بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

 عمليات تتفيه العقل الجمعي

تحت عنوان

فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين

 


في صباح هذا اليوم كان هناك حوار بيني وبين الدكتور محمود صالح، رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب جامعة الموصل ، عن هذه المسألة، وقد كان هناك نوع من الاستغراب لكوني لم أتحدث عن هذا الأمر، برغم أهميته من وجهة نظره طبعًا، ولهذا كان يجب علينا تبيان السبب الحقيقي لهذا الأمر.

 

البداية… تتجسد في مثل شعبي مفاده: (إن خرج العيب من أهله فلن يكون عيبًا)، فلكل أمة على هذه الأرض عاداتها وتقاليدها، تُبنى على أسس من بينها المعتقدات والعادات والتقاليد، والاستغراب هنا يُعدّ نوعًا من السذاجة المطلقة. فالموضوع قديم؛ فقد قرأت عنه منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنا على دراية كاملة بما يحدث هناك، فالأمر لم يكن طيّ الكتمان كما يظن البعض، ولكن إثارته في هذا الوقت بالذات لها مسببات يجب البحث عنها.

 

الطقوس الغريبة… سفك دماء، وتجارة نخاسة، وصالات قمار، وأعمال شاذة عن القيم الإنسانية، بمباركة من رجال المال والسلطة في العالم، أمر لا يثير الغرابة، ولكن ما يُثار اليوم على مواقع التواصل هو ما يُراد منه إشغال الرأي العام عن قضايا مصيرية تمس حياة المواطن بمختلف مستوياته.

والحقيقة أن ما يجري يذكرني بحكاية من التراث الشعبي: (يُحكى أن خروفًا وماعزًا كانا يقفان على جدول ماء، فهمّ الخروف بالقفز وقد فعله، فكشفت عورته، فضحكت الماعز، عندها التفت الخروف إليها وقال: لماذا تضحكين؟ هل لأن عورتي كُشفت لمرة واحدة؟ فماذا عنكِ وأنتِ منذ ولادتكِ عورتكِ مكشوفة للجميع؟)

وهنا تكون هناك عملية إسقاط على واقعنا المرير.

البعد الإعلامي… لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل في إعادة تدوير الحدث الواحد حتى يفقد معناه الحقيقي. فالإعلام اليوم لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن قابلية الخبر للاستهلاك السريع.

فضيحة جزيرة إبستين لم تُطرح بوصفها ملفًا أخلاقيًا أو قانونيًا يُفضي إلى محاسبة حقيقية، بل قُدِّمت كوجبة دسمة لإشباع فضول الجماهير، ليتم استهلاكها ثم رميها جانبًا، تمامًا كما تُرمى أي مادة ترفيهية أخرى. وهنا تتحول الجريمة من قضية إلى محتوى، ومن مأساة إنسانية إلى ترند عابر.

إذا ما نظرنا من حولنا، فنحن اليوم نكمن في عنق الزجاجة، بين خوف من الحروب الإقليمية التي من حولنا، والأزمة المالية، والمأزق الدستوري، والانفلات القانوني الذي سوف يجعل من البلد الدخول في النفق المظلم. فاليوم قضيتنا أهم مما يحدث في جزيرة يديرها حفنة من رجال المال والسلطة لإرضاء شهواتهم الشخصية.

نحن اليوم نحتاج إلى توعية عقلية للتمييز بين المواضيع التي نتناولها لتصبح حديثنا اليومي، والحق يُقال إننا نحتاج إلى معجزة بصحبة نبي مُرسل من السماء ليضع الحلول التي نعاني منها اليوم، وبما أن فكرة الأنبياء انتهت بوفاة رسولنا الكريم، فلم يعد لدينا سوى التدخل الإلهي لحل المشاكل المتراكمة في حياتنا المعاصرة.

 

ازدواجية المعايير… ما يثير الريبة ليس ما حدث في الجزيرة، بل ردود الفعل الانتقائية تجاهه. فالعالم الذي يصمت يوميًا عن مجازر، وحروب، وتجويع شعوب بأكملها، يستيقظ فجأة على ضميره حين يتعلق الأمر بفضيحة أخلاقية داخل دائرة النخبة.

وهنا تتجلى ازدواجية المعايير بأبشع صورها؛ إذ تُدان الرذيلة حين تُستخدم للإلهاء، ويُبرَّر القتل حين يخدم المصالح. وهذا بحد ذاته شكل آخر من أشكال تتفيه العقل الجمعي، حين يُدفع الإنسان للاهتمام بالقشور وترك الجذور.

 

التفاهة الاجتماعية… هي حالة جماعية يتحول فيها المجتمع من فضاء منتج للقيم والمعرفة والوعي إلى ساحة يُعاد فيها تدوير السطحية، ويُكافأ فيها الضجيج بدل الفكرة، ويُرفع التافه إلى موقع التأثير، بينما يُقصى العاقل والمفكر والمبدع الحقيقي. فليست التفاهة الاجتماعية مجرد سلوك فردي عابر، بل منظومة ثقافية وسلوكية تتغذى على القبول العام، وتترسخ عبر الإعلام، والتعليم المشوّه، وشبكات التواصل، وتتحول مع الوقت إلى نمط حياة ومعيار نجاح.

عندها تفرض التفاهة مفاهيم مغايرة للواقع، منها أن تكون الشهرة بديلًا عن الاستحقاق، ولهذا تجد الكثير من البشر يبحثون عن أخبار تستفز الجانب العاطفي للإنسان، وتُستبدل الشجاعة الأخلاقية بالوقاحة، والتعبير الحر بالإسفاف، وهذا ما جعل من موضوع تافه مثل (جزيرة إبستين) موضع اهتمام العامة.

ولقد أُنهك العقل الجمعي بكثرة الصدمات حتى بات غير قادر على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. فالتكرار المستمر للفضائح، دون نتائج حقيقية، خلق حالة من التبلد المعرفي، حيث لا يعود الحدث صادمًا بحد ذاته، بل يصبح مجرد حلقة في مسلسل لا نهاية له.

وهنا يكمن الخطر؛ فالعقل الذي يعتاد القبح، لا يعود قادرًا على مقاومته.

