بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 23 أغسطس 2026

مقال

 

 المشاهير في التواصل الاجتماعي وظاهرة التسول

تحت عنوان

سرطان اجتماعي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



الشهرة والشهيرة ، وهناك من يخلط بين المصطلحين، فالأولى أن تعرّفك الناس بمهارة أو موهبة، حتى قالت العرب عنه: «قد ضاع صيته بين الناس»، أما الثانية فهي ما دوماً ترتبط بالسوء. وإذا ما أردت تعريف الظاهرة التي نشهدها اليوم، فهناك مقولة شعبية تعبّر عنها: «مكدي يكدي من مكدي، والله يرحمك يا جدي»، وفي هذا دلالة وصفية لما هو على أرض الواقع.

فالكثير منهم، إذا ما قلنا جميعهم، حديثو نعمة، وعندما يكون هناك تحوّل اجتماعي يكون هناك ما يسمى بالدهشة، ويقال عنه عند العامة: «مدهوش»، فيمضي بين الناس بتصرفات هي أقرب للحماقة، فيسقط عنه جميع المعايير الأخلاقية، وإن ادعى غير ذلك، فهم لاعبون على مشاعر الآخرين، فتراهم يتاجرون بكل شيء، بغض النظر عن الوازع القيمي.

فتراهم يستقطبون ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الحاجة، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أنه يتاجر بالله ذاته، من خلال ترديد بعض المصطلحات التي ما تقترن بالدين، وهنا تكمن خطورة الموضوع؛ فالبشر الذي ليس له ثوابت أو قيم يعتبر أداة هدم اجتماعي.

 

التسول الاجتماعي... لا أستطيع وصف ما يحدث بغير هذا المصطلح، من خلال ما نشهده من قضية اللعب على قضية الطمع، من خلال ما يعرف بالمساعدات المزيفة والهدايا، وليس هذا فحسب، فهناك آليات تدفع الكثير لسلوك غير أخلاقي لغرض الربح السريع، فتجد من يبحث عن المشاهير لغرض استعطافهم لكسب تعاطفهم، وهذه جريمة بكل المقاييس، فبمرور الزمن سوف يتحول هذا إلى ممارسة اجتماعية أساسها التسول.

 

التجارة غير المشروعة... أموال ومشاريع وتمويل مجهول المصدر، وكل هذا يجب أن يبوّب بطريقة أو بأخرى، ولهذا ترى بعضهم يصوّر نفسه أنه مع القانون والدولة، وهو المتحايل عليهما، وآخرون مفلسون من قضايا مفيدة أو نافعة للمجتمع، فيذهبون إلى تجارة الجنس من خلال استقطاب بعض الفتيات في إعلاناتهم، وهذه نوع جديد من السمسرة، إن كانوا لا يعلمون، من خلال عرضهن كمادة قابلة للبيع.

وهذه ليست أسوأ أنواع التجارة، ولكن هناك الأسوأ، وهو التجارة بالله ذاته، من خلال المضي في دعم ممارسات دينية لا ينتمون لها من الأصل، فقط لكسب تعاطف شعبي، وتلك أقذر تجارة قد تراها اليوم، أو ترديد أقوال لها علاقة بالدين، أو حتى يستخدمون الحلفان لغرض الترويج الإعلاني.

 

الكرم المشروط... كثيراً ما ترى اليوم العديد من المشاهير يقومون بمبادرات خيرية كما يروّج لها اليوم، ولكن للحقيقة وجه آخر، فكلهن أفعال مدروسة، وكما يقال عند العامة: «أولدرات»، من أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة التي يديرها الكثير من المهرجين ممن يطلقون على أنفسهم مشاهير.

وهذا ما يعزز أن القضية تخرج من طابع الكفالة الاجتماعية إلى استعباد المجتمع بحجة المال، من خلال الاستعراضات الوهمية، ومن خلال ما يعرف بالبثوث، وهذا يعد تشويهاً ضمنياً لمسألة تقديم العون، وقد وصل الحال بأحدهم إلى الاستخفاف والاستهانة بمعاناة الآخرين، وربط المساعدة بدعم الداعمين، في هذا نوع من النفاق.

 

شروط الشهير... والحقيقة، ولمن لا يعرف، أن أهم تلك الشروط أن يكون من الشخصيات المغمورة التي تتمتع بالتفاهة، ويكون أيضاً لا يمتلك أي نوع من أنواع الوعي القيمي الذي قد يمنعه من تنفيذ ما يُملى عليه، فلن ترى منهم كاتباً أو شاعراً أو فناناً.

ولهذا تجمعهم صفة واحدة، وهي الحماقة، وهذا قد يكون الشرط الأساسي في القضية، وهنا أستشهد بمقولة قلت لأحدهم عنها يوماً ما:

«أنا وأنت نريد أن نصل للسماء، ولكن أنت تريد الصعود بصاروخ، إشارةً للسرعة، وأنا أريد أن أبني برجاً عاجياً، لتكون نهايتنا مختلفة؛ فأنت سوف يكون سقوطك بذات السرعة التي وصلت بها للقمة، ولكن أنا عند موتي سوف أترك ذلك البرج تتحدث الناس عنه فترة بعد موتي».

عندها قال لي: «لم أفهم»، فقلت له: «لو فهمت ما أقول، لكنت اليوم من أصحاب الحكمة على هذه الأرض».

 

خطرهم على المجتمع... يتركز خطرهم في ترسيخ أفكار الانحراف وتقديمها على أنها أسس اجتماعية، ومع مرور الوقت تتحول إلى ثقافة، فهم الذين ينتشرون كمرض سرطاني في المجتمع، فتراهم جميعاً ينتهجون من الانحلال سلوكاً حياتياً، ويصبحون أداة تسويقية لكل ظاهرة قد تقوم بهدم المجتمع.

فالكل اليوم يبحث عنهم فقط لكسب ما يمكن أن يخرج منهم، ولو عن طريق الإهانة التي تتمثل بقضية التصوير. فهؤلاء يعيشون على فضح البشر وتقديم أنفسهم على أنهم أصحاب الخير، والحقيقة أنهم دمى لا تملك لنفسها من الخير أو الشر شيئاً يُذكر.

فكلهم اليوم باتوا شخصيات تدعم فكرة تتفيه المجتمع، ويبدو أنهم قد نجحوا في هذا، فأصبحوا نجوم المجتمع اليوم.

