بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 11 مايو 2026

مقال

 

 قراءة في الدراما التاريخية التركية

تحت عنوان

دائرة التوجيه القومي

 بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين 



في الآونة الأخيرة ظهرت مجموعة من الأعمال الدرامية التي تُقدَّم بوصفها توثيقًا تاريخيًا لحقبة معينة من تاريخ الأتراك، ولا سيما المرحلة التي سبقت قيام الدولة العثمانية، مثل Alparslan: Büyük Selçuklu وKuruluş: Osman.

ولكل عملٍ من هذه الأعمال ميزاته وعيوبه، واليوم سيكون حديثنا استعراضًا لما قد لا يدركه المشاهد من باب القراءة الفنية، ومن زاوية بعيدة عمّا أراد صنّاع العمل تمريره أو توجيهه للمتلقي، ولنبدأ من قضية التحشيد لفكرة القومية تحت غطاء التدين.

 

فكرة القومية ... جنّدت هذه الأعمال جميع إمكانياتها النصية والفنية لصالح ترسيخ بعض المصطلحات والتركيز عليها، مثل: (قبيلة الكاي)، (الأتراك)، (التفاحة الحمراء)، و(الدم الأزرق)، وجميع هذه المفاهيم تصب في مجرى واحد، وهو تعزيز الروح القومية. وتنقسم هذه المصطلحات إلى قسمين: الأول ذو جذور تاريخية حقيقية، والثاني جاء بصيغة تعزيزية تخدم الخطاب الدرامي. وقد يرى الكثير من المتابعين أن ما يُطرح يمثل روايات تاريخية معتمدة بالكامل، إلا أن ذلك لا يعكس بدقة الواقع المكتوب لتلك المرحلة الزمنية.

 

القواعد التي ارتكز عليها العمل

بناء شخصية البطل ... اعتمدت هذه الأعمال منذ البداية على خلق صورة خارقة للبطل، سواء في شخصية ألب أرسلان أو عثمان المؤسس، من خلال منحهما صفات بشرية تتجاوز حدود المألوف. فلم يطرح المسلسل، على سبيل المثال، معركة حقيقية خسرها الأبطال بصورة واضحة ومؤثرة، والهدف من ذلك هو صناعة ما يُعرف بالمساحة المعرفية في العقل الباطن للمتلقي، لترسيخ صورة الرجل الذي لا يُهزم.

توظيف البعد الديني ... وهنا يُحسب للعمل نجاحه في توظيف العديد من المصطلحات الدينية، مثل الخطاب الإسلامي المرتبط بالصوفية، والقيم المنحدرة منها، إلى جانب مفاهيم الجهاد والعدالة، وكلها استُخدمت لاستثارة المشاعر الإسلامية لدى المشاهد بصورة مباشرة، وقد جرى التركيز عليها بشكل مكثف وواضح.

اللعب على الإيقاع العاطفي ... اعتمدت هذه الأعمال على عناصر مثل: (الخيانة، الانتقام، الولاء، الحب، والتضحية)، وقد تم توظيفها بحرفية عالية، مما منح العمل مشاهد درامية ذات جودة بصرية مرتفعة، وأسهم في صناعة حالة من التفاعل العاطفي المستمر لدى المشاهد.

 

أما نقاط الضعف التي عانى منها العمل

الانتقائية ... وقد يصل الأمر أحيانًا إلى مستوى التزييف الجزئي للحقائق، إذ تناولت هذه الأعمال الحقب التي تخدم التوجهات السياسية الحديثة للدولة، وهو ما قد يُضعف الصيغة المقدمة للرواية التاريخية، ويجعلها أقرب إلى إعادة إنتاج الماضي بما يخدم الحاضر.

تجميل الواقع ... لم تتناول هذه الأعمال جانبًا مهمًا من الصراعات العائلية والسياسية، وأظهرت الكثير من النزاعات على أنها مجرد حالات خيانة فردية، بدلًا من كونها صراعات حقيقية على السلطة والنفوذ، ولهذا نجد أن هناك أحداثًا تاريخية وحقبًا زمنية كاملة لم يتم التطرق إليها عمدًا.

اختزال الثنائيات ... المتابع لهذه الأعمال سيلمس وجود صراع واحد يكاد يتكرر بصورة دائمة، وهو ثنائية: (المؤمن مقابل الخائن)، بينما تم التغاضي عن الكثير من الثنائيات الإنسانية الأخرى، مثل الحب والكراهية، والرغبة في السلطة والزهد فيها، الأمر الذي أدى إلى اختزال شخصيات عديدة داخل قوالب جامدة، رغم أن الواقع التاريخي أكثر تعقيدًا واتساعًا.

التكرار الدرامي وصناعة القدسية للشخصيات ... تشابهت أغلب الأعمال المقدمة في مجموعة من المشاهد المتكررة، مثل: (جاسوس القبيلة، الخائن المقرّب، المعركة الأخيرة، والبطل الذي لا يُهزم)، وهذا التكرار كوّن صورة ذهنية ثابتة لدى المتلقي، وجعل الكثير من الأحداث متوقعة قبل وقوعها، مما أفقد المشاهدة جزءًا من عنصر المفاجأة والإثارة.

