جدلية
العلاقة التاريخية بين النعال والصرصر وآليات صناعة الثورة
تحت
عنوان
هؤلاء هم
بصورهم الحقيقية
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
من مقولة
«لكل مقام مقال» ننطلق في اختيار كل ما يناسب من يكون هدفًا لمقالنا هذا أو غيره،
ولهذا يجب أن يكون الوصف مقاربًا للواقع؛ فالكلمات ليست مجرد حروف نضعها في جمل،
وإنما هي وسيلة للتعبير عن حقيقة قد يعجز البعض عن مواجهتها بأسمائها الصريحة.
وعندما يصبح الواقع مشوهًا إلى درجة تفقد فيها المصطلحات قدرتها على وصفه، يصبح من
حق الكاتب أن يبحث عن صورة مجازية تقرّب المعنى إلى القارئ، وتجعله يرى ما اعتاد
النظر إليه دون أن ينتبه إلى حقيقته. فالكاتب ليس مطالبًا بأن يجمّل القبيح كي
يرضى عنه أصحابه، ولا أن يمنح الفاسد لقبًا لا يستحقه خوفًا من ردة فعله؛ لأن قيمة
الكلمة تكمن في قدرتها على كشف الحقيقة، لا في قدرتها على إرضاء من يحاولون
إخفاءها.
بالأمس
القريب، كتبنا موضوعًا عن السيرة الذاتية للنعال، وبعدها كان لنا موضوع عن الصرصر،
واليوم سوف نكتب عن جدلية العلاقة التاريخية بينهما وصناعة الثورة. ولعل القارئ
يتساءل عن سر هذا الربط الغريب بين كائن صغير وأداة بسيطة وبين مفهوم كبير اسمه
الثورة، ولكن المفارقات التي تصنعها الحياة تجعلنا أحيانًا نعيد النظر في الأشياء
من زوايا مختلفة؛ فما يبدو صغيرًا في حجمه قد يكون كبيرًا في دلالته، وما يبدو
بسيطًا في شكله قد يحمل من المعاني ما تعجز عن حمله الخطب الطويلة والشعارات
الرنانة. فالتاريخ لا يُقرأ دائمًا من خلال أسماء الحكام وعدد الجيوش وحجم القصور،
بل يمكن أن يُقرأ أيضًا من خلال تلك اللحظة التي يفقد فيها الحاكم هيبته في عيون
الناس، ويتحول فيها ما كان يخشاه المواطن إلى شيء لم يعد قادرًا على فرض الخوف
عليه. وهنا تبدأ الحكاية، لا من حجم النعال ولا من طبيعة الصرصر، وإنما من العلاقة
التي تنشأ بين الفساد والصبر الشعبي وحدود الاحتمال.
وللعودة
بالذاكرة إلى ما تناولناه سابقًا، فهناك نقطة يجتمع عندها المصطلحان، وهي القذارة،
أجلكم الله. ومن هنا ستكون النقطة التي ننطلق منها لفهم علاقتهما بآليات صناعة
الثورة. فالقذارة في هذا السياق ليست مجرد وصف مادي، وإنما هي صورة رمزية لكل ما
يتراكم في المجتمع من فساد وانحطاط في القيم وتجاوز على حقوق الآخرين. وحين تصبح
القذارة حالة عامة، لا يعود الخلل مقتصرًا على شخص أو مؤسسة، بل يتحول إلى منظومة
تحاول حماية نفسها من كل محاولة للتغيير. والمشكلة أن بعض المجتمعات قد تعتاد
المشهد إلى درجة يصبح فيها الفساد مألوفًا، ويُنظر إلى النزاهة باعتبارها استثناءً
غريبًا، وإلى صاحب المبدأ باعتباره شخصًا لا يفهم طبيعة الحياة. وعند هذه النقطة،
لا تكون الخطورة في وجود الفاسدين وحدهم، بل في قدرتهم على جعل المجتمع يتعايش مع
فسادهم، حتى يصبح الاعتراض عليهم فعلًا غير مألوف، وكأن النظافة هي التي تحتاج إلى
تبرير، لا القذارة.
الصرصر
حاكمًا... تخيل للحظة أن يحكم عالمك مجموعة من الصراصر، فمن المؤكد أن يكون عالمك
مليئًا بالقذارة المتمثلة بالفساد. وهناك مقولة من التراث الشعبي مفادها: «إن
الصرصر لا يمكنه العيش في حديقة مليئة بالزهر والرياحين، ولكن لو أخذته إلى
المرحاض فسوف ينتعش». وهذه من البديهيات في الحياة، ولهذا لا ترى مكانًا للفاسدين
في بيئة سليمة؛ لأنها ليست بيئتهم.