 

سؤال المسؤولية… السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس: ماذا حدث في جزيرة إبستين؟

بل: لماذا نُدفَع اليوم للاهتمام به؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من إعادة فتح هذا الملف بهذا الشكل؟

فحين يغيب هذا السؤال، نكون قد وقعنا – دون أن نشعر – في الفخ ذاته الذي ننتقده.

 

الخلاصة… بدل البحث عن خروقات الآخرين، انظر في المرآة ولو للحظة، وانظر إلى عيوبك، فليس هناك شخص على هذه الأرض يمتاز بالكمال. فبهذا فقط نستطيع أن نكون إنسانًا يستحق العيش على هذه الأرض.

فنحن العرب، ومنذ فجر التاريخ، كنا نتباهى بالقيم الأخلاقية كنوع من الرد على ما كان يفعله الآخرون ممن يحطّون بنا. فالعرب، ولمن لا يعرف، هم الوحيدون على الأرض الذين يمتلكون دماء نقية؛ فنحن أقوام أنساب نعرف منها القيمة الحقيقية لمعنى مصطلح (النبل).

فلا تجعل من نفسك مصدرًا لانتشار التفاهة، فلم يعد الأمر كما كنا عليه، ولهذا تكون هنا دعوة للحفاظ على ما قد نملكه اليوم.


السبت، 31 يناير 2026

مقال

 بيت حنتوش (السيرة الذاتية للأسد)

تحت عنوان

إدارتهم لمنطقة ما بين الجسرين وعشيرة البكارة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية من الاسم (حنتوش)، وهو من الأسماء الشعبية المتداولة ما بين العراق والشام، وفي الدلالة اللغوية فهو مشتق من الجذر (ح ن ت)، وهو جذر ارتبط في اللغة العربية واللغات السامية، ويعني في الغالب (الحنكة، والدهاء، والصلابة، والتحمّل).

أما في المعنى الشعبي فلن يذهب بعيدًا عمّا ذُكر، فيشير إلى (الشخص القوي الصبور الذي يتحمّل الشدائد أو صاحب الفطنة). ولا يُعدّ الاسم من أسماء الفصاحة، ولكن في الغالب يُطلق هذا الاسم على أشخاص أو عوائل في موقف معيّن أو حدث جلل يثبت به صاحبه أنّه جدير باللقب.

الزمن هو منتصف القرن الماضي، وما قبل تسمية لقب الشيخ، فكانت عشيرة البكارة وقتها تعود في انتمائها العشائري إلى بلاد الشام.

ملاحظة: البكّارة هو الاسم الجمعي، أمّا البجّاري فهو الاسم الفردي وقتها.

ولكن لم يكن الأمر يُدار بينهم بشكل عشوائي، فكان هناك ما يُعرف بـ المختار، وقد أُسند هذا الأمر إلى أولاد حنتوش وقتها، بعد وفاة ابن عمّهم سيد سلطان، الذي لم يكن لديه أبناء ذكور، فكانت الأولوية لمحمد حنتوش، الذي كان يتمتّع بصفات تؤهله لهذا المنصب، وكان قريبًا من العرافة كما يُعرف عند الأوساط الشعبية.

والجدير بالذكر هنا أنّه كان رجلًا صاحب معرفة، متكلمًا مقنعًا لمن حوله بما يمتلكه من أدوات معرفية. وبعدها تولّى أخوه محمود حنتوش، وهو جدّي، والذي كان يمتاز بشخصية قيادية متفرّدة، وهذا ما عزّز الدور القيادي لبيت (حنتوش) وقتها، في إقناع من حولهم بأنّهم الجديرون بما أوكل إليهم.

وهذا لا يعني بالمرة أنّ العوائل التي كانت تنتمي للمنطقة، سواء كانوا من البكّارة أو سواهم، أقلّ منهم – لا سامح الله – ولكن كان لهم الريادة في جمع التأييد لهم في إدارة المشهد وقتها.

وما قد لا يعلمه الكثير أنّ المنطقة سكنتها العديد من العشائر العربية والكردية في ذلك الوقت، ولكن كان لبيت (حنتوش) الدور الريادي على الأرض.

وهنا قد يسأل أحدكم: ما الذي كانوا يمتلكونه ليحقّقوا هذا النجاح في إدارة البكّارة والمنطقة في ذلك الزمن؟

وهنا سنذكر بعض الأسباب:

الرجولة… في الكثير من الأحيان تُضطر أن تقول لأحدهم: كن رجلًا، ومع أنّه قد سُجّل في الدفاتر الحكومية أنّه ذكر، ولهذا غالبًا ما يُقال: قِلّة الرجال بين جموع الذكور.

ولتكون رجلًا يجب أن تتحلّى بصفات غير البطولة والشجاعة، ومنها النهي بالنفس، وأن تكون قدوة يُقتدى بها.

ففي وقتٍ ما دخل أبناء (حنتوش) في صراع دموي مع عائلة كانت تسكن المنطقة بسبب خلاف – بغضّ النظر عن أسبابه – ورغم ذلك لم يُقحموا أبناء العشيرة في هذه القضية، رغم شدّة الصراع وتولّيهم أمور المنطقة. وكان هذا انطلاقًا من باب تحمّل مسؤولية أفعالهم، وهذا ما لا تجده عند الكثير في الماضي أو في الوقت الحاضر.

لم تكن الرجولة عند بيت حنتوش مجرّد صفة تُقال أو موقفًا عابرًا يُتخذ عند اشتداد الأزمات، بل كانت سلوكًا يوميًا يُقاس بقدرتهم على تحمّل تبعات أفعالهم دون أن يجرّوا غيرهم إلى ساحات لا ذنب لهم فيها. فقد أدركوا مبكرًا أن الرجولة الحقيقية لا تُقاس بحجم القوة المستخدمة، بل بقدرة صاحبها على ضبط تلك القوة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، وهو ما جعلهم، في أكثر اللحظات توترًا، يختارون الوقوف وحدهم بدل الاحتماء بالجماعة، محافظين بذلك على وحدة المنطقة ومكانة العشيرة، ومقدّمين نموذجًا نادرًا في تحمّل المسؤولية الفردية.

عزّة النفس… وهنا، وبصراحة، هناك حادثة يجب الوقوف عندها طويلًا.

كان أبناء (حنتوش)، وهم الرعيل الأول، يبلغ عددهم ستة أشخاص، وكان من بينهم (حامد)، الذي دخل السجن في وقتها بسبب مشاجرة، وقد أعلن الجميع اعتراضهم على ذلك الموقف حينها، ومن باب اتخاذ الموقف امتنع إخوته عن زيارته.

