بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 17 مارس 2026

مقال

 

الرد على مقال الأستاذ صباح سليم

تحت عنوان

صناعة الوعي المسرحي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كتب الصحفي صباح سليم مقالًا بعنوان (المسرحيون الشباب في الموصل.. يبتكرون ويعملون من أجل ازدهار المسرح في مدينتهم)، تناول فيه تجربة مجموعة من شباب مدينة الموصل فيما يُعرف بمسرح الشارع.

وهنا لا بدّ من تعريف هذا المصطلح ابتداءً ان مسرح الشارع هو شكلٌ من أشكال الفن المسرحي يُقدَّم في الفضاءات العامة المفتوحة، مثل الشوارع والساحات والحدائق والأسواق، بدلًا من المسارح التقليدية المغلقة. وهو فن يعتمد بشكل رئيسي على التفاعل المباشر مع الجمهور، الذي يكون غالبًا جزءًا من العرض، حيث تُطرح فيه موضوعات اجتماعية وسياسية ضمن إطار فكري يتناسب مع ما يُعرف بالوعي المسرحي لدى المتلقي، وهذا هو جوهر الموضوع الذي نحن بصدده.

لسنا هنا بصدد توجيه سهام نقدية لما كتبه الأستاذ صباح، لكن يبدو أنه قد فاته أن مثل هذه التجارب ينبغي أن يكون لها متلقٍ يمتلك نوعًا خاصًا من الوعي العام؛ وإلا تحوّلت تلك التجارب إلى نوع من العبثية التي تعبّر عن واقعٍ ثقافي مزرٍ. فالمدينة، وللأسف، لا تمتلك مسرحًا تقليديًا يُمهّد لظهور هذا النوع من العروض، وهو ما قد يثير استهجان الكثيرين، كما يظهر بين سطور هذا المقال.

أما عن صناعة الوعي، فهي غالبًا ما تبدأ مما يُعرف بالنشاط المدرسي في مراحل التعليم الابتدائي، من خلال تشكيل فرق مسرحية بإشراف تربوي متخصص، لا من قبل كوادر تدريسية بعيدة عن قضايا الفن. فذلك من شأنه أن يُسهم في خلق وعيٍ في العقل الباطن لتقبّل هذا الفن، ولو بعد حين. ويُضاف إلى ذلك سعيُ المجاميع الفنية والثقافية إلى بناء مسارح تقليدية تحتضن، في مراحلها الأولى، عروضًا مسرحية عالمية، قبل طرح التجارب المحلية، مع الاعتماد على النتاج التأليفي لأقلام المدينة، وإطلاق حملات توعية بأهمية المسرح في بناء المجتمعات. وهذا كله من شأنه أن يكون داعمًا رئيسيًا لهذه التجربة أو غيرها. وهذه الكلمات لا تأتي من باب كسر المعنويات لدى أصحاب التجربة.

أما موطن الخطأ لدى الكاتب، فيكمن في تركيزه على تجارب لا تمتلك قاعدة جماهيرية لهذا النوع من العمل، إذ تجاهل أهم عنصر في الموضوع، وهو الجمهور ووعيه في تقبّل هذا الفن. كما أن التركيز على وجود تجارب بحد ذاته لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها وعيًا ثقافيًا كافيًا، مما قد يخلق فجوة بين العمل والمتلقي. وكان الأجدر بالكاتب أن يركّز على آليات تهيئة المجتمع والمدينة لتقبّل هذا النوع من العروض.

وهناك جانب آخر لم يتم التطرق إليه، وهو أن مسرح الشارع لا يُقاس فقط بجرأة الطرح أو الحضور في المكان العام، بل بقدرته على خلق صدمة فكرية منظمة لا فوضوية، صدمة تُحرّك وعي المتلقي لا أن تُربكه أو تدفعه للنفور. فليس كل طرح مباشر يُعدّ وعيًا، وليس كل تفاعل دليلًا على الفهم، بل قد يكون في كثير من الأحيان مجرد رد فعل لحظي سرعان ما يتلاشى دون أثر.

كما أن الاعتماد على الحماس الشبابي وحده، دون وجود مرجعية فكرية أو إخراجية واضحة، قد يُحوّل التجربة إلى مجرد فعل عابر، يستهلك طاقة المشاركين دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في بنية الوعي العام. فالفن، في جوهره، ليس حالة انفعال مؤقت، بل مشروع تراكمي يحتاج إلى تنظيم واستمرارية ورؤية.

ومن النقاط التي غابت أيضًا، أن الفضاء العام في مدننا ليس مهيأً دائمًا لتقبّل هذا النوع من الفنون، سواء من ناحية الوعي المجتمعي أو من ناحية البنية الأمنية والثقافية، مما يجعل أي تجربة غير محسوبة عرضة للتأويل أو الرفض، وربما حتى التشويه. وهنا لا بد من قراءة طبيعة المجتمع قبل فرض أي شكل فني عليه، لأن الفن الذي لا يراعي بيئته يتحول إلى جسم غريب مرفوض.

ثم إن غياب الدعم المؤسسي الحقيقي للفن المسرحي، سواء من الجهات الثقافية أو التعليمية، يضعف من استمرارية هذه التجارب، ويجعلها رهينة الاجتهادات الفردية التي سرعان ما تنطفئ. فبناء حركة مسرحية لا يقوم على مبادرات معزولة، بل على منظومة متكاملة تبدأ من التعليم وتنتهي بالإنتاج والترويج.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن اختزال “الوعي المسرحي” في مجرد تقديم عرض في الشارع هو تبسيط مخلّ بالمفهوم، لأن الوعي الحقيقي يبدأ من النص، ويمر بالإخراج، ويكتمل بالمتلقي. وأي خلل في هذا الثلاثي يُفقد التجربة قيمتها، مهما بدت في ظاهرها جريئة أو مختلفة.

 

الخلاصة ... لا يمكن أن نُجمّل واقعًا مرتبكًا تحت لافتة “التجريب” ولا أن نُمرّر محاولات غير ناضجة على أنها إنجازات تُحسب للوعي المسرحي. فالحقيقة المؤلمة أن ما يُبنى على أرضٍ غير مهيأة، ووعيٍ لم يُصنع بعد، لن يكون إلا بناءً هشًا، سرعان ما ينهار عند أول مواجهة حقيقية مع الجمهور.

