بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 8 يوليو 2026

مقال

 

 الإسلام وحافة الهاوية

تحت عنوان

ضرورة ولَّدت المُجدِّد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



إن الفكرة التي لا تقبل التجديد، مصيرها إلى الزوال، حتى وإن كانت في باب الدين. فمنذ فترة سألتني إحدى الصحفيات: "لماذا توجه سهامك دائماً ضد الإسلام؟" وهنا يكمن الخطأ في صياغة السؤال، إذ كان ينبغي أن يكون: "ما هي مشكلتك مع الإسلام؟"

والحقيقة أنني لا أملك مشكلة مع الإسلام كدين، وإنما تكمن مشكلتي في قضية تحريف الدين، ومنهجية التقول على الله عز وجل ورسوله الكريم محمد (ص)، وتوظيفهما للمنافع الدنيوية والشخصية. وهذا، بالضبط، ما يمنع تقبل فكرة المُجدِّد.

فاليوم نجد الكثير من البشر يرسمون صورةً لله على الأرض بما يخدم مصالحهم، وهذا العمل يُعد من أعمال المنافقين، والعياذ بالله. وللتنويه، فإن المنافقين هم أكثر الناس حرصاً على إظهار أنفسهم أمام العامة بمظهر المتدينين، وهذا بالضبط ما نراه ونسمعه اليوم.

ولهذا، يجب أن يكون التعامل مع الإسلام على مبدأ شراء بيتٍ مستعمل؛ إذ ينبغي أن يمر بأربع مراحل، وهي: (التنظيف، الشطف، التأثيث، السكن)، ليصبح بعدها منزلاً صالحاً للسكن. وهذه السطور التي أكتبها اليوم تمثل المرحلة الأولى، وهي التنظيف.

 

أيديولوجية توظيف النص... قبل يومين سألت أحد الأساتذة الجامعيين عن سبب الإبقاء على بعض الأحاديث النبوية، وعدم حذفها رغم وجود إجماع على ضعفها، فكانت إجابته: "لتقويم الأخلاق." وضرب مثالاً بحديث: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف."

وليست مشكلتي مع هذه النوعية من الأحاديث، وإنما مع نوعية أخرى وُظِّفت لغرض الدس والتضليل. ومثالي في ذلك الحديث المنسوب: "إن الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه." فهذا الحديث استُخدم -بحسب ما يُطرح- للدس في سيرة أحد الصحابة الكرام، وهو خالد بن الوليد، بسبب أن الرسول (ص) لقبه بـ "سيف الله المسلول". وهذا مثال حي على محاولات الدس.

وهناك حديث آخر مفاده: "إن في اختلاف أمتي رحمة." مع أن هذا الحديث يتعارض -بحسب طرحي- مع النص الإلهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

وقد يظن الكثير أن هذه النصوص ليست بذلك الحجم من الخطورة الذي ألمح إليه، ولكن ما لا يعلمه الكثير أن ما ورد هنا ليس إلا غيضاً من فيض. فقد تكون مثل هذه النصوص بمثابة معول في عملية الهدم والتضليل للرأي العام، لأن الجميع اليوم بات غير قادر على امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين الصواب والخطأ، بسبب التطور التكنولوجي، وإمكانية تغذية المواقع الإلكترونية بالمعلومات التي يعدها الكثيرون المصدر الوحيد للمعرفة.

وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي لا تملك القدرة على التحقق الفكري من مصادر المعلومة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على ما هو متاح من بيانات ومصادر.

 

حتمية شخصية المُجدِّد... بما أن عصر الأنبياء والرسالات السماوية قد انتهى بوفاة رسولنا الكريم محمد (ص)، فمن البديهي أن يكون هناك ما يُعرف بالمُجدِّد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام كدين.

ودليلي في ذلك أن من الأدعية المتداولة في خطب الجمعة: "اللهم ابعث فينا من يجدد ديننا." وهذا -من وجهة نظري- يمثل اعترافاً ضمنياً بفكرة وجود شخصية تقوم بعملية التجديد.

ولكن من هو المُجدِّد؟ وما صفاته؟ ... ليس شرطاً أن يكون خارجاً عن المألوف في تعامله مع جميع النصوص، وإنما يجب أن يحظى أولاً بالعناية الإلهية، وأن يكون قادراً على امتلاك الرؤية في عملية التجديد، ورسم خارطة فكرية للتعامل مع النصوص السماوية، بما يحفظ جوهرها ويمنع استغلالها.

 

الإسلام وحافة الهاوية... الكثير اليوم، عندما تسأله، يقول لك: "الدنيا ما زالت بخير." ولا أعرف عن أي خير يتحدث، وغالباً ما يقصد المتدينين.

والمشكلة أن أشباه المتدينين باتوا الخطر الأكبر على الإسلام، أكثر من أعدائه، حتى أصبحوا يؤدون دور الجاسوس في جسد الإسلام.

وإذا أردنا تحليل هذه الكلمة على سبيل المجاز، فإنها تعود إلى عبارة "جاء السوس"، والسوس هو تلك الحشرة التي تنخر حبة الحنطة من داخلها، وهذا -في نظري- هو الدور الذي يؤديه أشباه المتدينين؛ فهم يمارسون عملية النخر في جسد الدين الإسلامي من الداخل، من خلال بث روح الشقاق والنفاق، وتوظيف النصوص الضعيفة وفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.

 

المضمون ... إن أخطر ما يواجه الإسلام اليوم ليس هجوم خصومه، فالأديان عبر التاريخ واجهت الحروب والاحتلالات ومحاولات الطمس وبقيت قائمة، وإنما الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص إلى أدوات بيد البشر، فيُلبسون أهواءهم ثوب القداسة، ويمنحون مصالحهم صكوكاً إلهية، حتى يصبح الاعتراض على الإنسان اعتراضاً على الله، ويغدو نقد الفهم وكأنه حرب على الدين نفسه. ومن هنا تبدأ رحلة الانحدار؛ لأن الدين حين يفقد قابلية المراجعة الفكرية، ويُغلق باب التجديد، يصبح أسيراً لتراكمات صنعها البشر لا لما أراده الله.

إن المشكلة لا تكمن في وجود نصوص مختلف في فهمها أو في صحة بعضها، بل في العقل الذي يوظفها وفق الحاجة، فيقتطع منها ما يخدم مشروعه، ويغيب ما يهدم مصالحه، حتى تتشكل أجيال لا تعرف أين ينتهي كلام الله ورسوله، وأين يبدأ اجتهاد البشر وتأويلاتهم. ومع هذا الطوفان المعرفي الذي تصنعه التكنولوجيا، وتكرره المواقع الإلكترونية، وتعيد إنتاجه أدوات الذكاء الاصطناعي اعتماداً على ما هو منشور، تتحول المعلومة، مهما كانت ضعيفة، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس لمجرد كثرة تداولها، فيصبح الباطل مألوفاً، ويبدو الحق غريباً بين أهله.

ولهذا فإن الدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى هدم الدين، بل إلى إزالة ما تراكم فوقه عبر القرون من غبار التأويلات والدس والاستغلال. فالإسلام لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى عقل جديد في طريقة التعامل معه، عقل يفرق بين المقدس والاجتهاد البشري، وبين النص الإلهي وما أُلصق به عبر الزمن. فكلما تأخر هذا المشروع، ازداد السوس الذي ينخر في جسد الدين من داخله، حتى يصل الناس إلى مرحلة يدافعون فيها عن الأخطاء باعتبارها من ثوابت العقيدة، بينما هي في حقيقتها صناعة بشرية اكتسبت حصانة القداسة بمرور الزمن. وعندها لا يكون الإسلام هو الذي يقف على حافة الهاوية، بل يكون فهم المسلمين له هو الذي اقترب منها، وتلك هي الكارثة التي يجب أن يتوقف عندها كل صاحب ضمير قبل أن يصبح الإصلاح نفسه تهمة، ويغدو المجدد عدواً لأنه قال: إن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وإن الدين أسمى من أن يُحتكر باسم أحد.