الصراعات النسوية ... لم يخلُ عمل واحد من الصراعات النسوية، وقد لجأ كثير من المخرجين إلى هذا العنصر لكسر رتابة سير الأحداث. إلا أن هذه الصراعات انحصرت غالبًا في مفاهيم محددة مثل: (الوفاء، البكاء، والتحريض)، في حين أن تاريخ الأتراك والسلاجقة والعثمانيين يضم شخصيات نسائية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا مما قُدِّم دراميًا.

 

وهناك جانب آخر لم تنتبه له هذه الأعمال بصورة مباشرة، وهو صناعة العدو المثالي، فكل عمل درامي من هذه الأعمال لم يكن يكتفي ببناء صورة البطل فقط، بل كان يعمل بالتوازي على بناء صورة العدو بصورة تجعل المتلقي يقتنع أن الطرف المقابل لا يحمل أي بعد إنساني أو فكري، بل مجرد أداة للشر المطلق.

ولهذا نجد أن الروم، والمغول، وحتى بعض الشخصيات الإسلامية المعارضة، جرى تقديمهم غالبًا ضمن قوالب جاهزة تقوم على الخيانة والوحشية والمؤامرة، بينما تم إهمال الأبعاد السياسية والفكرية الحقيقية للصراعات التي كانت قائمة في تلك الفترات، وكأن التاريخ لم يكن سوى معركة بين الخير المطلق والشر المطلق.

كذلك اعتمدت هذه الأعمال على ما يمكن تسميته بـ"الذاكرة الانتقائية للمشاهد"، فهي لا تقدم الحدث التاريخي كاملًا، بل تمنح المتلقي أجزاءً محددة منه، ثم تترك العقل يربط بينها بصورة عاطفية لا عقلانية.

ولهذا ترى أن كثيرًا من المشاهد خرجوا من هذه الأعمال وهم يحملون قناعة تاريخية راسخة، رغم أن أغلب ما شاهدوه كان قائمًا على المعالجة الدرامية لا على النصوص التاريخية الدقيقة.

ومن النقاط المهمة أيضًا أن هذه الأعمال نجحت في خلق حالة من الربط النفسي بين الماضي والحاضر، فالمشاهد لا يتابع قصة تاريخية فقط، بل يشعر بصورة غير مباشرة أن ما جرى بالأمس ما زال مستمرًا اليوم، وأن المعارك القديمة تحولت إلى رسائل سياسية وثقافية حديثة، وهذا ما يفسر حجم الاهتمام الرسمي والإعلامي الكبير بمثل هذه الأعمال داخل تركيا وخارجها.

أما من الناحية الفنية، فقد اعتمدت هذه المسلسلات على الإبهار البصري بوصفه وسيلة لإخفاء بعض الثغرات النصية، فالموسيقى الحماسية، وزوايا التصوير، وحركة الكاميرا، وتصميم الأزياء، والمعارك الضخمة، كلها عناصر لعبت دورًا كبيرًا في دفع المشاهد إلى التفاعل العاطفي مع الحدث دون التوقف كثيرًا عند منطقية بعض التفاصيل أو دقتها التاريخية.

وهناك نقطة أخيرة قد تكون الأخطر، وهي أن هذه الأعمال لم تقدم التاريخ بوصفه مادة للقراءة أو النقاش، بل قدمته على شكل يقين مطلق، وهذا ما يجعل المشاهد يتحول من متابع لعمل درامي إلى مدافع أيديولوجي عن شخصيات وأحداث قد لا يعرف عنها سوى ما قدمه له النص التلفزيوني، وهنا تتحول الدراما من فن بصري إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة هادئة ولكن شديدة التأثير.

 

الخلاصة ... لا أعتقد أن أخطر ما فعلته هذه الأعمال هو تزوير بعض الوقائع أو تجميل صورة بعض الشخصيات، بل الكارثة الحقيقية أنها نجحت في تحويل المشاهد من إنسان يقرأ التاريخ إلى إنسان يستهلكه بصريًا دون أن يفكر به.

لقد صنعت هذه الدراما أجيالًا تحفظ أسماء السيوف أكثر مما تحفظ أسماء العلماء، وتبكي على موت شخصية خيالية أكثر مما تتألم على سقوط أمة كاملة في الجهل والتخلف.

المشكلة لم تعد في مسلسل يروي قصة عثمان أو ألب أرسلان، بل في عقلٍ بات يصدق أن التاريخ يُختصر ببطل لا يُهزم، وخائن يجب قتله، وراية لا تسقط، بينما الحقيقة أن أغلب الإمبراطوريات لم تسقط بسبب الأعداء، بل بسبب الأكاذيب التي كانت ترويها لنفسها.

هذه الأعمال لم تقدّم التاريخ… بل قدّمت مخدرًا قوميًا فاخرًا، مغلفًا بالدين والعاطفة والموسيقى الحماسية، حتى أصبح المشاهد يصفق للدراما وهو يظن أنه يقرأ التاريخ، بينما هو في الحقيقة يشاهد نسخة معاد تصنيعها لتخدم وعيًا جديدًا لا علاقة له بالماضي بقدر علاقته بالسيطرة على الحاضر وصناعة المستقبل.

والأخطر من كل ذلك، أن الأمة التي تتحول ذاكرتها إلى مسلسل، ستستيقظ يومًا لتكتشف أن أبطال الشاشة انتصروا في كل المعارك… إلا المعركة الحقيقية التي خسرها الواقع.

