أقف إلى جوار الكارزما والجمال
تحت عنوان
الدكتورة ليلى المولى استاذة علم الفلسفة ... نموذجًا
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
نعم، أنا كذلك... ولتكن البداية من عودتها إلى صفحات
مجلة زهرة البارون، وقراري أن تتصدر الغلاف. عندها اتصل بي أحد المستشارين للمجلة،
الذين أعتز بهم وأكنّ له كل التقدير والاحترام، حيث بدأ تعجبه من قراري هذا، وهو
لا يعلم أن هناك حقيقة لا يعلمها الكثير عني، وهي أنني أرى ما لا تراه الناس، ومن
هذا المنطلق كانت هذه الكلمات.
ليلى كما لا تراها الناس... ولمن لا يعرف، تعود معرفتي بالشخصية التي بصدد الحديث
عنها إلى السنة الأولى لما بعد تحرير الموصل، وإذا ما أردت تعريف الدكتورة ليلى
فسوف يكون: (عندما تتحدى الكارزما والجمال سوء الطالع) .
فأنا على دراية ليست صغيرة بمجريات حياتها الشخصية
والعملية، وهنا لا يُعتبر ما أكتبه بمثابة تزكية أو شهادة بحقها، وهذا بسبب أنها
أكبر من أي كلمات قد تُكتب عنها.
وهنا يشاء القدر أن تخصصها الأكاديمي هو الفلسفة
اليونانية، والشخصيات التي خلّدها التاريخ في تلك الحقبة، فهي، إن لم تكن في
عالمنا هذا، سوف تجدها تجسد إحدى الشخصيات المحاربة، مثل: هيبوليتا (Hippolyta)، وميرينا (Myrina) ، وهي تمتلك كل تلك الميزات الأسطورية
لشخصيتها القيادية.
وإذا ما تحدثنا عن جمالها، فهي لا تقل، من وجهة نظري
المتواضعة، عن *بسيخي (Psyche)، وأريادن (Ariadne) ، والحق يُقال إن جمالها يضاهي كل الأسماء
التي ذُكرت هنا، وكأنها على موعد مع ظاهرة تكرار التاريخ، ولكن بصورة قد تكون أجمل
مما سطرته الأقلام لتلك الحقبة والشخصيات النسائية.
رعايتها للكلاب... اليوم، وكثير من الناس يستهجنون هذا العمل، وهم جاهلون
في الحكم على هذا الأمر. فالمرأة ليست مؤرخة أو معلمة أو أي شيء آخر، ولكنها من
تشرب من عروق الفلسفة التي تنتهي إلى الحكمة، وأكاد أجزم أن لها فلسفة في هذا.
فهي، عندما تعبت من إيجاد لغة يفهمها البشر في هذا
العصر، قررت أن يكون الكلب هو الرفيق، وهذا بسبب صفة افتقدتها في التعامل مع
الناس، وهي الوفاء.
فمن الطبيعي أن يكون لكل فعل ردّة فعل، ورعاية الكلاب لم
تكن شيئًا منكرًا كما يروّج لها المتدينون الجدد؛ فالكلب رفيق الإنسان، وهذا حسب
النصوص السماوية.
لماذا أقف معها... ليس لأنني أود التقرب منها، وأنا أعرفها منذ سنوات
عديدة، ولكنني أقف دومًا إلى جوار ما يستحق الوقوف لجانبه، ومع أنها لا تحتاج
لوقفتي معها من الأصل، وهذا بسبب كارزميتها العالية المكتسبة من رحم المعاناة.
ومن يراها للمرة الأولى يظن أنها من ذوات اللواتي وجدن
الطريق معبّدًا لحياة رغيدة، ولكن للحقيقة وجه آخر، فهي كمن يحمل الجبال على
أكتافه، وكما يقال عند العامة: «الناس لها الظاهر» ولهذا تجد الكثير منهم يأخذ
منها موقفًا مسبقًا دون معرفته بشخصيتها أو حياتها، وما أوصلها إلى هذا المكان.
