، إذ جاء في محكم كتابه الكريم:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا
خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ سورة النساء: 92.
وهنا يعطي النص دلالة واضحة على نوع العقوبة المشروطة،
أو ما يمكن اعتباره كفارة لذنب ارتكبه فرد معيّن، وهو القتل الخطأ، أما أن يتحول
القتل إلى عادة مضمونة العواقب، فهنا تكمن المفسدة العظيمة، وهي الاعتداء على
النفس التي حرّم الله قتلها.
النصوص الإلهية... نرى اليوم الكثير من المتدينين الجدد
يتعاملون مع القرآن الكريم وكأنه مادة قابلة للتحديث من خلال التأويل، كلٌّ بحسب
هواه، لكن ما يجهله هؤلاء أن النص الإلهي ثابت بثبات الذات الإلهية، ولا يمكن
التعامل معه على أنه قابل للزيادة أو النقصان.
جمع الدية... قد يظهر على أنه نوع من التضامن الاجتماعي،
لكنه في بعض الأحيان يحمل في داخله مفسدة خطيرة، وهذا يأتي من باب المقولة
الشهيرة: «من أمن العقاب أساء الأدب». فعندما يتم تأمين الدية لكل من هبّ ودبّ،
فإن ذلك قد يفتح باب التساهل في مسألة القتل، ويغذي فكرة الاستهتار بأرواح البشر،
ولهذا فإن هذا التشريع العرفي، المتمثل بجمع الدية، يدخل في باب الشبهات، وقد يقود
إلى البدع، وكل بدعة تقود إلى الضلال، كما أشار رسولنا الكريم محمد ﷺ.
ولهذا، يجب أن تكون هناك قاعدة راسخة في قضية الإيمان،
وهي عدم جعل الإنسان أداة للخروج عن الإرادة الإلهية، لأن ذلك يُعد انحرافًا
خطيرًا عن جوهر الدين.
الأفعال القويمة للعشيرة... لست ضد التجمعات القبلية،
لكنني في الوقت نفسه لست مع ما يذهب إليه بعض قادة هذه التجمعات من إخضاعها لمبادئ
قد تُخرج الجموع من دائرة الدين القويم. ولهذا، يكون من واجبنا، نحن أصحاب
الأقلام، التحذير والتنبيه، ودفع الجميع نحو القراءة الواعية لما ينفعهم، وكيف لا،
وقد كانت أول كلمة نزلت من السماء على رسولنا الكريم ﷺ هي: ﴿اقْرَأْ﴾، في دلالة
عظيمة على أهمية القراءة والعلم في تعاليم ديننا الحنيف
هيبة الدم بين الشرع والعرف... المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود الدية بحد ذاتها،
وإنما في الطريقة التي تحولت بها عند البعض إلى ما يشبه “صك الغفران”، وكأن المال
بات قادرًا على إعادة الروح إلى الجسد أو مسح آثار الجريمة من ذاكرة المجتمع. وهنا
تكمن الكارثة الأخلاقية، لأن الشريعة عندما شرعت الدية لم تجعلها وسيلة لتسهيل
القتل أو تخفيف بشاعته، بل جعلتها بابًا لتقليل الفتنة وحماية المجتمع من الانهيار
والثأر والانتقام.
لكن الذي يحدث اليوم أن البعض بات يدخل معارك السلاح
والمشاجرات وهو مطمئن بأن “الفصل موجود” و”الدية تُجمع”، وكأن أرواح الناس تحولت
إلى أرقام قابلة للتسعير، وهذه أخطر مرحلة قد يصل إليها أي مجتمع عندما يفقد
الإنسان هيبة الدم.
الخلل في المفاهيم... هناك فرق كبير بين مجتمع يُجبر على معالجة الخطأ حفاظًا
على السلم الأهلي، وبين مجتمع يتكيف مع الجريمة حتى تصبح جزءًا من عاداته اليومية.
فحين يصبح القاتل محاطًا بالحماية الاجتماعية بدلًا من الشعور بثقل الذنب، نكون
هنا أمام خلل خطير في البنية الأخلاقية، لأن الدين لم يأتِ ليحمي الجاني بقدر ما
جاء ليصون حياة الأبرياء.
ولهذا، فإن إعادة قراءة مفهوم الدية اليوم أصبحت ضرورة،
ليس من باب رفض الشرع، بل من باب حماية مقاصد الشرع نفسها، لأن كل حكم إلهي إذا
أُخرج من سياقه الأخلاقي تحوّل بمرور الزمن إلى أداة تُنتج نتائج عكسية قد تضر
بالمجتمع أكثر مما تنفعه.
الخلاصة ... حين تتحول الدية من وسيلة شرعية لاحتواء الفتنة إلى
مشروع اجتماعي مفتوح لجمع الأموال، فهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر، لأننا لم نعد
أمام معالجة لخطأ، بل أمام صناعة بيئة تمنح القاتل شعورًا ضمنيًا بالأمان. وما
أخشاه اليوم أن بعض المجتمعات لم تعد ترتعب من مشهد القتل بقدر ما تسأل مباشرة:
“كم تبلغ الدية؟”. وهنا تسقط هيبة الدم، وتسقط معها قيمة الإنسان.
إن جمع الدية بهذه الصورة العشوائية لا يمكن النظر إليه
على أنه رحمة مطلقة، بل قد يكون بابًا واسعًا من أبواب الإفساد في الأرض، لأنه
يساهم بطريقة غير مباشرة في كسر حاجز الخوف من الجريمة، ويحوّل أرواح البشر إلى
ملفات تُغلق بالأموال والمجاملات والعواطف القبلية.
فالقاتل الذي يعلم مسبقًا أن خلفه عشيرة ستجمع عنه
المال، لن يشعر بوطأة الذنب كما أرادها الله، بل قد يدخل دائرة الاستهتار وهو
مطمئن بأن هناك من سيدفع الثمن عنه. وهذه ليست عدالة، بل كارثة أخلاقية تُنتج
مجتمعًا يفقد بالتدريج قدسية الحياة.
ولهذا أقولها بوضوح:
إن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات ليس القتل وحده، بل
اعتياد القتل، والأخطر من ذلك كله أن يتحول الدم إلى رقم قابل للجمع والتسوية،
وعندها نكون قد دخلنا فعلًا في باب المفسدة في الأرض، حتى وإن ظن البعض أنهم
يحسنون صنعًا.
(اللهم إني بلّغتُ، فاشهد)





