بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

مقال

 

سينما بلا سينما

تحت عنوان

مهرجان السينما في الموصل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



نحن نسمع عن غش تجاري أو غش صناعي، ولكن غش ثقافي؟ فهذه تُحسب لعرّابي الخداع في الموصل. بالأمس، كان هناك ما يُعرف بمهرجان السينما الذي احتضنته المدينة، ولكن السؤال هنا: هل نملك مقومات إقامة مهرجان بهذه الصفة، أم إن الأمر لا يتجاوز دعاية حكومية لا أكثر؟

إن المشكلة ليست في إقامة مهرجان، ولا في استضافة الفنانين والمثقفين، فهذه أمور نرحب بها ونتمنى أن تتكرر، ولكن المشكلة تكمن في تحويل الأسماء الكبيرة إلى عناوين فارغة، وتقديم المظاهر على حساب الحقائق. فليس كل ما يُقام مهرجانًا، وليس كل ما يُعلن عنه إنجازًا، وليس كل صورة تُلتقط أمام الكاميرات دليلًا على أن المدينة قد خطت خطوة إلى الأمام. إن الثقافة ليست لافتة تُعلّق، ولا منصة تُنصب، ولا كلمات تُلقى أمام الحاضرين، بل هي مشروع متكامل له أهدافه ومقوماته ونتائجه التي يلمسها المجتمع. أما أن نكتفي بتسمية الأشياء بأسماء أكبر من حقيقتها، فهذه ليست صناعة ثقافية، بل صناعة أوهام بمسميات براقة.

 

مقومات إقامة مهرجان... تبدأ من التسمية: مهرجان سينمائي. الاسم كبير وجميل إلى حد كبير، ولكن يجب أن تكون هناك مقومات ينبغي العمل عليها، وأهمها القبول الشعبي. وهنا يجب التنويه إلى أن المهرجان لم يُعلن عنه في الأوساط الثقافية أو الشعبية، وهذا ما يثير التساؤلات بشأن آلية التحضير له، ويجعل إقامة هذا المهرجان محاطة بعلامات استفهام، حاله كحال تلك المهرجانات التي لا تُعرف مرجعيتها من الأصل، ومنها مهرجان (سبيستون)، الذي لا يعلم أحد فحوى إقامته.

وهنا أضع السؤال أمام القائمين على هذه الفعاليات: لمن تُقام المهرجانات الثقافية إذا كان جمهورها لا يعلم بوجودها؟ وهل يُعقل أن يُنظّم نشاط يحمل صفة ثقافية من دون أن يكون للمثقفين والمهتمين وأبناء المدينة علم به؟ إن الإعلان ليس تفصيلًا ثانويًا في العمل الثقافي، بل هو جزء من هويته، ومن دونه يتحول النشاط إلى مناسبة مغلقة لا تتجاوز حدود القائمين عليها وضيوفها. فالمهرجان الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء التي تظهر في برنامجه، بل بمدى قدرته على الوصول إلى الناس، وتحريك المشهد الثقافي، وخلق مساحة حقيقية للحوار والتفاعل. أما أن نُقيم فعالية ثم ننتظر من المدينة أن تصفق لإنجاز لم تُمنح فرصة معرفته، فذلك منطق يحتاج إلى مراجعة، لا إلى مزيد من الدعاية.

 

المدينة لا تملك دار عرض... ما لا يمكن تجاهله هو أن إقامة مهرجان بهذا الحجم في مدينة لا تملك دار عرض سينمائي عاملة واحدة، على الأقل، تضعنا أمام مفارقة تستحق الوقوف عندها، وكأن الأمر يصب في فحوى المثل القائل: (يُحضَر المعلف قبل الحصان). وليس هذا فحسب، فهناك أمر آخر، وهو أن أي مهرجان سينمائي ينبغي أن تكون له برامج واضحة، تتضمن عرض الأفلام ومناقشتها، واستضافة المختصين، وفتح أبواب النقد والحوار، حتى تتجسد أهدافه على أرض الواقع. وفي الوقت الذي تدعو فيه الدولة اليوم إلى ترشيق الإنفاق الحكومي، نرى أن إقامة فعاليات ثقافية من دون وضوح أهدافها ومردودها تفتح باب التساؤل عن جدواها وأولوياتها، في مدينة لا تزال بحاجة إلى مقومات أساسية للنهوض بحياتها الثقافية.

إن السينما ليست سجادة حمراء، ولا صورًا تذكارية، ولا كلمات تُلقى ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. السينما صناعة وفكر وتاريخ وذاكرة، وهي قبل كل شيء مكان يشاهد فيه الجمهور الأفلام، ويناقشها، ويتفاعل معها. فكيف نريد أن نتحدث عن نهضة سينمائية في مدينة تفتقر إلى البنية الأساسية التي تتيح للناس ممارسة أبسط حقوقهم في مشاهدة الأفلام داخل دور عرض حقيقية؟ وكيف نطالب الأجيال الجديدة بالاهتمام بالفن السابع، بينما لا نوفر لها المناخ الذي يجعل هذا الفن جزءًا من حياتها اليومية؟

إن بناء الثقافة يبدأ من الأساس، لا من السقف، ومن توفير الإمكانات قبل الاحتفال بالنتائج. وكان الأجدر أن تترافق هذه المهرجانات مع خطة واضحة لإعادة الحياة إلى دور العرض، وتشجيع الإنتاج السينمائي المحلي، وتدريب الشباب، وفتح المجال أمام المخرجين والكتّاب والنقاد. عندها نستطيع أن نتحدث عن مشروع سينمائي له جذور وامتداد، لا عن مناسبة تنتهي بانطفاء الأضواء. فالموصل لا ينقصها التاريخ ولا المواهب، وإنما تحتاج إلى من يحوّل هذه الإمكانات إلى مشاريع حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بإقامة الاحتفالات حولها.

 

غياب الطبقة الثقافية... أظن أن القائمين على المهرجان ليسوا على دراية بأن إقامة أي مهرجان سينمائي تستلزم حضور عدد من النقاد والمفكرين من أبناء المدينة، لبناء عملية التواصل الحضاري مع الفن، كما أشار الفنان (جلال حسن). ويبدو أن القائمين على هذا المهرجان لم يمنحوا الأقلام الثقافية والنقدية والفنية والصحفية في المدينة ما تستحقه من اهتمام، على الرغم من أن الموصل تزخر بأسماء تتمتع بالرصانة المهنية والقدرة على إثراء أي نشاط ثقافي جاد.

والأغرب أن المهرجان أُقيم في مكان لا يبعد عني كثيرًا، ورغم هذا لم أعلم حتى بموعد إقامته، وهذا دليل من تجربتي الشخصية على وجود خلل في آلية الإعلان والتواصل، ويستحق أن يُطرح بشأنه السؤال: كيف يمكن لفعالية تحمل اسم الثقافة أن تتجاوز محيطها الثقافي القريب؟

إن المثقف ليس قطعة ديكور تُضاف إلى المشهد حين يحتاج المنظمون إلى إكمال الصورة، وليس اسمه رقمًا يُدرج في قائمة المدعوين لإضفاء صفة ثقافية على المناسبة. المثقف شريك في صناعة الوعي، وناقد يستطيع أن يكشف مواطن الخلل، وصاحب رأي قد لا يُرضي القائمين على الفعاليات، لكنه يؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه إذا كانت الغاية هي التطوير الحقيقي. أما إقصاء الأصوات المحلية، أو عدم التواصل معها، ثم الحديث عن نهضة ثقافية، فهو تناقض لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

