سينما بلا سينما
تحت عنوان
مهرجان السينما في الموصل
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
نحن نسمع عن غش تجاري أو غش صناعي، ولكن غش ثقافي؟ فهذه
تُحسب لعرّابي الخداع في الموصل. بالأمس، كان هناك ما يُعرف بمهرجان السينما الذي
احتضنته المدينة، ولكن السؤال هنا: هل نملك مقومات إقامة مهرجان بهذه الصفة، أم إن
الأمر لا يتجاوز دعاية حكومية لا أكثر؟
إن المشكلة ليست في إقامة مهرجان، ولا في استضافة
الفنانين والمثقفين، فهذه أمور نرحب بها ونتمنى أن تتكرر، ولكن المشكلة تكمن في
تحويل الأسماء الكبيرة إلى عناوين فارغة، وتقديم المظاهر على حساب الحقائق. فليس
كل ما يُقام مهرجانًا، وليس كل ما يُعلن عنه إنجازًا، وليس كل صورة تُلتقط أمام
الكاميرات دليلًا على أن المدينة قد خطت خطوة إلى الأمام. إن الثقافة ليست لافتة
تُعلّق، ولا منصة تُنصب، ولا كلمات تُلقى أمام الحاضرين، بل هي مشروع متكامل له
أهدافه ومقوماته ونتائجه التي يلمسها المجتمع. أما أن نكتفي بتسمية الأشياء بأسماء
أكبر من حقيقتها، فهذه ليست صناعة ثقافية، بل صناعة أوهام بمسميات براقة.
مقومات إقامة مهرجان... تبدأ من التسمية: مهرجان
سينمائي. الاسم كبير وجميل إلى حد كبير، ولكن يجب أن تكون هناك مقومات ينبغي العمل
عليها، وأهمها القبول الشعبي. وهنا يجب التنويه إلى أن المهرجان لم يُعلن عنه في
الأوساط الثقافية أو الشعبية، وهذا ما يثير التساؤلات بشأن آلية التحضير له، ويجعل
إقامة هذا المهرجان محاطة بعلامات استفهام، حاله كحال تلك المهرجانات التي لا
تُعرف مرجعيتها من الأصل، ومنها مهرجان (سبيستون)، الذي لا يعلم أحد فحوى إقامته.
وهنا أضع السؤال أمام القائمين على هذه الفعاليات: لمن
تُقام المهرجانات الثقافية إذا كان جمهورها لا يعلم بوجودها؟ وهل يُعقل أن يُنظّم
نشاط يحمل صفة ثقافية من دون أن يكون للمثقفين والمهتمين وأبناء المدينة علم به؟
إن الإعلان ليس تفصيلًا ثانويًا في العمل الثقافي، بل هو جزء من هويته، ومن دونه
يتحول النشاط إلى مناسبة مغلقة لا تتجاوز حدود القائمين عليها وضيوفها. فالمهرجان
الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء التي تظهر في برنامجه، بل بمدى قدرته على الوصول
إلى الناس، وتحريك المشهد الثقافي، وخلق مساحة حقيقية للحوار والتفاعل. أما أن
نُقيم فعالية ثم ننتظر من المدينة أن تصفق لإنجاز لم تُمنح فرصة معرفته، فذلك منطق
يحتاج إلى مراجعة، لا إلى مزيد من الدعاية.
المدينة لا تملك دار عرض... ما لا يمكن تجاهله هو أن
إقامة مهرجان بهذا الحجم في مدينة لا تملك دار عرض سينمائي عاملة واحدة، على
الأقل، تضعنا أمام مفارقة تستحق الوقوف عندها، وكأن الأمر يصب في فحوى المثل
القائل: (يُحضَر المعلف قبل الحصان). وليس هذا فحسب، فهناك أمر آخر، وهو أن أي
مهرجان سينمائي ينبغي أن تكون له برامج واضحة، تتضمن عرض الأفلام ومناقشتها،
واستضافة المختصين، وفتح أبواب النقد والحوار، حتى تتجسد أهدافه على أرض الواقع.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الدولة اليوم إلى ترشيق الإنفاق الحكومي، نرى أن إقامة
فعاليات ثقافية من دون وضوح أهدافها ومردودها تفتح باب التساؤل عن جدواها
وأولوياتها، في مدينة لا تزال بحاجة إلى مقومات أساسية للنهوض بحياتها الثقافية.
