المشاهير
في التواصل الاجتماعي وظاهرة التسول
تحت
عنوان
سرطان
اجتماعي
بقلم
البارون الاخير / محمود صلاح الدين
الشهرة
والشهيرة ، وهناك من يخلط بين المصطلحين، فالأولى أن تعرّفك الناس بمهارة أو
موهبة، حتى قالت العرب عنه: «قد ضاع صيته بين الناس»، أما الثانية فهي ما دوماً
ترتبط بالسوء. وإذا ما أردت تعريف الظاهرة التي نشهدها اليوم، فهناك مقولة شعبية
تعبّر عنها: «مكدي يكدي من مكدي، والله يرحمك يا جدي»، وفي هذا دلالة وصفية لما هو
على أرض الواقع.
فالكثير
منهم، إذا ما قلنا جميعهم، حديثو نعمة، وعندما يكون هناك تحوّل اجتماعي يكون هناك
ما يسمى بالدهشة، ويقال عنه عند العامة: «مدهوش»، فيمضي بين الناس بتصرفات هي أقرب
للحماقة، فيسقط عنه جميع المعايير الأخلاقية، وإن ادعى غير ذلك، فهم لاعبون على
مشاعر الآخرين، فتراهم يتاجرون بكل شيء، بغض النظر عن الوازع القيمي.
فتراهم
يستقطبون ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الحاجة، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أنه
يتاجر بالله ذاته، من خلال ترديد بعض المصطلحات التي ما تقترن بالدين، وهنا تكمن
خطورة الموضوع؛ فالبشر الذي ليس له ثوابت أو قيم يعتبر أداة هدم اجتماعي.
التسول
الاجتماعي... لا أستطيع وصف ما يحدث بغير هذا المصطلح، من خلال ما نشهده من قضية
اللعب على قضية الطمع، من خلال ما يعرف بالمساعدات المزيفة والهدايا، وليس هذا
فحسب، فهناك آليات تدفع الكثير لسلوك غير أخلاقي لغرض الربح السريع، فتجد من يبحث
عن المشاهير لغرض استعطافهم لكسب تعاطفهم، وهذه جريمة بكل المقاييس، فبمرور الزمن
سوف يتحول هذا إلى ممارسة اجتماعية أساسها التسول.
التجارة
غير المشروعة... أموال ومشاريع وتمويل مجهول المصدر، وكل هذا يجب أن يبوّب بطريقة
أو بأخرى، ولهذا ترى بعضهم يصوّر نفسه أنه مع القانون والدولة، وهو المتحايل
عليهما، وآخرون مفلسون من قضايا مفيدة أو نافعة للمجتمع، فيذهبون إلى تجارة الجنس
من خلال استقطاب بعض الفتيات في إعلاناتهم، وهذه نوع جديد من السمسرة، إن كانوا لا
يعلمون، من خلال عرضهن كمادة قابلة للبيع.
وهذه
ليست أسوأ أنواع التجارة، ولكن هناك الأسوأ، وهو التجارة بالله ذاته، من خلال
المضي في دعم ممارسات دينية لا ينتمون لها من الأصل، فقط لكسب تعاطف شعبي، وتلك
أقذر تجارة قد تراها اليوم، أو ترديد أقوال لها علاقة بالدين، أو حتى يستخدمون
الحلفان لغرض الترويج الإعلاني.
الكرم
المشروط... كثيراً ما ترى اليوم العديد من المشاهير يقومون بمبادرات خيرية كما
يروّج لها اليوم، ولكن للحقيقة وجه آخر، فكلهن أفعال مدروسة، وكما يقال عند
العامة: «أولدرات»، من أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة التي يديرها الكثير من
المهرجين ممن يطلقون على أنفسهم مشاهير.
وهذا ما
يعزز أن القضية تخرج من طابع الكفالة الاجتماعية إلى استعباد المجتمع بحجة المال،
من خلال الاستعراضات الوهمية، ومن خلال ما يعرف بالبثوث، وهذا يعد تشويهاً ضمنياً
لمسألة تقديم العون، وقد وصل الحال بأحدهم إلى الاستخفاف والاستهانة بمعاناة
الآخرين، وربط المساعدة بدعم الداعمين، في هذا نوع من النفاق.
شروط
الشهير... والحقيقة، ولمن لا يعرف، أن أهم تلك الشروط أن يكون من الشخصيات
المغمورة التي تتمتع بالتفاهة، ويكون أيضاً لا يمتلك أي نوع من أنواع الوعي القيمي
الذي قد يمنعه من تنفيذ ما يُملى عليه، فلن ترى منهم كاتباً أو شاعراً أو فناناً.