والموصل ليست مدينة طارئة على الثقافة حتى يأتي من يعرّفها بالفن، وليست أرضًا خالية من الأقلام التي تستطيع أن تكتب وتناقش وتحلل وتنقد. فيها كتّاب وشعراء وصحفيون وفنانون وأكاديميون، وفيها ذاكرة ثقافية تستحق أن تكون في مقدمة أي مشروع يُقام باسمها. وإذا كان الهدف من المهرجان هو مد جسور التواصل الحضاري، فكيف تُبنى الجسور من دون التواصل مع أصحاب الشأن؟ وهل يُعقل أن نبحث عن الاعتراف الخارجي بينما نهمل الطاقات الموجودة بين أيدينا؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الأسماء المحلية عن صورة هنا أو دعوة هناك، بل في غياب الفكرة التي تجعل هذه الأسماء جزءًا من المشروع نفسه. فالثقافة لا تُدار بمنطق العلاقات الشخصية، ولا ينبغي أن تتحول إلى دائرة مغلقة يتحكم بها عدد محدود من الأشخاص. ومن يريد خدمة الموصل عليه أن يفتح الأبواب أمام الجميع، لا أن يجعل الوصول إلى الفعاليات الثقافية امتيازًا لا يعرف الناس كيف يحصلون عليه.

 

البهرجة الكاذبة... تذاكر سفر، وحجوزات فنادق، ومصاريف هنا وهناك، وهنا يأتي السؤال: (ما الذي استفادته المدينة من المهرجان؟).

الجواب لا يمكن أن يكون مجرد صور منشورة أو تصريحات احتفالية أو عبارات من قبيل النجاح والتميز، بل يجب أن يكون هناك مردود ثقافي واضح يمكن قياسه وتقييمه. فهل خرج المهرجان بتوصيات قابلة للتنفيذ؟ وهل أسهم في دعم السينمائيين المحليين؟ وهل فتح بابًا أمام الشباب لدخول عالم السينما؟ وهل ترك برنامجًا مستمرًا بعد انتهاء أيامه؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز التعامل معها على أنها انتقاص من قيمة الثقافة أو اعتراض على إقامة الفعاليات. فمن حق المواطن أن يسأل عن نتائج أي نشاط يُقام في مدينته، ومن واجب الجهات المنظمة أن تقدم إجابات واضحة عن أهدافه ومخرجاته.

ويبدو أن هناك من يعتقد أن النجاح يُصنع بمجرد استضافة الضيوف وإقامة المناسبات والتقاط الصور، وكأن الثقافة أصبحت سباقًا في المظاهر لا في النتائج. ولا أرى ضررًا في استضافة الفنانين أو الإنفاق على النشاط الثقافي إذا كان ذلك يخدم المدينة ويحقق أهدافًا حقيقية، لكن الضرر يبدأ عندما تصبح الوسائل غاية، ويُقدَّم الاحتفال على الإنجاز، ويُطلب من الناس التصفيق قبل أن يعرفوا ماذا تحقق على أرض الواقع.

إن المال الذي يُنفق على الثقافة ليس موضع اعتراض في حد ذاته، بل هو استثمار ضروري إذا وُضع في المكان الصحيح، ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي إنفاق هو: ما الفائدة التي ستعود على المدينة وأبنائها؟ فالمواطن الذي يبحث عن نافذة ثقافية، والشاب الذي يحلم بأن يصبح مخرجًا، والفنان الذي ينتظر فرصة حقيقية لعرض عمله، جميعهم أحق بأن تكون لهم حصة من نتائج هذه الفعاليات. أما أن تنتهي المناسبة وتبقى الأسئلة معلقة، فذلك يعني أن علينا مراجعة طريقة العمل، لا أن نكتفي بتجميل الصورة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تتحول إلى مادة دعائية تُستخدم لإظهار أن كل شيء على ما يرام، بينما تظل المشكلات الأساسية في مكانها. فالدعاية قد تصنع انطباعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع واقعًا جديدًا. والصورة قد توحي بالنجاح، لكنها لا تثبت وحدها أن هناك إنجازًا. أما الحقيقة، فهي لا تحتاج إلى كثير من الزينة؛ يكفي أن نرى أثرها في حياة الناس، وفي المؤسسات، وفي استمرار المشاريع بعد انتهاء الاحتفالات.

 

الخاتمة... أنا لا أكتب ضد السينما، ولا ضد المهرجانات، ولا ضد أي جهد يسعى إلى تنشيط الحياة الثقافية في الموصل، بل أكتب دفاعًا عن المعنى الحقيقي لهذه الأنشطة، وعن حق المدينة في أن تحصل على مشاريع تليق بتاريخها وإمكاناتها. فالاعتراض ليس عيبًا، والنقد ليس عداءً، والسؤال عن الجدوى ليس إساءة إلى أحد، وإنما هو جزء من المسؤولية الثقافية التي يجب أن يتحلى بها كل من يضع مصلحة المدينة فوق الحسابات الشخصية والدعائية.

إن الموصل لا تحتاج إلى مهرجان يحمل اسم السينما بقدر حاجتها إلى حياة سينمائية حقيقية، ولا تحتاج إلى مظاهر احتفالية بقدر حاجتها إلى مؤسسات ومبادرات تستمر وتنتج وتترك أثرًا. نريد سينما تُعرض فيها الأفلام، ونقاشًا يُسمع فيه صوت النقد، وفرصًا تُمنح للمواهب، وبرامج لا تنتهي بانتهاء الضيوف. نريد ثقافة تُقاس بما تقدمه للناس، لا بما تستهلكه من كلمات وصور.

أما أن نُقيم مهرجانًا للسينما في مدينة تفتقر إلى دار عرض، ثم نحتفل بالعنوان وننسى المضمون، فهنا تكمن المفارقة التي دفعتني إلى الكتابة. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يحمل اسم الثقافة ثقافة، وليس كل مهرجان دليلًا على وجود نهضة.

وأقولها بوضوح: لا تصنعوا لنا مهرجانات على الورق، ثم تطلبوا منا أن نراها نهضة على الأرض؛ فالمدينة أكبر من أن تكون خلفية لصورة تذكارية، وثقافتها أعمق من أن تُختزل في دعاية عابرة.

الخميس، 8 أكتوبر 2026

مقال

 

هكذا يكون سعر الدولار

تحت عنوان

عندما يتسيّد الخراف حمار

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لتسقط المبادئ وكل القيم مقابل لقمة العيش

                                                 البارون الأخير

أموال وقصور و(كُحّاب)، وتريد منه أن يبني لك بلدًا يحظى بالاحترام! إنها لأضغاث أحلام. والسؤال: لماذا لا يعترف الفاشلون اليوم بفشلهم في إدارة الدولة؟ ويعود هذا إلى الأيديولوجيات التي جاء بها القادمون الذين هم على رأس السلطة. وهناك مثل شعبي يصبّ في أصل الموضوع: (شاف وما شاف، شاف فرج أمه واخترع). وهنا دلالة على أن هذه الطبقة هي التي يُقال عنها: (شبعت بعد جوع)، وهي أخطر فئة اجتماعية قد تحكمك اليوم.

وعند الحديث عن وضع البلد، يأتي أحدهم ويقول: (هل البلد بلد أبوك؟) نعم، البلد أبوي وجدي، والحديث عنه شرف لا أدّعيه. والغريب، وسوف تتذكرون كلماتي، أن الجميع بعد زوال النظام الحالي سوف يتحولون إلى أبطال، وكأنهم كانوا يقارعون قوانينه الجائرة. والحقيقة أن أشجع الشجعان اليوم لن يخرج عن وصف الخروج في نهاية الطريق، ومنها:

 

زعامة الحمار ... لا زعامة له إلا على قطيع من الخراف. وقد يُقال هنا إن الأمثال تُضرب ولا تُقاس، ولكن هنا المثل يُضرب ويُقاس.

