بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

مقال

 

تعالوا أحدثكم عن رسول الله

تحت عنوان

 السلام عليك يا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



اليوم لن أقول إن الاحتفاء بمولده بدعة، لا سامح الله، ولكن هي فرصة في استذكار ما لا يُنسى ذكره في قلوبنا، ولمن لا يعلم أننا أمام أعظم من مشى بقدم على هذه الأرض. وقد يحتار القلم هنا: عن ماذا أحدثكم وأنا أمام رسولنا؟ فقد كان له ما لم يكن لأحد. ففي هذا اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أجد حرفًا أكتبه يليق بشخصية لم ولن تكون لها سيرة تُكتب بالشكل التقليدي، وقد تكون هذه الكلمات متواضعة أمام عظمة الحدث والشخصية، ولكن سوف أكتبها، وسوف أحاول أن يكون ما يُسطر هنا قطرة في محيط عظمة رسولنا الكريم.

 

كيف يكون الاحتفاء؟ ... وهنا ليست المراسيم توزيع الحلوى، أو مراسيم احتفالات رسمية بالمناسبة، هو دليل على أننا من أمته، لسبب بسيط جدًا؛ لأن ما يريده هو أن تتحلى بما يريد، لا بشكليات أو تقليد قد سبقنا أحد إليه. وهنا يكون السؤال الأهم، وهو: **أين أنت مما ترك لكم رسول الله؟**

وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أن تعرف في البداية من يكون هو، ولا يقل لي أحدكم الآن: هل جئت تعرفنا برسولنا الكريم؟ ولهذا يكون الرد هنا: إنك، وما أنتم عليه، لا تعرفونه، وليس لكم علاقة به، فقد كثرت الأسماء التي تُردد من دونه، والاقتداء به هنا يكون من خلال التحلي بما كان هو عليه، لا من خلال شعارات زائفة، ولتكون هناك مقارنة بين أخلاق رسولنا الكريم وما تفعلونه أنتم.

ولن أتخذ من الأحاديث النبوية مضامين لما سوف يرد هنا، ولكن سوف آخذ من الصفات العامة التي يعرفها عدوه قبل أتباعه.

 

الصدق... وهنا لم يكن فقط صدقه مع أصحابه ومن كان من حوله، ولكن كان هناك صدق آخر قبل هذا، وهو صدقه مع نفسه، الذي ترك أثره على الأرض قبل الدعوة، وهذا ما عزز صدقه مع الله واختياره لهذه المهام العظيمة. فالله العظيم يدرك ما تخفي النفوس وما تُسرّ القلوب، ولهذا كان خُلُق رسول بهذه الصفات وحده معجزة على عظمة الله في توظيف الأسباب اللازمة لرسم قناعات بشر اتصفوا بأنهم خُلقوا من نفوس متقلبة، فكان عنوانًا لصفة واحدة من صفاته، لو التزمت بها البشر، لكان الجميع في مأمن من عذاب الله.

 

الأمانة... وهنا تتجلى عظمة الشخصية التي نتحدث عنها، فقد سطّر رسولنا الكريم محمد صورًا غير متناهية عن صفة نفتقدها منذ وفاته. فالأمانة لا تعني بالضرورة حفظ ما تؤتمن عليه، ولكن عندما تكون أمانتك من خالق السماوات والأرض، يكون الأمر قد خرج من حدود فهم العقل والإدراك، فأمانة قال عنها ربي:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ صدق الله العظيم.

ألا رسول الله، فكان خير من حمل الأمانة. فليخبرني أحدكم اليوم: ماذا فعلتم بأمانة رسول الله؟ ولا تقولوا لي: شهادة وصلاة وصوم وزكاة وحج، ولكن قل لي: كيف حال أمة محمد اليوم؟ فمن إجابتك أعرف موقعك، أيها القارئ، إذا ما كنت تتحلى بصفة من صفات رسولنا الكريم.

 

الرحمة... وأي رحمة كانت تلك التي استُلهمت من رحمة الله؟ فكان صورة ما بعدها صورة لصفة كانت قاعدة حياتية يستقيم بها كل شيء، في قوله: **«تراحموا ترحموا»**.

ومن هنا نفهم ضيق الحياة التي نحن عليها اليوم، فالكثير ممن ليس لهم إدراك عقائدي اليوم يصنع مقارنة أعتبرها ساذجة إلى حد كبير، في قول أحدهم: لماذا نحن أمة خير من كان على هذا الأرض نعاني، وغيرنا من غير المؤمنين بالله ورسوله الكريم ينعم بحياة رغيدة وبحبوحة في العيش؟

والإجابة هنا: إنهم فهموا ما أشار إليه رسولنا في حديثه، فكان لهم من التراحم فيما بينهم ما يجعلهم في بحبوحة العيش.

 

التواضع... هي من أعظم ما قد تسمع أو تقرأ عن أحد على هذه الأرض، وبرغم أنه نبي للعالم أجمع، لم يكن يومًا **مختالًا فخورًا**، ولكن على العكس، كان يرسم بممارساته اليومية خُلُقًا يليق بأهل الجنة، وهو صاحب الجنة.

فاليوم، إذا ما كنت تريد استذكاره، يجب أن تعمل بما كان يفعل، ليس من باب التعصب وفرض على الناس أقوالًا لا تمت بصلة إلى شخصه الكريم، فدع الناس ترى رسولنا الكريم بفعلك المستلهم من رسول الله محمد.

 

الحلم والعفو... وهي الصفة التي لم تكن لأحد سواه بعد الله عز وجل، وقد جسّد في عمله هذه الصفة يوم فتح مكة. لم يكن، حاشاه، ناقمًا منتقمًا من أحد، ولكن كان عفوه عن من آذاه درسًا يجب أن يكون في مناهج التعليم الأخلاقي، ليكون عنوانًا لما يُردد اليوم بعنوان **السلام الاجتماعي**.

