بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 7 مارس 2026

مقال

 المسار الآمن

تحت عنوان

العلمانية والمستقبل السياسي في العراق

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في خضمّ التخبط السياسي الذي يملأ سماء وأرض العراق، ومنذ أكثر من عقدين مضيا، شهد البلد عددًا من الكوارث بسبب ضبابية وانعدام الرؤية السياسية الواضحة. فكان لا بدّ من البحث في عدد من المسارات التي من الممكن أن تُصحِّح ما تمّ تخريبه في عقلية الشخصيات التي من الممكن أن تُصحِّح آليات الفكر الذي من الممكن أن تُدار به الدولة.

وفي الغالب، وعند الكثير من جمهورنا اليوم، يظنّ أن مصطلح العلمانية يعني معاداة الدين، وهذا خطأ؛ لكنها تشير إلى فصل الدين والقومية عن الدولة، وتكون هناك قاعدة سليمة تُبنى عليها الدولة. وبموجب هذا المبدأ تكون هناك قوانين وضعية عابرة للطائفية والقومية، وهذا ما سوف يجعل المواطن في مأمن من جميع ما قد يقف عائقًا أمام توحيد مفهوم المواطنة، والابتعاد بالعامة عن أي مصطلح خارج كلمة الوطن.

ولمعرفة المفاهيم التي تدخل ضمن حيز أصل المصطلح، فإنها تتضمن أربع نقاط رئيسية، منها:

 

• حياد الدولة تجاه الأديان ... فالدولة العلمانية لا تتبنى دينًا رسميًا يميّز فئة من المواطنين على حساب أخرى، بل تضمن حرية المعتقد لجميع أفراد المجتمع. وبهذا لا يكون في قوائم المؤسسات مصطلحات مثل: (مسلم، مسيحي، يزيدي، أو أي شيء آخر)، وهذا ما عانى منه أبناء الوطن منذ زمن بعيد، وبهذا يكون لدينا ما يمكن أن يرضي الجميع.

 

• المواطنة المتساوية ... إذ يصبح الانتماء إلى الدولة قائمًا على مفهوم المواطنة، وليس على الانتماء الديني أو الطائفي، مما يحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. عندها تتحقق نظرة العدالة الاجتماعية والمؤسساتية، والقضاء على أي فرصة تكون نافذة للمحسوبية والفساد في العراق الجديد.

 

• سيادة القانون ... تعتمد الدولة العلمانية على القوانين المدنية التي تنظم حياة المجتمع، وتخضع لها جميع السلطات، بما يضمن الاستقرار السياسي والتنظيم الإداري. وبهذا نكون قد أقمنا ما يُعرف بسيادة القانون، وتكون هناك عدالة يرضى عنها الجميع، لا تخضع لآراء شخصية أو نابعة من أجندة تُفرض على المجتمع.

 

• حماية حرية الفكر والاعتقاد ... يتيح هذا المبدأ مساحة واسعة لحرية التفكير والبحث العلمي والتعبير عن الرأي، وهو ما أسهم في تطور المجتمعات الحديثة علميًا وثقافيًا. ولأننا شعب متعدد الأعراق والأطياف والمذاهب، فقد نجد في أصل المصطلح ضالتنا التي نبحث عنها منذ عقود مضت، لكي نصنع مساحة متساوية بين الجميع، ويكون شعار الجميع: حريتك تنتهي حدودها عند انتهاك حرية الآخرين.

 

شعارات تم تشويهها (الدين لله والأرض للجميع)

وهنا قد يغضب من هذه الكلمات أصحاب العمائم من جميع الأطراف، وهذا ليس بالأمر الجلل عندي. ولكن، وللتنويه، فقد أشرت منذ سنوات في العديد من كتاباتي إلى أن الدين علاقة شخصية بين العبد وما يعبد. أما من ينصّب نفسه وكيلًا لله، ويقوم بفعل الصحيح والقبيح بشعار الدين، فهؤلاء هم الانتهازيون في الحياة. ويجب وضع حدّ لكل تلك الآراء التي تثير الاشمئزاز إلى حدّ كبير.

ولهذا يجب أن يكون هناك فصلٌ للدين عن مسألة إدارة مؤسسات الدولة، وهذا لا يمنع وجود قنوات تساهم في التعريف بمقتضيات الدين حسب الديانة التي ينتمي إليها الفرد.

وهنا يجب توضيح بعض الامور التي سوف تقدمها العلمانية على الساحة العراقية ومنها :

العلمانية وحماية الدولة من صراع الهويات ... ومن المسائل التي لا بدّ من الإشارة إليها أن الدولة التي تُبنى على أساس طائفي أو ديني تبقى دائمًا عرضة لصراع الهويات، لأن كل جماعة ستسعى إلى تحويل الدولة إلى أداة لخدمة هويتها الخاصة. وهنا تبدأ معركة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتتحول الوظيفة العامة من خدمة للوطن إلى غنيمة تُقسَّم بين الطوائف والقوميات.

أما الدولة التي تقوم على مبدأ العلمانية فإنها تُخرج الدين والطائفة من دائرة الصراع السياسي، وتعيدهما إلى مجالهما الطبيعي داخل المجتمع، فيبقى الدين قيمة روحية وأخلاقية، وليس وسيلة للهيمنة أو الاستحواذ على السلطة.

 

العلمانية وبناء مؤسسات الدولة ... إن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق من دون مؤسسات مستقلة تعمل وفق قواعد مهنية وقانونية واضحة، لأن الدولة ليست خطبة تُلقى على المنابر، ولا شعارًا يُرفع في الشوارع، بل هي منظومة مؤسسات تبدأ من القضاء ولا تنتهي عند الإدارة المحلية.

