الموصل وظاهرة زواج المتعة
تحت عنوان
شعار (الذي ما
يتعدل يتبدل)
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
للتنويه: الموضوع ليس له علاقة بمذهب أو معتقد، ولكن
بسلوك منحرف.
شعار ترفعه جماعة النسوية التي أطلقت عليهن (الشمانات)،
المستخلص من كلمة (شامان)، وهو الاسم الذي يُطلق على رجال الدين الوثنيين في شرق
آسيا قبل الإسلام.
في الآونة الأخيرة كثرت ظاهرة كانت تُعتبر معيبة في
الأعراف والتقاليد الموصلية، وهي أن تتزوج المرأة لأكثر من مرتين أو ثلاث، والغريب
أن تلك النسوة قد خرجن من عباءة العيب والحرام. وهنا سنبين الأسباب التي بموجبها
يكون هذا الفعل غير أخلاقي وشاذ، وهنا لا أُحرّم ما حلل الله، ولكن سوف نوضح كيف
يُبوَّب الباطل بالحق.
إسقاط قدسية منظومة الزواج ... عندما خلق الله هذا العالم، وضع له قوانين أخلاقية جاءت
على لسان الأنبياء والرسل، ومنها تنظيم العلاقات البشرية، ومنها العائلة. وإن من
أساسيات تنظيم العائلة هي قضية الزواج، وهي القاعدة الأولى السماوية لمسألة
التقويم البشري، ولكن يبدو أن هناك جماعات تسعى لمحاربة الله من خلال الدعوة
للخروج عن إرادته، والعياذ بالله، وهذا من خلال إطلاق مقولات وشعارات مظاهرها
براقة، ودخلها سمٌّ يراد به قتل القدرة على فعل الصواب من خلال التمسك بتلك
الشعارات. فعدم احترام قدسية الزواج والاستخفاف بالعلاقة يساهم في المضي في إسقاط
منظومة الزواج.
ثوب العفة والحياء ... وهنا أود الاستشهاد بأفعال الرعيل الأول من الإسلام،
فكانت هناك امرأة تزوجت من رجل، وبعد فترة استُشهد في الجهاد رحمه الله، وبعدها
طلبت أمه منها الزواج، ولكن كانت الإجابة بالرفض. وعند إلحاح الأم لمعرفة سبب
رفضها، علمت أنها ما زالت بكرًا، عندها طلبت الأم منها الزواج، فقالت كلمتها
المأثورة: «وحيٌّ لم أفضحه وهو
حيٌّ أفعلها، وهو قد مات لا والله لا أفعلها».
والسؤال هنا: أين نساؤنا اليوم من هذا الأمر؟
ومحاكمنا تعج بالقضايا المعيبة اليوم، التي يخجل القلم
من توثيقها، لما تشمل من قباحة أخلاقية بعيدة عن الدين والأخلاق، وإن تعدد الزيجات
للمرأة، ولو كان بإطار شرعي، يساهم في خلع ثوب الحياء والعفة عنها، وهذه حقيقة لا
يستطيع أحد نكرانها. ولهذا تظهر علينا اليوم نماذج في حياتنا اليومية أو من خلال
مواقع التواصل، تدعو إلى تلك الشعارات التي تهدد أيديولوجيات بناء النسيج العائلي
والاجتماعي.
كلمة حق يراد بها باطل ... وهنا، إذا ما سألتَهن، يجبن بشيء مفاده: **«العذر هنا
يكون أقبح من الذنب»**، وهي أنها تفعل هذا كي لا تقع بالحرام، وكأنه لم تكن لها
عائلة أو لم تكن محصنة.
ولكن هنا يكون الأمر فيه مسألة تعوّد، فالمرأة التي
تتعدد دخولها إلى المحاكم لأكثر من مرة تكون قد بررت لنفسها فعل أي شيء تراه هي
أنه الصواب. فعندما تصل المرأة إلى قناعة أن الرجل من الممكن استبداله، تكون هناك
مشكلة كبيرة لا يمكن السكوت عنها، فالحق لا يكون في موضع الباطل، وإذا حدث يكون
علينا تصحيح البوصلة العقلية، ولو من خلال كلمة، لأنه قد يدخل الأمر برمته في
القضية العقائدية.
