بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

مقال

 

 أزمة أسعار مولدات الكهرباء

تحت عنوان

القصة الكاملة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



إذا ما أردنا تشبيهًا ضمنيًا لآليات الحكم في العراق على الصعيدين الفيدرالي والمحلي، يجب علينا إعادة مشاهدة عمل سينمائي من بطولة السيدة الكبيرة (فيروز)، بعنوان (بياع الخواتم)، وشخصية مختار المخاتير الذي يجسد دوره الفنان الرائد (نصري شمس الدين)، حيث كانت الشخصية تمثل السلطة في البلدة، ومن ضمن أشكال تلك القضايا التي تطرحها تلك الشخصية اختراع العنتريات الوهمية مع الخارجين عن القانون لتخدير الرأي العام، بينما في حقيقتها كان هو على تعاون وثيق مع اللصوص، وكان الأمر أنه في الصباح يمثل السلطة ودعاياتها الكاذبة، وفي الليل هو حليف قطّاع الطرق.

وهذه صورة مجسدة للطريقة التي يُدار بها البلد اليوم، والغريب أن النهج الحكومي اليوم يعمل بمقولة (إذا جاك الطوفان ضع ابنك تحت قدمك)، واليوم المواطن تحت أقدام السلطة لتخطي الانعطافات الخطيرة التي كانت سببها فشل الأيديولوجيات الخاطئة التي بُني عليها النظام في السياسة الخارجية والداخلية.

 

الحقيقة المرة ... الحكومة المركزية والمحلية، المتمثلة بالمحافظ والقائمقامية وما يُعرف بلجنة تشغيل المولدات، كل منهم يرمي التهمة على الآخر، وكأننا نتعامل مع أطفال بعيدين عن المسؤولية، وهذه هي الحقيقة للأسف.

 

الوعود الكاذبة... منذ تأسيس النظام وليومنا هذا، تخرج علينا كل أربع سنوات شخصيات بحزمة أكاذيب، نعم هي كذلك، أو أكثر، من توفير الأمن والحياة الرغيدة، ولم نرَ منها شيئًا يُذكر، ولكن على العكس، اليوم وصلنا إلى درجة أصبح فيها تكذيب الكذبة جريمة قد يُعاقب عليها.

 

عمليات تسليب حكومية بقانون ... عندما يبلغ الأمر أن يصبح المواطن البسيط آخر اهتمامات العمل الحكومي، عندها اقرأ على العراق السلام. طَلَّ علينا بالأمس أحد المسؤولين المحليين ليفجع الناس بالتسعيرة المبالغ بها لسعر الأمبير لتشغيل المولد الكهربائي، التي أصبحت جزءًا من معاناة المواطن العراقي منذ عقدين. والسؤال هنا: لماذا يُقدم هؤلاء المسؤولون على اقتراف هذا العمل بحق المواطن البسيط، الذي ينشغل بمجموعة أزمات، منها بيروقراطية العمل الحكومي، ورفع سعر الدولار، وانخفاض المستوى المعيشي للفرد، وأزمة توفير البنزين، وغيرها الكثير؟

ومن هنا تطل علينا منهجية المفلسين سياسيًا وثقافيًا، ممن هم على رأس هرم السلطة اليوم، من خلال استنزاف المواطن إلى أبعد حد، انطلاقًا من المثل الشعبي (اليهودي إذا فلس دور بدفاتره القديمة)، وملف المولدات وعلاقته بالطاقة هو الأقدم بين ملفات الفساد الحكومي، إذا ما كنتم تعلمون.

وهذا إثبات أنه لم تعد هناك قيمة للمواطن واحتياجاته اليومية، فالمهم مصلحة المكاتب الاقتصادية التي تدير كفة الحكم، وما تجنيه من مال تعزز به ديمومة تواجدها على الخارطة السياسية، وهذا هو لب الموضوع في قضية التسعيرة. فعندما أفلست خزائن البلد من المال، اتجهت تلك الجماعات لتنظيم عملها باتجاه مدخرات المواطن المالية، وقضية تسعيرة المولد الكهربائي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وسط صمت اجتماعي مقيت، سوف يُمعن اللصوص في إيجاد مداخل قانونية لشرعنة السرقات التي تأخذ الصبغة الحكومية.

 

تجار الأزمات ... وهي أقذر فئة عرفتها البشرية، من خلال استغلال معاناة المواطن في الانتفاع الشخصي وتضخيم ممتلكاتهم وتوسيع نفوذهم المالي من خلال الأزمات والحروب، ومنهم أصحاب المولدات وشركاؤهم من الباطن من أصحاب المكاتب الاقتصادية للأحزاب وغيرهم من أصحاب المراكز الحكومية، التي خلقت نوعًا من التحالف في الإمعان في تعميق معاناة المواطن البسيط. ولمن لا يعلم، ليس هناك مشروع في البلد اليوم يستطيع الديمومة دون شراكات مع جهات حزبية أو فصائلية، تُذكر بحجة تأمين غطاء شرعي لعمليات الاستغلال، وفق ما يرددون أنه قانون. ولهذا تجدنا اليوم أمام معضلة بين الموت البطيء من أثر الأزمات الحكومية، أو مواجهة الاعتقال بحجة الخروج على القانون الذي به يُسرق المواطن.

شرعنة الابتزاز... المشكلة لم تعد في ارتفاع أسعار الأمبير، ولا في خلافات المسؤولين حول الجهة التي تتحمل المسؤولية، بل في تحول معاناة المواطن إلى مورد اقتصادي تتقاسمه جهات متعددة، كل منها يعرف حصته جيداً، لكنه يتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً عن حقوق الناس. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، فعندما تصبح الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون من صميم واجبات الدولة مجالاً للاستثمار على حساب المواطن، نكون أمام نموذج غريب من الحكم، تُترك فيه المسؤولية معلقة بين المكاتب واللجان، بينما تصل الفواتير إلى أبواب البيوت دون أن تتأخر يوماً واحداً. والأكثر غرابة أن المواطن مطالب بالالتزام بالقانون ودفع ما يُطلب منه، في حين أن بعض الجهات التي تتحدث باسم القانون لا تجد حرجاً في تركه وحيداً أمام منظومة من الاستغلال المنظم. فأي دولة هذه التي تعرف كيف تجبي الأموال من مواطنيها، ولا تعرف كيف توفر لهم أبسط حقوقهم؟ وأي مسؤولية هذه التي تتحول فيها معاناة الناس إلى مادة لتبادل الاتهامات، بدلاً من أن تكون سبباً للمحاسبة؟

وهناك حقيقة يجب أن يدركها أصحاب القرار، أن المواطن ليس خزينة احتياطية لسد عجز المؤسسات، وليس مشروعاً مفتوحاً لتعويض فشل السياسات الحكومية، وليس من واجبه أن يدفع ثمن أخطاء لم يكن شريكاً في صناعتها. فالسلطة التي لا تستطيع حماية قوت المواطن وكرامته، لا يحق لها أن تتعامل مع صبره باعتباره تفويضاً مفتوحاً للاستمرار في استنزافه.

 

الخلاصة ... يبدو أننا لم نعد نعيش أزمة كهرباء بقدر ما نعيش أزمة ضمير ومسؤولية، فالمولدات لم تعد مجرد محركات لتوليد الطاقة، بل تحولت إلى محركات لاستنزاف ما تبقى في جيوب المواطنين، تحت أنظار سلطة تتقن توزيع المسؤوليات أكثر مما تتقن أداء واجباتها. والمصيبة أن من عجز عن توفير الكهرباء يريد اليوم أن يقنع المواطن بأن دفع المزيد من الأموال هو الحل، وكأن المواطن موظف لدى خزائن الأحزاب والمكاتب الاقتصادية، وليس صاحب حق في دولة يفترض أنها وجدت لخدمته.