وفي ظل الدولة العلمانية تصبح هذه المؤسسات ملكًا لجميع المواطنين، لا تُدار باسم الطائفة ولا باسم القومية، بل باسم القانون فقط. وهنا تبدأ فكرة الدولة الحقيقية بالظهور، حيث يصبح الولاء للدستور والقانون، لا للزعيم ولا للمرجعية السياسية أو الدينية.

 

العلمانية ومنع استغلال الدين في السياسة ... ومن أخطر ما شهدته مجتمعاتنا في العقود الأخيرة هو تحويل الدين إلى أداة سياسية تُستخدم في الصراع على السلطة. فعندما يدخل الدين إلى ساحة السياسة تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مقدسة، ويصبح الاختلاف في الرأي نوعًا من العصيان أو الكفر في نظر البعض.

ولهذا فإن العلمانية لا تحارب الدين كما يظن البعض، بل تحميه من التوظيف السياسي، لأن الدين عندما يُستخدم كوسيلة للسلطة يفقد قيمته الروحية ويتحول إلى شعار يُرفع في الحملات الانتخابية ثم يُنسى بعد الوصول إلى الحكم.

 

العلمانية كطريق للخروج من أزمات العراق ... إن العراق، بحكم تركيبته الاجتماعية المتعددة، يحتاج إلى نظام سياسي قادر على جمع الجميع تحت مظلة واحدة. وقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن إدارة الدولة على أساس المحاصصة الطائفية لم تُنتج سوى المزيد من الانقسام والضعف في بنية الدولة.

ولهذا فإن البحث عن مسار مدني يقوم على مبدأ العلمانية لا يعني القطيعة مع الدين أو القيم الاجتماعية، بل يعني إيجاد أرضية مشتركة يعيش فوقها الجميع دون أن يشعر أحد بأنه مواطن من درجة ثانية.

 

الخلاصة ... لا بد من قول الحقيقة كما هي دون تزييف أو مجاملة؛ إن المشكلة في العراق لم تكن يومًا في الدين، بل في أولئك الذين جعلوا من الدين سلّمًا للوصول إلى السلطة. فحين يتحول الدين إلى شعار سياسي، تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين العمائم، ويصبح الوطن مجرد غنيمة تتقاسمها الطوائف.

لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تُدار باسم الطائفة لا يمكن أن تكون دولة، بل تكون مشروع صراع دائم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجهه العراقيون اليوم ليس: هل نريد العلمانية أم لا؟ بل السؤال الأخطر هو: هل نريد دولة أصلًا أم نريد الاستمرار في إدارة الخراب باسم المقدس؟

فالدول لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل تُبنى بعقلٍ سياسي يعرف أن الوطن أكبر من الطائفة، وأن القانون أكبر من العمامة، وأن الدولة إن لم تكن للجميع فلن تكون لأحد.

الاثنين، 2 مارس 2026

العنوان

 الحرب الدائرة والصراع على عرش الشيطان

تحت عنوان

ملامح عالمنا اليوم

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هكذا يكون المشهد حين تُغيَّب القيم الإلهية عن الأرض؛ تتكاثر الحروب، وتتشظّى الصراعات، ويبدأ السباق المحموم للجلوس على عرش الشيطان. شياطين الإنس هذا أوانها، وهذا زمنها، وهذه هي ملامح الفتنة الكبرى… نعم، هي كذلك وأكثر مما نتصور.

العالم اليوم يُدار بنصوص قديمة؛ حقيقة قد يرفضها البعض أو يستهجنها، لكنها تفسّر كثيرًا مما يجري أمام أعيننا. لقد كثر الهرج والمرج، وحين نعود إلى أصل المصطلح نجد أنه يعني كثرة القتل، حتى يبلغ الأمر حدًّا لا يعرف فيه القاتل لماذا يقتل، ولا يدري المقتول بأي ذنب قُتل. أليس هذا ما نراه اليوم؟ أليس هذا التطبيق الحي لما ورد في تلك النصوص؟

ورغم كل ما يُقال عن التقدم التقني والعسكري والمدني، ما زال بيننا بشر تمشي بلا عقول؛ قد تجد في رؤوسهم كل شيء إلا العقل. وهذه ليست مبالغة، بل شهادة زمن نعيشه بكل تفاصيله.

 

العنوان عقائدي ... نعم، لكن المضمون في جوهره صراع على السلطة والنفوذ والمنطقة. غير أن الأخطر من ذلك أن تلك النصوص تُتخذ ذريعة من الطرفين لإشعال حروبهم، وكأنها وقود جاهز للاشتعال. وهذا يؤكد عجز العقل البشري عن إدراك خطورة تبنّي نصوص لا يُعرف سياقها الحقيقي ولا دوافع تدوينها. وهذا الحديث لا يشمل الكتب السماوية، فهي ثابتة المصدر، ولكن الحديث عن صحف ونبوءات وخطوط مرسومة تُستدعى كلما أريد إشعال الأرض، حتى بات عالمنا مثقلًا بأحمال لا طاقة للبشرية بها.

 

العقيدة السوداء… منذ بدء الخليقة أكدت القيم السماوية أن الإنسان خُلق لغاية أسمى من هذا الانحدار الذي نعيشه. لكن العالم ضاق بمنطق العقل، وضاقت مساحته بالقيم، بسبب تزاحم الأفكار الشيطانية الساعية للسيطرة على الأرض. كان ذلك الهدف المعلن للشيطان منذ اللحظة الأولى، وربما يظن اليوم أنه كسب جولة، لكن المعركة لم تُحسم بعد.

فالصراع في جوهره فكري قبل أن يكون عسكريًا، وعندما يفسد الفكر تكون النتائج كارثية على البشر. وليس من المنطق أن تُرفع عقيدة عنوانها الموت إلا إذا كان الشر هو من كتب عنوانها.