ولهذا
تجمعهم صفة واحدة، وهي الحماقة، وهذا قد يكون الشرط الأساسي في القضية، وهنا
أستشهد بمقولة قلت لأحدهم عنها يوماً ما:
«أنا
وأنت نريد أن نصل للسماء، ولكن أنت تريد الصعود بصاروخ، إشارةً للسرعة، وأنا أريد
أن أبني برجاً عاجياً، لتكون نهايتنا مختلفة؛ فأنت سوف يكون سقوطك بذات السرعة
التي وصلت بها للقمة، ولكن أنا عند موتي سوف أترك ذلك البرج تتحدث الناس عنه فترة
بعد موتي».
عندها
قال لي: «لم أفهم»، فقلت له: «لو فهمت ما أقول، لكنت اليوم من أصحاب الحكمة على
هذه الأرض».
خطرهم
على المجتمع... يتركز خطرهم في ترسيخ أفكار الانحراف وتقديمها على أنها أسس
اجتماعية، ومع مرور الوقت تتحول إلى ثقافة، فهم الذين ينتشرون كمرض سرطاني في
المجتمع، فتراهم جميعاً ينتهجون من الانحلال سلوكاً حياتياً، ويصبحون أداة تسويقية
لكل ظاهرة قد تقوم بهدم المجتمع.
فالكل
اليوم يبحث عنهم فقط لكسب ما يمكن أن يخرج منهم، ولو عن طريق الإهانة التي تتمثل
بقضية التصوير. فهؤلاء يعيشون على فضح البشر وتقديم أنفسهم على أنهم أصحاب الخير،
والحقيقة أنهم دمى لا تملك لنفسها من الخير أو الشر شيئاً يُذكر.
فكلهم
اليوم باتوا شخصيات تدعم فكرة تتفيه المجتمع، ويبدو أنهم قد نجحوا في هذا، فأصبحوا
نجوم المجتمع اليوم.
حين يصبح
التسول ثقافة ... المشكلة
ليست في أن يعطي المشهور هدية، ولا في أن يقدم جائزة لمن يستحقها، فهذه في أصلها
أفعال يمكن أن تكون جميلة إذا بقيت في إطارها الطبيعي، ولكن المشكلة تبدأ عندما
تتحول الهدية إلى وسيلة لصناعة مجتمع ينتظر من المشهور أن يدفع، وأن يمنح، وأن
يوزع، وأن يحل مشاكل الناس، وكأن هؤلاء المشاهير أصبحوا خزائن عامة، وكل ما على
المواطن فعله هو أن يقف أمامها منتظراً دوره.
وهنا
تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأنك لا تصنع إنساناً منتجاً عندما تعوّده على أن يحصل على
المال دون مقابل، بل تصنع إنساناً ينتظر المال، ومع مرور الوقت يتحول الانتظار إلى
عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، والثقافة في النهاية تصبح مرضاً
اجتماعياً يصعب علاجه.
فاليوم
نرى من يتسابق على الظهور أمام المشهور، لا ليعرض إنجازاً، ولا ليقدم موهبة، ولا
ليقول كلمة تستحق أن يسمعها الناس، وإنما ليعرض حاجته، وكلما كانت الحاجة أكثر
إثارة للشفقة كانت فرصة الحصول على الهدية أكبر، وكأن المجتمع دخل في مزاد علني
عنوانه: من يستطيع أن يقنع المشهور بأنه الأكثر فقراً؟
وهنا
يتحول الإنسان من صاحب كرامة إلى صاحب قصة، ومن صاحب قصة إلى مادة للبث، ومن مادة
للبث إلى رقم في المشاهدات، ثم تأتي الهدية في نهاية المشهد وكأنها الحل، بينما
الحقيقة أنها ليست حلاً، وإنما جرعة مؤقتة من المال تخفي مرضاً أكبر اسمه (إدمان
العطاء السهل).
والأخطر
من ذلك أن المشهور نفسه يبدأ بتربية جمهور لا يعرفه إلا من خلال ما يمنحه؛ فإذا
توقف عن الهدايا انفضّ عنه كثير ممن كانوا يصفقون له، وإذا أعلن عن جائزة ظهر
الآلاف، وإذا قال سأساعد عشرة أشخاص أصبح الملايين يتمنون أن يكونوا أحدهم، وهنا
لم يعد المشهور يصنع محتوى، بل أصبح يصنع طوابير من المنتظرين.
وهذه
الطوابير هي أخطر ما يمكن أن تنتجه ظاهرة الشهرة؛ لأن المجتمع الذي ينتظر الجائزة
أكثر مما ينتظر فرصة العمل، وينتظر الهدية أكثر مما ينتظر نتيجة جهده، سوف يصل في
يوم من الأيام إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: **ماذا سوف يعطيني؟** بدلاً من السؤال:
(ماذا أستطيع أن أقدم؟)
وهنا
يبدأ سقوط قيمة العمل، لأن العمل يحتاج إلى صبر، والموهبة تحتاج إلى سنوات، والعلم
يحتاج إلى تعب، أما الهدية فلا تحتاج إلا إلى قصة مؤثرة، ووجه أمام الكاميرا،
ومشهور يمتلك المال والرغبة في الظهور.