ورغم هذا، تجدها شخصية لا يمكن كسرها بسهولة، ولا يمكن
تجاوزها أو تهميشها. ورغم المحاولات الحثيثة لفعل هذا الشيء، تجدها ما زالت
متماسكة، ولهذا من واجبي أن أكون إلى جوارها وداعمًا لها في كل المجالات.
الكارزما لا تُصنع أمام المرآة... هناك شخصيات لا تحتاج إلى من يعرّف بها، لأن حضورها يسبق
أسماءها، وكارزميتها تتحدث عنها قبل أن تبدأ هي بالكلام، والدكتورة ليلى المولى من
هذا النوع من الشخصيات التي لا يمكن اختصارها بصورة أو منصب أو شهادة أكاديمية،
لأن خلف كل ذلك إنسانة صنعتها التجارب أكثر مما صنعتها الظروف.
وأنا عندما أتحدث عن الدكتورة ليلى المولى، لا أتحدث عن
امرأة جميلة فقط، لأن الجمال وحده لا يصنع شخصية، ولا يجعل الإنسان قادرًا على
مواجهة هذا الكم من المتغيرات التي تضعه الحياة أمامها، وإنما أتحدث عن امرأة
استطاعت أن تجعل من الجمال جزءًا من حضورها، ومن الكارزما جزءًا من قوتها، ومن
المعاناة مدرسة لم تتخرج منها مكسورة، وإنما خرجت منها أكثر صلابة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية الدكتورة ليلى هو
ذلك التناقض الجميل الذي يجتمع فيها؛ امرأة يمكن أن تراها هادئة، ولكن خلف هذا
الهدوء الكثير من العناد في مواجهة الحياة، ويمكن أن تراها شديدة الحساسية، ولكنها
في الوقت نفسه تمتلك قدرة غريبة على تحمل ما لا يستطيع الكثيرون تحمله.
وهنا تكمن الحكاية.. فبعض النساء يصنعن حضورهن من خلال
ما يمتلكن، وبعضهن يصنعنه من خلال ما يفقدنه، أما الدكتورة ليلى فقد صنعت حضورها
من خلال الاثنين معًا، ولهذا فإن من يحاول أن يقرأها من الواجهة فقط سوف يخطئ
كثيرًا في فهمها.
ليست كل امرأة جميلة... امرأة عادية ... الجمال في كثير من الأحيان يتحول إلى نقمة عندما يكون
المجتمع عاجزًا عن رؤية ما خلفه، لأن الناس اعتادت أن تحاكم المرأة من صورتها
الأولى، فإذا كانت جميلة افترضوا أن حياتها كانت سهلة، وأن الطريق كان معبّدًا
أمامها، وأنها لم تعرف الألم.
وهذا من أكثر الأحكام ظلمًا للمرأة... فالجمال لا يلغي المعاناة، والابتسامة لا تعني أن
صاحبتها لم تبكِ، والاهتمام بالمظهر لا يعني أن الإنسان فارغ من الداخل، والهدوء
لا يعني أن الحياة كانت رحيمة معه.
ولهذا أجد أن الدكتورة ليلى واحدة من النماذج التي تستحق
أن يُعاد النظر إليها بعيدًا عن الأحكام السريعة، لأن الإنسان لا يُقاس بما تراه
العين في اللحظة الأولى، وإنما بما تركته السنوات في روحه، وما فعلته التجارب في
شخصيته، وكيف استطاع أن يبقى واقفًا رغم كل ما كان قادرًا على إسقاطه.
أنا أقف إلى جوار الفكرة قبل الشخص
وهنا أعود إلى السؤال الذي قد يطرحه البعض: لماذا كل هذا
الاهتمام بالدكتورة ليلى؟
والجواب بسيط جدًا .. لأنني لا أؤمن بأن الكاتب يجب أن يقف مع الأشخاص لأنهم
يحتاجون إليه، وإنما أقف مع من أرى أن الوقوف إلى جواره موقف يستحق أن يُقال
ويُكتب، حتى وإن كان ذلك الموقف لن يضيف إليه شيئًا.
