الديانة الإبراهيمية من أساليب الاحتيال على الله
تحت عنوان
عمليات صهر الأديان
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
المعلن أنه مشروع فكري يعمل على إذابة الخلافات بين
الأديان، دون التعرض للأديان كأيديولوجيات، أكثر من كونه قد يتعارض مع فكرة الدين.
ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا يدركه أصحاب العقليات التي تحمل على عاتقها نظرية
المؤامرة دون تعزيزها بدليل يُذكر، وما سوف نفعله هنا هو أن نجرد المصطلح من كل
الدعايات التي تكون بمثابة مساحيق لوجهٍ قبيح.
الجذور التاريخية ... إن أخطر ما قد يكون هو أن يُوظَّف
التراث، وكانت البداية من جملة «إبراهيم أبو الأنبياء» التي تداولتها البشرية قبل
طرح المصطلح كنظرية، وفي هذا، كما يقال: «كلمة حق يُراد بها باطل» .
وإن هذا الاختصار يُعد عارياً عن الصحة، وذلك لأنه إذا
كان هناك من يستحق هذا اللقب، فهو سيدنا آدم عليه السلام، وهو أيضًا كان نبيًا،
وذلك بسبب عدم وجود دليل قطعي على أن جميع الرسل والأنبياء هم من نسل إبراهيم عليه
السلام.
وأستند في قولي إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ
مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ صدق الله العظيم.
أما عن بدايات المصطلح فقد كانت من طرحٍ ظهر إلى ما بعد
الحرب العالمية الثانية، حيث طُرحت صياغة مصطلح **«الأديان الإبراهيمية»** بالمعنى
الحديث على يد المستشرق والمفكر الكاثوليكي الفرنسي **لويس ماسينيون (Louis Massignon)**، الذي عاش بين عامي 1883 و1962. وقد طُرحت الفكرة كإطار للتقارب
بين المسيحيين والمسلمين واليهود حول إرث إبراهيم، وبعد ذلك انتشر المفهوم أكثر مع
تشجيع الحوار بين الأديان، خصوصًا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.
فسّر الماء بالماء... هذا ما يعبر عنه طرح المصطلح
كأيديولوجية فكرية لإذابة الخلافات. والسؤال هنا يكمن في: عن أي خلافات يتحدث
المصطلح؟
هل سوف يعتنق المسلم فكرة أن المسيح يجسد الذات الإلهية
على الأرض؟ أم أن يقتنع المسيحي بخاتمية نبوة النبي محمد؟ أم أن اليهود سوف يتخلون
عن فكرة إقامة دولتهم المزعومة؟
هنا لن يستطيع أي عقل بشري إيجاد حلول تصهر تلك
الخلافات، وعندها يكون المصطلح قد دخل حيز الاتجاه المعاكس لما يريده من له أطماع
في حكم هذا العالم، وجعله بلون واحد من خلال الدين.
(المشكلة ليست بإبراهيم عليه السلام، بل بالمصطلح الذي
يحمل اسمه ) مصطلح **«الدين الإبراهيمي»**، في نظر منتقديه، ليس توصيفًا محايدًا،
بل إعادة صياغة للخريطة الدينية بلغة جديدة. يبدأ بكلمة، لكنه لا يتوقف عند حدود
الكلمة؛ إذ يُنتقد لأنه يختزل ديانات مختلفة، بعناوين متباينة، في عنوان واحد،
وكأن الفوارق الجوهرية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل وظيفة المصطلحات أن تصف
الواقع أم أن تعيد تشكيله؟
وإذا كانت الديانات قد عرّفت نفسها بأسمائها وعقائدها
عبر القرون، فما الحاجة إلى عنوان جديد؟ ولماذا يُراد لهذا العنوان أن يتقدم على
التسميات التي اختارها أتباع كل دين لأنفسهم؟
هذا الجدل بحد ذاته يجعل المصطلح محل اعتراض عند كثير من
الباحثين ورجال الدين، ليس لأنهم يرفضون الحوار، بل لأنهم يرفضون أن يتحول الحوار
إلى إعادة تعريف للهويات الدينية تحت اسم جديد.