 

الخلاصة ... أقولها بكل وضوح: إن الإسلام لم يصل إلى حافة الهاوية بسبب أعدائه المعلنين، فهؤلاء كانوا معروفين عبر التاريخ، وإنما اقترب منها بسبب أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الله، واحتكروا الحديث باسمه، حتى أصبحوا يوزعون صكوك الإيمان والكفر وكأن مفاتيح السماء معلقة في أعناقهم. يرفعون شعار نصرة الله، بينما يجعلون الدين أسيراً لمصالحهم، ويقدسون اجتهاداتهم كما لو أنها وحي لا يقبل المراجعة.

إن أخطر خصوم الحقيقة ليس من يعلن رفضها، بل من يرتدي ثوبها ليحرفها. وأخطر من يحارب الدين ليس من يقف خارجه، بل من يقف داخله وهو يبدل معانيه، ويخلط بين قدسية الوحي وقابلية الفهم البشري للخطأ والصواب. فحين يتحول الدين إلى وسيلة للنفوذ، ويصبح الدفاع عن الأشخاص مقدماً على البحث عن الحقيقة، فإن أول الضحايا هو الدين نفسه.

ولهذا، فإن التاريخ لن يسأل من أكثر من رفع الشعارات، بل من كان أميناً عليها. ولن يخلد من ادعى أنه ينصر الله، وإنما من نصر الحق والعدل والصدق دون أن يجعل من نفسه بوابةً بين الخالق وخلقه. أما الذين جعلوا من الدين تجارة، ومن القداسة حصناً لمصالحهم، فسيكتشفون يوماً أن أخطر ما فعلوه لم يكن خداع الناس، بل تشويه الصورة التي جاء الإسلام ليصححها، وأن خصومة الحقيقة باسم الدفاع عنها هي أشد صور العداء لها.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مقال

 

 نحن شعوب لا نستحي

تحت عنوان

بلد نفطي وشعب عفطي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في هذه الأيام، ونحن نعيش تفاصيل أكبر كذبة في التاريخ العراقي المعاصر، وهي محاربة الفساد، برزت ظواهر أقل ما توصف به هو الابتذال، يقوم بها جموع العوام من الشعب. وهنا لن نتحدث عن الفساد بالتفاصيل الدقيقة، ولكن سوف أتحدث عن المفسد الحقيقي في هذا الموضوع. وهنا يجب الاستعانة بمثل شعبي من التراث المصري يصب في أصل الفكرة، وهو: (يا فرعون، مين فرعنك؟ قال: ملقتش اللي يردني.) ومن هنا نفهم أنه ليس بالضرورة أن يكون الفساد والطغيان مصدرهما طرفًا واحدًا.

وقد سأل أحد الفلاسفة في العصور السابقة: إذا ما خُيِّرت بين قتل العبيد أو قتل الطاغية، فماذا تختار؟ فكانت الإجابة: قتل العبيد. وعندما سُئل عن السبب قال: لولا تخاذل العبيد، ما كان ليطغى أحد. ولهذا سوف تتغير هنا المفاهيم المنتشرة في كل مكان.

 

الفاسدون خرجوا منا... يظن الكثير اليوم أن ذلك الفاسد الذي أنهك البلد جاء من القمر، ولكن الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها هي أن الشعب هو المفسد والمجرم الحقيقي في هذا الموضوع. فداخل كل واحد منا فاسد صغير يخرج عندما تكون هناك أرضية خصبة لولادته. فعندما ينتشر الجهل ويغيب الوعي الإدراكي لدى الإنسان، يعود تلقائيًا إلى صفته الحيوانية، ويصبح قانون الغابة أساسًا في تعامله مع الآخرين. ولهذا يكون المجتمع هو المجرم الوحيد في قضية الفساد، من خلال تقبله لفكرة الفساد، وابتكاره طرق التأقلم معه، وجعله أساسًا في التعاملات اليومية. وعندها يكون الفاسد قد وجد الأسباب والذرائع للقيام بأعمال شاذة توصف بالفساد، ولهذا يكون المجتمع مصدر الفساد.

وهنا يجب الاستشهاد بقول خير من مشى على هذه الأرض، رسولنا الكريم محمد (ﷺ): «كما تكونوا يُولَّى عليكم»، فمن غير الطبيعي أن يترأس الصادقين كاذب، أو يكون على رأس الأمناء لص، أو يتزعم الصالحين فاسد، وبهذا يكون لدينا الدليل على أن المفسدين يخرجون من بيننا.

 

الحياء من الأخلاق... في الغالب، وما نعرفه أو نقرأه، أن الشعوب تتباهى بإنجازاتها العلمية والحضارية، ولكن أن تجد شعبًا يتباهى بالقضايا المخزية، فهذه لن تجدها إلا في هذا البلد. فقد وصل الحال بأحدنا إلى أنه لم يعد يملك ذرة من الحياء، وهذا ما قد تلمسه من خلال تصفحك لمواقع التواصل الاجتماعي. ولا يُقصد هنا قضية النشر بحد ذاتها، ولكن سوف تجد بعض التعليقات أكثر خزيًا وعارًا من المنشور الذي عُلِّق عليه، وهذا ما يعطي صورة سيئة عن مجتمعنا أمام أنظار العالم بأسره، حتى بات يُضرب بنا المثل، وهذه كارثة.

وهذا بسبب أننا فقدنا ركنًا من أركان الأخلاق التي كنا نتحلى بها. وبما أننا مجتمع إسلامي كما يدّعون، فهناك حديث لرسولنا الكريم مفاده: «إذا ابتليتم فاستتروا»، ولكن بات القول شيئًا، والفعل شيئًا آخر، فاليوم هناك الكثير منا من يتباهى بالسوء ويفعله على مرأى ومسمع من العامة، بسبب إسقاط مبدأ الحياء من حساباتنا البشرية.

 

موت الخصوصية والممارسات العفطية... جميعنا اليوم يضع ممارساته اليومية أمام العامة؛ خرج من المنزل صوّر، دخل مطعمًا قام بالتقاط صورة، حتى وصل الأمر ببعض النسوة إلى إقامة حفل لفشل حياتهن الزوجية، بما يعرف اليوم بـ حفلات الطلاق. ومن هنا نفهم أنه لم يعد هناك شيء يُعرف بالخصوصية.

والأكثر من هذا، تكالب الكثير على تبني القضايا اللاأخلاقية وقصص الفضائح، حتى وصل الأمر بوقاحة أحدهم إلى التخلي عن رجولته، ليدخل العالم الافتراضي بصفة امرأة، لغرض الإيقاع بالنسوة. وهذه، في مذهبي، قمة الخسة والعار التي قد يصل إليها الإنسان.

 

ولكن ما يشعرك بالقرف هو أننا لم نعد نمتلك اليوم أيًّا من القيم الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته.

 

المضمون ... هناك حقيقة مُرّة لا يريد أحد أن يضعها أمام المرآة، وهي أن الفساد لا يعيش في المكاتب الحكومية وحدها، بل يعيش في العقول قبل أن يسكن الكراسي. فالسياسي الفاسد لم يولد في القصر الجمهوري، والموظف المرتشي لم يهبط من السماء، والتاجر المحتكر لم يأتِ من كوكب آخر، بل خرجوا جميعًا من الأحياء نفسها، وتربوا في البيوت نفسها، ودرسوا في المدارس نفسها، ثم حملوا معهم ما زرعناه فيهم من مفاهيم مشوهة تبرر الخطأ إذا كان فيه منفعة، وتصفق للمحتال إذا نجح، وتمنح اللص لقب الشاطر، وتجعل من صاحب المبادئ إنسانًا ساذجًا لا يعرف كيف يعيش.

إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام، بل ذلك الذي يسرق الضمير الجمعي للأمة، لأن سرقة الأموال يمكن تعويضها، أما سرقة القيم فلا تعوضها مئات السنين. وعندما يصبح الإنسان مستعدًا لأن يبيع صوته، أو ذمته، أو كرامته مقابل منفعة مؤقتة، فلا يحق له بعد ذلك أن يرفع إصبع الاتهام بوجه أحد. فالمجتمع الذي يتسامح مع الخطأ الصغير، هو نفسه الذي يصنع الجريمة الكبيرة، لأن كل كارثة عظيمة بدأت يومًا بخطيئة صغيرة وجد لها الناس ألف مبرر وألف عذر.

ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الفاسدين وحدهم، بل مع الثقافة التي أنجبتهم، ومع البيئة التي احتضنتهم، ومع العقول التي ما زالت تبحث عن شماعة تعلق عليها فشلها، وهي ترفض الاعتراف بأنها كانت جزءًا من صناعة هذا الخراب. فالأوطان لا تنهار عندما يكثر فيها الفاسدون، وإنما تنهار عندما يصبح الفساد سلوكًا اعتياديًا لا يثير الخجل، وعندما يفقد الناس القدرة على الشعور بالعار وهم يشاهدون وطنهم يُباع قطعةً بعد أخرى، ثم يكتفون بالتصفيق أو الصمت.

 

الخلاصة ... اننا لم يعد من حقنا أن نبكي على وطنٍ أضعناه بأيدينا، ولا أن نلعن الفساد ونحن نمارسه بأشكال مختلفة كل يوم. لقد أصبحنا بارعين في صناعة الأعذار أكثر من براعتنا في صناعة الأوطان، حتى غدا النفط أغنى من الإنسان، وأصبحت الأرض تنام فوق بحارٍ من الثروات بينما يمشي أهلها فوق جبالٍ من الفشل. ليست المأساة أن يعيش شعبٌ في بلدٍ فقير، فذلك قد تصنعه الظروف، وإنما المأساة الحقيقية أن يعيش شعبٌ بعقلية الفقر وهو يقف فوق كنوز لا تُعد ولا تُحصى.

إن أخطر ما وصلنا إليه ليس انهيار الاقتصاد، ولا فساد السياسة، ولا عجز المؤسسات، بل انهيار الشعور بالخجل. فعندما يفقد المجتمع حياءه، يصبح كل قبيحٍ أمرًا اعتياديًا، وكل منكرٍ خبرًا عابرًا، وكل سقوطٍ مجرد تفصيلٍ يومي. عندها لا يكون الوطن قد خسر معركة، بل يكون قد خسر الإنسان نفسه.

ولهذا، لا تبحثوا طويلًا عن المذنب، فالحقيقة تقف أمام المرآة كل صباح. وإذا أردنا يومًا أن يتغير هذا البلد، فعلينا أولًا أن نتوقف عن خداع أنفسنا، لأن الأمم لا تنهض بالكذب على الواقع، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما تبدأ نهضتها يوم تمتلك شجاعة الاعتراف بأن الخراب لا يسكن الجدران وحدها، بل قد يسكن العقول أيضًا.

الأحد، 28 يونيو 2026

مقال

 

 حمّى الاستقالات

تحت عنوان

القفز من المركب الغارق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

لتكن البداية برأيي فيما يحصل من حملة الاعتقالات الجارية في العاصمة وبعض المحافظات العراقية. وهنا قد يبدو الجواب صادمًا، ويتمثل في أن الفساد المستشري منذ عقود يشبه قطارًا يسير بشكل مستقيم، وعندما امتلأت عرباته بفداحة رائحته، قرر قادة القطار التضحية ببعض الشخصيات لذرِّ الرماد في العيون. وقد يبدو أن هذا الجواب لا يحتوي على تفاؤل، وهذا بسبب أنني لا أثق بأحد من عناصر النظام الحاكم، ويعود كل ما كُتب هنا إلى سؤال بالغ الأهمية: أين كان هؤلاء الأفذاذ منذ سنوات طويلة؟ ولماذا لم يتحرك منهم أحد إلا بعد تلقي (Order)، أي طلب، من القوات المحتلة المتمثلة بالسيد ترامب؟ ولهذا يبقى هذا العمل منقوص الإرادة.

 

الاستقالات... وهي تعتبر ورقة تحمل أبعادًا مختلفة من حالة الرفض أو الخوف، على حد سواء. وبما أن الكثير ممن ألقوا استقالاتهم كانوا من أبرز الضالعين في بناء هيكل الدولة القائمة، من رجال الإعلام والصحافة، فإن الأمر برمته يدعو إلى الشك والريبة. ولهذا كان الأحرى بأولئك المستقيلين أن يبينوا الأسباب التي دفعتهم إلى الإقدام على هذا العمل بشكل واضح، إلا أن الأمر بقي يكتنفه الغموض. ولكن ما حصل بعد تلك الاستقالات، والحملات التي قام بها السيد رئيس الوزراء، أقول فيه كما قالت العرب قديمًا: (فلح إن صدق). وهذا لا يعني أنني أشكك في فعله، ولكن جميع الذين شملتهم الإجراءات لا يرتقون إلى درجة الحيتان، ولهذا لا يُعد العمل برمته إنجازًا يُحسب له. وليس هذا موضوعنا اليوم، ولكن الاستقالات في هذا التوقيت لا تُعد شجاعة كما يُروج لها، بل تُعد طوق نجاة في سفينة يظن الكثير أنها سوف تنجو بالعمليات الترقيعية التي يطبل لها المطبلون اليوم.

 

القلم مسؤولية... سُئل أحد الشعراء يومًا عن فاعلية القصيدة لدى المتلقي، فأجاب بأن القصيدة التي لا تتسبب في موت قائلها لا تُعد، في الأصل، قصيدة لشاعر. وكذلك الصحفيون والإعلاميون ومن يدور في هذا الفلك. فمنذ فترة ليست بالقصيرة كنت حاضرًا في إحدى فعاليات اتحاد الصحفيين في الموصل، والغريب أن جميع الموجودين كانوا يُعدون من الصحفيين، ولكن الحقيقة أنني لم أرَ سوى بعض الشخصيات التي تُعد على أصابع اليد الواحدة ممن يمارسون العمل الصحفي فعلًا، أما البقية فهم حملة هويات من أجل المكتسبات أو المنح، ويُعد هذا من أهم الأسباب التي أسقطت مهنة الصحافة. فالصحفيون العاملون الحقيقيون أعرفهم، وأعرف أسماءهم وكناهم والطريقة التي يكتبون بها دون الحاجة إلى ذكر أسمائهم، أما من تبقى فهم المدعون والراكضون خلف لقب صحفي، وهذا ما أساء، بشكل كبير، إلى مهنة الصحافة.

 

أنواع الصحفيين

المهرجات... انتشرت في الآونة الأخيرة فئة ممن يطلقن على أنفسهن إعلاميات أو صحفيات، وهن في الغالب يأخذن صفة الإعلام الحكومي، ويحرصن على الظهور في مواقع التواصل بصورة أقرب إلى الابتذال. يتشاجرن مع بعضهن مرة، وفي مرة أخرى يعملن كمطبلات لمدرائهن، وهن في حقيقة الأمر أشبه بذلك المهرج الذي كان أحد وسائل تسلية الملوك والسلاطين في العصور الوسطى.

المتكسبون... وهم فئة تسعى للحصول على هوية الصحفي من أجل الكسب المادي والمعنوي، ويعتبرون هذه الهوية، في الغالب، من الكماليات التي تكمل شعورهم بالنقص الاجتماعي، وهذه تُعد كارثة بكل معنى الكلمة.

 

الهروب من المسؤولية... لا توجد خيانة أكبر من أن يشارك الإنسان في صناعة المشهد سنوات طويلة، ثم يقرر في اللحظة التي يشعر فيها بأن الرياح قد تغيرت أن يقف بين الناس بصفة المتفرج، وكأن كل ما جرى كان يحدث أمام عينيه دون أن يكون جزءًا منه. فالمسؤولية لا تبدأ عند توزيع المناصب ولا تنتهي عند كتابة ورقة استقالة، بل تبدأ منذ اللحظة التي يقبل فيها الإنسان أن يكون شريكًا في القرار، أو شاهدًا صامتًا على الخطأ وهو قادر على الاعتراض. ولهذا فإن الاستقالة، عندما تأتي بعد سنوات من الصمت، لا تمحو ما سبقها، ولا تعفي صاحبها من مسؤولية المرحلة التي كان جزءًا منها، لأن التاريخ لا يقرأ التوقيعات الأخيرة، وإنما يقرأ المواقف الأولى.