وإذا
أسقطنا هذه الصورة على واقع بعض المجتمعات، فسوف نجد أن المشكلة لا تكمن في وجود
الصرصر وحده، وإنما في البيئة التي تسمح له بالتكاثر والانتشار. فالفاسد الذي يجد
أمامه مؤسسات تحاسبه، وقانونًا لا يميّز بين صاحب المنصب والمواطن البسيط،
ومجتمعًا لا يبيع مواقفه مقابل منفعة عابرة، سوف يجد نفسه أمام حدود لا يستطيع
تجاوزها بسهولة. أما حين تتحول المناصب إلى امتيازات شخصية، وتصبح العلاقات بديلًا
عن الكفاءة، ويُعامل المال العام وكأنه ملك خاص لمن يجلس على كرسي المسؤولية،
فإننا لا نكون أمام حالة فساد فردية، بل أمام بيئة تساعد على إنتاج الفساد وإعادة
إنتاجه.
والأكثر
غرابة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالعيش في تلك البيئة، بل يحاولون إقناع الآخرين بأن
ما يفعلونه هو طبيعة الحياة، وأن النزاهة مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وأن من لا
يستغل موقعه لمصلحته الشخصية إنما يضيّع فرصة من فرص العمر. وهنا تنقلب المعايير،
فيصبح الشريف موضع استغراب، ويصبح الفاسد صاحب خبرة، ويُمنح المتملق صفة الحكمة،
بينما يُتهم صاحب الرأي بأنه لا يعرف كيف يتعامل مع الواقع. وعندما تصل الأمور إلى
هذا الحد، لا تعود المسألة مرتبطة بصرصر واحد، وإنما تصبح قضية مجتمع يحتاج إلى
استعادة معاييره قبل أن يبحث عن تغيير وجوهه.
النعال
قوة ردع شعبية... وهنا يكون من الطبيعي، مع وجود تلك الحشرات، أن تكون لها بعض
الحلول، وفي هذه المسألة يكون هناك حل واحد لا غير، وهو «النعال»؛ لأنه بمثابة آخر
الحلول لقضايا مستعصية قد تصيب مجتمعًا معينًا. ففي بعض الأحيان، قد تجد نفسك في
مفترق الطرق إزاء مسألة معينة، تتطلب انتهاج مبدأ مخل بالذوق العام من ناحية
الفطرة الإنسانية.
ولكن
دعونا نتوقف قليلًا عند هذه الأداة البسيطة التي لا تمنح صاحبها منصبًا، ولا تحتاج
إلى شهادة، ولا تتطلب اجتماعًا رسميًا لاتخاذ قرار استخدامها في الصورة المجازية
التي نتحدث عنها. فالنعال هنا ليس مجرد أداة، وإنما هو تعبير عن وصول الأمور إلى
مرحلة لا تنفع معها المجاملات، ولا تستطيع الكلمات الناعمة أن تخفي قبح المشهد.
إنه رمز للحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن كرامته قد أصبحت موضع استهانة، وأن صبره
الذي اعتاد الآخرون تفسيره على أنه ضعف، لم يعد كافيًا لتبرير استمرار التجاوزات.
غير أن
الردع الحقيقي لا يُقاس بقوة الضربة، وإنما بقدرة المجتمع على منع تكرار الخطأ.
فقد يُسقط الناس شخصًا من موقعه، ولكنهم إذا أبقوا الأبواب التي سمحت له بالفساد
مفتوحة، فسوف يجدون أنفسهم أمام نسخة أخرى لا تختلف عنه إلا في الاسم والصورة.
ولهذا فإن النعال في معادلتنا ليس نهاية الحكاية، بل هو بداية السؤال الأهم: هل
يريد المجتمع التخلص من شخص أساء استخدام السلطة، أم يريد التخلص من المنهج الذي
جعل إساءة استخدام السلطة ممكنة أصلًا؟ فالفارق كبير بين غضبة تنتهي بتغيير
الوجوه، ووعي يستطيع أن يفرض قواعد تمنع إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
آليات
صناعة الثورة... قد يسأل أحدكم: ما الذي يربط الثورة وآلياتها بدورة حياة الصرصر
والنعال من ناحية الشكل والمضمون؟ ولكن ما لا يعرفه البعض هو أن الثورات في العصر
الحديث، ومن بينها الثورة الفرنسية، تمثل محطات تاريخية ارتبطت باعتراض الشعوب على
أنظمة سياسية واجتماعية لم تعد قادرة على تلبية مطالبها. وفي استعارتنا الساخرة،
يمكن تشبيه لحظة الانفجار الشعبي بضربة نعال تُوجَّه إلى الصراصر التي ملأت الأرض
بالفساد الإداري والمالي. عندها تصبح الثورة، في نظر من وصلوا إلى أقصى درجات
الإنهاك، آخر الحلول التي يتصورونها للتخلص من نظام فقدوا الثقة بقدرته على
الإصلاح.