والنقد هنا موجّه إلى المصطلح كفكرة، وليس إلى إيمان
الناس أو أتباع الأديان فهناك دعم موثّق فهناك دعم موثّق لمؤتمرات الحوار بين
الأديان من حكومات ومنظمات دولية ومؤسسات دينية، وهذا أمر موثّق. وهذا ما يؤكد أن
القول بأن المصطلح وُجد لخدمة مشروع سياسي أو مالي محدد، لا يحظى بإجماع تاريخي،
ويبقى رأيًا مطروحًا من بعض النقاد أكثر من كونه حقيقة تاريخية مثبتة.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ﴾... فعندما فشلت كل محاولاتهم منذ زمن بعيد في إيجاد طريقة تجرّد
الإنسان من قوته التي تكمن في إيمانه واعتقاده، قدموا هذا المشروع كنوع من الرعاية
للإنسانية وحل خلافاتها، متناسين أن الأديان مناهج سماوية لا يمكن المساس بها، لا
شكلًا ولا مضمونًا.
فكان الأحرى بهم أن يعززوا مشاريع إنسانية مستنبطة من
الوعي الديني بمختلف صوره، بدل المضي في التحايل على الذات الإلهية، وهدفهم السعي
إلى إلغاء دور الرب على الأرض.
ولكن ما لا يعلمه هؤلاء المغفلون أن مثلما لهم مفكرون
يلهمهم الشيطان، هناك في الطرف الآخر رجال لله لا يعلمهم إلا هو، يفضحون تلك
الأساليب، ويحذرون الناس من الابتعاد عن المناهج السماوية التي تتمثل في شكل
الدين.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يبحث الإنسان عن
السلام، ولا في أن يحاول أن يجد مساحة مشتركة بين المختلفين، فهذه حاجة إنسانية لا
يمكن لعاقل أن يرفضها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول البحث عن السلام إلى محاولة
لإعادة صناعة الإنسان من خلال تجريد إيمانه من خصوصيته، وكأن الإنسان لا يستطيع أن
يكون إنسانًا إلا بعد أن يتخلى عن الدين الذي شكّل وعيه ووجدانه.
فالإنسان لم يكن يومًا مجرد كائن يحتاج إلى قوانين تنظم
حياته، وإنما هو كائن يبحث عن معنى وجوده، وعن مصدر أخلاقه، وعن الغاية التي جاء
من أجلها إلى هذا العالم. ولهذا كان الدين بالنسبة إلى المؤمن ليس قطعة من التراث
يمكن إعادة تشكيلها متى شاءت المشاريع الفكرية، وإنما هو علاقة بين الإنسان وربه،
وعندما تتدخل المشاريع البشرية في هذه العلاقة لتعيد رسم حدودها، فإنها لا تعيد
ترتيب الأفكار فقط، بل تحاول إعادة تعريف الإنسان نفسه.
وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل نريد إنسانًا
متعايشًا مع اختلافه، أم نريد إنسانًا متشابهًا بعد أن نزيل من داخله كل ما يميزه؟
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى
إنسان يفهم دينه دون أن يحوّل اختلافه إلى سلاح ضد الآخر. والتعايش لا يحتاج إلى
صهر العقائد، لأن التعايش في جوهره اعتراف بالاختلاف لا إلغاء له. أما أن نقول
للإنسان: اترك خصوصيتك الدينية جانبًا حتى نصل إلى إنسانية مشتركة، فهذه ليست
إنسانية كاملة، بل محاولة لصناعة إنسان منزوع الجذور.
