بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 14 فبراير 2026

مقال

 

 جعيفر رئيس الوزراء العراقي القادم

تحت عنوان

سيرة جعفير الجهادية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



الفكرة مستوحاة من عمل مسرحي عراقي قديم بعنوان (المحطة)، ففي سياق النص ترد سيرة شخصية تتناغم مع ما سوف نرمي إليه، حين استشهد الفنان طالب الفراتي (رحمه الله) في العمل بقصة أشار بها إلى تزييف الحقائق، مفادها: (إن جعيفر دخل في يوم ماطر بشكل جنوني، ولكنه لم يكن مبللًا بشكل مطلق، وهذا ما أثار جنون الحاضرين، حتى قام أحد الرجال بنحر شاة، والنساء (المعدّلات) كما يُقال عند العامة، تمسحن بقدميه، وعند سؤاله عن المكان الذي جاء منه قال: إنني عبرت أنهارًا وأراضيَ كبيرة وسط الظلام).

ولكن الحقيقة أنه خرج قبل الحدث، وعند بداية المطر قام بالاختباء، وعند انتهائه دخل مضيف الشيخ كبطلٍ له كرامات.

وهذا تجسيد لمن يريد اليوم أن يمسك زمام الأمور، ولا أقول هنا إن المثل يُضرب ولا يُقاس، بسبب أن التاريخ يعيد نفسه بالمعايير نفسها لـ(جعفير) القديمة وإن اختلفت الأسماء، فكلٌّ منهم اليوم يصوّر ذاته على أنه البطل الذي لا يُشق له غبار، وله صولات وجولات في قراع النظام السابق، ولكن الحقيقة أنه مثل بطل القصة التي تمّت روايتها في بداية المقال، في سرد البطولات الوهمية لإيهام العامة بمرويات لا صحة لها، وكأن الأمر في تزعّم السلطة مسألة (كان يا ما كان).

لم نتحدث بعد عن أخطر ما في ظاهرة (جعيفر)، وهي صناعة الهالة قبل صناعة الإنجاز. فالرجل لا يحتاج إلى برنامج حكومي بقدر ما يحتاج إلى فريق علاقات عامة يتقن فن النفخ في الرماد حتى يتحول إلى نار. اليوم تُصنع البطولات في غرف مغلقة، وتُبث على شكل مقاطع قصيرة، وتُروى على هيئة شهادات من أصدقاء الأمس الذين لم نسمع بأسمائهم إلا عند اقتراب موسم الحصاد السياسي.

المفارقة أن الجمهور لم يعد يسأل: ماذا أنجزت؟ بل أصبح يسأل: كم مرة ظهرت على الشاشة؟ وكأن الدولة تُدار بعدد المؤتمرات الصحفية لا بعدد القرارات الرصينة.

منذ عقدين مضيا انتهجت السياسة في العراق نهج تزييف الحقائق لحصد المكتسبات، وقد ابتعد الجميع عن اتخاذ مبدأ الاستحقاق الذي يرتكز على أسس علمية في إسناد السلطة لشخصيات تتمتع بالكفاءة الإدارية للدولة، وهذا بسبب مسمار جحا الذي تنادي به الطبقة الحاكمة، فكلما احتدم الصراع على المنصب تعالت الأصوات بسرد البطولات الوهمية والتضحيات التي قدمها هؤلاء، ولا أعلم من أين كانوا يستمدون تضحياتهم: من أزقة الشام العتيقة؟ أم من التسكع في شوارع بريطانيا؟ أم من ملاهي روما؟ مع العلم أنه لم يُسجَّل لهم حضور واقعي لدورهم كمعارضة داخل البلد منذ ذلك الوقت.

وهنا يجب التنويه لأمرٍ هام، وهو أن الدفاع عن قضية تؤمن بها ليس شرطًا أن تكون محل احترام من الآخرين، وإذا كان غير ذلك تكون هناك عملية كذب على الذات وعلى المجتمع.

 

أبطال السرديات... وهذا يشمل كل رؤساء المنظومات الحكومية منذ بداية تنصيب النظام من قبل قوات الاحتلال، فتنحصر خطاباتهم بكلمات (فعلنا وصنعنا)، والحقيقة تقول: لقد سمعنا الضجيج، ولكن لم نرَ الدقيق، وهذا ما ولّد استهجانًا جمعيًا لأي شخصية قد تكون في الواجهة في القريب العاجل، وعدم ثقة بها. والسؤال هنا: كيف إذا ما كان (جعيفر) رئيسًا للوزراء؟ فلسان الحال سوف يقول وقتها، كالمثل الشعبي: (شدّوا راسكم يا كرعان)، إشارة إلى التجارب المريرة للجمهور مع الشخصية التي سوف تكون.

ومن المضامين التي لم نلامسها بعد، أن (جعيفر) وأمثاله يتقنون لعب دور الضحية أكثر من دور المسؤول. فإن فشل المشروع قالوا: المؤامرة. وإن تعثّر القرار قالوا: العرقلة. وإن ضاعت الفرص قالوا: الظروف. وكأن البلاد قدرها أن تعيش في شماعة جاهزة لتعليق الإخفاقات عليها.

السياسي الحقيقي يتحمّل نتيجة قراره، أما بطل السرديات فيبحث دائمًا عن شماعة يعلّق عليها عجزه، ثم يعود ليطلب التصفيق لأنه "صمد" أمام ما صنعته يداه.

 

وهم السيادة... كثيرًا ما يتحدث من هم على شاكلة شخصيتنا التي نتحدث عنها عن السيادة الوطنية، ولكننا أكثر البلدان اليوم افتقارًا لهذه المسألة، وما يعرفه الكثير أن رأس السلطة يتم اختياره عبر استرضاء الدولة الإقليمية والاستعمارية، ولهذا ترى أن الحديث عن هذا الموضوع يفتقر إلى المصداقية.

 

الذاكرة القصيرة للجمهور... هناك عامل أخطر من كل ما سبق، وهو الذاكرة القصيرة للجمهور. فالناس تغضب اليوم وتنسى غدًا، وتلعن الخطأ ثم تعود لتصفّق لمرتكبه إن غيّر نبرة صوته. ولهذا يستمر تدوير الوجوه نفسها، لأن الرهان دائمًا على أن النسيان أسرع من المحاسبة.

ولو أن الذاكرة الجمعية احتفظت بتفاصيل الخيبات كما تحتفظ بتفاصيل المباريات، لما وجد (جعيفر) واحدًا يصعد كل دورة بثوب جديد.