القصة ليست بشخصيات، ولكن بنظام الحكم بأكمله وآلياته في رسم حدود العمل الحكومي. وهنا أقولها بكل ثقة: لو بُعث نبي من السماء ودخل هذه المنظومة، لخرج منها فاسدًا ولصًّا يحترف الأعمال المشينة. ولهذا يكون المواطن البسيط واحتياجاته آخر همّهم، ولهذا نشهد تزاحم الأزمات التي تثقل كاهل العامة. فلا يهم الحمار خطط الذئب تجاه الخراف، وهذا بسبب شعوره بأنه هو ذاته فريسة؛ فالقيادة عادة ما تقترن بالشجاعة، وهي القضية التي لا يمكن أن يمتلكها الحمار.

 

القضية بأولها ... وقد يسأل الكثيرون هنا: ما الذي حلّ بالشعارات التي كان يُنادى بها؟ وما الذي يجري الآن من جعل حياتنا كلها رهينة لعملة ورقية؟ ولمعرفة ما أوصلنا إلى هذا الحال، نجد أنهم القادمون على ظهور الدبابات الأمريكية. وهذه الحادثة إثبات صريح على أن النظام هو صنيعة الولايات المتحدة، ولهذا نجد اليوم أن الجميع يدينون لها بهذا العمل. والخروج على من ولّاك يُعدّ، في العقيدة السلطوية، جريمة عقوبتها القتل، وهذا ما سوف يكون؛ فهي مسألة وقت لا أكثر.

ولكن المسألة أنه لو كان الأمر يتعلق بالطبقة السياسية، لقلت كما تقول العامة: (يطّبهم مرض). ولكن هناك شعبًا فيه النساء والأطفال والشيوخ وأصحاب الدخل المحدود، ولهذا كان لا بد من التفكير بالنهايات قبل الشروع بكل هذا. وهناك مقولة مفادها: (لو كنا نعلم النهايات ما بدأنا).

ولهذا كان التفكير بالاستقلال المالي؛ لأنه الضمان الوحيد للقوة في ظل السلطة، وغياب الحصانة المالية في عالم أبرز معالمه النظام المالي يكون بمثابة انتحار سياسي. وأريد هنا أن أستشهد بمثل شعبي: (الما يوني يغرك). وفي هذا دلالة على أن البلد، في العقود الماضية، لم يعمل على تعزيز المشاريع الصناعية والزراعية التي تساهم في انتعاش الاقتصاد. وهذه نتيجة حتمية لسياسة الحمار عندما يتزعم السلطة.

 

أيديولوجية الخراف... تحدثنا عن سياسة الحمار، ولكن ماذا عن الخراف؟ وهنا لا أحمّل الحمار كامل المسؤولية، ولكن هناك ما يساهم في صناعة هذه المهزلة. ففي صباح هذا اليوم، كنت في حديث مع أحدهم، وعند سؤالي له عن رأيه بما حدث، كانت إجابته، من وجهة نظري، أسوأ من قضية ارتفاع الدولار، إذ تضمنت قوله: (لماذا تتحدث بهذا الحديث؟ فأنت لم تعش أيام سيطرة القوى الظلامية وغلاء الأسعار وقتها).

وهنا تكمن أيديولوجيات العقل الجمعي للخراف في إيجاد مقارنة دائمة بين السيئ والأسوأ، وهذه تُعدّ مشكلة بحد ذاتها في التعايش مع الأوضاع السيئة. وعندما تكون العامة بهذه العقلية التي تعبّر عن منهجية الخراف بمعناها الصحيح، ترى من يتمادى فيما يخص حقوق الناس، لقناعته بعدم وجود من سوف يخرج عليه أو حتى ينتقده.

 

البلد برعاية العناية الإلهية ... لا تصدّق من يقول لك إن هناك دولة أو قانونًا؛ فكلٌّ منهما، إذا لم يستطع حماية العامة، يصبح حلقة مفرغة في حياتنا يجب اقتلاعها. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فسوف تكون كما قيل في إحدى المسرحيات العربية: (نهايتك سودة يا زنباوي).

وهذا ليس فقط لمن يسمّون أنفسهم رجال السلطة، ولكن للعامة أيضًا. فارتفاع سعر الدولار هو البداية، وبما أن كل شيء ارتبط بالمال، وهو عبارة عن سفينة وسط بحر هائج، فمن الطبيعي أن تكون النهاية الغرق. والكل هنا في دائرة المسؤولية، ولا نجاة لأحد مما يحدث، ولا يقول أحدكم إنه في مأمن اليوم.

أما عن قضية المحاسبات القانونية، فالأمر طبيعي جدًا؛ فالعصابات، على سبيل المثال، تملك آليات الثواب والعقاب، أما الدولة فهي شيء آخر لا يمكن للجماعات الحاكمة اليوم إدراكه. وهذا يعود إلى أنهم ما زالوا يتعاملون مع البلد على أنهم معارضة، وكأنهم لم يعودوا يملكون القدرة على تصديق أنفسهم بأنهم باتوا سلطة حاكمة. وهنا جوهر الفشل الحكومي الذي نشهده اليوم.

 

شعيط ومعيط ... كلمات تُطلق على أولئك الذين يُستقدمون من العدم، بلا خبرة أو علم لديهم، لإدارة عمل معين. وهذا ينطبق على كل الأسماء التي تتزعم المشهد السياسي، من رأس الهرم إلى أصغر مسؤول اليوم؛ من باب أن هذه النوعية من الخراف لا تملك الشجاعة لقول الصواب أو فعله. ولهذا ترى حالة التشظّي في العمل، ومنها ظهور موجات تسونامي من الفساد المالي والإداري والأخلاقي في مفاصل الدولة.

وإذا ما وصلنا إلى هذه الحالة، وقد وصلنا، يكون البلد وشعبه في خبر كان عمّا قريب جدًا؛ فالمسألة مسألة وقت.

 

حكاية وعبرة... يُروى عن رجل محتال نزل في مدينة، وأراد الاحتيال على أهلها، فجمع الناس وخاطبهم: اجمعوا لي القردة التي تملأ الغابة المجاورة، وأنا أشتريها منكم. وبعدها هبّ الجميع لاصطيادها، وبمرور الوقت قلّ عددها حتى أصبحت نادرة. عندها اقترح المحتال، عبر الوسيط، بيعهم البضاعة التي اشتراها منهم سابقًا، ليبيعوها مرة ثانية.

وعندها باع الجميع ما يملكون ليوفّروا المال لعملية الشراء، وبعد ذلك اختفى المحتال، ولم يعد لهم ما يملكونه. عندها صاح أحدهم: (الآن فقط تحوّلنا إلى قردة، كان يقودنا لصّ محتال!) وهذه حكاية تجسّد الوضع العراقي برمّته، ولله المشتكى.

 

الخلاصة... لم يعد في البلد ما يُبكى عليه، وبتنا اليوم أمام مفترق طرق: إما الموت بصمت التخاذل، أو الاحتراق، وكلاهما مرٌّ علقم. فلم يعد الأمر شيئًا يمكن السكوت عنه؛ فاللصوص الذين يدّعون أنهم المدافعون عمّا يؤمنون به، إن كان لهم بالأصل إيمان، قد قامروا بكل شيء: الماضي والحاضر والمستقبل.

والقضاء عليهم واقتلاعهم أصبح أمرًا واجبًا لا مهرب منه؛ فإما هم أو نحن. وإذا وصلنا إلى هنا، فليذهبوا هم وتاريخهم العفن إلى الجحيم (لعنة الله عليهم أجمعين).

