بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 مايو 2026

مقال

 

 الدور الأخلاقي للعرب في المنطقة

تحت عنوان

التاريخ يشهد لنا بهذا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



عزيزي القارئ.. هنا، وقبل الشروع في قراءة هذه السطور، انظر حولك؛ فعندما غاب العرب من المشهد في المنطقة، عادت كل جماعة إلى أصولها، ورجعوا إلى جذورهم، وتحولت الأرض إلى حلبة كلابٍ متصارعة.

 

العرب... يظن الكثير اليوم أنهم عبارة عن قبائل غير نظامية خدمتها فترة زمنية للسيطرة على مشارق الأرض ومغاربها، وهذه الأكذوبة التي يُروَّج لها الآن، ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا تدركه العقول الساذجة اليوم، وللتاريخ كلمة في هذا الأمر؛ فالعرب، على مر العصور، أثبتوا للجميع أنهم عبارة عن قيمٍ أخلاقية قبل كل شيء، وهذا ليس كلامًا عابرًا، إنما هو دليل، وأي دليلٍ خيرٌ من كلام سيد المرسلين محمد (ص): «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وصدق رسولنا الكريم.

ومن هنا تكون الانطلاقة نحو الأفق الذي سوف يرسم مزايا العربية التي لا يعرف قيمتها أكثرهم، والبداية تبدأ من التنظيم الحياتي ما قبل البعثة النبوية الشريفة، وعلى الرغم من قسوة المعيشة لديهم، كانت هناك أصولٌ وتنظيمات؛ ففي مكة كان هناك مجلس الأشراف، الذي يمثل مفهوم الديمقراطية لهذا اليوم، ومن هنا نفهم أن العرب ليسوا برابرة كما يُروَّج عنهم، بل أصحاب تنظيمٍ فطري رسمته الأعراف والتقاليد في ذلك الوقت.

ولمن يسأل عن الفترة الزمنية لدور العرب في المنطقة، فإن البداية تكون من عصر فجر النبوة إلى وفاة الخليفة هارون الرشيد، وسند قولي هذا هو النهضة التي شهدتها المنطقة من الناحيتين التنظيمية والاجتماعية للعرب. أما ما قبل الرسالة الإسلامية، فقد كانت هناك قاعدة بُني عليها الإسلام، مجدٌ لا يستطيع الزمان محوه، وفي فترات عظيمة كان هناك فتحٌ للمدن وإسقاط إمبراطوريات عظيمة، لم يكن معظمها بالسيف، ولو كان كذلك فالسيف بلا أخلاق مجرد قطعة من الحديد لا روح لها؛ ففي ذلك الوقت كان لنا سيف ولهم سيف، ولنا رجال ولهم رجال، ولكن كان لدينا أخلاق، وهم لم تكن لديهم أخلاق، وبهذا فقط تم كسر الموازنة بين القوى المتحاربة.

 

وهنا انتشرت بعض التفاهات بين جموع المثقفين والحاقدين، أن العرب غزاةٌ محتلون، ودليلي في هذا هو تفوق غير العرب في بعض المجالات على العرب في ظل حكمهم، وهو دلالة على أن الموضوع يخرج من مصطلح "محتل" إلى آفاقٍ أكبر مما يُروَّج له.

القيم الأخلاقية

الشرف... وهو المصطلح الذي تفرد به العرب حتى ما قبل الإسلام، ولهذا المصطلح معانٍ كثيرة، وهذا ما لمسته الشعوب التي حكمها العرب، مما أعطاهم المصداقية في قضية الولاء لهم؛ فالقوى التي كانت قبلهم لم تكن تعرف أصلًا هذه الكلمة في التعامل مع المختلفين عنهم في الدين أو العرق، وهذا ما أعطى لسلطتهم على المنطقة بأسرها القبول، وجذب الكثير إلى اعتناق دينهم.

 

العدالة... وفي التاريخ صورٌ رائعة تجسد هذا على الصعيدين الفردي والاجتماعي، من شخص الرسول وما جاء بعده، وهذا ما كان بمثابة قاعدة لإرساء حكمه، وأكسب تعاطف المختلف قبل المتشابه معهم، بسبب أن شعوب المنطقة كانت تعاني من ظلم وغطرسة الإمبراطوريات القديمة.

 

الشجاعة المقيدة... فقد ذُكرت في الإرث التاريخي والإسلامي مقولة عظيمة تدل على قدسية هذا المصطلح، وهي: «إذا ما دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك»، وهذه هي الإضافة التي تحدث عنها رسولنا الكريم (ص)، فالشجاعة عند العرب لا تعني قدرتك على القتال فحسب، بل هي أقرب إلى القيمة الأخلاقية لمصطلح "شرف العداوة"، التي لم يكن يعرف عنها شيئًا من على الأرض في ذلك الوقت، والتي خلقت جوًا من التناغم بين العرب ومن سواهم.