 

الخير في مأزق… نعم، الخير اليوم في مأزق حقيقي، لأن أخطر أنواع الشر هو ذلك النابع من الداخل. هناك مثل شعبي يقول: (خابر بيت)، أي أن السوس منه وبه. فكيف تخوض معركة وعدوك يسكن بين صفوفك؟

وللتنبيه، هناك أمر عظيم يتشكل في الأفق، لا استنادًا إلى نص بعينه، بل إلى بديهيات التاريخ وسنن الحياة؛ فالشر لا يلد إلا شرًا أكبر منه. ولا يظنّن أحد أن ما يجري سيمرّ مرور العابرين. فالنهايات لا تُصنع بقرارات سياسية فحسب، بل حين تُعتمد منهجية الغراب في إدارة الحياة، يكون الخراب نتيجة حتمية.

 

لماذا الموت بدل الحياة؟ ... سؤال يفرض نفسه: لماذا نُجبر على دفع فاتورة صراعات لم نخترها؟ ولماذا نُساق إلى حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟

يجب أن يُقال لمن يريد الحرب: اذهب أنت وما تؤمن به فقاتلاه؛ فربنا لم يخلقنا لنكون وقودًا لأفكاركم. ماذا جنت البشرية من تلك العقائد المنحرفة سوى الخراب، والتهجير، والقتل بالجملة؟

لهذا، لم يعد الصمت موقفًا، بل صار شراكة غير معلنة. وكان لزامًا أن يكون لنا صوت في وجه المهازل التي ينتهجها المتصارعون على عرش الشيطان.

 

الخلاصة… إنها معركة الشياطين، والجموع البشرية تُقدَّم قرابين على مذبح السلطة. هذا يرفع راية العقيدة، وذاك يرفع راية المال، والنتيجة واحدة: استعباد العالم تحت ظل عرشٍ لا يجلس عليه إلا الشر.

وأختم بما بدأت به، بقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ صدق الله العظيم.

فالظلم لا يقف عند حدود ظلم النفس، بل يمتد ليهلك العباد والبلاد، وحينها لا يبقى على الأرض إلا أثر الخراب… وشاهد على زمن ضاعت فيه البوصلة.

الأربعاء، 25 فبراير 2026

مقال

 

الحرب والرأي العام

تحت عنوان

الصراع الإيراني الأمريكي

بقلم البارون الأخير محمود صلاح الدين



والمقصود في العنوان هو آراء الناس في الشارع العام، حيث تنقسم بين مؤيد ومعارض، وكلٌّ منهم له أسبابه التي تتوزع ما بين ذاكرة مشبعة بالمعطيات، وآخر ينطلق من باب اشتراك الفكر، وآخر طائفي وقومي. وهنا سوف نستعرض بعضًا منها لمعرفة بماذا يفكر المواطن البسيط ورؤيته للحدث.

 

ليس هناك حرب... وهنا ينقسم الرأي إلى قسمين: الأول منهم من يظن أن الأمريكان، وما يقومون به، عملية ابتزاز. ولكن ما يجهله الكثير أن أمريكا لا تكذب، ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن من خلال تجربتنا معهم تتمتع سياستهم بالنَّفَس الطويل، وإذا ما قالوا إنهم سوف يُقفلون الملف الإيراني فسوف يفعلون. ولكن ما يُرى ويُسمع اليوم هو جزء من الحرب النفسية في إنهاك الداخل، لتكون آثار الحرب أكبر مما يتوقع الجميع.

 

الصداقة الأمريكية الإيرانية... انتشرت في الآونة الأخيرة حكايات عن أن الطرفين متفقان، وما يحدث هو مجرد استعراض وهمي لا أكثر. وهذه المعلومة عارية عن الصحة، وذلك بسبب أنه لا أصدقاء في السياسة الأمريكية؛ فالمصالح الاستعمارية هي المعيار الوحيد في القضية. وإذا ما رأت أن النظام الإيراني يشكل مجرد عائق أمامها، فسوف تقوم بإزالة ذلك الشيء، وسوف يكون الأمر مجرد وقت.

 

نتائج ما بعد الحرب... لا أحد يعرف اليوم كيف سيكون شكل الحرب ومدتها، ولكن ما أنا واثق منه هو هزيمة النظام في الشرق، ويبدأ ما نوّهنا إليه في كتابات سابقة، وهو (عصر المقاطعات) وانتهاء حقبة الدول، وكل هذا ضمن البروتوكولات التي أُعدّت مسبقًا، وقد يعود زمن كتابتها إلى فترة تسعينيات القرن الماضي. ولكن لن تكون الأخيرة في الشرق؛ فالهدف القادم تركيا، والأيام القادمة سوف تثبت صحة ما كُتب هنا.

 

الداعمون والرافضون لهذه الحرب... وهنا أقول بثقة: (الجميع) سوف يتخلى عن حلفائه؛ فالنظام الإيراني اليوم يجمع مؤيديه ليس على القضية العقائدية كما يظن الكثير، ولكن جُمِعوا على أساس الاستفادة والدعم المادي والمعنوي، وهذا ما سوف يولّد نوعًا من خلق طبقة من المتخاذلين في صفوف المؤيدين لهم إذا ما ضُربت مصالحهم. أما الطرف الثاني، فسوف يكون النظام الإيراني وحده في هذه المعركة. أما عن الروس، فمن خلال عدة تجارب يبقى الحليف الأسوأ على مر التاريخ منذ التجربة الناصرية في مصر. وإذا قال أحدكم الآن: ماذا عن الصين؟ فهي أذكى من أن تغامر فيما حققته على الصعيد الصناعي والاقتصادي في عملية محسومة. وما لا يدركه الإيرانيون هو أن العالم أجمع تحكمه المصالح والمال، ولا شيء يعلو فوق هذا.