السبت، 9 مايو 2026

مقال

 

قضايا عشائرية

تحت عنوان

الدية والدخول في باب التحريم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدية



في البداية، وفي هذه السطور، لا يوجد أي تحريم لما أحلّه الله عز وجل، والعياذ بالله، ولكننا اليوم سنوضح ما قد يدفع الحلال إلى بوابة الحرام، ولهذا يكون من واجبنا التنبيه إلى ما قد يغفل عنه الآخرون، ونحتسب ذلك عند الله من الأعمال العظيمة.

 

الدية... وهي تشريع سماوي لا يمكن لأحد التشكيك أو الجدال فيه، إذ جاء في محكم كتابه الكريم:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ سورة النساء: 92.

وهنا يعطي النص دلالة واضحة على نوع العقوبة المشروطة، أو ما يمكن اعتباره كفارة لذنب ارتكبه فرد معيّن، وهو القتل الخطأ، أما أن يتحول القتل إلى عادة مضمونة العواقب، فهنا تكمن المفسدة العظيمة، وهي الاعتداء على النفس التي حرّم الله قتلها.

 

النصوص الإلهية... نرى اليوم الكثير من المتدينين الجدد يتعاملون مع القرآن الكريم وكأنه مادة قابلة للتحديث من خلال التأويل، كلٌّ بحسب هواه، لكن ما يجهله هؤلاء أن النص الإلهي ثابت بثبات الذات الإلهية، ولا يمكن التعامل معه على أنه قابل للزيادة أو النقصان.

 

جمع الدية... قد يظهر على أنه نوع من التضامن الاجتماعي، لكنه في بعض الأحيان يحمل في داخله مفسدة خطيرة، وهذا يأتي من باب المقولة الشهيرة: «من أمن العقاب أساء الأدب». فعندما يتم تأمين الدية لكل من هبّ ودبّ، فإن ذلك قد يفتح باب التساهل في مسألة القتل، ويغذي فكرة الاستهتار بأرواح البشر، ولهذا فإن هذا التشريع العرفي، المتمثل بجمع الدية، يدخل في باب الشبهات، وقد يقود إلى البدع، وكل بدعة تقود إلى الضلال، كما أشار رسولنا الكريم محمد ﷺ.

ولهذا، يجب أن تكون هناك قاعدة راسخة في قضية الإيمان، وهي عدم جعل الإنسان أداة للخروج عن الإرادة الإلهية، لأن ذلك يُعد انحرافًا خطيرًا عن جوهر الدين.

 

الأفعال القويمة للعشيرة... لست ضد التجمعات القبلية، لكنني في الوقت نفسه لست مع ما يذهب إليه بعض قادة هذه التجمعات من إخضاعها لمبادئ قد تُخرج الجموع من دائرة الدين القويم. ولهذا، يكون من واجبنا، نحن أصحاب الأقلام، التحذير والتنبيه، ودفع الجميع نحو القراءة الواعية لما ينفعهم، وكيف لا، وقد كانت أول كلمة نزلت من السماء على رسولنا الكريم ﷺ هي: ﴿اقْرَأْ﴾، في دلالة عظيمة على أهمية القراءة والعلم في تعاليم ديننا الحنيف

 

هيبة الدم بين الشرع والعرف... المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود الدية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تحولت بها عند البعض إلى ما يشبه “صك الغفران”، وكأن المال بات قادرًا على إعادة الروح إلى الجسد أو مسح آثار الجريمة من ذاكرة المجتمع. وهنا تكمن الكارثة الأخلاقية، لأن الشريعة عندما شرعت الدية لم تجعلها وسيلة لتسهيل القتل أو تخفيف بشاعته، بل جعلتها بابًا لتقليل الفتنة وحماية المجتمع من الانهيار والثأر والانتقام.

 

لكن الذي يحدث اليوم أن البعض بات يدخل معارك السلاح والمشاجرات وهو مطمئن بأن “الفصل موجود” و”الدية تُجمع”، وكأن أرواح الناس تحولت إلى أرقام قابلة للتسعير، وهذه أخطر مرحلة قد يصل إليها أي مجتمع عندما يفقد الإنسان هيبة الدم.

 

الخلل في المفاهيم... هناك فرق كبير بين مجتمع يُجبر على معالجة الخطأ حفاظًا على السلم الأهلي، وبين مجتمع يتكيف مع الجريمة حتى تصبح جزءًا من عاداته اليومية. فحين يصبح القاتل محاطًا بالحماية الاجتماعية بدلًا من الشعور بثقل الذنب، نكون هنا أمام خلل خطير في البنية الأخلاقية، لأن الدين لم يأتِ ليحمي الجاني بقدر ما جاء ليصون حياة الأبرياء.

ولهذا، فإن إعادة قراءة مفهوم الدية اليوم أصبحت ضرورة، ليس من باب رفض الشرع، بل من باب حماية مقاصد الشرع نفسها، لأن كل حكم إلهي إذا أُخرج من سياقه الأخلاقي تحوّل بمرور الزمن إلى أداة تُنتج نتائج عكسية قد تضر بالمجتمع أكثر مما تنفعه.