ولكن بعد فترة تعرّض رجال العائلة للاعتقال بسبب موقفهم السياسي، وعندها التقى الإخوة خلف القضبان، وكان لا بدّ من وجود أحد يساندهم، فكان هناك (حامد)، وبصراحة قدّم لهم وقتها أكثر مما كانوا يتوقّعون.

ولكن انتبه أخوه محمود إلى أمر غريب يحدث، وهو أنّ أخاه لا يجالسهم على الطعام، وعند سؤاله أجاب:

اذهب يا محمود وكُل واتركني، فمن في السجن لا يعرفون أنّني أخ لكم، وسوف يُقال عنّي وقتها: شوفوا حامد حنتوش يخدم ويأكل.

وهنا تكون هذه الأخلاقيات حكّام المنطقة، وهذه صورة صغيرة عن قصص وحكايات تثبت عزّة نفسهم، ليُثبتوا للجميع أنّهم الأصلح لهذا الدور.

أما عزّة النفس، فقد تجلّت في مواقف صامتة أكثر بلاغة من أي خطاب، حيث كان الامتناع عن استغلال القرابة أو الاسم العائلي في تحقيق مكاسب شخصية هو السمة الأبرز لسلوكهم. لم تكن الكرامة لديهم شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزامًا أخلاقيًا ثابتًا يحكم تصرّفاتهم في العلن والخفاء. فكان تقديم العون دون إعلان، وتحمل الأذى دون شكوى، والفصل الواضح بين الروابط العائلية والواجب العام، جزءًا من منظومة قيم جعلت احترام الناس لهم نابعًا من الثقة لا من الخوف، ومن القناعة لا من المجاملة.

الحكمة… ومن أهم الصور التي تثبت امتلاكهم لهذه الصفة حادثة مشهورة وقعت في المنطقة، وهي جريمة قتل بين اثنين من أبناء البكّارة.. فكان هناك موقف مشرّف لأبناء حنتوش وقتها، حين قالوا للجميع:

إن ما حدث هو قضية بين أبناء عمومة، ولن نسمح بالمزايدة على أحد منهم، واتركوا الأمر لصاحب الأمر.. عندها سكت الجميع، لإيمانهم بأنّ ما قيل ينبع من حكمة يتحلّى بها قائد حكيم.

وتكتمل هذه الصورة بالحكمة التي شكّلت حجر الأساس في حضورهم القيادي، إذ لم يتعاملوا مع الأزمات بوصفها ساحات استعراض، بل باعتبارها مسؤوليات تتطلب التروي وحسن التقدير. كانوا يدركون أن الكلمة قد تُطفئ نارًا أو تشعل فتنة، ولذلك اختاروا في كثير من الأحيان الصمت الموجّه على الخطاب الانفعالي، وتركوا لكل ذي حق حقه دون تدخل يفسد ميزان العدالة. هذه الحكمة جعلتهم مرجعًا غير معلن، يُحتكم إلى رأيه لما يحمله من اتزان وبعد نظر، لا لما يملكه من نفوذ أو سلطة.

الخلاصة… إن أبناء (حنتوش) وقتها لم يكونوا من أصحاب المال والنفوذ لتكون قيادتهم آتية من رياء أو خوف – لا سامح الله – ولكن كان الرعيل الأول لهذه العائلة يجمع الكثير من الصفات الحميدة التي لم يقف صداها عند حدود المنطقة، بل عبرت آفاق المدينة من قرى وأرياف.

حتى جاء وقت إذا سُئل أحدهم: أنت بجّاري؟ أجاب بنعم، فيُردّ عليه السؤال: هل أنتم أقرباء لبيت حنتوش؟

فإذا ما أجاب بكلمة لا، قالوا له: أنت لا تنتمي لهذه العشيرة... وهذا يُعدّ من السمعة الطيبة التي اكتُسبت بالعمل الصادق من أولئك الذين كانوا في تلك الفترة، وقد قدّموا بهذه وتلك أبلغ الدروس والعبر لمن يريد أن يتزعّم المشهد...

ومن اجتماع الرجولة وعزّة النفس والحكمة، تشكّلت لدى بيت حنتوش قيادة طبيعية لم تُفرض بقوة المال ولا سطوة السلاح، بل نمت من ثقة الناس وتراكم المواقف الصادقة. قيادة لم تبحث عن الألقاب، لكنها صارت عنوانًا لها، ولم تسعَ إلى الهيمنة، لكنها أصبحت معيارًا يُقاس به الانتماء والسمعة. وهكذا تجاوز تأثيرهم حدود الزمن والمكان، ليغدو اسمهم شاهدًا على أن القيادة الحقيقية تُبنى بالأخلاق قبل المواقع، وبالمواقف قبل الشعارات.

فرحم الله الأولين من أبناء حنتوش، وحفظ الباقين، فقد كانوا دروسًا حيّة تمشي بين الناس، لتعلّمهم معنى أن تكون قائدًا حقيقيًا لإدارة المشهد في ذلك الوقت.

ملاحظة:

لم أكتب هذه السطور لأنني فقط من نسل عمالقة أبناء حنتوش، بل لأنها حقيقة يجب أن تُوثّق بطريقة تليق بهم.

الأربعاء، 28 يناير 2026

مقال

 أصل الشيطان امرأة

تحت عنوان

أحداث من واقعنا المرير

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



خيرُ ما نبدأ به حديثَنا حديثُ سيد الخلق: (أستأصلوا النساء)، وصدق رسولُنا الكريم محمد ﷺ، وفي حديثه قراءةٌ مستقبليةٌ لما سيؤول إليه الوضع العام من انحدارٍ قيميٍّ وأخلاقي، تتحمّل المرأةُ بشكلٍ عام جزءًا منه.

وهنا إذا ما عدنا إلى التاريخ قليلًا، سنرى أن من أسقط حكمَ أعظم الحضارات، وهي الحضارة الإسلامية، قد سقطت عندما تغلّبت شهوةُ الرجال على نخوتهم ودينهم وما يعتقدون به. تغيّرت كلُّ المسارات، وليس في هذا خروجٌ على المسارات الإلهية، لا سمح الله، وإنما هي دروسٌ وعِبر قرأناها في كتب التاريخ، عندما أُخرج العرب عن مساراتهم تلك، عبر المصاهرات التي أدخلت مفاهيم مغلوطة للقيم العربية من خلال تلك النساء.