 

الإعلام وصناعة الرأي العام ... ثمة نقطة لم يُلتفت إليها بما يكفي، وهي أن الحرب اليوم لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل تُخاض بالعقول. فالإعلام أصبح شريكًا مباشرًا في إدارة الصراع، لا ناقلًا له فقط. ومن يظن أن الصورة التي تصله عفوية فهو واهم؛ لأن كل مشهد يُبثّ محسوب بدقة ضمن معادلة التأثير النفسي. وهنا يتشكل رأي عام موجَّه لا رأي عام حر، فتجد المواطن البسيط يتبنى موقفًا يعتقد أنه نابع من قناعته الخاصة، بينما هو في الحقيقة نتاج غرفة عمليات إعلامية.

 

الاقتصاد بوصفه سلاحًا موازيا ... لا يمكن قراءة أي صراع بمعزل عن الاقتصاد. فالعقوبات ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي أدوات تفكيك بطيء للبنية الداخلية للدول. إنها حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف العملة، والسوق، والطبقة الوسطى تحديدًا؛ لأن سقوط هذه الطبقة يعني اهتزاز الاستقرار الداخلي. ومن هنا نفهم أن الضغوط الاقتصادية قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية نفسها، لأنها تُحدث شرخًا صامتًا في الجبهة الداخلية.

 

الداخل الإيراني بين العقيدة والمصلحة ... ثمة معادلة دقيقة داخل إيران نفسها، بين خطاب أيديولوجي تعبوي وبين واقع اقتصادي ضاغط. وهذه الازدواجية قد تصمد في أوقات الرخاء النسبي، لكنها تُختبر بشدة في أوقات الأزمات الكبرى. والسؤال الحقيقي ليس: هل يصمد النظام عسكريًا؟ بل: هل يصمد اجتماعيًا واقتصاديًا إذا طال أمد المواجهة؟ فالتاريخ يخبرنا أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية، بل أحيانًا بتآكل داخلي بطيء.

 

الدول الإقليمية وحسابات الظل ... المنطقة برمتها تراقب، لكنها لا تتحرك إلا بقدر ما تفرضه مصالحها. فبعض الدول قد تُظهر موقفًا معلنًا، بينما تتحرك في الخفاء باتجاه مغاير. والسياسة في الشرق الأوسط قائمة على مبدأ التوازن القلق؛ فلا أحد يريد حربًا شاملة، ولا أحد يمانع في إضعاف خصمه عبر حرب بالوكالة. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطابات العلنية.

 

الرأي العام العربي بين العاطفة والواقعية ... الرأي العام العربي غالبًا ما يتأرجح بين موقف عاطفي قائم على رفض الهيمنة الأمريكية، وموقف براغماتي يرى في الصراع فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. وهذه الازدواجية تخلق حالة من الانقسام الحاد، لأن الوعي الجمعي لم يتحرر بعد من تأثير الذاكرة التاريخية الثقيلة. فالمواقف لا تُبنى فقط على الحاضر، بل على تراكمات الماضي.

 

سؤال ما بعد الحسم ... حتى لو افترضنا أن الحرب وقعت وحُسمت لصالح طرف دون آخر، فإن السؤال الأكبر: من سيملأ الفراغ؟ فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط نظام لا يعني ولادة استقرار، بل قد يفتح أبوابًا لفوضى ممتدة. ومن هنا فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تتجاوز لحظة الصدام إلى ما بعدها، لأن إعادة تشكيل الخرائط لا تتم بقرار عسكري فقط، بل بمسار طويل من إعادة هندسة النفوذ.

 

الخلاصة ... وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس في تحليل المشهد، وقد تتضارب القراءات بين من يرى حربًا وشيكة ومن يراها مجرد استعراض، لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن العالم لا يُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، ولا تُحسم المعارك بالشعارات، بل بميزان القوة.

من يراهن على العواطف سيُفاجأ، ومن يراهن على التحالفات سيُخذل، ومن يعتقد أن الشعوب هي من تقرر مصير الحروب فهو لم يفهم بعد كيف تُكتب الخرائط في الغرف المغلقة.

الحرب إن وقعت لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة فرز كبرى تسقط فيها الأقنعة، ويُعرف فيها من كان يصرخ باسم القضية ومن كان يحسب الأرباح. وعندها فقط سيدرك الجميع أن ما كان يُقال في العلن شيء، وما كان يُدار في الخفاء شيء آخر تمامًا.

وأقولها بوضوح: القادم ليس كما يتصوره الساذجون، وليس كما يطمئن إليه الحالمون. المنطقة على أعتاب تحوّل كبير، ومن لا يقرأ المشهد بعين العقل لا بعين العاطفة، سيجد نفسه خارج التاريخ لا داخله.. والأيام وحدها كفيلة بأن تقول الكلمة الأخيرة… لكنها لن ترحم من لم يستعد لها.

الأربعاء، 18 فبراير 2026

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

 مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب

تحت عنوان

ممر قناة الذهب الأسود المائية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



تُعدّ بؤر الصراع في العالم، منذ عقود مضت، مرتبطةً بالممرات المائية الحيوية. وكانت منطقة مضيق هرمز في الخليج العربي تمثل معضلةً للاقتصاد العالمي، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال.

وإذا ما عدنا إلى مفهوم مصطلح التنمية المستدامة، نجد أنه بمثابة القاعدة التي تُبنى عليها الخطط الرامية إلى إدارة الموارد بمختلف أصنافها. وهنا يبرز دور المفكر العربي في إيجاد آلية تنهي قضية ربط الاقتصاد العربي بالممرات المائية التقليدية، رغم أن للعرب مساحات واسعة جدًا تُعدّ إطلالات بحرية استراتيجية، وهو ما يمنحهم ميزة فريدة تؤهلهم للنهوض بأنفسهم بعيدًا عن التأثيرات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم.

 

تفاصيل المشروع

نقطة البداية والنهاية ... تنطلق الفكرة من منطقة أبو سمرة في قطر، ومنطقة سلوى على الجانب السعودي، وتمتد بخط مستقيم حتى تصل إلى منطقة البطحاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يستمر المسار على جانبي الحدود الإماراتية–السعودية حتى يبلغ مدينة السّمحة على الحدود السعودية، ثم يدخل أراضي سلطنة عُمان، ويستمر بخط مستقيم حتى ينتهي عند منطقة خور غاوي المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي.

