بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 11 أكتوبر 2026

مقال

 

جدلية العلاقة التاريخية بين النعال والصرصر وآليات صناعة الثورة

تحت عنوان

هؤلاء هم بصورهم الحقيقية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من مقولة «لكل مقام مقال» ننطلق في اختيار كل ما يناسب من يكون هدفًا لمقالنا هذا أو غيره، ولهذا يجب أن يكون الوصف مقاربًا للواقع؛ فالكلمات ليست مجرد حروف نضعها في جمل، وإنما هي وسيلة للتعبير عن حقيقة قد يعجز البعض عن مواجهتها بأسمائها الصريحة. وعندما يصبح الواقع مشوهًا إلى درجة تفقد فيها المصطلحات قدرتها على وصفه، يصبح من حق الكاتب أن يبحث عن صورة مجازية تقرّب المعنى إلى القارئ، وتجعله يرى ما اعتاد النظر إليه دون أن ينتبه إلى حقيقته. فالكاتب ليس مطالبًا بأن يجمّل القبيح كي يرضى عنه أصحابه، ولا أن يمنح الفاسد لقبًا لا يستحقه خوفًا من ردة فعله؛ لأن قيمة الكلمة تكمن في قدرتها على كشف الحقيقة، لا في قدرتها على إرضاء من يحاولون إخفاءها.

بالأمس القريب، كتبنا موضوعًا عن السيرة الذاتية للنعال، وبعدها كان لنا موضوع عن الصرصر، واليوم سوف نكتب عن جدلية العلاقة التاريخية بينهما وصناعة الثورة. ولعل القارئ يتساءل عن سر هذا الربط الغريب بين كائن صغير وأداة بسيطة وبين مفهوم كبير اسمه الثورة، ولكن المفارقات التي تصنعها الحياة تجعلنا أحيانًا نعيد النظر في الأشياء من زوايا مختلفة؛ فما يبدو صغيرًا في حجمه قد يكون كبيرًا في دلالته، وما يبدو بسيطًا في شكله قد يحمل من المعاني ما تعجز عن حمله الخطب الطويلة والشعارات الرنانة. فالتاريخ لا يُقرأ دائمًا من خلال أسماء الحكام وعدد الجيوش وحجم القصور، بل يمكن أن يُقرأ أيضًا من خلال تلك اللحظة التي يفقد فيها الحاكم هيبته في عيون الناس، ويتحول فيها ما كان يخشاه المواطن إلى شيء لم يعد قادرًا على فرض الخوف عليه. وهنا تبدأ الحكاية، لا من حجم النعال ولا من طبيعة الصرصر، وإنما من العلاقة التي تنشأ بين الفساد والصبر الشعبي وحدود الاحتمال.

وللعودة بالذاكرة إلى ما تناولناه سابقًا، فهناك نقطة يجتمع عندها المصطلحان، وهي القذارة، أجلكم الله. ومن هنا ستكون النقطة التي ننطلق منها لفهم علاقتهما بآليات صناعة الثورة. فالقذارة في هذا السياق ليست مجرد وصف مادي، وإنما هي صورة رمزية لكل ما يتراكم في المجتمع من فساد وانحطاط في القيم وتجاوز على حقوق الآخرين. وحين تصبح القذارة حالة عامة، لا يعود الخلل مقتصرًا على شخص أو مؤسسة، بل يتحول إلى منظومة تحاول حماية نفسها من كل محاولة للتغيير. والمشكلة أن بعض المجتمعات قد تعتاد المشهد إلى درجة يصبح فيها الفساد مألوفًا، ويُنظر إلى النزاهة باعتبارها استثناءً غريبًا، وإلى صاحب المبدأ باعتباره شخصًا لا يفهم طبيعة الحياة. وعند هذه النقطة، لا تكون الخطورة في وجود الفاسدين وحدهم، بل في قدرتهم على جعل المجتمع يتعايش مع فسادهم، حتى يصبح الاعتراض عليهم فعلًا غير مألوف، وكأن النظافة هي التي تحتاج إلى تبرير، لا القذارة.

 

الصرصر حاكمًا... تخيل للحظة أن يحكم عالمك مجموعة من الصراصر، فمن المؤكد أن يكون عالمك مليئًا بالقذارة المتمثلة بالفساد. وهناك مقولة من التراث الشعبي مفادها: «إن الصرصر لا يمكنه العيش في حديقة مليئة بالزهر والرياحين، ولكن لو أخذته إلى المرحاض فسوف ينتعش». وهذه من البديهيات في الحياة، ولهذا لا ترى مكانًا للفاسدين في بيئة سليمة؛ لأنها ليست بيئتهم.

وإذا أسقطنا هذه الصورة على واقع بعض المجتمعات، فسوف نجد أن المشكلة لا تكمن في وجود الصرصر وحده، وإنما في البيئة التي تسمح له بالتكاثر والانتشار. فالفاسد الذي يجد أمامه مؤسسات تحاسبه، وقانونًا لا يميّز بين صاحب المنصب والمواطن البسيط، ومجتمعًا لا يبيع مواقفه مقابل منفعة عابرة، سوف يجد نفسه أمام حدود لا يستطيع تجاوزها بسهولة. أما حين تتحول المناصب إلى امتيازات شخصية، وتصبح العلاقات بديلًا عن الكفاءة، ويُعامل المال العام وكأنه ملك خاص لمن يجلس على كرسي المسؤولية، فإننا لا نكون أمام حالة فساد فردية، بل أمام بيئة تساعد على إنتاج الفساد وإعادة إنتاجه.

والأكثر غرابة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالعيش في تلك البيئة، بل يحاولون إقناع الآخرين بأن ما يفعلونه هو طبيعة الحياة، وأن النزاهة مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وأن من لا يستغل موقعه لمصلحته الشخصية إنما يضيّع فرصة من فرص العمر. وهنا تنقلب المعايير، فيصبح الشريف موضع استغراب، ويصبح الفاسد صاحب خبرة، ويُمنح المتملق صفة الحكمة، بينما يُتهم صاحب الرأي بأنه لا يعرف كيف يتعامل مع الواقع. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، لا تعود المسألة مرتبطة بصرصر واحد، وإنما تصبح قضية مجتمع يحتاج إلى استعادة معاييره قبل أن يبحث عن تغيير وجوهه.

 

النعال قوة ردع شعبية... وهنا يكون من الطبيعي، مع وجود تلك الحشرات، أن تكون لها بعض الحلول، وفي هذه المسألة يكون هناك حل واحد لا غير، وهو «النعال»؛ لأنه بمثابة آخر الحلول لقضايا مستعصية قد تصيب مجتمعًا معينًا. ففي بعض الأحيان، قد تجد نفسك في مفترق الطرق إزاء مسألة معينة، تتطلب انتهاج مبدأ مخل بالذوق العام من ناحية الفطرة الإنسانية.

ولكن دعونا نتوقف قليلًا عند هذه الأداة البسيطة التي لا تمنح صاحبها منصبًا، ولا تحتاج إلى شهادة، ولا تتطلب اجتماعًا رسميًا لاتخاذ قرار استخدامها في الصورة المجازية التي نتحدث عنها. فالنعال هنا ليس مجرد أداة، وإنما هو تعبير عن وصول الأمور إلى مرحلة لا تنفع معها المجاملات، ولا تستطيع الكلمات الناعمة أن تخفي قبح المشهد. إنه رمز للحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن كرامته قد أصبحت موضع استهانة، وأن صبره الذي اعتاد الآخرون تفسيره على أنه ضعف، لم يعد كافيًا لتبرير استمرار التجاوزات.

غير أن الردع الحقيقي لا يُقاس بقوة الضربة، وإنما بقدرة المجتمع على منع تكرار الخطأ. فقد يُسقط الناس شخصًا من موقعه، ولكنهم إذا أبقوا الأبواب التي سمحت له بالفساد مفتوحة، فسوف يجدون أنفسهم أمام نسخة أخرى لا تختلف عنه إلا في الاسم والصورة. ولهذا فإن النعال في معادلتنا ليس نهاية الحكاية، بل هو بداية السؤال الأهم: هل يريد المجتمع التخلص من شخص أساء استخدام السلطة، أم يريد التخلص من المنهج الذي جعل إساءة استخدام السلطة ممكنة أصلًا؟ فالفارق كبير بين غضبة تنتهي بتغيير الوجوه، ووعي يستطيع أن يفرض قواعد تمنع إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.

