أسطورة جدي البطل
تحت عنوان
صور من المجتمع
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية، وليشهد الله، لستُ بطعّانٍ ولا لعّانٍ،
لأن ما سوف يرد هنا قد يُحمل على محمل الطعن بالأنساب، وهذا ليس من أسلوبي. ولكن
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التباهي بقرونٍ من طين، من خلال جملة: (كان أبي
وكان جدي) واستحضرني هنا بيتٌ من الشعر:
كُنِ
ابنَ مَن شِئتَ واكتسِب أَدَباً ** يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ
إِنَّ
الفَتى مَن يَقولُ ها أَنا ذا ** لَيسَ الفَتى مَـن يَقولُ كانَ أَبي
لنفهم منه مغزىً عظيمًا، وهو أن التباهي يكون
بما تصنعه جوارحك أنت، بيدك ولسانك، ولهذا علينا اليوم تفنيد أكذوبة (كان جدي بطلًا) . والسؤال الأهم في الموضوع هو:
**ماذا صنعت أنت؟** وما مدى الاستفادة من وجودك على هذه الأرض؟ وفي الغالب تنطلق
هذه الظاهرة من المنطلق العشائري.
معضلتنا مع التاريخ... ولمن لا يعرف، لا وجود
لحقيقةٍ مطلقة على صفحات التاريخ، ونحن العرب والمسلمون كان التاريخ المطرقة التي
هشّمت عظام البنية العربية على مر الأزمنة، من خلال رواياتٍ أسطورية تعزز آليات
تخدير العقل في التعامل مع ما هو حاضر وقادم، حتى وصل الأمر عند الكثيرين اليوم
إلى أنهم يجدون في التاريخ المعيار الوحيد للتعامل مع الآخرين، وهذه كارثة لا
يعلمها كثيرون. فمنها تنطلق العنصرية والطبقية، حتى تلك الأكاذيب التي نطلقها،
مثل: (شعب أصيل) و (هذه أرضنا) .
وللتنويه، يجب أن ندرك أن الاجتياح المغولي أسقط
أسطورة (الدماء النقية) و**(هذه أرضنا)**. ولمن لا يعلم، فإن الأرض وما عليها لله
عز وجل، والانطلاق من تلك المفاهيم المغلوطة سوف يضعك في إشكالية أمام الله. حتى
إن رسولنا الكريم أشار إلى هذا بقوله: (دعوها فإنها عفنه) . وقد يقول أحدهم إنه
حديث ضعيف السند، وردّي على هذا بمنهجية أؤمن بها، وهي أن كل حديث يرد عن رسول
الله محمد (ص)، إذا كان يصب في معيار يقبله العقل ويطمئن له القلب، فهو أولى
بالأخذ. وقد لا ترضي هذه النظرية كثيرًا من رجال الدين، ولكن ما لا يعلمونه أن
الرب ربي، والرسول رسولي، وأنا حر في الكيفية التي أراهما بها.
استغلال الأجداد ... المصيبة هنا أننا، نحن
الشعوب العربية، أكثر الشعوب التي تتغنى بالماضي، وأنا لا أنكر أن لدينا تاريخًا
مشرّفًا بكل عيوبه، ولكن يجب علينا العمل لنكون لائقين بهذا التاريخ والإرث
الحضاري.
فتسمع اليوم أحدهم يقول: (أنا جدي الزير سالم) ،
أو آخر ليعطي صورةً للمقابل بأنه شجاع أو شيء من هذا القبيل، ولكن إذا ما عدنا إلى
طباع القائل، لا تجد أن الشجاعة تمت له بصلة تُذكر، أو أي صفةٍ محمودة، وهذا ما
يخلق اضطرابًا معياريًا بين القول والفعل.
وإذا ما عدنا إلى المجتمع الموصلي بشكل خاص، سوف
تجد أن كثيرًا من ألقاب التباهي مشكوكٌ بها؛ فمنها ما كان أصلها نابعًا من تبعيةٍ
مقيتة تعود إلى زمن المستعمرين ودرجة العمالة في ذلك الوقت، وأخرى تجد أنها تعود
إلى أسطورة لا حقائق لها، تناقلتها الأجيال. والغريب أن تلك العوائل ترى نفسها
الأعلى أو الأسمى من سواها في هذه المدينة، مما خلق نوعًا من ممارسات التعالي على
الغير.
والأسوأ من كل ما ذكرت هنا هي تلك الشرائح
القروية التي تمثل اليوم غزوًا حضاريًا يهدد الهيكل العام للمدينة، وهذه أيضًا
تعتمد على الأساطير القبلية التي يستبسل بها أشباه مسيلمة الكذاب، أجلكم الله،
فترى الكثير منهم يحدث الناس بما ليس له علاقة بعمله، وكلها تحت عنوان (شماعة
الأجداد) ، وهي أكذوبة الأساطير.