 

المكتسبات المستقبلية للمشروع

·      تحقيق استقلالية مالية لعدد من الدول بعيدًا عن الصراعات غير المرتبطة مباشرةً بالعرب.

·      تهميش الدور الاحتكاري لكلٍّ من مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

·      بناء مدن اقتصادية جديدة على ضفاف الممر المائي المقترح.

·      إقامة شبكة طرق برية حديثة للنقل، تكون نهاياتها عند حدود قناة السويس.

·      تأمين ممر آمن للناقلات النفطية لدول الخليج بعيدًا عن التهديدات المحتملة.

 

الاستفادة الجماعية .... يتميّز هذا المشروع بإمكانية توزيع عوائده على العديد من الدول الخليجية، بحسب موقعه الجغرافي الذي يمر بالأراضي المحايدة وغيرها، مما سيفتح آفاقًا جديدة لسوق عربية مستقلة عن الهيمنة الإقليمية المحيطة.

 

توحيد القرار السياسي ... يوفّر هذا المشروع مساحة أوسع لدول الخليج في اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط الدولية التي تُمارس عليها، الأمر الذي يمنحها استقلالية أكبر في ضبط أسعار النفط عالميًا، من خلال امتلاكها المستقل لهذا الممر المائي الاصطناعي.

السيادة في العصر الحديث لم تعد تُقاس بالحدود البرية فقط، بل بمدى التحكم في سلاسل الإمداد ومسارات التصدير. ومن هذا المنطلق، فإن المشروع المقترح يشكل خطوة باتجاه امتلاك أدوات القرار الاقتصادي بصورة أكثر استقلالًا.

فحين تمتلك الدول مسارًا مائيًا خاصًا بها، فإنها تقلل من احتمالية تعطيل صادراتها نتيجة صراعات لا ترتبط بها مباشرة، وتتحول من طرف ينتظر الاستقرار الدولي إلى طرف يصنع جزءًا من هذا الاستقرار.

 

إقامة مدن اقتصادية ... يعتمد العالم اليوم بشكل شبه كامل على المعاملات الاقتصادية والمالية، وإدارة الأسواق، وتوفير ما يلزم لاستدامة تلك الإدارة. ومن هنا يكون إنشاء هذا الممر المائي بمثابة حجر الأساس لمدن اقتصادية تزدهر بمواردها الذاتية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل التنموي العربي.

إن إنشاء هذا الممر لا يُعدّ مجرد معالجة لعنق زجاجة جغرافي، بل يمثل انتقالًا من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة صناعة الفعل. فبدل أن تبقى المنطقة في موقع المتأثر بالتوترات الدولية، تنتقل إلى موقع إعادة رسم خريطة التأثير. وهنا يتحول النفط من مادة خام خاضعة للمسارات التقليدية إلى عنصر قوة تُعاد هندسة مساراته بإرادة عربية.

إن إعادة توجيه حركة الطاقة عبر ممر اصطناعي جديد يعني عمليًا إعادة توزيع مراكز الثقل داخل الإقليم، وهو ما يمنح الدول المعنية قدرة على صياغة شروطها الاقتصادية بدل الاكتفاء بالتكيّف مع شروط الآخرين.

 

البعد التنموي الداخلي ... الممر المائي لن يكون مجرد قناة لعبور الناقلات، بل شريانًا تنمويًا يعيد توزيع النشاط الاقتصادي داخل الجغرافيا الخليجية. فكل نقطة عبور ستتحول إلى فرصة استثمار، وكل تقاطع بري–بحري سيخلق بيئة اقتصادية جديدة.

وبذلك يصبح المشروع أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، عبر توسيع قاعدة الأنشطة المرتبطة بالطاقة، وتحفيز الصناعات والخدمات التي تنشأ بطبيعتها حول الممرات الحيوية.

 

التحول من اقتصاد عبور إلى اقتصاد تمركز ... الاقتصاد العربي، وخصوصًا الخليجي، ظلّ لعقود مرتبطًا بوظيفة التصدير عبر مسارات محددة. أما في ظل هذا المشروع، فإن الفكرة تنتقل من مجرد عبور النفط إلى بناء مراكز تمركز اقتصادي حوله. أي أن القيمة لا تتوقف عند لحظة الشحن، بل تمتد إلى ما قبلها وما بعدها.

وهنا تتجلى فكرة التنمية المستدامة بمعناها الحقيقي: استثمار الجغرافيا لا بوصفها قدرًا مفروضًا، بل باعتبارها مشروعًا قابلًا لإعادة التشكيل.

 

إعادة صياغة التوازن الإقليمي ... إن وجود ممر بديل سيخلق معادلة توازن جديدة في المنطقة، دون الدخول في صدام مباشر مع أي طرف. فالمشروع لا يستهدف إلغاء دور الممرات القائمة، بل يضيف خيارًا استراتيجيًا جديدًا يقلل من الاحتكار ويعزز التعدد في مسارات الطاقة.

وهذا التعدد بحد ذاته عنصر استقرار، لأنه يخفف من حساسية أي نقطة اختناق، ويجعل المنظومة أكثر مرونة أمام الأزمات.

 

الخلاصة ... إن مشروع ممر «قناة الذهب الأسود» ليس مجرد تصور هندسي قد يُضاف إلى رفوف الدراسات، بل هو انعكاس لحاجة عربية ملحّة إلى كسر الحلقة المغلقة التي ربطت مواردنا بممرات محدودة، وجعلت اقتصادنا عرضةً لارتدادات الصراع الدولي. فالمحاور التي انطلق منها هذا الطرح — الأمن الطاقوي، إعادة تعريف السيادة الاقتصادية، بناء مدن اقتصادية جديدة، وتوسيع قاعدة التكامل الخليجي — ليست عناوين نظرية، بل ضرورات تفرضها طبيعة المرحلة.