 

الوفاء بالعهد... وإن أردت أن تبحث عن قيمةٍ كادت أن تُمحى من قاموس هذا العصر، فابحث عنها في تاريخ العرب، في زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا، والعهد دينًا، والدين حياة. لم يكن العربي يوقّع على ورقٍ ليُثبت صدقه، بل كان يكفي أن يقول "نعم" لتُبنى عليها مصائر أمم. وهذه ليست مبالغة، بل حقيقةٌ شهدت بها حتى الأمم التي كانت على خلافٍ معهم، فقد عرفوا أن العربي إذا عاهد لا يغدر، وإذا وعد لا يخلف، وإذا ائتُمن لا يخون.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعاهدات تُنقض في الغرف المغلقة، والوعود تُباع في مزادات السياسة، نقف أمام هذا الإرث لنفهم أن القوة لم تكن يومًا في عدد الجيوش ولا في صلابة السلاح، بل في صدق الكلمة. ولهذا استقرت دولهم، لا بالخوف، بل بالثقة، ولا بالإكراه، بل بالاطمئنان.

 

الكرامة الإنسانية... ومن القيم التي غابت عن كثيرٍ من الطارئين على التاريخ، وبقيت محفورةً في وجدان العرب، هي كرامة الإنسان، لا لعرقه، ولا لدينه، ولا للونه، بل لكونه إنسانًا. لم تكن هذه القيمة شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُرى، ولهذا وجدنا في ظل حكمهم من يختلف معهم في العقيدة، لكنه لا يختلف معهم في الشعور بالأمان.

فالإنسان عندهم لم يكن رقمًا في سجل، ولا تابعًا في دولة، بل كيانٌ له حق الحياة والاحترام، ولهذا لم تُمحَ هويات الشعوب التي دخلت تحت حكمهم، بل بقيت وتطورت، لأن العرب لم يأتوا ليمحوا، بل جاؤوا ليضيفوا.

 

التسامح المقيد بالقيم... ولعل من أخطر ما يُساء فهمه اليوم هو مفهوم التسامح، فالعرب لم يكونوا متساهلين بالمعنى الضعيف للكلمة، بل كانوا أصحاب تسامحٍ مقيد بالقيم. لا يفرضون معتقدًا، ولا يُجبرون أحدًا على ما لا يؤمن به، لكنهم في ذات الوقت لا يسمحون بانهيار منظومة الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع.

وهنا تتجلى المعادلة التي عجز عنها كثيرون: قوةٌ لا تظلم، ومرونةٌ لا تذوب، وانفتاحٌ لا يفقد الهوية. ولهذا لم يكن وجودهم طارئًا في التاريخ، بل كان حالةً حضارية متكاملة، استطاعت أن تجمع بين السيف والفكر، بين القوة والرحمة، بين الحكم والعدل.

 

الخاتمة... وهنا، لا بد أن نقولها بلا تردد، وبلا خوف، وبلا مجاملة لأحد: عندما كان العرب حاضرون، كان التاريخ يُكتب، وعندما غابوا، أصبح التاريخ يُباع.

لم يكن غيابهم مجرد فراغٍ سياسي، بل كان انهيارًا أخلاقيًا مدوّيًا، سقطت معه كل الأقنعة، وانكشفت فيه كل الوجوه. تحولت الأرض من ساحة حضارة إلى سوق صراعات، ومن ميدان قيم إلى مستنقع مصالح، ومن مشروع إنساني إلى مشروع افتراس.

وعندما تراجع العرب، لم تتقدم الشعوب كما يُروَّج، بل انحدرت نحو هوياتها الضيقة، نحو الطائفة، نحو العرق، نحو الغريزة الأولى التي لا تعرف من الإنسان إلا اسمه. وهنا فقط، بدأ الانحدار الحقيقي، لا في السياسة، بل في المعنى.

فالعرب لم يكونوا مجرد قوة حاكمة، بل كانوا ميزانًا أخلاقيًا، فإذا اختلّ، اختلّت معه كل المعايير. كانوا الحد الفاصل بين الفوضى والنظام، بين الغريزة والعقل، بين القوة كأداة بناء والقوة كوسيلة تدمير.

واليوم، ونحن نقف على أطلال واقعٍ ممزق، لا بد أن نعترف أن المشكلة لم تكن في حضور العرب، بل في غيابهم. وأن الكارثة لم تبدأ حين حكموا، بل حين تخلّوا، أو أُبعدوا، أو أُفرغوا من مضمونهم الحقيقي.

وهنا تكمن الصدمة التي لا يريد أحد سماعها: العالم لم يكن يخاف من قوة العرب، بل كان يحتاج إلى أخلاقهم.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

مقال

 

الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية

تحت عنوان

إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



أنا هنا لا أخاف أحدًا، ولتكن جريمتي هي الدفاع عن... (العراق).