إن من السهل جدًا أن يقفز الإنسان من المركب عندما يشعر بأنه بدأ يغرق، ولكن الشجاعة الحقيقية ليست في القفز، بل في البقاء ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، أو إعلان الرفض يوم كان الرفض ثمنه باهظًا. أما بعد أن تتغير الموازين، ويبدأ الجميع بالبحث عن طريق النجاة، فإن البطولة تصبح رخيصة، ويصبح كل واحد يحاول أن يكتب لنفسه تاريخًا جديدًا يمحو به سنوات طويلة من الصمت أو المجاملة أو المسايرة. ولهذا فإن الشعوب لا تنخدع بسهولة، لأنها تعرف جيدًا من كان يهتف بالأمس، ومن أصبح اليوم يتحدث بلغة الضحية.

إن المسؤولية ليست منصبًا يُعاد إلى الدولة، ولا هوية صحفية تُرمى على الطاولة، ولا تصريحًا إعلاميًا يُنشر على مواقع التواصل، وإنما هي موقف أخلاقي يبقى ملازمًا لصاحبه حتى بعد مغادرته مكانه. ومن اعتاد أن يبرر كل شيء عندما كانت المصالح قائمة، ثم تحول فجأة إلى ناقد بعد أن تبدلت الظروف، فإنه لا يكون قد غادر المركب، وإنما يبحث عن مكان أفضل على شاطئ النجاة، ينتظر منه أن يصفق له الناس على بطولة لم يصنعها، وعلى موقف تأخر حتى فقد قيمته.

 

الخلاصة ... لا أجد ما يستحق التصفيق، فالمركب الذي يتسابق الجميع اليوم إلى القفز منه لم يغرق في ليلة واحدة، وإنما ظل يغرق عامًا بعد عام، بينما كان بعضهم يبيع للناس أوهام النجاة، ويكتب بيانات الانتصار، ويصفق لكل قرار، ويهاجم كل من قال إن الماء بدأ يتسلل إلى الداخل. واليوم، وبعد أن أصبح الغرق حقيقة لا يمكن إخفاؤها، ارتدى الجميع ثياب الأبرياء، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من المشهد.

أما السلطة، فإنها لن تُقنع الناس بحملات متأخرة ما لم تُثبت أن القانون لا يعرف كبيرًا ولا صغيرًا، وأن المساءلة لا تتوقف عند الأسماء السهلة، بل تصل إلى كل من أسهم في صناعة هذا الواقع، أيًّا كان موقعه أو نفوذه. وأما من حملوا صفة الصحفي أو الإعلامي، ثم جعلوا أقلامهم وسيلة للتطبيل بدل الرقابة، فإن الاستقالة لن تغسل حبر المجاملة، ولن تمحو ذاكرة الناس، لأن القلم لا يُحاسَب بما يكتبه اليوم، بل بما أخفاه بالأمس.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق الجميع: عندما كان الوطن يُستنزف، أين كانت أصواتكم؟ وعندما كانت الحقيقة تُدفن تحت ركام المصالح، أين كانت أقلامكم؟ فإن كنتم قد صمتم خوفًا، فهذه مصيبة، وإن كنتم قد صمتم طمعًا، فالمصيبة أعظم. أما التاريخ، فلا يعترف بالمستقيلين بعد انتهاء المعركة، ولا يكتب أسماء من قفزوا من المركب، بل يكتب أسماء الذين بقوا يواجهون الغرق حتى النهاية.

مقال

 

تجريم الإعلام

تحت عنوان

هو سبب فشل المؤسسات والدول

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



بعد الثورة التقنية في عالمنا اليوم، أصبحت مهنة الإعلام حقًّا للجميع، وهذا من أهم الأسباب التي ساهمت في تأخر نهوض البلد. وهناك أسباب سوف نطرحها في مقالنا هذا، ومن تلك الأسباب تولي السلطة أناسًا مغمورين ليس لهم سوى بعض الأوراق كُتب عليها شهادة أكاديمية، أما الثقافة فهم يعانون من جهلٍ مطبقٍ ليس له مثيل على سطح الأرض. وتلك الشخصيات هي من ساهمت في تولي سلطة الإعلام ثلةً من الانتهازيين والمرتزقة وغير الحرفيين بهذه المهنة، فترى هؤلاء هم أبواق لصنع اسم للإدارات المغمورة، حتى ولو كان على حساب الصالح العام.

ومن تلك الممارسات الأعمال الوهمية، وهذه جريمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومن تلك الصور هناك صور حية عشناها ونعيشها كل يوم. ومن التاريخ القريب شخصية (محمد مهدي الصحاف)، وهو وزير الإعلام في النظام السابق في زمن الحرب الأخيرة، وتلك الممارسات التي كانت نتيجتها انهيار الدولة بأكملها. ومن الغريب أن تلك الشخصية استُنسخت آلاف النسخ منذ عام 2003 ولحد يومنا هذا، وما زلنا نرى تلك الشخصية في يومنا هذا، وهي المسؤولة عما هو عليه البلد اليوم، وبشكل كبير.

فالانتهازيون في الإعلام لا يهمهم أن يكون العمل بشكل جيد، ولكن الأهم إبراز تلك الشخصيات بشكل حسن أمام الرأي العام، حتى ولو اضطر بعضهم إلى الأخبار الوهمية ونسبها إلى السلطة المغمورة للتغطية على مساوئ تلك الشخصيات في الإدارة.

ولم يقف الأمر عند هذا، ولكن بلغ الأمر في تلك السلطات المغمورة استبعاد كل من يكون على دراية بقضية الإعلام، خوفًا من الاضطرار إلى تغييب شخصيته المغمورة. والكثير منهم يعاني من عقدة الظهور الإعلامي، فبعض تلك السلطات تكون بحالة عدم تصديق ذاتها في تولي تلك السلطة، فتذهب إلى تلميع الذات ورسم صورة أسطورية في أذهان من هو أعلى منهم سلطة، فقط للتركيز على ديمومة تلك السلطة، أما ما يقدمه بشكل حقيقي لتلك المؤسسة أو الدائرة الحكومية أو الأكاديمية، فليس له أي تواجد على أرض الواقع.

وهذه الصورة ليست على صعيد الإعلام المؤسساتي، ولكن هناك صورة أسوأ بكثير في الإعلام المرئي في القنوات المحلية، فوصل الحال بتلك القنوات إلى العمل بمبدأ (العُرف)، أي لمن تربطه صلة بصاحب القناة أو ابن صاحب القناة. والغريب أن بعض تلك القنوات تمثل هوية مدن لها تراث وتاريخ، وتدار بهذه النظرية، فهي جريمة يجب أن يكون هناك قانون رادع لتلك الشرائح من الواجهات الإعلامية، فهذا وغيره مما يسيء إلى تلك المدن، ويُسيّس تلك القنوات من باب البيع والشراء، بعيدًا عن الرسالة الإعلامية.

وصور أخرى من سوء الواقع الإعلامي، تلك المتمثلة بالشخصيات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، ما بين رجل راقص وامرأة غانية تعرض بضاعتها على الجميع، وتنسب نفسها إلى مدينة أو مكان. وتلك الصور التي تثير الاشمئزاز تدخل أيضًا بالواقع الإعلامي، وهو أمر واقع، وللأسف فإن تلك الممارسات الشاذة تُحسب على الجانب الإعلامي، لتزيد من قبح صورة الإعلام في يومنا هذا.

وقد يحمل المقال تلميحًا لشخصيات في واقعنا، وهذا لم يكن من باب الصدفة كما يقال، ولكنه مقصود، لأن الأمر قد خرج عن السيطرة، وبات عالمنا اليوم بخطر كبير بسبب تلك الصور اللاأخلاقية من بعض الإعلاميين والمحسوبين عليه.. ولتصحيح تلك المسارات، يجب تسليط الضوء على تلك الممارسات، ووضع الرأي العام ما بين الصواب والخطأ.

وفي نهاية ما كتبت، فإن ما كتبته ليس من واقع الخيال، إنما هو عن تجربة لي في عالم الإعلام.