 

آليات صناعة الثورة... قد يسأل أحدكم: ما الذي يربط الثورة وآلياتها بدورة حياة الصرصر والنعال من ناحية الشكل والمضمون؟ ولكن ما لا يعرفه البعض هو أن الثورات في العصر الحديث، ومن بينها الثورة الفرنسية، تمثل محطات تاريخية ارتبطت باعتراض الشعوب على أنظمة سياسية واجتماعية لم تعد قادرة على تلبية مطالبها. وفي استعارتنا الساخرة، يمكن تشبيه لحظة الانفجار الشعبي بضربة نعال تُوجَّه إلى الصراصر التي ملأت الأرض بالفساد الإداري والمالي. عندها تصبح الثورة، في نظر من وصلوا إلى أقصى درجات الإنهاك، آخر الحلول التي يتصورونها للتخلص من نظام فقدوا الثقة بقدرته على الإصلاح.

لكن صناعة الثورة ليست مسألة غضب مفاجئ كما يتصور البعض، وليست مجرد حكاية تبدأ بصرخة وتنتهي بسقوط حاكم. فالغضب قد يكون موجودًا منذ سنوات، والشكوى قد تتكرر في المجالس والبيوت، والرفض قد يتراكم في النفوس دون أن يجد طريقه إلى الفعل العام. وما يحوّل هذا الغضب إلى حركة تغيير هو اجتماع عوامل متعددة، منها اتساع الشعور بالظلم، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وتراجع الأمل في الإصلاح، وظهور مطالب مشتركة تتجاوز المصالح الفردية. وحين يدرك الناس أن مشكلاتهم ليست حوادث منفصلة، وإنما نتائج لخلل واحد تتكرر آثاره في حياتهم، يبدأ الوعي بالتحول من الشكوى الفردية إلى السؤال الجماعي عن أسباب المشكلة وطرق معالجتها.

ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حين تقترن بأزمة ثقة بين السلطة والمجتمع، قد تتحول إلى منعطفات كبرى. والثورة الفرنسية مثال تاريخي على تداخل عوامل متعددة، من بينها التفاوت الاجتماعي والأزمة المالية والصراع حول الامتيازات والتمثيل السياسي. ولهذا فإن اختزال الثورات في ضربة واحدة، مهما كانت قوة الصورة الساخرة، لا يكشف جميع جوانبها؛ فالضربة التي يراها الناس في لحظة الانفجار سبقتها في العادة سنوات من التراكمات التي لم تجد حلولًا مقنعة.

وهنا تكمن المفارقة التي نريد الوصول إليها: النظام الذي يظن أن الناس مجرد أرقام في سجلاته، وأن صمتهم دليل على رضاهم، قد يكتشف متأخرًا أن المجتمع كان يحمل في داخله أسئلة مؤجلة ومطالب لم تختفِ بمجرد تجاهلها. فالسكوت لا يعني دائمًا القبول، والصبر لا يعني التنازل عن الحقوق، والخوف لا يصنع شرعية دائمة. ومع ذلك، فإن سقوط النظام لا يضمن وحده قيام نظام عادل؛ لأن التغيير الحقيقي لا يكتمل بإزاحة من أخطأ، بل ببناء مؤسسات تحاسب المسؤول، وتحمي الحقوق، وتمنع عودة الاستبداد بأسماء وشعارات جديدة.

 

المشهد العام... انظر حولك وأمعن النظر، وسوف ترى الكثير ممن ينتهجون منهج الصراصر في الحياة العامة؛ فالذي يسرق المال العام، والذي يغامر بمقدرات العامة بسياسة غبية تهدد لقمة عيش المواطن البسيط، والذي يجعل نفسه الخيار الوحيد أمام الرأي العام، والذي يجعل من السلاح منهجًا حياتيًا، والذي يُمعن في قمع الفكر والرأي، والذي يسعى دومًا إلى إسقاط القيم، مثل الوطن، ويستبدلها بقضايا عقائدية بالية، ويجعل منها قاعدة لبناء منهج في إدارة الدولة، يكون صرصرًا بالمعنى الحقيقي.

وإذا أردنا أن نتوسع في قراءة هذا المشهد، فعلينا أن ندرك أن الفساد لا يقتصر على سرقة المال، على الرغم من أن سرقة المال العام واحدة من أكثر صوره وضوحًا وخطورة. فهناك من يسرق حق المواطن في الفرصة، ومن يسرق حقه في التعبير، ومن يسرق عمره في طوابير الانتظار، ومن يسرق ثقته بالمستقبل حتى يصبح عاجزًا عن تصديق أي وعد جديد. وهناك من يتعامل مع الدولة باعتبارها ملكية شخصية، ومع المنصب باعتباره غنيمة، ومع المواطنين باعتبارهم جمهورًا مطلوبًا منه التصفيق لا المحاسبة.

والأخطر من ذلك أن بعض أصحاب النفوذ لا يريدون من المواطن أن يكون شريكًا في بناء الدولة، بل يريدونه تابعًا ينتظر منه المنّة، ويصفق له عند الإنجاز، ويصمت عن الإخفاق. فإذا طالب المواطن بحقه، قيل له إنه لا يعرف الظروف، وإذا انتقد المسؤول، اتُّهم بأنه يسيء إلى الدولة، وإذا طالب بالمحاسبة، عُدّ كلامه خروجًا عن المألوف. وهنا تختلط الدولة بأشخاصها، وتختلط المؤسسات بمصالح من يديرونها، حتى يصبح نقد المسؤول في نظر البعض نقدًا للوطن نفسه، مع أن الوطن أكبر من أي مسؤول، وأبقى من أي حكومة، وأغلى من أن يُختصر في صورة شخص أو جماعة.

أما حين يصبح السلاح وسيلة لفرض الرأي، ويُحاصر الفكر المختلف، وتُستبدل المواطنة بمعايير ضيقة تجعل بعض الناس أقرب إلى الحقوق من غيرهم، فإن المجتمع يكون أمام أزمة تتجاوز الإدارة والسياسة إلى طبيعة العلاقة بين أفراده. فالوطن لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، ولا تُصان وحدته بإسكات الأصوات، ولا تُحمى قيمه بتحويلها إلى شعارات تُستخدم عند الحاجة ثم تُهمل عندما تتعارض مع المصالح. إن قوة الدولة لا تأتي من قدرتها على إسكات الناس، وإنما من قدرتها على إدارة اختلافاتهم في إطار القانون والحقوق المتساوية.

وهنا يوجب أن يكون للنعال دور في الإطاحة بحكم تلك الحشرة وتوابعها التي باتت تسند حكمهم العفن، والتي لا حياة لها إلا وسط القذارة. والمقصود بهذه الصورة الساخرة هو رفض استمرار الفساد ورفض منحه حصانة دائمة، فالمجتمع الذي يكتشف أن صوته لا يُسمع إلا عندما يتحرك للمطالبة بحقوقه، يحتاج إلى وسائل واعية ومنظمة لاستعادة دوره في الرقابة والمحاسبة. فالتغيير لا ينبغي أن يتحول إلى استبدال قوة متسلطة بقوة أخرى، ولا إلى غضبة عابرة تفتح الباب أمام فوضى جديدة، بل يجب أن يكون انتقالًا نحو قانون يحمي الجميع، ومؤسسات لا تخضع لمزاج الأفراد، ومحاسبة لا تتوقف عند حدود الضعفاء.

وهذا لا يعني أن الذي سوف يسقطهم سيكون بالضرورة خيرًا منهم، ولنا تجربة في هذا؛ فكلهم سوف يكونون مساحة تمتد في فكرة ما بين الصرصر والنعال. فقد يرفع القادمون شعارات الإصلاح، ويتحدثون عن العدالة والحقوق، ثم يكتشف الناس بعد مدة أن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في غياب الضوابط التي تمنعهم من تكرار أخطاء من سبقوهم. وقد تتغير الأسماء والصور والألقاب، بينما تبقى الممارسات كما هي، ويظل المواطن يدفع الثمن ذاته، وإن اختلفت الكلمات التي تُقدَّم له لتبريرها.

ومن هنا، فإن الوعي الشعبي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: مَن الذي يجب أن يرحل؟ بل عليه أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي يجب أن يتغير حتى لا يعود المشهد نفسه؟ فالثورة التي لا تحمل تصورًا واضحًا للعدالة والمحاسبة وحماية الحقوق قد تفتح أبوابًا لا يعرف المجتمع كيف يغلقها، أما التغيير الذي يستند إلى وعي ومؤسسات وقواعد قانونية، فيمنح المجتمع فرصة لبناء واقع مختلف، بدل الدوران في حلقة تبدأ بالرفض وتنتهي بخيبة جديدة.