 

حين يصبح التسول ثقافة ... المشكلة ليست في أن يعطي المشهور هدية، ولا في أن يقدم جائزة لمن يستحقها، فهذه في أصلها أفعال يمكن أن تكون جميلة إذا بقيت في إطارها الطبيعي، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهدية إلى وسيلة لصناعة مجتمع ينتظر من المشهور أن يدفع، وأن يمنح، وأن يوزع، وأن يحل مشاكل الناس، وكأن هؤلاء المشاهير أصبحوا خزائن عامة، وكل ما على المواطن فعله هو أن يقف أمامها منتظراً دوره.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأنك لا تصنع إنساناً منتجاً عندما تعوّده على أن يحصل على المال دون مقابل، بل تصنع إنساناً ينتظر المال، ومع مرور الوقت يتحول الانتظار إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، والثقافة في النهاية تصبح مرضاً اجتماعياً يصعب علاجه.

فاليوم نرى من يتسابق على الظهور أمام المشهور، لا ليعرض إنجازاً، ولا ليقدم موهبة، ولا ليقول كلمة تستحق أن يسمعها الناس، وإنما ليعرض حاجته، وكلما كانت الحاجة أكثر إثارة للشفقة كانت فرصة الحصول على الهدية أكبر، وكأن المجتمع دخل في مزاد علني عنوانه: من يستطيع أن يقنع المشهور بأنه الأكثر فقراً؟

وهنا يتحول الإنسان من صاحب كرامة إلى صاحب قصة، ومن صاحب قصة إلى مادة للبث، ومن مادة للبث إلى رقم في المشاهدات، ثم تأتي الهدية في نهاية المشهد وكأنها الحل، بينما الحقيقة أنها ليست حلاً، وإنما جرعة مؤقتة من المال تخفي مرضاً أكبر اسمه (إدمان العطاء السهل).

والأخطر من ذلك أن المشهور نفسه يبدأ بتربية جمهور لا يعرفه إلا من خلال ما يمنحه؛ فإذا توقف عن الهدايا انفضّ عنه كثير ممن كانوا يصفقون له، وإذا أعلن عن جائزة ظهر الآلاف، وإذا قال سأساعد عشرة أشخاص أصبح الملايين يتمنون أن يكونوا أحدهم، وهنا لم يعد المشهور يصنع محتوى، بل أصبح يصنع طوابير من المنتظرين.

وهذه الطوابير هي أخطر ما يمكن أن تنتجه ظاهرة الشهرة؛ لأن المجتمع الذي ينتظر الجائزة أكثر مما ينتظر فرصة العمل، وينتظر الهدية أكثر مما ينتظر نتيجة جهده، سوف يصل في يوم من الأيام إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: **ماذا سوف يعطيني؟** بدلاً من السؤال: (ماذا أستطيع أن أقدم؟)

وهنا يبدأ سقوط قيمة العمل، لأن العمل يحتاج إلى صبر، والموهبة تحتاج إلى سنوات، والعلم يحتاج إلى تعب، أما الهدية فلا تحتاج إلا إلى قصة مؤثرة، ووجه أمام الكاميرا، ومشهور يمتلك المال والرغبة في الظهور.

ولذلك فإن بعض ما يسمى اليوم مبادرات إنسانية قد تكون، من حيث لا يشعر أصحابها، مشاركة في صناعة مجتمع متسول؛ مجتمع يتعلم أن أبواب الشهرة أقصر من أبواب العمل، وأن الكاميرا أسرع من الشهادة، وأن دمعة أمام العدسة قد تكون أكثر ربحاً من سنوات قضيتها في الدراسة أو العمل.

وهنا لا تعود القضية قضية مشهور يمنح هدية لشخص محتاج، وإنما تصبح قضية (إعادة صياغة مفهوم الحاجة نفسه) ؛ فالحاجة التي كانت في الماضي تدفع الإنسان إلى البحث عن العمل أصبحت اليوم تدفعه إلى البحث عن مشهور، والفقير الذي كان يخجل من مد يده أصبح اليوم يمدها أمام ملايين المتابعين دون خجل، لأن المجتمع نفسه بدأ يمنحه التصفيق بدلاً من أن يمنحه فرصة لاستعادة قدرته على الوقوف.

وهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً؛ فليس كل من أعطى محسناً، وليس كل من أخذ محتاجاً، وليس كل ما يحدث أمام الكاميرا عملاً إنسانياً.

فأحياناً تكون الهدية (رشوة اجتماعية مغلفة بالإنسانية) ، وأحياناً يكون التصوير إهانة للفقير أكثر من كونه مساعدة له، لأن الإنسان قد يحتاج إلى المال، لكنه لا يحتاج أن تتحول حاجته إلى فرجة يتسلّى بها الآخرون.

وإذا استمر هذا النهج، فسوف يأتي يوم لا يسأل فيه الناس عن المشهور ماذا قدم للمجتمع من علم أو ثقافة أو إبداع، وإنما يسألونه سؤالاً واحداً: (ماذا ستوزع اليوم؟)

وعندها نكون قد نجحنا في تحويل الشهرة من قيمة إلى خزينة، والمشهور من شخصية عامة إلى ماكينة توزيع، والمواطن من إنسان يبحث عن فرصة إلى يد تنتظر أن تمتد إليها هدية.

وهنا تحديداً يصبح التسول ليس عيباً يمارسه بعض الأفراد، بل (ثقافة يتعلمها جيل كامل ويعتبرها حقاً مكتسباً)

 

الخلاصة ... لا تكمن خطورة المشاهير في أنهم يوزعون الهدايا والجوائز، وإنما في أنهم بدأوا ــ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ــ بصناعة إنسان ينتظر أن يُعطى، أكثر مما يسعى إلى أن يُنتج، ويبحث عن يدٍ تمتد إليه، أكثر مما يبحث عن طريقٍ يقف فيه على قدميه.

فحين تصبح الحاجة وسيلة للظهور، والفقر مادة للمشاهدة، والهدية جائزة على الاستعطاف، تتحول الإنسانية إلى عرضٍ جماهيري، ويتحول المجتمع شيئاً فشيئاً من مجتمع يعمل ليعيش إلى مجتمع ينتظر ليأخذ.

وهنا يكون الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمع لا يموت عندما يفتقر إلى المال، وإنما يموت عندما يفتقر إلى قيمة العمل، وكرامة الإنسان، وشعوره بأنه قادر على صناعة حياته بيده.