 

غياب المشروع الوطني... المعضلة الكبرى أننا لا نناقش مشروعًا وطنيًا واضحًا، بل نناقش أشخاصًا. الدولة لا تُبنى بسيرة ذاتية مليئة بالبطولات المروية، بل تُبنى برؤية اقتصادية، وتعليمية، وأمنية، وسيادية واضحة المعالم. أما حين تختزل الدولة في شخص، فإن سقوط الشخص يعني اهتزاز الدولة كلها.

وهنا يكمن الخطر: أن يتحول المنصب إلى مسرح، ويتحول الشعب إلى جمهور ينتظر العرض التالي.

 

الخاتمة الصادمة… في النهاية، ليس الخطر في أن يصبح (جعيفر) رئيسًا للوزراء، بل الخطر أن نبقى نحن جمهورًا يصفّق لكل جعيفر جديد يُحسن رواية قصته أكثر مما يُحسن إدارة دولة. المشكلة ليست في الشخص، بل في القابلية الجماعية لتصديق الأسطورة قبل اختبار الحقيقة.

جعيفر ومن على شاكلته لا يصنعون المعجزات، بل يصنعون مشاهد تمثيلية محكمة الإخراج، يدخلون فيها جافّين بعد عاصفةٍ لم يخوضوها، ويتحدثون عن أنهارٍ لم يعبرُوها، وعن ظلامٍ لم يسهروا فيه، ثم نمنحهم مفاتيح البلاد لأنهم أتقنوا فن الحكاية.

وعندما تسقط الأقنعة، لن يسقط جعيفر وحده… بل ستسقط معه أوهامنا التي صنعناها بأيدينا... وحينها لن يكون السؤال: لماذا فشل؟

بل لماذا صدّقناه من البداية؟

الأربعاء، 11 فبراير 2026

مقال

 

نافذة النور في الجدار الأكاديمي

تحت عنوان

قراءة في دقيقة ونصف

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



منذ زمن بعيد هناك جدار يحيط بالمؤسسة الجامعية، كالجدار الذي يحيط بجامعة الموصل، ولكن اليوم لن أتحدث عن المادة الحجرية التي يُبنى بها الجدار، بل عن شيءٍ آخر يفصل بين الشخصية الأكاديمية والعامة. فالكثير من الناس تمرّ بجانب ذلك الجدار، وتسأل نفسها: ماذا يكون هناك في الخلف؟ وهذا فقط على مستوى العالم الثالث، أما فيما سواه فهناك قنوات تعاون أو اقتران بين الاثنين.

ومن هنا تكون هناك محاولات تمتزج ما بين الجرأة والخجل، وهذا ما أقدم عليه ثلاثة أكاديميين في الصرح الجامعي في كسر ذلك التقليد القديم، في عملٍ سمعيٍّ مرئيٍّ بزمن (دقيقة ونصف). وهنا يكون دور الرؤية النقدية في تقييم هذا العمل، مع الحفاظ على المكانة العلمية للمشاركين فيه، فسوف نبرز في هذه السطور ما بين الصواب والخطأ في أصل العمل.

المشاركون:

د. أحمد جارالله ياسين / أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب / جامعة الموصل

د. حسام الطحان / أستاذ الأدب العربي في كلية تربية البنات / جامعة الموصل

د. ربيع خزعل / أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب / جامعة الموصل

الأستاذ حسين حمه / أستاذ الادب الإنكليزية في كلية الآداب / متقاعد – جامعة الموصل

فهؤلاء يُعتبرون عرّابي المشروع الثقافي واللبنة الأولى للعمل.

 

الصواب ... تحديد مصدر المعلومة؛ ففيما قُدّم كان هناك رصانة واقعية لمصدر المعلومة بغض النظر عن الموضوع المطروح، وهذا بسبب فوضى المعلومة التي نعيشها في عالمنا اليوم، وهذا ما يخلق فضاءً آخر غير مألوف. وقد يعتبرها الكثير هنا نوعًا من أنواع المغامرة، وآخرون قد يعتبرونها محاولات يائسة في بناء صرح يفتقر إلى عامل الوقت، الذي بات يخضع لشيوع التفاهة على حساب الرصانة العلمية. ولكن إذا ما عدنا إلى الرؤى النقدية سوف نرى أنه عمل يعود إلى مبادرة شجاعة في تحدي واقع مرير، من خلال استخدام قواعد استند إليها الطرف الآخر، والمقصود هنا وسيلة الفيديوهات القصيرة، وهذا ما يعزز القيمة الداعمة للمواضيع الحياتية التي يجب أن تكون في مكانتها الاجتماعية.

 

الخطأ... وللتنويه بما يُكتب هنا، لا أنصّب نفسي مقيّمًا لشخوصٍ يُعتبرون ممن ساهموا في بناء شخصية (البارون الأخير) منذ البداية، ولكن هم ذاتهم من علّمني (ألا مجاملة لأحد تُذكر على حساب الرصانة الأدبية).

وما يُعتبر قد أُسقط سهوًا في أصل الموضوع هو آليات مخاطبة العامة، فما زال الأكاديميون في هذا المحتوى متمسكين بالطرح الأكاديمي من خلال تبنّي أسس الفصاحة العربية في طرح الموضوع، وقد يكون لديهم أسبابهم في هذا، وقد يكون ترويج النطق الصحيح للغة العربية، ولكن قد يكون هذا مبكرًا نوعًا ما، وقد يخلق عدم جلب الاهتمام لدى شريحة كبيرة. وكان من المفروض التركيز على المعلومة ورصانتها قبل فرض ما نريد على المتلقي، ولم يكن هناك ضرر في إدخال نوع من روح الدعابة البعيدة عن الإسفاف في الموضوع، فالأدب العربي غني إلى حد كبير في هذا المضمار. وهنا تكون هناك ضرورة ملزمة للاستعانة بذلك كعامل جذب، فأنت اليوم قد خرجت من المسارات الأكاديمية التي تحكمها القرارات والقوانين، وقد قدّمت نفسك كصاحب محتوى للعامة، ولهذا يجب قراءة الأيديولوجيات العقلية التي تحكمها. أما فرض ما تريد، فيكون من خلال عمليات تدريجية للحفاظ على هيكلية العمل والمراد منه.

المضمون  ... أن كسر الجدار الأكاديمي لا يعني فقط الخروج إلى العامة، بل يعني أيضًا تعرية الذات الأكاديمية أمام النقد الشعبي. فالأكاديمي حين يدخل فضاء الفيديو القصير لا يفقد هيبته فقط، بل يضعها على المحكّ. وهنا تكمن الشجاعة الحقيقية؛ لأن النقد في الفضاء المفتوح لا يرحم، ولا يعترف بالألقاب العلمية.