هنا، وفي هذه الكلمات، لا أعيب على من يدافع عن عقيدة أو مذهب، ولكن هناك مقولة في الإرث الإسلامي مفادها:

(الذي يحتاجه المنزل يُحرَّم على المسجد)، ومن هنا نبدأ مضمون المقال.

وما استفزّني لكتابة هذا الموضوع هو ظهور إحدى اللواتي يُطلقن على أنفسهن إعلاميات عراقيات، وهي تتحدى الولايات المتحدة في قضية مضيق هرمز. وهنا يكون السؤال: لماذا لا تُجنَّد هذه الطاقات لخدمة التصحيح في القضايا التي تخص العراق حصرًا؟ وليكن المواطن هنا محور جميع المواضيع.

فماذا عن المستشفيات الحكومية التي تحولت إلى فنادق تحتوي على جدران وأسِرّة فقط؟ وماذا عن المدارس المتهالكة؟ وماذا عن التربية والتعليم الذي أصبح بيد عفريت بسبب ما يُسمّى بالتعليم الأهلي، سواء على الصعيد الابتدائي وصولًا إلى الجامعي؟ وماذا عن لقمة العيش للمواطن البسيط التي أصبحت من المهام الشاقة التي تُنهك كاهل الجميع بلا استثناء؟

 

"دكَاك الثوم بعكوسه"... وهو مثل شعبي عراقي يُعبّر عن من يهتم بقضية لا تعنيه. فالحرب الدائرة اليوم بين قوى قد سبقتنا بمئات السنوات الضوئية من الناحية الاقتصادية والعسكرية. ولكن السؤال هنا يكمن: لماذا الاهتمام بمواضيع نتيجتها—أيًّا كان المنتصر—ماذا سوف نستفيد منها على الصعيد الفردي والاجتماعي؟ لترى هذا الزخم الإعلامي الذي يُسلّط الضوء على قضية ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل.

 

مهام إعلام بين التقييم والنقد... هناك الكثير منهم يعاني من سوء فهم في استيعاب مهام قضية الإعلام والوظيفة التي يقدمها، والتي ترتقي لمفهوم الخدمة. ولكن الإعلام أصبح يأخذ جانبًا واحدًا فقط، وهو التلميع والمحاذاة، بدل البحث عن مواقع الخلل في العمل الحكومي والاجتماعي لغرض التقويم. ولهذا ترى الكثير من المحسوبين على الإعلام الحكومي أصبحوا مثل الحواسيب التي يعملون عليها، تكتب وتقول ما يُملى عليهم من قبل المسؤول. ولهذا تحوّل الجميع إلى دمى لا تملك الإرادة فيما تفعل. وهنا يكون الحديث عن قضايا بعيدة عن حياتنا اليومية أفعالًا عبثية، القصد منها التملق للنظام الحاكم أو التقرب من شخصية ذات سلطة، وهذا ما يُسقط مصداقية الإعلام وما يقدمه.

 

لماذا يفعل هؤلاء هذا؟... وهو أهم سؤال في أصل الموضوع، والإجابة هنا تكمن في شقّين:

الأول هو عدم امتلاك القدرة على امتلاك وعي تقييمي للحدث، فيهرب الكثير منهم إلى تبني قضايا ظنًّا منه أنها قد تضيف له ما يميّزه عن غيره.. أما الشق الثاني فهو التملق للنظام الحاكم لغرض الحصول على مكتسبات مادية ومهنية.

تصحيح المسار... الإعلام، وهو بمثابة عين المجتمع، يرصد فيه القضايا الصحيحة فيُثني عليها، والقضايا السيئة لغرض تنبيه المسؤول لتصحيحها. ولكن ما يحصل اليوم لا يمتّ لهذه الحقيقة بصلة. وامتلاك الوعي يفرض على الإعلامي عدم تبنّي رأي لجهة معينة، واستعراض الواقع بما يخدم العامة بالشكل القويم، ليكون بذلك دالّة المواطن والقاعدة الأساسية لتوجيه الرأي العام بشكل يليق بما يكون صورة مشرّفة أمام المتلقي.

 

الخلاصة... تكمن في قضية: إذا ما انتصرت إيران، فليس بالضرورة أن يكون ذلك انتصارًا عراقيًا، حتى لأولئك الذين ينادون بوحدة الساحات. وإذا ما انتصرت أمريكا، فلن يكون العراق في جنات النعيم من الناحية المعيشية. فهذه ليست معركتنا.

ولمن يبحث عن معركة العراق، فسيدرك أن معركتنا الحقيقية تكمن في مشكلة بناء الوعي الاجتماعي والأخلاقي، ومنه نستطيع بناء دولة تخرج من عباءة الاحتلال، وخلق بيئة صحيحة نستطيع من خلالها بناء دولة رصينة عن طريق الإعلام.

الأحد، 3 مايو 2026

مقال

 

 الطريق إلى كرسي الرئاسة من وجهة النظر الأمريكية

تحت عنوان

ما لا تتوقع أن تقرأه

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يظنّ الكثير ممن يعرفني أن اعتراضي على النظام الحاكم في العراق نابع من إيماني بالفكر الأمريكي أو الصهيوني، لا سمح الله، ولكن يأتي من يقينٍ بأن العالم اليوم بات بلونٍ واحد.