إن المشكلة لا تكمن في التجربة بحد ذاتها، بل في الوهم الذي يُسوّق لها على أنها خطوة متقدمة، بينما هي في حقيقتها قفزٌ فوق المراحل، وتجاوزٌ لأساس لم يُبنَ أصلًا. فالفن الذي لا يجد من يفهمه، ولا بيئة تحتضنه، يتحول من رسالة إلى عبء، ومن فعل ثقافي إلى مشهد عابر لا يترك سوى الضجيج.

وما لم ندرك أن صناعة الوعي تسبق استعراضه، وأن بناء الجمهور أهم من استعراض العمل أمامه، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نُنتج عروضًا بلا أثر، ونكتب عنها وكأنها منجز، بينما الحقيقة الصادمة أنها ليست سوى انعكاسٍ لفجوةٍ أكبر… فجوة بين ما نعتقد أننا نصنعه، وما هو موجود فعليًا على أرض الواقع.

الاثنين، 16 مارس 2026

مقال

 

 الحب مقابل المال

تحت عنوان

الوجه الآخر للحقيقة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في كل مرةٍ أرهن نفسي على أن ما أراه وأسمع به غير حقيقي، ولكن النهاية تكون في خذلاني وعودتي إلى نقطة بداية السطر. وقد يرى الكثير في هذه الكلمات أنها تخصه، وهذا بسبب أن جميع البشر اليوم يدركون هذه الحقيقة.

والحكاية تبدأ منذ زمن بعيد، من خلال إشباع العقل الباطن بمفاهيم تتوزع ما بين أمثال شعبية وتصرفات فردية، وهنا يكون المثل الشعبي: (الغني يغنّوا له والفقير يطمّوا له)، وفي هذا ترسيخٌ للمبدأ المادي في كل شيء من مفاصل الحياة، حتى أصبح قاعدة جماهيرية تستند عليها جميع العلاقات البشرية.

 

الأسرة والتربية... الكثير اليوم من الرجال والنساء لا يدركون أهمية هذه المسألة في حياة الإنسان منذ قديم الأزل. فلم تعد هناك أدوار ثابتة متعارف عليها في مساحة البيت كما كان في السابق. فرأس الهرم، الأب، غارق في متطلبات الحياة اليومية، ولا يعرف ما قد يكون من قضايا تخص العائلة. أما المرأة فهي المتضرر الأول والأخير في هذه المسألة؛ فقد تغيرت كل مفاهيمها العقلية بما يخص عائلتها وما هو مطلوب منها. فالكثير منهن لم يعدن يدركن أهمية وقدسية ذلك الرباط والهدف منه، وهذا ما جعلها الحلقة الأضعف في أصل الموضوع.

فما لا يدركه الكثير أن العدو، مهما كان اسمه أو جنسه، درس المجتمع العربي والإسلامي، فوجد أن هناك قاسمًا مشتركًا عند الجميع، ويُعدّ من القضايا التي يعتبرونها خطًا أحمر، وهي الشرف المتجسد في المرأة من باب الحفاظ على الأنساب. ولهذا كان لا بد من رسم قواعد لكسرها، وقد نجحوا في هذا إلى حدٍ كبير. فقد تحولت عقلية المرأة اليوم إلى فضاء ضبابي بين طمع المال مقابل الخدمات، وهذا قد شمل كل شيء في حياتها.

 

إعلان موت الحب... هذه حقيقة فُرضت على المجتمع بأسره. نعم، لا أحد خارج هذا المضمون، لا رجل ولا امرأة. فالكل اليوم بات يقايض الحب بالمال؛ فالرجال أصبحوا مصائد، والنساء فرائس، والنظام العائلي في طريقه إلى الزوال.

ولا يقل أحدكم إن هذه الكلمات نوع من المبالغة، بل إن ما لا يعرفه الكثير أن الواقع أسوأ بكثير مما ذُكر هنا. فالعلاقات اليوم كلها على المحك، وسوف يطال الأذى الجميع إذا لم نتشارك في صنع وعي يخرجنا من هذا المأزق، من خلال العودة إلى الأصول الدينية والاجتماعية المتعارف عليها.

ولن يكون هذا بمنشور نكتبه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بأفعال ادعائية بالصلاح والإيمان، بل من خلال صدق النوايا في إعادة رسم العلاقات بيننا على أسس صحيحة، بعيدة عن المبدأ المادي.

 

السؤال الأهم... هل تم قتل الرجولة في رؤوس الرجال؟ وهل أُزيلت فقرة المشاعر من قلوب النساء؟ وإذا ما كان قد حدث هذا، فإلى أين نحن ذاهبون؟ إلى عالم بارد بلا مشاعر، مجرد من القضايا الإنسانية، وأهمها الحب؟ وهل دخلنا في نفق مظلم أساسه التعاملات القائمة على قياس العلاقات بحجم المكتسبات التي يمكن أن نحصل عليها من أصل الموضوع؟

اقتصاد المشاعر... من أخطر التحولات التي طرأت على المجتمع في السنوات الأخيرة هو ما يمكن أن نسميه باقتصاد المشاعر، حيث لم تعد العلاقات الإنسانية تُقاس بصدق العاطفة بقدر ما تُقاس بحجم العائد المتوقع منها. فالكثير من الناس باتوا ينظرون إلى الحب كما لو أنه صفقة مؤقتة، لها شروطها وبنودها الخفية، فإذا اختل ميزان المكاسب سقطت العلاقة كما تسقط الشركات المفلسة في عالم التجارة. وهنا تتحول المشاعر من حالة إنسانية نبيلة إلى عملة متداولة في سوق المصالح.

 

ثقافة المظاهر... كما لا يمكن إغفال الدور الخطير الذي لعبته ثقافة المظاهر في تشكيل هذا الواقع الجديد. فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم صنعت نموذجًا زائفًا للحياة، حيث يتم تقديم الرفاهية والمال على أنهما المعيار الحقيقي للسعادة والنجاح. ومع تكرار هذه الصور يومًا بعد يوم، تشكل وعيٌ جديد لدى الكثيرين مفاده أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحمله من أخلاق أو مشاعر، بل بما يمتلكه من قدرة مادية وما يحيط به من مظاهر الثراء.

