الحبكة وتقنية الكتابة
تحت عنوان
صياغة الذهب
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
طالما اقترنت كلمة صياغة بطريقة الكتابة منذ زمن طويل،
وهي الكلمة التي تُطلق على صناعة الذهب، ومن هنا نفهم أهمية القيمة الحقيقية
للكتابة.
وللتنويه، إن الكلمة التي أكتبها كالرصاصة التي إذا ما
انطلقت لن تعود إلا بالدم، وبعدما حدث اللغط الذي حدث بعد كتابة مقالي الأخير،
وتلك الاتهامات الباطلة التي توجهت نحوي ما بين مدفوع وأخرى، أن جملة كتاباتي
مستخلصة من الذكاء الاصطناعي، ولهذا كان يجب توضيح بعض القضايا التي من الممكن أن
تُبين للقارئ الحقيقة والهدف من خلال كتاباتي والمقصود بـ (البارون).
الحرفية ... ليس من الشجاعة مواجهة الشر بصدر عارٍ، ففي
ذلك نوع من الحماقة، فكان لا بد من تطوير المهارات الكتابية لحماية صاحب النص،
ولهذا كانت الحرفية غير التقليدية في أن ترسم صورة المومأ إليها دون ترك أثر لما
كتبت قد يعرضك للمساءلة القانونية، بالاستعانة بالكثير من الأدوات، ومنها الموروث
الشعبي وطرق توظيفه لخدمة المضمون، ويُعتبر هذا نوعًا من أنواع الاحترافية في
الكتابة التي قد لا يدرك حتى الذكاء الاصطناعي امتلاكها، ومن هنا من الممكن
التمييز ما بين النصوص الاحترافية والمصنّعة، وهناك أيضًا ما يُعرف بإدارة الموضوع
المكتوب من خلال خلق رؤية كتابية تُعبر عن طريقة الوصول للهدف من الكتابة.
فالحرفية ليست مهارة لغوية فقط، بل هي فن التمويه الذكي
الذي يجعل النص يقول كل شيء دون أن يُمسك عليه شيء. إنها القدرة على زرع الفكرة في
عقل القارئ دون أن تترك بصمة مباشرة تُدينك، وكأنك تكتب بمدادٍ مرئي للوعي وخفي عن
المساءلة. وهنا تتحول الكتابة من فعل تعبير إلى استراتيجية بقاء، ومن مساحة رأي
إلى ساحة مناورة، لا ينتصر فيها إلا من يجيد استخدام أدواته دون ضجيج.
التعميم ... وفي الغالب ما يكون غير محمود في طريقة
الكتابة، ولكنه في بعض الأحيان ما يخلق فضاءً للقارئ في تبويب الموضوع حسب وجهة
نظره، مما يصنع مساحة في متعة الكتابة وترك الباب مفتوحًا للمثل المصري (الذي على
راسه بطحة بيحسس عليها)، وبهذا فقط يكون هناك توازن ما بين النص ومخيلة المتلقي
الذي في الغالب يكون هو الهدف والوسيلة.
والتعميم ليس دائمًا هروبًا من المواجهة، بل قد يكون
أداة ذكية لتوسيع دائرة الاشتباك مع القارئ، حيث يتحول النص إلى مرآة متعددة
الوجوه، يرى فيها كل قارئ نفسه وفق زاويته الخاصة. فكلما اتسعت مساحة الغموض
المحسوب، زادت احتمالات التأويل، وهنا تتحقق متعة النص، حين لا يفرض نفسه، بل
يُستدعى من داخل المتلقي، فيصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ له.
الرؤى ... قد يسأل هنا أحدكم كيف أختار مواضيعي
الكتابية، والحق يُقال هنا إن جملة مواضيعي مستلهمة من العامة والخاصة، فقد تجد ما
تبحث عنه في منزلك أو الشارع أو العمل أو جدال مع أحدهم، ولكن بشرط أن تمتلك رؤية
ثقافية عميقة تولد من القراءة الاحترافية أو المطالعة، فالكتابة بالأصل، وكل
مفاصلها، تعتمد على أمرين: الأول قدرتك على استيعاب ما تقرأ، والثاني تلخيص
التجارب الحياتية وخلق مزيج يرتقي إلى أن يكون مادة للمتعة الذهنية.
الرؤية ليست ما تراه العين، بل ما تعجز عن تجاهله بعد أن
تراه. وهي تلك القدرة على التقاط العادي وإعادة تقديمه بوصفه استثنائيًا. فالحياة
مليئة بالمواضيع، لكن القليل فقط يملك عين الالتقاط، والأقل منهم من يملك قدرة
التحويل. وهنا تصبح الكتابة فعل اكتشاف لا نقل، وفعل خلق لا تكرار، حيث تتحول
التجربة اليومية إلى مادة فلسفية، إن امتلك الكاتب عمق القراءة وجرأة التأويل.