فالقضية لا تكون بمصطلحات مكتوبة، ولكن بفعل تراه الناس، وعندها يسألون: من علّمكم هذا؟ فتكون الإجابة: رسولنا محمد.

وبالسؤال يكمن الانتصار الحقيقي، إن كنتم لا تعلمون؛ فالعفو الذي تحلى به لم يكن في قول نُقل عنه، ولكن في فعل فعله على أرض الواقع، فكان رمز التسامح الاجتماعي.

 

الوفاء... من الصور التي لفتت انتباهي تحت عنوان هذه الصفة هو الوفاء لسيدتنا خديجة، سلام الله عليها، وكيف كان يكرم ذكرها ويكرم من له علاقة بها، وهذا بحد ذاته شيء قلما نراه اليوم.

وهي صورة من صور كثيرة نجدها في سيرته العطرة، ولكن ما دفعني لتناولها فيما أكتب، أن الوفاء هنا بدأ بأهله، ومن كان خيره لأهله، فعلم أن الخير سوف يكون للعالم الذين حوله... فالرسول هنا ملك القلوب قبل أن يدعوها للإيمان.

 

الاحتفاء الذي لا يحتاج إلى مناسبة ... ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تعريف الاحتفاء برسول الله، لأننا جعلنا الاحتفاء مناسبة، بينما كان هو مشروع حياة، وجعلنا ذكراه كلمات نرددها، بينما كانت سيرته أفعالًا عاشها، وجعلنا محبته صوتًا يرتفع في المناسبات، بينما كانت محبته عند أصحابه سلوكًا يُرى في تفاصيل حياتهم.

المشكلة ليست في أن نتذكر رسول الله، وإنما في أن نتذكره بطريقة لا تغيّر فينا شيئًا.

فالإنسان يستطيع أن يبكي وهو يسمع عن الرحمة، ثم يخرج من مجلسه ليقسو على إنسان ضعيف، ويستطيع أن يتحدث عن أمانة رسول الله، ثم يخون أمانة وُضعت بين يديه، ويستطيع أن يرفع صوته بالحديث عن تواضعه، ثم يمشي بين الناس وكأنه خُلق ليكون فوقهم.

وهنا تصبح المسألة فلسفة أخلاق قبل أن تكون مسألة احتفاء ديني؛ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرفه من الفضائل، وإنما بما يسمح لهذه الفضائل أن تفعله في حياته.

فالصدق الذي لا يمنعك من الكذب ليس صدقًا، والأمانة التي تنتهي عند حدود مصالحك ليست أمانة، والرحمة التي تختار لها من يستحقها وفق مزاجك ليست رحمة، والتواضع الذي يحتاج إلى جمهور يراك متواضعًا ليس تواضعًا، والعفو الذي نتحدث عنه ولا نمارسه ليس عفوًا، والوفاء الذي ينتهي عندما تنتهي مصلحة الإنسان منك ليس وفاءً ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى رسول الله ليس أن نكثر الحديث عنه، بل أن نقلل المسافة بين ما نقوله عنه وما نفعله نحن فالسيرة النبوية ليست كتابًا نضعه على الرف ثم نعود إليه في المناسبات، وإنما هي مرآة، وكل مرآة حقيقية لا تجامل صاحبها.

وعندما نقف أمام سيرة رسول الله، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا كان يفعل؟ بل يجب أن نسأل السؤال الأصعب: )ماذا نفعل نحن لو وضعنا أنفسنا في المكان نفسه؟(

فإذا كان رسول الله قد ملك القلوب قبل أن يدعوها إلى الإيمان، فكيف نحاول نحن أن نأخذ قلوب الناس بالقوة، أو بالخوف، أو بالوصاية، أو بادعاء امتلاك الحقيقة؟

وإذا كان قد جعل الرحمة طريقًا إلى الإنسان، فلماذا جعلنا نحن الاختلاف سببًا للكراهية؟

وإذا كان قد عفا عمن آذاه، فلماذا نبحث عن فرصة للانتقام من كل من أخطأ بحقنا؟

وإذا كان قد عاش التواضع وهو أعظم من مشى على هذه الأرض، فلماذا يتحول بعضنا إلى طاغية صغير بمجرد أن يمتلك سلطة على إنسان أضعف منه؟

هنا تبدأ عظمة رسول الله بالظهور فينا، لا في الكلمات التي نقولها عنه.

فالرسول لا يحتاج إلى أن نثبت عظمته بالصراخ؛ لأن العظمة لا تحتاج إلى من يرفع صوته كي تثبت وجودها. العظمة الحقيقية تفرض نفسها على الزمن، وتبقى حاضرة حتى بعد أن يغيب أصحابها.

ولهذا أرى أن أخطر سؤال يمكن أن يواجهنا في هذه المناسبة ليس: **كيف نحتفي برسول الله؟

بل: (هل لو رآنا رسول الله اليوم، عرف في أخلاقنا شيئًا مما جاء به؟)

ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع الزينة أن تجيب عنه، ولا المظاهر، ولا الكلمات، ولا الاحتفالات. لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الناس بما يرتدي، وبما يقول، وبما يرفع من شعارات، لكنه لا يستطيع أن يخدع أخلاقه عندما تختبرها الحياة.

ولهذا فإن رسول الله لا يحتاج منا إلى احتفال بقدر ما يحتاج إلى إنسان يفهم لماذا كان عظيمًا.

فإن فهمنا الصدق، أصبحنا صادقين وإن فهمنا الأمانة، حفظنا ما اؤتمنّا عليه وإن فهمنا الرحمة، لم نحتقر ضعيفًا وإن فهمنا التواضع، لم نرَ أنفسنا فوق الناس وإن فهمنا العفو، لم نجعل الانتقام دينًا وإن فهمنا الوفاء، لم ننسَ من كان له فضل علينا.

وعندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نحتفل برسول الله في يوم، بل حملنا شيئًا منه في كل يوم وهنا يكون الاحتفاء الحقيقي؛ أن يرى الناس أثر محمد في أخلاقنا، لا أن يسمعوا اسم محمد على ألسنتنا فقط.

فالرسول الذي غيّر وجه التاريخ لا يليق أن تكون ذكراه عاجزة عن تغيير سلوكنا.

 

الخلاصة ... ماذا يمكن لقلم مثلي أن يقول عن رجلٍ عجز التاريخ نفسه عن أن يضعه في سطر، وعجزت اللغة عن أن تمنح عظمته حقها، وعجزت القرون عن أن تطفئ أثره؟

إننا لا نتحدث عن رجلٍ عاش ثم مضى، وإنما نتحدث عن سيرة ما زالت تمشي بين الناس، وعن أخلاق لو عادت إلى حياتنا اليوم لأعادت للإنسان شيئًا من إنسانيته.

محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن عظيمًا لأننا قلنا إنه عظيم، بل كان عظيمًا قبل أن نعرف نحن كيف نصف العظمة. ولم يكن رسول الله بحاجة إلى أصواتنا كي يرتفع اسمه، فقد رفعه الله، ولكننا نحن بحاجة إلى سيرته كي نرتفع من ضعف أخلاقنا إلى قوة الإنسان الذي أراده الله أن يكون.

ولهذا، فإنني لا أريد في نهاية كلماتي أن أقول لكم: احتفلوا بمحمد، بل أقول: اعرفوا محمدًا.

اعرفوه في صدقه عندما يكون الصدق مكلفًا، وفي أمانته عندما تكون الخيانة مربحة، وفي رحمته عندما يكون القسوة أسهل، وفي تواضعه عندما تمنحكم الحياة سلطة على الآخرين، وفي عفوه عندما يكون الانتقام أقرب إلى القلب، وفي وفائه عندما ينتهي نفع الآخرين منكم.

فإن فعلتم ذلك، فلن تكونوا بحاجة إلى أن تبحثوا عن رسول الله في الكتب فقط، لأنكم ستجدون أثره في أخلاقكم.

أما أن نرفع اسمه عاليًا، ثم نسقط أخلاقه من حياتنا، فذلك ليس احتفاءً به، وإنما احتفالٌ بنا نحن.

السلام عليك يا رسول الله، يوم جئت رحمةً للعالمين، ويوم حملت الأمانة، ويوم وقفت وحدك أمام عالمٍ لا يعرف أنك ستغيّر وجهه، ويوم غادرت الدنيا وتركت وراءك سيرةً لم يستطع الزمن أن يغادرها.

سلامٌ عليك يا محمد، ما بقي في الأرض إنسان يبحث عن الصدق، وما بقي في القلب مكان للرحمة، وما بقي في الدنيا من يتعلم كيف يكون الإنسان إنسانًا.

سلام عليك يا رسول الله... فما أعظم رجلٍ كان محمد، وما أعظم أمةً كان يمكن أن تكون لو فهمت محمدًا.

الأحد، 23 أغسطس 2026

مقال

 

 المشاهير في التواصل الاجتماعي وظاهرة التسول

تحت عنوان

سرطان اجتماعي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



الشهرة والشهيرة ، وهناك من يخلط بين المصطلحين، فالأولى أن تعرّفك الناس بمهارة أو موهبة، حتى قالت العرب عنه: «قد ضاع صيته بين الناس»، أما الثانية فهي ما دوماً ترتبط بالسوء. وإذا ما أردت تعريف الظاهرة التي نشهدها اليوم، فهناك مقولة شعبية تعبّر عنها: «مكدي يكدي من مكدي، والله يرحمك يا جدي»، وفي هذا دلالة وصفية لما هو على أرض الواقع.

فالكثير منهم، إذا ما قلنا جميعهم، حديثو نعمة، وعندما يكون هناك تحوّل اجتماعي يكون هناك ما يسمى بالدهشة، ويقال عنه عند العامة: «مدهوش»، فيمضي بين الناس بتصرفات هي أقرب للحماقة، فيسقط عنه جميع المعايير الأخلاقية، وإن ادعى غير ذلك، فهم لاعبون على مشاعر الآخرين، فتراهم يتاجرون بكل شيء، بغض النظر عن الوازع القيمي.

فتراهم يستقطبون ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الحاجة، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أنه يتاجر بالله ذاته، من خلال ترديد بعض المصطلحات التي ما تقترن بالدين، وهنا تكمن خطورة الموضوع؛ فالبشر الذي ليس له ثوابت أو قيم يعتبر أداة هدم اجتماعي.

 

التسول الاجتماعي... لا أستطيع وصف ما يحدث بغير هذا المصطلح، من خلال ما نشهده من قضية اللعب على قضية الطمع، من خلال ما يعرف بالمساعدات المزيفة والهدايا، وليس هذا فحسب، فهناك آليات تدفع الكثير لسلوك غير أخلاقي لغرض الربح السريع، فتجد من يبحث عن المشاهير لغرض استعطافهم لكسب تعاطفهم، وهذه جريمة بكل المقاييس، فبمرور الزمن سوف يتحول هذا إلى ممارسة اجتماعية أساسها التسول.

 

التجارة غير المشروعة... أموال ومشاريع وتمويل مجهول المصدر، وكل هذا يجب أن يبوّب بطريقة أو بأخرى، ولهذا ترى بعضهم يصوّر نفسه أنه مع القانون والدولة، وهو المتحايل عليهما، وآخرون مفلسون من قضايا مفيدة أو نافعة للمجتمع، فيذهبون إلى تجارة الجنس من خلال استقطاب بعض الفتيات في إعلاناتهم، وهذه نوع جديد من السمسرة، إن كانوا لا يعلمون، من خلال عرضهن كمادة قابلة للبيع.