أما الحديث عن حق تقرير المصير وأكذوبة الديمقراطية، فهي شماعة تُعلّق عليها كل القضايا الخارجة عن القانون بحجة القرارات الدولية، وهذا ما يتيح لهم التدخل في شؤون الآخرين.

ولفهم المنظور الأمريكي، يجب العودة إلى تاريخ أمريكا الذي طالما امتاز بالظلامية والدموية. والكثير يعتبر الولايات المتحدة اليوم حضارة، وأنا أختلف مع هذا الرأي جملةً وتفصيلًا، وإذا ما أردنا تصنيفهم بشكلٍ صحيح، فهم يُوضعون في خانة التتار والمغول والشعوب الهمجية؛ فالحضارة لا تُبنى على إبادة الشعوب، وتاريخ أمريكا القديم والجديد حافل بجرائم يُندى لها الجبين، وهذا بسبب أنهم أحفاد أولئك اللصوص والقتلة الذين أرسلتهم بريطانيا على شكل عقوبة نفي منذ اكتشاف الأمريكتين.

ومن هنا نفهم آلية بناء المفاهيم الأمريكية في التعامل مع أسس بناء الدول في العالم، وبعد التجربة السورية والعراقية في الوقت الراهن، تكون بمثابة واقعٍ ملموس على تلك المفاهيم الجديدة للوصول إلى كرسي الرئاسة في أي بقعة من هذا العالم. والقضية تكمن في: (أن لا تتعب نفسك في اكتساب القيم النبيلة لنيل مكانة في المجتمع، ولكن يكفي أن تكون قاتلًا أو لصًا لتكون جديرًا بكرسي الرئاسة في أي مكان على هذه الأرض)، وهذا ما أثبت بالدليل القاطع وجهة النظر الأمريكية في التعامل مع الملفات في المنطقة.

أكذوبة الحرب الدينية وطمع النفس البشرية... فالكثير من المفكرين في العالم العربي يُوعزون ما يجري في العالم اليوم إلى أنه امتداد للحروب الصليبية، وهذا أمر عارٍ عن الصحة؛ وذلك لأن العالم بأسره، المتدينون والملحدون، لم يعد لهم إيمان بالرب أو الشيطان، بل أصبحوا يعبدون إلهًا جديدًا، وهو (النفس البشرية) وما تحمله من سوءٍ متضمَّن في رغباتها. وقد خرج الصراع اليوم من المفاهيم السماوية إلى الأطماع الدنيوية، (فوالله لو وجدت البشرية اليوم طريقًا إلى السماء لعادت الجيوش لمحاربة الذات الإلهية)، وهذه الحقيقة التي يرفض الجميع الاعتراف بها.

ولهذا يجب اليوم أن يكون لكل فرد موقف في الحياة بعيدًا عن المؤثرات السياسية في رسم صورة عالمه الشخصي ومعتقداته؛ فمخالفة القطيع اليوم أصبحت واجبة، ورحلة البحث عن الحقيقة وسط كل هذه الأكاذيب هي جهاد بحد ذاتها، وعدم المضي خلف الشعارات الزائفة. وإذا كان المسلمون والعرب اليوم لا يُوثق بهم وبشعاراتهم، فلا يعني أن المقابل هم ملائكة نزلت من السماء، وهذا ليس من باب التشكيك في كل ما على الأرض، ولكن قد يكون من باب مراجعتك لكل ما تؤمن أو تعتقد بأنه صواب.

فهذا العالم لم يُخلق للحروب والفساد التي باتت هذه المصطلحات ركنًا أساسًا في تكوينه، وهذا ما حذّرت منه الملائكة يوم خُلق (آدم عليه السلام)، وهنا يكمن الموضوع الأساسي، سر غضب الذات الإلهية. فالعالم اليوم في غفلة، المتدينون قبل الملحدين، ولهذا يقع اليوم على عاتق المفكرين، وهم ورثة الأنبياء الحقيقيون، المسؤولية الرئيسة في التحذير مما نحن عليه. فما عادت الرجال تُقاس بشجاعتها وأخلاقها، وما عادت النساء تعتز بعفتها، بل أصبح الأول يُقيَّم بما يملكه من مال، والثانية تُقيَّم بما تملكه من جمال وإثارة للطرف الآخر، وهذا ما أخرج جميع المفاهيم عن مسارها الصحيح.

وكل هذا وأكثر جعل النظام الأمريكي اليوم يفرض علينا وعلى العالم مفهومًا جديدًا في الطريق إلى كرسي الرئاسة، وهو أن تكون جزءًا من العقيدة القديمة الجديدة للولايات المتحدة، حتى أصبح حالنا اليوم كحال القائل: (هذه الدنيا إذا أقبلت باض الحمام على الوتد، وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد)، وقد فعلها الحمار اليوم للأسف.