الرأي والرأي الآخر ... ما تكتبه ليس كتابًا مقدسًا قد
نزل من السماء، وهذه الحقيقة التي يجب على كل صاحب محتوى كتابي الإيمان بها، ولو
عدنا للماضي نجد أن التجارب البشرية قد أنكرت على الأنبياء أصحاب المعجزات دعوتهم،
فمن سوف تكون أنت لتحظى برضى الجميع؟ فمن الطبيعي أن تجد من يخالفك في الرأي
والقضية التي تتبناها، ولكن الحكمة أن تكون على قدر المسؤولية في الكلمة التي
تكتبها، فهذا فقط المعيار الوحيد لمصداقية ما تكتب.
فالوعي الحقيقي لا يُقاس بعدد الموافقين لك، بل بقدرتك
على تحمّل الاختلاف دون أن تنهار فكرتك. فالرأي الذي لا يُختبر بالضد يبقى هشًا،
والكاتب الذي يبحث عن التصفيق فقط، يكتب لنفسه لا للناس. وهنا تكمن خطورة النص،
حين يتحول إلى مساحة مواجهة فكرية، لا إلى منصة استعراض، فإما أن تكون صاحب موقف،
أو مجرد صدى يتردد في فراغ الآخرين.
الأبعاد القيمية ... ليس مطلوبًا من الكاتب أو الشاعر أو
القاص أن يكون نبيًا، ولكن يجب أن يسعى لتصحيح ما يمكن إصلاحه من خلال النصوص
المكتوبة، والسعي إلى خلق فضاء قيمي بعيد عن انتظار النتائج، والمضي لخلق بيئة
كتابية للارتقاء بالمشهد الثقافي ليكون جديرًا بالاحترام.
فالقيمة الحقيقية للنص لا تكمن في جماله، بل في أثره.
فالنص الذي لا يُحرّك ساكنًا في الداخل، يبقى مجرد تمرين لغوي مهما بلغ من
البلاغة. وهنا يظهر دور الكاتب كفاعل قيمي، لا واعظ، بل محفّز خفي يعيد ترتيب
أولويات القارئ دون أن يُملي عليه شيئًا. فالكتابة ليست دعوة مباشرة للإصلاح، بل
خلق بيئة تجعل الإصلاح احتمالًا واردًا في وعي المتلقي.
الكاتب ومسألة الحق ... وهذه من أصعب الأفخاخ التي قد
يقع فيها أصحاب الأقلام الحقيقية، وهنا قلت حقيقية، وهذا بسبب ظهور فئة متطفلة على
الكتابة بسبب انتماء عقائدي أو سياسي أو حتى منفعي شخصي، وهناك نوع ظهر في الفترة
الأخيرة، وهم من اتخذوا من الكتابة صنعة بسبب الفراغ الذي يعانون منه، فأصبحت
الكتابة صنعة من لا صنعة له، ولهذا يكون هناك تضارب في تمييز الحق بسبب تلك
الفئات، وهم ليسوا بالأعداد القليلة كما يظن البعض.
فأخطر ما يواجه الكاتب ليس الخطأ، بل تزييف الحق على
هيئة نص جميل. فليس كل من كتب أصاب، وليس كل من صمت أخطأ. وهنا يصبح التمييز بين
الكاتب الحقيقي والمُتطفل ضرورة، لا ترفًا، لأن ضجيج الكتابة الرديئة قد يُغرق
الصوت الصادق. وفي زمن اختلطت فيه الدوافع، لم يعد النص دليلًا كافيًا على
الحقيقة، بل أصبح يحتاج إلى قراءة ما وراءه، لا ما فيه فقط.
الخلاصة ... أود أن أخبركم سرّ مضمونه أنني أتعامل مع
الحروف على أنها ذرات من معدن الذهب، بسبب درايتي لقيمة الكلمة ودورها في تغيير
مسارات الأمم والحضارات، السابقة منها والحاضرة، ولهذا نحن اليوم أمام مشهد
دراماتيكي في رؤية الساحة الثقافية والدور القيمي لجوهر الكتابة.
فليست الحروف ما نكتبه، بل ما نُخفيه بينها. فالكاتب
الحقيقي لا يضع الذهب في النص، بل يجعل القارئ يكتشفه بنفسه. وهنا تتحول الكتابة
من فعل قول إلى فعل كشف، ومن مادة تُقرأ إلى تجربة تُعاش. ولذلك، فإن أخطر النصوص
ليست تلك التي تُفهم مباشرة، بل تلك التي تبقى عالقة في الذهن، تعيد تشكيله بصمت،
دون أن تطلب الإذن.