 

حتمية ثورة النعل على الصراصر... في الحياة، كثيرًا ما يصل الأمر إلى درجة لا يمكن السكوت عنها، ولهذا تصبح آليات الثورة ضرورة لا بد منها عندما تُغلق أبواب الإصلاح وتستمر الانتهاكات ويشعر الناس بأن حقوقهم لم تعد تجد من يحميها. وبما أن لكل مقام مقالًا، فمن الطبيعي أن تتسم الثورة بالنعل على الصراصر الحاكمة في صورتنا المجازية؛ فمن غير المعقول أن تُحدّث غير العاقل بما يعقل. ولهذا، عندما يُكتب عنهم وعن منهجيتهم، يجب أن تختار الوصف الصحيح لهم، وليس في هذا ما يعيب النصوص النقدية التي ترصد القضايا المشينة في حكم الصراصر.

ولكن حتمية التغيير لا تعني أن كل انفجار شعبي يؤدي بالضرورة إلى نتيجة عادلة، ولا أن كل من يرفع شعار الثورة يمتلك مشروعًا قادرًا على بناء الدولة. فالتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات قد تنجح في التخلص من واقع ترفضه، ثم تواجه صعوبة في الاتفاق على البديل الذي تريده. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق لحظة الغضب، أو يرافقها، هو: ماذا نريد بعد التغيير؟ وهل نمتلك من الوعي والمؤسسات والضمانات ما يمنع عودة الأخطاء نفسها؟ لأن إسقاط الأشخاص قد يكون حدثًا سريعًا، أما بناء دولة عادلة فهو عمل طويل يحتاج إلى ثقافة عامة تؤمن بأن القانون فوق الجميع، وأن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس تابعًا لأحد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول رفضه للظلم إلى رغبة في الانتقام، وأن يستبدل معيار العدالة بمعيار التشفي، فيصبح هدفه رؤية خصمه يسقط، دون أن يسأل عن مصير الحقوق التي ضاعت، أو عن الضمانات التي تمنع تكرار التجربة. فالمجتمع الذي يريد أن يتخلص من الصراصر لا ينبغي أن يسمح للنعال بأن يتحول إلى حاكم جديد، لأن الأداة التي تُستخدم في استعارتنا لمواجهة القذارة لا تصلح وحدها لبناء حديقة نظيفة. وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها: ليس كل من أسقط فاسدًا قادرًا على بناء مجتمع صالح، وليس كل من رفع شعار التغيير مؤهلًا لحماية نتائجه.

 

الخلاصة ... التي نريد الوصول إليها أن الصرصر والنعال ليسا مجرد مفردتين في مقال ساخر، بل صورتان لعلاقة متوترة بين الفساد ورد الفعل عليه؛ الأولى تمثل، في سياقنا المجازي، سلوكًا يقتات على البيئة الفاسدة، والثانية تمثل رد الفعل الذي يظهر عندما يصل المجتمع إلى حدود احتماله. لكن بين الصورتين مساحة واسعة يجب ألا نهملها، وهي مساحة الوعي الذي يحدد شكل التغيير ونتائجه. فالمجتمع الذي يكتفي بالغضب قد يغيّر الوجوه، أما المجتمع الذي يفهم أسباب الخلل فيستطيع أن يعمل على تغيير القواعد التي سمحت به.

ولهذا، فإننا حين نكتب عن الصراصر، لا نكتب عن حشرات في عالم الطبيعة، بل عن سلوكيات نرفضها في عالم البشر، وحين نستحضر النعال، فإننا نستخدم صورة ساخرة للتعبير عن رفض الخضوع الدائم للفساد. فالكاتب الذي يحترم كلمته لا يحتاج إلى تجميل القبيح، ولا إلى منح الفساد أسماء براقة، ولكنه يحتاج أيضًا إلى أن يجعل من نقده بابًا للتفكير، لا مجرد صرخة تضيع في ضجيج الحياة.

وفي النهاية، تبقى القاعدة التي ننطلق منها حاضرة: لكل مقام مقال، ولكل واقع وصف يقترب من حقيقته، ولكل مجتمع الحق في أن يرفض الفساد ويطالب بالمحاسبة. أما الانتصار الحقيقي، فلا يكون بمجرد سقوط الصرصر، وإنما في اليوم الذي لا يجد فيه صرصر آخر البيئة المناسبة للعيش والتكاثر، ولا يجد فيه الفاسد بابًا مفتوحًا يعود منه إلى الموقع الذي أُخرج منه، لأن المجتمع يكون قد تعلّم كيف يحمي نفسه بالقانون والوعي والمحاسبة، لا بالغضب وحده.

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

مقال

 

سينما بلا سينما

تحت عنوان

مهرجان السينما في الموصل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



نحن نسمع عن غش تجاري أو غش صناعي، ولكن غش ثقافي؟ فهذه تُحسب لعرّابي الخداع في الموصل. بالأمس، كان هناك ما يُعرف بمهرجان السينما الذي احتضنته المدينة، ولكن السؤال هنا: هل نملك مقومات إقامة مهرجان بهذه الصفة، أم إن الأمر لا يتجاوز دعاية حكومية لا أكثر؟

إن المشكلة ليست في إقامة مهرجان، ولا في استضافة الفنانين والمثقفين، فهذه أمور نرحب بها ونتمنى أن تتكرر، ولكن المشكلة تكمن في تحويل الأسماء الكبيرة إلى عناوين فارغة، وتقديم المظاهر على حساب الحقائق. فليس كل ما يُقام مهرجانًا، وليس كل ما يُعلن عنه إنجازًا، وليس كل صورة تُلتقط أمام الكاميرات دليلًا على أن المدينة قد خطت خطوة إلى الأمام. إن الثقافة ليست لافتة تُعلّق، ولا منصة تُنصب، ولا كلمات تُلقى أمام الحاضرين، بل هي مشروع متكامل له أهدافه ومقوماته ونتائجه التي يلمسها المجتمع. أما أن نكتفي بتسمية الأشياء بأسماء أكبر من حقيقتها، فهذه ليست صناعة ثقافية، بل صناعة أوهام بمسميات براقة.

 

مقومات إقامة مهرجان... تبدأ من التسمية: مهرجان سينمائي. الاسم كبير وجميل إلى حد كبير، ولكن يجب أن تكون هناك مقومات ينبغي العمل عليها، وأهمها القبول الشعبي. وهنا يجب التنويه إلى أن المهرجان لم يُعلن عنه في الأوساط الثقافية أو الشعبية، وهذا ما يثير التساؤلات بشأن آلية التحضير له، ويجعل إقامة هذا المهرجان محاطة بعلامات استفهام، حاله كحال تلك المهرجانات التي لا تُعرف مرجعيتها من الأصل، ومنها مهرجان (سبيستون)، الذي لا يعلم أحد فحوى إقامته.

وهنا أضع السؤال أمام القائمين على هذه الفعاليات: لمن تُقام المهرجانات الثقافية إذا كان جمهورها لا يعلم بوجودها؟ وهل يُعقل أن يُنظّم نشاط يحمل صفة ثقافية من دون أن يكون للمثقفين والمهتمين وأبناء المدينة علم به؟ إن الإعلان ليس تفصيلًا ثانويًا في العمل الثقافي، بل هو جزء من هويته، ومن دونه يتحول النشاط إلى مناسبة مغلقة لا تتجاوز حدود القائمين عليها وضيوفها. فالمهرجان الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء التي تظهر في برنامجه، بل بمدى قدرته على الوصول إلى الناس، وتحريك المشهد الثقافي، وخلق مساحة حقيقية للحوار والتفاعل. أما أن نُقيم فعالية ثم ننتظر من المدينة أن تصفق لإنجاز لم تُمنح فرصة معرفته، فذلك منطق يحتاج إلى مراجعة، لا إلى مزيد من الدعاية.

 

المدينة لا تملك دار عرض... ما لا يمكن تجاهله هو أن إقامة مهرجان بهذا الحجم في مدينة لا تملك دار عرض سينمائي عاملة واحدة، على الأقل، تضعنا أمام مفارقة تستحق الوقوف عندها، وكأن الأمر يصب في فحوى المثل القائل: (يُحضَر المعلف قبل الحصان). وليس هذا فحسب، فهناك أمر آخر، وهو أن أي مهرجان سينمائي ينبغي أن تكون له برامج واضحة، تتضمن عرض الأفلام ومناقشتها، واستضافة المختصين، وفتح أبواب النقد والحوار، حتى تتجسد أهدافه على أرض الواقع. وفي الوقت الذي تدعو فيه الدولة اليوم إلى ترشيق الإنفاق الحكومي، نرى أن إقامة فعاليات ثقافية من دون وضوح أهدافها ومردودها تفتح باب التساؤل عن جدواها وأولوياتها، في مدينة لا تزال بحاجة إلى مقومات أساسية للنهوض بحياتها الثقافية.

