قدسية
الكتب الوزارية في الحياة الجامعية
تحت
عنوان
القصف
المدفعي ما قبل الحرب
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
الكثير
اليوم يتساءلون عن الأسباب التي أوصلت جامعاتنا إلى هذا الحال، والتي تعبر عنها
خروج العديد من الجامعات العراقية من التصنيفات الأكاديمية العالمية المعتمدة، ومن
الطبيعي أن يكون هناك ما قد أوصلنا إلى هذا الحال. وأعتقد هنا، وفي هذه السطور،
أنني لم أخرج عن قاعدة الانضباط الجامعي، وهذا بسبب أنني من المتضررين من هذه
الحالة التي نعاني منها اليوم، ولهذا فإن ما يُكتب اليوم لا يجرؤ أحد حتى أن يُحدث
نفسه به، لخطورة الموضوع كما يظن البعض.
الكتب
الوزارية المقدسة... والبداية من لقب (رئيس الجامعة)، وهنا قد يتساءل أحدهم: ما
أهمية هذا في الحياة الجامعية؟ ولماذا يكون رئيسًا وليس مديرًا؟ وهنا تكون الإجابة
النموذجية حسب الرؤية المتبعة في العالم، وهذا بسبب أن من يشغل هذا المنصب هو من
يرسم آليات العمل الجامعي وفق المعطيات الموجودة على أرض الواقع، لكن تحوّل جميع
من يتزعمون المشهد الجامعي إلى مجرد شخوص تمثل السلطة التنفيذية، كما يكون الشرطي
في مركز عام، مع احترامي وتقديري لهذه المهنة، حتى تحوّل كل عملهم إلى مجرد كتابة
تهميش مفاده: (إجراء اللازم)، بغض النظر عما ورد في الكتاب الوزاري وآليات الفائدة
من القرار، وهذا ما يجعل جميع تلك المؤسسات تحت رحمة قرارات لا تُعرف الجهة التي
تقوم بتشريعها، ولا المعايير التي اتُّخذت على أساسها.
كيف
تُتخذ القرارات في وزارة التعليم العالي؟ ... لكل
وزارة في هذا العالم تكون لها، في العادة، آليات وخطط حسب الفترات الزمنية، إلا في
بلدنا هذا، فكل وزير يرى في نفسه الشخص المثالي الذي لا نظير له في الكون، بسبب
أنه تولّى المنصب، متناسيًا أن وجوده في هذا الموقع بعيد عن مبدأ الكفاءة أو
التميز بسبب المحاصصة المقيتة، ولهذا فعند توليه المنصب يقوم بنسف كل القرارات
القديمة المعتمدة، والمضي في قرارات جديدة تخضع لما يعتقد أنه صحيح وفق ما يُقدَّم
له من أفكار من صغار الموظفين في الوزارة. وهنا يقتضي التنويه إلى أن هناك بعض
القرارات تُتخذ وفق رؤية المبعوثين إلى الخارج، القادمين من بيئة أكاديمية تسبقنا
بسنوات ضوئية، فيقوم الوزير باعتماد هذه الآليات التي تفتقر إلى صلتها بالواقع
الملموس، وهذا ما يخلق نوعًا من الارتباك، مما يؤدي إلى الترهل في النسيج
الأكاديمي على مستوى الجامعة والكلية. فالواقع أن تلك المعايير المستوردة تكون
نتيجة أنهم قد مرّوا بمراحل لم نمر بها، وإذا ما تم تنفيذ قرارات معتمدة على هذه
الفكرة، يكون هناك خلل أكاديمي يجب رصده من رئاسة الجامعات، لكن الحقيقة أنهم
باتوا مقيدين بالتزامات أمام الوزارة لا يمكن الخروج عنها بسبب فكرة الحفاظ على
المنصب، وأكاد أجزم أن ليس باستطاعة أحدهم كتابة كلمة (مداولة) على كتاب وزاري
والمضي في مناقشة القرار مع الوزير أو سواه، بسبب ما ذكرته مسبقًا.