الخميس، 25 يونيو 2026

مقال

 

 حكاية ليلى والسعلوة (قصة حقيقية من الموصل)

تحت عنوان

عاهات الحزب الإسلامي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قبل فترة من الزمن، وفي أثناء حضوري أحد المنتديات الثقافية، قدّم المنتدى إحدى المواهب الواعدة، وهي طفلة تمتلك فن الخطابة بشكل ملفت للأنظار. ولغاية هنا يبدو الأمر طبيعيًا، ولكن وسط الاحتفاء الرائع بتلك الطفلة كانت هناك امرأة ممن يدّعين التدين، لم ترفع عينيها عنها. وقد لاحظت ذلك، وكان هذا الفعل مستفزًا لي بصراحة. وما إن انتهت الجلسة حتى اقتربت تلك السعلوة، كما أسميتها، منها وبدأت تتحدث معها، وهذا ما أثار مخاوفي من الموضوع. وبعدها اقتربت من والدها وقدمت له نصيحة بأن يأخذ حذره من تسلل الأفكار الشاذة إلى ابنته. وقد تقبل الأب كلامي بشكل طبيعي آنذاك، ولكن قبل يومين رأيت فيديو للفتاة على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث فيه عن قضايا أكبر من عمرها في ساحة التدين، فعندها أدركت أن ما كنت أحسبه قد حصل، وأن السعلوة قامت بخطف الفتاة.

وهنا يقتضي التنويه إلى بعض القضايا التي تأخذ شكل من يضع السم في العسل من بوابة الدين.

 

سرطان التدين ... من الطبيعي أن يكون لكل مرض تاريخ يُدوَّن في سجلات الصحة العالمية، وكذلك الحال مع الأمراض الفكرية. وبداية هذا المرض تعود إلى أواخر عشرينيات القرن الماضي، عندما قام أحدهم بالتجارة بالله بدلًا مما يُعرف بالتجارة مع الله. ومن هنا فُتح باب النفاق على مصراعيه لولادة نماذج ـ والعياذ بالله منهم ومما يفعلون ـ ومن الطبيعي أن جميع الأفكار يتم تطويرها، كذلك فعل ذلك الفكر الشاذ في أيامنا هذه. فعندما فقد قدرته على إقناع العامة بتلك الأفكار، شرع في تصدير مجموعة من النسوة تعمل بمثابة أبواق لتسهم في تشويه صورة الدين من حيث لا يشعرن. وبرغم أننا نعيش في هذه الأيام أزمة دينية وأخلاقية، فإن هذا المرض يصدر تلك الشخصيات لتزيد الطين بلة. ولمن لا يعلم، فإن جميع الأفكار الشاذة اليوم لدى الأحزاب الدينية، بغض النظر عن الطائفة، مصدرها واحد، وهو ذلك الفكر الذي ساهم منذ بداياته في تشويه صورة الإسلام.

 

أيديولوجية الدعوية... قد يظن القارئ أن ما كُتب هنا يُعد من باب التهجم على الدين، وهذا بسبب أن المجتمع اليوم وصل إلى حالة من عدم الوعي والإدراك في التفريق بين ما هو صواب وما هو خطأ. ولهذا ترى أن من يتحدث بشكل قويم يوافق العقل والمنطق يُتَّهم بأنه قد كفر بما أُنزل على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم). وهذا يعود إلى الاستخفاف بالأيديولوجية الدعوية، فبدأ الجميع يتحدث بأمور الدين، وبدأ يفتي بأن هذا حلال وهذا حرام، وهذه كارثة بكل المقاييس. أما عن دفع تلك الفتاة للتحدث في قضايا قد لا يدرك عمرها القدرة على استيعابها، فهذه مصيبة، وإن تصدير هذا النوع لبناء الثقافة العامة أو لنشر تلك الأفكار يساهم في تضليل المجتمع. فالداعية يجب أن يكون ملمًا بالأمور الفقهية من خلال قراءة مطولة واستيعاب عقلي يؤهله للحديث في قضايا يكون الخطأ فيها خصمه أمام الله.

 

أنبياء كذبة... بات اليوم أصحاب الفكر السرطاني يقدمون أنفسهم للعامة على أنهم أصحاب الله ووكلاؤه في حالة غيابه، (اللهم إن هذا شيء منكر لا يرضينا ولا يرضيك). وهذه حقيقة قد تلمسها عند التعامل معهم، فإنهم ينتهجون فكرة: "إن لم تكن منا فأنت خارج عن الملة"، وهذا تكفير صريح وإن لم يعلنوا ذلك بصورة مباشرة. والمشكلة أنهم ينتهجون منذ البداية منهجية الأمراض السرطانية في الانتشار الصامت، عبر استهداف الفئات العمرية في وقت مبكر من خلال نشاطات رياضية وثقافية واجتماعية تحت شعارات نبيلة، لكن الهدف هو أن يحظوا بشرف أخوة الشيطان.

 

خطرهم على المجتمع... يكمن خطرهم في رسم مفاهيم عن الدين بحسب أهوائهم الشخصية وما يخدم أهدافهم التي تفضي إلى الهيمنة على السلطة، بغض النظر عن قضية تحريف المفاهيم الدينية القويمة التي أنزلها الله على رسوله الكريم. والمشكلة في هؤلاء أنهم لم يقرأوا النصوص التاريخية المتعلقة بانتشار الإسلام والدعوة إليه في ذلك الوقت. ولسنا اليوم بأحسن حالًا من أيام الجاهلية الأولى، فقد كان الإسلام آنذاك يعمل على إصلاح الفرد، ثم العائلة، ثم المجتمع. أما عن إخوان الشياطين، فقد بات همهم الوحيد الاستحواذ على السلطة بحجة إصلاح المجتمع ولو بالقوة، وفي هذا سذاجة عظيمة. فلو كانت القوة قادرة على تغيير المسارات الفكرية والاجتماعية، لانتصر فرعون واندحر موسى (عليه السلام) في زمانه. ولهذا يجب علينا توعية المجتمع بخطرهم، كما جاء في هذا الموضوع.

 

المضمون ... إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الجهل وحده، بل أولئك الذين يتخذون من الدين سلّمًا لتحقيق غاياتهم، فيخلطون بين الدعوة والهيمنة، وبين التربية والتجنيد الفكري، وبين الإيمان الصادق والولاء الأعمى. فحين تتحول عقول الأطفال إلى ساحات صراع أيديولوجي، وتُسلب منهم براءة العمر ليُزج بهم في قضايا أكبر من قدرتهم على الفهم والاستيعاب، نكون أمام مشروع لا يسعى إلى بناء الإنسان بقدر ما يسعى إلى صناعة الأتباع.

والمصيبة أن هذه الأفكار لا تدخل على الناس من أبوابها الحقيقية، بل تتسلل إليهم متخفية بشعارات أخلاقية وثقافية واجتماعية تبدو في ظاهرها الرحمة والإصلاح، بينما تخفي في باطنها رغبة جامحة في السيطرة على العقول وتشكيلها وفق مقاسات ضيقة لا علاقة لها بجوهر الدين وقيمه السامية. ولهذا فإن معركة الوعي اليوم لم تعد معركة بين التدين والإلحاد كما يحاول البعض تصويرها، بل هي معركة بين الدين الحقيقي الذي يبني الإنسان ويحرره، وبين المتاجرة بالدين التي تحوله إلى أداة للنفوذ والوصاية على الناس.

 

الخلاصة ... وهنا لا أكتب هذا الكلام لأنني أرى نفسي أكثر إيمانًا من غيري، ولا لأنني أنزه نفسي عن الخطأ والزلل، فأنا ابن هذه الحياة المليئة بالنقص، وأحمل من العيوب ما يجعلني أستغفر الله في كل يوم أكثر من مرة. لكن الفرق بين الخطأ البشري الطبيعي وبين صناعة الخطأ على أنه دين، هو كالفرق بين من يتعثر في طريقه وبين من يحفر حفرة للآخرين ثم يسميها طريق النجاة.

إن أكثر ما يؤلمني ليس أن يخطئ الإنسان، بل أن تُسرق براءة الأطفال وعقولهم باسم الله، وأن يتحول الدين الذي جاء ليحرر الإنسان إلى قيد يوضع في عنقه، وأن يصبح بعض الناس أوصياء على الخلق وهم عاجزون عن الوصاية على أنفسهم. وما أخشاه على مجتمعاتنا ليس من أعدائها الظاهرين، بل من أولئك الذين يرتدون أثواب الصلاح ويتحدثون بلغة السماء بينما تمتلئ أيديهم بمشاريع الأرض.

