معالم التطور في الإطار
الأكاديمي (وحدة الحاضنة التكنولوجية)
تحت عنوان
يوميات كلية الآداب
بقلم البارون الاخير محمود صلاح الدين
ضمن تطور العمل الأكاديمي المعتمد في العالم،
وحسب المعايير العلمية للمؤسسات والجامعات، يكون العمل وفق ما يُستحدث من قنوات
ووحدات عاملة بشكل يتوافق مع الحركة العلمية بمن يشابهها. واليوم سوف نتحدث عن
كلية الآداب / جامعة الموصل، والصور المشرقة التي تساهم بشكل مباشر في بناء صورة
متكاملة لهذا الصرح العلمي.
فلكل عمل في هذه الأرض ظلٌّ يكون بمثابة أثر
يدركه أصحاب العقول، وهذا ما أقدمت عليه القوة العاملة في كلية الآداب، المتمثلة
بإدارتها العلمية. فقد كان هناك استحداث عدد من الوحدات العلمية والإدارية، ومنها
(وحدة الحاضنة التكنولوجية)، وهنا اقتضى التعريف بها وبما تقدمه في خدمة المسيرة
العلمية الخاصة بالكلية. وهي وحدة تابعة لقسم الحدائق العلمية والتكنولوجية في
الجامعة، والذي يُعد بدوره مركزًا علميًا راعيًا لأصول فكرة التطور التي تتبناها
الجامعة، والتي تقدم الدعم للأفكار العلمية، وتضع الأسس للمشاريع المبتكرة، كنوع
من التبني أو تقديم الاستشارات التي قد تساهم في العمل الإداري وفق قاعدة علمية.
وتتضمن أيضًا تقديم الدعم في المجالات الإدارية والتسويقية، وتمويل المشاريع.
وهنا ندرك أن هذه الوحدة بمثابة النقطة الواصلة
بين العلم والعمل، وفق ما ينسجم مع المفاهيم البيئية للابتكار والإبداع، لنفهم أن
هذا يُعد من أبرز الدلائل على وجود عمل دؤوب نابع من عقلية إدارية علمية، تثبت
للعالم أننا نواكب ما وصل إليه من حولنا أو من يشابهنا على حد سواء. وما يميز
العمل هو تلك الاختيارات الذكية من قبل العمادة في اختيار شخصية لها باع طويل في
العمل الإداري والعلمي، والمتمثلة في شخصية (أ.م. طي حاتم جاسم) كمسؤول للوحدة.
وهذا إشارة قوية إلى أن القيادة في هذه المؤسسة تتمتع بالحنكة في اختيار الشخص المناسب
في المكان المناسب، والتوظيف الجيد للطاقات العلمية والإدارية، ولهذا يكون هناك
عمل يقترب من المثالية في إدارة المشهد العلمي في الكلية، والذي يدل على مدى
التطور الحاصل في بلاط كلية الآداب.
وهذه ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، في عرضنا
لما يقدمه هذا الصرح. فالمنهجية المتبعة اليوم هي تقديم التقييم المستحق لكل عمل
يجمع ما بين العمل الإداري والعلمي، وبهذا يكون هناك نوع من الإنصاف في تقديم صورة
حقيقية من مكان الحدث.
أصل الموضوع يكمن في التعريف بقيمة العمل العلمي
وارتباطه بالبيئة والواقع الملموس، إذ يجمع ما بين النظريات المكتوبة والعمل على
أرض الواقع، لتحويل الفكرة إلى مشروع يقدم المنفعة، من خلال نقل التكنولوجيا لواقع
العمل اليومي في المؤسسة أو الكلية. والحق يُقال هنا إننا بحاجة إلى هذا النوع من
العمل الحقيقي، والابتعاد عن البهرجة الإعلامية والادعائية، ولهذا كان علينا
التعريف بوحدات وشُعب الكلية التي هي بمثابة شاهد على أننا قد نكون مختلفين عن
سوانا. فالحقيقة دومًا تحتاج إلى ضوء لتسهيل رؤيتها لفاقدي البصر والبصيرة، ومن هذا
كان لا بد من التعريف الموجز لهذه الوحدة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم، وهي
(وحدة الحاضنة التكنولوجية والنظام البيئي).