كما أن مسألة “دقيقة ونصف” ليست مجرد زمن تقني، بل هي تحدٍّ فلسفي عميق. كيف يمكن اختزال تراكم معرفي لسنوات طويلة في تسعين ثانية؟ هنا نحن أمام صراع بين العمق والاختصار، بين التراكم والسرعة، بين العقل الذي اعتاد التفصيل والجمهور الذي اعتاد اللمحة الخاطفة. وهذه إشكالية تستحق الوقوف عندها بوصفها معركة بين زمنين لا بين أسلوبين فقط.

وهناك بعدٌ آخر لم يُفكَّك، وهو أن دخول الأكاديميين إلى فضاء المحتوى السريع قد يُفسَّر من قبل بعض النخب بوصفه تنازلًا، في حين أنه في حقيقته محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوعي العام. فالانسحاب لم يعد خيارًا، والعزلة لم تعد فضيلة، والصمت في زمن الضجيج مشاركة غير مباشرة فيه.

ثم إن اختيار اللغة الفصيحة الخالصة لا يُقرأ فقط بوصفه تمسّكًا أكاديميًا، بل قد يكون إعلان موقف ضد موجة التفكيك اللغوي التي تضرب هوية المجتمع. وهنا يصبح الإصرار على الفصاحة موقفًا ثقافيًا لا أسلوبًا تعبيرياً فحسب.

كما أن المقال لم يتوقف عند مسألة الاستمرارية، وهي الأخطر. فالمحاولة الأولى قد تكون ناجحة رمزيًا، لكن الرهان الحقيقي هو القدرة على التحول من مبادرة فردية إلى مشروع متكامل. لأن الثقافة لا تُبنى بلحظة شجاعة، بل بسلسلة مواقف متواصلة.

وهناك سؤال كان يمكن طرحه بصيغة أكثر مباشرة:

هل الجمهور مستعد فعلًا لاستقبال هذا النوع من الطرح، أم أننا ما زلنا نخاطب جمهورًا افتراضيًا نحلم بوجوده؟ لأن الفجوة ليست فقط بين الأكاديمي والعامة، بل بين المثقف والجمهور الذي أعاد تشكيل ذائقته وفق إيقاع مختلف تمامًا.

وأخيرًا، هناك بعدٌ أخلاقي في العمل لم يُبرز بشكل واضح، وهو أن المبادرة في زمن الفوضى ليست ترفًا، بل مسؤولية. فمن يمتلك المعرفة ولا يحاول توظيفها في فضاء التأثير العام يكون قد اختار الحياد، والحياد في لحظات التحول الكبرى ليس موقفًا بريئًا.

الخلاصة... هم رجال شجعان، ويُعتبرون فرسان الثقافة في زمن الفوضى العقلية، والعمل يُعدّ محاولة للوقوف أمام موجة عارمة تعصف بعقول العامة لفرض أجندة دخيلة على المجتمع، وها أنا أقف إجلالًا واحترامًا لكل من يحاول، ولو مجرد محاولة، لبناء مجتمع بمسارات صحيحة.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

مقال بعنوان / صور على جدار المقهى

 

 صور على جدار المقهى

تحت عنوان

السيرة الذاتية لعبود المجنون

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يُقال إن لكل دولة رجالًا، وهكذا الحال في حياتنا اليومية، وباختلاف الأزمنة والأسماء ما بين العظماء والأقزام، وللتفريق بينهم يكون الناتج الحياتي هو الفيصل، ومن باب ترك الحكم للقاعدة الاجتماعية في النتاج الإنساني، وترك التباهي بما لا يملك أحدهم، حتى قيل: (إن من أكثر في حمد نفسه فقد ذمّها).

وقد كانت حكاية من التراث الموصلي، امتزج بها الواقع والخيال، مفادها: (كان هناك في شارع حلب في الموصل، وهو من الشوارع القديمة في المدينة، رجل يُدعى عبود المجنون، له عربة لبيع «الكركري»، وهي عبارة عن علكة صلبة، يقف بها أمام المقاهي هناك، وقد كان على أحد الجدران صور لأدباء ومفكرين، وجرت العادة الوقوف أمام تلك الصور وتأملها كنوع من أنواع الحسد، ولكن بعد فترة ضرب زلزال اجتماعي المدينة فدمّر كل شيء، وسقطت جميع تلك الصور، عندها أسرع عبود المجنون في تعليق صورته على جدار ذلك المقهى المهدّم، كنوع من الانتصار الوهمي لتلك الشخصية التي تشعر بداخلها بالتهميش).

وإذا ما تأملنا الدروس والعِبر المستخلصة من مجريات تلك الحكاية، يكون هناك قول واحد، وهو: (إن أثرك هو ما تقدمه للمجتمع والبشرية). أما عن مسألة التقييم والإشادة بما تفعل، فاتركها لغيرك، فمن يمتلك مشروعًا إنسانيًا لا يكون هناك قانون ثابت لبدء الربح والخسارة، وإذا ما خرجت الأمور عن هذه النظرية يكون هناك نوع من أنواع الإسفاف في تقديم نفسك كمشروع إنساني، فلم يُروَ عن أحد من قبل قد خُلّد ذكره من خلال أعمال يشوبها نوع من الإسفاف.

القيمة الإبداعية تكون فقط في امتلاك الأدوات الكتابية، لا من خلال وسائل التملق والتلميع لشخص آخر من باب الشعور بالنقص، فالمبدع الحقيقي يدرك أنه أمام مسؤولية تاريخية، والكتابة لا تكون لتقول عنك الناس إنك كاتب أو أديب أو مثقف، ولكن يجب أن تكون لك رسالة لها هدف نبيل لخدمة العامة.

 

الريادة المزعومة شعور خاص لعبود منذ سنوات، وهو يتأمل تلك الصور ويسأل نفسه: ما الذي قدمه هؤلاء لتكون صورهم على الجدار؟ ولماذا لا تكون لي صورة معهم؟ ويُعد هذا نوعًا من الأسئلة الغبية إلى حد كبير، وهو يجهل حقيقة مفادها: (إن لكل مخلوقات الله إحساسًا، ولكن ليس كلها من يمتلك الأدوات للتعبير عن ذلك الإحساس). وهنا يكون هو أسوأ أنواع المجانين من الناحية العملية، فقد جمع ما بين الغباء والجهل، وهذا ما جعله يفتعل شعور الريادة المزعومة في داخله، فليس من الأهمية أن تقرأ آلاف الكتب، ولكن الأهم أن يكون لك رأي بما قرأت، وغير ذلك تتحول إلى طائر ببغاء ساذج، تردد كلمات قرأتها ولا تفهم المعاني والأهداف التي كُتبت لأجلها.

