عادة
حليمة لعادتها القديمة
تحت
عنوان
مواسم
الأزمات الحكومية
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
اعتاد
النظام منذ أعوام طويلة على منهجية لا يخرج عنها، من خلال بعض الممارسات التي
أصبحت جزءًا من تقاليدنا اليومية، وبما أن الجميع متفق اليوم على أن النتائج التي
نعيشها اليوم هي، باعتراف رجال النظام، فشل حكومي، ولهذا اقتضى الاستشهاد بمقولة
لأينشتاين: «إن إعادة التجربة بنفس المعايير وانتظار نتيجة مغايرة هو نوع من
الغباء»، وهنا تكون هذه المقولة بمثابة قاعدة تُبنى عليها المقال.
الشعب
يريد النفط الأبيض... في خضم القضايا التي تشغل النظام اليوم، من آليات الاستقتال
للبقاء على رأس السلطة، وعملية الاستحواذ على رؤوس الأموال بحجة محاربة الفساد،
ولكن ما يغيب عن حسابات السلطة والنظام هو مشهد احتياجات المواطن البسيط، على
الرغم من أنه لا يوجد شيء يُذكر وقد يُحسب للنظام تجاه المواطن. واليوم، ونحن على
أعتاب فصل الشتاء، ومن ضمن متطلبات هذا الفصل هو النفط الأبيض، ولكن يبدو أن لا
أحد مهتم بهذا الأمر في خضم ما يحدث، وليس هناك سبب منطقي لتحمل المواطن ذنب
مغامراتكم السياسية تحت أي مسمى يُذكر.
والمشكلة
هنا ليست في النفط الأبيض وحده، فالقضية أكبر من مجرد مادة يحتاجها المواطن في فصل
الشتاء، وإنما في عقلية إدارة الأزمات التي تجعل المواطن ينتظر الحل بعد وقوع
المشكلة بدل أن يجد الدولة قد استعدت لها قبل وقوعها. فالشتاء ليس مفاجأة موسمية،
والبرد ليس حدثًا طارئًا، واحتياجات المواطن ليست من الأسرار التي تحتاج إلى لجان
واجتماعات حتى تكتشفها السلطة. المواطن يعرف موعد الشتاء، والدولة تعرفه أيضًا،
فلماذا يتحول الأمر في كل مرة إلى أزمة وانتظار ومناشدات؟ إن الدولة التي تمتلك
مواردها وإمكاناتها يفترض أن تجعل احتياجات المواطن جزءًا من خططها لا مادة
للمساومة أو التأجيل.
وإذا كان
المواطن مطالبًا بالصبر في كل أزمة، فعلى الدولة أن تسأل نفسها: إلى متى؟ فالصبر
عندما يتحول إلى سياسة حكومية يصبح استنزافًا للإنسان، وعندما يصبح المواطن هو
الطرف الذي يدفع ثمن كل ارتباك سياسي وإداري، فإننا لم نعد أمام أزمة نفط أبيض،
وإنما أمام أزمة في مفهوم المسؤولية نفسها. المواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد أن
يعيش فصل الشتاء دون أن يتحول إلى متسول للخدمات الأساسية.
مواسم
العطل... مع بداية العام الدراسي الجديد يبدأ فصل آخر من فصول التراجع على كل
المستويات، وقد لا تعرف، عزيزي القارئ، أننا البلد الأكثر عطلًا في العالم بأسره،
وفي هذا دليل على أن المنهجية التي تتبعها السلطات اليوم غير عملية، ولا تمت بصلة
إلى مبدأ وأسس بناء دولة تأخذ من العمل منهاجًا حكوميًا. فترسيخ مبدأ العطلات في
عقلية الموظف الحكومي يعتبر نوعًا من أنواع بناء ما يُعرف بالتقاعس الوظيفي،
فالدول المتقدمة تحرص على تقليل كل شيء يساهم في إيقاف عجلة التقدم، فكيف يكون
الحال في بلد متأخر من الأصل؟
ولست هنا
ضد العطلة التي تفرضها مناسبة وطنية أو دينية أو ظرف استثنائي، فالعطلة حق تنظمه
الدولة بقانون، وقد نظم العراق العطلات الرسمية بقانون صدر عام 2024، لكن المشكلة
تبدأ عندما تتحول العطلة من استثناء تنظيمي إلى ثقافة عامة تتسرب إلى عقلية العمل
نفسها.
فالدولة
لا تُبنى بعدد ساعات النوم ولا بعدد أيام إغلاق الدوائر، وإنما تُبنى بعقلية ترى
في الوقت ثروة وطنية. وكل ساعة عمل ضائعة تعني مشروعًا مؤجلًا، ومعاملة متوقفة،
ومواطنًا ينتظر، ومؤسسة تزداد تراكمًا في ملفاتها. وما نحتاجه ليس إلغاء العطلات،
وإنما إعادة النظر في فلسفة العمل الحكومي، بحيث لا تكون العطلة هي القاعدة والعمل
هو الاستثناء.