وأقولها بوضوح، لا يمكن أن تستمر هذه المسرحية إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الحكم، يدفع ثمن الفشل مرة من قوته، ومرة من كرامته، ومرة من صبره. فالسرقة لا تصبح قانوناً لمجرد أن من يمارسها يرتدي صفة رسمية، والابتزاز لا يتحول إلى حق بمجرد أن تتبناه لجنة أو توقع عليه جهة حكومية.

لقد سئمنا من مختاري المخاتير الذين يصنعون لنا عدوّاً في النهار، ويتقاسمون معه الغنائم في الليل، وسئمنا من خطابات مكافحة الفساد التي لا تصل إلى جيوب الفاسدين، لكنها تصل دائماً إلى جيوب الفقراء. وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية المواطن من تجار الأزمات، فعلى أي أساس تطالبه باحترام هيبتها؟ فالدولة لا تُقاس بعدد أجهزتها الأمنية ولا بحجم شعاراتها، بل بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها. أما أن يصبح المواطن وقوداً لاستمرار منظومة الفشل، فهذه ليست إدارة دولة، بل إدارة استنزاف لشعب بأكمله.

وأضيف إلى ذلك أن الأكثر إيلاماً من كل ما تقدم، أننا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها كثيرون لا يمتلكون الشجاعة لكتابة مجرد تعليق على موضوع كهذا، وكأن الحديث عن حقوق المواطن أصبح مغامرة، وانتقاد الخلل الحكومي أصبح تهمة، والتعبير عن الوجع الشخصي يحتاج إلى حسابات ومراجعات قبل أن تضغط أصابعنا على لوحة المفاتيح. فأين ذهبت تلك الأصوات التي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالصراخ في القضايا الهامشية، وتختفي عندما يتعلق الأمر بلقمة عيش المواطن وكرامته؟ وهل أصبح الصمت فضيلة، أم أن الخوف من أصحاب النفوذ جعل البعض يفضل مشاهدة المشهد من بعيد؟ إنني لا أبحث عن تصفيق ولا أنتظر مجاملة من أحد، ولكنني أستغرب أن يصبح التعليق على وجع الناس أمراً يحتاج إلى شجاعة، وأن يصبح السكوت عن استنزافهم أمراً لا يحتاج إلى تبرير. فحين يخاف الإنسان من كتابة كلمة حق، لا تكون المشكلة فيمن كتب، بل في واقع جعل الكلمة نفسها تبدو وكأنها جريمة.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026

مقال

 

في رأسه علوم الأرض الإنسانية (الثقافة الصامتة)

تحت عنوان

أستاذ التاريخ التربوي شامل الشبلي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



( ملاحظة مهمة ) أنا لا أعرف السيئين في هذا العالم؛ فمن له علاقة بي يكون من أصحاب الأرواح النقية، أما السيئون فهم من يقررون الابتعاد عني، وقد تكون هذه نعمة إلهية لا يدركها سواي، وهذا بسبب مقولة (شبيه الشيء منجذب إليه)، ودونه العكس، فإذا ما أردت أن تعرف من تكون، انظر إلى علاقتي بك.

ومن هنا نكون أمام شخصية عرفتها عن قرب، وعرفت خبايا شخصيتها وعلمها الذي هو بمثابة ينبوع ماء لا ينضب، انفجر من قراءة استمرت لأعوام عديدة، وعناوين قراءاتها لا تُحصى ولا تُعد، كان على إثرها بناء صرح ثقافي لا نظير له في هذا العالم.

هو الأستاذ والتربوي (شامل الشبلي)، هو مربي الأجيال وصاحب الأخلاق القويمة التي لا تشوبها شائبة، وقد تكون الكلمات اليوم عاجزة عن وصف شخصية بهذا الحجم بسبب الهالة العلمية التي يتمتع بها.

فإذا ما قلنا إن التاريخ كان عرّابه، فعندما يتحدث تجده ملمّاً بكل شيء يخص مشارق الأرض ومغاربها على مر العصور، فإذا ما تكلم، يتراوى لك أنه عاصر الحدث بسبب دقة المعلومة التي يعطيها، مع استشهادات بمصادر رصينة، وإن تعددت.

إن قراءة التاريخ ليست مجرد استحضار لأسماء الملوك والحكام وتسلسل الأحداث، بل هي القدرة على تفكيك الحدث وفهم الظروف التي أنتجته، وربط الماضي بالحاضر وصولاً إلى استشراف ما قد تحمله التحولات القادمة. فهناك من يقرأ التاريخ ليحفظه، وهناك من يقرأه ليفهم الإنسان من خلاله، والفرق بين الاثنين كالفرق بين من يمتلك المعلومة ومن يمتلك القدرة على تحليلها، وهنا تكمن قيمة المعرفة الحقيقية.

أما عن الفلسفة، فهو قاموس الأسماء والتنظير فيما يخص هذا العلم، فتراه يخبرك بالنظرية وصاحبها ومن خرج عليها، وهذا لا يأتي من قراءة عابرة كما قد تتصور.

ولعل ما يميز هذه الشخصية أن الفلسفة لديه ليست مجرد أسماء ونظريات تُستعرض في المجالس الثقافية، بل هي أداة لفهم الاختلاف في الرؤى وتباين الأفكار، فليس بالضرورة أن تكون متفقاً مع كل ما يُطرح حتى تكون مدركاً لقيمته الفكرية، وإنما تكمن الثقافة في قدرتك على فهم الفكرة وتحليلها ومناقشتها بعيداً عن الأحكام المسبقة، وهذه واحدة من أهم صفات العقل الذي تشكل عبر القراءة الواعية.

ولن يكون هذا فقط، فإذا ما تحدث في علم الاجتماع أبهرك بتلك القدرة على استلهام ما كتبه من تناولوا هذا العلم، ومنها إلى علم النفس، فبمجرد قراءة يستطيع أن يفرز الشخوص التي أمامه، فيخبرك بما قد لا تعلمه عن نفسك.

إن معرفة المجتمعات لا تتحقق من خلال قراءة الكتب وحدها، بل تحتاج إلى قدرة على مراقبة السلوك الإنساني وفهم الدوافع التي تقف خلفه، فالكثير من التصرفات التي تبدو عادية في ظاهرها تحمل خلفيات اجتماعية ونفسية لا يدركها الإنسان من الوهلة الأولى. وهنا تظهر قيمة الثقافة الحقيقية عندما تتحول من معلومات محفوظة إلى وسيلة لفهم الآخرين، وليس مجرد وسيلة لإثبات التفوق عليهم.

 

بالإضافة إلى علم الجغرافية وعلاقته بالعلوم الأخرى، فيشرح لك الشرائح الاجتماعية وتأثير ذلك المصطلح في عمليات الاستيطان التاريخي وعلاقتها بتاريخ الشعوب، وهنا قد تكون أمام شخصية خارقة للعادة من ناحية القراءة الفكرية.

 

الثقافة الصامتة ... هو شخصية غير استعراضية بما يملك من معلومات في تلك العلوم الإنسانية، وقد يكون هو النموذج الحسن لمصطلح (الثقافة التوعوية)، من خلال مداخلاته في تصحيح المعلومة إذا ما وجد خللاً فيها، وهو صاحب القدرة الكبيرة على إدارة الحوار الثقافي بإطار علمي بحت.

ولعل أخطر ما تواجهه الثقافة في عصرنا هذا هو تحول المعرفة إلى وسيلة للاستعراض، حتى أصبح البعض يقيس قيمة المثقف بمقدار ما يتحدث، لا بمقدار ما يمتلك من وعي. فليس كل من أكثر الكلام أصبح عالماً، وليس كل من صمت كان عاجزاً عن التعبير، إذ إن هناك عقولاً تختار الصمت لأنها تدرك أن قيمة الكلمة لا تقاس بعدد مرات تكرارها، وإنما بوزنها الفكري وما تتركه من أثر في عقول الآخرين. وهذه هي الثقافة التي لا تحتاج إلى إعلان عن نفسها.

