الحكومة العراقية والحرب
وسياسة (جحا)
تحت عنوان
ما بين المذهب والمال
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
(يُحكى أن جحا كان يسكن في أحد الأزقة، وله جاران يسكنان
إلى جانبيه؛ أحدهما على اليمين والآخر على اليسار. وفي أحد الصباحات تفاجأ بأن
جاره الذي على اليمين لديه حالة وفاة، والآخر على الجهة الثانية لديه عرس. عندها
وقف في حيرة من أمره، فإذا ما ذهب إلى العرس سوف يغضب منه أصحاب العزاء، والعكس
أيضًا صحيح. فولدت لديه فكرة عبقرية تتضمن سياسة جحا في الحياة، وهي أن يقف في
الوسط ويمد يده اليسرى ليطرقع بالأصابع كنوع من التعبير عن الفرح، بينما اليد
الأخرى يلطم بها على صدره، ويظن بهذا أنه قد أرضى الطرفين، وفي هذه نوع من الحماقة).
وهذه بالضبط المنهجية والسياسة التي تتبعها الحكومة
العراقية اليوم تجاه الحرب الدائرة في المنطقة، وهذا بسبب ضبابية المنطق التي
تنتهجها الدولة منذ عقدين. وإذا ما نظرنا إلى المنهجية السياسية والاقتصادية فلن
نجدها تتبع أسلوبًا معينًا؛ فهي متأرجحة ما بين الاشتراكية والرأسمالية، وحسب ما
تقتضي الحاجة، وهذا ما أوصلنا اليوم إلى الدخول في مأزق الحرب الاقتصادية. وكل هذا
يعود إلى جملة من النقاط التي يجب إيضاحها، والتي ترسم الممارسات الحكومية.
الانتماء المذهبي... ليس من المعيب أن يكون لك مذهب
تنتمي إليه يرسم لك أساليب التعبد والانتماء إلى الدين، ولكن القضية اليوم لم تعد
فيها مجال للتمسك بمعتقدات تؤمن بها على حساب الواقع. وفي هذا دليل إلهي من كتاب
الله عز وجل في قوله:
(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)
[البقرة: 195].
وهنا سوف يقول قائل: كيف لك أن تقول قولًا مثل هذا،
والمعركة ـ كما يدعي الطرفان ـ أنها معركة دين؟ وهو المتناسي قول الله تعالى في
موضع آخر:
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ
وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)
[الأنفال: 60].
وإذا ما عدنا إلى الإجراءات التي اتخذها النظام لدخول
الحرب فلن نجد شيئًا يُذكر، وهذا ما يتنافى مع مبدأ الدين والمذهب الذي يدّعون
الانتماء إليه. ولكن مجمل الموضوع أنهم متناغمون مع معركة المذهب دون الالتزام بما
جاء فيه.
فان تحويل المذهب من فضاءٍ روحي تعبدي إلى أداة سياسية
للصراع هو بحد ذاته خروج عن جوهر الفكرة الدينية التي قامت على تهذيب الإنسان لا
على تحويله إلى وقودٍ للمعارك. فالدين حين يتحول إلى شعار في ساحات الصراع يفقد
جزءًا كبيرًا من قيمته الأخلاقية، لأن السياسة بطبيعتها تبحث عن الغلبة، بينما
يبحث الدين عن الإصلاح.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو تسييس
العقيدة، لأن ذلك يفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي، حيث يصبح كل طرف مقتنعًا بأنه
يمثل الحقيقة المطلقة، بينما الحقيقة في إدارة الدول تقوم على التوازن والعقلانية
لا على الحماسة الخطابية.
المال والوضع الاقتصادي... وما يعرفه الكثير أن النظام
منذ عقدين لم يتبنَّ سوى النظام الريعي الذي يتضمن مبدأ: (اصرف ما بالجيب يأتيك ما
بالغيب)، حتى ولو كان ما في الغيب كارثة اقتصادية. وهذا بسبب عدم تبني الحكومات
المتعاقبة النظم المالية الرصينة التي أثبتت تجاربها في بلدان أخرى من هذا العالم.