وهذه ليست أسوأ أنواع التجارة، ولكن هناك الأسوأ، وهو التجارة بالله ذاته، من خلال المضي في دعم ممارسات دينية لا ينتمون لها من الأصل، فقط لكسب تعاطف شعبي، وتلك أقذر تجارة قد تراها اليوم، أو ترديد أقوال لها علاقة بالدين، أو حتى يستخدمون الحلفان لغرض الترويج الإعلاني.

 

الكرم المشروط... كثيراً ما ترى اليوم العديد من المشاهير يقومون بمبادرات خيرية كما يروّج لها اليوم، ولكن للحقيقة وجه آخر، فكلهن أفعال مدروسة، وكما يقال عند العامة: «أولدرات»، من أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة التي يديرها الكثير من المهرجين ممن يطلقون على أنفسهم مشاهير.

وهذا ما يعزز أن القضية تخرج من طابع الكفالة الاجتماعية إلى استعباد المجتمع بحجة المال، من خلال الاستعراضات الوهمية، ومن خلال ما يعرف بالبثوث، وهذا يعد تشويهاً ضمنياً لمسألة تقديم العون، وقد وصل الحال بأحدهم إلى الاستخفاف والاستهانة بمعاناة الآخرين، وربط المساعدة بدعم الداعمين، في هذا نوع من النفاق.

 

شروط الشهير... والحقيقة، ولمن لا يعرف، أن أهم تلك الشروط أن يكون من الشخصيات المغمورة التي تتمتع بالتفاهة، ويكون أيضاً لا يمتلك أي نوع من أنواع الوعي القيمي الذي قد يمنعه من تنفيذ ما يُملى عليه، فلن ترى منهم كاتباً أو شاعراً أو فناناً.

ولهذا تجمعهم صفة واحدة، وهي الحماقة، وهذا قد يكون الشرط الأساسي في القضية، وهنا أستشهد بمقولة قلت لأحدهم عنها يوماً ما:

«أنا وأنت نريد أن نصل للسماء، ولكن أنت تريد الصعود بصاروخ، إشارةً للسرعة، وأنا أريد أن أبني برجاً عاجياً، لتكون نهايتنا مختلفة؛ فأنت سوف يكون سقوطك بذات السرعة التي وصلت بها للقمة، ولكن أنا عند موتي سوف أترك ذلك البرج تتحدث الناس عنه فترة بعد موتي».

عندها قال لي: «لم أفهم»، فقلت له: «لو فهمت ما أقول، لكنت اليوم من أصحاب الحكمة على هذه الأرض».

 

خطرهم على المجتمع... يتركز خطرهم في ترسيخ أفكار الانحراف وتقديمها على أنها أسس اجتماعية، ومع مرور الوقت تتحول إلى ثقافة، فهم الذين ينتشرون كمرض سرطاني في المجتمع، فتراهم جميعاً ينتهجون من الانحلال سلوكاً حياتياً، ويصبحون أداة تسويقية لكل ظاهرة قد تقوم بهدم المجتمع.

فالكل اليوم يبحث عنهم فقط لكسب ما يمكن أن يخرج منهم، ولو عن طريق الإهانة التي تتمثل بقضية التصوير. فهؤلاء يعيشون على فضح البشر وتقديم أنفسهم على أنهم أصحاب الخير، والحقيقة أنهم دمى لا تملك لنفسها من الخير أو الشر شيئاً يُذكر.

فكلهم اليوم باتوا شخصيات تدعم فكرة تتفيه المجتمع، ويبدو أنهم قد نجحوا في هذا، فأصبحوا نجوم المجتمع اليوم.

 

حين يصبح التسول ثقافة ... المشكلة ليست في أن يعطي المشهور هدية، ولا في أن يقدم جائزة لمن يستحقها، فهذه في أصلها أفعال يمكن أن تكون جميلة إذا بقيت في إطارها الطبيعي، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهدية إلى وسيلة لصناعة مجتمع ينتظر من المشهور أن يدفع، وأن يمنح، وأن يوزع، وأن يحل مشاكل الناس، وكأن هؤلاء المشاهير أصبحوا خزائن عامة، وكل ما على المواطن فعله هو أن يقف أمامها منتظراً دوره.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأنك لا تصنع إنساناً منتجاً عندما تعوّده على أن يحصل على المال دون مقابل، بل تصنع إنساناً ينتظر المال، ومع مرور الوقت يتحول الانتظار إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، والثقافة في النهاية تصبح مرضاً اجتماعياً يصعب علاجه.

فاليوم نرى من يتسابق على الظهور أمام المشهور، لا ليعرض إنجازاً، ولا ليقدم موهبة، ولا ليقول كلمة تستحق أن يسمعها الناس، وإنما ليعرض حاجته، وكلما كانت الحاجة أكثر إثارة للشفقة كانت فرصة الحصول على الهدية أكبر، وكأن المجتمع دخل في مزاد علني عنوانه: من يستطيع أن يقنع المشهور بأنه الأكثر فقراً؟

وهنا يتحول الإنسان من صاحب كرامة إلى صاحب قصة، ومن صاحب قصة إلى مادة للبث، ومن مادة للبث إلى رقم في المشاهدات، ثم تأتي الهدية في نهاية المشهد وكأنها الحل، بينما الحقيقة أنها ليست حلاً، وإنما جرعة مؤقتة من المال تخفي مرضاً أكبر اسمه (إدمان العطاء السهل).

والأخطر من ذلك أن المشهور نفسه يبدأ بتربية جمهور لا يعرفه إلا من خلال ما يمنحه؛ فإذا توقف عن الهدايا انفضّ عنه كثير ممن كانوا يصفقون له، وإذا أعلن عن جائزة ظهر الآلاف، وإذا قال سأساعد عشرة أشخاص أصبح الملايين يتمنون أن يكونوا أحدهم، وهنا لم يعد المشهور يصنع محتوى، بل أصبح يصنع طوابير من المنتظرين.