آخر مسمار في نعش عبود المجنون… سوف يغضب كل من يقرأ هذه الكلمات ويظن أن المقصود عددهم، ويبتسم بعضهم ليقول إن هذا المقال كُتب عبر الذكاء الاصطناعي، فوالله لو تمكن هو من كتابة هذا كما أكتبه أنا، لخرج من زوايا الذكاء ودخل حيّز العبقرية، وعبقريتي هنا تكمن في رصد أفعال الحمقى والمغفلين والمجانين، كما فعل من سبقنا في هذا، وهو الجاحظ رحمه الله. وقد قيل في القدم إن صياغة النص اقترنت بمهنة صياغة الذهب، وهم اليوم يمثلون تجار معدن التنك بدكاكين كُتب عليها كلمة (صائغ)، ولكن يبقى الزمن وحده الكفيل بالتمييز ما بين الخبيث والطيب، فيومًا ما سوف يرحل عبود، ويرحل معه أعماله الساذجة، ويبقى ما يستحق البقاء، هي كلمات كُتبت، ولو فهم أحدهم المقصود والمراد، لما كُتب بعد اليوم حرف واحد.

المصيبة الحقيقية ليست في عبود المجنون، بل في الجدار الذي سمح لصورة بلا أثر أن تُعلّق، وفي مقهى صفق للوهم، وفي جمهور لم يسأل يومًا: ماذا قدّمت؟ فالمجانين لا يصنعون الكارثة وحدهم، بل تصنعها بيئة تُكافئ الضجيج وتخاف المعنى. وحين تختلط الصور بالأسماء، ويُسوّى الأثر بالادّعاء، تتحول الثقافة إلى ديكور، والكتابة إلى ملصق، والتاريخ إلى حائط بلا ذاكرة. عندها لا نكون أمام عبود واحد، بل أمام مدينة كاملة تُعلّق صورتها على جدار الوهم، وتنتظر من الزمن أن يصفّق.

 

السبت، 7 فبراير 2026

مقال بعنوان / الكُرد ووهم الدولة الكبرى

 الكُرد ووهم الدولة الكبرى

تحت عنوان

الحقيقة التي لا يريد الكُرد سماعها

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


سوف يظنّ الكثير الآن أن ما سيُكتب هنا هو نوع من التهكّم على التاريخ الكُردي النضالي، وهذا بعيد عن الحقيقة. أكمل السطور لتعرف إلى أين أرمي، فليس من هو مثلي من يُنكر حقوق الشعوب في تقرير المصير. ولمن لا يعرف، لقد أدمعت عيناي في لحظة إجبار حزب العمّال آنذاك على إلقاء السلاح وحرقه، وليس ذلك لأنني متعاطف أو مؤيّد لحركتهم، بل لأنني رأيت تلك الدماء التي سُفكت منذ أعوام قد ذهبت أدراج الرياح. ولهذا كان علينا شرح أبعاد الشعارات الزائفة التي يُتاجر بها بدم الأكراد، ومنها:

 

عقدة الشوفينية ... وهنا يكون هناك تعريف للمصطلح؛ (بالإنجليزية: Chauvinism)، وهي الاعتقاد المغالي والتعصّب للوطن والقومية، والعنجهية في التعامل مع الآخرين، وتُعبّر عن غياب رزانة العقل والاستحكام في التحزّب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيّز لها، وخصوصًا عندما يقترن الاعتقاد أو التحزّب بالحطّ من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصّب الأعمى.

الشوفينية امتداد طبيعي للنزعة القومية، فالفخر القومي عندما يتجاوز حدوده يقود إلى الاستعلاء والنظرة الدونية للشعوب والقوميات الأخرى. ولكن ما لا يعرفه الكثير أن المفكّرين والأقلام الكُردية قد أمعنوا في التغوّل في ترسيخ هذا المعنى في العقل الباطن، حتى وصل الحال بأحدهم أنه لو اختلفت معه تحت أي مسمّى يطلق عليك أنك (شوفيني) وأنك عدوّ للأكراد.

وما قيل إنه نابع من مركز كراهيتك لهذا العنصر، لكن هنا انقلب السحر على الساحر، فأصبح جميع الكُرد اليوم لديهم حساسية من أي عنصر لا ينتمي إليهم، فأصبح الجميع يعاني من هذا المصطلح البغيض.

 

وهم الدولة ... يوعَز اليوم للكثير من الكُرد أن سبب منعهم من إقامة دولة هو القوميات التي تختلف عنهم، مثل العرب والأتراك والفرس، وفي هذا تجنٍّ كبير على مفهوم الفكر والحقيقة. فالحقيقة الغائبة عن زعامات ومفكّري الكُرد هي أن رفض إقامة دولتهم المزعومة هو رفض حكومة العالم الخفية، المتمثّلة بأقطاب المال والسلطة، لإقامة دولة يحكمها الكُرد.

والسبب في ذلك أن الكُرد، بصورتهم التي هم عليها، أكثر نفعًا من كونهم مجتمعين، فقد كان لهم دور أساسي لعبوه منذ وقت طويل بشكل مثالي، وهو دور (سكين الخاصرة)، فبهم فقط يمكن مساومة أنظمة المنطقة لفرض أجندة معيّنة، يُروَّض بها من يخرج عن المسارات الاستعمارية الجديدة. وقد فعل الأكراد كل شيء على المستوى السياسي والعسكري، لكنهم اليوم مثل من يدور في دائرة مغلقة.

 

الإيديولوجيات الخاطئة ... لقد فشل المفكّرون الأكراد منذ البداية في بناء صروح تعزّز قضيتهم، فكان التركيز على الجانب القتالي، وهذا ما استغلّته الدول التي لها أطماع في المنطقة. وما زالوا متغاضين عن قضايا كبيرة، فقد انحصر تركيزهم على قضية الأصول، لكن إذا عدنا إلى اللغة سنجد أنهم، ولغاية اليوم، لم يستطيعوا استبدال المصطلحات الفارسية والتركية والعربية، وفي هذا دلالات خطيرة إذا ما أمعنّا النظر في جوانب القضية.

لم يكسب الكُرد منذ ذلك الوقت سوى الكراهية ممّن حولهم، وهذه حقيقة، لعن الله من ينكرها، وإن لم يُعلنوا ذلك. فأي إيديولوجية حمقاء هذه التي تجني منها كراهية البشر؟

ولكن ما لا يعرفه الكثير أن لهم الحق في مطلبهم، غير أنهم مطالبون بتصحيح الإيديولوجيات القديمة.

 

نصيحة بوزن الذهب ... تكمن في رسم صورة جميلة في أذهان الشركاء في التاريخ. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، إذا أحصينا مكتسبات الحركات التحرّرية الكُردية، سنجد أن كل ما تحقّق يندرج تحت مثل شعبي يقول: (جاك الواوي وجاك الذيب). فالقتل والتهجير وخراب المدن، وحتى تجربة كردستان العراق، لا تُعدّ مكسبًا بالمعايير العقلية.