والأخطر من ذلك أن تتحول كلمة «الإنسانية» إلى غطاء يسمح
بإعادة صياغة كل شيء؛ فحين تصبح الإنسانية مبررًا لتغيير العقيدة، والسلام مبررًا
لإلغاء الاختلاف، والحوار مبررًا لإعادة تعريف الأديان، فإننا لم نعد أمام مشروع
للتقارب، وإنما أمام فلسفة جديدة تريد أن تجعل الإنسان هو المرجعية الأخيرة في كل
شيء.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مصطلح «الدين الإبراهيمي»
نفسه: من أعطى الإنسان الحق في أن يعيد ترتيب ما يؤمن بأنه صادر عن الله؟ ومن أين
جاءت الجرأة على أن يتحول الإنسان من متلقٍ للرسالة إلى مهندس لها؟ وهل يستطيع
العقل البشري المحدود أن يعيد صياغة ما يؤمن أتباع الأديان بأنه صادر عن عقل مطلق؟
إنني لا أخشى الحوار بين الأديان، ولا أخشى اختلافها،
ولا أخشى أن يجلس المؤمن إلى جانب المؤمن المختلف عنه؛ الذي أخشاه هو أن يتحول
الحوار من وسيلة لفهم الآخر إلى أداة لإعادة تشكيله، وأن يتحول السلام من فضيلة
إلى ذريعة، وأن تتحول الإنسانية من قيمة نبيلة إلى مشروع يمحو من الإنسان علاقته
بخالقه.
فالدين الذي يحتاج إلى من يعيد اختراعه ليس دينًا،
والعقيدة التي تحتاج إلى مهندس بشري حتى تصبح مقبولة ليست عقيدة، والإنسان الذي لا
يستطيع أن يتعايش مع المختلف إلا بعد أن يجرده من خصوصيته لم يتعلم التعايش بعد.
ولهذا فإن الدفاع عن الدين لا يعني إغلاق أبواب الحوار،
وإنما يعني أن يبقى الحوار حوارًا، وأن يبقى الدين دينًا، وأن يبقى الإنسان
إنسانًا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الأديان، وإنما أن يأتي من يريد
أن يصنع دينًا جديدًا من بقايا الأديان، ثم يطلب من الجميع أن يسموه **إنسانية**.
الخلاصة ... لا أرى في مصطلح «الديانة الإبراهيمية»
انتصارًا للدين، بل أراه ــ في صورته التي تُقدَّم بوصفها مشروعًا لصهر العقائد ــ
محاولة لتجميل فكرة لا تستطيع أن تواجه حقيقتها بوجهٍ مكشوف. فحين تعجز الفكرة عن
إقناع الناس بمنطقها، تبحث عن اسمٍ ناعم، وحين يصبح الاسم غير كافٍ، تُغرقه
بالدعاية، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا للمشروع قبل أن يسألوا: ماذا يريد منا هذا
المشروع؟
أيها المروّجون لهذا المصطلح، لا تجعلوا من اسم إبراهيم
عليه السلام جسرًا تعبرون فوقه إلى إعادة صياغة عقائد الناس؛ فإبراهيم ليس ملكية
فكرية لأحد، وليس شماعة تُعلَّق عليها مشاريع السياسة والفكر. إن كنتم تريدون
الحوار، فالحوار لا يحتاج إلى اختراع دين جديد، وإن كنتم تريدون التعايش، فالتعايش
لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف، وإن كنتم تريدون السلام، فالسلام لا يبدأ بإعادة
تعريف عقيدة الإنسان.
أما أن تضعوا الأديان المختلفة في قالب واحد، ثم تطلبوا
منا أن نصدق أنكم لم تغيّروا شيئًا، فهذه ليست براعة فكرية، بل محاولة لإقناع
الإنسان بأن ما يراه بعينيه ليس هو ما يحدث أمامه.
إن أخطر عمليات الصهر لا تبدأ بإحراق الكتب، بل بإعادة
تسمية الأفكار؛ لأنك عندما تغيّر الاسم، تبدأ بتغيير المعنى، وعندما تغيّر المعنى،
يصبح تغيير الموقف مجرد خطوة لاحقة.
ولهذا سأبقى أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: احترموا
الأديان إن كنتم تريدون احترام الإنسان، وحاوروا العقائد إن كنتم تريدون الحوار،
لكن لا تصنعوا من اختلاف البشر دينًا هجينًا ثم تطلبوا منا أن نسمّيه سلامًا.
فالإيمان ليس مادة خامًا في مختبر سياسي، والعقيدة ليست
مشروعًا تجريبيًا، وإبراهيم عليه السلام ليس بوابةً خلفيةً لتمرير مشروع لا يستطيع
أن يعلن عن نفسه باسمه الحقيقي.
ومن يريد أن يوحّد البشر، فليبدأ بتعليمهم كيف يتعايشون
مع اختلافهم، لا كيف يتخلون عنه.