 

دوره التربوي ... سنوات في العمل التربوي تخرج على يديه أجيال ما زالت تدين له بالفضل في ترسيخ المعلومة خلال تلك الحقبة، وهذا يظهر في الكم الهائل الذي يظهر إذا ما التقى به أحدهم، وهذا دليل قاطع، بما لا يقبل الشك، على أننا أمام شخصية تخطت كل الحدود في رسم صورتها المثالية في الأذهان.

إن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس منصباً شغله أو لقباً علمياً حصل عليه، وإنما عقولاً ساهم في تشكيل وعيها، وأجيالاً استطاعت أن تحمل شيئاً من أثره الفكري والإنساني. فالمعلم الحقيقي لا تنتهي مهمته بانتهاء سنوات خدمته، بل تستمر رسالته في كل عقل تعلم منه، وفي كل معلومة بقيت حاضرة في ذاكرة تلامذته. ولهذا فإن قيمة المربي لا تقاس بعدد السنوات التي قضاها في المهنة، بل بعدد العقول التي استطاع أن يترك فيها أثراً لا يمحوه الزمن.

هناك فرق كبير بين الإنسان الذي يمتلك مكتبة في ذاكرته، والإنسان الذي تحولت المكتبة في داخله إلى طريقة تفكير ورؤية للحياة؛ فالأول قد يستحضر لك آلاف المعلومات، أما الثاني فيمنحك القدرة على النظر إلى الأشياء من زوايا لم تكن تخطر لك على بال. ومن هنا فإننا لا نتحدث عن كثرة قراءة بقدر ما نتحدث عن عقل استطاع أن يجعل من القراءة مشروعاً مستمراً لبناء الذات، وهذه ميزة لا تمنحها الشهادات وحدها، ولا تصنعها الألقاب، وإنما تصنعها سنوات طويلة من البحث والاطلاع والتأمل.

 

الخلاصة ... قد نلتقي في حياتنا بالكثير ممن يحملون الألقاب العلمية، ونقرأ للكثير ممن يملؤون صفحات الكتب، ولكننا نادراً ما نلتقي بشخصية تتحول فيها المعرفة إلى سلوك، والثقافة إلى تواضع، والعلم إلى قدرة على فهم الإنسان قبل الحكم عليه. فليس العالِم من يعرف الكثير فحسب، وإنما من يجعل معرفته نافذة يطل منها الآخرون على عوالم لم يكونوا يدركون وجودها. والأستاذ شامل الشبلي واحد من تلك النماذج التي لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت حضورها، ولا إلى منصب لتؤكد قيمتها؛ لأن ما بناه في عقول الأجيال أكبر من أن تختصره سنوات الخدمة، وما اختزنه في ذاكرته أكبر من أن تحيط به الكلمات. فبعض الرجال يتركون خلفهم مناصب وألقاباً، وبعضهم يتركون عقولاً تعلمت منهم كيف تفكر، وهذا هو الإرث الذي لا يشيخ ولا تنال منه تقلبات الزمن.

 

السبت، 31 أكتوبر 2026

مقال

 

 لا تجعلوا من دينكم مادة درامية

تحت عنوان

فيلم (Ali – HZ) من إنتاج الذكاء الاصطناعي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لا تجعلوا من دينكم مادة مطاطية، فتقوى الله لعلكم ترحمون. لا ضرر من توظيف أداة الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد، كأي نوع من اختراعات العصر الحديث، وكل اختراع ظهر علينا له أوجه عديدة، يكون معيارها نابعاً من قناعات التوظيف لتلك الأداة.

ففي صباح هذا اليوم، وأنا أتصفح مواقع الإنترنت كعادتي، ظهر أمامي على اليوتيوب فيلم بعنوان (علي)، كرّم الله وجهه، باللغة الإنكليزية. والحقيقة أن المضمون استفزني، ومن خلال المشاهدة أدركت خطورة ذلك العمل، ومن شرع في إنتاجه عبر تلك الأداة. فالحكاية، كما يعلن العنوان، قصة أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في الرعيل الأول للدعوة. فالموضوع بحد ذاته مثير للجدل في يومنا هذا، وأنا لست أوجّه اعتراضي على تناول هذه الشخصية على وجه التحديد، لا سامح الله، ولكن اعتراضي على ما أُضيف من ترميزات أو قضايا بعيدة عن الروايات التاريخية.

ليس كل ما يمكن إنتاجه تقنياً يصبح مقبولاً فكرياً، فهناك فارق كبير بين حرية الإبداع وبين العبث بالحقائق التاريخية. فالإبداع لا يعني أن نمنح أنفسنا صلاحية إعادة تشكيل الماضي وفقاً لما تفرضه مخيلتنا، ولا أن نحول الشخصيات التي صنعت صفحات التاريخ إلى نماذج درامية تخضع لمزاج المنتج أو المخرج. فالتاريخ ليس مساحة مفتوحة للتجارب، والشخصيات التاريخية ليست دمى يمكن تحريكها كيفما نشاء.

 

الإساءة إلى شخصية الإمام... يُظهر العمل شخصية الإمام على أنه منذ الصغر لم يتمتع بالأخلاقيات الاجتماعية، من خلال دخوله في مجادلات مع من هم أكبر منه، وهذا ما يتنافى مع الواقع التاريخي. فشخصية بحجم الإمام (علي)، كرّم الله وجهه، لا يجب التعامل معها بهذه الطريقة، ولمن لا يعرف، فإن الشخصية المطروحة في هذا العمل لها في صفحات التاريخ ما لم يُكتب لأحد بعد الأنبياء والرسل. وما طُرح في مجريات العمل غير مقبول، لا شكلاً ولا مضموناً.

المشكلة الحقيقية أن الصورة المرئية أصبحت اليوم أكثر تأثيراً من النص المكتوب، فالمشاهد الذي لا يمتلك خلفية تاريخية قد يتعامل مع تلك المشاهد باعتبارها حقائق ثابتة، لا مجرد تصورات درامية. وهنا تكمن الخطورة، لأننا لا نتحدث عن عمل ترفيهي ينتهي بانتهاء المشاهدة، بل عن صورة ذهنية قد تستقر في عقول أجيال لا تملك القدرة على التمييز بين الرواية التاريخية والتصور المصنوع بواسطة التقنية.

 

الترميز والمؤثرات المرئية... ما لفت انتباهي في العمل هو (المسبحة) التي ظهرت بيد أبي طالب، والد الإمام، في مشهد حواري دار بين الإمام ووالده ما قبل الدعوة، وفي هذا نوع من تزييف الحقيقة. ولم يقف الأمر عند هذا، بل أُضيف نوع من البريق المائل إلى الحمرة، كنوع من دلالة القوة في عيون الصحابة والمقرّبين للنبي محمد (ص)، وكأننا نرى فيلماً من أفلام الرعب التي تنتمي إلى فئة مصاصي الدماء، في تصوير تلك الصفوة في الإسلام (أجلّهم الله). وهذا بالإضافة إلى الملابس التي كانت نوعاً من التفريق بين الفئات المتقاتلة في العمل، فكانت الجهة المشركة ترتدي ملابس تعود إلى الفئات البربرية القادمة من الشرق، وفي هذا طعن معلن بالمرجعية العربية التاريخية.

إن تحويل الوقائع التاريخية إلى مشاهد تستهدف إثارة المشاهد لا يعني بالضرورة تقديم عمل فني ناجح، فهناك من يعتقد أن إضافة المؤثرات البصرية والمبالغة في رسم ملامح الشخصيات كفيلة بمنح العمل قيمة فنية، بينما الحقيقة أن المبالغة قد تكون وسيلة لتشويه المضمون لا لتعزيزه. فحين تصبح المؤثرات أقوى من المعلومة، ويتقدم الخيال على الرواية، نكون أمام صناعة مشهد لا صناعة معرفة.