عندما يحكم العالم المجانين... فمن الطبيعي أن يكون قادتنا اليوم بين قاتلٍ وفاسد، وتحويل عالمنا إلى زمن الفوضى، ولا يقول أحدكم إنها فوضى خلّاقة؛ فالفوضى هي كما تُعرَف، فلا يحاول أحدكم تجميل الوجوه القبيحة. ولن تكون سوريا والعراق الأولين أو الآخرين، ولكنها بداية لفرض مفهوم كيف تكون زعيمًا أو رئيسًا في مجتمعك. وهنا لا يكون المثقفون وأصحاب الأقلام في العالم خارج مسؤولية ما يحدث، فهم المضلِّلون الأوائل بسبب تقاعسهم الفكري وصمتهم عن الممارسات الشاذة التي يقوم بها القادة المجانين في عالم اليوم.

الخلاصة... لا تتعب نفسك اليوم في اكتساب القيم والأخلاق إذا ما حلمت أن تكون رئيسًا لدولة؛ يكفي أن تؤمن بما يؤمن به المجانين والخارجون عن السلطة الإلهية، لتكون قد قدّمت فروض الطاعة والولاء لمن سوف يجعلك اليوم قاتلًا وفاسدًا، وغدًا سوف تكون الرئيس حسب المفاهيم الأمريكية.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

قصيدة (عندما أحببتك… كتبت)

 

قصيدة بعنوان (عندما أحببتك… كتبت)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


نعم… عندما أحببتكِ، لم أكتب…

بل احترقتُ على هيئةِ كلمات…

 

كتبتُ عن الزهرِ الأبيض

لكنني كنتُ أعرف

أن البياضَ كذبةٌ مؤقتة

وأن قلبكِ …

كان أولَ جرحٍ تعلّمتُ منهُ النزيف…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ

عن القمر…

لا لأنهُ جميل

بل لأنهُ وحيدٌ مثلي

معلّقٌ في سماءٍ لا تُنقذه…

 

وعن الشجر…

لأن جذوري حينها

كانت تبحثُ عنكِ

في أرضٍ لا تنبتُ إلا الفقد…

 

وعن الضياء…

لأن العتمةَ التي خلّفتِها

كانت أصدقَ من كلِّ نور…

 

فكلُّ الناسِ عشقتْ كلماتي…

ولم يعرفوا

أنها كانت تُكتبُ بدمٍ بارد

وأن كلَّ سطرٍ فيها

كان مقبرةً صغيرةً لي…

 

كنتُ أتذكّر…

لا الذكريات،

بل الطعنات التي جاءت

بهيئةِ ضحكاتكِ…

 

تلك التي رسمتْ على وجهي

وهمَ الفرح

ثم علّقتني

كصورةٍ مهجورة

على جدارِ قلبٍ

لا يعترفُ بالعودة…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ…

ورسمتُ الحزنَ

قصورًا من رماد

سكنتُها وحدي

أُحادثُ فيها صدى اسمي

كأنني آخرُ الناجين منّي…

 

بحروفٍ ملتهبة

كالنار التي تركتِها

في صدري…

ومضيتِ…

كأنكِ لم تكوني…

 

وتركتِ خلفكِ

قصائدَ لا تُخلّدُ الحب…

بل تُوثّقُ الجريمة…

 

ما كان بيننا

لم يكن هوى…

كان سقوطًا حرًّا

في هاويةِ وهمٍ

اسمهُ أنتِ…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ

كيف كنتِ…

وكيف انتهيتُ أنا…

 

كتبتُ أنني أحبكِ…

لا كاعتراف،

بل كحكمٍ بالإعدام

نطقتُهُ بحقِّ نفسي…

 

وتركتُ للعاشقين

قصائدَ يتغنّون بها

بينما كنتُ أنا

أدفنُ صوتي

في كلِّ بيتٍ منها…

 

عبقكِ…؟

كان فخًّا عطريًا

وقارورةُ العطرِ الخاوية

لم تكن إلا أنا …

بعدكِ …

 

وذكرياتكِ…

لم تكن حادّة…

بل كانت سكاكين

تتعلّمُ الطعنَ بي …

كلَّ يوم …

 

تركتِ خلفكِ مدنًا في قلبي …

لا… بل مقابرَ جماعية

لا يسكنها أحد …

حتى أنا …

 

ولهذا كتبتُ …

لا لأنني أحببتكِ …

بل لأنني

لم أجد طريقةً أخرى

لأثبت أنني …

كنتُ حيًّا

قبل أن تمرّي …

 

عندما أحببتكِ …

كتبتُكِ …

وعندما رحلتِ…

انتهيتُ.