إن المفكر العربي لا يتحرك بدافع الترف الذهني، بل بدافع إدراكه أن الجغرافيا إن لم تُستثمر بإرادةٍ واعية، تحولت إلى عبءٍ سياسي. وأن الثروة إن لم تُحط بمسارات آمنة ومستقلة، بقيت رهينة قرارات تُتخذ خارج حدودها. ومن هنا تنبع الحاجة إلى ابتكار حلول عربية خالصة، تعيد صياغة العلاقة بين المورد والسيادة، وبين التنمية والاستقلال.

فالقضية ليست قناة مائية فحسب، بل عقلية جديدة في إدارة الممكن. وليست مجرد تجاوز لمضيقٍ هنا أو هناك، بل انتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير. وعندما يمتلك العرب شجاعة التفكير في مشاريع بهذا الحجم، فإنهم لا يعيدون رسم خطوط على الخريطة فقط، بل يعيدون رسم موقعهم في معادلة العالم.

السبت، 14 فبراير 2026

مقال

 

 جعيفر رئيس الوزراء العراقي القادم

تحت عنوان

سيرة جعفير الجهادية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



الفكرة مستوحاة من عمل مسرحي عراقي قديم بعنوان (المحطة)، ففي سياق النص ترد سيرة شخصية تتناغم مع ما سوف نرمي إليه، حين استشهد الفنان طالب الفراتي (رحمه الله) في العمل بقصة أشار بها إلى تزييف الحقائق، مفادها: (إن جعيفر دخل في يوم ماطر بشكل جنوني، ولكنه لم يكن مبللًا بشكل مطلق، وهذا ما أثار جنون الحاضرين، حتى قام أحد الرجال بنحر شاة، والنساء (المعدّلات) كما يُقال عند العامة، تمسحن بقدميه، وعند سؤاله عن المكان الذي جاء منه قال: إنني عبرت أنهارًا وأراضيَ كبيرة وسط الظلام).

ولكن الحقيقة أنه خرج قبل الحدث، وعند بداية المطر قام بالاختباء، وعند انتهائه دخل مضيف الشيخ كبطلٍ له كرامات.

وهذا تجسيد لمن يريد اليوم أن يمسك زمام الأمور، ولا أقول هنا إن المثل يُضرب ولا يُقاس، بسبب أن التاريخ يعيد نفسه بالمعايير نفسها لـ(جعفير) القديمة وإن اختلفت الأسماء، فكلٌّ منهم اليوم يصوّر ذاته على أنه البطل الذي لا يُشق له غبار، وله صولات وجولات في قراع النظام السابق، ولكن الحقيقة أنه مثل بطل القصة التي تمّت روايتها في بداية المقال، في سرد البطولات الوهمية لإيهام العامة بمرويات لا صحة لها، وكأن الأمر في تزعّم السلطة مسألة (كان يا ما كان).

لم نتحدث بعد عن أخطر ما في ظاهرة (جعيفر)، وهي صناعة الهالة قبل صناعة الإنجاز. فالرجل لا يحتاج إلى برنامج حكومي بقدر ما يحتاج إلى فريق علاقات عامة يتقن فن النفخ في الرماد حتى يتحول إلى نار. اليوم تُصنع البطولات في غرف مغلقة، وتُبث على شكل مقاطع قصيرة، وتُروى على هيئة شهادات من أصدقاء الأمس الذين لم نسمع بأسمائهم إلا عند اقتراب موسم الحصاد السياسي.

المفارقة أن الجمهور لم يعد يسأل: ماذا أنجزت؟ بل أصبح يسأل: كم مرة ظهرت على الشاشة؟ وكأن الدولة تُدار بعدد المؤتمرات الصحفية لا بعدد القرارات الرصينة.

منذ عقدين مضيا انتهجت السياسة في العراق نهج تزييف الحقائق لحصد المكتسبات، وقد ابتعد الجميع عن اتخاذ مبدأ الاستحقاق الذي يرتكز على أسس علمية في إسناد السلطة لشخصيات تتمتع بالكفاءة الإدارية للدولة، وهذا بسبب مسمار جحا الذي تنادي به الطبقة الحاكمة، فكلما احتدم الصراع على المنصب تعالت الأصوات بسرد البطولات الوهمية والتضحيات التي قدمها هؤلاء، ولا أعلم من أين كانوا يستمدون تضحياتهم: من أزقة الشام العتيقة؟ أم من التسكع في شوارع بريطانيا؟ أم من ملاهي روما؟ مع العلم أنه لم يُسجَّل لهم حضور واقعي لدورهم كمعارضة داخل البلد منذ ذلك الوقت.

وهنا يجب التنويه لأمرٍ هام، وهو أن الدفاع عن قضية تؤمن بها ليس شرطًا أن تكون محل احترام من الآخرين، وإذا كان غير ذلك تكون هناك عملية كذب على الذات وعلى المجتمع.

 

أبطال السرديات... وهذا يشمل كل رؤساء المنظومات الحكومية منذ بداية تنصيب النظام من قبل قوات الاحتلال، فتنحصر خطاباتهم بكلمات (فعلنا وصنعنا)، والحقيقة تقول: لقد سمعنا الضجيج، ولكن لم نرَ الدقيق، وهذا ما ولّد استهجانًا جمعيًا لأي شخصية قد تكون في الواجهة في القريب العاجل، وعدم ثقة بها. والسؤال هنا: كيف إذا ما كان (جعيفر) رئيسًا للوزراء؟ فلسان الحال سوف يقول وقتها، كالمثل الشعبي: (شدّوا راسكم يا كرعان)، إشارة إلى التجارب المريرة للجمهور مع الشخصية التي سوف تكون.