 

تغيير الحقيقة... يبدو أن العمل برمته مستوحى من فيلم الرسالة، ولكن هناك نوعاً من التحريف في بعض الحقائق، ومنها حادثة لطم سيدنا حمزة لشخصية أبي جهل، فقد قدّم العمل رؤية أخرى للرواية التاريخية، إذ كان المشهد أن حمزة فجّ رأسه حتى خرج الدم من رأسه، وفي هذا تقديم صورة سيئة عن الإسلام على أنه دموي منذ اليوم الأول. ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل جرى تقديم جميع الصحابة، بدون استثناء، على أنهم شخصيات ملثمة. ولمن لا يعلم، فإن لثام الوجه يتناغم مع فرضية الغموض والأشياء المبهمة التي تحتاج إلى التعريف، بعكس المفهوم العام لقضية الدين الإسلامي.

ومن المسائل التي تستحق التوقف عندها غياب المرجعية العلمية في مثل هذه الأعمال، فمن يتصدى لتقديم مرحلة تاريخية أو شخصية إسلامية لا بد أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالمصادر والروايات واختلافاتها. فليس من المعقول أن تصبح المعلومات التاريخية مجرد مادة تُجمع من هنا وهناك، ثم يعاد تركيبها بواسطة خوارزميات لا تدرك قيمة الشخصية ولا حساسية المرحلة التاريخية. فالتقنية تستطيع أن تنتج مشهداً متكاملاً، لكنها لا تمنح صاحب المشروع شهادة في التاريخ.

 

إعادة التوجيه الصحيح ... يبدو أن الكثير من البشر اليوم بات يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يصنع كل شيء بلا أخطاء، وهذا غير صحيح. والأصح هنا أن تلك الأداة تفعل ما يُملى عليها من قضايا أو معلومات من ناحية التصميم، والاعتماد عليه في أنه سوف يقوم بكل شيء مناسب دون تدخلك، فهذا محض من الخيال.

وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن تحويل الرموز الدينية والشخصيات الإسلامية إلى مادة للتسويق والمشاهدات يفتح الباب أمام استغلال العاطفة الدينية لتحقيق الانتشار. فليس كل عمل يحمل اسماً إسلامياً يستحق الاحترام، وليس كل من وضع اسماً لشخصية تاريخية على عمله أصبح مؤهلاً للحديث عنها. فالمسألة ليست في عدد المشاهدات التي يحققها العمل، وإنما في حجم المسؤولية التي يتحملها من يقف خلف إنتاجه.

ولعل ما يجب أن نفهمه أن اختراع وسيلة جديدة لا يعني سقوط المسؤولية عن مستخدمها، فالإنسان هو من يختار الموضوع، ويحدد زاوية المعالجة، ويقرر ما الذي يريد إيصاله إلى المتلقي. ولهذا لا يجوز أن نجعل من الذكاء الاصطناعي شماعة نعلق عليها أخطاءنا، أو وسيلة نتهرب من خلالها من مسؤولية ما نقدمه للناس. فالأداة لا تمتلك ضميراً يحاسبها، ولكن الإنسان الذي يستخدمها يمتلك عقلاً يفترض أن يميز بين ما يجوز إنتاجه وما يجب التوقف عنده.

 

الخلاصة ... وهنا وإلى كل من يعتقد أن بإمكانه العبث بالتاريخ الإسلامي وشخصياته تحت ذريعة الإبداع والتطور التكنولوجي، نقول له: إن عقول الناس ليست مختبراً لتجاربكم، ومقدساتهم ليست مادة لتصفية حساباتكم أو تحقيق شهرتكم وجمع مشاهداتكم. فمن لا يمتلك الأمانة العلمية ولا يحترم قيمة الشخصيات التي يتناولها، فالأجدر به أن يبتعد عن هذا المجال، لا أن يستعين بآلة تمنحه القدرة على إنتاج التشويه بصورة أكثر إقناعاً. كفى عبثاً بالتاريخ، وكفى استغلالاً للدين تحت عناوين الفن والحداثة؛ فليس كل من امتلك أدوات الإنتاج أصبح صاحب رسالة، وليس كل من أتقن صناعة المشهد امتلك الحق في صناعة الحقيقة. فالتاريخ لا يحتاج إلى ذكائكم الاصطناعي كي يعيد كتابة نفسه، ولكنه يحتاج إلى عقول بشرية تتقي الله فيما تكتب وتنتج وتنشر. ومن لا يحترم تاريخ الآخرين، لا يحق له أن يطالبهم باحترام ما ينتجه.

 

 

 

الخميس، 29 أكتوبر 2026

مقال

ارتفاع النبرة الطائفية والقومية في العراق

تحت عنوان

فوق ما جايف يفسي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في هذه الأيام تخرج علينا أصوات مقرفة تتبنى الخطاب الطائفي، وأخرى تتبنى الخطاب القومي، من خلال طرح مقارنات ساذجة، منها: (الطائفة أم الوطن؟)، وكأننا في عمر الحضانة، عندما يسأل المعلم: من تحب، أباك أم أمك؟ وهنا يجب التوقف قليلًا، فمن المعيب التعامل مع الرأي العام بهذه السذاجة.

 

القاعدة الفكرية في بناء المجتمعات ... من المضامين الأساسية في بناء المجتمعات السليمة إيجاد مصطلحات قيمية وخلق مساحات فكرية لبناء تعريفات يمكن من خلالها فقط تحقيق وعي أخلاقي لتنظيم حياة العامة، والابتعاد عن كل ما يثير النعرات الطائفية والقومية. وفي ظل الضبابية السياسية التي نعيشها اليوم، كان لا بد للقائمين على إدارة المشهد العام من عدم الدخول في مجادلات عقيمة لا جدوى منها.

 

قضايا عبثية ... يذكّرني المشهد في العراق بحادثة تُروى عن فلاسفة روما، مفادها: (بينما كانت أسوار روما تحترق، كان فلاسفتها منشغلين بمسألة: هل الملائكة ذكور أم إناث؟). وهنا تعبّر هذه الحكاية عن الوضع العام الذي يشهده البلد؛ ففي ظل غياب المنطق العقلي عن المشهد، تتوافر مساحة كافية للتفاهة كي تأخذ دور الريادة في بناء الفكر العام لدى المواطن البسيط.

 

المسألة لا تحتاج إلى قانون صارم ... عندما فكّر سياسيونا في إيجاد حل لكل هذا التهريج، كان هناك ما يُعرف بالمثل القائل: (تمخّض الجمل فولد فأرًا). فبدلًا من المضي في بناء قواعد توعوية لإعادة المسارات إلى قواعدها الصحيحة، ذهبوا إلى ما يُعرف بـ(قانون ينظّم النشر على مواقع التواصل). ولكن ما لا يعرفه جهابذة السياسة العراقية أن هناك قاعدة فكرية مفادها: (إن الممنوع مرغوب). ولهذا، فإن قضية المنع من العبثيات التي يتبناها اليائسون والمفلسون فكريًا. وكان الأحرى بهم البحث عمّن يعيد رسم القواعد الأساسية لبناء الوعي الجمعي من خلال المفكرين وأصحاب الأقلام التي تتمتع بالرصانة، لا من خلال المطبلين المحسوبين على الثقافة.

 

منهجية العبث ... جميع الأطراف اليوم هي مجاميع داعمة لمنهجية واحدة تجمع ما بين العبثية والتفاهة الفكرية، بينما العالم بأسره يعيش صراعات وجودية من خلال الأدوات الاقتصادية والتسابق الزمني للسيطرة على منابع الطاقة وممراتها. نحن نعيش اليوم الخلافات الموروثة منذ مئات السنين، ونخوض معارك ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، وكأننا نعيش في عالم موازٍ، متقاطع مع واقعنا الذي نحن عليه. وإنني، ومن رأيي المتواضع، أجد في هذا نوعًا من الهروب من الواقع إلى حلبة الصراعات التاريخية، وتغييبًا للمواطن عن النظر إلى العالم ومعرفة أين هو الآن.

