الشيوعية والثقافة القشرية
تحت عنوان
البغبغاوية
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
هناك شائعة مغلوطة بين الكثير من المثقفين والمفكرين
اليوم، مفادها أن الشيوعيين هم الأكثر ثقافة من سواهم. ولكن الثقافة ليست أن تقوم
بحفظ الكثير من النصوص والأسماء، إنما هي أن يكون لك رأي فيما تحفظ أو تقرأ.
فالكثير ممن يحملون جذورًا تاريخية في الانتماء المذهبي لهذا الفكر هم مجرد
مستعرضين لما حفظوه، لا أكثر. وهنا سوف نستعرض بعض الأسباب التي ساهمت في صناعة
هذه الفكرة.
فكرة تصدير الثورة... يظن البعض أن هذه الفكرة تعود إلى
نظام الملالي في إيران، ولكن، وللأسف، هذه أيضًا فكرة غير صحيحة، إذ إنها تعود إلى
المنهج الشيوعي ومفهوم تطوير أساليب السيطرة في العالم منذ أيام الحروب العالمية
وتأسيس الأحزاب الشيوعية، فكان الأدب والفن أبرز أدوات تصدير فكرة الثورة
الشيوعية.
حقيقة الانتشار الواسع... قد يرى أحدكم، إذا ما عاد إلى
تاريخ الأدب والأدباء في العراق، أن نسبة كبيرة جدًا منهم كانت تتبنى هذا الفكر.
وإذا ما عدنا إلى حقيقة الأمر، فسوف نجد تلك الشعارات الزائفة عن المساواة ودعم
الطبقات الفقيرة. ولكن الاستعراض شيء، والحقائق أمر آخر. فالفكر الشيوعي هو تجسيد
لاستعباد الشرائح الاجتماعية، والفرق بينه وبين الرأسمالية أن الأولى تستعبد
الجماعة، والثانية تستعبد الفرد. والغريب أن الكثير من المفكرين، لغاية يومنا هذا،
لم يدركوا هذه الحقيقة المُرّة. وهناك معلومة يجب أن تعلمها العامة، وهي أن
التاريخ الشيوعي، منذ تأسيسه ولغاية تاريخ كتابة هذا المقال، تاريخ دموي بامتياز،
وهذا يعود، برأيي، إلى سذاجة ذلك الفكر ومفكريه.
أدب اللطامة... لا تغرنك تلك الأسماء اللامعة في الفكر
الشيوعي، فجميعهم يلعبون اللعبة ذاتها، التي تنحصر في مصطلح (جلد الذات)، بوصفه
نوعًا من استدرار عطف الفئة الأكثر اضطهادًا اجتماعيًا أو سياسيًا. أما عن تلك
الأسماء، مثل (مكسيم غوركي، وميخائيل شولوخوف) وغيرهما الكثير، فجميعهم يشتركون في
أن الحظ قد خدمهم لتصبح أسماؤهم لامعة. وحتى لو عدنا إلى المؤسس (كارل ماركس)،
لوجدناه يعاني الكثير من العقد النفسية والاجتماعية التي دفعته ليكون ما هو عليه.
ومن أبرز المآثر التي كان لها صدى واسع الانتشار فكرة (المعاناة تصنع الإبداع)، أي
يجب أن تعيش حياة بائسة لتكون مبدعًا، وهذا يلغي دور الموهبة في الموضوع، ولهذا
أطلقت عليه أدب اللطامة.
مشكلة الشيوعية في الفكر العربي... وهنا يجمع الكثير من
المفكرين على فشل الفكر الشيوعي أمام الفكر العربي، ولهذا أسبابه، وأبرزها أن
المجتمع العربي هو، بالأصل، مجتمع متدين وعاطفي. ولهذا تجد أنه حتى عند أولئك
الشيوعيين العرب، فإنهم ينكرون فكرة الإلحاد وارتباطه بالشيوعية، ولهذا فشلت فكرة
تغيير العقيدة التي تمس الدين.
ومن باب الطرفة، قبل أيام، وبينما كنت أتصفح مواقع
التواصل الاجتماعي، وجدت مجموعة بعنوان (تجمع شيوعيي العراق)، ولكن عند دخولي
لرؤية ما ينشرونه، وجدت أن جميع المنشورات عبارة عن صور للإمام علي، كرم الله
وجهه، والإمام الحسين، عليه السلام. فكتبت منشورًا تضمن: (إخوان، أنتم غير قادرين
على التفريق بين مصطلحي شيعي وشيوعي). وهنا يكمن المغزى، ويكمن أيضًا الإثبات، على
أن ثقافتهم، في حقيقة الأمر، ثقافة قشرية.
ثقافة الاقتباس... من أكثر ما يلفت الانتباه في أوساط
المتأثرين بهذا الفكر أن كثيرًا من النقاشات تتحول إلى سباق في استعراض أسماء
الفلاسفة والروائيين والاقتباسات، حتى يصبح اسم الكاتب أهم من الفكرة نفسها. فتجد
أحدهم يردد مقولة لماركس أو لغرامشي أو لغوركي وكأن مجرد الاستشهاد بها يمنحه
تفوقًا فكريًا، بينما إذا سألته عن رأيه الشخصي، أو طلبت منه نقدًا لتلك الفكرة،
اكتشف أنه لا يملك سوى إعادة ما قرأه بصياغة مختلفة. وهنا تتحول الثقافة من عملية
إنتاج للمعرفة إلى مجرد عملية حفظ واستنساخ، ويتحول المثقف إلى ببغاء يكرر ما
سمعه، لا إلى عقلٍ قادر على التحليل والمراجعة والمساءلة. فالثقافة الحقيقية لا
تُقاس بعدد الكتب التي قرأتها، بل بعدد الأفكار التي استطعت أن تعيد النظر فيها
وأن تبني منها رأيًا مستقلًا، لأن العقل الذي لا يجيد إلا التكرار لا يصنع معرفة،
وإنما يصنع صدىً لأصوات الآخرين.
الخلاصة ... أنني هنا لا أخشى أصحاب الأفكار بقدر ما
أخشى أصحاب العقول المستعارة؛ أولئك الذين يظنون أن ترديد أسماء الكتب والفلاسفة
يمنحهم صكوك التفوق، بينما هم في الحقيقة لا يحملون إلا أصداء أصوات غيرهم.
فالثقافة القشرية لا تصنع مفكرًا، بل تصنع ببغاءً يحفظ أكثر مما يفهم، ويكرر أكثر
مما يحلل، ويهاجم أكثر مما يناقش. وما أقسى أن يقضي الإنسان عمره يتباهى بما حفظ،
ثم يكتشف أنه لم يملك يومًا فكرةً واحدةً تخصه. فالتاريخ لا يخلد حافظي الشعارات،
وإنما يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، وجرأة النقد، واستقلال العقل.