ولذلك
فإن بعض ما يسمى اليوم مبادرات إنسانية قد تكون، من حيث لا يشعر أصحابها، مشاركة
في صناعة مجتمع متسول؛ مجتمع يتعلم أن أبواب الشهرة أقصر من أبواب العمل، وأن
الكاميرا أسرع من الشهادة، وأن دمعة أمام العدسة قد تكون أكثر ربحاً من سنوات
قضيتها في الدراسة أو العمل.
وهنا لا
تعود القضية قضية مشهور يمنح هدية لشخص محتاج، وإنما تصبح قضية (إعادة صياغة مفهوم
الحاجة نفسه) ؛ فالحاجة التي كانت في الماضي تدفع الإنسان إلى البحث عن العمل
أصبحت اليوم تدفعه إلى البحث عن مشهور، والفقير الذي كان يخجل من مد يده أصبح
اليوم يمدها أمام ملايين المتابعين دون خجل، لأن المجتمع نفسه بدأ يمنحه التصفيق
بدلاً من أن يمنحه فرصة لاستعادة قدرته على الوقوف.
وهذه هي
النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً؛ فليس كل من أعطى محسناً، وليس كل من أخذ
محتاجاً، وليس كل ما يحدث أمام الكاميرا عملاً إنسانياً.
فأحياناً
تكون الهدية (رشوة اجتماعية مغلفة بالإنسانية) ، وأحياناً يكون التصوير إهانة
للفقير أكثر من كونه مساعدة له، لأن الإنسان قد يحتاج إلى المال، لكنه لا يحتاج أن
تتحول حاجته إلى فرجة يتسلّى بها الآخرون.
وإذا
استمر هذا النهج، فسوف يأتي يوم لا يسأل فيه الناس عن المشهور ماذا قدم للمجتمع من
علم أو ثقافة أو إبداع، وإنما يسألونه سؤالاً واحداً: (ماذا
ستوزع اليوم؟)
وعندها
نكون قد نجحنا في تحويل الشهرة من قيمة إلى خزينة، والمشهور من شخصية عامة إلى
ماكينة توزيع، والمواطن من إنسان يبحث عن فرصة إلى يد تنتظر أن تمتد إليها هدية.
وهنا
تحديداً يصبح التسول ليس عيباً يمارسه بعض الأفراد، بل (ثقافة يتعلمها جيل كامل
ويعتبرها حقاً مكتسباً)
الخلاصة
... لا تكمن خطورة المشاهير في أنهم يوزعون الهدايا والجوائز، وإنما في أنهم بدأوا
ــ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ــ بصناعة إنسان ينتظر أن يُعطى، أكثر مما يسعى إلى
أن يُنتج، ويبحث عن يدٍ تمتد إليه، أكثر مما يبحث عن طريقٍ يقف فيه على قدميه.
فحين
تصبح الحاجة وسيلة للظهور، والفقر مادة للمشاهدة، والهدية جائزة على الاستعطاف،
تتحول الإنسانية إلى عرضٍ جماهيري، ويتحول المجتمع شيئاً فشيئاً من مجتمع يعمل
ليعيش إلى مجتمع ينتظر ليأخذ.
وهنا
يكون الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمع لا يموت عندما يفتقر إلى المال، وإنما يموت عندما
يفتقر إلى قيمة العمل، وكرامة الإنسان، وشعوره بأنه قادر على صناعة حياته بيده.
فالمشهور
الذي يشتري المشاهدات بالهدايا لا يصنع مجتمعاً سعيداً، وإنما يصنع جمهوراً جائعاً
إلى المزيد، والمواطن الذي يعتاد طرق أبواب المشاهير سوف يأتي عليه يوم لا يعرف
فيه كيف يطرق باب العمل.
وعندما
تصبح الشهرة خزينة، والهدايا راتباً، والجوائز حقاً، والتسول مهنة، والكرامة شيئاً
قابلاً للتصوير والنشر، فهنا لا تعود المشكلة في المشاهير وحدهم، بل في مجتمع سمح
لهم بأن يصبحوا مصنعاً لإنتاج الاتكالية.
ولذلك
فإن أخطر سرطان اجتماعي ليس أن يكون لدينا مشاهير بلا قيمة، وإنما أن يتحول هؤلاء
إلى قدوة، وأن يصبح ما يفعلونه نموذجاً يحتذى، حتى يستيقظ المجتمع ذات يوم ليكتشف
أنه لم يعد يبحث عن من يعلمه كيف يعمل، بل عن من يعلمه كيف يطلب.
وعندها
ستكون الكارثة قد اكتملت...
فالمجتمع
الذي يعتاد أن يعيش على الهدايا، يفقد مع الوقت القدرة على صناعة مستقبله؛ لأن
اليد التي اعتادت أن تُعطى، قد تنسى كيف تصنع.