 

عقدة النظام السابق ... إنها العقدة التي يعاني منها البلد منذ عقدين أو أكثر، وقد يسأل أحدكم: لماذا لم يندثر ذكر النظام السابق بين الناس؟ ويعود هذا إلى أسباب عديدة، وأهمها فشل النظام في إيجاد أيديولوجية أفضل مما كنا عليه في السابق. وهناك مثل شعبي يعبّر عن هذه الحالة: (كأنك يا أبا زيد ما غزيت). فما زالت نسبة الفقر مرتفعة، وما زلنا نخوض حروبًا عبثية بالوكالة، في ظل فوضى سياسية وفرض مصطلح (دكتاتورية الطائفة). وهذا وغيره الكثير خلق حالة من المقارنة بين السيئ والأسوأ، وقد أجهض الطموح بحياة أفضل، مما خلق حالة من اليأس لدى المواطن البسيط، أدّت إلى تغنّي البعض بالأطلال.

 

فوق ما جايف يفسي ... في خضم التراجع في جميع الخدمات الحكومية، من تدهور في قطاعات الكهرباء والصحة والزراعة والتجارة، وتراجع الدينار العراقي مقابل الدولار، يخرج علينا التافهون بشعارات قذرة، مثل أصولهم العفنة، فيقول أحدهم: (هذا شيعي)، وآخر يصرخ: (هذا سني)، وآخر: (هذا كردي)، ليردّ المقابل: (هذا عربي).

فبدلًا من البحث عن نقاط نلتقي بها وتجمعنا، نذهب للبحث عن شخصيات يخجل الحمار أن يُقارَن بها. فتلك الأفراد تعاني من عقدة الذكاء، وهذه معضلة أن يرسم مسارات العامة مثل هؤلاء، وأن تُوفَّر لهم المنصات للحديث عن قذارات الفكر.

فكان الأحرى بالسلطات الغبية إعادة النظر فيمن تقدّمهم بوصفهم واجهات عامة، والبحث عن فكر رصين يُعدّ بمثابة طوق نجاة لسفينة يقودها أكثر من ربان في بحر هائج، مصيرها الغرق لا محالة.

 

الخلاصة ... يبدو أن العراق لم يعد يعاني من نقص في الكهرباء ولا من تراجع قيمة الدينار ولا من انهيار الخدمات فحسب، بل أصبح يعاني من أزمة عقول تتصدر المشهد، وألسنة تتقن إشعال الحرائق ثم تدّعي الحكمة في وصف الدخان. فحين يصبح المذهب بديلًا عن العقل، والقومية بديلًا عن المواطنة، والتاريخ المقبرة التي ننبشها كلما عجزنا عن بناء الحاضر، فاعلموا أننا لا نعيش أزمة اختلاف، بل أزمة وعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والمصيبة الكبرى أن من يتاجرون بهذه الخلافات لا يسكنون الخنادق التي يصنعونها، ولا يدفعون أثمان الحرائق التي يشعلونها، بل يتركون المواطن البسيط يجمع رماد وطنه، بينما هم يتقاسمون ما تبقّى من ثرواته ومناصبه. ولهذا أقول: ليس أخطر على العراق من عدو يقف على حدوده، بل من جاهل يقف على منصة، ومتعصب يعتلي منبرًا، ومطبّل يرتدي ثوب المثقف؛ فهؤلاء لا يهدمون الوطن بضربة واحدة، بل يفرّغونه من عقوله حتى يصبح الخراب فيه وجهة نظر، والجهل مشروعًا وطنيًا، والعبث سياسة دولة. وعندما يصل بلد إلى هذه المرحلة، فلا تسألوا: من شيعي ومن سني ومن كردي ومن عربي؟ بل اسألوا: كم بقي في هذا البلد من عقل لم تبتلعه التفاهة، وكم بقي من مواطن لم يتحول إلى وقود في مواقد الساسة؟ فالوطن الذي يعجز أبناؤه عن الاتفاق على مستقبله، لأنهم ما زالوا يتعاركون على قبور الماضي، لا يحتاج إلى مزيد من الخطباء، بل يحتاج إلى إسكات ضجيج المتاجرين به، قبل أن نستيقظ يومًا لنكتشف أننا لم نخسر وطنًا فحسب، بل خسرنا حتى القدرة على فهم أسباب خسارته.


الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

مقال

 

الشجاعة والمواقف لا تحتاج إلى دين أو مذهب

تحت عنوان

مطربة الراب الكولومبية تشيلو هوب (Chelo Hop)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في موقف يعجز الكثير من مطربي ومشاهير العرب عن اتخاذه، قامت مطربة الراب (تشيلو هوب Chelo Hop)، عندما حاول أحد الناشطين الإسرائيليين جعلها تمسك بالعلم والتلويح به، فكانت ردة فعلها رمي العلم ودهسه تحت قدمها. وقد يُتصوَّر هذا العمل في العالم من باب معاداة السامية، ولكن، لمن لا يعرف، فإن الكثير من المثقفين في العالم متجاوزون لهذا المفهوم، ولكن يبقى هناك موقف من قضية معينة يجب أن يكون للإنسان البسيط موقف منها، فكيف بمن تكون له قاعدة شعبية واسعة؟

إن الشجاعة الحقيقية لا تقاس بما يحمله الإنسان من شعارات، ولا بما يعلنه من انتماءات، بل بما يستطيع اتخاذه من مواقف عندما يصبح الصمت هو الطريق الأسهل والأكثر أمانًا. فهناك من يرفع صوته في القضايا التي لا تكلّفه شيئًا، ولكنه يفقد القدرة على الكلام عندما يصبح للموقف ثمن، وهناك من لا ينتمي إلى القضية دينيًا أو قوميًّا، لكنه ينتصر لها من منطلق إنساني بحت. وهنا تظهر حقيقة الإنسان؛ لأن المواقف لا تحتاج إلى بطاقة تعريف تثبت هوية صاحبها، بل تحتاج إلى ضمير لا يخضع للمساومة، وإرادة لا تنحني أمام المصالح.

 

أكذوبة معاداة السامية ... لا وجود لهذا المصطلح إلا في الرؤوس الخاوية لأولئك الذين جعلوا منه درع حماية لأفعالهم البعيدة عن الإنسانية؛ فمن الطبيعي أن يكره كل إنسان فعل السوء، ولهذا ترى العديد من المواقف التي تنكر تلك الأفعال التي تتوزع ما بين قتل وتهجير وقضايا تشيب لها الولدان. ومن هذا المنطلق، كان لا بد من إيجاد أيديولوجية للتعامل مع الأصوات المناهضة لهم، ولهذا كانت أكبر كذبة في التاريخ الحديث، وهي (معاداة السامية).

إن المشكلة ليست في رفض معاداة أي جماعة بشرية بسبب أصلها أو هويتها، فذلك مرفوض من الناحية الإنسانية، وإنما المشكلة في تحويل هذا المصطلح إلى مظلة يُراد لها أن تحمي سياسات دولة من النقد والمحاسبة. فهناك فرق كبير بين أن ترفض الإنسان بسبب هويته، وبين أن ترفض فعلًا ترتكبه حكومة أو مؤسسة أو جماعة. وعندما تختلط هذه المفاهيم عمدًا، يصبح الاعتراض على القتل اتهامًا، والمطالبة بحقوق الضحايا جريمة في نظر أصحاب المصالح. وهنا تتحول الكلمات من أدوات للتعبير عن الحقيقة إلى أدوات لمحاصرة الحقيقة نفسها، ويصبح المطلوب من الإنسان ألا يسأل عمّا يحدث، بل أن يخشى العواقب إذا تجرأ على السؤال.

