الصغير
والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز)
تحت
عنوان
شخصيات
هزيلة حسب المعايير المعاصرة
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
الحياة
اليوم مليئة بالشخوص ما بين مصطلحي الخير والشر، وكلاهما يخضع للقضايا النسبية،
ولا يخضع لمبدأ العمر. وهذا بالضبط ما يُفرض في الكثير من الأحيان، ولي في هذا
نظرية مختلفة سوف أتحدث عنها في هذه السطور. وقد كتبت في الآونة الأخيرة بعض
الأقلام بمفهوم أن هناك من يقوم بالتقليل من شأن الآخرين بحجة النقد، ولهذا اقتضى
التوضيح لأهم النقاط في هذا الموضوع.
وهم
الأسماء والألقاب...
يعتقد الكثير اليوم أن هناك أسماء لا يمكن أن تخضع
لمسألة النقد، وفي هذا خطأ كبير؛ فلا وجود لمعصوم على الأرض اليوم. وقضية الأسماء
باتت تأخذ شكلًا من الأشكال المقيتة التي يعاني منها مجتمعنا، بحجة ما قُدِّم في
السابق. ولكن ما لا يعلمه الكثير أن لكل شيء عمره الافتراضي، حتى في مضمار
الكتابة؛ فكل من على الأرض له ميتة واحدة، أما أصحاب الإبداع فلهم ميتتان: الأولى
بانقطاع الإبداع، والثانية بالتقليدية. وهذا ما لا يعترف به أصحاب الشخصية
النرجسية، الذين أصبحوا في فترة معينة يشكلون عبئًا على من سواهم في الحياة، وكأنهم
يريدون أن يأخذوا زمنهم وزمن غيرهم، بحيث ينصبون أنفسهم أوصياء لمجرد التزامهم
بقضية العمر.
قضية
النقد... وكثيرًا
ما تُؤخذ القضايا النقدية بشكل شخصي، على أنها استصغار للكبير وتكبير للصغير، وهذا
لا ينطبق نهائيًا على قضية كتابة النص الإبداعي والبحثي؛ فهناك ما يُعرف بالنسبية
في تقييم النص. فالكثير من الأسماء الرنانة أصبحت اليوم تعتاش على أنقاض ما قدمت،
وتطلب من الجميع أن يحيطها بالاهتمام والتقدير، وأعتبر هذا نوعًا من أنواع النفاق
الثقافي. وقد وصل الحال عند البعض إلى الإشادة بكتابة التفاهات، حتى ولو كانت كلمة
(صباح الخير). وهذا ما ولّد طبقة من المهوسين بأنفسهم، بحيث أصبحوا كتلك الأصنام
التي كانت تُعبد أيام الجاهلية، يُسجد لها أصحاب العقول الخاوية وهم على علم أنها
لا تضر ولا تنفع. وما لا يعلمه المتملقون أنهم يساهمون في صنع طبقة تعاني من أمراض
نفسية في حقيقتها؛ ولهذا ترى أن تلك الأصنام لا تتحمل إذا ما وُجِّه لها نقد معين،
بحيث تُبوِّب تلك النصوص على أنها استهداف شخصي.
وهنا النقد
ليس ترفًا فكريًا، ولا حالة عدائية كما يروّج له البعض، بل هو فعل أخلاقي قبل أن
يكون ممارسة معرفية؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها، ويمنع تزييف الوعي، ويقف بوجه
محاولات فرض الرداءة كأمر واقع. ومن يرفض النقد، إنما يرفض التطور، ويتمسك بصورة
مشوهة عن ذاته لا علاقة لها بالحقيقة.
الكبير
والصغير... وهنا
أستشهد بقول رسولنا الكريم: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)، صدق رسول
الله.
ولكن
السؤال الأهم: من هو الكبير ومن هو الصغير؟
ولتفريق
بينهما، يجب أن نعود إلى معطيات الحياة؛ فالكبير تميزه طباعه، والصغير كذلك.
فالكبير هو الذي يعطيك الانطباع بمقدار الخبرات التراكمية، ولا يخضع لمبدأ العمر،
بحيث يكون له وقع عند الجميع، ويكون محبًا للقاعدة الشعبية التي ينتمي لها دون
تمييز، ويكون وعاءً كبيرًا يسع كل ما قد يواجهه، لا أن يرسم القواعد لمن حوله
بطريقة يفرضها عليهم. وما لا يعلمه الكثير أن الإنسان مثل القاعدة الحياتية التي
ينتمي لها، فهو يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر، ولا أحد يكون خارج هذه الحدود.
وهذا ينطبق على من يدّعون أنهم أصحاب الأقلام والفكر.