بطولات
بالإرث لا بالفعل ... من أغرب ما ابتُلي به مجتمعنا أن كثيرًا من الناس يعيشون على
رصيدٍ لم يودعوه هم في بنك الحياة، بل ورثوه من أسماءٍ سبقتهم بقرون. فتراه يدخل
أي مجلس وكأنه يحمل شهادة شجاعة موقعة من جده، أو صكًا بالأفضلية صادرًا عن نسبه،
وكأن التاريخ وكالة شرعية تورَّث مع الميراث. ولو سألته عن أثره في الناس، أو عن
موقفٍ واحدٍ وقف فيه مع مظلوم، أو عن علمٍ نفع به غيره، أو عن عملٍ ترك بصمة في
وطنه، لصمت صمت القبور. إن البطولة لا تُورَّث، والشرف لا ينتقل بالجينات، والمجد
لا يسكن في شجرة النسب، بل يولد كل صباح مع الإنسان حين يقرر أن يكون نافعًا لمن
حوله. أما من يجعل الأجداد مهنة، والتاريخ وظيفة، فإنه لم يزد على أن يكون ظلًا
لرجلٍ مات، بينما هو لم يبدأ حياته بعد.
حروب من أجل البقاء... يجهل اليوم الكثيرون
إيجاد تبويبٍ لكل الحروب في هذا العالم، فمنهم من يقول إنها حرب دينية، وآخرون
يرددون أنها طبقية أو فئوية، ولكنها، وللأسف، صراعٌ من أجل البقاء بصبغة الماضي
الذي وجدوا فيه المسار الآمن لكسب الرأي العام تحت مسميات (العرق والدين) .
وبخصوص الأولى، فهناك مقولة مفادها: (البعرة تدل
على البعير) ، إشارةً إلى أن عملك يدل على أصلك. أما الثاني، فكثيرون يعرفون الدين
على أنه ممارسات أو عبادات، ولكن حقيقته أنه خُلُق لا أكثر، فمنذ بدأ الخلق وهو
عبارة عن دساتير تضبط الأسلوب العام للبشر، لا ميزة تبعث فينا روح التعالي
والطبقية.
ربما تكون هناك غانية خيرٌ من رجالكم... وفي هذا
أستشهد بحكاية تُروى من التراث الموصلي عن امرأة تمارس البغاء تُسمى (حسنة ملص) ،
ومفادها أنه في أحد الأيام كانت في سيارتها، فرأت رجلًا وبقربه أربع فتيات صغيرات،
وامرأة، وأغراضًا مرمية على قارعة الطريق، وبقربهم رجل يصرخ بوجوههم. وهنا استفزها
المنظر، فأمرت سائقها بالتوقف للاستفسار عن حقيقة هذا المشهد.
فكانت الرواية أن صاحب الدار قد طردهم بسبب عدم
تمكن هذا الرجل من تسديد الإيجار نتيجة مرضه، فما كان منها إلا أن قالت للرجلين:
**لي موعد معكما غدًا في دائرة تسجيل العقارات**، دون توضيح السبب. وعند الموعد
قالت لصاحب الدار: **كم ثمن دارك هذا؟** وبعد أن أخبرها، قالت له: هذا ثمن الدار،
وسجله باسم صاحب هذه العائلة الفقيرة.**
ولمن لا يعلم، لم أستشهد بهذه الحكاية من باب
تجميل القبح، لا سمح الله، ولكن هنا يولد سؤال مهم جدًا: كم رجل من أصحاب التواريخ
العظيمة قادر على فعل ما أقدمت عليه صاحبة هذا العمل، وهي، كما يشاع عنها، (مموس) ؟
وهذا يؤكد أن عملك وصورتك وما أنت عليه لا يخضع
للمعايير التاريخية، وأن الأعمال العظيمة ليست شرطًا أن تقترن بأصلٍ أو دين.
الخلاصة
... لا يهمني من كان جدك، ولا كم فارسًا خرج من بيتك، ولا كم صفحةً كتبها التاريخ
عن عشيرتك. ما يهمني فقط هو: عندما تصبح أنت غدًا جزءًا من التاريخ، ماذا سيكتب
عنك؟ هل سيقال إنك كنت رجلًا صنع أثرًا، أم مجرد شخص عاش عمره يردد أسماء الموتى
لأنه لم يجد في حياته اسمًا يستحق أن يُذكر؟
اعلموا
أن الأجداد لا يحتاجون إلى أحفاد يتاجرون بأسمائهم، بل يحتاجون إلى رجال يحفظون
مكانتهم بالأفعال لا بالخطب. ومن يعيش عمره متكئًا على قبر جده، فهو يعترف، من حيث
لا يدري، بأنه لم ينجح في بناء قبرٍ يليق باسمه حين يرحل.
اصنعوا
لأنفسكم تاريخًا، فالتاريخ لا يرحم الكسالى، ولا يسجل أسماء الذين عاشوا على أمجاد
غيرهم. وعندما يقف الإنسان بين يدي الله، لن يسأله: **من كان جدك؟** بل سيسأله: (ماذا
قدمت أنت؟) وهناك... لن تنفعك شجرة نسب، ولن يشفع لك لقب، ولن يتكلم عنك تاريخٌ لم
تكن أنت أحد صُنّاعه.