فالمشهور الذي يشتري المشاهدات بالهدايا لا يصنع مجتمعاً سعيداً، وإنما يصنع جمهوراً جائعاً إلى المزيد، والمواطن الذي يعتاد طرق أبواب المشاهير سوف يأتي عليه يوم لا يعرف فيه كيف يطرق باب العمل.

وعندما تصبح الشهرة خزينة، والهدايا راتباً، والجوائز حقاً، والتسول مهنة، والكرامة شيئاً قابلاً للتصوير والنشر، فهنا لا تعود المشكلة في المشاهير وحدهم، بل في مجتمع سمح لهم بأن يصبحوا مصنعاً لإنتاج الاتكالية.

ولذلك فإن أخطر سرطان اجتماعي ليس أن يكون لدينا مشاهير بلا قيمة، وإنما أن يتحول هؤلاء إلى قدوة، وأن يصبح ما يفعلونه نموذجاً يحتذى، حتى يستيقظ المجتمع ذات يوم ليكتشف أنه لم يعد يبحث عن من يعلمه كيف يعمل، بل عن من يعلمه كيف يطلب.

وعندها ستكون الكارثة قد اكتملت...

فالمجتمع الذي يعتاد أن يعيش على الهدايا، يفقد مع الوقت القدرة على صناعة مستقبله؛ لأن اليد التي اعتادت أن تُعطى، قد تنسى كيف تصنع.

السبت، 22 أغسطس 2026

مقال

 

السيرة الذاتية للنعال

تحت عنوان

 كلمات لا يجرؤ أحد على كتابتها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ماذا لو تكلّم النعال، وماذا سوف يقول؟

وُلدتُ، لمن لا يعرف، كأيٍّ من الاختراعات في الحياة البشرية، وقد أكون من أوائل الاختراعات التي كان سببها الحاجة، وكما يقال في الأثر: **«الحاجة أم الاختراع»**. وكانت وظيفتي منذ ذلك الوقت هي حماية القدم من المؤثرات الخارجية، فكانت ولادتي يوم أدرك البشر أن أقدامهم أضعف من الطريق. وكانت البداية قطعة جلد تُربط بالحبال، قبل أن تكون لي ماركات أو ألوان.

فأنا أول من قدّم خدمة الحماية للإنسان، فعُمري اليوم أقدم من مناصبكم أو ألقابكم، ويبدو أنني الاختراع الوحيد الذي كان وجوده قبل أن يأخذني البعض إلى دائرة المظاهر والشكليات.

 

الجميع مدين لي بالاعتذار... هل تعلم أنني الوحيد الذي يشتغل طول اليوم بلا راتب، وإذا تمزقتُ قالوا: انتهت صلاحيتك؟ وهذا ما يُدخل الكثير من البشر في حيّز نكران الجميل. وأنا اليوم لست هنا لأعتذر عن وظيفتي ومسألة التحقير بي، وأكثر ما يؤلمني أنهم يتخذون من اسمي شتيمة، ولكن هناك اليوم من بدأ في تقمّص شخصيتي وإظهارها بشكل سيئ، رغم أنهم لا يستطيعون تقديم الكثير مما أقدمه.

 

تقمّص الشخصية... إن أكثر ما يحزنني في الموضوع أن هناك من ينتحل شخصيتي. فالجميع يعرف أنني متعدد الألوان والأحجام، وليس هذا ما يكون وجه التشابه بيني وبين بعض البشر، ولكن هناك من يسيء إلى سمعتي كنعال. فأنا لم أختر القدم التي أكون تحتها لغرض تحقيق منفعة معينة، وهذا ما ينتهجه الكثير من الناس وينسبه إليّ.

ولكن هناك شبه واحد بيني وبين هؤلاء: نحن الاثنان، عندما تنتهي صلاحيتنا، تكون نهايتنا في سلة المهملات.

 

خدمة لا يشعر بها أحد .. انا النعال، وربما تكونون قد اعتدتم على وجودي الى درجة انكم لم تعودوا تشعرون بخدمتي، وهذه مشكلة البشر، فهم لا يشعرون بقيمة الشيء الا عندما يفقدونه.

انا الذي اكون بين القدم والارض، اتحمل الحصى والشوك والحرارة والماء والطين، وكل ما يمكن ان يؤذي القدم، ومع ذلك لا احد يقول لي شكرا، وكأنني موظف حكومي انتهت معاملته بمجرد وضع الختم والاغرب من ذلك ان بعض البشر عندما يريد اهانة انسان يقول له: سوف اضربك بالنعال، وكأن النعال هو الذي ارتكب الخطأ.

عجيب امركم ايها البشر، انا احمي اقدامكم من الاذى، وذات الشعار يردده البعض مع تغير التعبير مع فارق التشبيه بيني وبين من يررد شعار مشابه لهذا وانتم تستخدمونني لالحاق الاذى ببعضكم .. فهل اصبحت الخدمة عندكم دليلا على الاهانة؟

 

انا لا اختار من يخدمني ... هناك قضية اخرى يجب ان اوضحها، انا لا اختار القدم التي اكون تحتها، فلا تسألوني عن صاحبها، ولا عن منصبه، ولا عن رصيده، ولا عن عدد السيارات التي يمتلكها.

انا نعال، مهمتي ان اخدم القدم التي وضعتني فيها لكنني ارى بعض البشر يفعلون العكس تماما، فهو لا يخدم الانسان، بل يبحث عن الانسان الذي يستطيع ان يخدم مصالحه، وكلما تغيرت المصلحة تغيرت القدم التي يقف تحتها.

انا على الاقل صريح مع نفسي، اعرف انني نعال .. اما بعض البشر فلا اعرف ماذا يسمون انفسهم .. انا لا اختار القدم، ولكن بعض البشر يختارون الاقدام التي يسيرون خلفها.

 

المقاس والمصلحة ... انا لدي مقاسات، صغير وكبير وواسع وضيق، ولكل قدم مقاسها، ولم يحدث يوما ان قلت لقدم: انا اكبر منك ولن اخدمك لكنني رأيت بعض البشر مقاساتهم تتغير حسب المكان .. امام القوي يصبح صغيرا جدا، وامام الضعيف يصبح اكبر من مقاسه، وامام صاحب المال يكون على مقاس المصلحة تماما.

