كتاب لتوثيق
يوميات برؤى مختلفة
تحت
عنوان
(أوراق
منسية) للدكتور عبد السلام الجبوري
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
العنوان
/ أوراق منسية
المؤلف /
د. عبد السلام محمد الجبوري
عدد
الصفحات / 108
دار
النشر / دار الميثاق ـــ سنة النشر 2026
البداية
من سبب كتابتي عن مضمون الكتاب، حيث اتهمني سيادته بأنني حين أكتب لا أقرأ، وهذا
رأيه وأنا أحترم جميع الآراء، ولهذا كان اليوم موضوعي عن كتاب لا تجده على النت،
أو حتى لم يُحط به الذكاء الاصطناعي بعد.
المعلن
أنه مجموعة قصصية، لكنني لم أستطع من خلال قراءتي للكتاب تحديد النمط الأدبي الذي
ينطوي تحت مضمونه، فلا تستطيع أن تقول عنه مجموعة مقالات أو خواطر أو نصوص نثرية،
ولكنها أقرب إلى التوثيق الحياتي بطريقة أقرب إلى المدرسة الانطباعية.
حيث يضم
الكثير من العناوين المستلهمة من يوميات ومعاناة الكاتب ذاته، وإذا ما كنت خُيّرت
باختيار عنوان آخر لهذا الكتاب، فسوف يكون (الرقص فوق جثث الموتى)، وهذا بسبب أن
كل الذين جاء ذكرهم بشكل مباشر أو غير مباشر هم أموات، فمنهم من لهم قبور وشواهد،
وآخرون أموات من الناحية المعنوية من خلال عنوان فرعي (شواهد بلا قبور)، وهنا سوف
أختار جزءاً من العناوين الفرعية بشكل عشوائي للتحدث عنها، ومنها:
الغرفة
(15) ... وكما يقال في التراث: (أول الرقص حنجلة)، في الغالب تعودنا أن أصحاب
المنجزات الكتابية تكون لهم أيديولوجيات في تصميم المنهج واختيار مواضيع مشجعة
للقارئ، كنوع من الإغراء لضمان مواصلة القراءة، ولكن أن تكون البداية في كارثة
إنسانية بكل المقاييس، قد تحدث نوعاً من الانطباع عند الكثير بأنها مادة (لطمية).
وتتضمن
هذه الفقرة من الكتاب معاناة الكاتب الحقيقية في مسألة فقدان من نحب، وهنا تكون
وفاة الزوجة، وهنا لا أقلل من هول الحدث، ولكن هناك ما يُعرف بمنهجية تكوين مادة
الكتاب لغرض تقبّل المتلقي للمادة، ولكن، وعلى ما يبدو، أن الكتاب برمته كُتب من
أجل هذا الموضوع كنوع من أنواع التنفيس عن معاناة الذات، ولم يكن هذا الموضوع
الوحيد، فهناك موضوع آخر يحكي ذات الفكرة، وهو موت الابن، وأعان الله كاتب الكتاب
على تلك الأهوال التي ألمّت به.
ثم انتقل
الكاتب إلى موضوع مكمل للفكرة، وهو بعنوان (مجلس العزاء)، مستعرضاً حالة
اللامبالاة التي يتحلى بها الكثير ممن يحضرون المناسبات المؤلمة، بالإضافة إلى
عملية الإسقاط لبعض السلوكيات التي تمارس عند رؤية المسؤول.
الإسقاط
البيئي ... وهنا يتخذ المؤلف في بعض المواضيع رؤية تعكس بيئته التي ينتمي إليها،
ومنها استعمال مصطلح (الدبكة) في عنوان (محطات)، وفي هذا استعارة مكانية حاضرة،
دلالة على البيئة التي ينتمي إليها، ولا أجد ضرراً في هذا، فمن الطبيعي أن تكون في
النصوص المكتوبة لأي من الألوان الأدبية مرايا عاكسة للبيئة.