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

مقال

 

 العدالة المفقودة على الأرض والاختبار الإلهي

تحت عنوان

حديث ما بين الأرض والسماء

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يأخذ اليوم الكثير من الناس من (شماعة انعدام العدالة على الأرض) ذريعةً للابتعاد عن القيم السماوية، والحق هنا أن العدالة التي يتصورها الإنسان ويريدها ليست موجودة على صورتها الكاملة بيننا اليوم، ومن هنا تولد الكثير من الأسئلة الإلحادية: «أين الله من كل هذا؟»

ولكن ما لا يعلمه البعض أن لله إرادةً وحكمةً فيما يحدث الآن، وأن هذه الحياة ليست نهاية المطاف، بل هي مقدمة للحياة الآخرة، وهذا يصب في ضرورة الإيمان بيوم القيامة، حيث الحساب والعقاب والثواب. ولهذا كان لابد من تبيين بعض الحقائق التي تعزز فكرة هذا الموضوع.

 

العدالة المفقودة ... نعم، منذ أن خلق الله الخلق جعل فيهم القوي والضعيف، والغني والفقير، والعالم والجاهل، ولم يجعل الناس متساوين في كل شيء، لأن الله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

ومن هذا المنطق نرسم الخارطة الذهنية للفكرة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهنا لا بد من الخروج من الإطار الفكري الاجتماعي السائد، الذي كثيرًا ما يُغيب الدور الإلهي في عملية خلق الطبقات والفروق المتفاوتة بين البشر.

ولكن لو كان هناك عقل يتأمل قليلًا، لوصل إلى فكرة بسيطة، وهي: لو كان الخلق متساوين في كل شيء، فما جدوى خلقهم من الأصل؟

ولهذا السبب أيضًا ستجد من يتذمر من فقره أو ضعفه، أو يعترض على ما كُتب له في هذه الحياة، وهذه هي أصل الفكرة التي ينطلق منها الاعتراض على ما فعلته الذات الإلهية، وهو اعتراض لا يقوم على فهم حقيقة الاختلاف بين البشر وحكمة وجوده.

 

الاختبار الإلهي ... لمن لا يعرف، فإن الحياة الإنسانية بأكملها عبارة عن (اختبار) ؛ فالغني يُختبر بماله، والفقير بفقره، والقوي بقوته، والضعيف بضعفه فالغني يشكر، والفقير يصبر، والقوي يجب أن يهذب قوته، والضعيف يجب أن يدرك أن هناك قوةً أكبر من أي قوة على هذه الأرض وإذا ما أمعنت النظر فيما كُتب هنا، فلن تجد أحدًا على هذه الأرض خارج دائرة الاختبار، وهنا يكمن أصل الموضوع.

فليس معنى أن الإنسان يمتلك المال أنه أفضل من غيره، وليس معنى أن الإنسان ضعيف أو فقير أنه أقل شأنًا، لأن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يفعله في حدود الاختبار الذي وُضع فيه.

 

يوم الحساب ... وكما جاء في الكتب السماوية، فإن هناك يومًا اسمه (يوم القيامة) ، فدع كل بشر يفعل ما يريد، فكل شيء موثق ومدون، ولن يضيع شيء عند الله.

فقط لو كنت مؤمنًا بهذه الكلمات، فلن تغضب أو تحزن من ظلم أحد لك، لأنك تؤمن بأن هناك يومًا ستظهر فيه الحقائق، ويأخذ كل إنسان جزاء ما قدم.

وقضية الإيمان بذلك اليوم هي من أساسيات الإيمان، ولا تخضع هذه الحقيقة للقضية النسبية؛ فالإيمان والكفر أمران واضحان في أصل الاعتقاد، والإيمان بيوم الحساب هو أحد أركان النجاة من هذا الاختبار العظيم.

فكل شيء حولك يجري بقدر معلوم، ولو كانت العدالة كاملةً على وجه الأرض، لسقطت حقيقة يوم القيامة من أساسها؛ لأن الدنيا لو كانت هي دار العدالة النهائية، فمن الذي سيُحاسَب؟ ومن الذي سيُعاقَب؟ ومن الذي سيُثاب؟

إن وجود الظلم والنقص والتفاوت في الحياة الدنيا لا يعني غياب العدالة الإلهية، وإنما يعني أن (العدالة الكاملة ليست هنا، بل هناك) .

 

دورك في هذه القضية... التذكير جاء في القرآن الكريم:  ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ .

وهنا يسقط فرضية الوصايا التي يتبناها بعض المتدينين على البشرية، فمنذ زمن بعيد كتبت أن الإيمان (علاقة شخصية بين الخالق والمخلوق، ولا وساطة لأحد سوى الأنبياء والرسل) .

وحتى رسل السماء كان دورهم يتباين بين الوعظ والتذكير، ولهذا كان لابد أن أذكّر العالم من خلال هذه السطور بأن هناك من يسمعك ويراك، فهو  (يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار) .

ومن هنا تتجسد عظمة الواحد الذي له ملك السماوات والأرض، وحده لا شريك له، وسوف يجمعكم يومًا، وسوف تدركون يومها ما فعلتم وما قلتم ووقتها لن ينفع الندم على ما فات.

عندها قد تتذكر هذه الكلمات التي أكتبها لوجه الله تعالى، مذكّرًا لكم بأن لهذا العالم خالقًا، وأن لكل إنسان مسارًا وقدرًا ودورًا في هذه الحياة، وأن من واجبنا تقويم العقل البشري من خلال التذكير، لا من خلال فرض الوصاية عليه.

 

الخلاصة ... هناك للإيمان أساسيات وقواعد ثابتة، ومنها ( الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والإيمان برسله، والإيمان بيوم الحساب ) ، ذلك اليوم الذي سوف تُوفّى فيه كل نفس ما قدمت وما أخرت.

وهنا يجب التنويه إلى أن كل حدث يصيب الناس لا يصح أن نبوّبه مباشرةً على أنه عقاب على ذنب اقترفه أحدهم، وهذا غير صحيح.

والدليل على ذلك إيماني بعدالة الله؛ (فلا عقاب قبل الحساب) ، وخلط الأوراق في هذه القضية، والحكم على الناس وكأننا نعرف سبب ما نزل بهم، قد يكون نوعًا من التعدي على ما اختص الله به من الحكم على عباده.

فلا تجعل نفسك قاضيًا على الآخرين، ولا تجعل من مصائب الناس دليلًا على ذنوبهم، لأنك لا تعلم حقيقة ما بين الإنسان وربه.

وفي النهاية، يبقى الإنسان في هذه الحياة داخل دائرة الاختبار، ويبقى الله وحده العالم بالسرائر والنيات، ويبقى يوم الحساب هو الموعد الذي تنكشف فيه الحقيقة كاملة.

﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.

الأحد، 4 أكتوبر 2026

مقال

 

 قارورة عطر

تحت عنوان 

صورة تعيد رسم الوجع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



مرّ الوقت وكأنه أعوام طوال، كنت أحاول فيها إقناع نفسي أنني ما زلت بخير، فقط لأنها تنعم بحياة هادئة، ولكن اليوم رأيت صورتها، عندها مرّ شريط الذكريات وكأنه عرض سينمائي بالكلمات والأفعال والابتسامات والضحكات التي كان لها صدى يهز القلوب، ولكن بعد ثوانٍ حصل شيء غريب.

 

امرأة لا أعرفها... عندما وقعت عيناي على صورتها الجديدة لم أعرفها، رغم علمي بأنها هي لا غيرها، وإذا ما أردت وصف الشعور بشكل دقيق، فكأنني دخلت قلعة مهجورة اجتاحها التتار، ولا أقصد هنا تغيّر ملامح الوجه، ولكن لم يعد ذلك الشعور الذي كنت أحمله لها، وكأن شيئًا لم يكن بيننا من قبل، ولكن لم يكن ذلك نهاية الحب الذي أحمله لها.