 

اختلال ميزان القيم... وفي ظل هذا التحول الكبير بدأ ميزان القيم بالاختلال تدريجيًا، حتى أصبح من الطبيعي أن نجد علاقات تبدأ بحسابات وتنتهي بحسابات. فبدل أن يكون الحب هو البداية، صار المال هو المقدمة، وبدل أن تكون الثقة هي الأساس، أصبحت المنفعة هي القاعدة التي تُبنى عليها الكثير من الروابط بين الناس. وهنا تتحول العلاقة الإنسانية من رابطة وجدانية إلى عقد غير مكتوب، يمكن فسخه في أي لحظة إذا تبدلت الظروف.

 

تشييء الإنسان... والأخطر من كل ذلك أن الإنسان نفسه بدأ يتحول إلى سلعة في هذا السوق العاطفي المضطرب. فالمرأة في كثير من الأحيان أصبحت تُقاس قيمتها بما يمكن أن تقدمه من إغراءات أو خدمات، والرجل بدوره صار يُقاس بحجم ما يستطيع أن ينفقه أو يمنحه من امتيازات. وهكذا يفقد الطرفان إنسانيتهما تدريجيًا، ويصبح كل منهما مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب مؤقتة لا أكثر.

 

انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة... وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما يحدث ليس فقط ضياع الحب، بل ضياع المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية. فالعلاقة التي تُبنى على المصلحة وحدها لا يمكن أن تصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة، لأنها ببساطة لم تُبنَ على أساس روحي أو أخلاقي قادر على الصمود أمام تقلبات الزمن.

 

الخاتمة... في نهاية هذا الحديث قد لا يكون من العدل أن نبحث عن مذنب واحد في هذه الحكاية، لأن الحقيقة الأكثر مرارة أن الجميع ساهم في هذا الخراب بطريقة أو بأخرى.

الرجل الذي اختزل نفسه بما يملك من مال، والمرأة التي قبلت أن تختزل قيمتها بما تحصل عليه من مكاسب، والمجتمع الذي وقف طويلًا يتفرج على انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية دون أن يحاول أن يوقف هذا الانحدار.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحب كلمة تُقال أكثر مما تُعاش، وأصبحت المشاعر حديثًا جميلًا لا يجد له مكانًا في واقعٍ تحكمه الحسابات والمصالح.

فالرجل الذي كان يومًا رمزًا للعطاء تحول عند الكثيرين إلى وسيلة للإنفاق، والمرأة التي كانت موطن الحنان تحولت عند البعض إلى معادلة تبحث عن أعلى العوائد الممكنة.

وإذا استمر هذا الطريق كما هو، فإن السؤال لم يعد: أين الحب؟

بل السؤال الأشد قسوة: هل بقي في داخلنا ما يستحق أن يُسمّى إنسانية؟

لأن الحقيقة التي قد لا نحب سماعها أن الحب لم يختفِ من تلقاء نفسه، بل تم خنقه ببطء بين الطمع من جهة، والضعف من جهة أخرى،حتى أصبح هذا العالم أكثر برودة مما ينبغي… وأكثر فراغًا مما نتصور.

الجمعة، 13 مارس 2026

مقال

 

 الحكومة العراقية والحرب وسياسة (جحا)

تحت عنوان

ما بين المذهب والمال

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



(يُحكى أن جحا كان يسكن في أحد الأزقة، وله جاران يسكنان إلى جانبيه؛ أحدهما على اليمين والآخر على اليسار. وفي أحد الصباحات تفاجأ بأن جاره الذي على اليمين لديه حالة وفاة، والآخر على الجهة الثانية لديه عرس. عندها وقف في حيرة من أمره، فإذا ما ذهب إلى العرس سوف يغضب منه أصحاب العزاء، والعكس أيضًا صحيح. فولدت لديه فكرة عبقرية تتضمن سياسة جحا في الحياة، وهي أن يقف في الوسط ويمد يده اليسرى ليطرقع بالأصابع كنوع من التعبير عن الفرح، بينما اليد الأخرى يلطم بها على صدره، ويظن بهذا أنه قد أرضى الطرفين، وفي هذه نوع من الحماقة).

وهذه بالضبط المنهجية والسياسة التي تتبعها الحكومة العراقية اليوم تجاه الحرب الدائرة في المنطقة، وهذا بسبب ضبابية المنطق التي تنتهجها الدولة منذ عقدين. وإذا ما نظرنا إلى المنهجية السياسية والاقتصادية فلن نجدها تتبع أسلوبًا معينًا؛ فهي متأرجحة ما بين الاشتراكية والرأسمالية، وحسب ما تقتضي الحاجة، وهذا ما أوصلنا اليوم إلى الدخول في مأزق الحرب الاقتصادية. وكل هذا يعود إلى جملة من النقاط التي يجب إيضاحها، والتي ترسم الممارسات الحكومية.

 

الانتماء المذهبي... ليس من المعيب أن يكون لك مذهب تنتمي إليه يرسم لك أساليب التعبد والانتماء إلى الدين، ولكن القضية اليوم لم تعد فيها مجال للتمسك بمعتقدات تؤمن بها على حساب الواقع. وفي هذا دليل إلهي من كتاب الله عز وجل في قوله:

(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195].

 

وهنا سوف يقول قائل: كيف لك أن تقول قولًا مثل هذا، والمعركة ـ كما يدعي الطرفان ـ أنها معركة دين؟ وهو المتناسي قول الله تعالى في موضع آخر:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60].

وإذا ما عدنا إلى الإجراءات التي اتخذها النظام لدخول الحرب فلن نجد شيئًا يُذكر، وهذا ما يتنافى مع مبدأ الدين والمذهب الذي يدّعون الانتماء إليه. ولكن مجمل الموضوع أنهم متناغمون مع معركة المذهب دون الالتزام بما جاء فيه.

فان تحويل المذهب من فضاءٍ روحي تعبدي إلى أداة سياسية للصراع هو بحد ذاته خروج عن جوهر الفكرة الدينية التي قامت على تهذيب الإنسان لا على تحويله إلى وقودٍ للمعارك. فالدين حين يتحول إلى شعار في ساحات الصراع يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الأخلاقية، لأن السياسة بطبيعتها تبحث عن الغلبة، بينما يبحث الدين عن الإصلاح.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو تسييس العقيدة، لأن ذلك يفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي، حيث يصبح كل طرف مقتنعًا بأنه يمثل الحقيقة المطلقة، بينما الحقيقة في إدارة الدول تقوم على التوازن والعقلانية لا على الحماسة الخطابية.