الأحد، 26 أبريل 2026

مقال

 

انا عربي والعروبة بدمي 

تحت عنوان

هذا نحن، فمن أنتم؟

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



العرب أسياد الأرض، من هنا كانت البداية، وسوف تكون النهاية على هذه الأرض؛ فالأنبياء منا، والأوصياء منا، والعظماء عبر التاريخ مرّوا بكنفنا، ولمن لا يرضيه هذا الطرح، لا أنصحه أن يُكمل هذه السطور.

ولمن لا يعلم، إن الحرب اليوم ليست كما يُروَّج في الإعلام أنها بين إيران وأمريكا، وهذه هي الكذبة الكبرى لمن لا يعلم، لكنها حرب لتركيع العرب وشعوبها، وكسر هيبتهم التي خصّهم الله بها، وقد اعتمدت جميع الأطراف المتحاربة على جملة من النصوص، كلها تُحذّر من دور العربي في الأيام القادمة.

وتأتي أهمية العرب ليس فقط من تلك الدماء النقية التي لا تزال تُصارع من أجل بقائها كما هي، ولكن تأتي أيضًا من قدسية جميع الكتب السماوية التي بشّرت بنبي العرب، وهذه الحقيقة التي قد تُزعج الكثيرين اليوم.

ومن هنا تبدأ الحكاية، فمحمد بن عبد الله (ص) عربي، والقرآن عربي، وجميع الرموز الإسلامية كلهم عرب أقحاح لا غبار في هذا، ومن هذا يكون العرب ذلك المارد الخامد الذي سوف يكون له موعد مع التاريخ، وهم متيقنون من هذا، ولهذا يجتمع الكل من أجل إحكام القيود على العرب من خلال حروب مفتعلة.

وذهب البعض إلى نعت العرب بالخيانة والتقصير تجاه القضايا العربية، وأهمها فلسطين، ولو عدنا إلى الوراء في التاريخ، سوف نجد أن هناك الكثير من الغزاة قاموا باحتلال بيت المقدس، ولكن لم يبقَ سوى العرب، ورحل الجميع، ولهذا يكون هناك خطر دائم بوجود العرب.

ولهذا تجد اليوم كلاب الأرض، من مشارقها إلى مغاربها، تهمّ بالانقضاض عليهم؛ لأنهم أدركوا مقولة: (عرب لن يكونوا شيئًا بلا إسلام، ولا إسلام بلا عرب)، وهذه الكلمات قد تختزل مجلدات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع.

وقد بدأت الحكاية في هذه البقعة من الأرض، فهي من كانت وجهة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وولِد فيها خاتم وسيد المرسلين (محمد) ﷺ، ولهذا كانت أرض العرب ذات قدسية سماوية، وكذلك الحال لمن يسكنها، وقد يذهب البعض إلى الرأي الأكثر انتشارًا بأنها حرب ضد الإسلام، وهذا صحيح، ولكننا لو أمعنّا النظر جيدًا، سوف نجد أن العرب اقترنوا بالإسلام منذ فجر وجوده على هذه الأرض، لهذا على الجميع عدم الطعن بالعرب وقيمهم النبيلة التي خُلقت منهم ولهم، ولهذا استحق العرب مكانة لا يمكن لأحد شغلها.

ولا بدّ أن نُدرك أن الصراع لم يكن يومًا صراع أرضٍ فقط، بل صراع هويةٍ ووجود، فالعرب لم يُستهدفوا لأنهم يسكنون هذه البقعة فحسب، بل لأنهم يحملون معنى يتجاوز الجغرافيا، معنى أمةٍ كانت يومًا ميزان العالم، ولا تزال في أعماقها تحتفظ بذلك الميزان وإن اختلّت كفّتاه مؤقتًا.

وإن من يغفل عن حقيقة أن اللغة العربية لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت وعاءً للفكر الإنساني والروحي، فإنه يغفل عن سرّ من أسرار هذا الاستهداف، فحين تُستهدف اللغة، يُستهدف الوعي، وحين يُضرب الوعي، تُصبح الأمة قابلة لإعادة التشكيل وفق ما يريده الآخرون.

وليس غريبًا أن يُحاول البعض سلخ العربي عن تاريخه، أو تشويه صورته أمام نفسه قبل الآخرين، لأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في الميدان، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل فتُقنع الإنسان أنه أقلّ مما هو عليه، وأنه بلا قيمة تُذكر.

كما أن ما يُسمّى بالتفرقة بين العرب، ما هو إلا أحد أخطر الأسلحة التي استُخدمت عبر التاريخ، فحين ينشغل العربي بأخيه، يُتاح للآخر أن يُحكم قبضته دون مقاومة تُذكر، وهذه ليست صدفة، بل هي سياسة مُتقنة تُدار بعناية منذ عقود.

ولو نظرنا بعينٍ أكثر عمقًا، لوجدنا أن كل محاولات إسقاط العرب لم تنجح في اقتلاع جذورهم، لأن هذه الجذور لم تُغرس في الأرض فقط، بل غُرست في الوجدان والتاريخ والعقيدة، ولهذا بقي العربي رغم كل ما مرّ به، قادرًا على النهوض كلما ظنّ الآخرون أنه انتهى.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن العرب ليس حديث ماضٍ يُستعاد، بل حديث مستقبلٍ يُصنع، لأن أمةً هذا عمقها، لا يمكن أن تكون هامشًا في كتاب العالم، بل هي صفحةٌ أساسية فيه، مهما حاول البعض طمسها أو تجاوزها.