 

كاذبًا أنا، فأنا لا زلت أحب تلك الفتاة... قد يكون شيئًا في قلبي قد أحرقته من قبل هي، وهذا بسبب أنها جعلتني يومًا أرسم قلاعًا لها على جدار القلب المفعم بالعاطفة تجاهها، ويبقى كل شيء رهينة ذلك الوقت الذي كان بيننا، وقد يجدها آخرون بنظرهم شخصًا سيئًا، ولكن ما لا يعلمه الآخرون، فأنا من يحب حتى تلك القضايا المعيبة في مناهج البعض، ولم أسمح لنفسي أن أراها بغير صورة ذلك الملاك الذي كان بصحبتي.

 

في عشقي لها شيء من الجنون... كل من كان يعرفنا كان يقول لي إنها لا تحبك، ولكنني أحببتها وبصدق الأنبياء، لم يكن ما بيننا سوى حزمة مشاعر نبيلة لا يعرف الناس عنها شيئًا، فكنت أصدقها رغم علمي أنها تكذب، وكنت أخلق لها الأعذار كلما غابت عني، وكنت أرى فيها ما لا أرى في نساء الأرض، وقد يكون الجميع صادقين إلا هي، ولكن صدقتها وآمنت بتلك الكلمات التي كانت تسمعني هي، ومع هذا لم أشك للحظة أنها يومًا سوف تختار الرحيل.

 

زجاجة العطر ما زالت في درج مكتبي... في يومٍ ما دخلت مكتبي وهي تحمل زجاجة عطر وقدمتها لي على أنها هدية، ولم أدرك وقتها أنه إعلان للرحيل عمّا كان بيننا، ولكن رحلت هي وبقي ذلك العطر يرافقني رغم مضي الوقت، فكلما اشتقت لها أرش ذلك العطر في المكان كنوع من إعلان الحضور، فأنا كنت أعلم أن في منهج الحياة، عندما تكون هناك هدية عطر، يكون هناك فراق، ولكن قلت إن ما كان بيننا سوف يكسر كل تلك المعتقدات البالية، ولكن في نهاية المطاف انتصرت المعتقدات، وبقيت وحدي مع ذلك العطر كملك مهزوم.

 

صورة تعيد رسم الوجع... في الحقيقة لم تكن الصورة موجعة، ولكن قد تكون هي بمثابة ذلك الملح الذي رُشَّ على جرح قديم، الذي قد فشلت الأيام في علاجه، وأدركت وقتها أن لا حقيقة لمصطلح الغياب، فبعض البشر تغيب أجسادها، لكن يبقى ذلك الطيف يغفو بثنايا القلب الذي أحبها منذ ذلك الوقت، فالصورة قد أعادت ذاكرة الوجع فقط، ولكن وفي لحظة إدراك، أدركت أنني لا زلت أحب تلك الفتاة.

 

حين أحببتها ... لم أكن أبحث عن امرأة تشبه النساء، بل كنت أبحث عن تلك التي تشبه قلبي... ولهذا ربما عجزت عن نسيانها، لأنني لم أحب فيها وجهًا أو صوتًا أو حضورًا عابرًا، وإنما أحببت تفاصيل صغيرة لم يكن يراها غيري، نظرة عينيها عندما كانت تتحدث، طريقة صمتها، ضحكتها التي كانت تأتي في غير موعدها، وحتى الأشياء التي كانت تزعجني فيها كنت أجد لها مكانًا في قلبي. ولهذا عندما رحلت، لم ترحل امرأة من حياتي فقط، بل رحلت معها تفاصيل كثيرة كنت أعيش عليها دون أن أدرك أنها كانت تصنع كل ذلك الفرح في داخلي.

كنت أظن أن الحب مع مرور الوقت يتحول إلى ذكرى، وأن الذكريات مهما كانت جميلة يعلو عليها غبار الأيام، ولكنني اكتشفت أن بعض الذكريات لا يغطيها الغبار، لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تسكن القلب. ولهذا كانت صورتها قادرة على أن تعيد إليّ كل شيء في لحظة واحدة؛ كأن السنوات التي مرت لم تكن سوى باب أغلقته الأيام، وجاءت صورتها اليوم لتفتحه دون استئذان.

لم أكرهها لأنها رحلت، ولم أتعلم يومًا كيف ألومها على اختيارها، وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي جعل حبها يبقى نقيًا في داخلي... فأنا لا أريد أن أتذكرها كامرأة كسرت قلبي، بل كامرأة جعلت قلبي يعرف للمرة الأولى كيف يكون الحب. وربما كان من السهل أن أكرهها، لكنني لم أستطع، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكره اليد التي وضعت يومًا وردة في قلبه، حتى وإن كانت هي نفسها اليد التي تركته بعد ذلك وحيدًا بين الأشواك.

الغريب في الحب أن الإنسان قد ينسى آلاف الكلمات، لكنه لا ينسى كلمة واحدة قيلت له في لحظة كان قلبه فيها مستعدًا لتصديق العالم كله... وأنا ما زلت أتذكر أشياء ربما لم تعد تعني لها شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت حياة كاملة. أتذكر الأماكن، واللحظات، والانتظار، والرسائل، وحتى ذلك الصمت الذي كان بيننا أحيانًا، لأنني كنت أجد في صمتها كلامًا أكثر مما أجده في حديث الآخرين.

كنت أريدها أن تبقى، ليس لأنها كانت كاملة، فأنا أعرف أن لا أحد كامل، ولكن لأنها كانت الجزء الذي أحببته حتى في نقصه. كنت أريدها أن تكبر معي في العمر، أن تتغير ملامحها أمامي، وأن أرى السنوات وهي تسرق من وجهها شيئًا من الشباب، دون أن تسرق من قلبي شيئًا منها. كنت أريد أن أصل معها إلى ذلك العمر الذي يصبح فيه الحب أقل كلامًا وأكثر صمتًا، ولكن صمتًا يفهمه قلبان عاشا طويلًا معًا.

وربما لو سألتني اليوم: هل ما زلت تنتظر عودتها؟ سأقول إن الانتظار شيء، والحب شيء آخر... قد لا أنتظر أن تعود، وقد لا أفتح لها الباب إذا عادت، ولكن هذا لا يعني أنني توقفت عن حبها. فهناك أشخاص تنتهي علاقتنا بهم، ولكن لا تنتهي علاقتنا بذكراهم، لأن بعض البشر لا يغادروننا عندما يغادرون حياتنا، وإنما يتحولون إلى جزء من تاريخنا لا نستطيع حذفه مهما حاولنا.**

أما قارورة العطر، فما زالت في مكانها، وكأنها آخر شاهد على قصة لم تجد خاتمتها التي كنت أتمناها... أحيانًا أنظر إليها وأبتسم، وأحيانًا أشعر أنني أمام امرأة لم تعد موجودة إلا في ذاكرتي، وأحيانًا أمد يدي إليها ثم أتراجع، لأنني أخاف أن يخرج من تلك القارورة شيء أكبر من العطر... أخاف أن يخرج معها صوتها، وضحكتها، وأيامها، وكل الأشياء التي دفنتها بصعوبة تحت ركام السنوات.

لقد فهمت متأخرًا أن بعض العطور لا تُهدى للجسد، وإنما تُهدى للذاكرة... وأن بعض الهدايا لا تكون قيمتها فيما تحمله، بل في الشخص الذي تركها خلفه. ولهذا بقيت تلك القارورة عندي، لا لأن رائحتها ما زالت جميلة، وإنما لأنها تحمل شيئًا منها، وأنا الرجل الذي لم يتعلم كيف يتخلص من الأشياء التي تحمل رائحة من أحب.