 

المال والوضع الاقتصادي... وما يعرفه الكثير أن النظام منذ عقدين لم يتبنَّ سوى النظام الريعي الذي يتضمن مبدأ: (اصرف ما بالجيب يأتيك ما بالغيب)، حتى ولو كان ما في الغيب كارثة اقتصادية. وهذا بسبب عدم تبني الحكومات المتعاقبة النظم المالية الرصينة التي أثبتت تجاربها في بلدان أخرى من هذا العالم. وهذا ما أوصلنا إلى عدم وجود بدائل يمكن الاعتماد عليها في موضع الأزمات التي نحن عليها اليوم.

فاليوم فقدنا المصدر الوحيد للمال مع تراجع في المستوى الزراعي والصناعي والاقتصادي، وهيمنة العملة الأجنبية على مصير المواطن البسيط، وهذا بسبب تفشي الفساد والمحسوبية التي أفرزها مبدأ المحاصصة منذ ذلك الوقت.

والأمر الأكثر خطورة في هذا المشهد أن الاقتصاد الريعي لا ينتج دولة قوية، بل ينتج دولة استهلاكية تعتمد على مورد واحد، فإذا ما اهتز هذا المورد اهتزت معه بنية الدولة بأكملها. وهذا ما جعل العراق اليوم يقف على أرض اقتصادية هشة، لأن الدولة لم تبنِ منظومة إنتاج حقيقية تستطيع أن تعوض أي خلل في موارد النفط.

ولذلك فإن الحديث عن الحرب أو الدخول في صراع إقليمي دون امتلاك اقتصاد قادر على الصمود هو نوع من المغامرة السياسية التي قد يدفع ثمنها المواطن قبل غيره، لأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الأزمات الكبرى.

وهذا وأكثر ما يجبر السياسيين في هذا البلد على انتهاج سياسة جحا في إرضاء جميع الأطراف المتحاربة، والتي تحكم النظام اليوم بمبدأ (الطائفة والمال)، وهي دلالة على عدم امتلاك الرؤية المستقلة لاتخاذ القرار السيادي في دخول المعركة أو عدمه، وهذا ما سوف تكون له توابع كارثية على جميع الأصعدة، وقرارات قد تُنهك المواطن البسيط.

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن الدولة التي لا تمتلك تعريفًا واضحًا لمفهوم المصلحة الوطنية ستبقى دائمًا أسيرة لتجاذبات الخارج. فالمصلحة الوطنية في التجارب السياسية الرصينة تُعرَّف على أساس ما يحقق الاستقرار الاقتصادي والأمني للمجتمع، لا على أساس ما يرضي هذا الطرف أو ذاك. أما في الحالة العراقية، فإن هذا المفهوم ظلَّ غائبًا أو مغيَّبًا منذ سنوات طويلة، ليحلّ محله مفهوم آخر يقوم على إدارة التوازنات الطائفية والمالية بدل إدارة الدولة بمنطق المؤسسات.

ولذلك أصبح القرار السياسي في العراق لا يُقاس بمدى فائدته للبلد، بل بمدى قدرته على عدم إغضاب الأطراف المؤثرة في المشهد. وهذا بحد ذاته شكلٌ من أشكال الشلل السياسي الذي يجعل الدولة تقف دائمًا في منتصف الطريق، فلا هي قادرة على اتخاذ موقف واضح، ولا هي قادرة على الانسحاب من دائرة الصراع.

 

الخلاصة ... فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الحرب بحد ذاتها، بل الارتباك في لحظة اتخاذ القرار. فالحروب قد تُخاض بقوةٍ واضحة، وقد تُتجنب بحكمةٍ واضحة، لكن الكارثة الحقيقية حين تُدار الدولة بعقلية الوقوف في المنتصف؛ نصف قرار هنا ونصف موقف هناك.

إن سياسة جحا قد تنجح في حكايةٍ طريفة تُروى في المقاهي، لكنها في إدارة الدول تتحول إلى وصفةٍ مؤكدة للفشل. فالدولة التي تحاول أن تُرضي العزاء والعرس في وقتٍ واحد لن تنجح إلا في شيءٍ واحد فقط… أن تفقد احترام الطرفين معًا.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأوطان لا تُدار بالعواطف، ولا بالمذاهب، ولا بحسابات المال وحده، بل تُدار بعقل الدولة. أما حين تختلط الطائفة بالمال، ويتحول القرار السياسي إلى عملية موازنة بين الخوف والمصلحة، فإن النتيجة لن تكون سوى دولة تقف في منتصف الطريق… بينما العالم كله يسير إلى الأمام.

الأربعاء، 11 مارس 2026

مقال

 

التفريق بين المبادئ الصحفية والممارسات العفِطية

تحت عنوان

واقع يشعرك بالقرف

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من القاذورات المحسوبة على المشهد الصحفي والإعلامي، وهنا سوف نستعرض صورًا من الواقع الذي نعيشه، والذي استفحل في هذا الوقت الذي يُعد من أخطر المراحل التي يمر بها البلد. ولتحديد كلٍّ منهم يجب رسم ملامح كل شخصية منهم دون ذكر أسماء، وسوف يعرفون أنفسهم إذا ما كانوا يُحسنون القراءة من الأصل. ولهذا سوف تكون هذه الكلمات بمثابة شاهدٍ على العصر وما يتضمنه من خروقات في مجال الصحافة والإعلام.

 

بائعات الهواء... قد يستغرب أحدهم كيف أملك هذه الجرأة لتسميتهن بهذا المصطلح، ولكن هذه حقيقتهن بلا تجرد. وهنّ من يعتمدن على أشكالهن وتصرفاتهن لتقديم أنفسهن صحفيات؛ فتراها تصاحب هذا وتصاحب ذاك، ما بين شرطي ومسؤول، وتقوم باستعراضٍ يوحي بأنها تملك السلطة من خلال علاقاتهن ببعض المحسوبين على الرجال أصلًا. والغريب أن كل من يقدم لهن العون والمساهمة في إبراز أسمائهن كصحفيات وإعلاميات، فهن لا يمتلكن من الإمكانيات سوى إغواء الحمير من الرجال، وهم أسوأ منهن بمراحل. وأكاد أجزم أن المسؤولين الذين يدعمون بائعات الهوى الصحفي، لو كانوا نساء، فوالله لن تجدهم إلا من النساء اللواتي يمارسن الرذيلة في بيوت ذوي الرايات الحمر، ولا استثناء لأحد من هذه الكلمات.