أنا لا أكتب عن الدكتورة ليلى لأنها تحتاج إلى شهادة
مني، ولا لأنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل لأنني أؤمن أن هناك شخصيات من الظلم
أن تمر في حياتنا دون أن نقول لها: (نحن نرى ما لا يراه الآخرون)
وهذه الجملة تحديدًا هي التي دفعتني إلى أن تكون
الدكتورة ليلى على غلاف مجلة زهرة البارون.
فالغلاف بالنسبة لي ليس مجرد صورة توضع في واجهة مجلة،
وإنما هو رسالة، واختيار الشخص الذي يتصدر الغلاف هو في حد ذاته موقف، وأنا عندما
اخترت الدكتورة ليلى لم أكن أبحث عن وجه جميل يزين الغلاف، وإنما كنت أبحث عن
شخصية تستطيع أن تحمل الغلاف بما وراء الصورة.
عندما يصبح الاختلاف قوة ... ربما يكون أكثر ما يزعج الناس في بعض الشخصيات أنها لا
تشبههم.
فالإنسان المختلف يثير الأسئلة، والشخصية المستقلة تزعج
من اعتاد أن يرى الجميع يسيرون في الاتجاه نفسه، والمرأة التي تختار طريقها بنفسها
تكون دائمًا أكثر عرضة للأحكام الجاهزة.
ولهذا لا أستغرب أن تكون هناك مواقف مسبقة من الدكتورة
ليلى لدى البعض، لأن الكثير من الناس لا يحتاجون إلى معرفة الحقيقة حتى يصدروا
الحكم، يكفيهم أن يسمعوا نصف حكاية، أو يروا صورة، أو يختلفوا مع تصرف واحد، ثم
يبنون شخصية كاملة من خيالهم.
لكن الدكتورة ليلى ليست مطالبة بأن تكون نسخة من توقعات
الآخرين.
هي اختارت أن تكون كما هي، وهذا في زمن أصبحت فيه
المجاملة أسهل من الصراحة، والتشبه بالآخرين أسهل من صناعة شخصية مستقلة، يُعد في
حد ذاته نوعًا من الشجاعة.
ولهذا أرى أن الكارزما التي تمتلكها الدكتورة ليلى لم
تأتِ من فراغ، وإنما جاءت من تراكم طويل من التجارب، ومن قدرتها على أن تبقى كما
هي رغم محاولات كثيرة لدفعها إلى أن تكون شيئًا آخر.
الخلاصة ...
أنا لا أريد من هذا المقال أن أضع هالة من القداسة حول
شخصية بشرية، فكل إنسان لديه ما له وما عليه، ولكنني أريد أن أقول شيئًا واحدًا
فقط:
ليس من العدل أن نحاكم إنسانًا من صورته، ولا أن نختصر
امرأة في جمالها، ولا أن نختزل شخصية في موقف، ولا أن نعتقد أن الطريق الذي يبدو
سهلًا من بعيد كان فعلًا سهلًا على صاحبه.
ولهذا أقف إلى جوار الكارزما والجمال...
ليس لأنهما يكفيان لصناعة الإنسان، وإنما لأنهما عندما
يجتمعان مع الصبر، والمعاناة، والوعي، والقدرة على البقاء، يصبحان حكاية أخرى لا
يستطيع أن يقرأها إلا من تعلّم أن يرى ما وراء الصورة.
وهكذا أرى الدكتورة ليلى المولى... لا كصورة على غلاف،
ولا كاسم يمر في صفحات مجلة، وإنما كشخصية تركت أثرها، وأثبتت أن بعض النساء لا
يحتجن إلى من يمنحهن قيمة، لأن قيمتهن كانت موجودة قبل أن يلتفت إليها الآخرون.