فما زلتُ أتذكّر كلمات والدي (رحمه الله) في هذا الموضوع حين قال: عندما تهمّ بخطبة فتاة يجب النظر إلى أشياء أخرى قبل النظر إليها، ومنها الأم ورصانتها في القول والفعل؛ فإذا ما كانت الأم تتمتّع بالرصانة، وجدتَ فتاةً تنعم بالأخلاق الحميدة. وكذلك الأب، إذا ما كان يحظى بالاحترام المنزلي، أمّا إذا كان غير ذلك، فاعلم أن هذه الفتاة لا تملك أيّ نوع من القواعد الأسرية التي من الممكن أن تحكمها إذا ما وقع الخطأ.

أمّا اليوم، وقبل فترة، فقد انتشر فيديو لامرأة ضبطت زوجها في وضع الخيانة الزوجية – حسب ما تدّعي – وقامت بتصويره ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، فانقلبت الدنيا رأسًا على عقب، وتمّت معاقبة الرجل ودخوله السجن. ولكن، وليس دفاعًا عن هذا الفعل، أتذكّر أن في منهاج الشرع والدين، ومن باب الحكم على الفعل، يلزم أربعةُ شهودٍ عدول، وأن يكون هناك ترميزٌ للحدث (أن يكون الميل في المكحلة) كمشاهدة. ولكن ما رأيته لم يكن كلّ هذا. وليس هنا لمناقشة الفعل وشرعيته من عدمها، وإنما يُطرح هنا سؤال: أيّ نوعٍ من النساء نتعامل معه اليوم؟ وقد نكون نتعامل مع الشيطان بشكلٍ مباشر.

ولهذا يجب تقسيم فعل البغاء هنا إلى قسمين:

الأول: من تمارسه بفرجها،

والثاني: من تمارسه بأفعالها.

وللتنويه، فإن الثانية أخطر على المجتمع من الأولى. وما قامت به تلك الزوجة فعلٌ تهتزّ له السماوات والأرض إذا ما كانوا يعقلون. وهنا يجب ذكر دليلي، فأستشهد بسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، إذ يُحكى عن امرأةٍ مسلمة تزوّجت رجلًا في زمن الدعوة الأولى، وبعد فترة ذهب زوجها إلى الجهاد فاستُشهد. وعند عودتها أخبرت أمّها أنها لا تزال بكرًا، ومن باب ديمومة الحياة طلبت أمّها منها الزواج لأنها ما زالت بكرًا، فصرخت قائلة: (ويحي، لم أفضحه وهو حي، أأفضحه وهو قد مات؟ لا والله ما أفعلها).

والسؤال هنا: هل ما زالت هناك امرأة بهذه المواصفات؟ لا أعتقد. فالحياة اليوم أصبحت كلّها تحت مشاريع ربحية، تمّ بها إسقاط القيم الإنسانية والأسرية.

والغريب أن الكثير اليوم يستهجن فعل الرجل، ونسي أن الرجل قد أثِم هنا، فالمرأة قد كفرت بكل شيء. ولا أعلم ما هي طريقة تفكير هذه المرأة التي أقدمت على هذا الفعل، وأكاد أجزم أنني أشكّ بقواها العقلية. وبهذا قيل في الأثر: (التربية أغلى من الولد). ولهذا ندعو الجميع إلى الانتباه، فالأسرة لا تحتاج إلى لقمة العيش بقدر ما تحتاج إلى إيجاد مسارٍ تربويٍّ تُحسَّن فيه النشأة، رجلًا كان أم امرأة، لترميم ما يمكن ترميمه من ذلك التصدّع الذي أصاب النسيج الاجتماعي.

الخلاصة… نصيحة لكل رجل: أنت اليوم هدفٌ للشيطان المتمثّل بالمرأة المعاصرة التي أسقطت الحياء من حساباتها، واتّخذت منك مشروعًا ربحيًا. ولمن لا يعلم، فإن الشيطان اليوم بيننا بصورة امرأة، إلّا من رحم ربي، وهم قليلون جدًا. فاحذر قبل أن تُدخل بيتك من لا يُؤتمن ولا يحمل الخير معه. فالمرأة التي تُدمن الشوارع لا تقتنع بجدار منزلٍ تبنيه أنت من أجل إقامة حياة مستقرة، بل ستهدمه هي. ولهذا أصبحت المرأة عبارة عن أفخاخٍ حيّة يجب الحذر منها.

وللتنويه، فإن هذه الكلمات ليست إسقاطًا لشخصية المرأة، ولكن هذه هي الحقيقة، حتى وإن ادّعت التدين؛ فدين المرأة فيما تفعله في كنف الرجل، وهي اليوم استسهلت إثمًا حذّر الله منه: (ألا لعنةُ الله على الظالمين).

الاثنين، 26 يناير 2026

مقال

 

https://www.youtube.com/watch?v=r9mQY40WLdQ

مملكة الخنازير والمواجهة الحتمية

تحت عنوان

حقائق واقعية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



العالم، وما يميّزه، ليس العقل كما يظنّ الكثير، بل الوعي والإدراك وحدهما ما يميّزان خلق الإنسان دون غيره. وعندما تفقد هذه الميزة الجموعُ البشرية، تتجه نحو اكتساب عادات الحيوانات التي حولها. ولهذا، يكون علينا تحديد تصنيف آخر للعالم غير ما هو متعارف عليه. واليوم، إذا ما وقفتَ وسط هذا العالم، سترى أنّ في الشمال مجاميع بشرية تنتمي إلى فصيلة الكلاب الشائخة، أمّا في الجنوب فسترى آخرين ينتمون إلى فصيلة الماعز الهزيلة، أمّا في الشرق فهناك الثيران الهائجة، وفي أقصى الغرب ستجد ما يُعرف بالضباع السائبة. أمّا أرض العرب ومن يسكنها، فقد باتت اليوم أرض القردة.