إن السينما ليست سجادة حمراء، ولا صورًا تذكارية، ولا كلمات تُلقى ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. السينما صناعة وفكر وتاريخ وذاكرة، وهي قبل كل شيء مكان يشاهد فيه الجمهور الأفلام، ويناقشها، ويتفاعل معها. فكيف نريد أن نتحدث عن نهضة سينمائية في مدينة تفتقر إلى البنية الأساسية التي تتيح للناس ممارسة أبسط حقوقهم في مشاهدة الأفلام داخل دور عرض حقيقية؟ وكيف نطالب الأجيال الجديدة بالاهتمام بالفن السابع، بينما لا نوفر لها المناخ الذي يجعل هذا الفن جزءًا من حياتها اليومية؟

إن بناء الثقافة يبدأ من الأساس، لا من السقف، ومن توفير الإمكانات قبل الاحتفال بالنتائج. وكان الأجدر أن تترافق هذه المهرجانات مع خطة واضحة لإعادة الحياة إلى دور العرض، وتشجيع الإنتاج السينمائي المحلي، وتدريب الشباب، وفتح المجال أمام المخرجين والكتّاب والنقاد. عندها نستطيع أن نتحدث عن مشروع سينمائي له جذور وامتداد، لا عن مناسبة تنتهي بانطفاء الأضواء. فالموصل لا ينقصها التاريخ ولا المواهب، وإنما تحتاج إلى من يحوّل هذه الإمكانات إلى مشاريع حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بإقامة الاحتفالات حولها.

 

غياب الطبقة الثقافية... أظن أن القائمين على المهرجان ليسوا على دراية بأن إقامة أي مهرجان سينمائي تستلزم حضور عدد من النقاد والمفكرين من أبناء المدينة، لبناء عملية التواصل الحضاري مع الفن، كما أشار الفنان (جلال حسن). ويبدو أن القائمين على هذا المهرجان لم يمنحوا الأقلام الثقافية والنقدية والفنية والصحفية في المدينة ما تستحقه من اهتمام، على الرغم من أن الموصل تزخر بأسماء تتمتع بالرصانة المهنية والقدرة على إثراء أي نشاط ثقافي جاد.

والأغرب أن المهرجان أُقيم في مكان لا يبعد عني كثيرًا، ورغم هذا لم أعلم حتى بموعد إقامته، وهذا دليل من تجربتي الشخصية على وجود خلل في آلية الإعلان والتواصل، ويستحق أن يُطرح بشأنه السؤال: كيف يمكن لفعالية تحمل اسم الثقافة أن تتجاوز محيطها الثقافي القريب؟

إن المثقف ليس قطعة ديكور تُضاف إلى المشهد حين يحتاج المنظمون إلى إكمال الصورة، وليس اسمه رقمًا يُدرج في قائمة المدعوين لإضفاء صفة ثقافية على المناسبة. المثقف شريك في صناعة الوعي، وناقد يستطيع أن يكشف مواطن الخلل، وصاحب رأي قد لا يُرضي القائمين على الفعاليات، لكنه يؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه إذا كانت الغاية هي التطوير الحقيقي. أما إقصاء الأصوات المحلية، أو عدم التواصل معها، ثم الحديث عن نهضة ثقافية، فهو تناقض لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

والموصل ليست مدينة طارئة على الثقافة حتى يأتي من يعرّفها بالفن، وليست أرضًا خالية من الأقلام التي تستطيع أن تكتب وتناقش وتحلل وتنقد. فيها كتّاب وشعراء وصحفيون وفنانون وأكاديميون، وفيها ذاكرة ثقافية تستحق أن تكون في مقدمة أي مشروع يُقام باسمها. وإذا كان الهدف من المهرجان هو مد جسور التواصل الحضاري، فكيف تُبنى الجسور من دون التواصل مع أصحاب الشأن؟ وهل يُعقل أن نبحث عن الاعتراف الخارجي بينما نهمل الطاقات الموجودة بين أيدينا؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الأسماء المحلية عن صورة هنا أو دعوة هناك، بل في غياب الفكرة التي تجعل هذه الأسماء جزءًا من المشروع نفسه. فالثقافة لا تُدار بمنطق العلاقات الشخصية، ولا ينبغي أن تتحول إلى دائرة مغلقة يتحكم بها عدد محدود من الأشخاص. ومن يريد خدمة الموصل عليه أن يفتح الأبواب أمام الجميع، لا أن يجعل الوصول إلى الفعاليات الثقافية امتيازًا لا يعرف الناس كيف يحصلون عليه.

 

البهرجة الكاذبة... تذاكر سفر، وحجوزات فنادق، ومصاريف هنا وهناك، وهنا يأتي السؤال: (ما الذي استفادته المدينة من المهرجان؟).

الجواب لا يمكن أن يكون مجرد صور منشورة أو تصريحات احتفالية أو عبارات من قبيل النجاح والتميز، بل يجب أن يكون هناك مردود ثقافي واضح يمكن قياسه وتقييمه. فهل خرج المهرجان بتوصيات قابلة للتنفيذ؟ وهل أسهم في دعم السينمائيين المحليين؟ وهل فتح بابًا أمام الشباب لدخول عالم السينما؟ وهل ترك برنامجًا مستمرًا بعد انتهاء أيامه؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز التعامل معها على أنها انتقاص من قيمة الثقافة أو اعتراض على إقامة الفعاليات. فمن حق المواطن أن يسأل عن نتائج أي نشاط يُقام في مدينته، ومن واجب الجهات المنظمة أن تقدم إجابات واضحة عن أهدافه ومخرجاته.

ويبدو أن هناك من يعتقد أن النجاح يُصنع بمجرد استضافة الضيوف وإقامة المناسبات والتقاط الصور، وكأن الثقافة أصبحت سباقًا في المظاهر لا في النتائج. ولا أرى ضررًا في استضافة الفنانين أو الإنفاق على النشاط الثقافي إذا كان ذلك يخدم المدينة ويحقق أهدافًا حقيقية، لكن الضرر يبدأ عندما تصبح الوسائل غاية، ويُقدَّم الاحتفال على الإنجاز، ويُطلب من الناس التصفيق قبل أن يعرفوا ماذا تحقق على أرض الواقع.

إن المال الذي يُنفق على الثقافة ليس موضع اعتراض في حد ذاته، بل هو استثمار ضروري إذا وُضع في المكان الصحيح، ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي إنفاق هو: ما الفائدة التي ستعود على المدينة وأبنائها؟ فالمواطن الذي يبحث عن نافذة ثقافية، والشاب الذي يحلم بأن يصبح مخرجًا، والفنان الذي ينتظر فرصة حقيقية لعرض عمله، جميعهم أحق بأن تكون لهم حصة من نتائج هذه الفعاليات. أما أن تنتهي المناسبة وتبقى الأسئلة معلقة، فذلك يعني أن علينا مراجعة طريقة العمل، لا أن نكتفي بتجميل الصورة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تتحول إلى مادة دعائية تُستخدم لإظهار أن كل شيء على ما يرام، بينما تظل المشكلات الأساسية في مكانها. فالدعاية قد تصنع انطباعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع واقعًا جديدًا. والصورة قد توحي بالنجاح، لكنها لا تثبت وحدها أن هناك إنجازًا. أما الحقيقة، فهي لا تحتاج إلى كثير من الزينة؛ يكفي أن نرى أثرها في حياة الناس، وفي المؤسسات، وفي استمرار المشاريع بعد انتهاء الاحتفالات.

 

الخاتمة... أنا لا أكتب ضد السينما، ولا ضد المهرجانات، ولا ضد أي جهد يسعى إلى تنشيط الحياة الثقافية في الموصل، بل أكتب دفاعًا عن المعنى الحقيقي لهذه الأنشطة، وعن حق المدينة في أن تحصل على مشاريع تليق بتاريخها وإمكاناتها. فالاعتراض ليس عيبًا، والنقد ليس عداءً، والسؤال عن الجدوى ليس إساءة إلى أحد، وإنما هو جزء من المسؤولية الثقافية التي يجب أن يتحلى بها كل من يضع مصلحة المدينة فوق الحسابات الشخصية والدعائية.

إن الموصل لا تحتاج إلى مهرجان يحمل اسم السينما بقدر حاجتها إلى حياة سينمائية حقيقية، ولا تحتاج إلى مظاهر احتفالية بقدر حاجتها إلى مؤسسات ومبادرات تستمر وتنتج وتترك أثرًا. نريد سينما تُعرض فيها الأفلام، ونقاشًا يُسمع فيه صوت النقد، وفرصًا تُمنح للمواهب، وبرامج لا تنتهي بانتهاء الضيوف. نريد ثقافة تُقاس بما تقدمه للناس، لا بما تستهلكه من كلمات وصور.