الإسقاط
النفسي ... يكثر الكاتب هنا وهناك، بين الصفحات، في جعل نفسه في مكانة الراوي من
خلال تجارب حية خاضها، ويبدو للقارئ أن هناك إسقاطاً نفسياً في الكثير من النصوص،
حتى إنك ومن أول عشر صفحات يتبين للقارئ أن المحتوى عبارة عن توثيق نفسي لا حياتي،
وهذا ما قد يضعف النص في بعض جوانب الكتاب.
أيديولوجيات
الوصف المكاني ... وفي الغالب ما تُستعمل هذه التقنية في الروايات والقصص، ولكن
تجدها اليوم بين صفحات هذا الكتاب من خلال بعض العناوين الفرعية، وهنا أذكر منها
(المرحاض)، فهناك مبالغة وصفية للمكان بما لا ينبغي أن يكون، وهذا ما قد يدخل
المادة إلى مسارات تخرج عن الموضع المراد منها، وقد يلمّح إلى مواضيع محرمة فكرية
أو سياسية أو اجتماعية كنوع من التقيّة.
شكالية
تحديد الجنس الأدبي وهي معضلة الكتاب ... ربما تكون الإشكالية الأكبر في هذا
الكتاب ليست في مضمون ما كتب، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه على القارئ منذ
الصفحات الأولى: إلى أي جنس أدبي ينتمي هذا الكتاب؟ وهنا تبدأ المعضلة، لأن الكاتب
وضعه في خانة المجموعة القصصية، ولكن القارئ عندما يدخل بين صفحاته لا يجد تلك
الحدود الواضحة التي تفصل القصة عن المقالة، أو الخاطرة عن النص النثري، أو
التوثيق عن السيرة الذاتية.
وهنا لا
أريد أن أضع الكاتب في قفص التصنيف الأدبي لمجرد التصنيف، ولكن تحديد الجنس الأدبي
ليس مسألة شكلية كما قد يعتقد البعض، بل هو جزء من هوية العمل، لأن القارئ عندما
يمسك كتاباً يحمل عنوان مجموعة قصصية يدخل إليه وهو يمتلك توقعات معينة، وعندما لا
يجد مقومات القصة بمفهومها الفني المعروف يبدأ السؤال: هل المشكلة في القارئ أم في
النص أم في التصنيف؟
فالقصة
تحتاج إلى بناء، وشخوص، وحركة، وحدث، ومسار يقود المتلقي إلى نتيجة، بينما النص
الانطباعي يقوم على إحساس وانطباع ورؤية، والمقال يقوم على فكرة ومحاولة
لمعالجتها، أما السيرة فتقوم على استحضار التجربة الذاتية وربطها بالزمن والحدث.
وعندما تجتمع هذه العناصر جميعاً في كتاب واحد دون أن تكون هناك حدود واضحة بينها،
يصبح من الصعب أن تمنح العمل هوية أدبية محددة.
وهذا
بالضبط ما وجدته في (أوراق منسية)، فأنا أمام نصوص تتنقل بين التجربة الشخصية،
والتأمل، والوصف، واستحضار الشخصيات، وتسجيل بعض المواقف، وأحياناً الاقتراب من
القصة، ولكنها لا تستقر طويلاً في جنس أدبي واحد، وكأن الكاتب ترك الباب مفتوحاً
أمام أكثر من اتجاه، وربما كان ذلك مقصوداً، وربما جاء نتيجة طبيعية لطبيعة
التجربة التي أراد توثيقها.
ولكن
الإشكالية هنا أن القارئ لا يستطيع دائماً أن يقرأ النص بمعزل عن العنوان الذي
وضعه المؤلف له، فالتصنيف يخلق عقداً ضمنياً بين الكاتب والقارئ، والكاتب يقول لك
من البداية: هذه مجموعة قصصية، وأنت تدخل إلى النص بحثاً عن القصة، فإذا وجدت
شيئاً آخر تبدأ عملية البحث عن الهوية الحقيقية للنص.