وهنا اقول: لا تلوموني على تعدد المقاسات، فالفرق بيني وبين بعض البشر ان مقاسي مصنوع للقدم، اما مقاسهم فمصنوع للمصلحة .. انا اغير المقاس للراحة، وبعض البشر يغيرون المقاس للمنفعة .. اهانتي ام اهانتكم؟

تضربونني بالقدم ثم تقولون عني وسيلة اهانة، تضعونني في القدم ثم تجعلون اسمي شتيمة، تمشون بي في الشوارع ثم تخجلون مني اذا اهترأت.

انا لا افهم هذه المعادلة .. اذا كنت سيئا الى هذه الدرجة، فلماذا تحتاجونني كل يوم؟ .. انا لم اطلب ان اكون فوق رؤوسكم، ولم ادع يوما انني تاج، ولم اطلب منصبا ولا راتبا ولا حصة ولا امتيازا.

انا فقط اؤدي وظيفتي. وهنا اتساءل: هل المشكلة في النعال الذي يقبع تحت القدم، ام في الانسان الذي يرفع نفسه فوق الناس ثم يدوسهم؟

قد اكون تحت القدم، لكنني لم اتعلم كيف ادوس على كرامة احد.

 

انا والسيارة .. اخترعتم السيارة فصفقتم لها، وصنعتم لها المصانع، وكتبتم عنها الكتب، واحتفلتم بتطورها، واصبح لها اسم وماركة ومكانة .. اما انا، فلا احد يتذكر انني كنت ايضا اختراعا من اجل خدمة الانسان.

السيارة تنقلكم من مكان الى مكان، وانا اساعدكم على السير في المكان .. السيارة تحميكم من الطريق، وانا احمي اقدامكم من الطريق لكن الفرق بيني وبينها ان السيارة اذا كانت فاخرة قالوا عنها تحفة، وانا اذا كنت فاخرا قالوا: نعال!

انا لا احسد السيارة، ولكن عندي سؤال صغير:

لماذا تحترمون الاختراع عندما يكون غالي الثمن، وتحتقرونه عندما يكون رخيصا؟

انا لا اخجل من مكاني .. انا تحت القدم، وهذه حقيقة لا انكرها.

لكنني لا اخجل من مكاني، لانني اعرف ماذا افعل وهذه مشكلة بعض البشر، يريدون دائما ان يكونوا فوق الجميع، ولكنهم لا يسألون انفسهم ماذا يقدمون لمن هم تحتهم.

انا في الاسفل واحمي من فوقي، وبعض البشر في الاعلى ولا يفعلون شيئا سوى حماية مصالحهم لذلك لا تقيسوا قيمة الشيء بمكانه، فربما يكون الشيء في الاسفل هو الذي يمنع من في الاعلى من الاصطدام بالارض .. ليس كل من كان في الاعلى عاليا، وليس كل من كان في الاسفل واطئا ..

 

حين تنتهي صلاحيتي ... عندما اتمزق تقولون: انتهت صلاحيته ولا احد يسأل: كم طريقا مشى؟ وكم شوكة تحمل؟ وكم مرة انقذ القدم من الاذى؟

ترمونني في سلة المهملات وكأنني لم اقدم شيئا.

وهنا اضحك لانني رأيت بعض البشر يفعلون الشيء نفسه مع بعضهم، ما دام الشخص نافعا اقتربوا منه، وما ان تنتهي فائدته حتى يصبح غير صالح للاستعمال.

الفرق الوحيد انني انتهيت من الخدمة فعلا .. اما بعض البشر فما زالوا يمارسون الخدمة ولكن لمصلحة انفسهم .. انا تنتهي صلاحيتي عندما اهترئ، وبعض البشر تنتهي صلاحيتهم عندما تنتهي المصلحة.

 

اعتذار متأخر ...  بعد كل هذا، لا اريد منكم شيئا .. لا اريد تمثالا، ولا وساما، ولا شهادة تقديرية، ولا حتى كلمة شكرا لكن لدي طلب واحد فقط: عندما تريدون اهانة انسان، لا تستخدموا اسمي.

فانا لم اخن احدا، ولم انافق احدا، ولم اغير موقفي من اجل المال، ولم اترك قدما فقيرة بحثا عن قدم غنية .. انا بقيت نعالا من اول يوم الى اخر يوم.

ولذلك اقول لكم: اذا اردتم اهانة احد، ابحثوا عن سلوك يستحق الاهانة، ولا تظلموا النعال.

فانا، في نهاية الامر، مجرد نعال ولكنني بدأت اشك ان بعض البشر يحتاجون الى ان يتعلموا مني كيف يكونون اوفى لوظيفتهم، واكثر صدقا مع انفسهم.

انا النعال ... لا ادعي انني انسان، لكنني احيانا اخجل من بعض الذين يدّعون الانسانية.

 

الخلاصة ... وفي نهاية هذه السيرة التي لم يتوقع أحد أن يسمعها من نعال، أقول لكم: لا تحاكموني بمكاني تحت القدم، بل حاكموني بما قدمته لها. فأنا لم أختر أن أكون في الأسفل، لكنني اخترت أن أحمي من هو فوقي من أذى الطريق.

أنتم من جعلتم اسمي شتيمة، مع أنني لم أخن، ولم أنافق، ولم أبدّل موقفي من أجل مصلحة، ولم أبحث عن قدمٍ أقوى لأقف تحتها. أنا فقط أؤدي وظيفتي بصمت.

أما بعض البشر، فقد امتلكوا الألسنة والعقول والمناصب، ثم استخدموا كل ذلك في الدوس على الآخرين.. لذلك، لا تؤلموني عندما تقولون: «نعال»... فالنعال يعرف وظيفته جيداً، ويؤديها دون ادعاء.

وإذا كان لا بد أن نبحث عن النعال الحقيقي، فلا تبحثوا عنه تحت الأقدام... ابحثوا عنه في السلوك؛ فهناك من يمشي على قدمين، لكنه قضى عمره كله يبحث عن قدمٍ يقف تحتها.

أنا النعال... انتهت سيرتي، لكن يبدو أن السيرة الحقيقية بدأت الآن.