سيبقى الله أكبر من أحزابهم، وأعظم من شعاراتهم، وأقدس من أن يُختزل في جماعة أو تنظيم أو مشروع سلطة. وسيأتي يوم يسقط فيه كل قناع، وعندها لن يُسأل الناس كم تابعًا جمعوا، ولا كم طفلًا أقنعوا، ولا كم منبرًا اعتلوا، بل سيُسألون: ماذا فعلتم بقلوب الناس التي استأمنكم الله عليها؟

الاثنين، 22 يونيو 2026

مقال

الشخصية الموصلية وأسطورة الشجاعة

تحت عنوان

عيش نملة تاكل سكر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي جملة وردت في أحد أفلام السينما العربية، وهي الشعار الذي تعتنقه أغلب فئات المجتمع الموصلي. وليس هذا بالأمر الحديث، إذ كان يُروَّج دائمًا إلى أن الشجاعة إحدى ميزات الشخصية الموصلية، اعتمادًا على أن النظام السابق استقطب العديد من أبناء المدينة لشغل مناصب عسكرية. وهذا أمر عارٍ عن الصحة، لأن الحقيقة تكمن في مصطلح الانقيادية العمياء لدى المجتمع الموصلي. ولهذا سوف نستعرض أهم الأسباب التي أبعدت أبناء المدينة عن مصطلح الشجاعة، ومنها:

 

الشواهد التاريخية ... هنا لن تجد مصدرًا تاريخيًا واحدًا يشير إلى أن المدينة اختارت الحرب في موقف معين بشكل مباشر، منذ أيام حصار نادر شاه وما سبقه من أحداث وما تلاه من وقائع تاريخية عديدة. وفي هذا أيضًا دلالة على بناء ثقافة معاكسة لمصطلح الشجاعة.

ولو عدنا إلى صفحات التاريخ لوجدنا أن المدينة كانت في أغلب مفاصلها التاريخية تنتظر نتائج الصراع أكثر مما تصنعه، وتراقب موازين القوى أكثر مما تؤثر فيها. فالشجاعة ليست أن تنجو من كل معركة، بل أن تمتلك القدرة على اتخاذ موقف مهما كانت النتائج. أما ثقافة الانتظار حتى تتضح هوية المنتصر فهي ثقافة لا تنتج إلا أفرادًا يتقنون فن التكيف مع الواقع بدلًا من صناعة الواقع نفسه.

 

ثقافة المكان ... وللتنويه هنا، ليس هناك ما يُعرف بمصطلح المواطن الأصيل للمدينة أو غيرها، بسبب وجود ما يُعرف بثقافة المكان، وهي التي تُكتسب من القيم والقضايا الخاصة بالمدينة. وقد يتساءل البعض عن المسببات التي ساهمت في اكتساب هذه الخصال التي أبعدت المدينة عن مفهوم الشجاعة. ومن أهم تلك الأسباب أن موقع المدينة منذ القدم ساهم في بناء هويتها التجارية، وكما يعرف الجميع فإن هناك مقولة متعارفًا عليها في عالم الاقتصاد مفادها: «إن رأس المال جبان».

ولأن التجارة كانت المورد الأهم للمدينة عبر قرون طويلة، فقد أصبحت حسابات الربح والخسارة جزءًا من العقل الجمعي للسكان. ولهذا تحولت الكثير من القضايا المصيرية إلى معادلات اقتصادية قبل أن تكون مواقف أخلاقية أو وطنية. فالذي يعتاد حساب المكاسب قبل المبادئ يصعب عليه أن يتخذ قرارًا شجاعًا عندما تتعارض المصلحة مع الموقف.

 

التأثر بالثقافات المجاورة ... ولمن لا يعلم، فإن مدينة الموصل تُعد من أكثر المدن العراقية تعددية من حيث المكونات الدينية والاجتماعية، إذ جمعت مختلف الأديان والطوائف والثقافات، الأمر الذي يفرض على العقل الجمعي حالة من عدم وحدة القرار أو التوجه.

إن التعددية بحد ذاتها ليست عيبًا، بل قد تكون مصدر قوة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى حالة من التردد الدائم وعدم القدرة على إنتاج موقف موحد. فكلما تعددت المرجعيات ضعفت إمكانية صناعة قرار جريء، وأصبح الجميع يبحث عن منطقة آمنة ترضي جميع الأطراف، حتى وإن كان الثمن هو غياب الموقف الحاسم.

 

الموروث الشعبي ... وهو العنصر الرئيسي الذي يلعب الدور الأكبر في بناء الشخصية الموصلية. وهناك مقولات موروثة ساهمت في ترسيخ هذه القضية، ومنها: «ألِّف قلبي ولا تغلبني»، أي إن هذا المثل يؤكد غلبة المصلحة الشخصية على المبدأ، الأمر الذي يحول الفرد إلى شخص انتهازي بعيد عن المسؤولية الأخلاقية المرتبطة بمفهوم الشجاعة. وليس هذا فحسب، فهناك مقولة أخرى أكثر خطورة، وهي: «ألف مرة جبان ولا الله يرحمه»، وهو ما يجسد المضمون الذي أرمي إليه، والذي شكّل اللبنة الأولى والأساسية في طريقة تعامل المجتمع مع مختلف القضايا.

والمشكلة الحقيقية أن هذه الأمثال لم تبقَ مجرد كلمات تُقال في المجالس، بل تحولت إلى منهج تفكير ينتقل من جيل إلى آخر. فالطفل الذي يسمع منذ صغره أن النجاة أهم من الموقف، وأن السلامة مقدمة على الكرامة، سيكبر وهو يرى الشجاعة مغامرة غير محسوبة، ويرى التراجع فضيلة اجتماعية تستحق الثناء.

 

ألقاب وأذناب ... ولمن لا يعلم، فإن المجتمع الموصلي من أكثر المجتمعات التي تعاني من مسألة الطبقية، اعتمادًا على الألقاب والامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية لبعض العائلات. وقد يرى الكثيرون أن هذه الميزة تمنحهم الأولوية في اتخاذ القرارات المصيرية داخل المدينة، ومن الطبيعي أن تكون تلك القرارات بعيدة كل البعد عن مفهوم الشجاعة، مما يمنع بروز قرارات جريئة قادمة من خارج دائرة التبعية التقليدية.

ولهذا أصبح الانتماء إلى الاسم أو اللقب عند البعض أهم من الانتماء إلى الفكرة نفسها. فبدل أن تُقاس قيمة الإنسان بما يقدمه للمدينة، أصبحت تُقاس أحيانًا بما ورثه من مكانة اجتماعية. وهذه البيئة بطبيعتها لا تنتج شخصيات مستقلة، بل تنتج أتباعًا ينتظرون الإشارة من أصحاب النفوذ قبل اتخاذ أي موقف.

 

الشجاعة اكتساب لا موروث ... وهنا يبرز السؤال: كيف تُكتسب الشجاعة؟ ومن الطبيعي أن يكون لثقافة المكان، التي تُورَّث عبر الأجيال، دور كبير في بنائها. وبعدما قدمت هذه السطور، يصبح من الصعب إطلاق صفة الشجاعة على المجتمع الموصلي بوصفها سمة عامة. ولأننا نؤمن بالتاريخ إلى حد كبير، فإننا نرى في المجالس الاجتماعية للمدينة روايات كثيرة مشكوكًا في أصلها وصحتها، انطلاقًا من المثل الشعبي الموصلي القائل: «الكرعة تتباهى بشعر أختها».

ولو كانت الشجاعة تورث بالدم كما يعتقد البعض، لما شهد التاريخ أبناء أبطال عاشوا حياة الجبناء، ولما شهد أبناء البسطاء وهم يصنعون أعظم المواقف. فالشجاعة تُبنى بالتربية والثقافة والممارسة اليومية، ولا علاقة لها بالأسماء الكبيرة أو الروايات التي يتداولها الناس في مجالسهم من أجل تضخيم صورة الماضي.