قدسية
الأستاذ الجامعي...
قبل سنوات مضت زرت جامعة القاهرة، وهنا أستشهد
بجامعة عربية كقياس مقارب لنا، وكانت رؤيتي فيما رأيت مختلفة في التعامل مع
الأستاذ الجامعي، وهذا بسبب إيمان القائمين على تلك الصروح بأن التدريسي في
الجامعة يُعد الطبقة العليا في المجتمع، وأن قدسيته تأتي من العلم الذي يحمله، لكن
اليوم نجد أن الكثير من جامعاتنا تتعامل مع الكادر التدريسي على أنه موظف دولة، لا
عالم يحمل مشعل النور في المجتمع، من خلال زجه في أعمال إدارية تسيء بشكل مباشر
للدور الذي وُجد من أجله. وهناك قاعدة ذكرتها منذ زمن: إذا ما أردت قتل عالم، فزجّ
به في الأعمال الإدارية، من خلال عملية رفع المعلومات بشكل مباشر إلى الوزارة.
وهنا السؤال: ما الذي يريده هؤلاء من خلال هذه الأعمال؟ فالأستاذ الجامعي اليوم
مطلوب منه عدد من المهام التي لا تُعد بالشيء الهيّن، منها التدريس، وعملية إكمال
النصاب، وقضية المشاركات البحثية، ويُضاف لها الأعمال الإدارية، وإذا ما سألت أحد
رؤساء جامعاتنا اليوم، يجيب بكلمة واحدة: (تعليمات الوزارة)، متناسيًا أنه كان
أستاذًا في يوم ما، وكأنه يعمل بالمثل الشعبي الذي يقول: (يا عَمّة ما كنتِ كنّة؟
قالت: كنتُ ونسيتُ)، ومن هذا نفهم الآليات الجامعية في التعاطي مع الكتب الوزارية
المقدسة.
الخروج
عن المألوف... لمن
لا يعلم، أن هناك أجندة تسعى إلى إنهاك العملية الأكاديمية لصالح جهات معينة، أكبر
حتى من صلاحيات رؤساء الجامعات الحكومية، حتى وصل الحال إلى أن الكثير من أساتذتنا
يفكرون في مسألة التقاعد المبكر، وهنا تكمن الكارثة، فإن إفراغ هذه المؤسسات من
الكوادر التدريسية يساهم بشكل أو بآخر في تراجع تلك الجامعات إذا ما أرادت
المنافسة مع أقرانها. وكان يجب على تلك الصروح الأكاديمية الانتباه إلى تلك
الظواهر، وعدم انتظار شخص مثلي يقوم بإيضاح مواضع الخلل في عملهم، وكان الأحرى
بالجميع عدم ترك مساحة للأقلام بالكتابة عن هذا الموضوع، حتى ولو كان وفق منطق
عقلاني وعلمي كما فعلت اليوم. فمن الطبيعي أن الفرد، في أي مؤسسة عاملة، عندما لا
يشعر أنه جزء أساسي فيها، يكون هناك نوع من الخروج عن المألوف، والتعبير عن حالة
الرفض التي بداخله، بالتفكير بالتقاعد المبكر، من خلال رؤية الكثير لأنفسهم غرباء
في المكان الذي ساهم في بناء شخصياتهم العلمية.
المصيبة
الحقيقية لا تكمن في كثرة الكتب الوزارية ولا في حجم التعليمات التي تغرق الجامعات
يوميًا، بل في تحول المؤسسة الأكاديمية إلى ساحة خوف وصمت جماعي، حتى بات الكثير
يعيش داخل الجامعة بعقل الموظف لا بعقل العالم، وكأن الغاية من وجوده تنفيذ
الأوامر لا صناعة المعرفة. فالجامعة التي كانت يومًا مصنعًا للعقول تحولت عند
البعض إلى دائرة روتينية تُقاس فيها قيمة الأستاذ بعدد التواقيع والتعاميم لا بعدد
الأفكار التي ينتجها أو العقول التي يصنعها.