لكن
صناعة الثورة ليست مسألة غضب مفاجئ كما يتصور البعض، وليست مجرد حكاية تبدأ بصرخة
وتنتهي بسقوط حاكم. فالغضب قد يكون موجودًا منذ سنوات، والشكوى قد تتكرر في
المجالس والبيوت، والرفض قد يتراكم في النفوس دون أن يجد طريقه إلى الفعل العام.
وما يحوّل هذا الغضب إلى حركة تغيير هو اجتماع عوامل متعددة، منها اتساع الشعور
بالظلم، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وتراجع الأمل في الإصلاح، وظهور مطالب مشتركة
تتجاوز المصالح الفردية. وحين يدرك الناس أن مشكلاتهم ليست حوادث منفصلة، وإنما
نتائج لخلل واحد تتكرر آثاره في حياتهم، يبدأ الوعي بالتحول من الشكوى الفردية إلى
السؤال الجماعي عن أسباب المشكلة وطرق معالجتها.
ولنا في
التاريخ شواهد كثيرة على أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حين تقترن بأزمة ثقة
بين السلطة والمجتمع، قد تتحول إلى منعطفات كبرى. والثورة الفرنسية مثال تاريخي
على تداخل عوامل متعددة، من بينها التفاوت الاجتماعي والأزمة المالية والصراع حول
الامتيازات والتمثيل السياسي. ولهذا فإن اختزال الثورات في ضربة واحدة، مهما كانت
قوة الصورة الساخرة، لا يكشف جميع جوانبها؛ فالضربة التي يراها الناس في لحظة
الانفجار سبقتها في العادة سنوات من التراكمات التي لم تجد حلولًا مقنعة.
وهنا
تكمن المفارقة التي نريد الوصول إليها: النظام الذي يظن أن الناس مجرد أرقام في
سجلاته، وأن صمتهم دليل على رضاهم، قد يكتشف متأخرًا أن المجتمع كان يحمل في داخله
أسئلة مؤجلة ومطالب لم تختفِ بمجرد تجاهلها. فالسكوت لا يعني دائمًا القبول،
والصبر لا يعني التنازل عن الحقوق، والخوف لا يصنع شرعية دائمة. ومع ذلك، فإن سقوط
النظام لا يضمن وحده قيام نظام عادل؛ لأن التغيير الحقيقي لا يكتمل بإزاحة من
أخطأ، بل ببناء مؤسسات تحاسب المسؤول، وتحمي الحقوق، وتمنع عودة الاستبداد بأسماء
وشعارات جديدة.
المشهد
العام... انظر حولك وأمعن النظر، وسوف ترى الكثير ممن ينتهجون منهج الصراصر في
الحياة العامة؛ فالذي يسرق المال العام، والذي يغامر بمقدرات العامة بسياسة غبية
تهدد لقمة عيش المواطن البسيط، والذي يجعل نفسه الخيار الوحيد أمام الرأي العام،
والذي يجعل من السلاح منهجًا حياتيًا، والذي يُمعن في قمع الفكر والرأي، والذي
يسعى دومًا إلى إسقاط القيم، مثل الوطن، ويستبدلها بقضايا عقائدية بالية، ويجعل
منها قاعدة لبناء منهج في إدارة الدولة، يكون صرصرًا بالمعنى الحقيقي.
وإذا
أردنا أن نتوسع في قراءة هذا المشهد، فعلينا أن ندرك أن الفساد لا يقتصر على سرقة
المال، على الرغم من أن سرقة المال العام واحدة من أكثر صوره وضوحًا وخطورة. فهناك
من يسرق حق المواطن في الفرصة، ومن يسرق حقه في التعبير، ومن يسرق عمره في طوابير
الانتظار، ومن يسرق ثقته بالمستقبل حتى يصبح عاجزًا عن تصديق أي وعد جديد. وهناك
من يتعامل مع الدولة باعتبارها ملكية شخصية، ومع المنصب باعتباره غنيمة، ومع
المواطنين باعتبارهم جمهورًا مطلوبًا منه التصفيق لا المحاسبة.