الخميس، 20 أغسطس 2026

مقال

 

 الزيدي .. وأزمة الصلاحيات

تحت عنوان

هل هناك دولة؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين


خرج علينا قبل أيام مستشار رئيس الوزراء بتصريح عنه، يُعد كارثة في عالم السياسة، بأن الجماعات المسلحة لا تحترمه ولا تحترم الدولة، ويبدو أن سيادته غير مدرك مدى صلاحيات منصبه الذي يشغله. وهذه الأزمة لا تنضوي تحت شخصية بشكل مباشر، ولكن قلتها قبل أعوام وعن تجربة شخصية: إن حدود صلاحيات منصب رئيس الوزراء، بغض النظر عن الأسماء، هي جدران غرفته، وهنا سوف نشرح ملابسات المأزق الذي يمر به سيادته.

 

انعدام القواعد الشعبية ... مسؤول الصدفة إذا ما أردنا وصفه بشكل دقيق، وهذا بسبب تسميته أو توليه لهذا المنصب، فالرجل لم يزاول العمل السياسي قبل هذا، وقد كان دوره التغطيات المالية لكثير من الشخصيات من خلال وظيفته في إشغال منصب إداري ومالي في مصرف الجنوب. والحقيقة أن سر اختياره كان نوعًا من الالتفاف على قرار السيد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، كنوع من المراوغة السياسية من وجهة نظرهم القاصرة في عالم السياسة، وهذا ما أدخلهم بشكل مباشر في مأزق إدارة الدولة. فالمرحلة تعتبر من أحرج المراحل التي يمر بها البلد على الصعيد المالي والإداري، وعدم امتلاكه قاعدة شعبية ساهم في إضعاف قدرته على اتخاذ قرار حاسم في مجمل القضايا.

 

مأزق السقف الزمني ... الخطأ القاتل الذي أقدم عليه، إلزام نفسه بسقف زمني لقضايا عجزت عشرات السنوات عن حلها، دون امتلاك عصا سحرية لهذا الأمر، وهذه تعتبر الشعرة التي سوف تقسم ظهر البعير. فقبوله لطلب زيارة الولايات المتحدة كان بسبب إلزامه بوقت محدد، يعتبر بمثابة انتحار سياسي في عالم يعج بالفوضى الإدارية والمالية.

 

العراق والعالم الوردي المزيف ... كثيرًا ما يروّج له المبطلون للسلطة، أن البلد يحظى برخاء إداري ومالي منذ بداية هذه الحقبة، منذ عقدين، ولكن ما لا يريد الاعتراف به عرّابو السلطة أن هناك أزمة حقيقية تعصف بهذا البلد بسبب عدم وضع رؤية سياسية ثابتة، وكان الأمر برمته يسير بمنظور (حارة كلمن إيدو إلو)، وهذا بسبب منهجية المحاصصة التي نشأ عليها النظام من البداية، ما خلّفت الكثير من القضايا التي أنهكته وأدخلته في زوايا نفق مظلم.

فلا أحد في هذا البلد يعمل من أجل الوطن، فالجميع يعمل تحت العديد من المسميات، منها (الطائفية والقومية والدينية)، وكان البلد عبارة عن غنيمة يسعى الجميع لنيل أكبر حصة منه، فأصبحنا اليوم لا خدمات طبية حقيقية، ولا بنية تحتية، ولا تعليم.

وهنا يكون السؤال لمن يريد أن يتزعم المشهد: ماذا سوف تدير إذا ما لم تجد ما يستحق الإدارة؟ ولهذا اتجهت الدولة لعملية الخصخصة في جميع مفاصل الدولة، كنوع من التهرب من المسؤولية بحجة مواكبة الحضارة، وهذا غير صحيح.

 

الجماعات المسلحة ... وهي ليست فكرة جديدة كما يظن الكثير، فهي تعود إلى تأسيس النظام الجمهوري، ولكن مع اختلاف الأسماء، ومنها (الشبيبة والحرس القومي والجيش الشعبي والبيشمركة والحشد الشعبي). وفي هذا دلالة على أن القضية اليوم هي أكبر من تواجد تلك الجماعات المسلحة على الأرض، ولكنها أيديولوجيات فرضتها بعض الأجندات العابرة للحدود منذ ذلك الوقت، وفي الغالب ما يكون عملها لقمع من يخرج على السلطة، كنوع من الالتفاف على النظام في التعامل معهم.

 

مفهوم الدولة ... في المنهج العقلي، في الغالب ما يُعرَف أنه حزمة قوانين تنظم الحياة العامة، يقوم على تطبيقها مجموعة شخصيات تتمتع بالكفاءة وتتمتع بصلاحيات تعمل على فرض القانون، ولكن ما نجده اليوم على أرض الواقع عبارة عن قانون مطاطي حسب الأهواء والمصالح الشخصية، وهذا ما سبب نوعًا من التراخي في فرض القانون، وخلق نوعًا من عدم الثقة بين المواطن والدولة، ولهذا وهنا يسقط مفهوم الدولة.

 

الحلول ... الاستقلال الاقتصادي والإداري في اتخاذ القرار. ومن أكبر المشاكل التي يعاني منها البلد أن المال تمسك به الولايات المتحدة، والإدارة على الأرض بيد الجارة إيران، وبسبب الازدواجية في المعايير يكون الحل في تغيير عقيدة إدارة الدولة العليا، من خلال فرض منهجية تتمتع بالمصداقية، والكف عن التعامل مع المواطن على أنه غنيمة؛ فمنهم من يستثمره كوقود للحرب، وآخر يستثمره كمواد استهلاكية، والمضي في التعامل مع الجميع بمعيار واحد، بغض النظر عن التبعية، وبهذا فقط نكون قد اقتربنا فقط من إيجاد الحل.

 

الخلاصة ... إن الجميع اليوم يسير حسب ما يُملى عليه، من رأس الهرم الممثل برئيس الجمهورية إلى موظف الخدمة في هذا البلد، وبهذه العقلية لن تُبنى البلدان؛ لأن الأيديولوجيات المتغيرة قد تفضي لمفهوم يحول الوطن لفريسة تتصارع الكلاب عليه. هي سياسة فاشلة، ولو كان من يتزعم رأس الهرم نبيًا مبعوثًا من السماء، فعالم السياسة علم له قواعد وقوانين تُدرَس.. أما مفهوم الشرق الأوسط بأن تستقدم شخصيات من العدم للواجهة السياسية، فقد أثبت فشله منذ نهاية القرن الماضي.. ونصيحتي للزيدي أو أي رئيس وزراء قادم: **اقرأ التاريخ قبل أن تشرع في قبول المنصب.**

 

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

مقال

 