ولكن، ورغم كل ما ذُكر، هناك تصنيف آخر ينفرد عن كل هذا، وهي:

مملكة الخنازير... وسط كل هذه المجاميع التي ذكرتها، هناك قطعان متفرقة، عاشت بينهم طوال قرون طويلة على هامش الحياة، وتحظى بعدم القبول من كل تلك المجاميع، بسبب ممارساتها التي تنكرها كل القيم والمبادئ على هذه الأرض. وعندها ضاقت بها الكلاب الشائخة ذرعًا، فكانت فكرة جمعها في مكان يكون بمثابة حضيرة للخنازير. فكان المكان أرض القردة، لأن القرد هو الحيوان الوحيد الذي يمكن خداعه بمفهوم الذكاء. فكان إعلان إقامة مملكة الخنازير منذ القرن الماضي.

ولكن ما يزعج في أصل الموضوع ليس وجودهم على أرض القردة، بل ما كان يُعرف بالعمليات الاستفزازية للقردة، وذلك بسبب عدم الانتقائية في رسم خطوط واضحة للحياة. ثم تطوّر الأمر إلى انتهاج العدوانية في التعامل مع أصحاب الأرض، فكان هناك تدمير كامل للبلاد والعباد على مرّ سنوات طوال، مع حملات إعلامية شبيهة بالضوضاء، ونشر الأكاذيب عن مظلومية الخنازير، على أنّها حيوانات مستهدفة من الجميع، لكسب تعاطف جميع أصناف الحيوانات على هذه الأرض.

وللتوضيح، فإن مملكة الخنازير تُعدّ من المجتمعات المغلقة على مرّ العصور، وهذا ما يدفعها إلى تبنّي فكرة الخوف من الانقراض، مع العلم أنّها شريحة من المخلوقات التي تمتاز بسوء السمعة، فالجميع يعرف أنّ ذكرها يرمز إلى القذارة، وإلى الأماكن التي يقرف الكثيرون اليوم عند مجرّد سرد سيرتها أمام أحد ما.

ثمّة جانبٌ آخر لم يُلتفت إليه كثيرًا، وهو أنّ مملكة الخنازير لا تعيش على الصدام وحده، بل على إدارة الخوف بوصفه موردًا استراتيجيًا. فهي لا تسعى إلى السلام إلا بقدر ما يخدم استمرارها، ولا تلوّح بالحرب إلا لتبرير وجودها. إنّها تُتقن تحويل الخطر إلى خطاب، والعدوان إلى رواية، والاحتلال إلى حالة دفاع مزمنة.

كما أنّ الخنازير لا تعمل منفردة، بل ضمن شبكة مصالح عابرة للتصنيفات الحيوانية؛ إذ تجد دائمًا من يموّل ضوضاءها، ومن يلمّع صورتها، ومن يبرّر أفعالها تحت لافتات أخلاقية زائفة. وهنا تتحوّل الحضيرة إلى مركز بثّ، لا لإنتاج الحقيقة، بل لإعادة تدوير الكذبة حتى تصبح قابلة للتصديق.

ويُضاف إلى ذلك أنّ القردة، ورغم كونها الضحية المباشرة، تتحمّل جزءًا من المسؤولية، ليس ضعفًا، بل تواطؤًا بالصمت، واعتيادًا على الألم، وقبولًا بالتكيّف مع الواقع بوصفه قدرًا لا يُردّ. فحين يتوقّف الوعي عن مساءلة الحدث، يصبح العدوان عادة، وتتحوّل الجريمة إلى خبر عابر.

ومن الزوايا التي لا تقلّ خطورة أنّ الخنازير تراهن على عامل الزمن؛ فهي تعلم أنّ طول الصراع يُنهك الذاكرة، ويُطفئ الغضب، ويحوّل المأساة إلى رقم. ومع مرور الوقت، يصبح الدم تفصيلًا، والخراب مشهدًا مكرّرًا، وتفقد الحقيقة قدرتها على الصدمة.

المواجهة الحتمية ... قد تكون اليوم تأخذ صفة الاصطدام المؤجّل، لكن لن يكون ذلك لوقت طويل. فالقردة أيضًا، ومع مرور الوقت، ستأخذ الصفة العدوانية في التعامل معهم، رغم أنّ جميع أصناف الحيوانات باتت تتعاطف مع الحضيرة ومن يسكنها، لا لغرض التعاطف معهم، بل بسبب إبقائهم بعيدًا عن مناطق مراعيهم. وإذا ما وقعت المواجهة، ستقوم القردة بقتل الخنازير بشكل خارج عن حدود العقل التي يتخيّلها عاقل، وقد يعود ذلك إلى الاحتقان التراكمي الذي ولدته أساليب الخنازير طوال الفترة الماضية.

الخلاصة ... تكمن في أنّ الإنسان، ومنذ بدء الخليقة، خُلق للحياة لا للموت، ولكن بسبب غياب الوعي الإدراكي الجمعي، نرى اليوم الكثير من الحروب والنزاعات التي تعبّر عن اكتساب الصفة الحيوانية. وبات كل شيء تحت عنوان الصراع من أجل البقاء. وقد يكون ما ورد في هذه السطور عبارة عن حزمة ترميز يخاطب بها الوعي العقلي إن وُجد، فالغرض من كتابة هذا النوع من المقالات هو بمثابة عامل تحفيزي لتشغيل قدرة العقل البشري بشكل أكبر مما هو عليه اليوم؛ لأن الصمت حين يطول، لا يصنع سلامًا، بل يؤجّل الانفجار


الأحد، 18 يناير 2026

مقال

 

 أكاذيب قد تهدم الحياة

تحت عنوان

قراءة قرأتُها بداخلي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



عندما كنّا صغارًا، كانوا يقولون لنا – بما معناه –: «الذي يتعب يلعب»، في إشارةٍ إلى أن التعب في بدايات الحياة قد يجلب السعادة لاحقًا. غير أن الحقيقة، التي لم ندركها آنذاك، أننا كنّا ندرّب أنفسنا بصمت على متاعب الأيام القادمة، لا أكثر.

ثم نفتح الراديو، فنسمع الموسيقار والمطرب فريد الأطرش ينشد: «الحياة حلوة… بس نفهمها». وهنا يبرز السؤال: هل فيما قاله شيء من الصحة؟

ولو سألت اليوم أيّ شخص عن معنى السعادة، لما وجدت اثنين على هذه الأرض يتفقان على إجابة واحدة. وهذا بحد ذاته دليل على أن كل شيء في هذه الحياة يخضع للنسبية، وأن الحديث عن السعادة ليس سوى محاولة بعض علماء النفس لتجميل المرّ، وإقناعك بأن نبات الحنظل له مذاقٌ رائع.