ولهذا اقتضى الأمر اللجوء إلى نظرية إقناع الشريك بالحق، ولا شيء يعلو على الحق وأهله، والكفّ عن تلك السياسات التي تُصوّر غير الكُرد على أنهم ذئاب سائبة تنتظر الفرصة للانقضاض وإنهاء القضية. والمضيّ في رسم مسارات عقلية من خلال برامج تثقيفية للعامة، يُبنى عليها مفهوم إقامة دولة يسعى لها الشركاء قبل الكُرد. وقد فشل السلاح في هذا، لذا فهي دعوة لاستبدال السلاح بالعقل، فالشعوب الحيّة تبني صروحها بمنطق العقل عندما تُدرك أن السلاح عاجز عن تحقيق ما أُنفِق في سبيله الغالي والنفيس.

 

الخلاصة ... إن الطريقة التي هم عليها لن تُفضي إلى تأسيس عائلة، فكيف بمن يريد بناء دولة؟ فالدولة لا تُبنى بهذا الشكل، وإنما تُبنى من خلال قيم توعوية تُقنع المقابل قبل الكُرد بوجوب الحق، وترك لغة رسم صورة عدائية لكل من يختلف مع الكُرد في طريقة تحقيق الهدف.

ولمن لا يعلم، فإن الكُرد في الأصل من الشعوب المسلمة، ولكن ما أوصلهم إلى هنا هو الطريقة الخاطئة في طرح المطالب. ولهذا لن يكون هناك ما يُعرف بـ(الدولة الكُردية الكبرى)، وخذوها مني: العالم لا يريدكم مجتمعين.

ولكن هناك طريقة واحدة يمكن بها التغلّب على كل ذلك، وهي إثبات نظرية (حُسن النوايا)، وعندها فقط سيكون هناك كيان ووطن خاص بالكُرد والأكراد.

الخميس، 5 فبراير 2026

مقال

 

 عرش الشيطان يجثم هناك في الشرق

تحت عنوان

وجوب مواجهة الشيطان اليوم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

 


نعم، سُمِّي بالمرض الخبيث، وهم كذلك أو أشد. وفي هذه السطور لن أتحدث عن شياطين الجن، بل عن شياطين الإنس. فمنذ فجر الإسلام كان هناك عدوّ أشد بأسًا من أولئك المشركين الذين يعلنون ما يتبنّونه من معتقدات؛ إنهم أولئك الذين يؤمنون بغير ما يُظهرون. ولو عدنا إلى الأحداث التاريخية لرأينا أن جميع المسارات تشير إلى جهة واحدة؛ فهم قتلة الخلفاء والأولياء، وهم مثيرو الفتن، وهم أيضًا المفسدون في الأرض. ومنهم خرجت طوائف خارجة عن الملة، حتى باتوا مرتبطين بأفكار التطرّف والانتحار في العالم.

 

قوميون كُذّاب لا دين لهم ... قوم ما زالوا يحملون الأحقاد في داخلهم، رغم ادّعائهم غير ذلك. وهم أعوان الشيطان، يعملون منذ قرون على إسقاط حكم الله عبر تشويه الشريعة الدينية. وهم الجحود، ناقضو العهود، المفسدون للحكم، المتقوّلون على الله وخلقه بما لا ذمّة لهم فيه.

 

صفاتهم ... كلابُ السلطة على مرّ التاريخ؛ فهم من يدعمون أهلها، وهم من يقضمونها. كارهون للعرب، بزعم أنهم أصحاب تاريخ أسقطه المسلمون، وقد نسوا أن الأعراب هم من حملوا لهم الخير المتمثل بالإسلام. فكان منهم وزراء مراوغون، وحرس خونة، ينتشرون كانتشار المرض الخبيث في الجسد. لا قيم أخلاقية لهم؛ يدافعون عن السيف إن نصر، ويكسرونه إن هُزم، وهم مثيرو الشغب والفتن.

 

ازدواجية الخطاب ... أخطر ما في هذا الفكر أنه لا يعيش على المواجهة، بل على الازدواجية؛ وجهٌ يبتسم للعلن، وآخر ينهش في الخفاء. خطابٌ مغموس بالشعارات، لكنه خالٍ من القيم، يتبدّل بتبدّل المصلحة، ويتلوّن بحسب الريح. هو فكر لا يؤمن بالثبات، لأن الثبات يفضح، ولا يؤمن بالمواجهة، لأن المواجهة تكشف خواءه.

 

قرن الشيطان ... يخرج فيهم ما حذّر منه رسولنا الكريم، صاحب الفتنة العظيمة. فأرضهم – كما يصوّرها التاريخ – مشبعة بالدماء، وهم أعوانه والداعمون له. فقد كذبوا وقتلوا الأوّلين، ويفتنون الآخرين، وفي ذلك شرّ عظيم لا تدركه البشرية اليوم إدراكًا كاملًا.

تديين السياسة وتسليع المقدّس ... لم يكن الخلل يومًا في النص، بل فيمن حوّله إلى أداة. حين يُستدعى المقدّس ليغطي العجز السياسي، يصبح الدين قناعًا، لا مرجعية. تُحرّف المقاصد، وتُجزّأ القيم، ويُستثمر الألم الجمعي ليُصنع ولاء أعمى. هكذا يُستبدل الإيمان بالاصطفاف، والعبادة بالطاعة، والحق بالهتاف.

 

تفكيك الذاكرة وتشويه التاريخ ... يعتمد هذا المشروع على إعادة كتابة الذاكرة؛ لا ليصحّح، بل ليُدين انتقائيًا. يُبرز ما يخدم السردية، ويطمس ما يناقضها. تُستخرج الوقائع من سياقها، وتُحمَّل ما لا تحتمل، ليُصنع تاريخٌ مشوّه يصلح للتحريض لا للفهم. وحين تُكسَر الذاكرة، يسهل توجيه الحاضر.

 

اقتصاد الفتنة ... ليست الفتنة حالة عابرة، بل موردًا يُدار. تُغذّى بالخوف، وتُسقى بالشك، وتُحصَد نفوذًا. كلما اشتعل النزاع، ازدهرت التجارة الرمزية: زعامات تتضخم، ومنابر تتكاثر، وأسواق خطابية لا تبيع إلا الوهم. وفي هذا الاقتصاد، الخاسر الوحيد هو المجتمع.

 

تآكل القيم العامة ... حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والضجيج بديلاً عن العمل، تنهار المعايير. تُكافأ الصدمة لا الحكمة، ويُرفع المتطرّف لأنه أعلى صوتًا. عندها تُستنزف الدولة من الداخل، لا بفعل عدو معلن، بل بفعل فكر يضعفها باسم حمايتها.