وقد يقول
البعض إن الأدب لا يحتاج إلى صناديق، وهذا كلام صحيح إلى حد كبير، فالإبداع
الحقيقي قد يتمرد على التصنيفات، وقد يولد جنساً أدبياً جديداً من رحم التجربة،
ولكن الفرق بين التمرد على القاعدة وبين عدم القدرة على تحديد القاعدة هو أن الأول
مشروع إبداعي واعٍ، أما الثاني فقد يجعل العمل يبدو مشتتاً بين أكثر من هوية.
وهنا أجد
أن معضلة الكتاب الحقيقية ليست في أن النصوص غير قابلة للقراءة، بل في أن القارئ
يحتاج إلى مفتاح مختلف للدخول إليها، لأن الكاتب لا يقدم له جنساً أدبياً واضح
المعالم، وإنما يقدم له أوراقاً من تجربة إنسانية متراكمة، بعضها شخصي وبعضها
اجتماعي وبعضها أقرب إلى التأمل، ولهذا فإن قراءة الكتاب بوصفه مجموعة قصصية فقط
قد تكون قراءة ناقصة، كما أن التعامل معه بوصفه سيرة ذاتية كاملة سيكون أيضاً غير
دقيق.
ومن هنا
أرى أن المشكلة ليست بالضرورة في النص ذاته، وإنما في عملية التقديم والتصنيف، لأن
النص قد يمتلك قيمته بعيداً عن اللافتة التي وضعت فوقه، ولكن اللافتة أحياناً تكون
هي أول ما يحاكمه القارئ.
وربما
كان من الأفضل أن يقدم الكتاب بوصفه نصوصاً أو أوراقاً من الذاكرة والتجربة، لأن
هذا العنوان الواسع كان سيمنحه مساحة أكبر للحركة بين الأجناس الأدبية، ويمنح
القارئ حرية أكبر في استقبال المادة دون أن يبحث في كل صفحة عن مقومات القصة
التقليدية.
وبعيداً
عن كل ذلك، تبقى التجربة جديرة بالقراءة، لأن الكاتب عندما يفتح أوراقه الخاصة
أمام القارئ فإنه لا يقدم له مجرد حكايات، وإنما يقدم جزءاً من ذاكرته، والذاكرة
بطبيعتها لا تسير وفق منهج أدبي محدد، فهي تقفز بين الأشخاص والأماكن والموت
والحياة والمواقف، وقد تكون هذه الفوضى نفسها جزءاً من طبيعة التجربة التي أراد
الكاتب توثيقها.
ولهذا
فإنني لا أتعامل مع إشكالية الجنس الأدبي هنا باعتبارها حكماً بالإدانة، وإنما
باعتبارها سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل نحن أمام مجموعة قصصية بالفعل، أم أمام تجربة
كتابية عابرة للأجناس؟ وفي تقديري أن الكتاب أقرب إلى الاحتمال الثاني، وهذه هي
معضلته من جهة، وربما خصوصيته من جهة أخرى.**
الخلاصة
... إن ما ورد هنا لا يعتبر تقليلاً من شأن المنتج الكتابي، ولكن لكل شخص أو قارئ
رؤى تختلف في موضوع معين، وقد أكون أصبت في مكان وأخطأت في موضع آخر، وهذا لا يعني
أن رأيي قد يكون هو الصواب، ولكن كتابة رؤية نقدية قد تدفع الكثير للقراءة من باب
الفضول، ويبقى الهدف واحداً لا يتغير، وهو تقديم نتاج كتابي يكون بمثابة توثيق
تاريخي بصيغة أدبية، يوثق بعض القضايا التي تتوزع ما بين الانطباعية والنفسية
والاجتماعية.
وهذا لا
يعني أن نبخس الناس أشياءهم، وتبقى محاولة كتابية تحظى بالاحترام، وإن كانت مجرد
محاولة وبعد كل ما ذكرت، يبقى نتاجاً فكرياً يحظى بكل التقدير والاحترام.