وقد جاء في قول الله تعالى تكذيبٌ استباقي لما سيُروَّج لاحقًا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فنحن نتعرّض يوميًا لحزمة من الأكاذيب التي تعمل على تغييب الوعي الإنساني، ومن أبرزها:

«طارد شغفك» ... والشغف هنا منبثق من الرغبة، والرغبة هي اختلاجات نفسية لا أكثر. وهنا يتجلّى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾

وفي هذا الطرح خروجٌ صريح عن الإرادة الإلهية، وكأنهم يقولون لك: دع الله وشأنه، وطارد رغباتك بحماسة عمياء.

ولو عدنا إلى مفهوم الشغف في النفس البشرية، لوجدنا أن الإنسان قد يشغف بكل ما يُخرجه عن قاعدته الإنسانية، وبذلك يُبعد عن سبب وجوده الحقيقي.

 

«الحب لا يُطلب» ... وهي كذبة عظيمة. فالواقع يقول إن الحب يُطلب، حتى على مستوى المحبة الإلهية. ولو كان العكس صحيحًا، فما الحاجة إلى الأنبياء إذن، لتنظيم علاقة البشر بالذات الإلهية؟

يتناسى أصحاب هذا الادعاء حقيقة بشرية أصيلة، وهي النسيان، مما يُسقط فرضياتهم من الأساس.. أما الغرض من هذه الكذبة، فهو سحق العلاقات الإنسانية، واستبدالها بالفردية، لأن الفرد المعزول أسهل في السيطرة.

«أنت استثنائي» ... واحدة من أشهر أكاذيب ما يُسمّى بعلم التنمية البشرية؛ ذلك التيار الذي يهدف إلى تخدير العقول. تسمع أحدهم يطلب من الحضور ترديد عبارة: «أنا استثنائي» بصوتٍ عالٍ، لزرعها في العقل الباطن.. لكن هل سأل أحدهم نفسه: بماذا تميّزت فعلًا عن غيرك؟

الإجابة غالبًا: لا شيء.

ومن أخطر أضرار هذه الكذبة، منح الذات هالة وهمية من التعالي، سرعان ما تصطدم بالواقع المرير، فتنتج جموعًا من الفاشلين الذين يعلّقون إخفاقهم على شماعة الآخرين، وفي هذا أيضًا خروج عمّا أراده الله.

«القلب لا يكره»... ولا أدري أيُّ حماقةٍ هذه! فلولا وجود الكراهية لما صلح بشرٌ على هذه الأرض.

من منّا لا يكره الأعمال غير الصالحة؟

فلولا كرهك للكذب، لما كان للصدق معنى.. ولولا كرهك للغش، لما استقام الصلاح.. ولولا كرهك للقتال، لما كان هناك سلم بين الناس.. بل إن الله تعالى نفسه صرّح في أكثر من موضع بأنه يكره عمل السوء.. وعليه، فلا حقيقة لعبارة: «القلب لا يكره».

«استمرارية السعي وحتمية الوصول» ... لماذا تُرهق نفسك بالجري خلف مكتسبات مادية ووهمية، وهناك حقيقة واحدة لا ينكرها أحد: الموت؟

البديل الحقيقي لهذه الأكذوبة هو ترك الأثر بعد الرحيل.. ومن المنظور الديني، فالحساب ليس على حتمية الوصول، بل على أسلوب السعي.. فالأنبياء جميعًا سعوا لنشر المبدأ السماوي، لكن هل حققوا جميعًا الوصول؟ .. الجواب: لا.

وهذا يثبت أن ما نقدمه في الحياة هو اجتهاد، أما التوفيق فمسألة بيد الله وحده.

«لكل ظالم نهاية» ... لا صحة لهذا القول مطلقًا.. فلو كان صحيحًا، لما كانت هناك قيمة ليوم الحساب.. انظر إلى كثير من الظالمين، ستجد لهم جنازات مهيبة، تحشد لها الجموع.

أما الغرض من هذه الكذبة، فهو إسكاتك عمّا يُرتكب بحقك، كنوع من التخدير الموضعي، ليتسنى للطرف الآخر فعل ما يشاء.

«اعتزل ما يؤذيك» ... وفي هذا تكذيبٌ صريح لقول رسول الله ﷺ: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» وحاشا لرسولنا الكريم أن يدعو إلى العزلة عن الناس.. فالذين حولك هم مختبر حقيقي لما تؤمن به، وميزان لصدق إيمانك.. وهذا ليس دعوة لإلغاء الخصوصية، بل دعوة لبناء المواقف عبر الاحتكاك بالسيئ والجيد معًا.

«أنت آخر الرجال المحترمين».. وهي محاولة لتعميق المظلومية، وتصوير العالم وكأنه تحوّل إلى حضيرة من الوحوش.. وهذا غير صحيح.. هذه الفكرة تنتمي غالبًا إلى فئة الضعفاء، العاجزين عن مواجهة الحقائق.. فالأصالة اختيار، لا قدر.. أن تكون مسيئًا هو اختيارك، وأن تكون عكس ذلك هو أيضًا اختيارك.

ومثلما أنت متمسك بالقيم والمبادئ، هناك كثيرون يشبهونك، وإن لم يعلنوا عن أنفسهم.

ومن هنا نفهم خطورة تلك الأكاذيب التي تُروى على مسامعنا دون وعي، فنأخذها كحقائق، ونعمل بها، فنخسر الكثير.. وهذا ليس دعوة لرفض آراء الآخرين، فكما يقول المثل الشعبي: «يفوتك من الكذّاب صدق كثير».

لكن يبقى الميزان الحقيقي هو: «استفتِ قلبك، وشاور عقلك»؛ فإن اتفق الاثنان، كان هناك حق، وكانت هناك حقيقة.

لسنا ضحايا الحياة كما نحب أن نصدّق، بل ضحايا الأكاذيب التي صدّقناها طواعية، ولبسناها كحقائق مقدّسة، ثم بكينا تحت أنقاضها. لم تُهزم عقولنا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الزيف كان أسهل، وأخف وطأة من مواجهة أنفسنا عراة بلا شعارات.

أخطر ما في الكذبة أنها لا تقتلك فورًا، بل تُدرّبك على التعايش مع الموت البطيء، وتُقنعك أن العمى بصيرة، وأن الخضوع حكمة، وأن التخدير وعي. وحين تفيق، إن أفقت، تكتشف أنك لم تُسرق يومًا… بل تنازلت.

