تاريخ الفكر المنحرف
تحت عنوان
الرد الساحق
بقلم البارون الأخير / محمود
صلاح الدين
عندما توصف بالفكر المنحرف، يجب أن يكون لك تاريخ يشهد
لك، وكما يقول المثل: «إذا ما كذبت، أبعد شهودك». والحمد لله، شهودي، ربي يعطيهم
الصحة والعافية، ليسكت فئران العجوز الخرف. فاليوم، لأن أتحدث عن أحد في هذه
السطور، وما أثير على مواقع التواصل لن يكون أكثر من حكاية تلك الذبابة التي حطّت
على ظهر الفيل، وعندما همّت بالرحيل قالت له: احذر، فإنني مغادرة. فابتسم وقتها
وقال للذبابة: أنا لم أشعر بك عند حطّك على ظهري، فتريدين الآن أن أشعر بك وأنت
تغادرين؟ وهذا يعبّر عن سذاجة الفكر في الرد الفكري إذا ما امتلكوه من الأصل.
البدايات... تسعينيات القرن الماضي حيث لم يكن أحد من الفئران متواجدًا على الساحة الثقافية
وفي كلية الآداب، والعمل مع شخص كان السبب في محبتي للكتب والقراءة، وهو أستاذ
الأدب الإنكليزي (حسين حمه رحيم)، فكل الفضل يعود له بعد الله في صناعة إمبراطورية
البارون اليوم، وكلمته المأثورة ما زالت في أذني: «إذا كنت تريد الكتابة، فاقرأ».
وكانت الانطلاقة من صرح أكاديمي يحلم الكثير بالانتماء
له، فكان أول نص شعري يُنشر لي بعنوان (زنزانة) في جريدة الحدباء سنة (1993).
وبينما كان الكثير من الناس منشغلين في كتابة التقارير لكسر رقاب الناس، وكتابة
تلك التقارير لا تُعتبر تاريخًا مشرفًا لمن يريد أن يكون واجهة ثقافية اليوم.
أول كتاب قرأته... شاء القدر في ذلك الوقت أن يكون أول كتاب قرأته في
المرحلة المتوسطة يتناول قراءة نقدية لمذهب العجوز الخرف، وهو كتاب بعنوان (مذهب
ذوي العاهات) للكاتب الكبير العقاد. والسؤال هنا: من يكون صاحب العاهات الفكرية
الآن؟
ومنذ ذلك الوقت ولغاية كتابة هذا المقال، ما زلت أقرأ
ومستمرًا بالقراءة، فكل من كتب منذ فجر الكتابة أعرفهم، من شعراء ومفكرين، عربًا
كانوا أو غيرهم، وهذا ما أكسبني القدرة على مجاراة من يدّعون الثقافة.
قل لي من تصاحب، أقول لك من تكون... عندما تعمل في صرح بثقل كلية الآداب، فمن الطبيعي أن
تصاحب عمالقة الفكر والأدب والتاريخ والاجتماع واللغات، وهذا ما يضيف لقدراتي
الكتابية الكثير. فإن لم أعرف أحدًا أقل مني مستوى، فإنني تلميذ لكل من صاحبتهم،
وهم من هم: مفكرون وأدباء وأكاديميون وعلماء في العلوم الإنسانية، ولم أرَ فيهم ما
يعيب.
فمصاحبتي لشخوص بحد ذاتها لاكتساب معرفة ثقافية، فإنني
أكره الأغبياء والمغفولين والذين ينتهجون منهج التطبيل ليقوم آخر بتلميعهم.
أول من كتب عني... الدكتور (علي العبيدي)، أستاذ اللغة العربية في مركز
دراسات الموصل، وكانت قراءة أكاديمية بحتة لنص شعري بعنوان (البالونات)، والتي
تحدثت عن ظاهرة الأواني الفارغة التي تملأ الأوساط الأدبية، وكانت أيضًا في وقت لم
يكن العجوز الخرف وفئرانه، كما يقال عند العامة: «لا بالبطن ولا بالظهر».
وهذا ما يؤكد المنطلق الذي يكتبون به، وهو أنهم العاجزون
عن مجاراة الإبداع، فيذهبون لانتهاج التسقيط الممنهج وتأييد من يطمحون لكسب رضى
المقهى ورواده البائسين.