وهذه الطوابير هي أخطر ما يمكن أن تنتجه ظاهرة الشهرة؛ لأن المجتمع الذي ينتظر الجائزة أكثر مما ينتظر فرصة العمل، وينتظر الهدية أكثر مما ينتظر نتيجة جهده، سوف يصل في يوم من الأيام إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: **ماذا سوف يعطيني؟** بدلاً من السؤال: (ماذا أستطيع أن أقدم؟)

وهنا يبدأ سقوط قيمة العمل، لأن العمل يحتاج إلى صبر، والموهبة تحتاج إلى سنوات، والعلم يحتاج إلى تعب، أما الهدية فلا تحتاج إلا إلى قصة مؤثرة، ووجه أمام الكاميرا، ومشهور يمتلك المال والرغبة في الظهور.

ولذلك فإن بعض ما يسمى اليوم مبادرات إنسانية قد تكون، من حيث لا يشعر أصحابها، مشاركة في صناعة مجتمع متسول؛ مجتمع يتعلم أن أبواب الشهرة أقصر من أبواب العمل، وأن الكاميرا أسرع من الشهادة، وأن دمعة أمام العدسة قد تكون أكثر ربحاً من سنوات قضيتها في الدراسة أو العمل.

وهنا لا تعود القضية قضية مشهور يمنح هدية لشخص محتاج، وإنما تصبح قضية (إعادة صياغة مفهوم الحاجة نفسه) ؛ فالحاجة التي كانت في الماضي تدفع الإنسان إلى البحث عن العمل أصبحت اليوم تدفعه إلى البحث عن مشهور، والفقير الذي كان يخجل من مد يده أصبح اليوم يمدها أمام ملايين المتابعين دون خجل، لأن المجتمع نفسه بدأ يمنحه التصفيق بدلاً من أن يمنحه فرصة لاستعادة قدرته على الوقوف.

وهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً؛ فليس كل من أعطى محسناً، وليس كل من أخذ محتاجاً، وليس كل ما يحدث أمام الكاميرا عملاً إنسانياً.

فأحياناً تكون الهدية (رشوة اجتماعية مغلفة بالإنسانية) ، وأحياناً يكون التصوير إهانة للفقير أكثر من كونه مساعدة له، لأن الإنسان قد يحتاج إلى المال، لكنه لا يحتاج أن تتحول حاجته إلى فرجة يتسلّى بها الآخرون.

وإذا استمر هذا النهج، فسوف يأتي يوم لا يسأل فيه الناس عن المشهور ماذا قدم للمجتمع من علم أو ثقافة أو إبداع، وإنما يسألونه سؤالاً واحداً: (ماذا ستوزع اليوم؟)

وعندها نكون قد نجحنا في تحويل الشهرة من قيمة إلى خزينة، والمشهور من شخصية عامة إلى ماكينة توزيع، والمواطن من إنسان يبحث عن فرصة إلى يد تنتظر أن تمتد إليها هدية.

وهنا تحديداً يصبح التسول ليس عيباً يمارسه بعض الأفراد، بل (ثقافة يتعلمها جيل كامل ويعتبرها حقاً مكتسباً)

 

الخلاصة ... لا تكمن خطورة المشاهير في أنهم يوزعون الهدايا والجوائز، وإنما في أنهم بدأوا ــ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ــ بصناعة إنسان ينتظر أن يُعطى، أكثر مما يسعى إلى أن يُنتج، ويبحث عن يدٍ تمتد إليه، أكثر مما يبحث عن طريقٍ يقف فيه على قدميه.

فحين تصبح الحاجة وسيلة للظهور، والفقر مادة للمشاهدة، والهدية جائزة على الاستعطاف، تتحول الإنسانية إلى عرضٍ جماهيري، ويتحول المجتمع شيئاً فشيئاً من مجتمع يعمل ليعيش إلى مجتمع ينتظر ليأخذ.

وهنا يكون الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمع لا يموت عندما يفتقر إلى المال، وإنما يموت عندما يفتقر إلى قيمة العمل، وكرامة الإنسان، وشعوره بأنه قادر على صناعة حياته بيده.

فالمشهور الذي يشتري المشاهدات بالهدايا لا يصنع مجتمعاً سعيداً، وإنما يصنع جمهوراً جائعاً إلى المزيد، والمواطن الذي يعتاد طرق أبواب المشاهير سوف يأتي عليه يوم لا يعرف فيه كيف يطرق باب العمل.

وعندما تصبح الشهرة خزينة، والهدايا راتباً، والجوائز حقاً، والتسول مهنة، والكرامة شيئاً قابلاً للتصوير والنشر، فهنا لا تعود المشكلة في المشاهير وحدهم، بل في مجتمع سمح لهم بأن يصبحوا مصنعاً لإنتاج الاتكالية.

ولذلك فإن أخطر سرطان اجتماعي ليس أن يكون لدينا مشاهير بلا قيمة، وإنما أن يتحول هؤلاء إلى قدوة، وأن يصبح ما يفعلونه نموذجاً يحتذى، حتى يستيقظ المجتمع ذات يوم ليكتشف أنه لم يعد يبحث عن من يعلمه كيف يعمل، بل عن من يعلمه كيف يطلب.

وعندها ستكون الكارثة قد اكتملت...

فالمجتمع الذي يعتاد أن يعيش على الهدايا، يفقد مع الوقت القدرة على صناعة مستقبله؛ لأن اليد التي اعتادت أن تُعطى، قد تنسى كيف تصنع.