حين هنا نتحدث
عن الحاضنة التكنولوجية فإننا لا نتحدث عن مساحة إدارية تُضاف إلى هيكل المؤسسة
بقدر ما نتحدث عن عقلٍ منتج يُعاد من خلاله تعريف العلاقة بين الفكرة والتطبيق.
فالحاضنة التكنولوجية، وفق المفهوم العلمي، هي بيئة تنظيمية متكاملة تُعنى باحتضان
الأفكار الابتكارية وتحويلها من مجرد تصورات نظرية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، عبر
سلسلة من العمليات تبدأ بالدعم المعرفي ولا تنتهي عند حدود التمويل أو التسويق.
هي ليست
مجرد وحدة، بل منظومة عمل قائمة على أسس علمية، تتبنى المشاريع الناشئة، وتوفر لها
الإرشاد الأكاديمي، والتوجيه الإداري، والدعم التقني، ضمن إطار يُعرف عالميًا
ببيئة الابتكار (Innovation
Ecosystem)، التي تقوم على الربط بين المعرفة النظرية
والواقع التطبيقي. ومن هنا فإن دور الحاضنة لا يقتصر على الاحتواء، بل يتعداه إلى
صناعة الفكرة، وتقويمها، واختبار قابليتها للحياة، ومن ثم دفعها إلى فضاء الإنتاج
الحقيقي.
وفي
السياق الأكاديمي، تمثل الحاضنة التكنولوجية نقطة التحول من التعليم التلقيني إلى
التعليم المنتج، حيث يصبح الطالب أو الباحث جزءًا من مشروع، لا مجرد متلقٍ
لمعلومة. فهي تعمل على بناء جسر حقيقي بين الجامعة وسوق العمل، عبر تحويل المخرجات
العلمية إلى أدوات فاعلة في المجتمع، وهو ما يُعرف علميًا بنقل التكنولوجيا (Technology Transfer)، الذي
يُعد أحد أهم مؤشرات تطور المؤسسات التعليمية في العالم.
ومن هنا،
فإن استحداث (وحدة الحاضنة التكنولوجية) في كلية الآداب لا يُعد خطوة تنظيمية
فحسب، بل هو إعلان صريح بأن المؤسسة دخلت مرحلة جديدة من الوعي الأكاديمي، مرحلة
تُقاس فيها القيمة بقدرة الفكرة على التحول إلى أثر، وبقدرة المؤسسة على إنتاج
المعرفة لا استهلاكها فقط.
فالحاضنة،
في جوهرها، هي اختبار حقيقي لصدق العمل الأكاديمي؛ إما أن تتحول الأفكار إلى
مشاريع تُلامس الواقع، أو تبقى حبيسة الورق. وبين هذا وذاك تتحدد قيمة المؤسسات،
ويُعرف من يعمل… ومن يكتفي بالحديث عن العمل.
الخلاصة ... قد يعتبر الكثير اليوم هذه السطور
كنوع من الدعاية الإعلامية لمؤسسة أو لمن يرأسها، ولكن الحقيقة تكمن في أنني جزء
من هذا الصرح العلمي العريق. لكن ما يجهله الكثير أن لكل دائرة علمية يجب أن يكون
لها إعلام ساند، يكتب فيها ما لا يُكتب في مواقعها الرسمية الملتزمة بالمعايير
الحكومية. وأنا أمثل اليوم هذا الدور، ولا يقتصر عملي على فكرة التلميع فقط، لا
سمح الله، بل رصد كل جوانب العمل، الجيد منه وغير الجيد. فالكل في هذا الصرح
يعرفني، وفكرة الجري خلف منصب أو منفعة شخصية من وراء كتابتي لهذه السطور تكاد أن
تكون معدومة، بل إنني أكتب ما أكتب من إيماني الراسخ بدور العاملين في الكلية، من
شخص العميد إلى أصغر موظف، فهم حريصون كل الحرص على تقديم صورة مشرقة للعلم
ومريديه في هذا الصرح.