أما أن نُقيم مهرجانًا للسينما في مدينة تفتقر إلى دار عرض، ثم نحتفل بالعنوان وننسى المضمون، فهنا تكمن المفارقة التي دفعتني إلى الكتابة. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يحمل اسم الثقافة ثقافة، وليس كل مهرجان دليلًا على وجود نهضة.

وأقولها بوضوح: لا تصنعوا لنا مهرجانات على الورق، ثم تطلبوا منا أن نراها نهضة على الأرض؛ فالمدينة أكبر من أن تكون خلفية لصورة تذكارية، وثقافتها أعمق من أن تُختزل في دعاية عابرة.

الخميس، 8 أكتوبر 2026

مقال

 

هكذا يكون سعر الدولار

تحت عنوان

عندما يتسيّد الخراف حمار

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لتسقط المبادئ وكل القيم مقابل لقمة العيش

                                                 البارون الأخير

أموال وقصور و(كُحّاب)، وتريد منه أن يبني لك بلدًا يحظى بالاحترام! إنها لأضغاث أحلام. والسؤال: لماذا لا يعترف الفاشلون اليوم بفشلهم في إدارة الدولة؟ ويعود هذا إلى الأيديولوجيات التي جاء بها القادمون الذين هم على رأس السلطة. وهناك مثل شعبي يصبّ في أصل الموضوع: (شاف وما شاف، شاف فرج أمه واخترع). وهنا دلالة على أن هذه الطبقة هي التي يُقال عنها: (شبعت بعد جوع)، وهي أخطر فئة اجتماعية قد تحكمك اليوم.

وعند الحديث عن وضع البلد، يأتي أحدهم ويقول: (هل البلد بلد أبوك؟) نعم، البلد أبوي وجدي، والحديث عنه شرف لا أدّعيه. والغريب، وسوف تتذكرون كلماتي، أن الجميع بعد زوال النظام الحالي سوف يتحولون إلى أبطال، وكأنهم كانوا يقارعون قوانينه الجائرة. والحقيقة أن أشجع الشجعان اليوم لن يخرج عن وصف الخروج في نهاية الطريق، ومنها:

 

زعامة الحمار ... لا زعامة له إلا على قطيع من الخراف. وقد يُقال هنا إن الأمثال تُضرب ولا تُقاس، ولكن هنا المثل يُضرب ويُقاس.

القصة ليست بشخصيات، ولكن بنظام الحكم بأكمله وآلياته في رسم حدود العمل الحكومي. وهنا أقولها بكل ثقة: لو بُعث نبي من السماء ودخل هذه المنظومة، لخرج منها فاسدًا ولصًّا يحترف الأعمال المشينة. ولهذا يكون المواطن البسيط واحتياجاته آخر همّهم، ولهذا نشهد تزاحم الأزمات التي تثقل كاهل العامة. فلا يهم الحمار خطط الذئب تجاه الخراف، وهذا بسبب شعوره بأنه هو ذاته فريسة؛ فالقيادة عادة ما تقترن بالشجاعة، وهي القضية التي لا يمكن أن يمتلكها الحمار.

 

القضية بأولها ... وقد يسأل الكثيرون هنا: ما الذي حلّ بالشعارات التي كان يُنادى بها؟ وما الذي يجري الآن من جعل حياتنا كلها رهينة لعملة ورقية؟ ولمعرفة ما أوصلنا إلى هذا الحال، نجد أنهم القادمون على ظهور الدبابات الأمريكية. وهذه الحادثة إثبات صريح على أن النظام هو صنيعة الولايات المتحدة، ولهذا نجد اليوم أن الجميع يدينون لها بهذا العمل. والخروج على من ولّاك يُعدّ، في العقيدة السلطوية، جريمة عقوبتها القتل، وهذا ما سوف يكون؛ فهي مسألة وقت لا أكثر.

ولكن المسألة أنه لو كان الأمر يتعلق بالطبقة السياسية، لقلت كما تقول العامة: (يطّبهم مرض). ولكن هناك شعبًا فيه النساء والأطفال والشيوخ وأصحاب الدخل المحدود، ولهذا كان لا بد من التفكير بالنهايات قبل الشروع بكل هذا. وهناك مقولة مفادها: (لو كنا نعلم النهايات ما بدأنا).

ولهذا كان التفكير بالاستقلال المالي؛ لأنه الضمان الوحيد للقوة في ظل السلطة، وغياب الحصانة المالية في عالم أبرز معالمه النظام المالي يكون بمثابة انتحار سياسي. وأريد هنا أن أستشهد بمثل شعبي: (الما يوني يغرك). وفي هذا دلالة على أن البلد، في العقود الماضية، لم يعمل على تعزيز المشاريع الصناعية والزراعية التي تساهم في انتعاش الاقتصاد. وهذه نتيجة حتمية لسياسة الحمار عندما يتزعم السلطة.

 

أيديولوجية الخراف... تحدثنا عن سياسة الحمار، ولكن ماذا عن الخراف؟ وهنا لا أحمّل الحمار كامل المسؤولية، ولكن هناك ما يساهم في صناعة هذه المهزلة. ففي صباح هذا اليوم، كنت في حديث مع أحدهم، وعند سؤالي له عن رأيه بما حدث، كانت إجابته، من وجهة نظري، أسوأ من قضية ارتفاع الدولار، إذ تضمنت قوله: (لماذا تتحدث بهذا الحديث؟ فأنت لم تعش أيام سيطرة القوى الظلامية وغلاء الأسعار وقتها).

وهنا تكمن أيديولوجيات العقل الجمعي للخراف في إيجاد مقارنة دائمة بين السيئ والأسوأ، وهذه تُعدّ مشكلة بحد ذاتها في التعايش مع الأوضاع السيئة. وعندما تكون العامة بهذه العقلية التي تعبّر عن منهجية الخراف بمعناها الصحيح، ترى من يتمادى فيما يخص حقوق الناس، لقناعته بعدم وجود من سوف يخرج عليه أو حتى ينتقده.

 

البلد برعاية العناية الإلهية ... لا تصدّق من يقول لك إن هناك دولة أو قانونًا؛ فكلٌّ منهما، إذا لم يستطع حماية العامة، يصبح حلقة مفرغة في حياتنا يجب اقتلاعها. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فسوف تكون كما قيل في إحدى المسرحيات العربية: (نهايتك سودة يا زنباوي).

وهذا ليس فقط لمن يسمّون أنفسهم رجال السلطة، ولكن للعامة أيضًا. فارتفاع سعر الدولار هو البداية، وبما أن كل شيء ارتبط بالمال، وهو عبارة عن سفينة وسط بحر هائج، فمن الطبيعي أن تكون النهاية الغرق. والكل هنا في دائرة المسؤولية، ولا نجاة لأحد مما يحدث، ولا يقول أحدكم إنه في مأمن اليوم.

أما عن قضية المحاسبات القانونية، فالأمر طبيعي جدًا؛ فالعصابات، على سبيل المثال، تملك آليات الثواب والعقاب، أما الدولة فهي شيء آخر لا يمكن للجماعات الحاكمة اليوم إدراكه. وهذا يعود إلى أنهم ما زالوا يتعاملون مع البلد على أنهم معارضة، وكأنهم لم يعودوا يملكون القدرة على تصديق أنفسهم بأنهم باتوا سلطة حاكمة. وهنا جوهر الفشل الحكومي الذي نشهده اليوم.

 

شعيط ومعيط ... كلمات تُطلق على أولئك الذين يُستقدمون من العدم، بلا خبرة أو علم لديهم، لإدارة عمل معين. وهذا ينطبق على كل الأسماء التي تتزعم المشهد السياسي، من رأس الهرم إلى أصغر مسؤول اليوم؛ من باب أن هذه النوعية من الخراف لا تملك الشجاعة لقول الصواب أو فعله. ولهذا ترى حالة التشظّي في العمل، ومنها ظهور موجات تسونامي من الفساد المالي والإداري والأخلاقي في مفاصل الدولة.

وإذا ما وصلنا إلى هذه الحالة، وقد وصلنا، يكون البلد وشعبه في خبر كان عمّا قريب جدًا؛ فالمسألة مسألة وقت.

 

حكاية وعبرة... يُروى عن رجل محتال نزل في مدينة، وأراد الاحتيال على أهلها، فجمع الناس وخاطبهم: اجمعوا لي القردة التي تملأ الغابة المجاورة، وأنا أشتريها منكم. وبعدها هبّ الجميع لاصطيادها، وبمرور الوقت قلّ عددها حتى أصبحت نادرة. عندها اقترح المحتال، عبر الوسيط، بيعهم البضاعة التي اشتراها منهم سابقًا، ليبيعوها مرة ثانية.