ومن المضامين التي لم نلامسها بعد، أن (جعيفر) وأمثاله يتقنون لعب دور الضحية أكثر من دور المسؤول. فإن فشل المشروع قالوا: المؤامرة. وإن تعثّر القرار قالوا: العرقلة. وإن ضاعت الفرص قالوا: الظروف. وكأن البلاد قدرها أن تعيش في شماعة جاهزة لتعليق الإخفاقات عليها.

السياسي الحقيقي يتحمّل نتيجة قراره، أما بطل السرديات فيبحث دائمًا عن شماعة يعلّق عليها عجزه، ثم يعود ليطلب التصفيق لأنه "صمد" أمام ما صنعته يداه.

 

وهم السيادة... كثيرًا ما يتحدث من هم على شاكلة شخصيتنا التي نتحدث عنها عن السيادة الوطنية، ولكننا أكثر البلدان اليوم افتقارًا لهذه المسألة، وما يعرفه الكثير أن رأس السلطة يتم اختياره عبر استرضاء الدولة الإقليمية والاستعمارية، ولهذا ترى أن الحديث عن هذا الموضوع يفتقر إلى المصداقية.

 

الذاكرة القصيرة للجمهور... هناك عامل أخطر من كل ما سبق، وهو الذاكرة القصيرة للجمهور. فالناس تغضب اليوم وتنسى غدًا، وتلعن الخطأ ثم تعود لتصفّق لمرتكبه إن غيّر نبرة صوته. ولهذا يستمر تدوير الوجوه نفسها، لأن الرهان دائمًا على أن النسيان أسرع من المحاسبة.

ولو أن الذاكرة الجمعية احتفظت بتفاصيل الخيبات كما تحتفظ بتفاصيل المباريات، لما وجد (جعيفر) واحدًا يصعد كل دورة بثوب جديد.

 

غياب المشروع الوطني... المعضلة الكبرى أننا لا نناقش مشروعًا وطنيًا واضحًا، بل نناقش أشخاصًا. الدولة لا تُبنى بسيرة ذاتية مليئة بالبطولات المروية، بل تُبنى برؤية اقتصادية، وتعليمية، وأمنية، وسيادية واضحة المعالم. أما حين تختزل الدولة في شخص، فإن سقوط الشخص يعني اهتزاز الدولة كلها.

وهنا يكمن الخطر: أن يتحول المنصب إلى مسرح، ويتحول الشعب إلى جمهور ينتظر العرض التالي.

 

الخاتمة الصادمة… في النهاية، ليس الخطر في أن يصبح (جعيفر) رئيسًا للوزراء، بل الخطر أن نبقى نحن جمهورًا يصفّق لكل جعيفر جديد يُحسن رواية قصته أكثر مما يُحسن إدارة دولة. المشكلة ليست في الشخص، بل في القابلية الجماعية لتصديق الأسطورة قبل اختبار الحقيقة.

جعيفر ومن على شاكلته لا يصنعون المعجزات، بل يصنعون مشاهد تمثيلية محكمة الإخراج، يدخلون فيها جافّين بعد عاصفةٍ لم يخوضوها، ويتحدثون عن أنهارٍ لم يعبرُوها، وعن ظلامٍ لم يسهروا فيه، ثم نمنحهم مفاتيح البلاد لأنهم أتقنوا فن الحكاية.

وعندما تسقط الأقنعة، لن يسقط جعيفر وحده… بل ستسقط معه أوهامنا التي صنعناها بأيدينا... وحينها لن يكون السؤال: لماذا فشل؟

بل لماذا صدّقناه من البداية؟

الأربعاء، 11 فبراير 2026

مقال

 

نافذة النور في الجدار الأكاديمي

تحت عنوان

قراءة في دقيقة ونصف

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



منذ زمن بعيد هناك جدار يحيط بالمؤسسة الجامعية، كالجدار الذي يحيط بجامعة الموصل، ولكن اليوم لن أتحدث عن المادة الحجرية التي يُبنى بها الجدار، بل عن شيءٍ آخر يفصل بين الشخصية الأكاديمية والعامة. فالكثير من الناس تمرّ بجانب ذلك الجدار، وتسأل نفسها: ماذا يكون هناك في الخلف؟ وهذا فقط على مستوى العالم الثالث، أما فيما سواه فهناك قنوات تعاون أو اقتران بين الاثنين.

ومن هنا تكون هناك محاولات تمتزج ما بين الجرأة والخجل، وهذا ما أقدم عليه ثلاثة أكاديميين في الصرح الجامعي في كسر ذلك التقليد القديم، في عملٍ سمعيٍّ مرئيٍّ بزمن (دقيقة ونصف). وهنا يكون دور الرؤية النقدية في تقييم هذا العمل، مع الحفاظ على المكانة العلمية للمشاركين فيه، فسوف نبرز في هذه السطور ما بين الصواب والخطأ في أصل العمل.

المشاركون:

د. أحمد جارالله ياسين / أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب / جامعة الموصل

د. حسام الطحان / أستاذ الأدب العربي في كلية تربية البنات / جامعة الموصل

د. ربيع خزعل / أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب / جامعة الموصل

الأستاذ حسين حمه / أستاذ الادب الإنكليزية في كلية الآداب / متقاعد – جامعة الموصل

فهؤلاء يُعتبرون عرّابي المشروع الثقافي واللبنة الأولى للعمل.