ماذا كتبت وسوف أكتب... فالعادة أن يكون المثقف الحقيقي مدركًا للشخصية التي
أمامه وإنجازاتها. فعندما أقرأ للعظماء، لا أستطيع بخس نتاجهم الأدبي والفكري،
لأنني لو فعلت هذا أكون قد وضعت نفسي في خانة الأحمق. وهذا لا يعني أنهم لا
يخطئون، والرد عليهم يكون بحجة وبرهان عقلي وفكري لا يقبل الشك.
أما عن صرير الفئران، فتلك جعجعة فارغة، مثلها عندما
تكون لا تملك النور في طريق مظلم، فيكون ردك لا يتجاوز الارتطام بالجدران، لا
أكثر.
فلي مئات المقالات والنصوص الشعرية والقصص والمسرحيات،
أكون في موضع لا يمكن أن أوصف بأوصاف شخص ينقم عليّ لأنني فقط قمت بعكس صورته
القبيحة.
إنجازاتي... من أعظم إنجازاتي، والتي أفتخر بها، مجلة ثقافية لها من
الصدى ما يشهد له العدو قبل الصديق، والتاريخ يشهد أن ليس هناك مشروع ثقافي مستمر
إلى غاية يومنا هذا غير مجلة زهرة البارون، وهي تدخل عامها الحادي عشر. جمعت فيها
صفوة الثقافة والمجتمع، وكان عددها الأول إبان ما كانت تعيش المدينة معاناة
الاحتلال من القوة الظلامية، وكانت هذه ردًا على كل ما كان في ذلك الوقت.
الخلاصة ... وفي النهاية، هناك فرق كبير بين من يصنع تاريخه بالقلم،
ومن يحاول صناعة تاريخه بتسقيط الآخرين. فالثقافة ليست مقهى يجتمع فيه بعض
المتطفلين ليتبادلوا التصفيق، وليست منشورًا على مواقع التواصل يرفع شخصًا ويهدم
آخر، وليست مجموعة من الفئران تصرخ من خلف العجوز الخرف كلما عجزت عن مواجهة
الحقيقة.
أنا لا أحتاج إلى أن أسقط أحدًا كي أثبت أنني موجود؛ لأن
سنوات الكتابة والقراءة، وما تركته من مقالات ونصوص وقصص ومسرحيات، ومشروع ثقافي
استمر لسنوات، هي التي تتحدث عني. أما الذين لا يملكون في رصيدهم سوى التسقيط،
فمشكلتهم ليست معي، بل مع عجزهم عن صناعة شيء يجعل الناس تتحدث عنهم.
والفرق بيني وبين دعاة الثقافة الذين يتخذون من التسقيط
وسيلة للظهور، أنني دخلت ميدان الثقافة من باب الكتاب والقراءة والعمل والمشروع،
بينما دخلوا هم من باب الضجيج والاصطفاف وتلميع بعضهم لبعض. أنا أختلف مع الكاتب
فأناقش فكرته، أما هم فيختلفون مع الشخص فيبحثون عن طريقة لإسقاطه؛ وهذه وحدها
تكشف الفارق بين ثقافة تقوم على الفكر، وثقافة تقوم على الأحقاد الصغيرة.
أما فئران العجوز الخرف، فلتواصل صريرها كما تشاء،
فالفيل لا ينزل من مكانه ليطارد ذبابة، والمكتبة لا تغلق أبوابها لأن فأرًا قرر أن
يعلن نفسه ناقدًا لها.
لقد تعودت أن أجيب بالقلم، لأن القلم الذي أمضى عقودًا
في القراءة والكتابة لا تهزه حفنة من الأصوات التي لا تملك إلا الصدى. وسيبقى
التاريخ هو الحكم الأخير؛ فهناك من يترك وراءه كتبًا ومقالات ومشاريع ثقافية،
وهناك من لا يترك وراءه إلا ضجيجًا سرعان ما تأكله الأيام.
لهذا أقولها بلا مواربة: **أسقطوني إن استطعتم، ولكن
أسقطوا أولًا ما كتبته، وما أنجزته، وما تركته في المشهد الثقافي؛ لأن إسقاط رجلٍ
أسهل بكثير من إسقاط تاريخٍ كاملٍ صنعه بقلمه.**