الوصايا العشرة للمواطن العراقي

تحت عنوان

عند وقوع الكارثة القادمة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يتصور الكثير في عالمنا اليوم أن القلم ووظيفته تنحصر في إيجاد نصوص تُكتب لغرض المتعة من خلال النصوص الأدبية، ولكن هناك وجه آخر لعمله، وهو التوعية البشرية في فترات الكوارث والحروب. ويبدو أن القرار قد أُقرَّ في مجالس السياسة الدولية لبداية فصل دموي، ولهذا كان علينا واجب أخلاقي تجاه المواطن العراقي إبان الحقبة القادمة التي بانت بوادرها في الوقت الحالي، فقد تكون تلك الوصايا كطوق نجاة في وقتها، ومنها:

 

·      لا تجعل انتماءك أقوى من إنسانيتك... حين تبدأ الحرب الأهلية، تصبح الهوية سلاحاً، ويصبح الإنسان رقماً في صفٍّ من الصفوف. تذكّر أن إنسانيتك أقدم من حزبك، وأبقى من طائفتك، وأعلى من كل راية، ولهذا يجب أن يكون انتماؤك للأرض التي تربطنا بكل ما يتعلق بالتاريخ والحاضر والمستقبل.

 

·      لا تمنح عقلك لمن يحمل السلاح... فمن يملك البندقية لا يملك بالضرورة الحقيقة. السلطة التي تدخل رأسك أخطر من الرصاصة التي تمر بجانبك، ولهذا يجب أن يكون لكل مواطن وعي قادر على صياغة قناعات تكون بمثابة نقطة انطلاق لعقيدة تُسمى الوطن.

 

·      لا تجعل الخوف عقيدة... الخوف غريزة تحمي الجسد، لكنه حين يتحول إلى طاعة عمياء يقتل العقل. لا تسمح للخائفين أن يصنعوا منك مقاتلاً في حرب لم تخترها، أو أكباشاً تُذبح كقرابين لسياسات قذرة إقليمية.

 

·      لا تقتل المختلف لأنك لا تفهمه...  الاختلاف ليس جريمة، والإنسان لا يصبح عدواً لمجرد أنه وُلد في الجهة الأخرى من الخريطة أو حمل اسماً مختلفاً، وقد قرأنا في الأثر: **«الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية»**، وبهذا لا يكون هناك مختلف بدرجة عدو.

 

·      لا تصدّق الرواية التي تحتاج إلى دم كي تثبت نفسها... الحقيقة لا تحتاج إلى جثة كي تنتصر، والعقيدة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا بالرصاص ليست قوةً في الفكر، بل عجزاً عن الإقناع. ولهذا، دورك يكون في إبعاد تلك الأفكار السوداء التي لا يمكن إثباتها إلا من خلال شلالات الدم والمجازر الأهلية.

 

·      احمِ جارك قبل أن تسأل عن هويته... في الحرب يصبح السؤال: «من أنت؟» أخطر من السؤال: «هل أنت إنسان؟». وحين يسقط هذا السؤال الأخير، يسقط الوطن معه. وهذا مستنبط من حديث رسول الله (ص): **«ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه»**، صدق رسول الله. ولهذا أرى أن هناك قدسية للجار، بغض النظر عمّن يكون.

 

·      لا تجعل الانتقام عدالة...  الانتقام هو أن تورّث جريمةً إلى إنسان لم يرتكبها، ثم تطلب منه أن يورّثها إلى آخر. وهكذا تتحول الحرب من حادثة إلى ثقافة، عندها نكون قد خرجنا من حدود الإنسانية إلى الخصيلة الحيوانية التي تفقدنا إنسانيتنا.

 

·      لا تكن وقوداً لمن يجلس بعيداً عن النار... كثيرون يشعلون الحروب ولا يدخلونها، ويطلبون من الفقراء أن يموتوا دفاعاً عن مصالح الأغنياء وأوهام السياسيين. لا تمنح حياتك لمن لا يخاطر بحياته، ولهذا لا تأخذ قرار الحرب من شخصيات بعيدة عن مشهد الحدث إذا ما وقعت، فلكل منا عقل يرشده للصواب وقتها.

 

·      تذكّر أن الحرب تنتهي على الخرائط قبل أن تنتهي في النفوس... قد تتوقف البنادق، لكن الجرح الذي يسكن الذاكرة قد يستمر عقوداً. لذلك لا تترك خلفك عدواً ينتظر جيلاً جديداً للانتقام، وبهذا نكون قد جددنا عقد الحروب من النوعية التي في الغالب لا منتصر فيها.

 

·      اجعل وطنك آخر ما تتخلى عنه... الأحزاب تتغير، والقيادات تسقط، والرايات تُستبدل، أما الوطن فلا يملك المواطن وطناً آخر كلما أخطأ السياسيون. لذلك لا تدافع عن الحزب ضد الوطن؛ دافع عن الوطن ضد كل من يحاول امتلاكه، ويكون الحفاظ على ممتلكات الوطن هو الواجب المقدس الذي يقع على عاتقك، فالإنسان هويته الأولى والأخيرة في هذا العالم: **وطنك**.

 

الخلاصة ... وإذا جاءت الكارثة، فلا تسألوا المواطن العراقي: مع من أنت؟ بل اسألوه أولاً: هل ما زلت إنساناً؟

فالحرب الأهلية لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ يوم يُقتل العقل في داخل الإنسان، ويصبح المختلف عدواً، والقاتل بطلاً، والدم دليلاً على الولاء، والوطن غنيمةً تتقاسمها البنادق.

إلى كل من يحمل سلاحاً باسم الحزب أو الطائفة أو القومية أو الدين أقول: العراق ليس ثكنةً لأحد، وليس مزرعةً لحزب، وليس كرسياً لزعيم، وليس مقبرةً لأبناء الفقراء. ومن يعتقد أن الوطن يُبنى فوق جماجم أبنائه، فليعلم أن الجماجم قد تصنع قبراً، لكنها لا تصنع وطناً.

وإلى المواطن العراقي أقول: لا تسمح لأحد أن يستأجر دمك، ولا أن يستعير عقلك، ولا أن يكتب مستقبلك بحبر البارود. إذا اشتعلت البلاد، فكن أنت رجل الإطفاء لا حطب النار، وكن عراقياً قبل أن تكون حزبياً، وإنساناً قبل أن تكون تابعاً.