 

الخلاصة .. ربما كانت الصورة أقسى من الرحيل نفسه، لأنها لم تأخذ مني شيئًا جديدًا، وإنما أعادت إليّ شيئًا كنت قد حاولت نسيانه... أعادت لي امرأة أحببتها، وأعادت لي رجلًا كنت أنا يومًا عندما كنت إلى جوارها. ولهذا عندما أغلقت الصورة، لم أبكِ عليها وحدها، وإنما بكيت على ذلك الرجل الذي كان يصدق أن بعض الأحلام يمكن أن تبقى إلى الأبد.

الخميس، 1 أكتوبر 2026

مقال

 

القوى الناعمة الشيطانية

تحت عنوان

كيف تغيّر عالمنا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثير منا ما يتساءل: (كيف وصلنا إلى يومنا هذا؟) وهنا وجب التنويه، فالكثير من الذين يُشركون يضعون الله عز وجل في موضع المقارنة مع الشيطان، والعياذ بالله، ولكن المعادلة الأصح هي أن يكون الإنسان هو في موضع المقارنة مع الشيطان، وهذا بسبب أنه لا يوجد ما يضع الخالق والمخلوق في مقارنة، لأن الشيطان أيضًا مخلوق. ومثلما هناك تطور للفكر الإنساني، هناك أيضًا فكر شيطاني يتطور بمرور الوقت. وإذا ما كنا نريد الحديث عن مراحل التطور الفكري للإنسان، تكون الأنبياء هي مراحل تطور ذلك الفكر، وبما أن عصور الأنبياء قد انتهت، والشيطان ما زال بقاؤه يشكل أكبر عائق في استمرارية تطور الفكر، وهنا سوف نشرح مراحل التطور الشيطاني التي نعيشها هذه الأيام، ومنها تلك المفاهيم العامة على شكل أمثال ومقولات شعبية، التي أصبحت قواعد اجتماعية بمرور الوقت.

 

«يا راحتي في وحدتي، كل البلا من عشرتي» ... من أكبر الجرائم التي يرتكبها بعض البشر هو تعميم نتائج تجاربهم الشخصية كمعيار اجتماعي، فمثلما ورد هنا في مقولة تعتبر من التراث الشعبي، وهي تجسد أعلى معايير التفكك الاجتماعي، فالدعوة للعزلة ليست حلًا منطقيًا لما قد نعاني منه، والهروب ليس بالشيء المثالي لحل مشكلة قد نعاني منها، وهذا ما يصب في إيجاد سبل تدل على تطور الأساليب الشيطانية لجعل الإنسان منفردًا لتسهيل الإيقاع به.

 

«ألف قلبي ولا غلبي» ... وبهٰذا المثل يتجسد المعيار الذي يدعو إلى إسقاط كل القيم الدينية والأخلاقية من أجل أرباح دنيوية فانية، وتحويل الحياة إلى حلبة صراعات عبثية، والخروج عن الإرادة الإلهية لقضية خلق الإنسان، وكأن العالم تحول إلى قضية النهي عن الالتزام القيمي، بغض النظر عن المسميات. وهذا أيضًا من الأهداف الشيطانية في ديمومة الصراعات البشرية، من خلال عدم التمسك بالأخلاقيات والعادات المكتسبة من الإطار الديني والاجتماعي.

 

«الأقارب عقارب» ... وهي الكلمات التي تساهم في عملية قطع الأرحام، وهذا ما يتنافى مع المفاهيم السماوية التي جاءت على لسان الأنبياء والرسل. فالكثير منا اليوم يرسم حدودًا تحكمها معايير دنيوية في تحديد العلاقات مع الأقارب، حتى وصل بنا الحال إلى أن بعض العوائل لا تلتقي إلا بالمناسبات الحزينة (العزاء)، أما عن المناسبات الثانية فتدخل بها عوامل شخصية مزاجية، وهذه كارثة إذا ما كنتم لا تعلمون.

فكل ما ورد هنا يدعو لإبعاد الإنسان عن محيطه العائلي والاجتماعي، من خلال زرع أفكار وتصويرها على أنها موروث شعبي، وهي في حقيقة الأمر نتائج تجارب لشخصيات تعاني من فشل اجتماعي، تريد تعميمها على أنها أصول ترهق الوعي الاجتماعي.

 

حين تتحول التجربة إلى قانون اجتماعي ... المشكلة ليست دائمًا في الكلمات التي نتداولها، وإنما في قدرتها على البقاء داخل الوعي حتى تتحول من مجرد جملة قيلت في لحظة انفعال إلى قاعدة تحكم سلوك الإنسان. فالمثل الشعبي قد يولد من تجربة فردية، لكنه حين يتكرر على الألسن، وتتناقله الأجيال دون مساءلة، يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان، وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ لأن الإنسان لم يعد يناقش الفكرة، بل أصبح يعيش داخلها.

إن الإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير لما يمر به من نجاح وفشل، وحب وكراهية، ووفاء وخيانة، ولذلك قد يلجأ إلى اختصار التجربة في عبارة قصيرة تمنحه تفسيرًا جاهزًا. ولكن الاختصار حين يتحول إلى قاعدة مطلقة يصبح ظلمًا للحياة نفسها؛ فليس كل قريب عقربًا، وليس كل عشرة مصدرًا للبلى، وليس الانتصار في الحياة مرهونًا بإسقاط القلب والقيم والأخلاق.

وهنا تكمن فلسفة الموروث حين يفقد قدرته على أن يكون مادة للتأمل ويتحول إلى أداة لتوجيه السلوك. فالكلمة لا تصبح خطرة لأنها قيلت، وإنما تصبح خطرة عندما تتوقف العقول عن مساءلتها. وما أخطر أن يرث الإنسان أفكارًا لم يخترها، ثم يدافع عنها باعتبارها حقائق، وهو لم يسأل نفسه يومًا: من قالها؟ ولماذا قيلت؟ وهل كانت صالحة لزمنها فقط، أم تصلح لكل زمان؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تتحول التجارب الفاشلة إلى فلسفة حياة، وأن يصبح الفشل الشخصي نصيحة للآخرين، وأن تتحول الخيبة إلى قانون، والعزلة إلى حكمة، والقطيعة إلى ذكاء، والتخلي عن القيم إلى وسيلة للنجاح. عندها لا يعود الإنسان يتعامل مع الحياة كما هي، وإنما يتعامل معها وفق صورة مشوهة صنعتها تجارب الآخرين.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة الأمثال الشعبية أو رفض التراث بمجمله، وإنما بإعادة وضعه في مكانه الصحيح؛ فالتراث تجربة إنسانية قابلة للنقد والمراجعة، وليس نصًا مقدسًا فوق السؤال. وما كان مناسبًا لبيئة أو مرحلة تاريخية معينة قد لا يكون صالحًا لأن يتحول إلى قاعدة تحكم مجتمعًا كاملًا في زمن مختلف.

إن الشيطان، في المنظور الديني، لا يحتاج دائمًا إلى أن يدفع الإنسان نحو الخطأ بصورة مباشرة، فقد تكون الوسيلة الأكثر تأثيرًا هي أن يجعل الخطأ يبدو طبيعيًا، وأن يجعل القطيعة حكمة، والأنانية قوة، والعزلة راحة، والصراع أسلوب حياة، ثم يترك الإنسان يكرر هذه المفاهيم بنفسه حتى تصبح جزءًا من وعيه.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع المثل، وإنما مع (العقل الذي يستقبل المثل دون تفكير) . وليست المشكلة في الكلمة، وإنما في تحويل الكلمة إلى عقيدة اجتماعية لا تقبل النقاش. فالوعي الحقيقي لا يرفض كل ما ورثه، ولا يقبل كل ما ورثه، وإنما يقف أمامه ويسأل ويحلل ويميز بين الحكمة التي تستحق البقاء والفكرة التي آن أوان تجاوزها.