 

الخلاصة ... حين تتحول الدية من وسيلة شرعية لاحتواء الفتنة إلى مشروع اجتماعي مفتوح لجمع الأموال، فهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر، لأننا لم نعد أمام معالجة لخطأ، بل أمام صناعة بيئة تمنح القاتل شعورًا ضمنيًا بالأمان. وما أخشاه اليوم أن بعض المجتمعات لم تعد ترتعب من مشهد القتل بقدر ما تسأل مباشرة: “كم تبلغ الدية؟”. وهنا تسقط هيبة الدم، وتسقط معها قيمة الإنسان.

إن جمع الدية بهذه الصورة العشوائية لا يمكن النظر إليه على أنه رحمة مطلقة، بل قد يكون بابًا واسعًا من أبواب الإفساد في الأرض، لأنه يساهم بطريقة غير مباشرة في كسر حاجز الخوف من الجريمة، ويحوّل أرواح البشر إلى ملفات تُغلق بالأموال والمجاملات والعواطف القبلية.

فالقاتل الذي يعلم مسبقًا أن خلفه عشيرة ستجمع عنه المال، لن يشعر بوطأة الذنب كما أرادها الله، بل قد يدخل دائرة الاستهتار وهو مطمئن بأن هناك من سيدفع الثمن عنه. وهذه ليست عدالة، بل كارثة أخلاقية تُنتج مجتمعًا يفقد بالتدريج قدسية الحياة.

ولهذا أقولها بوضوح:

إن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات ليس القتل وحده، بل اعتياد القتل، والأخطر من ذلك كله أن يتحول الدم إلى رقم قابل للجمع والتسوية، وعندها نكون قد دخلنا فعلًا في باب المفسدة في الأرض، حتى وإن ظن البعض أنهم يحسنون صنعًا.

(اللهم إني بلّغتُ، فاشهد)

الأربعاء، 6 مايو 2026

مقال

 

 الدور الأخلاقي للعرب في المنطقة

تحت عنوان

التاريخ يشهد لنا بهذا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



عزيزي القارئ.. هنا، وقبل الشروع في قراءة هذه السطور، انظر حولك؛ فعندما غاب العرب من المشهد في المنطقة، عادت كل جماعة إلى أصولها، ورجعوا إلى جذورهم، وتحولت الأرض إلى حلبة كلابٍ متصارعة.

 

العرب... يظن الكثير اليوم أنهم عبارة عن قبائل غير نظامية خدمتها فترة زمنية للسيطرة على مشارق الأرض ومغاربها، وهذه الأكذوبة التي يُروَّج لها الآن، ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا تدركه العقول الساذجة اليوم، وللتاريخ كلمة في هذا الأمر؛ فالعرب، على مر العصور، أثبتوا للجميع أنهم عبارة عن قيمٍ أخلاقية قبل كل شيء، وهذا ليس كلامًا عابرًا، إنما هو دليل، وأي دليلٍ خيرٌ من كلام سيد المرسلين محمد (ص): «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وصدق رسولنا الكريم.

ومن هنا تكون الانطلاقة نحو الأفق الذي سوف يرسم مزايا العربية التي لا يعرف قيمتها أكثرهم، والبداية تبدأ من التنظيم الحياتي ما قبل البعثة النبوية الشريفة، وعلى الرغم من قسوة المعيشة لديهم، كانت هناك أصولٌ وتنظيمات؛ ففي مكة كان هناك مجلس الأشراف، الذي يمثل مفهوم الديمقراطية لهذا اليوم، ومن هنا نفهم أن العرب ليسوا برابرة كما يُروَّج عنهم، بل أصحاب تنظيمٍ فطري رسمته الأعراف والتقاليد في ذلك الوقت.

ولمن يسأل عن الفترة الزمنية لدور العرب في المنطقة، فإن البداية تكون من عصر فجر النبوة إلى وفاة الخليفة هارون الرشيد، وسند قولي هذا هو النهضة التي شهدتها المنطقة من الناحيتين التنظيمية والاجتماعية للعرب. أما ما قبل الرسالة الإسلامية، فقد كانت هناك قاعدة بُني عليها الإسلام، مجدٌ لا يستطيع الزمان محوه، وفي فترات عظيمة كان هناك فتحٌ للمدن وإسقاط إمبراطوريات عظيمة، لم يكن معظمها بالسيف، ولو كان كذلك فالسيف بلا أخلاق مجرد قطعة من الحديد لا روح لها؛ ففي ذلك الوقت كان لنا سيف ولهم سيف، ولنا رجال ولهم رجال، ولكن كان لدينا أخلاق، وهم لم تكن لديهم أخلاق، وبهذا فقط تم كسر الموازنة بين القوى المتحاربة.

 

وهنا انتشرت بعض التفاهات بين جموع المثقفين والحاقدين، أن العرب غزاةٌ محتلون، ودليلي في هذا هو تفوق غير العرب في بعض المجالات على العرب في ظل حكمهم، وهو دلالة على أن الموضوع يخرج من مصطلح "محتل" إلى آفاقٍ أكبر مما يُروَّج له.