السبت، 22 أغسطس 2026

مقال

 

السيرة الذاتية للنعال

تحت عنوان

 كلمات لا يجرؤ أحد على كتابتها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ماذا لو تكلّم النعال، وماذا سوف يقول؟

وُلدتُ، لمن لا يعرف، كأيٍّ من الاختراعات في الحياة البشرية، وقد أكون من أوائل الاختراعات التي كان سببها الحاجة، وكما يقال في الأثر: **«الحاجة أم الاختراع»**. وكانت وظيفتي منذ ذلك الوقت هي حماية القدم من المؤثرات الخارجية، فكانت ولادتي يوم أدرك البشر أن أقدامهم أضعف من الطريق. وكانت البداية قطعة جلد تُربط بالحبال، قبل أن تكون لي ماركات أو ألوان.

فأنا أول من قدّم خدمة الحماية للإنسان، فعُمري اليوم أقدم من مناصبكم أو ألقابكم، ويبدو أنني الاختراع الوحيد الذي كان وجوده قبل أن يأخذني البعض إلى دائرة المظاهر والشكليات.

 

الجميع مدين لي بالاعتذار... هل تعلم أنني الوحيد الذي يشتغل طول اليوم بلا راتب، وإذا تمزقتُ قالوا: انتهت صلاحيتك؟ وهذا ما يُدخل الكثير من البشر في حيّز نكران الجميل. وأنا اليوم لست هنا لأعتذر عن وظيفتي ومسألة التحقير بي، وأكثر ما يؤلمني أنهم يتخذون من اسمي شتيمة، ولكن هناك اليوم من بدأ في تقمّص شخصيتي وإظهارها بشكل سيئ، رغم أنهم لا يستطيعون تقديم الكثير مما أقدمه.

 

تقمّص الشخصية... إن أكثر ما يحزنني في الموضوع أن هناك من ينتحل شخصيتي. فالجميع يعرف أنني متعدد الألوان والأحجام، وليس هذا ما يكون وجه التشابه بيني وبين بعض البشر، ولكن هناك من يسيء إلى سمعتي كنعال. فأنا لم أختر القدم التي أكون تحتها لغرض تحقيق منفعة معينة، وهذا ما ينتهجه الكثير من الناس وينسبه إليّ.

ولكن هناك شبه واحد بيني وبين هؤلاء: نحن الاثنان، عندما تنتهي صلاحيتنا، تكون نهايتنا في سلة المهملات.

 

خدمة لا يشعر بها أحد .. انا النعال، وربما تكونون قد اعتدتم على وجودي الى درجة انكم لم تعودوا تشعرون بخدمتي، وهذه مشكلة البشر، فهم لا يشعرون بقيمة الشيء الا عندما يفقدونه.

انا الذي اكون بين القدم والارض، اتحمل الحصى والشوك والحرارة والماء والطين، وكل ما يمكن ان يؤذي القدم، ومع ذلك لا احد يقول لي شكرا، وكأنني موظف حكومي انتهت معاملته بمجرد وضع الختم والاغرب من ذلك ان بعض البشر عندما يريد اهانة انسان يقول له: سوف اضربك بالنعال، وكأن النعال هو الذي ارتكب الخطأ.

عجيب امركم ايها البشر، انا احمي اقدامكم من الاذى، وذات الشعار يردده البعض مع تغير التعبير مع فارق التشبيه بيني وبين من يررد شعار مشابه لهذا وانتم تستخدمونني لالحاق الاذى ببعضكم .. فهل اصبحت الخدمة عندكم دليلا على الاهانة؟

 

انا لا اختار من يخدمني ... هناك قضية اخرى يجب ان اوضحها، انا لا اختار القدم التي اكون تحتها، فلا تسألوني عن صاحبها، ولا عن منصبه، ولا عن رصيده، ولا عن عدد السيارات التي يمتلكها.

انا نعال، مهمتي ان اخدم القدم التي وضعتني فيها لكنني ارى بعض البشر يفعلون العكس تماما، فهو لا يخدم الانسان، بل يبحث عن الانسان الذي يستطيع ان يخدم مصالحه، وكلما تغيرت المصلحة تغيرت القدم التي يقف تحتها.

انا على الاقل صريح مع نفسي، اعرف انني نعال .. اما بعض البشر فلا اعرف ماذا يسمون انفسهم .. انا لا اختار القدم، ولكن بعض البشر يختارون الاقدام التي يسيرون خلفها.

 

المقاس والمصلحة ... انا لدي مقاسات، صغير وكبير وواسع وضيق، ولكل قدم مقاسها، ولم يحدث يوما ان قلت لقدم: انا اكبر منك ولن اخدمك لكنني رأيت بعض البشر مقاساتهم تتغير حسب المكان .. امام القوي يصبح صغيرا جدا، وامام الضعيف يصبح اكبر من مقاسه، وامام صاحب المال يكون على مقاس المصلحة تماما.

وهنا اقول: لا تلوموني على تعدد المقاسات، فالفرق بيني وبين بعض البشر ان مقاسي مصنوع للقدم، اما مقاسهم فمصنوع للمصلحة .. انا اغير المقاس للراحة، وبعض البشر يغيرون المقاس للمنفعة .. اهانتي ام اهانتكم؟

تضربونني بالقدم ثم تقولون عني وسيلة اهانة، تضعونني في القدم ثم تجعلون اسمي شتيمة، تمشون بي في الشوارع ثم تخجلون مني اذا اهترأت.

انا لا افهم هذه المعادلة .. اذا كنت سيئا الى هذه الدرجة، فلماذا تحتاجونني كل يوم؟ .. انا لم اطلب ان اكون فوق رؤوسكم، ولم ادع يوما انني تاج، ولم اطلب منصبا ولا راتبا ولا حصة ولا امتيازا.

انا فقط اؤدي وظيفتي. وهنا اتساءل: هل المشكلة في النعال الذي يقبع تحت القدم، ام في الانسان الذي يرفع نفسه فوق الناس ثم يدوسهم؟

قد اكون تحت القدم، لكنني لم اتعلم كيف ادوس على كرامة احد.