 

المواقف والديانات ... يظن الكثيرون أن هناك علاقة بين المواقف والدين، وهذه معلومة عارية عن الصحة؛ فالمواقف تُبنى على ما تكتسبه من قيم إنسانية، وقد يكون الدين معززًا لتلك القيم، ولكنه لا يُعتبر قاعدة تنطلق منها المواقف. وخير دليل الشخصية التي تصدرت العنوان، وهي نموذج حي لكل المطبلين لمفهوم أن الدين سبب المشكلة. ولكن ما لا يريد الآخرون الاعتراف به هو أن العمل السيئ وردة الفعل هما ما يصنعان المواقف. فتلك المطربة، وأؤكد بل أجزم، أنها لا تعرف من هم المسلمون وما ديانتهم، لكن موقفها يُحترم، وهو نابع من الرفض الإنساني لتلك الممارسات التي تُرتكب تحت العلم الذي رفضت أن تلوّح به.

إن الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو اعتقادهم أن امتلاك الإنسان لعقيدة معينة يمنحه تلقائيًا صفة الأخلاق، وكأن الانتماء الديني شهادة ضمان على سلامة السلوك. والحقيقة أن الإنسان قد يحمل أرفع الشعارات، لكنه يمارس أبشع الأفعال، وقد لا ينتمي إلى الدين الذي نؤمن به، لكنه يتصرف بقيم إنسانية نفتقدها عند بعض من يتحدثون باسم الدين. فالأخلاق لا تُقاس بما يعلنه الإنسان عن نفسه، بل بما يفعله عندما تتعارض مصلحته مع حق الآخرين. وإذا كان الدين يدعو إلى العدل، فإن العبرة ليست بكثرة من يرددون هذه الدعوة، بل بمن يستطيع تطبيقها عندما يكون الظلم في مصلحته، والعدل على حساب مكاسبه.

 

هل نستطيع فعل هذا؟ ... وللإجابة عن هذا السؤال، يجب إجراء مراجعة لجميع المواقف الحكومية والشعبية، ومنها مواقف بعض الشخصيات التي تحظى بقاعدة جماهيرية.

أما على الصعيد الحكومي، فلن تجد حكومة عربية واحدة قادرة على توحيد شعاراتها مع العمل على أرض الواقع؛ فمواقفها تقتصر على التصريحات الشكلية، بما يخص الرفض أو الشجب، ولكن الواقع والكواليس شيء آخر. فخطط التطبيع اليوم على قدم وساق، ضمن ما يُعرف بفرض الديانة الإبراهيمية، التي يُعدّ التطبيع من أساسياتها والقاعدة التي بُني عليها المصطلح.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع اتخاذ موقف مشابه؟ بل هل نمتلك الإرادة التي تسمح لنا باتخاذه من دون انتظار إشارة من أحد؟ فنحن اعتدنا أن نراقب مواقف الآخرين قبل أن نحدد مواقفنا، وأن نبحث عن الجهة التي تمنحنا الإذن بالكلام، وكأن عقولنا لا تستطيع إصدار حكم مستقل على ما تراه من أحداث. وهذه واحدة من أخطر صور التبعية الفكرية؛ لأن الإنسان الذي ينتظر من الآخرين تحديد موقفه لن يكون صاحب موقف، بل مجرد صدى لأصواتهم. ومن هنا تبدأ المشكلة، عندما يصبح السؤال عن ردود الفعل أهم من السؤال عن حقيقة الفعل نفسه.

 

المواقف الشعبية ... ولمن لا يعلم، فإنه منذ أواسط القرن الماضي، جرى تسييس تلك التحركات وفق الوضع السياسي للبلد، وهذا بسبب أننا لا نملك الوعي الذي يسمح لنا باتخاذ موقف معين مبني على أسس سليمة. فالمواطن في البلاد العربية، وبسبب تراكم الأزمات المعيشية التي يعيشها، أصبحت قضية الشعب الفلسطيني في آخر أولوياته؛ فالشعوب التي لا تملك الحق في اتخاذ موقف بما يخص لقمة عيشها، لن يكون لها موقف ولا رأي في موضوع معين.

إن المواطن الذي يقضي يومه في البحث عن لقمة العيش، ويواجه أزمات لا تنتهي، قد يجد نفسه عاجزًا عن تحويل قناعاته إلى أفعال، لكن هذا العجز لا يعني بالضرورة أنه فقد إحساسه بالقضية أو تخلى عن مبادئه. وهنا يجب أن نفرّق بين شعب لا يريد اتخاذ موقف، وشعب حُرم من الظروف التي تسمح له بتحويل موقفه إلى فعل مؤثر. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات هو أن تتحول المعاناة اليومية إلى وسيلة لإبعاد الإنسان عن التفكير في كل ما يجري حوله؛ فيصبح همه الوحيد تجاوز يومه، بينما تُترك القضايا الكبرى لمن يملك القدرة على توجيهها وفق مصالحه. وعندما يُحاصر الإنسان في احتياجاته الأساسية، يصبح من السهل استثمار صمته، ومن الصعب معرفة ما إذا كان هذا الصمت اختيارًا أم نتيجة لعجز فُرض عليه.

 

الشخصيات المؤثرة ... وما أكثرهم، ما بين مطرب أو فنان أو كاتب ومشاهير مواقع التواصل الذين يملكون قواعد جماهيرية واسعة. وللمعلومة، فإن كل هؤلاء شخصيات تم تجنيدها ضمن قواعد لا يمكنهم الخروج عنها؛ فالكلمة قد تُكتب بأمر، ولهذا لا ترى منهم خروجًا عن المطلوب منهم. وبهذا، لا تتوقع أن ترى منهم مواقف إنسانية حقيقية، حتى أولئك الذين يتبنون مشاريع إنسانية، هي في حقيقتها أعمال موجّهة لغرض الدعاية وجلب المشاهدات.

وبعد كل ما ورد هنا، لا تنتظر موقفًا من هؤلاء على غرار المطربة الكولومبية. والفرق بينهم أن الأولين شخصيات منقادة، بينما تتمتع الثانية بالاستقلالية الفكرية والتوعوية التي نفتقدها في شعوبنا.

إن الشهرة لا تمنح صاحبها قيمة فكرية تلقائية، كما أن امتلاك ملايين المتابعين لا يعني أن الإنسان يمتلك استقلالية في الرأي أو شجاعة في الموقف. فهناك من تحولت شهرته إلى وظيفة، وصار يخشى خسارة جمهوره أو مصالحه أكثر من خشيته خسارة احترامه لنفسه. وهناك من يتعامل مع القضايا الإنسانية باعتبارها فرصة لزيادة المشاهدات، فيختار من المواقف ما يضمن له التصفيق، ويتجنب ما قد يضعه في مواجهة مع الجهات التي يستفيد منها. ومع ذلك، لا يصح الحكم على جميع المشاهير بأنهم موجّهون أو أن أعمالهم الإنسانية دعائية؛ فالمعيار الحقيقي هو الفعل ودوافعه الظاهرة واستمراره، لا مجرد الشهرة. والمشكلة ليست في أن يكون الإنسان مشهورًا، بل في أن تتحول شهرته إلى قيد يمنعه من قول ما يؤمن به. فالشخصية المؤثرة التي لا تستطيع اتخاذ موقف مستقل ليست مؤثرة بالمعنى الحقيقي، وإنما هي وسيلة تأثير بيد الآخرين.

 

الخلاصة... إذا كنت تريد أن تصنع موقفًا يذكرك به التاريخ، يجب أن تتمتع بالاستقلالية الفكرية، وأن تترفع بنفسك عن رجال السياسة وتفاهاتهم التي نشاهدها على التلفاز كل يوم، وأن يُبنى ذلك الفكر على حقائق تُعزَّز بمشاهدات حقيقية، بعيدًا عن التسييس الفكري. عندها فقط تستطيع بناء موقف يحظى بالاحترام من قبل الآخرين.