فالأحزاب قد تخسر انتخابات، والقيادات قد تسقط، والرايات قد تُطوى، أما إذا سقط العراق في نفوس أبنائه، فلن تنفعنا كل الرايات التي رُفعت فوق خرائبه.

وهذه ليست وصايا للخائفين من الحرب، بل وصايا للعقلاء كي لا تتحول الحرب إلى قدر... وللعراقي كي لا يصبح الرصاصة التي يطلقها العراق على نفسه.

الأحد، 16 أغسطس 2026

مقال

 

الديانة الإبراهيمية من أساليب الاحتيال على الله

تحت عنوان

عمليات صهر الأديان

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



المعلن أنه مشروع فكري يعمل على إذابة الخلافات بين الأديان، دون التعرض للأديان كأيديولوجيات، أكثر من كونه قد يتعارض مع فكرة الدين. ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا يدركه أصحاب العقليات التي تحمل على عاتقها نظرية المؤامرة دون تعزيزها بدليل يُذكر، وما سوف نفعله هنا هو أن نجرد المصطلح من كل الدعايات التي تكون بمثابة مساحيق لوجهٍ قبيح.

 

الجذور التاريخية ... إن أخطر ما قد يكون هو أن يُوظَّف التراث، وكانت البداية من جملة «إبراهيم أبو الأنبياء» التي تداولتها البشرية قبل طرح المصطلح كنظرية، وفي هذا، كما يقال: «كلمة حق يُراد بها باطل» .

وإن هذا الاختصار يُعد عارياً عن الصحة، وذلك لأنه إذا كان هناك من يستحق هذا اللقب، فهو سيدنا آدم عليه السلام، وهو أيضًا كان نبيًا، وذلك بسبب عدم وجود دليل قطعي على أن جميع الرسل والأنبياء هم من نسل إبراهيم عليه السلام.

وأستند في قولي إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ صدق الله العظيم.

أما عن بدايات المصطلح فقد كانت من طرحٍ ظهر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث طُرحت صياغة مصطلح **«الأديان الإبراهيمية»** بالمعنى الحديث على يد المستشرق والمفكر الكاثوليكي الفرنسي **لويس ماسينيون (Louis Massignon)**، الذي عاش بين عامي 1883 و1962. وقد طُرحت الفكرة كإطار للتقارب بين المسيحيين والمسلمين واليهود حول إرث إبراهيم، وبعد ذلك انتشر المفهوم أكثر مع تشجيع الحوار بين الأديان، خصوصًا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.

 

فسّر الماء بالماء... هذا ما يعبر عنه طرح المصطلح كأيديولوجية فكرية لإذابة الخلافات. والسؤال هنا يكمن في: عن أي خلافات يتحدث المصطلح؟

هل سوف يعتنق المسلم فكرة أن المسيح يجسد الذات الإلهية على الأرض؟ أم أن يقتنع المسيحي بخاتمية نبوة النبي محمد؟ أم أن اليهود سوف يتخلون عن فكرة إقامة دولتهم المزعومة؟

هنا لن يستطيع أي عقل بشري إيجاد حلول تصهر تلك الخلافات، وعندها يكون المصطلح قد دخل حيز الاتجاه المعاكس لما يريده من له أطماع في حكم هذا العالم، وجعله بلون واحد من خلال الدين.

(المشكلة ليست بإبراهيم عليه السلام، بل بالمصطلح الذي يحمل اسمه ) مصطلح **«الدين الإبراهيمي»**، في نظر منتقديه، ليس توصيفًا محايدًا، بل إعادة صياغة للخريطة الدينية بلغة جديدة. يبدأ بكلمة، لكنه لا يتوقف عند حدود الكلمة؛ إذ يُنتقد لأنه يختزل ديانات مختلفة، بعناوين متباينة، في عنوان واحد، وكأن الفوارق الجوهرية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل وظيفة المصطلحات أن تصف الواقع أم أن تعيد تشكيله؟

وإذا كانت الديانات قد عرّفت نفسها بأسمائها وعقائدها عبر القرون، فما الحاجة إلى عنوان جديد؟ ولماذا يُراد لهذا العنوان أن يتقدم على التسميات التي اختارها أتباع كل دين لأنفسهم؟

هذا الجدل بحد ذاته يجعل المصطلح محل اعتراض عند كثير من الباحثين ورجال الدين، ليس لأنهم يرفضون الحوار، بل لأنهم يرفضون أن يتحول الحوار إلى إعادة تعريف للهويات الدينية تحت اسم جديد.

والنقد هنا موجّه إلى المصطلح كفكرة، وليس إلى إيمان الناس أو أتباع الأديان فهناك دعم موثّق فهناك دعم موثّق لمؤتمرات الحوار بين الأديان من حكومات ومنظمات دولية ومؤسسات دينية، وهذا أمر موثّق. وهذا ما يؤكد أن القول بأن المصطلح وُجد لخدمة مشروع سياسي أو مالي محدد، لا يحظى بإجماع تاريخي، ويبقى رأيًا مطروحًا من بعض النقاد أكثر من كونه حقيقة تاريخية مثبتة.

 

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾... فعندما فشلت كل محاولاتهم منذ زمن بعيد في إيجاد طريقة تجرّد الإنسان من قوته التي تكمن في إيمانه واعتقاده، قدموا هذا المشروع كنوع من الرعاية للإنسانية وحل خلافاتها، متناسين أن الأديان مناهج سماوية لا يمكن المساس بها، لا شكلًا ولا مضمونًا.

فكان الأحرى بهم أن يعززوا مشاريع إنسانية مستنبطة من الوعي الديني بمختلف صوره، بدل المضي في التحايل على الذات الإلهية، وهدفهم السعي إلى إلغاء دور الرب على الأرض.

ولكن ما لا يعلمه هؤلاء المغفلون أن مثلما لهم مفكرون يلهمهم الشيطان، هناك في الطرف الآخر رجال لله لا يعلمهم إلا هو، يفضحون تلك الأساليب، ويحذرون الناس من الابتعاد عن المناهج السماوية التي تتمثل في شكل الدين.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يبحث الإنسان عن السلام، ولا في أن يحاول أن يجد مساحة مشتركة بين المختلفين، فهذه حاجة إنسانية لا يمكن لعاقل أن يرفضها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول البحث عن السلام إلى محاولة لإعادة صناعة الإنسان من خلال تجريد إيمانه من خصوصيته، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون إنسانًا إلا بعد أن يتخلى عن الدين الذي شكّل وعيه ووجدانه.