وعندها باع الجميع ما يملكون ليوفّروا المال لعملية الشراء، وبعد ذلك اختفى المحتال، ولم يعد لهم ما يملكونه. عندها صاح أحدهم: (الآن فقط تحوّلنا إلى قردة، كان يقودنا لصّ محتال!) وهذه حكاية تجسّد الوضع العراقي برمّته، ولله المشتكى.

 

الخلاصة... لم يعد في البلد ما يُبكى عليه، وبتنا اليوم أمام مفترق طرق: إما الموت بصمت التخاذل، أو الاحتراق، وكلاهما مرٌّ علقم. فلم يعد الأمر شيئًا يمكن السكوت عنه؛ فاللصوص الذين يدّعون أنهم المدافعون عمّا يؤمنون به، إن كان لهم بالأصل إيمان، قد قامروا بكل شيء: الماضي والحاضر والمستقبل.

والقضاء عليهم واقتلاعهم أصبح أمرًا واجبًا لا مهرب منه؛ فإما هم أو نحن. وإذا وصلنا إلى هنا، فليذهبوا هم وتاريخهم العفن إلى الجحيم (لعنة الله عليهم أجمعين).

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

مقال

 

 العدالة المفقودة على الأرض والاختبار الإلهي

تحت عنوان

حديث ما بين الأرض والسماء

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يأخذ اليوم الكثير من الناس من (شماعة انعدام العدالة على الأرض) ذريعةً للابتعاد عن القيم السماوية، والحق هنا أن العدالة التي يتصورها الإنسان ويريدها ليست موجودة على صورتها الكاملة بيننا اليوم، ومن هنا تولد الكثير من الأسئلة الإلحادية: «أين الله من كل هذا؟»

ولكن ما لا يعلمه البعض أن لله إرادةً وحكمةً فيما يحدث الآن، وأن هذه الحياة ليست نهاية المطاف، بل هي مقدمة للحياة الآخرة، وهذا يصب في ضرورة الإيمان بيوم القيامة، حيث الحساب والعقاب والثواب. ولهذا كان لابد من تبيين بعض الحقائق التي تعزز فكرة هذا الموضوع.

 

العدالة المفقودة ... نعم، منذ أن خلق الله الخلق جعل فيهم القوي والضعيف، والغني والفقير، والعالم والجاهل، ولم يجعل الناس متساوين في كل شيء، لأن الله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

ومن هذا المنطق نرسم الخارطة الذهنية للفكرة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهنا لا بد من الخروج من الإطار الفكري الاجتماعي السائد، الذي كثيرًا ما يُغيب الدور الإلهي في عملية خلق الطبقات والفروق المتفاوتة بين البشر.

ولكن لو كان هناك عقل يتأمل قليلًا، لوصل إلى فكرة بسيطة، وهي: لو كان الخلق متساوين في كل شيء، فما جدوى خلقهم من الأصل؟

ولهذا السبب أيضًا ستجد من يتذمر من فقره أو ضعفه، أو يعترض على ما كُتب له في هذه الحياة، وهذه هي أصل الفكرة التي ينطلق منها الاعتراض على ما فعلته الذات الإلهية، وهو اعتراض لا يقوم على فهم حقيقة الاختلاف بين البشر وحكمة وجوده.

 

الاختبار الإلهي ... لمن لا يعرف، فإن الحياة الإنسانية بأكملها عبارة عن (اختبار) ؛ فالغني يُختبر بماله، والفقير بفقره، والقوي بقوته، والضعيف بضعفه فالغني يشكر، والفقير يصبر، والقوي يجب أن يهذب قوته، والضعيف يجب أن يدرك أن هناك قوةً أكبر من أي قوة على هذه الأرض وإذا ما أمعنت النظر فيما كُتب هنا، فلن تجد أحدًا على هذه الأرض خارج دائرة الاختبار، وهنا يكمن أصل الموضوع.

فليس معنى أن الإنسان يمتلك المال أنه أفضل من غيره، وليس معنى أن الإنسان ضعيف أو فقير أنه أقل شأنًا، لأن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يفعله في حدود الاختبار الذي وُضع فيه.

 

يوم الحساب ... وكما جاء في الكتب السماوية، فإن هناك يومًا اسمه (يوم القيامة) ، فدع كل بشر يفعل ما يريد، فكل شيء موثق ومدون، ولن يضيع شيء عند الله.

فقط لو كنت مؤمنًا بهذه الكلمات، فلن تغضب أو تحزن من ظلم أحد لك، لأنك تؤمن بأن هناك يومًا ستظهر فيه الحقائق، ويأخذ كل إنسان جزاء ما قدم.

وقضية الإيمان بذلك اليوم هي من أساسيات الإيمان، ولا تخضع هذه الحقيقة للقضية النسبية؛ فالإيمان والكفر أمران واضحان في أصل الاعتقاد، والإيمان بيوم الحساب هو أحد أركان النجاة من هذا الاختبار العظيم.

فكل شيء حولك يجري بقدر معلوم، ولو كانت العدالة كاملةً على وجه الأرض، لسقطت حقيقة يوم القيامة من أساسها؛ لأن الدنيا لو كانت هي دار العدالة النهائية، فمن الذي سيُحاسَب؟ ومن الذي سيُعاقَب؟ ومن الذي سيُثاب؟

إن وجود الظلم والنقص والتفاوت في الحياة الدنيا لا يعني غياب العدالة الإلهية، وإنما يعني أن (العدالة الكاملة ليست هنا، بل هناك) .

 

دورك في هذه القضية... التذكير جاء في القرآن الكريم:  ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ .

وهنا يسقط فرضية الوصايا التي يتبناها بعض المتدينين على البشرية، فمنذ زمن بعيد كتبت أن الإيمان (علاقة شخصية بين الخالق والمخلوق، ولا وساطة لأحد سوى الأنبياء والرسل) .

وحتى رسل السماء كان دورهم يتباين بين الوعظ والتذكير، ولهذا كان لابد أن أذكّر العالم من خلال هذه السطور بأن هناك من يسمعك ويراك، فهو  (يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار) .

ومن هنا تتجسد عظمة الواحد الذي له ملك السماوات والأرض، وحده لا شريك له، وسوف يجمعكم يومًا، وسوف تدركون يومها ما فعلتم وما قلتم ووقتها لن ينفع الندم على ما فات.

عندها قد تتذكر هذه الكلمات التي أكتبها لوجه الله تعالى، مذكّرًا لكم بأن لهذا العالم خالقًا، وأن لكل إنسان مسارًا وقدرًا ودورًا في هذه الحياة، وأن من واجبنا تقويم العقل البشري من خلال التذكير، لا من خلال فرض الوصاية عليه.

 

الخلاصة ... هناك للإيمان أساسيات وقواعد ثابتة، ومنها ( الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والإيمان برسله، والإيمان بيوم الحساب ) ، ذلك اليوم الذي سوف تُوفّى فيه كل نفس ما قدمت وما أخرت.

وهنا يجب التنويه إلى أن كل حدث يصيب الناس لا يصح أن نبوّبه مباشرةً على أنه عقاب على ذنب اقترفه أحدهم، وهذا غير صحيح.

والدليل على ذلك إيماني بعدالة الله؛ (فلا عقاب قبل الحساب) ، وخلط الأوراق في هذه القضية، والحكم على الناس وكأننا نعرف سبب ما نزل بهم، قد يكون نوعًا من التعدي على ما اختص الله به من الحكم على عباده.

فلا تجعل نفسك قاضيًا على الآخرين، ولا تجعل من مصائب الناس دليلًا على ذنوبهم، لأنك لا تعلم حقيقة ما بين الإنسان وربه.

وفي النهاية، يبقى الإنسان في هذه الحياة داخل دائرة الاختبار، ويبقى الله وحده العالم بالسرائر والنيات، ويبقى يوم الحساب هو الموعد الذي تنكشف فيه الحقيقة كاملة.

﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.

الأحد، 4 أكتوبر 2026

مقال

 

 قارورة عطر

تحت عنوان 

صورة تعيد رسم الوجع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



مرّ الوقت وكأنه أعوام طوال، كنت أحاول فيها إقناع نفسي أنني ما زلت بخير، فقط لأنها تنعم بحياة هادئة، ولكن اليوم رأيت صورتها، عندها مرّ شريط الذكريات وكأنه عرض سينمائي بالكلمات والأفعال والابتسامات والضحكات التي كان لها صدى يهز القلوب، ولكن بعد ثوانٍ حصل شيء غريب.

