عمليات تتفيه العقل الجمعي
تحت عنوان
فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
في صباح هذا اليوم كان هناك حوار بيني وبين الدكتور
محمود صالح، رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب جامعة الموصل ، عن هذه المسألة، وقد
كان هناك نوع من الاستغراب لكوني لم أتحدث عن هذا الأمر، برغم أهميته من وجهة نظره
طبعًا، ولهذا كان يجب علينا تبيان السبب الحقيقي لهذا الأمر.
البداية… تتجسد في مثل شعبي مفاده: (إن خرج العيب من
أهله فلن يكون عيبًا)، فلكل أمة على هذه الأرض عاداتها وتقاليدها، تُبنى على أسس
من بينها المعتقدات والعادات والتقاليد، والاستغراب هنا يُعدّ نوعًا من السذاجة
المطلقة. فالموضوع قديم؛ فقد قرأت عنه منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنا على دراية
كاملة بما يحدث هناك، فالأمر لم يكن طيّ الكتمان كما يظن البعض، ولكن إثارته في
هذا الوقت بالذات لها مسببات يجب البحث عنها.
الطقوس الغريبة… سفك دماء، وتجارة نخاسة، وصالات قمار،
وأعمال شاذة عن القيم الإنسانية، بمباركة من رجال المال والسلطة في العالم، أمر لا
يثير الغرابة، ولكن ما يُثار اليوم على مواقع التواصل هو ما يُراد منه إشغال الرأي
العام عن قضايا مصيرية تمس حياة المواطن بمختلف مستوياته.
والحقيقة أن ما يجري يذكرني بحكاية من التراث الشعبي:
(يُحكى أن خروفًا وماعزًا كانا يقفان على جدول ماء، فهمّ الخروف بالقفز وقد فعله،
فكشفت عورته، فضحكت الماعز، عندها التفت الخروف إليها وقال: لماذا تضحكين؟ هل لأن
عورتي كُشفت لمرة واحدة؟ فماذا عنكِ وأنتِ منذ ولادتكِ عورتكِ مكشوفة للجميع؟)
وهنا تكون هناك عملية إسقاط على واقعنا المرير.
البعد الإعلامي… لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الذي
تلعبه وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل في إعادة تدوير الحدث الواحد حتى
يفقد معناه الحقيقي. فالإعلام اليوم لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن قابلية
الخبر للاستهلاك السريع.
فضيحة جزيرة إبستين لم تُطرح بوصفها ملفًا أخلاقيًا أو
قانونيًا يُفضي إلى محاسبة حقيقية، بل قُدِّمت كوجبة دسمة لإشباع فضول الجماهير،
ليتم استهلاكها ثم رميها جانبًا، تمامًا كما تُرمى أي مادة ترفيهية أخرى. وهنا
تتحول الجريمة من قضية إلى محتوى، ومن مأساة إنسانية إلى ترند عابر.
إذا ما نظرنا من حولنا، فنحن اليوم نكمن في عنق الزجاجة،
بين خوف من الحروب الإقليمية التي من حولنا، والأزمة المالية، والمأزق الدستوري،
والانفلات القانوني الذي سوف يجعل من البلد الدخول في النفق المظلم. فاليوم قضيتنا
أهم مما يحدث في جزيرة يديرها حفنة من رجال المال والسلطة لإرضاء شهواتهم الشخصية.
نحن اليوم نحتاج إلى توعية عقلية للتمييز بين المواضيع
التي نتناولها لتصبح حديثنا اليومي، والحق يُقال إننا نحتاج إلى معجزة بصحبة نبي
مُرسل من السماء ليضع الحلول التي نعاني منها اليوم، وبما أن فكرة الأنبياء انتهت
بوفاة رسولنا الكريم، فلم يعد لدينا سوى التدخل الإلهي لحل المشاكل المتراكمة في
حياتنا المعاصرة.
ازدواجية المعايير… ما يثير الريبة ليس ما حدث في
الجزيرة، بل ردود الفعل الانتقائية تجاهه. فالعالم الذي يصمت يوميًا عن مجازر،
وحروب، وتجويع شعوب بأكملها، يستيقظ فجأة على ضميره حين يتعلق الأمر بفضيحة
أخلاقية داخل دائرة النخبة.
وهنا تتجلى ازدواجية المعايير بأبشع صورها؛ إذ تُدان
الرذيلة حين تُستخدم للإلهاء، ويُبرَّر القتل حين يخدم المصالح. وهذا بحد ذاته شكل
آخر من أشكال تتفيه العقل الجمعي، حين يُدفع الإنسان للاهتمام بالقشور وترك
الجذور.
التفاهة الاجتماعية… هي حالة جماعية يتحول فيها المجتمع
من فضاء منتج للقيم والمعرفة والوعي إلى ساحة يُعاد فيها تدوير السطحية، ويُكافأ
فيها الضجيج بدل الفكرة، ويُرفع التافه إلى موقع التأثير، بينما يُقصى العاقل
والمفكر والمبدع الحقيقي. فليست التفاهة الاجتماعية مجرد سلوك فردي عابر، بل
منظومة ثقافية وسلوكية تتغذى على القبول العام، وتترسخ عبر الإعلام، والتعليم
المشوّه، وشبكات التواصل، وتتحول مع الوقت إلى نمط حياة ومعيار نجاح.
عندها تفرض التفاهة مفاهيم مغايرة للواقع، منها أن تكون
الشهرة بديلًا عن الاستحقاق، ولهذا تجد الكثير من البشر يبحثون عن أخبار تستفز
الجانب العاطفي للإنسان، وتُستبدل الشجاعة الأخلاقية بالوقاحة، والتعبير الحر
بالإسفاف، وهذا ما جعل من موضوع تافه مثل (جزيرة إبستين) موضع اهتمام العامة.
ولقد أُنهك العقل الجمعي بكثرة الصدمات حتى بات غير قادر
على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. فالتكرار المستمر للفضائح، دون نتائج
حقيقية، خلق حالة من التبلد المعرفي، حيث لا يعود الحدث صادمًا بحد ذاته، بل يصبح
مجرد حلقة في مسلسل لا نهاية له.
وهنا يكمن الخطر؛ فالعقل الذي يعتاد القبح، لا يعود
قادرًا على مقاومته.
سؤال المسؤولية… السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس:
ماذا حدث في جزيرة إبستين؟
بل: لماذا نُدفَع اليوم للاهتمام به؟ ولماذا الآن؟ ومن
المستفيد من إعادة فتح هذا الملف بهذا الشكل؟
فحين يغيب هذا السؤال، نكون قد وقعنا – دون أن نشعر – في
الفخ ذاته الذي ننتقده.
الخلاصة… بدل البحث عن خروقات الآخرين، انظر في المرآة
ولو للحظة، وانظر إلى عيوبك، فليس هناك شخص على هذه الأرض يمتاز بالكمال. فبهذا
فقط نستطيع أن نكون إنسانًا يستحق العيش على هذه الأرض.
فنحن العرب، ومنذ فجر التاريخ، كنا نتباهى بالقيم
الأخلاقية كنوع من الرد على ما كان يفعله الآخرون ممن يحطّون بنا. فالعرب، ولمن لا
يعرف، هم الوحيدون على الأرض الذين يمتلكون دماء نقية؛ فنحن أقوام أنساب نعرف منها
القيمة الحقيقية لمعنى مصطلح (النبل).
فلا تجعل من نفسك مصدرًا لانتشار التفاهة، فلم يعد الأمر
كما كنا عليه، ولهذا تكون هنا دعوة للحفاظ على ما قد نملكه اليوم.