والأخطر
من ذلك أن بعض أصحاب النفوذ لا يريدون من المواطن أن يكون شريكًا في بناء الدولة،
بل يريدونه تابعًا ينتظر منه المنّة، ويصفق له عند الإنجاز، ويصمت عن الإخفاق.
فإذا طالب المواطن بحقه، قيل له إنه لا يعرف الظروف، وإذا انتقد المسؤول، اتُّهم
بأنه يسيء إلى الدولة، وإذا طالب بالمحاسبة، عُدّ كلامه خروجًا عن المألوف. وهنا
تختلط الدولة بأشخاصها، وتختلط المؤسسات بمصالح من يديرونها، حتى يصبح نقد المسؤول
في نظر البعض نقدًا للوطن نفسه، مع أن الوطن أكبر من أي مسؤول، وأبقى من أي حكومة،
وأغلى من أن يُختصر في صورة شخص أو جماعة.
أما حين
يصبح السلاح وسيلة لفرض الرأي، ويُحاصر الفكر المختلف، وتُستبدل المواطنة بمعايير
ضيقة تجعل بعض الناس أقرب إلى الحقوق من غيرهم، فإن المجتمع يكون أمام أزمة تتجاوز
الإدارة والسياسة إلى طبيعة العلاقة بين أفراده. فالوطن لا يُبنى بإلغاء الاختلاف،
ولا تُصان وحدته بإسكات الأصوات، ولا تُحمى قيمه بتحويلها إلى شعارات تُستخدم عند
الحاجة ثم تُهمل عندما تتعارض مع المصالح. إن قوة الدولة لا تأتي من قدرتها على
إسكات الناس، وإنما من قدرتها على إدارة اختلافاتهم في إطار القانون والحقوق
المتساوية.
وهنا
يوجب أن يكون للنعال دور في الإطاحة بحكم تلك الحشرة وتوابعها التي باتت تسند
حكمهم العفن، والتي لا حياة لها إلا وسط القذارة. والمقصود بهذه الصورة الساخرة هو
رفض استمرار الفساد ورفض منحه حصانة دائمة، فالمجتمع الذي يكتشف أن صوته لا يُسمع
إلا عندما يتحرك للمطالبة بحقوقه، يحتاج إلى وسائل واعية ومنظمة لاستعادة دوره في
الرقابة والمحاسبة. فالتغيير لا ينبغي أن يتحول إلى استبدال قوة متسلطة بقوة أخرى،
ولا إلى غضبة عابرة تفتح الباب أمام فوضى جديدة، بل يجب أن يكون انتقالًا نحو
قانون يحمي الجميع، ومؤسسات لا تخضع لمزاج الأفراد، ومحاسبة لا تتوقف عند حدود
الضعفاء.
وهذا لا
يعني أن الذي سوف يسقطهم سيكون بالضرورة خيرًا منهم، ولنا تجربة في هذا؛ فكلهم سوف
يكونون مساحة تمتد في فكرة ما بين الصرصر والنعال. فقد يرفع القادمون شعارات
الإصلاح، ويتحدثون عن العدالة والحقوق، ثم يكتشف الناس بعد مدة أن المشكلة لم تكن
في الأشخاص وحدهم، بل في غياب الضوابط التي تمنعهم من تكرار أخطاء من سبقوهم. وقد
تتغير الأسماء والصور والألقاب، بينما تبقى الممارسات كما هي، ويظل المواطن يدفع
الثمن ذاته، وإن اختلفت الكلمات التي تُقدَّم له لتبريرها.
ومن هنا،
فإن الوعي الشعبي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: مَن الذي يجب أن يرحل؟ بل عليه أن
يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي يجب أن يتغير حتى لا يعود المشهد نفسه؟
فالثورة التي لا تحمل تصورًا واضحًا للعدالة والمحاسبة وحماية الحقوق قد تفتح
أبوابًا لا يعرف المجتمع كيف يغلقها، أما التغيير الذي يستند إلى وعي ومؤسسات
وقواعد قانونية، فيمنح المجتمع فرصة لبناء واقع مختلف، بدل الدوران في حلقة تبدأ
بالرفض وتنتهي بخيبة جديدة.