 

الخلاصة ... وفي نهاية الحكاية، لا يُقاس العرب بما هم عليه الآن، بل بما يحملونه في أعماقهم من إرثٍ لا ينضب، وقوةٍ لا تُكسر، وهويةٍ لم تُخلق لتكون تابعة، بل لتكون الأصل الذي تُقاس عليه الأمم.

فالعرب لم يكونوا مجرد عابرين في سجلّ التاريخ، بل كانوا صُنّاعه حين غاب غيرهم، وحُماته حين تراجع الآخرون، وأصحاب الرسالة التي لم تنطفئ رغم كل محاولات الإطفاء.

وإن بدا عليهم الصمت يومًا، فهو صمت الواثق لا العاجز، وصمت من يعرف قدر نفسه جيدًا، لا من يبحث عن تعريفٍ لها، لأن العربي لا يُصنع من ظرف، بل من تراكم حضارة، ومن امتداد رسالة، ومن يقينٍ لا يتزعزع.

سيبقى العرب الرقم الأصعب في معادلة العالم، شاء من شاء وأبى من أبى، لأنهم لم يُخلقوا ليكونوا ظلًا، بل ليكونوا شمسًا، وإذا ما قرروا أن يشرقوا… فلن يكون في الأفق متسعٌ لغير نورهم.

هذا نحن… كما كنا، وكما سنكون.

الاثنين، 20 أبريل 2026

مقال

 

 معالم التطور في الإطار الأكاديمي (وحدة الحاضنة التكنولوجية)

تحت عنوان

يوميات كلية الآداب

بقلم البارون الاخير محمود صلاح الدين



ضمن تطور العمل الأكاديمي المعتمد في العالم، وحسب المعايير العلمية للمؤسسات والجامعات، يكون العمل وفق ما يُستحدث من قنوات ووحدات عاملة بشكل يتوافق مع الحركة العلمية بمن يشابهها. واليوم سوف نتحدث عن كلية الآداب / جامعة الموصل، والصور المشرقة التي تساهم بشكل مباشر في بناء صورة متكاملة لهذا الصرح العلمي.

فلكل عمل في هذه الأرض ظلٌّ يكون بمثابة أثر يدركه أصحاب العقول، وهذا ما أقدمت عليه القوة العاملة في كلية الآداب، المتمثلة بإدارتها العلمية. فقد كان هناك استحداث عدد من الوحدات العلمية والإدارية، ومنها (وحدة الحاضنة التكنولوجية)، وهنا اقتضى التعريف بها وبما تقدمه في خدمة المسيرة العلمية الخاصة بالكلية. وهي وحدة تابعة لقسم الحدائق العلمية والتكنولوجية في الجامعة، والذي يُعد بدوره مركزًا علميًا راعيًا لأصول فكرة التطور التي تتبناها الجامعة، والتي تقدم الدعم للأفكار العلمية، وتضع الأسس للمشاريع المبتكرة، كنوع من التبني أو تقديم الاستشارات التي قد تساهم في العمل الإداري وفق قاعدة علمية. وتتضمن أيضًا تقديم الدعم في المجالات الإدارية والتسويقية، وتمويل المشاريع.

وهنا ندرك أن هذه الوحدة بمثابة النقطة الواصلة بين العلم والعمل، وفق ما ينسجم مع المفاهيم البيئية للابتكار والإبداع، لنفهم أن هذا يُعد من أبرز الدلائل على وجود عمل دؤوب نابع من عقلية إدارية علمية، تثبت للعالم أننا نواكب ما وصل إليه من حولنا أو من يشابهنا على حد سواء. وما يميز العمل هو تلك الاختيارات الذكية من قبل العمادة في اختيار شخصية لها باع طويل في العمل الإداري والعلمي، والمتمثلة في شخصية (أ.م. طي حاتم جاسم) كمسؤول للوحدة. وهذا إشارة قوية إلى أن القيادة في هذه المؤسسة تتمتع بالحنكة في اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، والتوظيف الجيد للطاقات العلمية والإدارية، ولهذا يكون هناك عمل يقترب من المثالية في إدارة المشهد العلمي في الكلية، والذي يدل على مدى التطور الحاصل في بلاط كلية الآداب.

وهذه ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، في عرضنا لما يقدمه هذا الصرح. فالمنهجية المتبعة اليوم هي تقديم التقييم المستحق لكل عمل يجمع ما بين العمل الإداري والعلمي، وبهذا يكون هناك نوع من الإنصاف في تقديم صورة حقيقية من مكان الحدث.