إن التاريخ لا يحفظ للإنسان عدد المرات التي ظهر فيها أمام الكاميرات، ولا عدد الشعارات التي رددها، بل يحفظ له المواقف التي اتخذها عندما كانت المصالح تدعوه إلى الصمت. فالاستقلالية الفكرية ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما هي الأساس الذي يُبنى عليه الموقف الحقيقي، ومن دونها يصبح الإنسان تابعًا حتى لو ظن أنه يقود الآخرين. وليس المطلوب أن نتفق جميعًا في آرائنا، بل أن نمتلك القدرة على التفكير بعيدًا عن الأوامر والتوجيهات، وأن نفرّق بين الحقيقة وما يُراد لنا أن نصدقه.

أما الحقيقة التي يجب أن ندركها، فهي أن الإنسان قد يخسر منصبًا أو شهرة أو مصلحة بسبب موقفه، لكنه يخسر نفسه عندما يبيع ضميره من أجل الاحتفاظ بكل ذلك. فالمواقف لا تصنعها الأديان ولا المذاهب ولا الشعارات، وإنما يصنعها الإنسان عندما يقرر أن يكون حرًّا في تفكيره، مستقلًّا في قراره، ومسؤولًا عن كلمته. وعندها فقط يصبح للموقف معنى، وللشجاعة قيمة، وللاحترام استحقاق.

الأحد، 25 أكتوبر 2026

مقال

 

شخصية الكرته في المجتمع

تحت عنوان

أعوان السلطة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما يُطرح اليوم السؤال: لماذا تكثر من استخدام مصطلحات أقول عنها إنها غير لائقة؟ ولهذه قصة مفادها أن لكل فئة اجتماعية مصطلحات تعبّر عنها، ومن غير المنطقي أن تكلّم الحمار بلغة لا يفهمها، ولهذا يُقال: لكل مقام مقال.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المصطلحات ليست دائمًا مجرد ألفاظ تُستخدم في التخاطب، بل قد تكون انعكاسًا لحقيقة اجتماعية يصعب وصفها بالمفردات التقليدية. فالمجتمع الذي تتعدد فيه الأقنعة وتختلط فيه الأدوار، يحتاج أحيانًا إلى لغة تكشف حقيقة الأشخاص بعيدًا عن الألقاب التي يمنحونها لأنفسهم. فليس كل من ارتدى ثوب الثقافة مثقفًا، ولا كل من حمل صفة الإعلامي إعلاميًا، ولا كل من رفع شعار الوطنية وطنيًا؛ لأن العبرة ليست بما يدّعيه الإنسان، وإنما بما يقدّمه من فعل، وما يتركه من أثر، وما يقف خلفه من مصالح.

 

الكرته ... وهي كلمة تُستخدم عند العامة باللهجة العراقية، وتُطلق على قطعة معدنية، كل عملها هو تثبيت حذاء ضيّق في القدم، وهذا أبلغ وصف للسلطة الفاسدة وأعوانها.

وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من المعنى الشعبي لهذه المفردة، فإننا سنجد أنفسنا أمام نموذج بشري لا يستطيع الوقوف بذاته، ولا يمتلك من أمره شيئًا، لكنه يصرّ على أن يكون جزءًا من منظومة لا تقبل سقوطه ما دام يؤدي وظيفته في تثبيت أقدامها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالإنسان الذي يفقد استقلاله الفكري يتحوّل تدريجيًا إلى أداة، والأداة لا تسأل عن صحة العمل الذي تؤديه، بل عن الجهة التي تستخدمها والمقابل الذي تحصل عليه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس الفقر ولا ضعف المكانة الاجتماعية، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين مصلحته الشخصية وكرامته، فيبيع الثانية من أجل الأولى، ثم يقف أمام الناس متباهيًا بما حصل عليه.

 

من هم وصفاتهم ... تتوزع أدوارهم بين إعلاميّ ملمّع يعمل عمل البويا، وصحفيّ يبحث عن مبررات للسلطة، وأناس يوصفون بأنهم (لا في العير ولا في النفير). وتراهم يقرعون الطبول وهم خارج دائرة الاستفادة من تلك السلطة، ويأخذون من المنطلق القومي أو الطائفي تبريرًا لفعلهم هذا.

والمشكلة هنا ليست في اختلاف الناس مع السلطة أو اتفاقهم معها، فذلك حق لا ينازعهم فيه أحد، وإنما المشكلة في أن يتحوّل الاختلاف إلى مهنة، والانتماء إلى وسيلة ابتزاز، والدفاع عن المسؤول إلى وظيفة لا علاقة لها بالحقيقة. فالإنسان الذي يدافع عن جهة ما لأنه يؤمن بمشروعها يستطيع أن يشرح موقفه بالحجة والدليل، أما الذي يدافع عنها مهما ارتكبت من أخطاء، فإنه لا يدافع عن مشروع، بل يحرس مصلحة، وقد لا يعرف هو نفسه متى بدأ يتحوّل من صاحب رأي إلى تابع.

وكثيرًا ما تركّز السلطات اليوم على الإعلام وأقزامه في عملية خداع الرأي العام، فترى منهم من يلبس لباس المعارض، فيمضي في البحث عن فضائح المسؤولين، ويقوم بدور المهرّج ليقنع المشاهد بأنه رجل نزيه لا يقبل الخطأ، وهذا غير صحيح، ولكن الحقيقة شيء آخر؛ فهم بمثابة قنوات تنفيس عن الغضب الشعبي من خلال ما يطرحونه من مواضيع، وكأن الأمر ينضوي تحت عنوان (كلمة حق يُراد بها باطل)، وهم الفئة الأخطر من هذه الشريحة.

إن صناعة المعارض الوهمي ليست أقل خطورة من صناعة الموالي الأعمى؛ لأن الأول يستطيع أن يدخل إلى عقول الناس من باب الثقة، بينما يدخل الثاني من باب الانتماء والمصلحة. وحين تتحوّل المعارضة إلى عرض يومي لا يهدف إلى تغيير الواقع، بل إلى امتصاص الغضب وإعادة توجيهه، يصبح المواطن أمام مسرحية تتوزع فيها الأدوار بعناية؛ فهناك من يثير الضجيج، وهناك من يردّ عليه، وهناك من يتابع المشهد معتقدًا أنه يشاهد صراعًا حقيقيًا، بينما قد يكون الجميع جزءًا من دائرة واحدة لا تريد للمتفرج أن يغادر مقعده ويسأل عن حقيقة ما يحدث خارج المسرح.

وهنا يجب أن نفهم أن أخطر أنواع التضليل ليس ذلك الذي يُجبرك على تصديق الكذب، بل الذي يجعلك تعتقد أنك وصلت إلى الحقيقة بنفسك، في حين أن الطريق الذي سلكته قد رُسم لك مسبقًا. فحين يصبح الغضب الشعبي مادة إعلامية للاستهلاك، وتتحوّل الفضائح إلى حلقات متتابعة لا يعقبها حساب ولا تغيير، فإن الفساد لا يكون قد خسر شيئًا، بل يكون قد تعلّم كيف يعيش في ظل الضجيج.

 

أما الصحفيون... فهم عبيد السلطة، ولا أجد وصفًا أدقّ من هذا لهم. فهم يفعلون ما يُملى عليهم في تصوير الوضع العام على أنه بخير، لخلق توازن بعيد عن الواقع، في حين يعتبرون أنفسهم أقلامًا، وهم لا يرتقون إلى مستوى أكثر من شخصية المهرّج الذي من ضمن عمله أن يُسمع الجهات الحكومية ما تريد سماعه، في قوالب ثابتة (افتتحه، زاره، كرّمه). وهذه الأفعال هي الأكثر رواجًا فيما يُعرف بالإعلام الحكومي.