 

العدو غير المرئي ... الخصم الأخطر ليس من يعلن خصومته، بل من يتخفّى في اللغة، ويتسلّل عبر الشعارات، ويطلب الثقة بلا محاسبة. هذا عدو لا يحمل راية، بل يحمل قاموسًا مزدوجًا. يربح حين يُساء الظن بالجميع، ويخسر حين يُسأل عن برنامجه وممارساته.

 

المضمون ... بات هؤلاء اليوم الأخطر على تثبيت القيم الإلهية في الأرض؛ فخطرهم يكمن في كونهم عدوًا غير مُصرَّح به، وهو من أخطر الأعداء الممكن مواجهتهم. وقد فشلت الحِقب التاريخية في تحجيم أثرهم؛ لانتمائهم إلى فكر منحرف متلوّن. وقد تكون لإرادة الله حكمة في بقائهم، كسكين في الخاصرة لاختبار الإيمان الحقيقي. ولهذا يجب العمل على مواجهتهم فكريًا وسياسيًا بأساليب تضاهي فداحة فكرهم الخبيث؛ فهم انتهازيون لا يُحسنون المواجهة. فجميع حِقبهم التاريخية التي ما زالوا يتغنّون بها حُصدت بأساليب ملتوية، بلا قيم ولا عقيدة، سوى خدمة الشيطان، لعنه الله، إلى يوم يُبعثون.

 

الخلاصة ... كما أن الجنة تطلب أهلها، فإن النار تطلب أهلها. وإن السكوت عن ممارسات الشيطان التي يتبنّاها هؤلاء يُعد تواطؤًا أخلاقيًا. وقد يقول قائل: إذا كان هذا حال الشرق، فماذا عن الغرب؟ والجواب أن أولئك يعلنون العداء علنًا، والحق يقال إن هذا أهون؛ إذ لا يمثّل خطرهم ما يمثّله خطر عرش الشيطان وأعوانه المتخفّين، الذي يجثم هناك. (لعنهم الله أجمعين)

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

 عمليات تتفيه العقل الجمعي

تحت عنوان

فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

 


في صباح هذا اليوم كان هناك حوار بيني وبين الدكتور محمود صالح، رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب جامعة الموصل ، عن هذه المسألة، وقد كان هناك نوع من الاستغراب لكوني لم أتحدث عن هذا الأمر، برغم أهميته من وجهة نظره طبعًا، ولهذا كان يجب علينا تبيان السبب الحقيقي لهذا الأمر.

 

البداية… تتجسد في مثل شعبي مفاده: (إن خرج العيب من أهله فلن يكون عيبًا)، فلكل أمة على هذه الأرض عاداتها وتقاليدها، تُبنى على أسس من بينها المعتقدات والعادات والتقاليد، والاستغراب هنا يُعدّ نوعًا من السذاجة المطلقة. فالموضوع قديم؛ فقد قرأت عنه منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنا على دراية كاملة بما يحدث هناك، فالأمر لم يكن طيّ الكتمان كما يظن البعض، ولكن إثارته في هذا الوقت بالذات لها مسببات يجب البحث عنها.

 

الطقوس الغريبة… سفك دماء، وتجارة نخاسة، وصالات قمار، وأعمال شاذة عن القيم الإنسانية، بمباركة من رجال المال والسلطة في العالم، أمر لا يثير الغرابة، ولكن ما يُثار اليوم على مواقع التواصل هو ما يُراد منه إشغال الرأي العام عن قضايا مصيرية تمس حياة المواطن بمختلف مستوياته.

والحقيقة أن ما يجري يذكرني بحكاية من التراث الشعبي: (يُحكى أن خروفًا وماعزًا كانا يقفان على جدول ماء، فهمّ الخروف بالقفز وقد فعله، فكشفت عورته، فضحكت الماعز، عندها التفت الخروف إليها وقال: لماذا تضحكين؟ هل لأن عورتي كُشفت لمرة واحدة؟ فماذا عنكِ وأنتِ منذ ولادتكِ عورتكِ مكشوفة للجميع؟)

وهنا تكون هناك عملية إسقاط على واقعنا المرير.

البعد الإعلامي… لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل في إعادة تدوير الحدث الواحد حتى يفقد معناه الحقيقي. فالإعلام اليوم لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن قابلية الخبر للاستهلاك السريع.

فضيحة جزيرة إبستين لم تُطرح بوصفها ملفًا أخلاقيًا أو قانونيًا يُفضي إلى محاسبة حقيقية، بل قُدِّمت كوجبة دسمة لإشباع فضول الجماهير، ليتم استهلاكها ثم رميها جانبًا، تمامًا كما تُرمى أي مادة ترفيهية أخرى. وهنا تتحول الجريمة من قضية إلى محتوى، ومن مأساة إنسانية إلى ترند عابر.

إذا ما نظرنا من حولنا، فنحن اليوم نكمن في عنق الزجاجة، بين خوف من الحروب الإقليمية التي من حولنا، والأزمة المالية، والمأزق الدستوري، والانفلات القانوني الذي سوف يجعل من البلد الدخول في النفق المظلم. فاليوم قضيتنا أهم مما يحدث في جزيرة يديرها حفنة من رجال المال والسلطة لإرضاء شهواتهم الشخصية.

نحن اليوم نحتاج إلى توعية عقلية للتمييز بين المواضيع التي نتناولها لتصبح حديثنا اليومي، والحق يُقال إننا نحتاج إلى معجزة بصحبة نبي مُرسل من السماء ليضع الحلول التي نعاني منها اليوم، وبما أن فكرة الأنبياء انتهت بوفاة رسولنا الكريم، فلم يعد لدينا سوى التدخل الإلهي لحل المشاكل المتراكمة في حياتنا المعاصرة.

 

ازدواجية المعايير… ما يثير الريبة ليس ما حدث في الجزيرة، بل ردود الفعل الانتقائية تجاهه. فالعالم الذي يصمت يوميًا عن مجازر، وحروب، وتجويع شعوب بأكملها، يستيقظ فجأة على ضميره حين يتعلق الأمر بفضيحة أخلاقية داخل دائرة النخبة.

وهنا تتجلى ازدواجية المعايير بأبشع صورها؛ إذ تُدان الرذيلة حين تُستخدم للإلهاء، ويُبرَّر القتل حين يخدم المصالح. وهذا بحد ذاته شكل آخر من أشكال تتفيه العقل الجمعي، حين يُدفع الإنسان للاهتمام بالقشور وترك الجذور.