 

الصواب ... تحديد مصدر المعلومة؛ ففيما قُدّم كان هناك رصانة واقعية لمصدر المعلومة بغض النظر عن الموضوع المطروح، وهذا بسبب فوضى المعلومة التي نعيشها في عالمنا اليوم، وهذا ما يخلق فضاءً آخر غير مألوف. وقد يعتبرها الكثير هنا نوعًا من أنواع المغامرة، وآخرون قد يعتبرونها محاولات يائسة في بناء صرح يفتقر إلى عامل الوقت، الذي بات يخضع لشيوع التفاهة على حساب الرصانة العلمية. ولكن إذا ما عدنا إلى الرؤى النقدية سوف نرى أنه عمل يعود إلى مبادرة شجاعة في تحدي واقع مرير، من خلال استخدام قواعد استند إليها الطرف الآخر، والمقصود هنا وسيلة الفيديوهات القصيرة، وهذا ما يعزز القيمة الداعمة للمواضيع الحياتية التي يجب أن تكون في مكانتها الاجتماعية.

 

الخطأ... وللتنويه بما يُكتب هنا، لا أنصّب نفسي مقيّمًا لشخوصٍ يُعتبرون ممن ساهموا في بناء شخصية (البارون الأخير) منذ البداية، ولكن هم ذاتهم من علّمني (ألا مجاملة لأحد تُذكر على حساب الرصانة الأدبية).

وما يُعتبر قد أُسقط سهوًا في أصل الموضوع هو آليات مخاطبة العامة، فما زال الأكاديميون في هذا المحتوى متمسكين بالطرح الأكاديمي من خلال تبنّي أسس الفصاحة العربية في طرح الموضوع، وقد يكون لديهم أسبابهم في هذا، وقد يكون ترويج النطق الصحيح للغة العربية، ولكن قد يكون هذا مبكرًا نوعًا ما، وقد يخلق عدم جلب الاهتمام لدى شريحة كبيرة. وكان من المفروض التركيز على المعلومة ورصانتها قبل فرض ما نريد على المتلقي، ولم يكن هناك ضرر في إدخال نوع من روح الدعابة البعيدة عن الإسفاف في الموضوع، فالأدب العربي غني إلى حد كبير في هذا المضمار. وهنا تكون هناك ضرورة ملزمة للاستعانة بذلك كعامل جذب، فأنت اليوم قد خرجت من المسارات الأكاديمية التي تحكمها القرارات والقوانين، وقد قدّمت نفسك كصاحب محتوى للعامة، ولهذا يجب قراءة الأيديولوجيات العقلية التي تحكمها. أما فرض ما تريد، فيكون من خلال عمليات تدريجية للحفاظ على هيكلية العمل والمراد منه.

المضمون  ... أن كسر الجدار الأكاديمي لا يعني فقط الخروج إلى العامة، بل يعني أيضًا تعرية الذات الأكاديمية أمام النقد الشعبي. فالأكاديمي حين يدخل فضاء الفيديو القصير لا يفقد هيبته فقط، بل يضعها على المحكّ. وهنا تكمن الشجاعة الحقيقية؛ لأن النقد في الفضاء المفتوح لا يرحم، ولا يعترف بالألقاب العلمية.

كما أن مسألة “دقيقة ونصف” ليست مجرد زمن تقني، بل هي تحدٍّ فلسفي عميق. كيف يمكن اختزال تراكم معرفي لسنوات طويلة في تسعين ثانية؟ هنا نحن أمام صراع بين العمق والاختصار، بين التراكم والسرعة، بين العقل الذي اعتاد التفصيل والجمهور الذي اعتاد اللمحة الخاطفة. وهذه إشكالية تستحق الوقوف عندها بوصفها معركة بين زمنين لا بين أسلوبين فقط.

وهناك بعدٌ آخر لم يُفكَّك، وهو أن دخول الأكاديميين إلى فضاء المحتوى السريع قد يُفسَّر من قبل بعض النخب بوصفه تنازلًا، في حين أنه في حقيقته محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوعي العام. فالانسحاب لم يعد خيارًا، والعزلة لم تعد فضيلة، والصمت في زمن الضجيج مشاركة غير مباشرة فيه.

ثم إن اختيار اللغة الفصيحة الخالصة لا يُقرأ فقط بوصفه تمسّكًا أكاديميًا، بل قد يكون إعلان موقف ضد موجة التفكيك اللغوي التي تضرب هوية المجتمع. وهنا يصبح الإصرار على الفصاحة موقفًا ثقافيًا لا أسلوبًا تعبيرياً فحسب.

كما أن المقال لم يتوقف عند مسألة الاستمرارية، وهي الأخطر. فالمحاولة الأولى قد تكون ناجحة رمزيًا، لكن الرهان الحقيقي هو القدرة على التحول من مبادرة فردية إلى مشروع متكامل. لأن الثقافة لا تُبنى بلحظة شجاعة، بل بسلسلة مواقف متواصلة.

وهناك سؤال كان يمكن طرحه بصيغة أكثر مباشرة:

هل الجمهور مستعد فعلًا لاستقبال هذا النوع من الطرح، أم أننا ما زلنا نخاطب جمهورًا افتراضيًا نحلم بوجوده؟ لأن الفجوة ليست فقط بين الأكاديمي والعامة، بل بين المثقف والجمهور الذي أعاد تشكيل ذائقته وفق إيقاع مختلف تمامًا.

وأخيرًا، هناك بعدٌ أخلاقي في العمل لم يُبرز بشكل واضح، وهو أن المبادرة في زمن الفوضى ليست ترفًا، بل مسؤولية. فمن يمتلك المعرفة ولا يحاول توظيفها في فضاء التأثير العام يكون قد اختار الحياد، والحياد في لحظات التحول الكبرى ليس موقفًا بريئًا.

الخلاصة... هم رجال شجعان، ويُعتبرون فرسان الثقافة في زمن الفوضى العقلية، والعمل يُعدّ محاولة للوقوف أمام موجة عارمة تعصف بعقول العامة لفرض أجندة دخيلة على المجتمع، وها أنا أقف إجلالًا واحترامًا لكل من يحاول، ولو مجرد محاولة، لبناء مجتمع بمسارات صحيحة.

مقال

  المسار الآمن تحت عنوان العلمانية والمستقبل السياسي في العراق بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين في خضمّ التخبط السياسي الذي يم...