 

امرأة لا أعرفها... عندما وقعت عيناي على صورتها الجديدة لم أعرفها، رغم علمي بأنها هي لا غيرها، وإذا ما أردت وصف الشعور بشكل دقيق، فكأنني دخلت قلعة مهجورة اجتاحها التتار، ولا أقصد هنا تغيّر ملامح الوجه، ولكن لم يعد ذلك الشعور الذي كنت أحمله لها، وكأن شيئًا لم يكن بيننا من قبل، ولكن لم يكن ذلك نهاية الحب الذي أحمله لها.

 

كاذبًا أنا، فأنا لا زلت أحب تلك الفتاة... قد يكون شيئًا في قلبي قد أحرقته من قبل هي، وهذا بسبب أنها جعلتني يومًا أرسم قلاعًا لها على جدار القلب المفعم بالعاطفة تجاهها، ويبقى كل شيء رهينة ذلك الوقت الذي كان بيننا، وقد يجدها آخرون بنظرهم شخصًا سيئًا، ولكن ما لا يعلمه الآخرون، فأنا من يحب حتى تلك القضايا المعيبة في مناهج البعض، ولم أسمح لنفسي أن أراها بغير صورة ذلك الملاك الذي كان بصحبتي.

 

في عشقي لها شيء من الجنون... كل من كان يعرفنا كان يقول لي إنها لا تحبك، ولكنني أحببتها وبصدق الأنبياء، لم يكن ما بيننا سوى حزمة مشاعر نبيلة لا يعرف الناس عنها شيئًا، فكنت أصدقها رغم علمي أنها تكذب، وكنت أخلق لها الأعذار كلما غابت عني، وكنت أرى فيها ما لا أرى في نساء الأرض، وقد يكون الجميع صادقين إلا هي، ولكن صدقتها وآمنت بتلك الكلمات التي كانت تسمعني هي، ومع هذا لم أشك للحظة أنها يومًا سوف تختار الرحيل.

 

زجاجة العطر ما زالت في درج مكتبي... في يومٍ ما دخلت مكتبي وهي تحمل زجاجة عطر وقدمتها لي على أنها هدية، ولم أدرك وقتها أنه إعلان للرحيل عمّا كان بيننا، ولكن رحلت هي وبقي ذلك العطر يرافقني رغم مضي الوقت، فكلما اشتقت لها أرش ذلك العطر في المكان كنوع من إعلان الحضور، فأنا كنت أعلم أن في منهج الحياة، عندما تكون هناك هدية عطر، يكون هناك فراق، ولكن قلت إن ما كان بيننا سوف يكسر كل تلك المعتقدات البالية، ولكن في نهاية المطاف انتصرت المعتقدات، وبقيت وحدي مع ذلك العطر كملك مهزوم.

 

صورة تعيد رسم الوجع... في الحقيقة لم تكن الصورة موجعة، ولكن قد تكون هي بمثابة ذلك الملح الذي رُشَّ على جرح قديم، الذي قد فشلت الأيام في علاجه، وأدركت وقتها أن لا حقيقة لمصطلح الغياب، فبعض البشر تغيب أجسادها، لكن يبقى ذلك الطيف يغفو بثنايا القلب الذي أحبها منذ ذلك الوقت، فالصورة قد أعادت ذاكرة الوجع فقط، ولكن وفي لحظة إدراك، أدركت أنني لا زلت أحب تلك الفتاة.

 

حين أحببتها ... لم أكن أبحث عن امرأة تشبه النساء، بل كنت أبحث عن تلك التي تشبه قلبي... ولهذا ربما عجزت عن نسيانها، لأنني لم أحب فيها وجهًا أو صوتًا أو حضورًا عابرًا، وإنما أحببت تفاصيل صغيرة لم يكن يراها غيري، نظرة عينيها عندما كانت تتحدث، طريقة صمتها، ضحكتها التي كانت تأتي في غير موعدها، وحتى الأشياء التي كانت تزعجني فيها كنت أجد لها مكانًا في قلبي. ولهذا عندما رحلت، لم ترحل امرأة من حياتي فقط، بل رحلت معها تفاصيل كثيرة كنت أعيش عليها دون أن أدرك أنها كانت تصنع كل ذلك الفرح في داخلي.

كنت أظن أن الحب مع مرور الوقت يتحول إلى ذكرى، وأن الذكريات مهما كانت جميلة يعلو عليها غبار الأيام، ولكنني اكتشفت أن بعض الذكريات لا يغطيها الغبار، لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تسكن القلب. ولهذا كانت صورتها قادرة على أن تعيد إليّ كل شيء في لحظة واحدة؛ كأن السنوات التي مرت لم تكن سوى باب أغلقته الأيام، وجاءت صورتها اليوم لتفتحه دون استئذان.

لم أكرهها لأنها رحلت، ولم أتعلم يومًا كيف ألومها على اختيارها، وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي جعل حبها يبقى نقيًا في داخلي... فأنا لا أريد أن أتذكرها كامرأة كسرت قلبي، بل كامرأة جعلت قلبي يعرف للمرة الأولى كيف يكون الحب. وربما كان من السهل أن أكرهها، لكنني لم أستطع، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكره اليد التي وضعت يومًا وردة في قلبه، حتى وإن كانت هي نفسها اليد التي تركته بعد ذلك وحيدًا بين الأشواك.

الغريب في الحب أن الإنسان قد ينسى آلاف الكلمات، لكنه لا ينسى كلمة واحدة قيلت له في لحظة كان قلبه فيها مستعدًا لتصديق العالم كله... وأنا ما زلت أتذكر أشياء ربما لم تعد تعني لها شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت حياة كاملة. أتذكر الأماكن، واللحظات، والانتظار، والرسائل، وحتى ذلك الصمت الذي كان بيننا أحيانًا، لأنني كنت أجد في صمتها كلامًا أكثر مما أجده في حديث الآخرين.

كنت أريدها أن تبقى، ليس لأنها كانت كاملة، فأنا أعرف أن لا أحد كامل، ولكن لأنها كانت الجزء الذي أحببته حتى في نقصه. كنت أريدها أن تكبر معي في العمر، أن تتغير ملامحها أمامي، وأن أرى السنوات وهي تسرق من وجهها شيئًا من الشباب، دون أن تسرق من قلبي شيئًا منها. كنت أريد أن أصل معها إلى ذلك العمر الذي يصبح فيه الحب أقل كلامًا وأكثر صمتًا، ولكن صمتًا يفهمه قلبان عاشا طويلًا معًا.

وربما لو سألتني اليوم: هل ما زلت تنتظر عودتها؟ سأقول إن الانتظار شيء، والحب شيء آخر... قد لا أنتظر أن تعود، وقد لا أفتح لها الباب إذا عادت، ولكن هذا لا يعني أنني توقفت عن حبها. فهناك أشخاص تنتهي علاقتنا بهم، ولكن لا تنتهي علاقتنا بذكراهم، لأن بعض البشر لا يغادروننا عندما يغادرون حياتنا، وإنما يتحولون إلى جزء من تاريخنا لا نستطيع حذفه مهما حاولنا.**

أما قارورة العطر، فما زالت في مكانها، وكأنها آخر شاهد على قصة لم تجد خاتمتها التي كنت أتمناها... أحيانًا أنظر إليها وأبتسم، وأحيانًا أشعر أنني أمام امرأة لم تعد موجودة إلا في ذاكرتي، وأحيانًا أمد يدي إليها ثم أتراجع، لأنني أخاف أن يخرج من تلك القارورة شيء أكبر من العطر... أخاف أن يخرج معها صوتها، وضحكتها، وأيامها، وكل الأشياء التي دفنتها بصعوبة تحت ركام السنوات.

لقد فهمت متأخرًا أن بعض العطور لا تُهدى للجسد، وإنما تُهدى للذاكرة... وأن بعض الهدايا لا تكون قيمتها فيما تحمله، بل في الشخص الذي تركها خلفه. ولهذا بقيت تلك القارورة عندي، لا لأن رائحتها ما زالت جميلة، وإنما لأنها تحمل شيئًا منها، وأنا الرجل الذي لم يتعلم كيف يتخلص من الأشياء التي تحمل رائحة من أحب.

 

الخلاصة .. ربما كانت الصورة أقسى من الرحيل نفسه، لأنها لم تأخذ مني شيئًا جديدًا، وإنما أعادت إليّ شيئًا كنت قد حاولت نسيانه... أعادت لي امرأة أحببتها، وأعادت لي رجلًا كنت أنا يومًا عندما كنت إلى جوارها. ولهذا عندما أغلقت الصورة، لم أبكِ عليها وحدها، وإنما بكيت على ذلك الرجل الذي كان يصدق أن بعض الأحلام يمكن أن تبقى إلى الأبد.