 

التفاهة الاجتماعية… هي حالة جماعية يتحول فيها المجتمع من فضاء منتج للقيم والمعرفة والوعي إلى ساحة يُعاد فيها تدوير السطحية، ويُكافأ فيها الضجيج بدل الفكرة، ويُرفع التافه إلى موقع التأثير، بينما يُقصى العاقل والمفكر والمبدع الحقيقي. فليست التفاهة الاجتماعية مجرد سلوك فردي عابر، بل منظومة ثقافية وسلوكية تتغذى على القبول العام، وتترسخ عبر الإعلام، والتعليم المشوّه، وشبكات التواصل، وتتحول مع الوقت إلى نمط حياة ومعيار نجاح.

عندها تفرض التفاهة مفاهيم مغايرة للواقع، منها أن تكون الشهرة بديلًا عن الاستحقاق، ولهذا تجد الكثير من البشر يبحثون عن أخبار تستفز الجانب العاطفي للإنسان، وتُستبدل الشجاعة الأخلاقية بالوقاحة، والتعبير الحر بالإسفاف، وهذا ما جعل من موضوع تافه مثل (جزيرة إبستين) موضع اهتمام العامة.

ولقد أُنهك العقل الجمعي بكثرة الصدمات حتى بات غير قادر على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. فالتكرار المستمر للفضائح، دون نتائج حقيقية، خلق حالة من التبلد المعرفي، حيث لا يعود الحدث صادمًا بحد ذاته، بل يصبح مجرد حلقة في مسلسل لا نهاية له.

وهنا يكمن الخطر؛ فالعقل الذي يعتاد القبح، لا يعود قادرًا على مقاومته.

 

سؤال المسؤولية… السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس: ماذا حدث في جزيرة إبستين؟

بل: لماذا نُدفَع اليوم للاهتمام به؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من إعادة فتح هذا الملف بهذا الشكل؟

فحين يغيب هذا السؤال، نكون قد وقعنا – دون أن نشعر – في الفخ ذاته الذي ننتقده.

 

الخلاصة… بدل البحث عن خروقات الآخرين، انظر في المرآة ولو للحظة، وانظر إلى عيوبك، فليس هناك شخص على هذه الأرض يمتاز بالكمال. فبهذا فقط نستطيع أن نكون إنسانًا يستحق العيش على هذه الأرض.

فنحن العرب، ومنذ فجر التاريخ، كنا نتباهى بالقيم الأخلاقية كنوع من الرد على ما كان يفعله الآخرون ممن يحطّون بنا. فالعرب، ولمن لا يعرف، هم الوحيدون على الأرض الذين يمتلكون دماء نقية؛ فنحن أقوام أنساب نعرف منها القيمة الحقيقية لمعنى مصطلح (النبل).

فلا تجعل من نفسك مصدرًا لانتشار التفاهة، فلم يعد الأمر كما كنا عليه، ولهذا تكون هنا دعوة للحفاظ على ما قد نملكه اليوم.


السبت، 31 يناير 2026

مقال

 بيت حنتوش (السيرة الذاتية للأسد)

تحت عنوان

إدارتهم لمنطقة ما بين الجسرين وعشيرة البكارة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية من الاسم (حنتوش)، وهو من الأسماء الشعبية المتداولة ما بين العراق والشام، وفي الدلالة اللغوية فهو مشتق من الجذر (ح ن ت)، وهو جذر ارتبط في اللغة العربية واللغات السامية، ويعني في الغالب (الحنكة، والدهاء، والصلابة، والتحمّل).

أما في المعنى الشعبي فلن يذهب بعيدًا عمّا ذُكر، فيشير إلى (الشخص القوي الصبور الذي يتحمّل الشدائد أو صاحب الفطنة). ولا يُعدّ الاسم من أسماء الفصاحة، ولكن في الغالب يُطلق هذا الاسم على أشخاص أو عوائل في موقف معيّن أو حدث جلل يثبت به صاحبه أنّه جدير باللقب.

الزمن هو منتصف القرن الماضي، وما قبل تسمية لقب الشيخ، فكانت عشيرة البكارة وقتها تعود في انتمائها العشائري إلى بلاد الشام.

ملاحظة: البكّارة هو الاسم الجمعي، أمّا البجّاري فهو الاسم الفردي وقتها.

ولكن لم يكن الأمر يُدار بينهم بشكل عشوائي، فكان هناك ما يُعرف بـ المختار، وقد أُسند هذا الأمر إلى أولاد حنتوش وقتها، بعد وفاة ابن عمّهم سيد سلطان، الذي لم يكن لديه أبناء ذكور، فكانت الأولوية لمحمد حنتوش، الذي كان يتمتّع بصفات تؤهله لهذا المنصب، وكان قريبًا من العرافة كما يُعرف عند الأوساط الشعبية.

والجدير بالذكر هنا أنّه كان رجلًا صاحب معرفة، متكلمًا مقنعًا لمن حوله بما يمتلكه من أدوات معرفية. وبعدها تولّى أخوه محمود حنتوش، وهو جدّي، والذي كان يمتاز بشخصية قيادية متفرّدة، وهذا ما عزّز الدور القيادي لبيت (حنتوش) وقتها، في إقناع من حولهم بأنّهم الجديرون بما أوكل إليهم.

وهذا لا يعني بالمرة أنّ العوائل التي كانت تنتمي للمنطقة، سواء كانوا من البكّارة أو سواهم، أقلّ منهم – لا سامح الله – ولكن كان لهم الريادة في جمع التأييد لهم في إدارة المشهد وقتها.

وما قد لا يعلمه الكثير أنّ المنطقة سكنتها العديد من العشائر العربية والكردية في ذلك الوقت، ولكن كان لبيت (حنتوش) الدور الريادي على الأرض.

وهنا قد يسأل أحدكم: ما الذي كانوا يمتلكونه ليحقّقوا هذا النجاح في إدارة البكّارة والمنطقة في ذلك الزمن؟

وهنا سنذكر بعض الأسباب:

الرجولة… في الكثير من الأحيان تُضطر أن تقول لأحدهم: كن رجلًا، ومع أنّه قد سُجّل في الدفاتر الحكومية أنّه ذكر، ولهذا غالبًا ما يُقال: قِلّة الرجال بين جموع الذكور.

ولتكون رجلًا يجب أن تتحلّى بصفات غير البطولة والشجاعة، ومنها النهي بالنفس، وأن تكون قدوة يُقتدى بها.

ففي وقتٍ ما دخل أبناء (حنتوش) في صراع دموي مع عائلة كانت تسكن المنطقة بسبب خلاف – بغضّ النظر عن أسبابه – ورغم ذلك لم يُقحموا أبناء العشيرة في هذه القضية، رغم شدّة الصراع وتولّيهم أمور المنطقة. وكان هذا انطلاقًا من باب تحمّل مسؤولية أفعالهم، وهذا ما لا تجده عند الكثير في الماضي أو في الوقت الحاضر.