إن السينما ليست سجادة حمراء، ولا صورًا تذكارية، ولا
كلمات تُلقى ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. السينما صناعة وفكر وتاريخ وذاكرة، وهي
قبل كل شيء مكان يشاهد فيه الجمهور الأفلام، ويناقشها، ويتفاعل معها. فكيف نريد أن
نتحدث عن نهضة سينمائية في مدينة تفتقر إلى البنية الأساسية التي تتيح للناس
ممارسة أبسط حقوقهم في مشاهدة الأفلام داخل دور عرض حقيقية؟ وكيف نطالب الأجيال
الجديدة بالاهتمام بالفن السابع، بينما لا نوفر لها المناخ الذي يجعل هذا الفن
جزءًا من حياتها اليومية؟
إن بناء الثقافة يبدأ من الأساس، لا من السقف، ومن توفير
الإمكانات قبل الاحتفال بالنتائج. وكان الأجدر أن تترافق هذه المهرجانات مع خطة
واضحة لإعادة الحياة إلى دور العرض، وتشجيع الإنتاج السينمائي المحلي، وتدريب
الشباب، وفتح المجال أمام المخرجين والكتّاب والنقاد. عندها نستطيع أن نتحدث عن
مشروع سينمائي له جذور وامتداد، لا عن مناسبة تنتهي بانطفاء الأضواء. فالموصل لا
ينقصها التاريخ ولا المواهب، وإنما تحتاج إلى من يحوّل هذه الإمكانات إلى مشاريع
حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بإقامة الاحتفالات حولها.
غياب الطبقة الثقافية... أظن أن القائمين على المهرجان
ليسوا على دراية بأن إقامة أي مهرجان سينمائي تستلزم حضور عدد من النقاد والمفكرين
من أبناء المدينة، لبناء عملية التواصل الحضاري مع الفن، كما أشار الفنان (جلال
حسن). ويبدو أن القائمين على هذا المهرجان لم يمنحوا الأقلام الثقافية والنقدية
والفنية والصحفية في المدينة ما تستحقه من اهتمام، على الرغم من أن الموصل تزخر
بأسماء تتمتع بالرصانة المهنية والقدرة على إثراء أي نشاط ثقافي جاد.
والأغرب أن المهرجان أُقيم في مكان لا يبعد عني كثيرًا،
ورغم هذا لم أعلم حتى بموعد إقامته، وهذا دليل من تجربتي الشخصية على وجود خلل في
آلية الإعلان والتواصل، ويستحق أن يُطرح بشأنه السؤال: كيف يمكن لفعالية تحمل اسم
الثقافة أن تتجاوز محيطها الثقافي القريب؟
إن المثقف ليس قطعة ديكور تُضاف إلى المشهد حين يحتاج
المنظمون إلى إكمال الصورة، وليس اسمه رقمًا يُدرج في قائمة المدعوين لإضفاء صفة
ثقافية على المناسبة. المثقف شريك في صناعة الوعي، وناقد يستطيع أن يكشف مواطن
الخلل، وصاحب رأي قد لا يُرضي القائمين على الفعاليات، لكنه يؤدي دورًا لا يمكن
الاستغناء عنه إذا كانت الغاية هي التطوير الحقيقي. أما إقصاء الأصوات المحلية، أو
عدم التواصل معها، ثم الحديث عن نهضة ثقافية، فهو تناقض لا يحتاج إلى كثير من
الشرح.
والموصل ليست مدينة طارئة على الثقافة حتى يأتي من
يعرّفها بالفن، وليست أرضًا خالية من الأقلام التي تستطيع أن تكتب وتناقش وتحلل
وتنقد. فيها كتّاب وشعراء وصحفيون وفنانون وأكاديميون، وفيها ذاكرة ثقافية تستحق
أن تكون في مقدمة أي مشروع يُقام باسمها. وإذا كان الهدف من المهرجان هو مد جسور
التواصل الحضاري، فكيف تُبنى الجسور من دون التواصل مع أصحاب الشأن؟ وهل يُعقل أن
نبحث عن الاعتراف الخارجي بينما نهمل الطاقات الموجودة بين أيدينا؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الأسماء المحلية عن
صورة هنا أو دعوة هناك، بل في غياب الفكرة التي تجعل هذه الأسماء جزءًا من المشروع
نفسه. فالثقافة لا تُدار بمنطق العلاقات الشخصية، ولا ينبغي أن تتحول إلى دائرة
مغلقة يتحكم بها عدد محدود من الأشخاص. ومن يريد خدمة الموصل عليه أن يفتح الأبواب
أمام الجميع، لا أن يجعل الوصول إلى الفعاليات الثقافية امتيازًا لا يعرف الناس
كيف يحصلون عليه.
البهرجة الكاذبة... تذاكر سفر، وحجوزات فنادق، ومصاريف
هنا وهناك، وهنا يأتي السؤال: (ما الذي استفادته المدينة من المهرجان؟).