إن المجتمع الذي لا يراجع مفاهيمه القديمة قد يجد نفسه يعيش بأفكار انتهى زمانها، بينما المجتمع الذي يمتلك شجاعة النقد يستطيع أن يحافظ على جوهر قيمه، ويتخلص في الوقت نفسه من الأفكار التي أصبحت عبئًا على الإنسان.

فليست كل كلمة قديمة حكمة، وليست كل عبارة متداولة حقيقة، وليس كل ما ورثناه يستحق أن نورثه لأبنائنا. وبين الموروث الذي يبني الإنسان والموروث الذي يهدمه، يبقى (العقل الواعي هو الميزان).

 

الخلاصة ... ليست كل مقولة نتوارثها حكمة، وليست كل عبارة تتناقلها الألسن حقيقة، فبعض الكلمات قد تتحول بمرور الزمن إلى أدوات تهدم ما بنته القيم والأخلاق. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يسلّم عقله للموروث دون سؤال أو مراجعة؛ لأن الأفكار حين تتحول إلى مسلّمات تصبح أقوى من أصحابها، وحينها لا يحتاج الشيطان إلى أن يتكلم، يكفيه أن يجعلنا نتكلم بلسانه ونحن نظن أننا نتحدث من تجاربنا وحكمتنا.

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

مقال

 

عادة حليمة لعادتها القديمة

تحت عنوان

مواسم الأزمات الحكومية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



اعتاد النظام منذ أعوام طويلة على منهجية لا يخرج عنها، من خلال بعض الممارسات التي أصبحت جزءًا من تقاليدنا اليومية، وبما أن الجميع متفق اليوم على أن النتائج التي نعيشها اليوم هي، باعتراف رجال النظام، فشل حكومي، ولهذا اقتضى الاستشهاد بمقولة لأينشتاين: «إن إعادة التجربة بنفس المعايير وانتظار نتيجة مغايرة هو نوع من الغباء»، وهنا تكون هذه المقولة بمثابة قاعدة تُبنى عليها المقال.

 

الشعب يريد النفط الأبيض... في خضم القضايا التي تشغل النظام اليوم، من آليات الاستقتال للبقاء على رأس السلطة، وعملية الاستحواذ على رؤوس الأموال بحجة محاربة الفساد، ولكن ما يغيب عن حسابات السلطة والنظام هو مشهد احتياجات المواطن البسيط، على الرغم من أنه لا يوجد شيء يُذكر وقد يُحسب للنظام تجاه المواطن. واليوم، ونحن على أعتاب فصل الشتاء، ومن ضمن متطلبات هذا الفصل هو النفط الأبيض، ولكن يبدو أن لا أحد مهتم بهذا الأمر في خضم ما يحدث، وليس هناك سبب منطقي لتحمل المواطن ذنب مغامراتكم السياسية تحت أي مسمى يُذكر.

والمشكلة هنا ليست في النفط الأبيض وحده، فالقضية أكبر من مجرد مادة يحتاجها المواطن في فصل الشتاء، وإنما في عقلية إدارة الأزمات التي تجعل المواطن ينتظر الحل بعد وقوع المشكلة بدل أن يجد الدولة قد استعدت لها قبل وقوعها. فالشتاء ليس مفاجأة موسمية، والبرد ليس حدثًا طارئًا، واحتياجات المواطن ليست من الأسرار التي تحتاج إلى لجان واجتماعات حتى تكتشفها السلطة. المواطن يعرف موعد الشتاء، والدولة تعرفه أيضًا، فلماذا يتحول الأمر في كل مرة إلى أزمة وانتظار ومناشدات؟ إن الدولة التي تمتلك مواردها وإمكاناتها يفترض أن تجعل احتياجات المواطن جزءًا من خططها لا مادة للمساومة أو التأجيل.

وإذا كان المواطن مطالبًا بالصبر في كل أزمة، فعلى الدولة أن تسأل نفسها: إلى متى؟ فالصبر عندما يتحول إلى سياسة حكومية يصبح استنزافًا للإنسان، وعندما يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن كل ارتباك سياسي وإداري، فإننا لم نعد أمام أزمة نفط أبيض، وإنما أمام أزمة في مفهوم المسؤولية نفسها. المواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يعيش فصل الشتاء دون أن يتحول إلى متسول للخدمات الأساسية.

 

مواسم العطل... مع بداية العام الدراسي الجديد يبدأ فصل آخر من فصول التراجع على كل المستويات، وقد لا تعرف، عزيزي القارئ، أننا البلد الأكثر عطلًا في العالم بأسره، وفي هذا دليل على أن المنهجية التي تتبعها السلطات اليوم غير عملية، ولا تمت بصلة إلى مبدأ وأسس بناء دولة تأخذ من العمل منهاجًا حكوميًا. فترسيخ مبدأ العطلات في عقلية الموظف الحكومي يعتبر نوعًا من أنواع بناء ما يُعرف بالتقاعس الوظيفي، فالدول المتقدمة تحرص على تقليل كل شيء يساهم في إيقاف عجلة التقدم، فكيف يكون الحال في بلد متأخر من الأصل؟

ولست هنا ضد العطلة التي تفرضها مناسبة وطنية أو دينية أو ظرف استثنائي، فالعطلة حق تنظمه الدولة بقانون، وقد نظم العراق العطلات الرسمية بقانون صدر عام 2024، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العطلة من استثناء تنظيمي إلى ثقافة عامة تتسرب إلى عقلية العمل نفسها.

فالدولة لا تُبنى بعدد ساعات النوم ولا بعدد أيام إغلاق الدوائر، وإنما تُبنى بعقلية ترى في الوقت ثروة وطنية. وكل ساعة عمل ضائعة تعني مشروعًا مؤجلًا، ومعاملة متوقفة، ومواطنًا ينتظر، ومؤسسة تزداد تراكمًا في ملفاتها. وما نحتاجه ليس إلغاء العطلات، وإنما إعادة النظر في فلسفة العمل الحكومي، بحيث لا تكون العطلة هي القاعدة والعمل هو الاستثناء.

والأخطر من ذلك أن الموظف عندما يعتاد أن العمل يمكن أن يتوقف لأي سبب، وأن إنجاز معاملته يمكن أن يؤجل، وأن المؤسسة تستطيع أن تغلق أبوابها بينما تبقى حاجات الناس مفتوحة، فإننا نكون قد صنعنا بالتدريج عقلية وظيفية لا ترى في الإنتاج قيمة حقيقية. وهذه ليست مشكلة موظف بعينه، وإنما نتيجة طبيعية لمنهج إداري يحتاج إلى مراجعة جادة.

 

تصريحات غير مسؤولة... يكثر اليوم، وعلى مواقع التواصل، شخصيات تتحدث بلسان السلطات الحكومية، وهذا يعتبر كارثة بكل المقاييس، وفي ذلك أيضًا خطورة تكمن في ترويج الأكاذيب، مما يضعف الأداء الحكومي ويسقط المصداقية عنه. وعدم وجود قنوات حكومية رصينة على مواقع التواصل يدفع الكثيرين إلى أخذ هذا الدور ونشر ما يرونه هم أنه تصريح حكومي، دون التأكد من مصدر المعلومة.