القيم الأخلاقية

الشرف... وهو المصطلح الذي تفرد به العرب حتى ما قبل الإسلام، ولهذا المصطلح معانٍ كثيرة، وهذا ما لمسته الشعوب التي حكمها العرب، مما أعطاهم المصداقية في قضية الولاء لهم؛ فالقوى التي كانت قبلهم لم تكن تعرف أصلًا هذه الكلمة في التعامل مع المختلفين عنهم في الدين أو العرق، وهذا ما أعطى لسلطتهم على المنطقة بأسرها القبول، وجذب الكثير إلى اعتناق دينهم.

 

العدالة... وفي التاريخ صورٌ رائعة تجسد هذا على الصعيدين الفردي والاجتماعي، من شخص الرسول وما جاء بعده، وهذا ما كان بمثابة قاعدة لإرساء حكمه، وأكسب تعاطف المختلف قبل المتشابه معهم، بسبب أن شعوب المنطقة كانت تعاني من ظلم وغطرسة الإمبراطوريات القديمة.

 

الشجاعة المقيدة... فقد ذُكرت في الإرث التاريخي والإسلامي مقولة عظيمة تدل على قدسية هذا المصطلح، وهي: «إذا ما دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك»، وهذه هي الإضافة التي تحدث عنها رسولنا الكريم (ص)، فالشجاعة عند العرب لا تعني قدرتك على القتال فحسب، بل هي أقرب إلى القيمة الأخلاقية لمصطلح "شرف العداوة"، التي لم يكن يعرف عنها شيئًا من على الأرض في ذلك الوقت، والتي خلقت جوًا من التناغم بين العرب ومن سواهم.

 

الوفاء بالعهد... وإن أردت أن تبحث عن قيمةٍ كادت أن تُمحى من قاموس هذا العصر، فابحث عنها في تاريخ العرب، في زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا، والعهد دينًا، والدين حياة. لم يكن العربي يوقّع على ورقٍ ليُثبت صدقه، بل كان يكفي أن يقول "نعم" لتُبنى عليها مصائر أمم. وهذه ليست مبالغة، بل حقيقةٌ شهدت بها حتى الأمم التي كانت على خلافٍ معهم، فقد عرفوا أن العربي إذا عاهد لا يغدر، وإذا وعد لا يخلف، وإذا ائتُمن لا يخون.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعاهدات تُنقض في الغرف المغلقة، والوعود تُباع في مزادات السياسة، نقف أمام هذا الإرث لنفهم أن القوة لم تكن يومًا في عدد الجيوش ولا في صلابة السلاح، بل في صدق الكلمة. ولهذا استقرت دولهم، لا بالخوف، بل بالثقة، ولا بالإكراه، بل بالاطمئنان.

 

الكرامة الإنسانية... ومن القيم التي غابت عن كثيرٍ من الطارئين على التاريخ، وبقيت محفورةً في وجدان العرب، هي كرامة الإنسان، لا لعرقه، ولا لدينه، ولا للونه، بل لكونه إنسانًا. لم تكن هذه القيمة شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُرى، ولهذا وجدنا في ظل حكمهم من يختلف معهم في العقيدة، لكنه لا يختلف معهم في الشعور بالأمان.

فالإنسان عندهم لم يكن رقمًا في سجل، ولا تابعًا في دولة، بل كيانٌ له حق الحياة والاحترام، ولهذا لم تُمحَ هويات الشعوب التي دخلت تحت حكمهم، بل بقيت وتطورت، لأن العرب لم يأتوا ليمحوا، بل جاؤوا ليضيفوا.

 

التسامح المقيد بالقيم... ولعل من أخطر ما يُساء فهمه اليوم هو مفهوم التسامح، فالعرب لم يكونوا متساهلين بالمعنى الضعيف للكلمة، بل كانوا أصحاب تسامحٍ مقيد بالقيم. لا يفرضون معتقدًا، ولا يُجبرون أحدًا على ما لا يؤمن به، لكنهم في ذات الوقت لا يسمحون بانهيار منظومة الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع.

وهنا تتجلى المعادلة التي عجز عنها كثيرون: قوةٌ لا تظلم، ومرونةٌ لا تذوب، وانفتاحٌ لا يفقد الهوية. ولهذا لم يكن وجودهم طارئًا في التاريخ، بل كان حالةً حضارية متكاملة، استطاعت أن تجمع بين السيف والفكر، بين القوة والرحمة، بين الحكم والعدل.

 

الخاتمة... وهنا، لا بد أن نقولها بلا تردد، وبلا خوف، وبلا مجاملة لأحد: عندما كان العرب حاضرون، كان التاريخ يُكتب، وعندما غابوا، أصبح التاريخ يُباع.

لم يكن غيابهم مجرد فراغٍ سياسي، بل كان انهيارًا أخلاقيًا مدوّيًا، سقطت معه كل الأقنعة، وانكشفت فيه كل الوجوه. تحولت الأرض من ساحة حضارة إلى سوق صراعات، ومن ميدان قيم إلى مستنقع مصالح، ومن مشروع إنساني إلى مشروع افتراس.

وعندما تراجع العرب، لم تتقدم الشعوب كما يُروَّج، بل انحدرت نحو هوياتها الضيقة، نحو الطائفة، نحو العرق، نحو الغريزة الأولى التي لا تعرف من الإنسان إلا اسمه. وهنا فقط، بدأ الانحدار الحقيقي، لا في السياسة، بل في المعنى.