 

الحمير المعاصرون... وهذا النوع تجده أكثر انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال نشر مقاطع فيديو تتضمن بعض التصريحات دون مرجع رسمي للخبر. وما لا تعرفه الدولة أنهم الأخطر من العدو الذي قد يأتي من خارج الحدود، فهم من يساهمون بشكل رئيسي في عمل تشويش للفكر العام. فكل عملهم أصبح بين: (غدًا عطلة، ونزل الراتب)، ويعتبر نفسه صحفيًا وهو لم يكتب سطرًا واحدًا في مقال صحفي.

 

وهم الصحافة... وهو مرض يعاني منه أصحاب الإعلام الحكومي، فهم من يعتبرون أنفسهم أشهر من طه حسين أو محمود السعدني أو محمد حسنين هيكل. وهذا بسبب أنهم إعلاميو الصدفة، فالوظيفة الحكومية لا تعطيك الموهبة في مضمار الكتابة الصحفية، ولن تجعل منك صاحب تاريخ في عالم الكتابة؛ فتاريخ صلاحياتك ينتهي بصلاحية خدمتك الوظيفية.

 

تجّار البيانات الصحفية... وهم صنف آخر لا يقل سوءًا عن سابقيه، بل قد يكون أخطر منهم في بعض الأحيان. فهذا النوع لا يعرف من الصحافة سوى إعادة نشر ما يصله من بيانات جاهزة، فيقوم بنسخها ولصقها دون أن يكلف نفسه عناء قراءة سطر واحد منها. فلا تحقيق، ولا متابعة، ولا سؤال عن الحقيقة. مجرد موظف بريد إلكتروني يحمل لقب صحفي، ويظن أن نقل البيان كما هو إنجاز مهني يُضاف إلى تاريخه الوهمي. وهنا تتحول الصحافة من مهنة البحث عن الحقيقة إلى مهنة توزيع المنشورات.

 

سماسرة المؤتمرات... وهذا الصنف تجده حاضرًا في كل مؤتمر وندوة وفعالية، لا بدافع المعرفة ولا بحثًا عن الخبر، بل بحثًا عن صورة تذكارية وبطاقة دعوة ووجبة غداء. فتراه يتنقل بين القاعات وكأنه جزء من ديكور المكان، يلتقط الصور مع المسؤولين، ثم يعود لينشرها على صفحاته وكأنها سبق صحفي مدوٍّ. بينما الحقيقة أنه لم يطرح سؤالًا واحدًا ولم يكتب سطرًا واحدًا يمكن أن يدخل في صلب العمل الصحفي.

 

صحافة الابتزاز... وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جسد الإعلام في أي بلد. فهنا لا تكون الصحافة سلطة رقابية، بل تتحول إلى أداة ضغط رخيصة. فيبدأ الأمر بتلميح، ثم يتحول إلى تهديد مبطن بنشر فضيحة أو ملف، فإذا ما تم الدفع سكت القلم واختفت القصة. وهكذا تتحول الكلمة من رسالة أخلاقية إلى سلعة تباع وتشترى في سوق المصالح الرخيصة.

 

ألقاب على الورق... ومن الظواهر التي ابتُلي بها واقعنا الإعلامي أيضًا، تجارة الألقاب الصحفية. فكل من امتلك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح فجأة رئيس تحرير، أو مدير مؤسسة إعلامية، أو محللًا سياسيًا. بينما الحقيقة أن الصحافة ليست لقبًا يُكتب في سطر التعريف، بل تاريخ من العمل والجهد والكتابة والمعرفة. أما هذه الألقاب الورقية فهي لا تصنع صحفيًا، كما أن ارتداء المعطف الأبيض لا يجعل من صاحبه طبيبًا.

 

غياب الضمير المهني... وكل ما سبق ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب الضمير المهني. فالصحافة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. وحين يغيب الضمير يتحول القلم إلى أداة للفوضى، وتتحول الكلمة إلى وسيلة تضليل، ويصبح المشهد الإعلامي مرتعًا لكل من لا يملك سوى الضجيج.

 

الخلاصة ... وفي نهاية هذا المشهد البائس، لا بد من قول الحقيقة كما هي دون مساحيق تجميل. فالمشكلة لم تعد في وجود صحفيين فاسدين أو إعلاميين طارئين، فهذه ظاهرة عرفتها كل المجتمعات. لكن الكارثة الحقيقية تكمن في أن الرداءة أصبحت تتكاثر كالفطريات في بيئة تسمح لها بالنمو، حتى صار الضجيج يُقدَّم على أنه إعلام، والجهل يُسوَّق على أنه تحليل، والانحطاط يُعرض على أنه جرأة صحفية.

 

إن الصحافة ليست بطاقة تعريف تُعلَّق على الصدر، ولا صورة تُلتقط مع مسؤول، ولا مقطع فيديو يُنشر على عجل. الصحافة ضمير قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة، وتاريخ يُكتب بالكلمة الصادقة لا بالادعاء الفارغ.

ولهذا، سيأتي يوم—وهو أقرب مما يظنون—تنكشف فيه كل الأقنعة، ويسقط فيه المزيفون واحدًا تلو الآخر، لأن الحقيقة في النهاية لا تحتاج إلى صراخ، بل تحتاج فقط إلى وقت كافٍ لتفضح كل من حاول تزويرها. وعندها سيعرف الجميع أن ما كان يُسمّى صحافة في هذا الزمن لم يكن في كثير من الأحيان سوى ضجيجٍ رخيص يختبئ خلفه فراغٌ كبير.