هو زواج متعة ... هذه حقيقة، حتى ولو كان بأطر شرعية وقانونية، فالمسألة
هنا لا تكون بتحديد مدة الزواج، ولكن بقناعات أن الرباط يحظى بالقدسية، وأن المرأة
التي لا تؤمن بهذا دخلت في مقارنة مع شخصية (المومس)، نعم هي كذلك، بل قد تكون هي
النموذج الأسوأ من ناحية الآثار التي قد تساهم في هدم العادات والتقاليد والأصول،
وهو سلوك لم تعرفه المدينة من قبل.
عندما يتحول الزواج إلى محطة عابرة ... المشكلة ليست في أن تتزوج المرأة مرة ثانية أو ثالثة،
فالحياة الزوجية قد تفشل، والإنسان قد يخطئ في الاختيار، وقد تكون هناك أسباب
قاهرة تجعل استمرار الزواج أمرًا مستحيلًا، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. ولكن الخطورة
تبدأ عندما يتحول الزواج من رابطة لها مسؤوليتها الاجتماعية والإنسانية إلى محطة
عابرة، يدخلها الإنسان ويخرج منها وكأن الأمر لا يتجاوز تغيير عنوان في سجل
الأحوال الشخصية.
فالأسرة ليست عقدًا ينتهي بانتهاء المشاعر، وليست علاقة
تُقاس بمقدار ما يقدمه أحد الطرفين للآخر، وإنما هي بناء اجتماعي كامل، وأي اهتزاز
متكرر في هذا البناء لا يتوقف أثره عند الزوج والزوجة، بل يمتد إلى الأبناء، وإلى
طريقة تفكيرهم، وإلى علاقتهم بالمجتمع، وإلى مفهومهم عن الاستقرار والمسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تصبح فكرة
الاستبدال أمرًا طبيعيًا؛ فإذا لم يعجبني هذا أبحث عن غيره، وإذا اختلفنا أنهي
العلاقة، وإذا ظهرت مشكلة أبحث عن البديل بدل أن أبحث عن الحل. وعندما تصبح هذه
الثقافة قاعدة، فإننا لا نهدم بيتًا واحدًا، بل نبدأ بهدم فكرة البيت نفسها وليس
من المنطق أن نحمّل المرأة وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، فالرجل أيضًا شريك في صناعة
هذه الثقافة، والخلل عندما يتحول الزواج إلى علاقة استهلاكية يكون مسؤولية
الطرفين، بل مسؤولية منظومة اجتماعية كاملة بدأت تتعامل مع الزواج باعتباره شأنًا
شخصيًا منفصلًا عن نتائجه الاجتماعية.
فالطفل الذي يرى والديه يدخلان في علاقات متكررة
وينفصلان بصورة متكررة قد لا يفهم معنى الاستقرار كما فهمته الأجيال السابقة، وقد
ينشأ وهو يحمل في داخله قناعة أن العلاقات الإنسانية مؤقتة، وأن الانفصال هو الحل
الأول عند أول اختلاف. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأن المجتمع الذي يفقد أبناءه
الإيمان بمعنى الأسرة، يفقد تدريجيًا واحدة من أهم ركائز تماسكه.
نحن لا ندعو إلى إجبار إنسان على البقاء في زواج فاشل،
ولا ندافع عن الظلم داخل الأسرة، ولا نقول إن الطلاق جريمة، فالطلاق قد يكون في
بعض الحالات مخرجًا لا بد منه. لكننا نتحدث عن شيء مختلف تمامًا: عن تحويل الزواج
إلى تجربة قابلة للتكرار بلا حساب لعواقبها، وعن صناعة ثقافة تجعل الانفصال أسهل
من الصبر، والاستبدال أسهل من الإصلاح، والهروب أسهل من مواجهة المسؤولية.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: إلى أين نذهب بهذه الأسرة؟
فإذا أصبح الرجل والمرأة ينظران إلى بعضهما بوصفهما
مشروعًا قابلًا للاستبدال، وإذا أصبح الزواج مجرد تجربة يمكن إنهاؤها كلما تغير
المزاج، فمن الذي سيدفع الثمن؟
سيدفع الثمن الأبناء أولًا، ثم الأسرة، ثم المجتمع
بأكمله.