لم تكن الرجولة عند بيت حنتوش مجرّد صفة تُقال أو موقفًا عابرًا يُتخذ عند اشتداد الأزمات، بل كانت سلوكًا يوميًا يُقاس بقدرتهم على تحمّل تبعات أفعالهم دون أن يجرّوا غيرهم إلى ساحات لا ذنب لهم فيها. فقد أدركوا مبكرًا أن الرجولة الحقيقية لا تُقاس بحجم القوة المستخدمة، بل بقدرة صاحبها على ضبط تلك القوة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، وهو ما جعلهم، في أكثر اللحظات توترًا، يختارون الوقوف وحدهم بدل الاحتماء بالجماعة، محافظين بذلك على وحدة المنطقة ومكانة العشيرة، ومقدّمين نموذجًا نادرًا في تحمّل المسؤولية الفردية.

عزّة النفس… وهنا، وبصراحة، هناك حادثة يجب الوقوف عندها طويلًا.

كان أبناء (حنتوش)، وهم الرعيل الأول، يبلغ عددهم ستة أشخاص، وكان من بينهم (حامد)، الذي دخل السجن في وقتها بسبب مشاجرة، وقد أعلن الجميع اعتراضهم على ذلك الموقف حينها، ومن باب اتخاذ الموقف امتنع إخوته عن زيارته.

ولكن بعد فترة تعرّض رجال العائلة للاعتقال بسبب موقفهم السياسي، وعندها التقى الإخوة خلف القضبان، وكان لا بدّ من وجود أحد يساندهم، فكان هناك (حامد)، وبصراحة قدّم لهم وقتها أكثر مما كانوا يتوقّعون.

ولكن انتبه أخوه محمود إلى أمر غريب يحدث، وهو أنّ أخاه لا يجالسهم على الطعام، وعند سؤاله أجاب:

اذهب يا محمود وكُل واتركني، فمن في السجن لا يعرفون أنّني أخ لكم، وسوف يُقال عنّي وقتها: شوفوا حامد حنتوش يخدم ويأكل.

وهنا تكون هذه الأخلاقيات حكّام المنطقة، وهذه صورة صغيرة عن قصص وحكايات تثبت عزّة نفسهم، ليُثبتوا للجميع أنّهم الأصلح لهذا الدور.

أما عزّة النفس، فقد تجلّت في مواقف صامتة أكثر بلاغة من أي خطاب، حيث كان الامتناع عن استغلال القرابة أو الاسم العائلي في تحقيق مكاسب شخصية هو السمة الأبرز لسلوكهم. لم تكن الكرامة لديهم شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزامًا أخلاقيًا ثابتًا يحكم تصرّفاتهم في العلن والخفاء. فكان تقديم العون دون إعلان، وتحمل الأذى دون شكوى، والفصل الواضح بين الروابط العائلية والواجب العام، جزءًا من منظومة قيم جعلت احترام الناس لهم نابعًا من الثقة لا من الخوف، ومن القناعة لا من المجاملة.

الحكمة… ومن أهم الصور التي تثبت امتلاكهم لهذه الصفة حادثة مشهورة وقعت في المنطقة، وهي جريمة قتل بين اثنين من أبناء البكّارة.. فكان هناك موقف مشرّف لأبناء حنتوش وقتها، حين قالوا للجميع:

إن ما حدث هو قضية بين أبناء عمومة، ولن نسمح بالمزايدة على أحد منهم، واتركوا الأمر لصاحب الأمر.. عندها سكت الجميع، لإيمانهم بأنّ ما قيل ينبع من حكمة يتحلّى بها قائد حكيم.

وتكتمل هذه الصورة بالحكمة التي شكّلت حجر الأساس في حضورهم القيادي، إذ لم يتعاملوا مع الأزمات بوصفها ساحات استعراض، بل باعتبارها مسؤوليات تتطلب التروي وحسن التقدير. كانوا يدركون أن الكلمة قد تُطفئ نارًا أو تشعل فتنة، ولذلك اختاروا في كثير من الأحيان الصمت الموجّه على الخطاب الانفعالي، وتركوا لكل ذي حق حقه دون تدخل يفسد ميزان العدالة. هذه الحكمة جعلتهم مرجعًا غير معلن، يُحتكم إلى رأيه لما يحمله من اتزان وبعد نظر، لا لما يملكه من نفوذ أو سلطة.

الخلاصة… إن أبناء (حنتوش) وقتها لم يكونوا من أصحاب المال والنفوذ لتكون قيادتهم آتية من رياء أو خوف – لا سامح الله – ولكن كان الرعيل الأول لهذه العائلة يجمع الكثير من الصفات الحميدة التي لم يقف صداها عند حدود المنطقة، بل عبرت آفاق المدينة من قرى وأرياف.

حتى جاء وقت إذا سُئل أحدهم: أنت بجّاري؟ أجاب بنعم، فيُردّ عليه السؤال: هل أنتم أقرباء لبيت حنتوش؟

فإذا ما أجاب بكلمة لا، قالوا له: أنت لا تنتمي لهذه العشيرة... وهذا يُعدّ من السمعة الطيبة التي اكتُسبت بالعمل الصادق من أولئك الذين كانوا في تلك الفترة، وقد قدّموا بهذه وتلك أبلغ الدروس والعبر لمن يريد أن يتزعّم المشهد...

ومن اجتماع الرجولة وعزّة النفس والحكمة، تشكّلت لدى بيت حنتوش قيادة طبيعية لم تُفرض بقوة المال ولا سطوة السلاح، بل نمت من ثقة الناس وتراكم المواقف الصادقة. قيادة لم تبحث عن الألقاب، لكنها صارت عنوانًا لها، ولم تسعَ إلى الهيمنة، لكنها أصبحت معيارًا يُقاس به الانتماء والسمعة. وهكذا تجاوز تأثيرهم حدود الزمن والمكان، ليغدو اسمهم شاهدًا على أن القيادة الحقيقية تُبنى بالأخلاق قبل المواقع، وبالمواقف قبل الشعارات.

فرحم الله الأولين من أبناء حنتوش، وحفظ الباقين، فقد كانوا دروسًا حيّة تمشي بين الناس، لتعلّمهم معنى أن تكون قائدًا حقيقيًا لإدارة المشهد في ذلك الوقت.

ملاحظة:

لم أكتب هذه السطور لأنني فقط من نسل عمالقة أبناء حنتوش، بل لأنها حقيقة يجب أن تُوثّق بطريقة تليق بهم.

مقال

    جعيفر رئيس الوزراء العراقي القادم تحت عنوان سيرة جعفير الجهادية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين الفكرة مستوحاة من عمل مسر...