فالعرب لم يكونوا مجرد قوة حاكمة، بل كانوا ميزانًا أخلاقيًا، فإذا اختلّ، اختلّت معه كل المعايير. كانوا الحد الفاصل بين الفوضى والنظام، بين الغريزة والعقل، بين القوة كأداة بناء والقوة كوسيلة تدمير.

واليوم، ونحن نقف على أطلال واقعٍ ممزق، لا بد أن نعترف أن المشكلة لم تكن في حضور العرب، بل في غيابهم. وأن الكارثة لم تبدأ حين حكموا، بل حين تخلّوا، أو أُبعدوا، أو أُفرغوا من مضمونهم الحقيقي.

وهنا تكمن الصدمة التي لا يريد أحد سماعها: العالم لم يكن يخاف من قوة العرب، بل كان يحتاج إلى أخلاقهم.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

مقال

 

الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية

تحت عنوان

إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



أنا هنا لا أخاف أحدًا، ولتكن جريمتي هي الدفاع عن... (العراق).

هنا، وفي هذه الكلمات، لا أعيب على من يدافع عن عقيدة أو مذهب، ولكن هناك مقولة في الإرث الإسلامي مفادها:

(الذي يحتاجه المنزل يُحرَّم على المسجد)، ومن هنا نبدأ مضمون المقال.

وما استفزّني لكتابة هذا الموضوع هو ظهور إحدى اللواتي يُطلقن على أنفسهن إعلاميات عراقيات، وهي تتحدى الولايات المتحدة في قضية مضيق هرمز. وهنا يكون السؤال: لماذا لا تُجنَّد هذه الطاقات لخدمة التصحيح في القضايا التي تخص العراق حصرًا؟ وليكن المواطن هنا محور جميع المواضيع.

فماذا عن المستشفيات الحكومية التي تحولت إلى فنادق تحتوي على جدران وأسِرّة فقط؟ وماذا عن المدارس المتهالكة؟ وماذا عن التربية والتعليم الذي أصبح بيد عفريت بسبب ما يُسمّى بالتعليم الأهلي، سواء على الصعيد الابتدائي وصولًا إلى الجامعي؟ وماذا عن لقمة العيش للمواطن البسيط التي أصبحت من المهام الشاقة التي تُنهك كاهل الجميع بلا استثناء؟

 

"دكَاك الثوم بعكوسه"... وهو مثل شعبي عراقي يُعبّر عن من يهتم بقضية لا تعنيه. فالحرب الدائرة اليوم بين قوى قد سبقتنا بمئات السنوات الضوئية من الناحية الاقتصادية والعسكرية. ولكن السؤال هنا يكمن: لماذا الاهتمام بمواضيع نتيجتها—أيًّا كان المنتصر—ماذا سوف نستفيد منها على الصعيد الفردي والاجتماعي؟ لترى هذا الزخم الإعلامي الذي يُسلّط الضوء على قضية ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل.

 

مهام إعلام بين التقييم والنقد... هناك الكثير منهم يعاني من سوء فهم في استيعاب مهام قضية الإعلام والوظيفة التي يقدمها، والتي ترتقي لمفهوم الخدمة. ولكن الإعلام أصبح يأخذ جانبًا واحدًا فقط، وهو التلميع والمحاذاة، بدل البحث عن مواقع الخلل في العمل الحكومي والاجتماعي لغرض التقويم. ولهذا ترى الكثير من المحسوبين على الإعلام الحكومي أصبحوا مثل الحواسيب التي يعملون عليها، تكتب وتقول ما يُملى عليهم من قبل المسؤول. ولهذا تحوّل الجميع إلى دمى لا تملك الإرادة فيما تفعل. وهنا يكون الحديث عن قضايا بعيدة عن حياتنا اليومية أفعالًا عبثية، القصد منها التملق للنظام الحاكم أو التقرب من شخصية ذات سلطة، وهذا ما يُسقط مصداقية الإعلام وما يقدمه.

 

لماذا يفعل هؤلاء هذا؟... وهو أهم سؤال في أصل الموضوع، والإجابة هنا تكمن في شقّين:

الأول هو عدم امتلاك القدرة على امتلاك وعي تقييمي للحدث، فيهرب الكثير منهم إلى تبني قضايا ظنًّا منه أنها قد تضيف له ما يميّزه عن غيره.. أما الشق الثاني فهو التملق للنظام الحاكم لغرض الحصول على مكتسبات مادية ومهنية.

تصحيح المسار... الإعلام، وهو بمثابة عين المجتمع، يرصد فيه القضايا الصحيحة فيُثني عليها، والقضايا السيئة لغرض تنبيه المسؤول لتصحيحها. ولكن ما يحصل اليوم لا يمتّ لهذه الحقيقة بصلة. وامتلاك الوعي يفرض على الإعلامي عدم تبنّي رأي لجهة معينة، واستعراض الواقع بما يخدم العامة بالشكل القويم، ليكون بذلك دالّة المواطن والقاعدة الأساسية لتوجيه الرأي العام بشكل يليق بما يكون صورة مشرّفة أمام المتلقي.

 

الخلاصة... تكمن في قضية: إذا ما انتصرت إيران، فليس بالضرورة أن يكون ذلك انتصارًا عراقيًا، حتى لأولئك الذين ينادون بوحدة الساحات. وإذا ما انتصرت أمريكا، فلن يكون العراق في جنات النعيم من الناحية المعيشية. فهذه ليست معركتنا.