والأخطر
من ذلك أن الموظف عندما يعتاد أن العمل يمكن أن يتوقف لأي سبب، وأن إنجاز معاملته
يمكن أن يؤجل، وأن المؤسسة تستطيع أن تغلق أبوابها بينما تبقى حاجات الناس مفتوحة،
فإننا نكون قد صنعنا بالتدريج عقلية وظيفية لا ترى في الإنتاج قيمة حقيقية. وهذه
ليست مشكلة موظف بعينه، وإنما نتيجة طبيعية لمنهج إداري يحتاج إلى مراجعة جادة.
تصريحات
غير مسؤولة... يكثر اليوم، وعلى مواقع التواصل، شخصيات تتحدث بلسان السلطات
الحكومية، وهذا يعتبر كارثة بكل المقاييس، وفي ذلك أيضًا خطورة تكمن في ترويج
الأكاذيب، مما يضعف الأداء الحكومي ويسقط المصداقية عنه. وعدم وجود قنوات حكومية
رصينة على مواقع التواصل يدفع الكثيرين إلى أخذ هذا الدور ونشر ما يرونه هم أنه
تصريح حكومي، دون التأكد من مصدر المعلومة.
ومثال
على هذا حادثة إنقاذ الرهائن في الصومال، وهنا لا أشكك بشجاعة العشائر العربية،
ولكن تم تكذيب الخبر الذي نُشر مع صمت حكومي، وهنا يكون هناك مثل يصب في أصل
الموضوع، مفاده: «إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم».
والغريب
أن قد يُفسر الصمت الحكومي بشكل سيئ، فإذا ما صح الخبر يكون هناك إسقاط حقيقي
لهيبة الدولة التي ينادي بها الجميع، وإذا ما كان العكس يكون تقصيرًا متعمدًا بنشر
الأكاذيب، والسكوت عنها جريمة بكل المقاييس.
وفي زمن
أصبحت فيه المعلومة أسرع من الدولة نفسها، لم يعد الصمت الحكومي خيارًا آمنًا، لأن
الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، وإنما تملؤه الشائعة والتخمين والتفسير الشخصي.
ولهذا فإن وجود المعلومة الرسمية السريعة والدقيقة أصبح جزءًا من هيبة الدولة،
وليس مجرد ترف إعلامي. فالحكومة العراقية نفسها أنشأت منصة رسمية للتحقق من
الأخبار والبيانات ومواجهة الأخبار الكاذبة والمضللة، وهذا يعني أن مشكلة التضليل
معترف بها أصلًا باعتبارها قضية تحتاج إلى مواجهة مؤسسية.
لكن
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يترك المواطن أحيانًا يبحث عن الحقيقة بين عشرات
الصفحات والحسابات، بينما يفترض أن تكون المعلومة الرسمية هي المصدر الأول
والأوضح؟ إن الدولة التي لا تتحدث في الوقت المناسب تترك الآخرين يتحدثون باسمها،
ومن يتحدث باسم الدولة دون تفويض منها لا يسيء إلى الحقيقة فقط، بل يضع الدولة
نفسها أمام امتحان المصداقية.
فالمعلومة
الخاطئة يمكن تصحيحها، ولكن فقدان الثقة أصعب بكثير من تصحيح خبر. ولهذا فإن
المسؤولية لا تقع فقط على من ينشر الشائعة، وإنما تقع أيضًا على المؤسسة التي تسمح
للفراغ أن يتمدد حتى تصبح الشائعة أسرع من البيان الرسمي.
معضلة
الراتب ... منذ شهور يقبع المواطن تحت قبة القلق على مصدر رزقه، وبما أننا «دولة
رواتب»، حيث تم إهمال الصناعة والزراعة، تكون كل مفاصل الحياة مرتبطة بما يُعرف
بالراتب، حتى أصحاب الحرف البسيطة. والسياسة التي تغامر بمقدرات البشر تعتبر غبية
إلى حد كبير، ويبدو أن النظام، ومنذ البداية، راهن على قضية الراتب في قضية ديمومة
النظام، وجعل منه قيدًا على الرقاب، وهذا ما جعل منه القضية الأبرز فيما يؤرق حياة
المواطن.