الأخطر
من ذلك أن البعض أصبح ينظر إلى الأستاذ الجامعي بعين الشك لا بعين الاحترام، وكأن
حمله للشهادة العلمية تهمة تحتاج إلى مراقبة مستمرة، ولهذا نرى حالة الإنهاك
النفسي التي يعيشها الكثير من التدريسيين اليوم، حتى بات بعضهم يدخل قاعة الدرس
بجسد حاضر وعقل منهك وروح مطفأة، بسبب شعوره أن المؤسسة التي ينتمي إليها لم تعد
تؤمن بقيمته الحقيقية. وهذه الكارثة لا تظهر نتائجها فورًا، بل تظهر بعد سنوات،
عندما تكتشف الدولة أنها خسرت العقول بصمت، وأن الجامعات التي كانت تخرّج العلماء
أصبحت تخرّج أجيالًا تحفظ أكثر مما تفكر، وتنفذ أكثر مما تناقش.
والأشد
وجعًا أن هناك من يتصور أن السيطرة على الجامعة تكون بكثرة القيود والتعليمات،
متناسيًا أن الجامعات العظيمة في العالم لم تُبنَ بالخوف، بل بفتح مساحة الحرية
للعقل الأكاديمي، لأن الأستاذ عندما يشعر أن رأيه مصان، وأن مكانته محفوظة، يتحول
إلى مشروع نهضة حقيقي، أما عندما يشعر أنه مجرد رقم في كتاب إداري، فإنه يفقد
تدريجيًا ذلك الشغف الذي جاء من أجله إلى الجامعة. وعندها لا تسقط الجامعات بسبب
قلة الأموال، بل بسبب موت الروح العلمية داخلها، وهذا أخطر أنواع السقوط التي قد
لا يراها أحد إلا بعد فوات الأوان.
الخلاصة
... أقولها بوضوح لا يقبل التأويل، إن السكوت الذي التزمنا به لسنوات طويلة لم يكن
خوفًا ولا ضعفًا، بل احترامًا لما تبقى من هيبة المؤسسة الأكاديمية، لكن يبدو أن
البعض فهم الصمت على أنه عجز، وفهم احترامنا للجامعة على أنه استسلام للأخطاء التي
تنخر جسدها يومًا بعد آخر. ولهذا فإن استمرار هذه الممارسات، والتعامل مع الجامعات
بعقلية السلطة لا بعقلية العلم، لن يبقي الأقلام صامتة إلى الأبد، لأن مرحلة
المجاملة انتهت عندما أصبح الأستاذ الجامعي يشعر بالغربة داخل المؤسسة التي أفنى
عمره في خدمتها.
وما
يُكتب اليوم ليس إلا مقدمة بسيطة جدًا لما يمكن أن يُقال لاحقًا، لأن الملفات التي
بقيت مغلقة لسنوات بدأت أبوابها تُفتح، والكثير من الحقائق التي كانت تُدار خلف
الكواليس باتت أوضح من أن تُخفى بالشعارات والكتب الوزارية والتعاميم اليومية.
فالتاريخ لا يرحم، والجامعات التي تُهين عقولها بأيديها تكتب بنفسها شهادة تراجعها
وسقوطها، وحينها لن ينفع تبرير ولا مؤتمرات ولا تصنيفات تُشترى بالكلام الإعلامي.
ولهذا،
فإن الرسالة الأخيرة التي يجب أن تصل للجميع هي أن صبر الأكاديمي ليس بلا نهاية،
وأن الأقلام عندما تصمت احترامًا قد تعود يومًا لتكتب بوجع وغضب لا يمكن احتواؤه،
وعندها سيكون القصف الحقيقي ليس بالكلمات فقط، بل بكشف كل مواضع الخلل التي حاول
الكثير إخفاءها خلف قدسية الكتب الوزارية وهيبة المناصب المؤقتة.