حتمية
ثورة النعل على الصراصر... في الحياة، كثيرًا ما يصل الأمر إلى درجة لا يمكن
السكوت عنها، ولهذا تصبح آليات الثورة ضرورة لا بد منها عندما تُغلق أبواب الإصلاح
وتستمر الانتهاكات ويشعر الناس بأن حقوقهم لم تعد تجد من يحميها. وبما أن لكل مقام
مقالًا، فمن الطبيعي أن تتسم الثورة بالنعل على الصراصر الحاكمة في صورتنا
المجازية؛ فمن غير المعقول أن تُحدّث غير العاقل بما يعقل. ولهذا، عندما يُكتب
عنهم وعن منهجيتهم، يجب أن تختار الوصف الصحيح لهم، وليس في هذا ما يعيب النصوص
النقدية التي ترصد القضايا المشينة في حكم الصراصر.
ولكن
حتمية التغيير لا تعني أن كل انفجار شعبي يؤدي بالضرورة إلى نتيجة عادلة، ولا أن
كل من يرفع شعار الثورة يمتلك مشروعًا قادرًا على بناء الدولة. فالتاريخ يعلّمنا
أن المجتمعات قد تنجح في التخلص من واقع ترفضه، ثم تواجه صعوبة في الاتفاق على
البديل الذي تريده. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق لحظة الغضب، أو يرافقها،
هو: ماذا نريد بعد التغيير؟ وهل نمتلك من الوعي والمؤسسات والضمانات ما يمنع عودة
الأخطاء نفسها؟ لأن إسقاط الأشخاص قد يكون حدثًا سريعًا، أما بناء دولة عادلة فهو
عمل طويل يحتاج إلى ثقافة عامة تؤمن بأن القانون فوق الجميع، وأن المسؤولية تكليف
وليست امتيازًا، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس تابعًا لأحد.
إن أخطر
ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول رفضه للظلم إلى رغبة في الانتقام، وأن
يستبدل معيار العدالة بمعيار التشفي، فيصبح هدفه رؤية خصمه يسقط، دون أن يسأل عن
مصير الحقوق التي ضاعت، أو عن الضمانات التي تمنع تكرار التجربة. فالمجتمع الذي
يريد أن يتخلص من الصراصر لا ينبغي أن يسمح للنعال بأن يتحول إلى حاكم جديد، لأن
الأداة التي تُستخدم في استعارتنا لمواجهة القذارة لا تصلح وحدها لبناء حديقة
نظيفة. وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها: ليس كل من أسقط فاسدًا قادرًا
على بناء مجتمع صالح، وليس كل من رفع شعار التغيير مؤهلًا لحماية نتائجه.
الخلاصة
... التي نريد الوصول إليها أن الصرصر والنعال ليسا مجرد مفردتين في مقال ساخر، بل
صورتان لعلاقة متوترة بين الفساد ورد الفعل عليه؛ الأولى تمثل، في سياقنا المجازي،
سلوكًا يقتات على البيئة الفاسدة، والثانية تمثل رد الفعل الذي يظهر عندما يصل
المجتمع إلى حدود احتماله. لكن بين الصورتين مساحة واسعة يجب ألا نهملها، وهي
مساحة الوعي الذي يحدد شكل التغيير ونتائجه. فالمجتمع الذي يكتفي بالغضب قد يغيّر
الوجوه، أما المجتمع الذي يفهم أسباب الخلل فيستطيع أن يعمل على تغيير القواعد
التي سمحت به.
ولهذا،
فإننا حين نكتب عن الصراصر، لا نكتب عن حشرات في عالم الطبيعة، بل عن سلوكيات
نرفضها في عالم البشر، وحين نستحضر النعال، فإننا نستخدم صورة ساخرة للتعبير عن
رفض الخضوع الدائم للفساد. فالكاتب الذي يحترم كلمته لا يحتاج إلى تجميل القبيح،
ولا إلى منح الفساد أسماء براقة، ولكنه يحتاج أيضًا إلى أن يجعل من نقده بابًا
للتفكير، لا مجرد صرخة تضيع في ضجيج الحياة.
وفي النهاية،
تبقى القاعدة التي ننطلق منها حاضرة: لكل مقام مقال، ولكل واقع وصف يقترب من
حقيقته، ولكل مجتمع الحق في أن يرفض الفساد ويطالب بالمحاسبة. أما الانتصار
الحقيقي، فلا يكون بمجرد سقوط الصرصر، وإنما في اليوم الذي لا يجد فيه صرصر آخر
البيئة المناسبة للعيش والتكاثر، ولا يجد فيه الفاسد بابًا مفتوحًا يعود منه إلى
الموقع الذي أُخرج منه، لأن المجتمع يكون قد تعلّم كيف يحمي نفسه بالقانون والوعي
والمحاسبة، لا بالغضب وحده.