الاثنين، 9 مارس 2026

مقال

 

شيء يكمن في داخلي

تحت عنوان

مواجهة مع الذات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



منذ بداية الخليقة قد لا يجرؤ أحد على مواجهة ذاته كما أفعل أنا، وقد لا يهم أحد أن يعرف ماذا يجول بخاطري، ولكنها رغبة في داخلي للحديث عما قد يكون في ثنايا ذلك القلب الذي لا يعرف عنه الكثير. فمنهم من يعرف أنني ذلك الرجل العبثي في كل جوانب الحياة، وآخر يرى فيَّ ذلك الشرير الذي لا يأبه لشيء من المصداقية في عمله، وآخرون قد يرونني ذكيًا إلى حد كبير، وآخر يراني العكس، وقد يرى آخرون أنني متهور إلى حد كبير. ولكن هناك جوانب لا يعلم عنها أحد؛ لأنني لا أريد أن يعرفها أحد، وما كتبت اليوم إلا في حاجتي للمصارحة أو المواجهة. ومن تلك القضايا:

 

مرآة للغير ... هناك الكثير يبدي انزعاجه مني، مع أنني لم أتعامل معه، ولم يرَ مني ما يسوؤه، وليس هذا ما يزعجني، ولكنني قد أكون تلك المرآة التي لا يجرؤ الكثير على النظر فيها لرؤية ذاته، فيتبين قدر العجز الذي هو فيه، وقد يكون هذا سببًا وجيهًا لحالة الانزعاج تلك.

 

لا أعرف الكراهية ... ما لا يعرفه عني كل من يعرفني أنني لا أستطيع أن أكمن الكراهية لأحد؛ فأنا إذا لم أحبك فأنا لا أكرهك. وإذا كنت تريد معرفة محبتي لك، فالقياس الوحيد هو مدى التزامي بالارتباط بك من خلال السؤال عنك أو السلام عليك في كل صباح، حتى مع أولئك الذين أساؤوا لي في يوم ما. وهذا بسبب واحد لا غير، وهو أن كل شخص يعمل بأصله وما يحمل من مقدار من قيم زادت أو قلت، وهذا لا يزعجني بالمرة، ولكنه يثبت لي أنني ما زلت هناك في داخلي نقيًا.

 

نقاط القوة والضعف ... يرى الجميع أنني أتحلى بقوة قد لا تتوفر عند أحد ما، ولكن الحقيقة أنني كلي كمثل منديل ورقي مبلل، قد تمزقه نظرة تحمل فيها شيئًا قد يزعجني، حتى وصل بي الحال إلى اتباع مبدأ أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. وقد يكون هذا قد أكسبني صورة الرجل الصلب الذي لا يُكسر، ولكن قد تكون هذه الصفة بمثابة جدار يختبئ خلفه ذلك الطفل الذي بداخلي، الذي يرفض الواقع أنه قد كبر، وكبرت معه همومه وأسرار قد أثقلت كاهله المتعب بالأصل. ولهذا أنا الآن أريد أن أقول كل الحقيقة.

 

امتلاك أجنحة ... قد أكون مختلفًا عن كل البشر اليوم بالشكل والمضمون، ولكن هناك أشياء قد تجاوزتها، ومنها تلك (العكازات) التي تساعدني في الطيران لا المشي كما يظن البعض. نعم، أنا كذلك وأكثر. فهذه الأجنحة المرئية، وهناك منها المخفية، وهي قدرتي على الكتابة. وهذه كلها من نعم الله عليّ، فبهنَّ فقط أعلم أنني على موعد مع القدر الذي يمثله الله، فأنا على يقين كامل في عدالته. وقد أكون مقصرًا، ولكن ما بيني وبين الله يبقى بيننا، وقد يكون هو المصدر الوحيد لسر قوتي.

 

المحبة ... ليكن الجميع على ثقة أنني أحب كل من على الأرض اليوم بلا استثناء، وأشهد الله والذين يقرأون هذه السطور أنني عفوت عن كل من أساء لي أو سوف يسيء لي، بقصد أو بدون قصد، في المستقبل، لوجه الله تعالى لا غير. وهذا بسبب إيماني الكامل أن من يسيء في هذه الحياة فقد أساء لنفسه، وأنا عندما أرى في عظمة الله أنه يغفر ويعفو، فمن أكون أنا لأحمل في قلبي على هذا وذاك؟

 

الخلاصة ... إنني بشر أخطئ وأصيب، ولكن ما أنا واثق منه أنني في الأصل إنسان، وهو المصطلح الذي يرتبط بالإنسانية كإشارة لفعل الخير. ولهذا ما زلت متمسكًا بالفطرة التي خُلقت لأجلها. وما كُتب هنا ليس بوحًا بقدر ما هو قدرتي على النظر في المرآة ومواجهة ذاتي بما قد يؤلمها، وفي هذا شجاعة قد يتعلم منها أحد، فيكون لي في هذا أجر حسن. فالجميع يولدون بشرًا بالفطرة، ولكن الصعوبة تكمن في أن تكون شخصًا ما زال يحمل قيمًا نبيلة، ولو كانت بسيطة، ونحسبها عند الله عظيمة إن شاء الله.

السبت، 7 مارس 2026

مقال

 المسار الآمن

تحت عنوان

العلمانية والمستقبل السياسي في العراق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في خضمّ التخبط السياسي الذي يملأ سماء وأرض العراق، ومنذ أكثر من عقدين مضيا، شهد البلد عددًا من الكوارث بسبب ضبابية وانعدام الرؤية السياسية الواضحة. فكان لا بدّ من البحث في عدد من المسارات التي من الممكن أن تُصحِّح ما تمّ تخريبه في عقلية الشخصيات التي من الممكن أن تُصحِّح آليات الفكر الذي من الممكن أن تُدار به الدولة.

وفي الغالب، وعند الكثير من جمهورنا اليوم، يظنّ أن مصطلح العلمانية يعني معاداة الدين، وهذا خطأ؛ لكنها تشير إلى فصل الدين والقومية عن الدولة، وتكون هناك قاعدة سليمة تُبنى عليها الدولة. وبموجب هذا المبدأ تكون هناك قوانين وضعية عابرة للطائفية والقومية، وهذا ما سوف يجعل المواطن في مأمن من جميع ما قد يقف عائقًا أمام توحيد مفهوم المواطنة، والابتعاد بالعامة عن أي مصطلح خارج كلمة الوطن.