الجواب لا يمكن أن يكون مجرد صور منشورة أو تصريحات
احتفالية أو عبارات من قبيل النجاح والتميز، بل يجب أن يكون هناك مردود ثقافي واضح
يمكن قياسه وتقييمه. فهل خرج المهرجان بتوصيات قابلة للتنفيذ؟ وهل أسهم في دعم
السينمائيين المحليين؟ وهل فتح بابًا أمام الشباب لدخول عالم السينما؟ وهل ترك
برنامجًا مستمرًا بعد انتهاء أيامه؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز التعامل معها على
أنها انتقاص من قيمة الثقافة أو اعتراض على إقامة الفعاليات. فمن حق المواطن أن
يسأل عن نتائج أي نشاط يُقام في مدينته، ومن واجب الجهات المنظمة أن تقدم إجابات
واضحة عن أهدافه ومخرجاته.
ويبدو أن هناك من يعتقد أن النجاح يُصنع بمجرد استضافة
الضيوف وإقامة المناسبات والتقاط الصور، وكأن الثقافة أصبحت سباقًا في المظاهر لا
في النتائج. ولا أرى ضررًا في استضافة الفنانين أو الإنفاق على النشاط الثقافي إذا
كان ذلك يخدم المدينة ويحقق أهدافًا حقيقية، لكن الضرر يبدأ عندما تصبح الوسائل
غاية، ويُقدَّم الاحتفال على الإنجاز، ويُطلب من الناس التصفيق قبل أن يعرفوا ماذا
تحقق على أرض الواقع.
إن المال الذي يُنفق على الثقافة ليس موضع اعتراض في حد
ذاته، بل هو استثمار ضروري إذا وُضع في المكان الصحيح، ولكن السؤال الذي يجب أن
يسبق أي إنفاق هو: ما الفائدة التي ستعود على المدينة وأبنائها؟ فالمواطن الذي
يبحث عن نافذة ثقافية، والشاب الذي يحلم بأن يصبح مخرجًا، والفنان الذي ينتظر فرصة
حقيقية لعرض عمله، جميعهم أحق بأن تكون لهم حصة من نتائج هذه الفعاليات. أما أن
تنتهي المناسبة وتبقى الأسئلة معلقة، فذلك يعني أن علينا مراجعة طريقة العمل، لا
أن نكتفي بتجميل الصورة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تتحول إلى مادة
دعائية تُستخدم لإظهار أن كل شيء على ما يرام، بينما تظل المشكلات الأساسية في
مكانها. فالدعاية قد تصنع انطباعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع واقعًا
جديدًا. والصورة قد توحي بالنجاح، لكنها لا تثبت وحدها أن هناك إنجازًا. أما
الحقيقة، فهي لا تحتاج إلى كثير من الزينة؛ يكفي أن نرى أثرها في حياة الناس، وفي
المؤسسات، وفي استمرار المشاريع بعد انتهاء الاحتفالات.
الخاتمة... أنا لا أكتب ضد السينما، ولا ضد المهرجانات،
ولا ضد أي جهد يسعى إلى تنشيط الحياة الثقافية في الموصل، بل أكتب دفاعًا عن
المعنى الحقيقي لهذه الأنشطة، وعن حق المدينة في أن تحصل على مشاريع تليق بتاريخها
وإمكاناتها. فالاعتراض ليس عيبًا، والنقد ليس عداءً، والسؤال عن الجدوى ليس إساءة
إلى أحد، وإنما هو جزء من المسؤولية الثقافية التي يجب أن يتحلى بها كل من يضع
مصلحة المدينة فوق الحسابات الشخصية والدعائية.
إن الموصل لا تحتاج إلى مهرجان يحمل اسم السينما بقدر
حاجتها إلى حياة سينمائية حقيقية، ولا تحتاج إلى مظاهر احتفالية بقدر حاجتها إلى
مؤسسات ومبادرات تستمر وتنتج وتترك أثرًا. نريد سينما تُعرض فيها الأفلام، ونقاشًا
يُسمع فيه صوت النقد، وفرصًا تُمنح للمواهب، وبرامج لا تنتهي بانتهاء الضيوف. نريد
ثقافة تُقاس بما تقدمه للناس، لا بما تستهلكه من كلمات وصور.
أما أن نُقيم مهرجانًا للسينما في مدينة تفتقر إلى دار
عرض، ثم نحتفل بالعنوان وننسى المضمون، فهنا تكمن المفارقة التي دفعتني إلى
الكتابة. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يحمل اسم الثقافة ثقافة، وليس كل
مهرجان دليلًا على وجود نهضة.
وأقولها بوضوح: لا تصنعوا لنا مهرجانات على الورق، ثم
تطلبوا منا أن نراها نهضة على الأرض؛ فالمدينة أكبر من أن تكون خلفية لصورة
تذكارية، وثقافتها أعمق من أن تُختزل في دعاية عابرة.