ولمن يبحث عن معركة العراق، فسيدرك أن معركتنا الحقيقية تكمن في مشكلة بناء الوعي الاجتماعي والأخلاقي، ومنه نستطيع بناء دولة تخرج من عباءة الاحتلال، وخلق بيئة صحيحة نستطيع من خلالها بناء دولة رصينة عن طريق الإعلام.

الأحد، 3 مايو 2026

مقال

 

 الطريق إلى كرسي الرئاسة من وجهة النظر الأمريكية

تحت عنوان

ما لا تتوقع أن تقرأه

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يظنّ الكثير ممن يعرفني أن اعتراضي على النظام الحاكم في العراق نابع من إيماني بالفكر الأمريكي أو الصهيوني، لا سمح الله، ولكن يأتي من يقينٍ بأن العالم اليوم بات بلونٍ واحد.

أما الحديث عن حق تقرير المصير وأكذوبة الديمقراطية، فهي شماعة تُعلّق عليها كل القضايا الخارجة عن القانون بحجة القرارات الدولية، وهذا ما يتيح لهم التدخل في شؤون الآخرين.

ولفهم المنظور الأمريكي، يجب العودة إلى تاريخ أمريكا الذي طالما امتاز بالظلامية والدموية. والكثير يعتبر الولايات المتحدة اليوم حضارة، وأنا أختلف مع هذا الرأي جملةً وتفصيلًا، وإذا ما أردنا تصنيفهم بشكلٍ صحيح، فهم يُوضعون في خانة التتار والمغول والشعوب الهمجية؛ فالحضارة لا تُبنى على إبادة الشعوب، وتاريخ أمريكا القديم والجديد حافل بجرائم يُندى لها الجبين، وهذا بسبب أنهم أحفاد أولئك اللصوص والقتلة الذين أرسلتهم بريطانيا على شكل عقوبة نفي منذ اكتشاف الأمريكتين.

ومن هنا نفهم آلية بناء المفاهيم الأمريكية في التعامل مع أسس بناء الدول في العالم، وبعد التجربة السورية والعراقية في الوقت الراهن، تكون بمثابة واقعٍ ملموس على تلك المفاهيم الجديدة للوصول إلى كرسي الرئاسة في أي بقعة من هذا العالم. والقضية تكمن في: (أن لا تتعب نفسك في اكتساب القيم النبيلة لنيل مكانة في المجتمع، ولكن يكفي أن تكون قاتلًا أو لصًا لتكون جديرًا بكرسي الرئاسة في أي مكان على هذه الأرض)، وهذا ما أثبت بالدليل القاطع وجهة النظر الأمريكية في التعامل مع الملفات في المنطقة.

أكذوبة الحرب الدينية وطمع النفس البشرية... فالكثير من المفكرين في العالم العربي يُوعزون ما يجري في العالم اليوم إلى أنه امتداد للحروب الصليبية، وهذا أمر عارٍ عن الصحة؛ وذلك لأن العالم بأسره، المتدينون والملحدون، لم يعد لهم إيمان بالرب أو الشيطان، بل أصبحوا يعبدون إلهًا جديدًا، وهو (النفس البشرية) وما تحمله من سوءٍ متضمَّن في رغباتها. وقد خرج الصراع اليوم من المفاهيم السماوية إلى الأطماع الدنيوية، (فوالله لو وجدت البشرية اليوم طريقًا إلى السماء لعادت الجيوش لمحاربة الذات الإلهية)، وهذه الحقيقة التي يرفض الجميع الاعتراف بها.

ولهذا يجب اليوم أن يكون لكل فرد موقف في الحياة بعيدًا عن المؤثرات السياسية في رسم صورة عالمه الشخصي ومعتقداته؛ فمخالفة القطيع اليوم أصبحت واجبة، ورحلة البحث عن الحقيقة وسط كل هذه الأكاذيب هي جهاد بحد ذاتها، وعدم المضي خلف الشعارات الزائفة. وإذا كان المسلمون والعرب اليوم لا يُوثق بهم وبشعاراتهم، فلا يعني أن المقابل هم ملائكة نزلت من السماء، وهذا ليس من باب التشكيك في كل ما على الأرض، ولكن قد يكون من باب مراجعتك لكل ما تؤمن أو تعتقد بأنه صواب.

فهذا العالم لم يُخلق للحروب والفساد التي باتت هذه المصطلحات ركنًا أساسًا في تكوينه، وهذا ما حذّرت منه الملائكة يوم خُلق (آدم عليه السلام)، وهنا يكمن الموضوع الأساسي، سر غضب الذات الإلهية. فالعالم اليوم في غفلة، المتدينون قبل الملحدين، ولهذا يقع اليوم على عاتق المفكرين، وهم ورثة الأنبياء الحقيقيون، المسؤولية الرئيسة في التحذير مما نحن عليه. فما عادت الرجال تُقاس بشجاعتها وأخلاقها، وما عادت النساء تعتز بعفتها، بل أصبح الأول يُقيَّم بما يملكه من مال، والثانية تُقيَّم بما تملكه من جمال وإثارة للطرف الآخر، وهذا ما أخرج جميع المفاهيم عن مسارها الصحيح.