وهذا ما أوصلنا إلى عدم وجود بدائل يمكن الاعتماد عليها في موضع الأزمات التي نحن
عليها اليوم.
فاليوم فقدنا المصدر الوحيد للمال مع تراجع في المستوى
الزراعي والصناعي والاقتصادي، وهيمنة العملة الأجنبية على مصير المواطن البسيط،
وهذا بسبب تفشي الفساد والمحسوبية التي أفرزها مبدأ المحاصصة منذ ذلك الوقت.
والأمر الأكثر خطورة في هذا المشهد أن الاقتصاد الريعي
لا ينتج دولة قوية، بل ينتج دولة استهلاكية تعتمد على مورد واحد، فإذا ما اهتز هذا
المورد اهتزت معه بنية الدولة بأكملها. وهذا ما جعل العراق اليوم يقف على أرض
اقتصادية هشة، لأن الدولة لم تبنِ منظومة إنتاج حقيقية تستطيع أن تعوض أي خلل في
موارد النفط.
ولذلك فإن الحديث عن الحرب أو الدخول في صراع إقليمي دون
امتلاك اقتصاد قادر على الصمود هو نوع من المغامرة السياسية التي قد يدفع ثمنها
المواطن قبل غيره، لأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الأزمات الكبرى.
وهذا وأكثر ما يجبر السياسيين في هذا البلد على انتهاج
سياسة جحا في إرضاء جميع الأطراف المتحاربة، والتي تحكم النظام اليوم بمبدأ
(الطائفة والمال)، وهي دلالة على عدم امتلاك الرؤية المستقلة لاتخاذ القرار
السيادي في دخول المعركة أو عدمه، وهذا ما سوف تكون له توابع كارثية على جميع
الأصعدة، وقرارات قد تُنهك المواطن البسيط.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية،
وهي أن الدولة التي لا تمتلك تعريفًا واضحًا لمفهوم المصلحة الوطنية ستبقى دائمًا
أسيرة لتجاذبات الخارج. فالمصلحة الوطنية في التجارب السياسية الرصينة تُعرَّف على
أساس ما يحقق الاستقرار الاقتصادي والأمني للمجتمع، لا على أساس ما يرضي هذا الطرف
أو ذاك. أما في الحالة العراقية، فإن هذا المفهوم ظلَّ غائبًا أو مغيَّبًا منذ
سنوات طويلة، ليحلّ محله مفهوم آخر يقوم على إدارة التوازنات الطائفية والمالية
بدل إدارة الدولة بمنطق المؤسسات.
ولذلك أصبح القرار السياسي في العراق لا يُقاس بمدى
فائدته للبلد، بل بمدى قدرته على عدم إغضاب الأطراف المؤثرة في المشهد. وهذا بحد
ذاته شكلٌ من أشكال الشلل السياسي الذي يجعل الدولة تقف دائمًا في منتصف الطريق،
فلا هي قادرة على اتخاذ موقف واضح، ولا هي قادرة على الانسحاب من دائرة الصراع.
الخلاصة ... فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الحرب بحد ذاتها،
بل الارتباك في لحظة اتخاذ القرار. فالحروب قد تُخاض بقوةٍ واضحة، وقد تُتجنب
بحكمةٍ واضحة، لكن الكارثة الحقيقية حين تُدار الدولة بعقلية الوقوف في المنتصف؛
نصف قرار هنا ونصف موقف هناك.
إن سياسة جحا قد تنجح في حكايةٍ طريفة تُروى في المقاهي،
لكنها في إدارة الدول تتحول إلى وصفةٍ مؤكدة للفشل. فالدولة التي تحاول أن تُرضي
العزاء والعرس في وقتٍ واحد لن تنجح إلا في شيءٍ واحد فقط… أن تفقد احترام الطرفين
معًا.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأوطان لا
تُدار بالعواطف، ولا بالمذاهب، ولا بحسابات المال وحده، بل تُدار بعقل الدولة. أما
حين تختلط الطائفة بالمال، ويتحول القرار السياسي إلى عملية موازنة بين الخوف
والمصلحة، فإن النتيجة لن تكون سوى دولة تقف في منتصف الطريق… بينما العالم كله
يسير إلى الأمام.