 

معاهم معاهم... عليهم عليهم ... تجسد هذه الجملة القاعدة الرئيسية في تعامل الشخصية الموصلية مع القضايا المعاصرة، وذلك نتيجة الأسباب الواردة سابقًا، مما جعل السلطة الحاكمة تنظر إلى المدينة بوصفها بيئة سهلة الاحتواء والتوجيه. فالمدينة صفقت لمختلف الحقب السياسية منذ ستينيات القرن الماضي. وقد يشير أحدهم إلى أحداث سياسية معينة من تاريخ المدينة، لتكون إجابتي هنا واضحة: أنا لا أؤمن بوجود استقلالية حقيقية للفكر السياسي في دول العالم الثالث منذ تأسيسها.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتغير الشعارات بتغير الحكام، وأن تتبدل المواقف بتبدل موازين القوى. فالمشكلة ليست في الأنظمة وحدها، بل في العقلية التي اعتادت الاصطفاف خلف المنتصر أيًّا كان، دون أن تسأل عن المبادئ أو القيم أو النتائج. وعندما تصبح المصلحة هي البوصلة الوحيدة، فإن الشجاعة تتحول إلى سلعة نادرة لا تجد لها مكانًا في السوق الاجتماعي.

 

الخلاصة ... لستُ هنا لأهاجم مدينة أحبها، ولا لأنتقص من أهلها، بل لأضع إصبعي على جرح ظل ينزف لعقود طويلة بينما كان الجميع منشغلًا بتجميله بالكلمات والشعارات والأساطير. فالشجاعة ليست قصة تُروى في المجالس، ولا لقبًا يُورث، ولا صورة معلقة على جدار الماضي. الشجاعة موقف، وعندما يغيب الموقف لا يبقى سوى الضجيج.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن خداع أنفسنا. فالمدينة التي تتقن التصفيق لكل سلطة، والانحناء لكل مرحلة، والاختباء خلف أمثالها الشعبية كلما اقترب الخطر، لا يحق لها أن تحتكر الحديث عن الشجاعة. لأن الشجاعة لا تُقاس بعدد العسكريين الذين خرجوا منها، بل بعدد الأحرار الذين قالوا "لا" عندما كان الجميع يقول "نعم".

إن أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية ليس غياب الشجاعة، بل الإصرار على ادعائها. فالكذب على الذات أخطر من الهزيمة نفسها. والهزائم لا تصنعها الجيوش الغازية وحدها، بل تصنعها أيضًا الشعوب التي تعتاد الوقوف على الرصيف بانتظار معرفة اسم المنتصر لتلتحق به.

ولهذا أقولها بمرارة: إن أخطر أسطورة عاشت في الموصل لم تكن أسطورة الشجاعة، بل أسطورة إقناع الناس بأنهم شجعان، بينما كانوا في الحقيقة يتقنون فن النجاة أكثر مما يتقنون فن المواجهة. وبين النجاة والشجاعة مسافة من الدم والمواقف لا تختصرها الحكايات، ولا تمحوها المجاملات، ولا يغطيها غبار التاريخ.


الأحد، 21 يونيو 2026

مقال

 

الشعب يريد إسقاط النظام

تحت عنوان

واقعنا العراقي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لم تعد مشكلتنا في العراق اليوم هي (سين أو صاد) من المسؤولين، ولكن وصل بنا الحال إلى مستوى أصبح فيه السكوت عن النظام وممارساته الشاذة جريمة بكل معنى الكلمة. وهنا سوف نستعرض الكثير من الأسباب التي بموجبها استحق هذا النظام ضرورة إسقاطه. وهذا لا يعني التهكم على الحاكمية الشيعية، فالنظام كما يدّعون يشمل كل أطياف الشعب.

 

شرعنة اللصوصية... تُعد كارثة الكوارث في أي بلد عندما يكون منهج الحكم هو (شريعة اللص). فمنذ عقدين من حكم الطبقة الحاكمة في العراق، بُنيت فلسفة إدارة البلد على أنه غنيمة يجب التعامل معها على أساس الغنيمة. وهذا يعود إلى أصول العقيدة السياسية التي كانت لدى الذين يتزعمون المشهد السياسي المثقل بفكر المعارضة، وهو مصطلح اقترن بمفهوم اللصوصية منذ زمن بعيد. وقد يعود ذلك إلى حقبٍ ممتدة منذ فجر الحضارة عند العرب، حيث إن الكثير من الخارجين عن الأعراف والتقاليد ينسبون ما هم عليه إلى معارضة النظام الحاكم. وهذه بالضبط منهجية هؤلاء اليوم، فبات نهج الحكومات المتعاقبة في ظل النظام الحاكم يتعامل على أن الشخص المسؤول يجب أن يكون بعقلية (العيّارين والشطّار).

 

النصب والاحتيال وفق القانون... اليوم، وللأسف، بات الجميع مستهدفًا من قبل النظام من خلال عمليات نصب واحتيال، ولم يعد المسؤول يخجل منها. فعملية القروض وفرض الضرائب التي وصلت إلى مستوى الطالب الجامعي تُعد كارثة بكل المقاييس. والغريب أن النظام اليوم بات يتعامل مع المواطن بالمثل الشعبي: (اليهودي إذا فلس دوّر بدفاتره القديمة). فترى الفواتير والضرائب في كل مكان، والمشكلة أن كل تلك المبالغ ليس مقابلها أي خدمة تُذكر. فتحول المواطن إلى (ثور أعمى يدور في حلقة مغلقة)، وهنا تُضرب الأمثال ولا تُقاس، وهذه هي المنهجية التي تضمن ديمومة النظام من وجهة نظرهم.

 

ما يُعطى باليمين يُؤخذ باليسار... يردد المغفلون من العامة والخاصة أنهم يحظون برواتب عالية مقارنة بفترة النظام السابق، ولكن لو أعدنا النظر بواقعنا لرأينا أن الحال يعبر عنه المثل الشعبي: (هي وكروتها بأربعة عشر). وفي هذا دلالة على أن القيمة الشرائية قد انخفضت إلى حد كبير، مما يجعل تلك الرواتب، مهما بلغت، لم تعد لها قيمة تُذكر. وهنا أنا لست ضد نظام الضرائب، ولكن هذا النظام لا يكون مجديًا إلا مقابل خدمات تُقدم للمواطن، ولكنك لن تجد خدمة تُذكر، وما يحصل يدخل في باب الاستغفال للعامة بشكل علني دون رادع يُذكر.

 

لماذا وجب إسقاط النظام... يظن الكثير أن ما كُتب هنا جاء من باب المقارنة مع الحقب التي سبقت هذه المرحلة، وهذا بسبب أنهم يعتقدون أنني أقارن السوء بالأسوأ، بينما الحقيقة أن كل هؤلاء اليوم وممارساتهم كانت نتيجة طبيعية لما كان قبلهم. أما تبادل الاتهامات بين الأنظمة فيدخل في حيز المثل الشعبي: (غراب يقول لغراب وجهك أسود). ولكن من المستحيل المضي بهذه المنهجية الحاكمة، لأن ذلك اليوم بمثابة انتحار جماعي. ولا أقول قولي طمعًا في سلطة تُذكر، فمن يناطح من أجل تولي السلطة كمن يناطح ليحظى بغضب الله عز وجل.

 

الهدوء الذي يسبق العاصفة... كثير من أعوان النظام الحالي يظنون أن الحال سوف يبقى على ما هو عليه، وأن من المسلمات التي يجب على المواطن تقبلها برحابة صدر. والغريب أن الكثير منهم يردد شعارات تصب في هذا الاتجاه، مثل: (ليش أحد يگدر ياخذها حتى ننطيها). ولكن، ومن باب سذاجة هؤلاء، نسوا قدرة الله على كل شيء، ولو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم. غير أن ما يجهله الكثير هو أن حالة السقوط هذه المرة تختلف عما حدث في عام 2003 من ناحية المعطيات على الأرض، ومنها حالة الاحتقان الشعبي وانفلات السلاح، وهي عوامل سوف تفضي، بكل المعايير، إلى نهاية دموية. وإن صمت العامة سوف يتحول إلى نار تحرق كل شيء على هذه الأرض.

الخلاصة ... فإن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فساد الحكومات فحسب، بل اعتياد الشعوب على الفساد حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. فحين يتحول الظلم إلى خبر عابر، والنهب إلى ممارسة مألوفة، والفشل إلى قدر محتوم، فإن الدولة تكون قد دخلت مرحلة الخطر الحقيقي.