ومثال على هذا حادثة إنقاذ الرهائن في الصومال، وهنا لا أشكك بشجاعة العشائر العربية، ولكن تم تكذيب الخبر الذي نُشر مع صمت حكومي، وهنا يكون هناك مثل يصب في أصل الموضوع، مفاده: «إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم».

والغريب أن قد يُفسر الصمت الحكومي بشكل سيئ، فإذا ما صح الخبر يكون هناك إسقاط حقيقي لهيبة الدولة التي ينادي بها الجميع، وإذا ما كان العكس يكون تقصيرًا متعمدًا بنشر الأكاذيب، والسكوت عنها جريمة بكل المقاييس.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الدولة نفسها، لم يعد الصمت الحكومي خيارًا آمنًا، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، وإنما تملؤه الشائعة والتخمين والتفسير الشخصي. ولهذا فإن وجود المعلومة الرسمية السريعة والدقيقة أصبح جزءًا من هيبة الدولة، وليس مجرد ترف إعلامي. فالحكومة العراقية نفسها أنشأت منصة رسمية للتحقق من الأخبار والبيانات ومواجهة الأخبار الكاذبة والمضللة، وهذا يعني أن مشكلة التضليل معترف بها أصلًا باعتبارها قضية تحتاج إلى مواجهة مؤسسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يترك المواطن أحيانًا يبحث عن الحقيقة بين عشرات الصفحات والحسابات، بينما يفترض أن تكون المعلومة الرسمية هي المصدر الأول والأوضح؟ إن الدولة التي لا تتحدث في الوقت المناسب تترك الآخرين يتحدثون باسمها، ومن يتحدث باسم الدولة دون تفويض منها لا يسيء إلى الحقيقة فقط، بل يضع الدولة نفسها أمام امتحان المصداقية.

فالمعلومة الخاطئة يمكن تصحيحها، ولكن فقدان الثقة أصعب بكثير من تصحيح خبر. ولهذا فإن المسؤولية لا تقع فقط على من ينشر الشائعة، وإنما تقع أيضًا على المؤسسة التي تسمح للفراغ أن يتمدد حتى تصبح الشائعة أسرع من البيان الرسمي.

 

معضلة الراتب ... منذ شهور يقبع المواطن تحت قبة القلق على مصدر رزقه، وبما أننا «دولة رواتب»، حيث تم إهمال الصناعة والزراعة، تكون كل مفاصل الحياة مرتبطة بما يُعرف بالراتب، حتى أصحاب الحرف البسيطة. والسياسة التي تغامر بمقدرات البشر تعتبر غبية إلى حد كبير، ويبدو أن النظام، ومنذ البداية، راهن على قضية الراتب في قضية ديمومة النظام، وجعل منه قيدًا على الرقاب، وهذا ما جعل منه القضية الأبرز فيما يؤرق حياة المواطن.

وعندما يصبح الراتب هو العمود الذي تستند إليه حياة شريحة واسعة من المجتمع، فإن أي ارتباك في هذا الملف لا يبقى مشكلة مالية، وإنما يتحول إلى أزمة اجتماعية ونفسية واقتصادية في الوقت نفسه. فالموظف لا ينتظر راتبه ليشتري الكماليات، وإنما ينتظره للإيجار، والطعام، والدواء، وأقساط الدراسة، وفواتير الكهرباء والماء، والتزامات الأسرة. ولهذا فإن الحديث عن الراتب يجب ألا يكون مجرد أرقام تظهر في جداول الموازنة، وإنما يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستقرار الاجتماعي.

ووزارة المالية تنشر أصلًا تقارير دورية للحسابات والموازنة خلال السنة، بما في ذلك تقارير عام 2026، وهذا يجعل قضية المال العام قابلة للمتابعة والمساءلة بالأرقام لا بالشائعات.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن راتبه أصبح ورقة معلقة بين القرار السياسي والإجراء الإداري. عندها لا يعود الموظف يفكر في عمله فقط، وإنما يبدأ بالتفكير في مصير أسرته، وفي السؤال الذي لا يريد أحد سماعه: ماذا لو تأخر الراتب؟ ومن يدفع ثمن هذا التأخير؟

إن الدولة التي تريد من المواطن أن يكون منتجًا ومستقرًا عليها أولًا أن تمنحه الحد الأدنى من الشعور بالأمان الاقتصادي، لأن الموظف القلق على راتبه لن يستطيع أن يكون مطمئنًا على مستقبله، والمجتمع الذي يعيش أفراده تحت ضغط الراتب يتحول بالتدريج إلى مجتمع ينتظر لا مجتمع ينتج.

 

الخلاصة... إن صناعة الأزمات في حياتنا اليومية أصبحت من ضمن آليات اعتاد عليها المواطن، حتى إنه قد أصابه الملل في المطالبة أو المناشدة، وكان الأمر يكاد أن يكون مع النظام ورجاله يعمل تحت عنوان: «أذن من طين وأذن من عجين»، دلالة على عدم المبالاة لما يخص القضايا التي تخص الحياة اليومية، وتركيزهم على إيجاد مسببات البقاء على رأس السلطة.

وهنا نصل إلى جوهر الحكاية: هل أصبحت الأزمة عندنا حالة طارئة، أم أصبحت جزءًا من طريقة إدارة الدولة؟ لأن الفرق كبير بين حكومة تواجه أزمة مفاجئة، وحكومة تجد نفسها في كل مرة أمام الأزمات نفسها وكأنها تراها للمرة الأولى. فالمشكلة ليست في حدوث الأزمة، فكل الدول تمر بأزمات، وإنما في أن تتحول الأزمة إلى موسم يتكرر، ثم تبدأ معها رحلة التصريحات والتبريرات والوعود، وبعدها تهدأ العاصفة قليلًا، لنعود بعد أشهر إلى الأزمة نفسها وكأن شيئًا لم يحدث.

وهنا تعود مقولة أينشتاين التي بدأنا بها: إذا أعدنا التجربة نفسها بالآليات نفسها ثم انتظرنا نتيجة مختلفة، فالمشكلة ليست في النتيجة وحدها، وإنما في إصرارنا على إعادة إنتاج الطريق نفسه. الدولة التي تريد الخروج من أزماتها لا تحتاج إلى تغيير الوجوه فقط، وإنما تحتاج إلى تغيير الآليات التي تصنع الأزمة وتعيد إنتاجها.

فالأزمة ليست دائمًا عدوًا للنظام؛ أحيانًا تتحول الأزمة إلى ستار تنشغل خلفه الجماهير عن السؤال الحقيقي: لماذا حدثت الأزمة أصلًا؟ ومن المسؤول عن منع تكرارها؟ وما الذي تغير بعد انتهائها؟

وهنا تحديدًا تكمن الخطورة؛ لأن المواطن قد يعتاد الأزمة كما يعتاد الخبر السيئ، وقد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يطالب بحقه، وإنما ينتظر أن تمر الأزمة كما مرت سابقاتها. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المشكلة أكبر من أزمة نفط أو عطلة أو راتب أو تصريح، لأننا نكون أمام صناعة تدريجية للقبول بالأزمة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن نتوقف عنده، لأن الدولة لا تُقاس بعدد الأزمات التي تستطيع تأجيلها، وإنما بعدد الأزمات التي تستطيع منع تكرارها.

وقد يظن هنا البعض أن الفشل الحكومي يعود إلى شخصيات بعينها، ولكن الحقيقة أن الأمر برمته يعود إلى آليات النظام بأكمله، ولهذا وجد النظام في خلق الأزمات حلًا لإشغال الرأي العام عن مسببات الفشل الحقيقي.

مقال

  سينما بلا سينما تحت عنوان مهرجان السينما في الموصل بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين نحن نسمع عن غش تجاري أو غش صناعي، ولكن غ...