لهذا، لا تبحث عن الحقيقة في أفواه الوعّاظ الجدد، ولا في كتب التنمية، ولا في شعارات السوق. الحقيقة قاسية، لا تُربّت على كتفك، ولا تعدك بالسعادة، لكنها الوحيدة التي لا تخونك.

ومن لا يحتمل ألم الحقيقة، فليستعد لحياة كاملة من الكذب… مقنّعة بالرضا، ومختومة بالخسارة.

وهنا فقط يبدأ الامتحان الحقيقي: إمّا أن تكون واعيًا ومتعبًا، أو مخدَّرًا… وتظن نفسك حيًّا.

النهاية ...قبل أن تُبادر بالتعليق، لا تسأل نفسك ماذا ستقول، بل اسأل: من أنا ثقافيًا؟

فالتعليق ليس رأيًا عابرًا، بل مرآة وعيك، وملامح ثقافتك، وحدود إدراكك للاختلاف.. الشتيمة لا تُسقط الفكرة، والسخرية لا تُنتج وعيًا، والتكفير لا يصنع حقًا.. ناقش إن كنت قادرًا على الفهم، وانتقد إن امتلكت أدوات النقد، واصمت إن شعرت أن انفعالك يسبق وعيك.. ففي سطر واحد قد تفضح ضحالة ثقافتك… أو تُثبت أنك قارئ يفهم قبل أن يحكم.

الأربعاء، 14 يناير 2026

مقال

 العراق آخر بيادق الحرب

تحت عنوان

في انتظار رصاصة الرحمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هنا، وقبل البدء، هناك سؤال يولد في ذهن كل من يقرأ لي: كيف لهذا أن يكتب مقالات قد تودي بكاتبها ـ كما يقال عند العامة ـ «وراء الشمس»؟

والإجابة كانت في حوار هاتفي دار بيني وبين الدكتور أحمد جار الله ياسين، أستاذ الأدب العربي، عندما أردت رأيه في قصيدة كتبتها من النظم الشعري العمودي. حيث أبدى اعتراضه، وقال لي بالنص: «يا بارون، أنت منذ ثلاثين عامًا وأنت خارج على كل القواعد التي عرفتها البشرية، لتأتي اليوم وتعلن الالتزام؟ ترى ما الذي يشكّلك؟»

وهنا تتجلى معرفة الذين هم على تواصل مباشر معي، أنني لا أعترف بكل القيود التي وضعتها البشرية منذ اليوم الأول لهذه الحياة. فالذي ذاق طعم الاعتقال في عهد النظام السابق ـ وهم من هم ـ ولهذا نرى اليوم أن الخروج على الأقزام أمر ليس فيه شيء من العظمة كما يظن الكثير.

فوسط قرع طبول الحرب التي نحن على أعتابها، والعراق اليوم في خضم الأحداث التي تعصف بالمنطقة، فإن المظاهرات في الجمهورية الإسلامية لن تكون لها نهاية تقليدية كما يظن الكثير. والحق هنا يُقال: إن الأمر هناك لا يشكّل لي أهمية مطلقة، فهناك مخطط نافذ الوجوب. فالعالم ـ لمن لا يعرف ـ يُدار من قبل قطب واحد لا غير.

 

الموت السريري… ما يعيشه النظام السياسي من تخبط فكري وأيديولوجي معقد في بناء منهجية لبناء الدولة، يُعد بمثابة موت مؤقت، يفرز عددًا من الأزمات المتلاحقة التي تُنهك كاهل المواطن البسيط. وضمن كل ما ذُكر هنا، لا بد أن تكون هناك نهاية، ولكن نريدها أن تكون من نوعية أهون الشر.

 

وطن بصفة معتقل… نحن على قيد الحياة، وفي هذه العبارة خطأ يكمن في أننا «نحن» في قيد الحياة. فكل مواطن اليوم صيغ له قيد، ليكون اسمه في قوائم العبيد للسادة الذين يتاجرون بالله ودينه على الأرض. فالمسؤول قيده منصبه، والموظف قيده راتبه، والمواطن البسيط أمسَت له لقمة العيش قيدًا، وكلهم أصبحوا بلا إرادة تُذكر، أو جُرّدوا من عزيمة الاعتراض على ما يمرون به من سوء.

 

ما بعد النظام الإيراني… لو سألني أحدهم عن مسألة السقوط الإيراني، لاستغرب من رأيي في هذا الموضوع. فأنا من الرافضين لحدوث هذا الزلزال، فلكل زلزال ما يُعرف بالارتدادات. فسقوطهم بمثابة إشعال حرب أهلية على هذه الأرض، فكل الفصائل التي على الأرض، في ما سبق، كانت منذ عقدين مضت لها مرجعية سياسية، وإسقاطها سيكون بمثابة إسقاط النُّظم التي تضبط الإيقاع على الأرض. ولأننا قد أخذنا نصيب الأسد من الفوضى التي فاضت، علمتنا بالدماء، ولهذا أرفض سقوطهم في هذا الوقت.

 

ما تريد الولايات المتحدة منا… وهنا لا أقول إن السيد (ترامب) رجل مجنون، وهذا لأن الرجل ـ من وجهة نظري ـ رجل عاقل يبحث عن مصالحه الشخصية ضمن القرارات الدولية، وهو يشبه كثيرًا، من الناحية الأيديولوجية، رجال السياسة العراقية. وهذا بالضبط ما يُخيف من هم على رأس السلطة منه، لأنهم يرون أنفسهم في شخصيته.

ولمعرفة ما تريد منا الولايات المتحدة، يتلخص الأمر في أنهم سيتركون الوضع على ما هو عليه، وكأنهم يعملون بمثل عربي مفاده: «ابن الحرام لا تدفعه، هو يقع». وهذا بالضبط ما ينتظره أبناء العم سام؛ فمع كل ما أقدموا عليه ستكون له نتيجة واحدة: أنهم سيقتلون أنفسهم بما فعلوا.