إن الأنظمة لا تسقط عندما يشتد بطشها، بل تسقط عندما تفقد قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثلهم. والتاريخ لم يرحم سلطة اعتقدت أن صبر الشعوب لا نهاية له، ولم يحفظ لمستبدٍ عرشه لأنه امتلك المال أو السلاح أو الإعلام. فكل ذلك ينهار في لحظة واحدة عندما تتراكم الأخطاء حتى تصبح أكبر من قدرة أي سلطة على إخفائها.

قد يظن البعض أن المشهد باقٍ كما هو، وأن الناس قد استسلمت للأمر الواقع، لكن تحت الرماد جمرٌ لا يُرى، وتحت الصمت أصوات لا تُسمع، وتحت التعب غضبٌ يتراكم عامًا بعد عام. وعندما يصل الوطن إلى لحظة الحساب، لن يسأل التاريخ من كان الحاكم، بل سيسأل: كيف سمح الجميع لهذا الخراب أن يستمر كل هذا الوقت؟

وحينها لن يكون سقوط النظام هو الحدث الأهم، بل الحقيقة التي ستنكشف للجميع: أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى أبدًا.

الاثنين، 15 يونيو 2026

مقال

 

هل مات الحب

تحت عنوان

أحاديث من خارج حدود القلب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح ال


دين


هو سؤال يشغل الكثير ولكن يجب اعادة صيغة السؤال ذاته (هل هناك أناس تؤمن بالحب من الاصل؟)

ففي احد الايام سألني احدهم من تكره ؟ والاجابة كانت .. انا لا اكره احد لسبب بسيط جدا انني لا امتلك الوقت الكافي للكراهية وهنا يجب علينا الاستشهاد مثل شعبي يصب في أصل الموضوع مفادة (ان الذي يحبك لان يبني لك قصرا والذي يكرهك لان يحفر لك قبرا) ولو امعنت النظر في هذه المقولة سوف تجد هناك قسمان من الحديث اوله خاطئ والثاني قد اصاب فالذي يحب سوف يبني لك قصر وقد لا يكون اساس ذلك البناء على الارض لكن سوف يكون البنيان في القلب وهذه من المسلمات لو كنتم تدركون اما الشق الثاني من النص فهو قد اصاب عين الحقيقة فالكره فعل غير عاقل لا يسيء فاعله الا بذاته وهنا استشهد بكلام الله عز وجل (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) صدق الله العظيم وهذا ما يؤكد جوهر المضمون الذي نريد الوصول له فالمكر هو من ابواب الكراهية

اشكاليات الحب المعاصر ... لقد تغير كل شيء في هذا العالم وقد شمل الحب ايضا التغير فأخذ الصورة السيئة من الموضوع فعندما يقوم البعض بربط مصطلح (الحب) بالجنس يخرج من الحدود الوجدانية ويدخل المساحة الحيوانية فتسقط بهذا كل القيم الانسانية التي عرفتها البشرية من خلال هذه الكلمة وهذا ما دفع الموضوع لدخول الموضوع برمته عند البعض رجال او نساء الى مفهوم المقايضة فكان الحب مقابل المال حتى جندة امثال شعبي تعزز هذا المفهوم عندها قال احدهم (عندما يدخل الفقر من الباب يخرج الحب من الشباك) ولهذا تجد ان الكثير من العلاقات حتى الزوجية منها تأخذ الطابع المادية وهي ابشع طريقة لاغتيال الحب

 

واقع الكراهية ... في الغالب تاتي تلك القضية من باب عدم ثقة بالذات الالهية فالموضوع يبوبه الكثير كرد فعل من الشعور بالغبن متناسين العدالة السمواوية في هذا .. ولكن هناك كارثة بالموضوع في يومنا هذا فاصبح الكره يمارس لاسباب عديدة منها (التميز والحسد) فهناك من يكرهك ليس لكونك سيء لا سامح الله ولكن تميزك قد يكون له الاثر في تواجد الكارهين من حولك وأخرون يضمرون لك الكراهية حسدا لما تملك وبسبب هذا سوف ينعدم تدريجيا المحبين من حولك مما يخلق جو غير صحي لتنمو بذرة الحب بين الناس

 

أصل الحكاية ... مأساة الحب في يومنا هذا ليست في موته كما يعتقد البعض، بل في تشويه معناه حتى أصبح غريبًا في مجتمعه. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان يخجل من إظهار مشاعره الصادقة، بينما لا يخجل من إظهار قسوته وأنانيته. أصبح الذي يحب بصدق يوصف بالساذج، والذي يخلص يوصف بالضعيف، والذي يضحي من أجل الآخرين ينظر إليه على أنه لا يفهم قوانين هذا الزمان.

لقد صنع المجتمع مفاهيم جديدة للحب لا تمت إلى الحب بصلة. فأصبح الإنسان يقاس بما يملك لا بما يحمل في قلبه، وأصبحت العلاقات تبنى على المصالح، فإذا انتهت المنفعة انتهى كل شيء معها، وكأن القلوب أصبحت عقودًا تجارية، وكأن المشاعر فواتير تدفع في نهاية كل لقاء.

إننا نعيش زمنًا يتحدث فيه الجميع عن الحب، لكن القليل جدًا من يمارسه. نكتب عنه القصائد، ونغني له الأغاني، ونملأ صفحات التواصل الاجتماعي بكلماته، لكن عندما يأتي وقت التضحية والوفاء والصبر نجد أن الحب قد غادر المكان منذ زمن بعيد.

والأخطر من كل هذا أننا بدأنا نربي أبناءنا على الخوف من الحب لا على الإيمان به. نعلمهم أن يثقوا بالمال أكثر من الإنسان، وأن يتمسكوا بالمصلحة أكثر من المشاعر، وأن يحسبوا الأرباح والخسائر حتى في علاقاتهم الإنسانية. وهكذا تتحول القلوب تدريجيًا إلى خزائن مغلقة، لا يدخلها الحب ولا يخرج منها إلا الجفاء.

إن المجتمع الذي يموت فيه الحب لا يحتاج إلى حرب كي ينهار، لأن الكراهية وحدها كافية لتدميره. فعندما تنعدم المحبة بين الناس، يصبح النجاح سببًا للحسد، والتميز سببًا للعداء، والخير مدعاة للشك، ويصبح الإنسان غريبًا بين أهله لأنه لا يشبه قسوة هذا العصر.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل مات الحب؟ بل هل ما زلنا نملك قلوبًا قادرة على احتضانه؟ وهل ما زال فينا من يؤمن أن الإنسان يمكن أن يحب دون مصلحة، ويعطي دون مقابل، ويبقى وفيًا حتى وإن تغيرت الدنيا من حوله؟

إن الحب لم يمت، ولكن بعض الناس دفنوه بأيديهم، ثم وقفوا فوق قبره ينعونه.

 

الخلاصة ... أقولها دون تردد: الحب لم يمت، بل نحن الذين قتلناه ثم وقفنا نبكي على جثمانه. قتلناه عندما جعلناه صفقة، وربطناه بالمال والشهوة والمصلحة، وقتلناه أكثر عندما استبدلنا القلوب بالآلات، والوفاء بالحسابات، والمشاعر بالمقايضات.

إن أخطر ما يواجهه الإنسان اليوم ليس أن يكرهه الآخرون، بل أن يفقد القدرة على الحب، لأن الذي لا يعرف الحب لا يستطيع أن يعرف الرحمة، ومن لا يعرف الرحمة لن يتردد يومًا في أن يحفر قبرًا لكل قيمة إنسانية جميلة.

ولهذا، لا تسألوا: هل مات الحب؟ بل اسألوا أنفسكم: كم مرة قتلنا الحب في قلوبنا ونحن نظن أننا نحسن صنعًا؟ وكم مرة حاربنا إنسانًا لأنه أحب بصدق أو تميز بصدق أو منح الآخرين قلبًا نقيًا؟

إن العالم لا ينقصه المزيد من الكارهين، فقبور الإنسانية امتلأت بهم، لكنه ينقصه أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن بناء قصر في قلب إنسان واحد خير من حفر ألف قبر في طريقه.

فإن كان الحب قد مات فعلًا، فاعلموا أن الذي مات قبله هو الإنسان.

مقال

    الإسلام وحافة الهاوية تحت عنوان ضرورة ولَّدت المُجدِّد بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين إن الفكرة التي لا تقبل التجديد، مص...