أصل الموضوع يكمن في التعريف بقيمة العمل العلمي وارتباطه بالبيئة والواقع الملموس، إذ يجمع ما بين النظريات المكتوبة والعمل على أرض الواقع، لتحويل الفكرة إلى مشروع يقدم المنفعة، من خلال نقل التكنولوجيا لواقع العمل اليومي في المؤسسة أو الكلية. والحق يُقال هنا إننا بحاجة إلى هذا النوع من العمل الحقيقي، والابتعاد عن البهرجة الإعلامية والادعائية، ولهذا كان علينا التعريف بوحدات وشُعب الكلية التي هي بمثابة شاهد على أننا قد نكون مختلفين عن سوانا. فالحقيقة دومًا تحتاج إلى ضوء لتسهيل رؤيتها لفاقدي البصر والبصيرة، ومن هذا كان لا بد من التعريف الموجز لهذه الوحدة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم، وهي (وحدة الحاضنة التكنولوجية والنظام البيئي).

حين هنا نتحدث عن الحاضنة التكنولوجية فإننا لا نتحدث عن مساحة إدارية تُضاف إلى هيكل المؤسسة بقدر ما نتحدث عن عقلٍ منتج يُعاد من خلاله تعريف العلاقة بين الفكرة والتطبيق. فالحاضنة التكنولوجية، وفق المفهوم العلمي، هي بيئة تنظيمية متكاملة تُعنى باحتضان الأفكار الابتكارية وتحويلها من مجرد تصورات نظرية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، عبر سلسلة من العمليات تبدأ بالدعم المعرفي ولا تنتهي عند حدود التمويل أو التسويق.

هي ليست مجرد وحدة، بل منظومة عمل قائمة على أسس علمية، تتبنى المشاريع الناشئة، وتوفر لها الإرشاد الأكاديمي، والتوجيه الإداري، والدعم التقني، ضمن إطار يُعرف عالميًا ببيئة الابتكار (Innovation Ecosystem)، التي تقوم على الربط بين المعرفة النظرية والواقع التطبيقي. ومن هنا فإن دور الحاضنة لا يقتصر على الاحتواء، بل يتعداه إلى صناعة الفكرة، وتقويمها، واختبار قابليتها للحياة، ومن ثم دفعها إلى فضاء الإنتاج الحقيقي.

وفي السياق الأكاديمي، تمثل الحاضنة التكنولوجية نقطة التحول من التعليم التلقيني إلى التعليم المنتج، حيث يصبح الطالب أو الباحث جزءًا من مشروع، لا مجرد متلقٍ لمعلومة. فهي تعمل على بناء جسر حقيقي بين الجامعة وسوق العمل، عبر تحويل المخرجات العلمية إلى أدوات فاعلة في المجتمع، وهو ما يُعرف علميًا بنقل التكنولوجيا (Technology Transfer)، الذي يُعد أحد أهم مؤشرات تطور المؤسسات التعليمية في العالم.

ومن هنا، فإن استحداث (وحدة الحاضنة التكنولوجية) في كلية الآداب لا يُعد خطوة تنظيمية فحسب، بل هو إعلان صريح بأن المؤسسة دخلت مرحلة جديدة من الوعي الأكاديمي، مرحلة تُقاس فيها القيمة بقدرة الفكرة على التحول إلى أثر، وبقدرة المؤسسة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.

فالحاضنة، في جوهرها، هي اختبار حقيقي لصدق العمل الأكاديمي؛ إما أن تتحول الأفكار إلى مشاريع تُلامس الواقع، أو تبقى حبيسة الورق. وبين هذا وذاك تتحدد قيمة المؤسسات، ويُعرف من يعمل… ومن يكتفي بالحديث عن العمل.

الخلاصة ... قد يعتبر الكثير اليوم هذه السطور كنوع من الدعاية الإعلامية لمؤسسة أو لمن يرأسها، ولكن الحقيقة تكمن في أنني جزء من هذا الصرح العلمي العريق. لكن ما يجهله الكثير أن لكل دائرة علمية يجب أن يكون لها إعلام ساند، يكتب فيها ما لا يُكتب في مواقعها الرسمية الملتزمة بالمعايير الحكومية. وأنا أمثل اليوم هذا الدور، ولا يقتصر عملي على فكرة التلميع فقط، لا سمح الله، بل رصد كل جوانب العمل، الجيد منه وغير الجيد. فالكل في هذا الصرح يعرفني، وفكرة الجري خلف منصب أو منفعة شخصية من وراء كتابتي لهذه السطور تكاد أن تكون معدومة، بل إنني أكتب ما أكتب من إيماني الراسخ بدور العاملين في الكلية، من شخص العميد إلى أصغر موظف، فهم حريصون كل الحرص على تقديم صورة مشرقة للعلم ومريديه في هذا الصرح.

مقال

    الدور الأخلاقي للعرب في المنطقة تحت عنوان التاريخ يشهد لنا بهذا بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين عزيزي القارئ.. هنا، وقبل ...