الخميس، 1 أكتوبر 2026

مقال

 

القوى الناعمة الشيطانية

تحت عنوان

كيف تغيّر عالمنا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثير منا ما يتساءل: (كيف وصلنا إلى يومنا هذا؟) وهنا وجب التنويه، فالكثير من الذين يُشركون يضعون الله عز وجل في موضع المقارنة مع الشيطان، والعياذ بالله، ولكن المعادلة الأصح هي أن يكون الإنسان هو في موضع المقارنة مع الشيطان، وهذا بسبب أنه لا يوجد ما يضع الخالق والمخلوق في مقارنة، لأن الشيطان أيضًا مخلوق. ومثلما هناك تطور للفكر الإنساني، هناك أيضًا فكر شيطاني يتطور بمرور الوقت. وإذا ما كنا نريد الحديث عن مراحل التطور الفكري للإنسان، تكون الأنبياء هي مراحل تطور ذلك الفكر، وبما أن عصور الأنبياء قد انتهت، والشيطان ما زال بقاؤه يشكل أكبر عائق في استمرارية تطور الفكر، وهنا سوف نشرح مراحل التطور الشيطاني التي نعيشها هذه الأيام، ومنها تلك المفاهيم العامة على شكل أمثال ومقولات شعبية، التي أصبحت قواعد اجتماعية بمرور الوقت.

 

«يا راحتي في وحدتي، كل البلا من عشرتي» ... من أكبر الجرائم التي يرتكبها بعض البشر هو تعميم نتائج تجاربهم الشخصية كمعيار اجتماعي، فمثلما ورد هنا في مقولة تعتبر من التراث الشعبي، وهي تجسد أعلى معايير التفكك الاجتماعي، فالدعوة للعزلة ليست حلًا منطقيًا لما قد نعاني منه، والهروب ليس بالشيء المثالي لحل مشكلة قد نعاني منها، وهذا ما يصب في إيجاد سبل تدل على تطور الأساليب الشيطانية لجعل الإنسان منفردًا لتسهيل الإيقاع به.

 

«ألف قلبي ولا غلبي» ... وبهٰذا المثل يتجسد المعيار الذي يدعو إلى إسقاط كل القيم الدينية والأخلاقية من أجل أرباح دنيوية فانية، وتحويل الحياة إلى حلبة صراعات عبثية، والخروج عن الإرادة الإلهية لقضية خلق الإنسان، وكأن العالم تحول إلى قضية النهي عن الالتزام القيمي، بغض النظر عن المسميات. وهذا أيضًا من الأهداف الشيطانية في ديمومة الصراعات البشرية، من خلال عدم التمسك بالأخلاقيات والعادات المكتسبة من الإطار الديني والاجتماعي.

 

«الأقارب عقارب» ... وهي الكلمات التي تساهم في عملية قطع الأرحام، وهذا ما يتنافى مع المفاهيم السماوية التي جاءت على لسان الأنبياء والرسل. فالكثير منا اليوم يرسم حدودًا تحكمها معايير دنيوية في تحديد العلاقات مع الأقارب، حتى وصل بنا الحال إلى أن بعض العوائل لا تلتقي إلا بالمناسبات الحزينة (العزاء)، أما عن المناسبات الثانية فتدخل بها عوامل شخصية مزاجية، وهذه كارثة إذا ما كنتم لا تعلمون.

فكل ما ورد هنا يدعو لإبعاد الإنسان عن محيطه العائلي والاجتماعي، من خلال زرع أفكار وتصويرها على أنها موروث شعبي، وهي في حقيقة الأمر نتائج تجارب لشخصيات تعاني من فشل اجتماعي، تريد تعميمها على أنها أصول ترهق الوعي الاجتماعي.

 

حين تتحول التجربة إلى قانون اجتماعي ... المشكلة ليست دائمًا في الكلمات التي نتداولها، وإنما في قدرتها على البقاء داخل الوعي حتى تتحول من مجرد جملة قيلت في لحظة انفعال إلى قاعدة تحكم سلوك الإنسان. فالمثل الشعبي قد يولد من تجربة فردية، لكنه حين يتكرر على الألسن، وتتناقله الأجيال دون مساءلة، يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان، وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ لأن الإنسان لم يعد يناقش الفكرة، بل أصبح يعيش داخلها.

إن الإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير لما يمر به من نجاح وفشل، وحب وكراهية، ووفاء وخيانة، ولذلك قد يلجأ إلى اختصار التجربة في عبارة قصيرة تمنحه تفسيرًا جاهزًا. ولكن الاختصار حين يتحول إلى قاعدة مطلقة يصبح ظلمًا للحياة نفسها؛ فليس كل قريب عقربًا، وليس كل عشرة مصدرًا للبلى، وليس الانتصار في الحياة مرهونًا بإسقاط القلب والقيم والأخلاق.

وهنا تكمن فلسفة الموروث حين يفقد قدرته على أن يكون مادة للتأمل ويتحول إلى أداة لتوجيه السلوك. فالكلمة لا تصبح خطرة لأنها قيلت، وإنما تصبح خطرة عندما تتوقف العقول عن مساءلتها. وما أخطر أن يرث الإنسان أفكارًا لم يخترها، ثم يدافع عنها باعتبارها حقائق، وهو لم يسأل نفسه يومًا: من قالها؟ ولماذا قيلت؟ وهل كانت صالحة لزمنها فقط، أم تصلح لكل زمان؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تتحول التجارب الفاشلة إلى فلسفة حياة، وأن يصبح الفشل الشخصي نصيحة للآخرين، وأن تتحول الخيبة إلى قانون، والعزلة إلى حكمة، والقطيعة إلى ذكاء، والتخلي عن القيم إلى وسيلة للنجاح. عندها لا يعود الإنسان يتعامل مع الحياة كما هي، وإنما يتعامل معها وفق صورة مشوهة صنعتها تجارب الآخرين.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة الأمثال الشعبية أو رفض التراث بمجمله، وإنما بإعادة وضعه في مكانه الصحيح؛ فالتراث تجربة إنسانية قابلة للنقد والمراجعة، وليس نصًا مقدسًا فوق السؤال. وما كان مناسبًا لبيئة أو مرحلة تاريخية معينة قد لا يكون صالحًا لأن يتحول إلى قاعدة تحكم مجتمعًا كاملًا في زمن مختلف.

إن الشيطان، في المنظور الديني، لا يحتاج دائمًا إلى أن يدفع الإنسان نحو الخطأ بصورة مباشرة، فقد تكون الوسيلة الأكثر تأثيرًا هي أن يجعل الخطأ يبدو طبيعيًا، وأن يجعل القطيعة حكمة، والأنانية قوة، والعزلة راحة، والصراع أسلوب حياة، ثم يترك الإنسان يكرر هذه المفاهيم بنفسه حتى تصبح جزءًا من وعيه.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع المثل، وإنما مع (العقل الذي يستقبل المثل دون تفكير) . وليست المشكلة في الكلمة، وإنما في تحويل الكلمة إلى عقيدة اجتماعية لا تقبل النقاش. فالوعي الحقيقي لا يرفض كل ما ورثه، ولا يقبل كل ما ورثه، وإنما يقف أمامه ويسأل ويحلل ويميز بين الحكمة التي تستحق البقاء والفكرة التي آن أوان تجاوزها.

إن المجتمع الذي لا يراجع مفاهيمه القديمة قد يجد نفسه يعيش بأفكار انتهى زمانها، بينما المجتمع الذي يمتلك شجاعة النقد يستطيع أن يحافظ على جوهر قيمه، ويتخلص في الوقت نفسه من الأفكار التي أصبحت عبئًا على الإنسان.

فليست كل كلمة قديمة حكمة، وليست كل عبارة متداولة حقيقة، وليس كل ما ورثناه يستحق أن نورثه لأبنائنا. وبين الموروث الذي يبني الإنسان والموروث الذي يهدمه، يبقى (العقل الواعي هو الميزان).

 

الخلاصة ... ليست كل مقولة نتوارثها حكمة، وليست كل عبارة تتناقلها الألسن حقيقة، فبعض الكلمات قد تتحول بمرور الزمن إلى أدوات تهدم ما بنته القيم والأخلاق. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يسلّم عقله للموروث دون سؤال أو مراجعة؛ لأن الأفكار حين تتحول إلى مسلّمات تصبح أقوى من أصحابها، وحينها لا يحتاج الشيطان إلى أن يتكلم، يكفيه أن يجعلنا نتكلم بلسانه ونحن نظن أننا نتحدث من تجاربنا وحكمتنا.

مقال

  جدلية العلاقة التاريخية بين النعال والصرصر وآليات صناعة الثورة تحت عنوان هؤلاء هم بصورهم الحقيقية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح ا...