وكل هذا وأكثر جعل النظام الأمريكي اليوم يفرض علينا وعلى العالم مفهومًا جديدًا في الطريق إلى كرسي الرئاسة، وهو أن تكون جزءًا من العقيدة القديمة الجديدة للولايات المتحدة، حتى أصبح حالنا اليوم كحال القائل: (هذه الدنيا إذا أقبلت باض الحمام على الوتد، وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد)، وقد فعلها الحمار اليوم للأسف.

عندما يحكم العالم المجانين... فمن الطبيعي أن يكون قادتنا اليوم بين قاتلٍ وفاسد، وتحويل عالمنا إلى زمن الفوضى، ولا يقول أحدكم إنها فوضى خلّاقة؛ فالفوضى هي كما تُعرَف، فلا يحاول أحدكم تجميل الوجوه القبيحة. ولن تكون سوريا والعراق الأولين أو الآخرين، ولكنها بداية لفرض مفهوم كيف تكون زعيمًا أو رئيسًا في مجتمعك. وهنا لا يكون المثقفون وأصحاب الأقلام في العالم خارج مسؤولية ما يحدث، فهم المضلِّلون الأوائل بسبب تقاعسهم الفكري وصمتهم عن الممارسات الشاذة التي يقوم بها القادة المجانين في عالم اليوم.

الخلاصة... لا تتعب نفسك اليوم في اكتساب القيم والأخلاق إذا ما حلمت أن تكون رئيسًا لدولة؛ يكفي أن تؤمن بما يؤمن به المجانين والخارجون عن السلطة الإلهية، لتكون قد قدّمت فروض الطاعة والولاء لمن سوف يجعلك اليوم قاتلًا وفاسدًا، وغدًا سوف تكون الرئيس حسب المفاهيم الأمريكية.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

قصيدة (عندما أحببتك… كتبت)

 

قصيدة بعنوان (عندما أحببتك… كتبت)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


نعم… عندما أحببتكِ، لم أكتب…

بل احترقتُ على هيئةِ كلمات…

 

كتبتُ عن الزهرِ الأبيض

لكنني كنتُ أعرف

أن البياضَ كذبةٌ مؤقتة

وأن قلبكِ …

كان أولَ جرحٍ تعلّمتُ منهُ النزيف…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ

عن القمر…

لا لأنهُ جميل

بل لأنهُ وحيدٌ مثلي

معلّقٌ في سماءٍ لا تُنقذه…

 

وعن الشجر…

لأن جذوري حينها

كانت تبحثُ عنكِ

في أرضٍ لا تنبتُ إلا الفقد…

 

وعن الضياء…

لأن العتمةَ التي خلّفتِها

كانت أصدقَ من كلِّ نور…

 

فكلُّ الناسِ عشقتْ كلماتي…

ولم يعرفوا

أنها كانت تُكتبُ بدمٍ بارد

وأن كلَّ سطرٍ فيها

كان مقبرةً صغيرةً لي…

 

كنتُ أتذكّر…

لا الذكريات،

بل الطعنات التي جاءت

بهيئةِ ضحكاتكِ…

 

تلك التي رسمتْ على وجهي

وهمَ الفرح

ثم علّقتني

كصورةٍ مهجورة

على جدارِ قلبٍ

لا يعترفُ بالعودة…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ…

ورسمتُ الحزنَ

قصورًا من رماد

سكنتُها وحدي

أُحادثُ فيها صدى اسمي

كأنني آخرُ الناجين منّي…

 

بحروفٍ ملتهبة

كالنار التي تركتِها

في صدري…

ومضيتِ…

كأنكِ لم تكوني…

 

وتركتِ خلفكِ

قصائدَ لا تُخلّدُ الحب…

بل تُوثّقُ الجريمة…

 

ما كان بيننا

لم يكن هوى…

كان سقوطًا حرًّا

في هاويةِ وهمٍ

اسمهُ أنتِ…

 

عندما أحببتكِ، كتبتُ

كيف كنتِ…

وكيف انتهيتُ أنا…

 

كتبتُ أنني أحبكِ…

لا كاعتراف،

بل كحكمٍ بالإعدام

نطقتُهُ بحقِّ نفسي…

 

وتركتُ للعاشقين

قصائدَ يتغنّون بها

بينما كنتُ أنا

أدفنُ صوتي

في كلِّ بيتٍ منها…

 

عبقكِ…؟

كان فخًّا عطريًا

وقارورةُ العطرِ الخاوية

لم تكن إلا أنا …

بعدكِ …

 

وذكرياتكِ…

لم تكن حادّة…

بل كانت سكاكين

تتعلّمُ الطعنَ بي …

كلَّ يوم …

 

تركتِ خلفكِ مدنًا في قلبي …

لا… بل مقابرَ جماعية

لا يسكنها أحد …

حتى أنا …

 

ولهذا كتبتُ …

لا لأنني أحببتكِ …

بل لأنني

لم أجد طريقةً أخرى

لأثبت أنني …

كنتُ حيًّا

قبل أن تمرّي …

 

عندما أحببتكِ …

كتبتُكِ …

وعندما رحلتِ…

انتهيتُ.

مقال

    قراءة في الدراما التاريخية التركية تحت عنوان دائرة التوجيه القومي  بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين  في الآونة الأخيرة ظهر...