 

انا والسيارة .. اخترعتم السيارة فصفقتم لها، وصنعتم لها المصانع، وكتبتم عنها الكتب، واحتفلتم بتطورها، واصبح لها اسم وماركة ومكانة .. اما انا، فلا احد يتذكر انني كنت ايضا اختراعا من اجل خدمة الانسان.

السيارة تنقلكم من مكان الى مكان، وانا اساعدكم على السير في المكان .. السيارة تحميكم من الطريق، وانا احمي اقدامكم من الطريق لكن الفرق بيني وبينها ان السيارة اذا كانت فاخرة قالوا عنها تحفة، وانا اذا كنت فاخرا قالوا: نعال!

انا لا احسد السيارة، ولكن عندي سؤال صغير:

لماذا تحترمون الاختراع عندما يكون غالي الثمن، وتحتقرونه عندما يكون رخيصا؟

انا لا اخجل من مكاني .. انا تحت القدم، وهذه حقيقة لا انكرها.

لكنني لا اخجل من مكاني، لانني اعرف ماذا افعل وهذه مشكلة بعض البشر، يريدون دائما ان يكونوا فوق الجميع، ولكنهم لا يسألون انفسهم ماذا يقدمون لمن هم تحتهم.

انا في الاسفل واحمي من فوقي، وبعض البشر في الاعلى ولا يفعلون شيئا سوى حماية مصالحهم لذلك لا تقيسوا قيمة الشيء بمكانه، فربما يكون الشيء في الاسفل هو الذي يمنع من في الاعلى من الاصطدام بالارض .. ليس كل من كان في الاعلى عاليا، وليس كل من كان في الاسفل واطئا ..

 

حين تنتهي صلاحيتي ... عندما اتمزق تقولون: انتهت صلاحيته ولا احد يسأل: كم طريقا مشى؟ وكم شوكة تحمل؟ وكم مرة انقذ القدم من الاذى؟

ترمونني في سلة المهملات وكأنني لم اقدم شيئا.

وهنا اضحك لانني رأيت بعض البشر يفعلون الشيء نفسه مع بعضهم، ما دام الشخص نافعا اقتربوا منه، وما ان تنتهي فائدته حتى يصبح غير صالح للاستعمال.

الفرق الوحيد انني انتهيت من الخدمة فعلا .. اما بعض البشر فما زالوا يمارسون الخدمة ولكن لمصلحة انفسهم .. انا تنتهي صلاحيتي عندما اهترئ، وبعض البشر تنتهي صلاحيتهم عندما تنتهي المصلحة.

 

اعتذار متأخر ...  بعد كل هذا، لا اريد منكم شيئا .. لا اريد تمثالا، ولا وساما، ولا شهادة تقديرية، ولا حتى كلمة شكرا لكن لدي طلب واحد فقط: عندما تريدون اهانة انسان، لا تستخدموا اسمي.

فانا لم اخن احدا، ولم انافق احدا، ولم اغير موقفي من اجل المال، ولم اترك قدما فقيرة بحثا عن قدم غنية .. انا بقيت نعالا من اول يوم الى اخر يوم.

ولذلك اقول لكم: اذا اردتم اهانة احد، ابحثوا عن سلوك يستحق الاهانة، ولا تظلموا النعال.

فانا، في نهاية الامر، مجرد نعال ولكنني بدأت اشك ان بعض البشر يحتاجون الى ان يتعلموا مني كيف يكونون اوفى لوظيفتهم، واكثر صدقا مع انفسهم.

انا النعال ... لا ادعي انني انسان، لكنني احيانا اخجل من بعض الذين يدّعون الانسانية.

 

الخلاصة ... وفي نهاية هذه السيرة التي لم يتوقع أحد أن يسمعها من نعال، أقول لكم: لا تحاكموني بمكاني تحت القدم، بل حاكموني بما قدمته لها. فأنا لم أختر أن أكون في الأسفل، لكنني اخترت أن أحمي من هو فوقي من أذى الطريق.

أنتم من جعلتم اسمي شتيمة، مع أنني لم أخن، ولم أنافق، ولم أبدّل موقفي من أجل مصلحة، ولم أبحث عن قدمٍ أقوى لأقف تحتها. أنا فقط أؤدي وظيفتي بصمت.

أما بعض البشر، فقد امتلكوا الألسنة والعقول والمناصب، ثم استخدموا كل ذلك في الدوس على الآخرين.. لذلك، لا تؤلموني عندما تقولون: «نعال»... فالنعال يعرف وظيفته جيداً، ويؤديها دون ادعاء.

وإذا كان لا بد أن نبحث عن النعال الحقيقي، فلا تبحثوا عنه تحت الأقدام... ابحثوا عنه في السلوك؛ فهناك من يمشي على قدمين، لكنه قضى عمره كله يبحث عن قدمٍ يقف تحتها.

أنا النعال... انتهت سيرتي، لكن يبدو أن السيرة الحقيقية بدأت الآن.

الخميس، 20 أغسطس 2026

مقال

 

 الزيدي .. وأزمة الصلاحيات

تحت عنوان

هل هناك دولة؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين


خرج علينا قبل أيام مستشار رئيس الوزراء بتصريح عنه، يُعد كارثة في عالم السياسة، بأن الجماعات المسلحة لا تحترمه ولا تحترم الدولة، ويبدو أن سيادته غير مدرك مدى صلاحيات منصبه الذي يشغله. وهذه الأزمة لا تنضوي تحت شخصية بشكل مباشر، ولكن قلتها قبل أعوام وعن تجربة شخصية: إن حدود صلاحيات منصب رئيس الوزراء، بغض النظر عن الأسماء، هي جدران غرفته، وهنا سوف نشرح ملابسات المأزق الذي يمر به سيادته.