فالإنسان لم يكن يومًا مجرد كائن يحتاج إلى قوانين تنظم حياته، وإنما هو كائن يبحث عن معنى وجوده، وعن مصدر أخلاقه، وعن الغاية التي جاء من أجلها إلى هذا العالم. ولهذا كان الدين بالنسبة إلى المؤمن ليس قطعة من التراث يمكن إعادة تشكيلها متى شاءت المشاريع الفكرية، وإنما هو علاقة بين الإنسان وربه، وعندما تتدخل المشاريع البشرية في هذه العلاقة لتعيد رسم حدودها، فإنها لا تعيد ترتيب الأفكار فقط، بل تحاول إعادة تعريف الإنسان نفسه.

وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل نريد إنسانًا متعايشًا مع اختلافه، أم نريد إنسانًا متشابهًا بعد أن نزيل من داخله كل ما يميزه؟

فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى إنسان يفهم دينه دون أن يحوّل اختلافه إلى سلاح ضد الآخر. والتعايش لا يحتاج إلى صهر العقائد، لأن التعايش في جوهره اعتراف بالاختلاف لا إلغاء له. أما أن نقول للإنسان: اترك خصوصيتك الدينية جانبًا حتى نصل إلى إنسانية مشتركة، فهذه ليست إنسانية كاملة، بل محاولة لصناعة إنسان منزوع الجذور.

والأخطر من ذلك أن تتحول كلمة «الإنسانية» إلى غطاء يسمح بإعادة صياغة كل شيء؛ فحين تصبح الإنسانية مبررًا لتغيير العقيدة، والسلام مبررًا لإلغاء الاختلاف، والحوار مبررًا لإعادة تعريف الأديان، فإننا لم نعد أمام مشروع للتقارب، وإنما أمام فلسفة جديدة تريد أن تجعل الإنسان هو المرجعية الأخيرة في كل شيء.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مصطلح «الدين الإبراهيمي» نفسه: من أعطى الإنسان الحق في أن يعيد ترتيب ما يؤمن بأنه صادر عن الله؟ ومن أين جاءت الجرأة على أن يتحول الإنسان من متلقٍ للرسالة إلى مهندس لها؟ وهل يستطيع العقل البشري المحدود أن يعيد صياغة ما يؤمن أتباع الأديان بأنه صادر عن عقل مطلق؟

إنني لا أخشى الحوار بين الأديان، ولا أخشى اختلافها، ولا أخشى أن يجلس المؤمن إلى جانب المؤمن المختلف عنه؛ الذي أخشاه هو أن يتحول الحوار من وسيلة لفهم الآخر إلى أداة لإعادة تشكيله، وأن يتحول السلام من فضيلة إلى ذريعة، وأن تتحول الإنسانية من قيمة نبيلة إلى مشروع يمحو من الإنسان علاقته بخالقه.

فالدين الذي يحتاج إلى من يعيد اختراعه ليس دينًا، والعقيدة التي تحتاج إلى مهندس بشري حتى تصبح مقبولة ليست عقيدة، والإنسان الذي لا يستطيع أن يتعايش مع المختلف إلا بعد أن يجرده من خصوصيته لم يتعلم التعايش بعد.

ولهذا فإن الدفاع عن الدين لا يعني إغلاق أبواب الحوار، وإنما يعني أن يبقى الحوار حوارًا، وأن يبقى الدين دينًا، وأن يبقى الإنسان إنسانًا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الأديان، وإنما أن يأتي من يريد أن يصنع دينًا جديدًا من بقايا الأديان، ثم يطلب من الجميع أن يسموه **إنسانية**.

 

الخلاصة ... لا أرى في مصطلح «الديانة الإبراهيمية» انتصارًا للدين، بل أراه ــ في صورته التي تُقدَّم بوصفها مشروعًا لصهر العقائد ــ محاولة لتجميل فكرة لا تستطيع أن تواجه حقيقتها بوجهٍ مكشوف. فحين تعجز الفكرة عن إقناع الناس بمنطقها، تبحث عن اسمٍ ناعم، وحين يصبح الاسم غير كافٍ، تُغرقه بالدعاية، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا للمشروع قبل أن يسألوا: ماذا يريد منا هذا المشروع؟

أيها المروّجون لهذا المصطلح، لا تجعلوا من اسم إبراهيم عليه السلام جسرًا تعبرون فوقه إلى إعادة صياغة عقائد الناس؛ فإبراهيم ليس ملكية فكرية لأحد، وليس شماعة تُعلَّق عليها مشاريع السياسة والفكر. إن كنتم تريدون الحوار، فالحوار لا يحتاج إلى اختراع دين جديد، وإن كنتم تريدون التعايش، فالتعايش لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف، وإن كنتم تريدون السلام، فالسلام لا يبدأ بإعادة تعريف عقيدة الإنسان.

أما أن تضعوا الأديان المختلفة في قالب واحد، ثم تطلبوا منا أن نصدق أنكم لم تغيّروا شيئًا، فهذه ليست براعة فكرية، بل محاولة لإقناع الإنسان بأن ما يراه بعينيه ليس هو ما يحدث أمامه.

إن أخطر عمليات الصهر لا تبدأ بإحراق الكتب، بل بإعادة تسمية الأفكار؛ لأنك عندما تغيّر الاسم، تبدأ بتغيير المعنى، وعندما تغيّر المعنى، يصبح تغيير الموقف مجرد خطوة لاحقة.

ولهذا سأبقى أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: احترموا الأديان إن كنتم تريدون احترام الإنسان، وحاوروا العقائد إن كنتم تريدون الحوار، لكن لا تصنعوا من اختلاف البشر دينًا هجينًا ثم تطلبوا منا أن نسمّيه سلامًا.

فالإيمان ليس مادة خامًا في مختبر سياسي، والعقيدة ليست مشروعًا تجريبيًا، وإبراهيم عليه السلام ليس بوابةً خلفيةً لتمرير مشروع لا يستطيع أن يعلن عن نفسه باسمه الحقيقي.

ومن يريد أن يوحّد البشر، فليبدأ بتعليمهم كيف يتعايشون مع اختلافهم، لا كيف يتخلون عنه.

مقال

    المشاهير في التواصل الاجتماعي وظاهرة التسول تحت عنوان سرطان اجتماعي بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين الشهرة والشهيرة ، وهن...