الإنجيليون الجدد والحروب الافتراضية
تحت عنوان
الامتداد التاريخي لجرذان فرسان الهيكل
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
يظن الكثير اليوم أن الحروب الصليبية قد انتهت،
ولكن للحقيقة وجهًا آخر قد يكون صادمًا إلى حدٍّ كبير، أكبر من تصوراتكم. وها نحن
نعيش اليوم الحروب الافتراضية، وكأننا في لعبة بلايستيشن. ومن الطبيعي أن يكون
لهذه الحروب شخصياتها وأهدافها.
وقد يرى البعض أن الجانب الآخر من الكرة الأرضية
لا يقرأ التاريخ، ولكن هذه رؤية قاصرة للموضوع؛ فهم أكثر قراءةً منا نحن لتاريخنا،
والغرض من ذلك تطوير أساليب التعامل مع العرب والمسلمين في المنطقة. وعند قراءتهم
للتاريخ وجدوا أن الحقبة الأخطر عليهم في تاريخ الإسلام هي حقبة حكم العرب. وكما
ذكرتُ فيما سبق، فإن حكم العرب امتد من عهد رسولنا الكريم محمد (ص) إلى وفاة هارون
الرشيد، ولهذا كان لا بد من إيجاد سبل تمنع وصول العرب إلى الحكم مرةً ثانية.
وعند فشلهم في السيطرة على المنطقة من خلال
الاستعمار المباشر، كان لا بد من إيجاد طريقة أخرى لتركيع العرب والهيمنة على
المنطقة وثرواتها. فكانت هناك فكرة قديمة تجسدت في (جرذان فرسان الهيكل) ، ثم جرى
تطويرها أو تغيير مسمياتها ووسائل طرحها بشكل آخر، فظهرت فكرة (الإنجيليين الجدد) .
وعلى الرغم من أن معظم المصادر التاريخية تفند
فكرة الربط بينهما، فإن هناك تشابهًا عميقًا بين أهداف كلٍّ منهما، ومن أهم تلك
الأهداف:
* فرض المسيحية دينًا على المجتمعات.
* السيطرة على الأراضي المقدسة لتأمين طريق الحج
للمسيحيين.
ولتنفيذ تلك الأجندة، كان لا بد من تجديد
المناهج المعمول بها لتحقيق تلك الأهداف، وهنا سوف نستعرض تلك المناهج.
إن المتتبع لمسار الصراعات الدولية يكتشف أن
أدوات الصراع لم تعد ثابتة، بل تتغير بتغير الزمن، بينما تبقى المصالح الكبرى هي
المحرك الأساس لكثير من السياسات الدولية. فبعد أن كانت الجيوش والأساطيل هي لغة
الهيمنة، أصبحت العقوبات الاقتصادية، والحروب الإعلامية، والصراعات بالوكالة،
والتأثير الثقافي، وإدارة الأزمات أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة. وهذا ما يدفع
كثيرًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن أشكال الصراع تبدلت، أما جوهر التنافس على
النفوذ والثروة والموقع الجغرافي فما زال حاضرًا، وإن ارتدى ثوبًا أكثر حداثة.
إن التاريخ يعلمنا أن الأفكار لا تموت بموت
أصحابها، بل تتبدل أسماؤها وتتغير أدواتها كلما اقتضت الحاجة. فكم من مشروع انتهى
شكله وبقي مضمونه، وكم من تنظيم اختفى من صفحات التاريخ ليعود بثوب جديد يناسب
عصرًا جديدًا. ولهذا فإن دراسة التشابه بين المشاريع الفكرية والسياسية لا تعني
بالضرورة إثبات وجود امتداد تنظيمي مباشر، وإنما تعني أن المصالح الكبرى كثيرًا ما
تعيد إنتاج الوسائل التي أثبتت فاعليتها، ولو تحت عناوين مختلفة. ومن هنا يصبح
السؤال الحقيقي: هل تغيرت أهداف الصراع، أم أن الذي تغير هو اللغة التي يُدار بها
هذا الصراع؟
استنزاف ثروات العرب... ونحن نعيش اليوم هيمنة
المال على العالم، فمن الطبيعي أن يفكر هؤلاء في منع جميع الدول العربية
والإسلامية من امتلاك ثروات تتيح لها امتلاك القوة. فكانت فكرة الحروب الافتراضية
في مناطق العرب، بما يضمن وجودهم ويفرض عليهم ما يعرف بالعامية (الخاوة) ، وهي
المبالغ المالية التي يفرضها القوي على الضعيف بحجة حمايته. وهذا، بحسب هذا الطرح،
هو السيناريو الذي رسمه ما يعرف بالإنجيليين الجدد.