 

انعدام القواعد الشعبية ... مسؤول الصدفة إذا ما أردنا وصفه بشكل دقيق، وهذا بسبب تسميته أو توليه لهذا المنصب، فالرجل لم يزاول العمل السياسي قبل هذا، وقد كان دوره التغطيات المالية لكثير من الشخصيات من خلال وظيفته في إشغال منصب إداري ومالي في مصرف الجنوب. والحقيقة أن سر اختياره كان نوعًا من الالتفاف على قرار السيد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، كنوع من المراوغة السياسية من وجهة نظرهم القاصرة في عالم السياسة، وهذا ما أدخلهم بشكل مباشر في مأزق إدارة الدولة. فالمرحلة تعتبر من أحرج المراحل التي يمر بها البلد على الصعيد المالي والإداري، وعدم امتلاكه قاعدة شعبية ساهم في إضعاف قدرته على اتخاذ قرار حاسم في مجمل القضايا.

 

مأزق السقف الزمني ... الخطأ القاتل الذي أقدم عليه، إلزام نفسه بسقف زمني لقضايا عجزت عشرات السنوات عن حلها، دون امتلاك عصا سحرية لهذا الأمر، وهذه تعتبر الشعرة التي سوف تقسم ظهر البعير. فقبوله لطلب زيارة الولايات المتحدة كان بسبب إلزامه بوقت محدد، يعتبر بمثابة انتحار سياسي في عالم يعج بالفوضى الإدارية والمالية.

 

العراق والعالم الوردي المزيف ... كثيرًا ما يروّج له المبطلون للسلطة، أن البلد يحظى برخاء إداري ومالي منذ بداية هذه الحقبة، منذ عقدين، ولكن ما لا يريد الاعتراف به عرّابو السلطة أن هناك أزمة حقيقية تعصف بهذا البلد بسبب عدم وضع رؤية سياسية ثابتة، وكان الأمر برمته يسير بمنظور (حارة كلمن إيدو إلو)، وهذا بسبب منهجية المحاصصة التي نشأ عليها النظام من البداية، ما خلّفت الكثير من القضايا التي أنهكته وأدخلته في زوايا نفق مظلم.

فلا أحد في هذا البلد يعمل من أجل الوطن، فالجميع يعمل تحت العديد من المسميات، منها (الطائفية والقومية والدينية)، وكان البلد عبارة عن غنيمة يسعى الجميع لنيل أكبر حصة منه، فأصبحنا اليوم لا خدمات طبية حقيقية، ولا بنية تحتية، ولا تعليم.

وهنا يكون السؤال لمن يريد أن يتزعم المشهد: ماذا سوف تدير إذا ما لم تجد ما يستحق الإدارة؟ ولهذا اتجهت الدولة لعملية الخصخصة في جميع مفاصل الدولة، كنوع من التهرب من المسؤولية بحجة مواكبة الحضارة، وهذا غير صحيح.

 

الجماعات المسلحة ... وهي ليست فكرة جديدة كما يظن الكثير، فهي تعود إلى تأسيس النظام الجمهوري، ولكن مع اختلاف الأسماء، ومنها (الشبيبة والحرس القومي والجيش الشعبي والبيشمركة والحشد الشعبي). وفي هذا دلالة على أن القضية اليوم هي أكبر من تواجد تلك الجماعات المسلحة على الأرض، ولكنها أيديولوجيات فرضتها بعض الأجندات العابرة للحدود منذ ذلك الوقت، وفي الغالب ما يكون عملها لقمع من يخرج على السلطة، كنوع من الالتفاف على النظام في التعامل معهم.

 

مفهوم الدولة ... في المنهج العقلي، في الغالب ما يُعرَف أنه حزمة قوانين تنظم الحياة العامة، يقوم على تطبيقها مجموعة شخصيات تتمتع بالكفاءة وتتمتع بصلاحيات تعمل على فرض القانون، ولكن ما نجده اليوم على أرض الواقع عبارة عن قانون مطاطي حسب الأهواء والمصالح الشخصية، وهذا ما سبب نوعًا من التراخي في فرض القانون، وخلق نوعًا من عدم الثقة بين المواطن والدولة، ولهذا وهنا يسقط مفهوم الدولة.

 

الحلول ... الاستقلال الاقتصادي والإداري في اتخاذ القرار. ومن أكبر المشاكل التي يعاني منها البلد أن المال تمسك به الولايات المتحدة، والإدارة على الأرض بيد الجارة إيران، وبسبب الازدواجية في المعايير يكون الحل في تغيير عقيدة إدارة الدولة العليا، من خلال فرض منهجية تتمتع بالمصداقية، والكف عن التعامل مع المواطن على أنه غنيمة؛ فمنهم من يستثمره كوقود للحرب، وآخر يستثمره كمواد استهلاكية، والمضي في التعامل مع الجميع بمعيار واحد، بغض النظر عن التبعية، وبهذا فقط نكون قد اقتربنا فقط من إيجاد الحل.

 

الخلاصة ... إن الجميع اليوم يسير حسب ما يُملى عليه، من رأس الهرم الممثل برئيس الجمهورية إلى موظف الخدمة في هذا البلد، وبهذه العقلية لن تُبنى البلدان؛ لأن الأيديولوجيات المتغيرة قد تفضي لمفهوم يحول الوطن لفريسة تتصارع الكلاب عليه. هي سياسة فاشلة، ولو كان من يتزعم رأس الهرم نبيًا مبعوثًا من السماء، فعالم السياسة علم له قواعد وقوانين تُدرَس.. أما مفهوم الشرق الأوسط بأن تستقدم شخصيات من العدم للواجهة السياسية، فقد أثبت فشله منذ نهاية القرن الماضي.. ونصيحتي للزيدي أو أي رئيس وزراء قادم: **اقرأ التاريخ قبل أن تشرع في قبول المنصب.**

 

مقال

  تعالوا أحدثكم عن رسول الله تحت عنوان   السلام عليك يا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين الي...