 

الخلاصة… تتضمن أن المواطن اليوم يتجسد في قصة قصيرة كتبتها فيما مضى: «يُحكى عن رجل سقط في الهاوية، وطال زمن سقوطه، حتى وُلد له أمل وحيد في أثناء ذلك السقوط، وهو أن تكون لهذه الهاوية أرضية صلبة ليرتطم بها، لتنهي معاناته». ومن هنا نفهم أن العراق اليوم بات آخر البيادق، ويعتبره الكثير هدفًا سهلًا، سيسقط نفسه دون عناء أو تخطيط. وقلتُها قبل اليوم: إن السيف الذي سيُقطع به رأس العراق سيُصنع من المال.

وأُنهي ما بدأت بقول الله تعالى:

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

صدق الله العظيم.

الأربعاء، 7 يناير 2026

مقال

 قصص الحب في السيرة النبوية

تحت عنوان

قد تقرأ ما لا يصدق

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لو سأل أحدكم: هل هناك قصص من الحب في السيرة النبوية؟ لردّ علينا الكثير من جهلة القلوب بكلمة «لا»، ولكن ما سيرد في هذه السطور سوف يكسر كل القواعد الإسلامية المتزمتة التي تأخذ من السيرة النبوية العطرة القشور، ولا تعرف شيئًا عن المضمون.

والرواية هنا عن زينب بنت رسول الله محمد ﷺ، وزوجها أبو العاص بن الربيع. فعندما اشتدّ الأمر في محاربة الرسول، أمر عمه أبو لهب بتطليق بنات الرسول من أزواجهن، وهم أبناؤه. وكان من الطبيعي أن يُطلب من أبي العاص ذات الطلب، وكان هو من هو، وموقفه المعادي من الدعوة في ذلك الوقت، لكنه رفض الأمر، وقال فيها ما يثني عليها، فعرف قدرها وحبه لها.

وعند الهجرة، لم يُجبر الرسول ابنته على ما كان قد عزم عليه، ولم يكن قد صدر بعد حكم التفريق بين الأزواج في حالة إسلام أحدهما. ومرت الأيام، فكانت الحرب بين المسلمين وقريش، فأُسر زوجها. وجرى العرف أن تُفدى الأسرى، فبعثت زينب بالمال إلى أبيها مع قلادة أهدتها أمها خديجة بنت خويلد مع الفدية.

وعندما رأى رسول الله ﷺ ذلك، أصابه شيء من الحنين إلى الماضي، وكيف لا، وشيء مما كان أحبّ إلى قلبه بين يديه، فرقّ قلبه وقال لأصحابه: «أتطلقونه ونردّ لها عطيتها وبما افتدت به زوجها؟» فكان الإجماع بالموافقة، فأُطلق سراحه، ولكن طلب منه أن يُرسل زوجته، وهي ابنة رسولنا الكريم ﷺ.

وبعدها كانت هناك تجارة لقريش، فغير عليها المسلمون، وفرّ أبو العاص إلى المدينة، فتقصّى بيت زينب زوجته، فلما وصل طلب أن يُستجار، فأجارته. ولكن عندما نودي للصلاة خرجت تصلي خلف أبيها، وعند نهاية الصلاة جاء صوت من الخلف يقول: «أيها الناس، لقد أجرت أبا العاص بن الربيع»، ليملأ المكان الصمت، وتتجه العيون إلى حضرة النبي الكريم.

عندها قال: «أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟» قالوا: بلى. فقام ردًّا قائلاً: «والذي نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت بما سمعتم، ولكن يُجير على المسلمين أدناهم». ثم ذهب إليها وقال: «يا بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ منك». ثم جمع المسلمين الذين أغاروا على القافلة وسألهم أن يردّوا إليه تجارته، فوافقوا. وعندها عرض عليه الإسلام، فقال أبو العاص: «أردّ للناس تجارتهم ثم أعود»، وقد فعل هذا.

ومن هذا الحدث يجب أن يُكتب فيما رُوي مجلدات لا سطورًا في مقال، فهناك دروس أكثر من رائعة تدل على وجود الحب في الإسلام، وليس كما يدّعي أعوان الشيطان والضلالة. وقد ورد في هذه الكلمات ومنها:

 

المودّة ... فعندما رفض أبو العاص أمر قريش في تطليق زوجته، كان ذلك بسبب وجود خيط متين لا ينقطع بسبب مواقف خارجية؛ فالرجل يبقى رجلًا، ويحرص على أن يبقي بيته وأهله خارج النزاعات الدنيوية. وهنا كان الأمر متبادلًا بينهما، فقد ردّت له الموقف بالموقف عندما افتدت زوجها يوم أسره.

 

الرحمة ... تتجلى في أنها أجارت زوجها المشرك رغم علمها بحرمانية الأمر، ولكن لم يمنعها هذا من تقديم مصطلح الرحمة على أي شيء آخر، ولم يستهجن رسولنا الكريم محمد ﷺ هذا، وفي ذلك درس عظيم لمن لم يدرك المعنى والمغزى.

 

الشجاعة ... التي تحلّت بها زينب بنت الرسول عندما أعلنت في المسجد أنها فعلت هذا، وهي ابنة سيد الخلق محمد ﷺ، وهو موقف يعزز رؤيتها للقيم الإسلامية والعربية في ذلك الوقت.

 

المروءة ... وصدق رب العزة في قوله تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وهذا يعزز القول بالفعل؛ فقد كان هناك درس عظيم في تقديم المروءة على التعصب الديني، فلم يغضب، لأنه أدرك أن في الموضوع ما هو أكبر مما قد يُقال، فالأمر فيه مروءة.

 

الخلاصة ... إن الإسلام جميل، والحب من الجمال، وما نراه ونسمعه اليوم هو مجرد تشويه لحقائق إسلامية لا يجرؤ أحد على الحديث عنها، لسبب بسيط: أنها لا تخدم أجنداتهم السياسية. فالحب لا ينصّبهم أولياء على رقاب الناس، وكل ما يخرج عن مسارهم العقلي مرفوض. ولهذا ترى الكثير ممن يدّعي الإيمان غلظةً، ولكن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. فالخلق أجمع قد أُسس على كلمة «محبة»، ومن اعترض على هذا فهو من ينتهج منهج الشيطان يوم كرهه لآدم حين خُلق، وعصى ربه بسبب إيمانه بالكراهية، وهذا لا ينسجم مع ما يريد الله من قضية الخلق. وهنا أُنهي ما بدأت بقول رسولنا الكريم ﷺ: «الراحمون في الأرض يرحمهم الرحمن».

صدق رسول الله ﷺ.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...