ولمعرفة المفاهيم التي تدخل ضمن حيز أصل المصطلح، فإنها تتضمن أربع نقاط رئيسية، منها:

 

• حياد الدولة تجاه الأديان ... فالدولة العلمانية لا تتبنى دينًا رسميًا يميّز فئة من المواطنين على حساب أخرى، بل تضمن حرية المعتقد لجميع أفراد المجتمع. وبهذا لا يكون في قوائم المؤسسات مصطلحات مثل: (مسلم، مسيحي، يزيدي، أو أي شيء آخر)، وهذا ما عانى منه أبناء الوطن منذ زمن بعيد، وبهذا يكون لدينا ما يمكن أن يرضي الجميع.

 

• المواطنة المتساوية ... إذ يصبح الانتماء إلى الدولة قائمًا على مفهوم المواطنة، وليس على الانتماء الديني أو الطائفي، مما يحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. عندها تتحقق نظرة العدالة الاجتماعية والمؤسساتية، والقضاء على أي فرصة تكون نافذة للمحسوبية والفساد في العراق الجديد.

 

• سيادة القانون ... تعتمد الدولة العلمانية على القوانين المدنية التي تنظم حياة المجتمع، وتخضع لها جميع السلطات، بما يضمن الاستقرار السياسي والتنظيم الإداري. وبهذا نكون قد أقمنا ما يُعرف بسيادة القانون، وتكون هناك عدالة يرضى عنها الجميع، لا تخضع لآراء شخصية أو نابعة من أجندة تُفرض على المجتمع.

 

• حماية حرية الفكر والاعتقاد ... يتيح هذا المبدأ مساحة واسعة لحرية التفكير والبحث العلمي والتعبير عن الرأي، وهو ما أسهم في تطور المجتمعات الحديثة علميًا وثقافيًا. ولأننا شعب متعدد الأعراق والأطياف والمذاهب، فقد نجد في أصل المصطلح ضالتنا التي نبحث عنها منذ عقود مضت، لكي نصنع مساحة متساوية بين الجميع، ويكون شعار الجميع: حريتك تنتهي حدودها عند انتهاك حرية الآخرين.

 

شعارات تم تشويهها (الدين لله والأرض للجميع)

وهنا قد يغضب من هذه الكلمات أصحاب العمائم من جميع الأطراف، وهذا ليس بالأمر الجلل عندي. ولكن، وللتنويه، فقد أشرت منذ سنوات في العديد من كتاباتي إلى أن الدين علاقة شخصية بين العبد وما يعبد. أما من ينصّب نفسه وكيلًا لله، ويقوم بفعل الصحيح والقبيح بشعار الدين، فهؤلاء هم الانتهازيون في الحياة. ويجب وضع حدّ لكل تلك الآراء التي تثير الاشمئزاز إلى حدّ كبير.

ولهذا يجب أن يكون هناك فصلٌ للدين عن مسألة إدارة مؤسسات الدولة، وهذا لا يمنع وجود قنوات تساهم في التعريف بمقتضيات الدين حسب الديانة التي ينتمي إليها الفرد.

وهنا يجب توضيح بعض الامور التي سوف تقدمها العلمانية على الساحة العراقية ومنها :

العلمانية وحماية الدولة من صراع الهويات ... ومن المسائل التي لا بدّ من الإشارة إليها أن الدولة التي تُبنى على أساس طائفي أو ديني تبقى دائمًا عرضة لصراع الهويات، لأن كل جماعة ستسعى إلى تحويل الدولة إلى أداة لخدمة هويتها الخاصة. وهنا تبدأ معركة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتتحول الوظيفة العامة من خدمة للوطن إلى غنيمة تُقسَّم بين الطوائف والقوميات.

أما الدولة التي تقوم على مبدأ العلمانية فإنها تُخرج الدين والطائفة من دائرة الصراع السياسي، وتعيدهما إلى مجالهما الطبيعي داخل المجتمع، فيبقى الدين قيمة روحية وأخلاقية، وليس وسيلة للهيمنة أو الاستحواذ على السلطة.

 

العلمانية وبناء مؤسسات الدولة ... إن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق من دون مؤسسات مستقلة تعمل وفق قواعد مهنية وقانونية واضحة، لأن الدولة ليست خطبة تُلقى على المنابر، ولا شعارًا يُرفع في الشوارع، بل هي منظومة مؤسسات تبدأ من القضاء ولا تنتهي عند الإدارة المحلية.

وفي ظل الدولة العلمانية تصبح هذه المؤسسات ملكًا لجميع المواطنين، لا تُدار باسم الطائفة ولا باسم القومية، بل باسم القانون فقط. وهنا تبدأ فكرة الدولة الحقيقية بالظهور، حيث يصبح الولاء للدستور والقانون، لا للزعيم ولا للمرجعية السياسية أو الدينية.

 

العلمانية ومنع استغلال الدين في السياسة ... ومن أخطر ما شهدته مجتمعاتنا في العقود الأخيرة هو تحويل الدين إلى أداة سياسية تُستخدم في الصراع على السلطة. فعندما يدخل الدين إلى ساحة السياسة تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مقدسة، ويصبح الاختلاف في الرأي نوعًا من العصيان أو الكفر في نظر البعض.

ولهذا فإن العلمانية لا تحارب الدين كما يظن البعض، بل تحميه من التوظيف السياسي، لأن الدين عندما يُستخدم كوسيلة للسلطة يفقد قيمته الروحية ويتحول إلى شعار يُرفع في الحملات الانتخابية ثم يُنسى بعد الوصول إلى الحكم.

 

العلمانية كطريق للخروج من أزمات العراق ... إن العراق، بحكم تركيبته الاجتماعية المتعددة، يحتاج إلى نظام سياسي قادر على جمع الجميع تحت مظلة واحدة. وقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن إدارة الدولة على أساس المحاصصة الطائفية لم تُنتج سوى المزيد من الانقسام والضعف في بنية الدولة.

ولهذا فإن البحث عن مسار مدني يقوم على مبدأ العلمانية لا يعني القطيعة مع الدين أو القيم الاجتماعية، بل يعني إيجاد أرضية مشتركة يعيش فوقها الجميع دون أن يشعر أحد بأنه مواطن من درجة ثانية.