إن الثروة في عالم السياسة ليست مجرد أرقام تودع
في المصارف، وإنما هي قدرة على اتخاذ القرار المستقل. ولذلك فإن إنهاك الاقتصادات،
واستنزاف الميزانيات، وإشغال الدول بسباقات التسلح وإعادة الإعمار، يعد من أكثر
الوسائل فاعلية في إضعاف أي أمة دون الحاجة إلى احتلالها عسكريًا. فالدولة التي
تنفق مواردها على معالجة الأزمات المتكررة لن تجد ما يكفي لبناء الإنسان أو تطوير
العلم أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهنا تتحول التبعية إلى واقع يفرض نفسه مهما كانت
الشعارات المرفوعة.
إيران ودور جاسوس المنطقة... (الخاصرة الرخوة) لكل
هيكل أو نظام في هذا العالم نقاط ضعف يمكن من خلالها الدخول لتفتيت أي منظومة.
وهذا لا يعني أنني أشكك في إيمانهم، لا سمح الله، ولكن عند قراءتهم لتاريخ إيران
وجدوا ما يعرف بحلم الإمبراطورية الفارسية التي هشمتها سيوف الإسلام. فكانت فكرة
اللعب على مسألة الحقد على العرب من خلال بث فكرة، في عقول العجم بشكل عام، مفادها
أن الإسلام دين العرب. وهذا صحيح؛ فالعرب هم حملة الدين الإسلامي ورواده على مر
العصور، ولهذا كان لا بد من تغذية فكرة العداوة للعرب والعمل على نخر جسد الإسلام
من الداخل، فلم يجدوا أصلح من النظام الإيراني للعب هذا الدور.
إسرائيل ودور مسمار جحا... وبالعودة إلى
قراءاتهم لتاريخنا، استخدموا مفهومًا لم يخطر على بال الشيطان نفسه، مستوحى من
تراثنا العظيم، وهي حكاية ذلك المسمار الذي تركه جحا في منزله ليصبح الحجة التي
يدخل بها إلى منزله للاطمئنان عليه بين حين وآخر.
ولهذا كانت فكرة قيام دولة إسرائيل في المنطقة
العربية، من خلال بعض الروايات المختلقة التي تبناها بعض المفكرين الذين جندوا كل
شيء من أجل الانتصار على العرب والمسلمين.
وقد تكون فكرة أن هذا الكيان مهم جدًا للذين
يديرون المشهد العالمي فكرةً ساذجة إلى حدٍّ كبير؛ فبالعودة إلى كتابات العالم
الغربي نجد أن الشخصية اليهودية، عند معظم المفكرين وأصحاب الأقلام، لا تحظى
بالاحترام، بل على العكس، تُعد في كثير من أدبياتهم شخصية منبوذة ومرفوضة
اجتماعيًا، وهو ما يؤكد، بحسب هذا التصور، أن الموضوع برمته لا يتعدى أن يكون
رواية **مسمار جحا**.
الحرب الافتراضية... إن حروب الخليج الأولى
والثانية والثالثة، وما سوف يأتي بعدها، كلها - وفق هذا الطرح - فعاليات وهمية لا
تتعدى أن تكون لعبة للكبار فقط. ومثلما أن هناك ضحايا يقدمون بمثابة قرابين، فإن
العرب ودينهم هما الغاية والهدف.
فكل النزاعات التي تشهدها المنطقة تصب، وفق هذه
الرؤية، في الاتجاه نفسه. وهناك من يقول إن هناك اتفاقًا بين الجهات المتحاربة،
وهذا - من وجهة نظري - غير صحيح، لأن الطرف الأقوى في القتال يتبنى مفهوم **صناعة
العدو**.
ومن أهم النتائج التي يرمون إلى تحقيقها:
* استنزاف دول الخليج العربي.
* الهيمنة على المنطقة لأطول وقت ممكن.
* بناء قواعد عسكرية قريبة من المعسكر الشرقي.
الخلاصة ... قد يختلف معي الكثيرون، وقد يرفض
آخرون هذه القراءة جملةً وتفصيلًا، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن أصحاب
العقول لا يكتفون بالنظر إلى ما يحدث، بل يبحثون دائمًا عن سبب حدوثه. فالأحداث
الكبرى لا تُقرأ بعينٍ ترى الدخان فقط، وإنما بعقلٍ يبحث عن النار التي أشعلته.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس أن تُهزم في
معركة، بل أن تُمنع من طرح الأسئلة، وأن تُقنع بأن كل ما يجري حولها مجرد مصادفات
متفرقة لا يجمعها خيط. أما أصحاب البصائر، فإنهم يدركون أن التاريخ لا يكرر نفسه
بالحروف، وإنما يعيد إنتاج أنماطه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة وأدوات أكثر دهاءً.
ولهذا، فإن الأمر برمته يبدو ــ في نظر من يقرأ
الوقائع بعقلٍ ناقد ــ أوضح مما يتخيله الكثيرون؛ فليست كل الحقائق تُخفى، وإنما
بعضها يختبئ خلف ضجيج الأحداث، ولا يراها إلا من اعتاد أن يقرأ ما بين السطور، لا
السطور وحدها.