وعندما
يصبح الراتب هو العمود الذي تستند إليه حياة شريحة واسعة من المجتمع، فإن أي
ارتباك في هذا الملف لا يبقى مشكلة مالية، وإنما يتحول إلى أزمة اجتماعية ونفسية
واقتصادية في الوقت نفسه. فالموظف لا ينتظر راتبه ليشتري الكماليات، وإنما ينتظره
للإيجار، والطعام، والدواء، وأقساط الدراسة، وفواتير الكهرباء والماء، والتزامات
الأسرة. ولهذا فإن الحديث عن الراتب يجب ألا يكون مجرد أرقام تظهر في جداول
الموازنة، وإنما يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستقرار الاجتماعي.
ووزارة
المالية تنشر أصلًا تقارير دورية للحسابات والموازنة خلال السنة، بما في ذلك
تقارير عام 2026، وهذا يجعل قضية المال العام قابلة للمتابعة والمساءلة بالأرقام
لا بالشائعات.
لكن
المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن راتبه أصبح ورقة معلقة بين القرار السياسي
والإجراء الإداري. عندها لا يعود الموظف يفكر في عمله فقط، وإنما يبدأ بالتفكير في
مصير أسرته، وفي السؤال الذي لا يريد أحد سماعه: ماذا لو تأخر الراتب؟ ومن يدفع
ثمن هذا التأخير؟
إن
الدولة التي تريد من المواطن أن يكون منتجًا ومستقرًا عليها أولًا أن تمنحه الحد
الأدنى من الشعور بالأمان الاقتصادي، لأن الموظف القلق على راتبه لن يستطيع أن
يكون مطمئنًا على مستقبله، والمجتمع الذي يعيش أفراده تحت ضغط الراتب يتحول
بالتدريج إلى مجتمع ينتظر لا مجتمع ينتج.
الخلاصة...
إن صناعة الأزمات في حياتنا اليومية أصبحت من ضمن آليات اعتاد عليها المواطن، حتى
إنه قد أصابه الملل في المطالبة أو المناشدة، وكان الأمر يكاد أن يكون مع النظام
ورجاله يعمل تحت عنوان: «أذن من طين وأذن من عجين»، دلالة على عدم المبالاة لما
يخص القضايا التي تخص الحياة اليومية، وتركيزهم على إيجاد مسببات البقاء على رأس
السلطة.
وهنا نصل
إلى جوهر الحكاية: هل أصبحت الأزمة عندنا حالة طارئة، أم أصبحت جزءًا من طريقة
إدارة الدولة؟ لأن الفرق كبير بين حكومة تواجه أزمة مفاجئة، وحكومة تجد نفسها في
كل مرة أمام الأزمات نفسها وكأنها تراها للمرة الأولى. فالمشكلة ليست في حدوث
الأزمة، فكل الدول تمر بأزمات، وإنما في أن تتحول الأزمة إلى موسم يتكرر، ثم تبدأ
معها رحلة التصريحات والتبريرات والوعود، وبعدها تهدأ العاصفة قليلًا، لنعود بعد
أشهر إلى الأزمة نفسها وكأن شيئًا لم يحدث.
وهنا
تعود مقولة أينشتاين التي بدأنا بها: إذا أعدنا التجربة نفسها بالآليات نفسها ثم
انتظرنا نتيجة مختلفة، فالمشكلة ليست في النتيجة وحدها، وإنما في إصرارنا على
إعادة إنتاج الطريق نفسه. الدولة التي تريد الخروج من أزماتها لا تحتاج إلى تغيير
الوجوه فقط، وإنما تحتاج إلى تغيير الآليات التي تصنع الأزمة وتعيد إنتاجها.
فالأزمة
ليست دائمًا عدوًا للنظام؛ أحيانًا تتحول الأزمة إلى ستار تنشغل خلفه الجماهير عن
السؤال الحقيقي: لماذا حدثت الأزمة أصلًا؟ ومن المسؤول عن منع تكرارها؟ وما الذي
تغير بعد انتهائها؟
وهنا
تحديدًا تكمن الخطورة؛ لأن المواطن قد يعتاد الأزمة كما يعتاد الخبر السيئ، وقد
يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يطالب بحقه، وإنما ينتظر أن تمر الأزمة كما مرت
سابقاتها. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المشكلة أكبر من أزمة نفط أو
عطلة أو راتب أو تصريح، لأننا نكون أمام صناعة تدريجية للقبول بالأزمة باعتبارها
جزءًا طبيعيًا من الحياة.
وهذا هو
الخطر الحقيقي الذي يجب أن نتوقف عنده، لأن الدولة لا تُقاس بعدد الأزمات التي
تستطيع تأجيلها، وإنما بعدد الأزمات التي تستطيع منع تكرارها.
وقد يظن
هنا البعض أن الفشل الحكومي يعود إلى شخصيات بعينها، ولكن الحقيقة أن الأمر برمته
يعود إلى آليات النظام بأكمله، ولهذا وجد النظام في خلق الأزمات حلًا لإشغال الرأي
العام عن مسببات الفشل الحقيقي.