 

الخلاصة ... لا بد من قول الحقيقة كما هي دون تزييف أو مجاملة؛ إن المشكلة في العراق لم تكن يومًا في الدين، بل في أولئك الذين جعلوا من الدين سلّمًا للوصول إلى السلطة. فحين يتحول الدين إلى شعار سياسي، تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين العمائم، ويصبح الوطن مجرد غنيمة تتقاسمها الطوائف.

لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تُدار باسم الطائفة لا يمكن أن تكون دولة، بل تكون مشروع صراع دائم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجهه العراقيون اليوم ليس: هل نريد العلمانية أم لا؟ بل السؤال الأخطر هو: هل نريد دولة أصلًا أم نريد الاستمرار في إدارة الخراب باسم المقدس؟

فالدول لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل تُبنى بعقلٍ سياسي يعرف أن الوطن أكبر من الطائفة، وأن القانون أكبر من العمامة، وأن الدولة إن لم تكن للجميع فلن تكون لأحد.

الاثنين، 2 مارس 2026

العنوان

 الحرب الدائرة والصراع على عرش الشيطان

تحت عنوان

ملامح عالمنا اليوم

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هكذا يكون المشهد حين تُغيَّب القيم الإلهية عن الأرض؛ تتكاثر الحروب، وتتشظّى الصراعات، ويبدأ السباق المحموم للجلوس على عرش الشيطان. شياطين الإنس هذا أوانها، وهذا زمنها، وهذه هي ملامح الفتنة الكبرى… نعم، هي كذلك وأكثر مما نتصور.

العالم اليوم يُدار بنصوص قديمة؛ حقيقة قد يرفضها البعض أو يستهجنها، لكنها تفسّر كثيرًا مما يجري أمام أعيننا. لقد كثر الهرج والمرج، وحين نعود إلى أصل المصطلح نجد أنه يعني كثرة القتل، حتى يبلغ الأمر حدًّا لا يعرف فيه القاتل لماذا يقتل، ولا يدري المقتول بأي ذنب قُتل. أليس هذا ما نراه اليوم؟ أليس هذا التطبيق الحي لما ورد في تلك النصوص؟

ورغم كل ما يُقال عن التقدم التقني والعسكري والمدني، ما زال بيننا بشر تمشي بلا عقول؛ قد تجد في رؤوسهم كل شيء إلا العقل. وهذه ليست مبالغة، بل شهادة زمن نعيشه بكل تفاصيله.

 

العنوان عقائدي ... نعم، لكن المضمون في جوهره صراع على السلطة والنفوذ والمنطقة. غير أن الأخطر من ذلك أن تلك النصوص تُتخذ ذريعة من الطرفين لإشعال حروبهم، وكأنها وقود جاهز للاشتعال. وهذا يؤكد عجز العقل البشري عن إدراك خطورة تبنّي نصوص لا يُعرف سياقها الحقيقي ولا دوافع تدوينها. وهذا الحديث لا يشمل الكتب السماوية، فهي ثابتة المصدر، ولكن الحديث عن صحف ونبوءات وخطوط مرسومة تُستدعى كلما أريد إشعال الأرض، حتى بات عالمنا مثقلًا بأحمال لا طاقة للبشرية بها.

 

العقيدة السوداء… منذ بدء الخليقة أكدت القيم السماوية أن الإنسان خُلق لغاية أسمى من هذا الانحدار الذي نعيشه. لكن العالم ضاق بمنطق العقل، وضاقت مساحته بالقيم، بسبب تزاحم الأفكار الشيطانية الساعية للسيطرة على الأرض. كان ذلك الهدف المعلن للشيطان منذ اللحظة الأولى، وربما يظن اليوم أنه كسب جولة، لكن المعركة لم تُحسم بعد.

فالصراع في جوهره فكري قبل أن يكون عسكريًا، وعندما يفسد الفكر تكون النتائج كارثية على البشر. وليس من المنطق أن تُرفع عقيدة عنوانها الموت إلا إذا كان الشر هو من كتب عنوانها.

 

الخير في مأزق… نعم، الخير اليوم في مأزق حقيقي، لأن أخطر أنواع الشر هو ذلك النابع من الداخل. هناك مثل شعبي يقول: (خابر بيت)، أي أن السوس منه وبه. فكيف تخوض معركة وعدوك يسكن بين صفوفك؟

وللتنبيه، هناك أمر عظيم يتشكل في الأفق، لا استنادًا إلى نص بعينه، بل إلى بديهيات التاريخ وسنن الحياة؛ فالشر لا يلد إلا شرًا أكبر منه. ولا يظنّن أحد أن ما يجري سيمرّ مرور العابرين. فالنهايات لا تُصنع بقرارات سياسية فحسب، بل حين تُعتمد منهجية الغراب في إدارة الحياة، يكون الخراب نتيجة حتمية.

 

لماذا الموت بدل الحياة؟ ... سؤال يفرض نفسه: لماذا نُجبر على دفع فاتورة صراعات لم نخترها؟ ولماذا نُساق إلى حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟

يجب أن يُقال لمن يريد الحرب: اذهب أنت وما تؤمن به فقاتلاه؛ فربنا لم يخلقنا لنكون وقودًا لأفكاركم. ماذا جنت البشرية من تلك العقائد المنحرفة سوى الخراب، والتهجير، والقتل بالجملة؟

لهذا، لم يعد الصمت موقفًا، بل صار شراكة غير معلنة. وكان لزامًا أن يكون لنا صوت في وجه المهازل التي ينتهجها المتصارعون على عرش الشيطان.

 

الخلاصة… إنها معركة الشياطين، والجموع البشرية تُقدَّم قرابين على مذبح السلطة. هذا يرفع راية العقيدة، وذاك يرفع راية المال، والنتيجة واحدة: استعباد العالم تحت ظل عرشٍ لا يجلس عليه إلا الشر.

وأختم بما بدأت به، بقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ صدق الله العظيم.

فالظلم لا يقف عند حدود ظلم النفس، بل يمتد ليهلك العباد والبلاد، وحينها لا يبقى على الأرض إلا أثر الخراب… وشاهد على زمن ضاعت فيه البوصلة.

مقال

  الرد على مقال الأستاذ صباح سليم تحت عنوان صناعة الوعي المسرحي بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين كتب الصحفي صباح سليم مقالًا ب...