إن المجتمعات لا تنهار في يوم واحد، وإنما تبدأ
بالانهيار عندما تفقد الأشياء الكبيرة معناها؛ عندما يصبح الأب أبًا بالاسم فقط،
والأم أمًا بالاسم فقط، والزوج زوجًا إلى إشعار آخر، والزوجة زوجة ما دامت العلاقة
تحقق لها ما تريد وهنا لا تعود القضية قضية امرأة تزوجت أكثر من مرة، ولا قضية رجل
تزوج أكثر من مرة، وإنما تصبح القضية قضية **ثقافة اجتماعية كاملة** تعيد تعريف
الالتزام، وتعيد تعريف الأسرة، وتعيد تعريف المسؤولية وعندما يُعاد تعريف كل شيء
وفق مبدأ: «إذا لم يعجبك فاستبدله»، فلا تستغربوا عندما يأتي يوم يصبح فيه الإنسان
نفسه مجرد سلعة في سوق العلاقات وهذه هي المصيبة التي يجب أن نتوقف عندها قبل أن
نبحث عن الأسماء، وقبل أن نوزع الاتهامات، وقبل أن نختبئ خلف الشعارات؛ لأن
المجتمع الذي لا يحمي قيمة الأسرة، ولا يربي أبناءه على معنى الالتزام، سيكتشف
متأخرًا أن ما كان يظنه حرية شخصية قد تحول إلى أزمة اجتماعية يدفع ثمنها الجميع.
الخلاصة ... ليس كل ما يرفع تحت عنوان الحرية يستحق أن
يسمى حرية، وليس كل شعار يلمع في مواقع التواصل يحمل في داخله قيمة أو أخلاقًا.
فهناك شعارات تبدأ بكلمة براقة وتنتهي بهدم معنى الأسرة، وهناك من يحاول أن يبيع
الفوضى على أنها تحرر، والانفلات على أنه حق، والتخلي عن المسؤولية على أنه انتصار
للذات.
نحن لا نخاف من المرأة الواعية، ولا من الإنسان الذي
يطالب بحقه، ولا من الطلاق حين يصبح الحل الأخير، وإنما نخاف من صناعة جيل يُقنع
نفسه بأن العلاقات الإنسانية مجرد أبواب متجاورة، كلما أغلق باب فتح آخر، وكلما
فشل في علاقة بحث عن بديل، ثم يخرج علينا من يصف ذلك كله بأنه تطور اجتماعي!
أي تطور هذا الذي يجعل الأسرة أضعف، والأبناء أكثر
ضياعًا، والالتزام كلمة قديمة، والوفاء تهمة، والصبر سذاجة، والاستبدال هو الحل
الجاهز؟
كفى عبثًا بالعقول!
فالمجتمع الذي يسمح لهذه الشعارات أن تتحول إلى ثقافة
عامة، ثم يقف متفرجًا وهو يرى منظومة الأسرة تتآكل أمامه، لا يحق له غدًا أن يسأل:
لماذا ضاعت القيم؟ ولماذا أصبح الأبناء أكثر تمردًا على فكرة الأسرة؟ ولماذا تحولت
العلاقات الإنسانية إلى سوق مفتوح للبدائل؟
أنتم لا تهدمون جدارًا واحدًا، بل تحاولون هدم فكرة
البيت من أساسها، وحين يسقط البيت لا يسقط فوق صاحبه وحده، وإنما يسقط فوق
الأبناء، وفوق المجتمع، وفوق مستقبل الأجيال.
فمن أراد أن يصفق لهذه الشعارات فليصفق، ومن أراد أن
يسمي الانفلات حرية فليسمّه ما يشاء، أما نحن فسنبقى نقولها بوضوح: الحرية التي لا
يرافقها وعي تصبح فوضى، والحقوق التي تُفصل عن المسؤولية تتحول إلى أنانية،
والشعارات التي تُستخدم لهدم الأسرة ليست مشروعًا للتحرر، وإنما مشروع آخر لتفكيك
المجتمع.
وهنا تنتهي المجاملة، ويسقط القناع، وتبقى الحقيقة وحدها
واقفة أمام الجميع: إما أن نحمي معنى الأسرة قبل أن يصبح مجرد ذكرى، وإما أن
نستيقظ ذات يوم فلا نجد في مجتمعنا إلا أفرادًا يعيشون تحت سقف واحد، ولكن لا يعرف
أحد منهم معنى أن يكون أسرة.