أما عن
الصغير، فهناك من يكبرون في الأجسام والمكانة، ولكن عقولهم تبقى تراوح في مكانها،
وهم لا يعترفون بهذا بشكل نهائي، ويتعاملون على المبادئ الفطرية لصغار السن؛
فتراهم يغضبون إذا ما نُقدوا، ويفرحون إذا ما ذُكروا، ويصبح كل همهم أن يكونوا في
دائرة الضوء، بغض النظر عما يقدمونه للمجتمع.
إشكالية
التراكم الوهمي...
من أخطر ما يواجه المشهد الثقافي اليوم هو ما يمكن
أن نسميه بـ"التراكم الوهمي"، حيث يعتقد البعض أن كثرة ما كتب تعني جودة
ما كتب، وأن الامتداد الزمني كفيل بمنح الشرعية الفكرية. وهذا وهمٌ كبير؛ فالتراكم
الحقيقي لا يُقاس بعدد النصوص، بل بقدرتها على البقاء، على التأثير، على خلق جدل
معرفي حقيقي. أما التراكم القائم على إعادة إنتاج الذات، فهو لا يعدو كونه
استهلاكًا مكررًا لفكرة انتهت صلاحيتها.
سلطة
المتلقي المزيف...
ولا يقف الخلل عند حدود الكاتب، بل يمتد إلى
المتلقي الذي أسهم بشكل أو بآخر في تضخيم هذه الظاهرة؛ فهناك جمهور لا يقرأ بقدر
ما يصفق، ولا يُحلل بقدر ما يُجامل، مما خلق بيئة خصبة لانتشار الرداءة تحت غطاء
الشهرة. وهنا تتحول العلاقة بين الكاتب والمتلقي من علاقة إنتاج معرفي إلى علاقة
تبادل مصالح قائمة على الإطراء الزائف، وهذا بحد ذاته يشكل انهيارًا صامتًا في
بنية الوعي الثقافي.
إعادة
تعريف القيمة...
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود أسماء كبيرة أو
صغيرة، بل في المعايير التي نقيس بها هذه القيم؛ فحين يُقاس الكاتب بتاريخِه فقط،
يُقتل حاضره، وحين يُقاس بنصه فقط، يُنصف إبداعه. لذلك لا بد من إعادة تعريف
القيمة بعيدًا عن الهالة الاجتماعية أو التاريخية، والاقتراب أكثر من جوهر النص
بوصفه المنتج الحقيقي الذي يجب أن يخضع للمساءلة.
أزمة
الاعتراف... هناك
أزمة خفية تتغلغل في عمق المشهد، وهي "أزمة الاعتراف"، حيث يسعى البعض
إلى انتزاع الاعتراف من الآخرين بالقوة المعنوية، لا بالمنجز الحقيقي. فتراه يطالب
بالتقدير لا لأنه يستحقه، بل لأنه يعتقد أن له "تاريخًا" يشفع له،
متناسيًا أن الاعتراف لا يُورّث، ولا يُفرض، بل يُنتزع عبر الاستحقاق المتجدد.
بين
الامتداد والانقطاع...
ليس كل من استمر في الكتابة يُعد مستمرًا في
الإبداع؛ فهناك فرق شاسع بين الامتداد الزمني والانقطاع المعرفي. فقد يكتب الإنسان
لعقود، لكنه في الحقيقة توقف منذ سنوات طويلة، يكرر نفسه بصيغ مختلفة، ويعيش على
صدى قديم لم يعد له وجود فعلي. وهنا تكمن المأساة التي لا يدركها إلا من يملك
شجاعة مواجهة الذات.
الخلاصة... أود
تقديم شكري وامتناني (للدكتور غسان عزيز، أستاذ النقد العربي في رواق كلية التربية
للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل) لتنبيهه إلى أهمية هذا الموضوع الهام.
فهنا
يكون النقد شماعة للكثير في تبرير فشلهم، فيفصحون للآخرين أن هذا انتقاد شخصي
يُراد منه الاستهداف، وأنه بعيد عن النقد. وللإيضاح، إن في ساحة النقد ليس هناك
كبير أو صغير، أو اسم لامع وآخر مغمور، بل هناك نص إبداعي، وآخر عبارة عن إرهاصات
نفسية من شخصيات تعاني من أزمات آخر العمر. وهذا ما يشكل خطرًا في ترسيخ منهجية
غير صحيحة في التعامل مع الإبداع والمبدعين. ويجب الكف عن صناعة الأصنام الأدبية
والثقافية، وحتى العلمية؛ فلا أحد اليوم يُعد خارج قاعدة النقد الإبداعي إن وُجد.
ولهذا كان يجب علينا إيجاد قراءة تساهم في تصحيح المسارات التي تشير إلى قضية
الكبير والصغير في عالم الكتابة بمختلف أنواعها.