والغريب أن بعض المسؤولين يقوم بتعيين إعلاميين بدرجة دمى، لا خيار لهم، فيقوم هو بمراجعة الخبر وكتابته في الكثير من الأحيان، ويأتي أحدهم ليقول عن نفسه إنه إعلامي، ولا أعلم عن أي إعلام يتحدث، وهو مسلوب الإرادة حتى في صياغة الخبر الحكومي.

إن الصحافة ليست وظيفة لتلميع الوجوه، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، ولا منصبًا يُمنح لمن يجيد ترديد ما يرغب المسؤول في سماعه. الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة، والكلمة التي تُكتب تحت ضغط المصلحة تفقد قيمتها حتى لو كانت سليمة لغويًا، لأن سلامة العبارة لا تعني سلامة الرسالة، كما أن جمال الصورة لا يغيّر قبح الواقع الذي تحاول إخفاءه.

والمشكلة أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم حين يتنازلون عن استقلالهم المهني، فإنهم لا يسيئون إلى أنفسهم وحدهم، بل يساهمون في إضعاف ثقة المجتمع بالمؤسسة الإعلامية كلها. فالمواطن الذي يرى الصحفي يبرر الفشل اليوم، ويصفق للنجاح الوهمي غدًا، لن يعود قادرًا على التمييز بين الخبر والإعلان، وبين الحقيقة والدعاية. وعندها تصبح الكلمة نفسها موضع شك، ويدفع الصحفي النزيه ثمن ما ارتكبه أولئك الذين جعلوا من المهنة وسيلة للارتزاق.

وليس كل صحفي يعمل في مؤسسة حكومية تابعًا للسلطة، كما أن العمل في مؤسسة خاصة لا يمنح صاحبه صك النزاهة؛ فالمعيار الحقيقي هو استقلال الكلمة، والقدرة على قول الحقيقة حين تكون مكلفة، لا حين تكون آمنة ومضمونة العواقب. أما أن تتحوّل الصحافة إلى دفتر يوميات للمسؤولين، فلا نقرأ فيه إلا افتتاحًا وزيارة وتكريمًا، فكأن المجتمع لا يعاني بطالة ولا فقرًا ولا فسادًا، وكأن وظيفة الصحفي أن يقنع الناس بأن حياتهم بخير، حتى وهم يبحثون عن أبسط حقوقهم.

 

العامة ... وهنا تكمن الكارثة، وكثيرًا ما تراهم يرسمون صورة الرأي العام من خلال التواصل الاجتماعي، وأُطلق عليهم هنا (الجحوش الإلكترونية). فترى من يدافع عن طائفة، وآخر عن قومية، ويكتب ما ليس له به علم، فتكثر الحروب الكلامية ما بين شتم وطعن، حتى تظن أن أبا أحدهم في سدّة الحكم، وقد يكون من أولئك الذين لا يحظون بقوت يومهم. وآخرون يذهبون إلى درجة المقاضاة، لمجرد أن أشخاصًا اختلفوا معهم في الرأي، وكل هذا وغيره يكون بسبب انعدام الوعي الاجتماعي.

إن المأساة الحقيقية ليست في أن يمتلك الإنسان رأيًا خاطئًا، فالأفكار قابلة للمراجعة والتصحيح، وإنما في أن يتحوّل رأيه إلى عقيدة مغلقة لا يسمح للعقل بمناقشتها، وأن يصبح دفاعه عن جماعته أهم من دفاعه عن الحقيقة. وهنا يفقد الإنسان قدرته على رؤية الخطأ حين يصدر عن جماعته، ويصبح مستعدًا لتبرير ما يرفضه لو صدر عن خصمه. وبذلك لا يعود معيار الحكم هو الصواب والخطأ، بل هوية الفاعل وانتماؤه، وكأن الحقيقة أصبحت ملكية خاصة تتغيّر بتغيّر الأسماء والرايات.

والأكثر سخرية أن بعض هؤلاء يدافعون عن أشخاص لا يعرفونهم، ويخوضون معارك من أجل مسؤولين قد لا يعلمون بوجودهم أصلًا، ويستهلكون أعصابهم ووقتهم في الدفاع عن امتيازات لا يحصلون منها على شيء. ولو أن جزءًا من هذه الطاقة وُجّه إلى المطالبة بالحقوق والخدمات ومحاسبة المقصرين، لكان أثرها في المجتمع أكبر من آلاف المنشورات التي لا تنتج إلا الكراهية والشتائم.

إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع الجهل من العدم، لكنها منحت الجهل مكبر صوت، ومنحت المتعصب جمهورًا، وجعلت من كل شخص يملك هاتفًا نفسه خبيرًا في السياسة والتاريخ والاقتصاد، من دون أن يشعر بضرورة التعلّم أو التحقق. وهكذا أصبح عدد الإعجابات عند البعض دليلًا على صحة الفكرة، وكثرة المتابعين برهانًا على المعرفة، فيما غابت أبسط قواعد التفكير النقدي: من قال هذا؟ وما دليله؟ ومن يستفيد من نشره؟ وهل أدافع عن حقيقة أم عن انتماء لا أريد الاعتراف بأخطائه؟

ولا يمكن أن نتحدث عن الوعي الاجتماعي ما دام الإنسان يطالب بالعدالة حين يكون ضحية، ثم يرفضها حين يكون المستفيد، وما دام يرفع شعار القانون على خصمه ويبحث عن ألف مبرر لتجاوزه عندما يتعلق الأمر بمن ينتمي إليهم. فالمجتمع لا يتخلّص من الفساد بمجرد تغيير المسؤولين، إذا بقيت العقلية التي تبرر الفساد نفسها حاضرة في الشارع والبيت ومواقع التواصل؛ لأن الفساد حين يجد من يحميه اجتماعيًا، لا يحتاج دائمًا إلى القوة كي يستمر، بل يكفيه أن يجد من يدافع عنه طوعًا.

 

خطر هؤلاء... تكمن خطورة هؤلاء في إعطاء الشرعية للسلطة، بغض النظر عن ارتكازها الشعبي؛ فهم المدافعون عن الفساد والمفسدون، وهم من يقومون بتثبيت السلطة الفاسدة على رأس الحكم من خلال ممارساتهم. فالإعلامي الذي يعمل بصفة جاسوس مزدوج، وهو يتخذ من شعار (قلوبنا مع علي وسيوفنا مع معاوية) منهجًا له، يمثّل أخطر ما قد تواجهه العامة من عمليات تضليل قد تصادفها في حياتك العامة، وهم الغالبية العظمى التي تملأ الزوايا الإعلامية في يومنا هذا.

إن السلطة الفاسدة لا تحتاج دائمًا إلى أن تُسكت الجميع؛ ففي كثير من الأحيان يكفيها أن تجعل بعضهم يتحدث نيابة عنها، وأن تمنح آخرين مساحة محدودة للاعتراض، بينما تبقى القرارات الحقيقية بعيدة عن المساءلة. وهنا تصبح الحرية الظاهرة وسيلة لإخفاء غياب الحرية الحقيقية، ويصبح تعدد الأصوات على الشاشة دليلًا مضللًا على وجود التعددية في الواقع. فليس كل ضجيج معارضة، وليس كل نقد شجاعة، وليس كل من يهاجم مسؤولًا مستعدًا لمحاسبة المنظومة التي أوصلته إلى موقعه.

والخطر الأكبر أن هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود خداع الناس، بل تساهم في صناعة جيل يفقد ثقته بالجميع، فلا يعود يميّز بين النزيه والفاسد، ولا بين صاحب القضية وصاحب المصلحة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح اليأس نفسه حليفًا للفساد؛ لأن المواطن الذي يعتقد أن الجميع متشابهون قد يتوقف عن المطالبة بالتغيير، ويكتفي بالبحث عن حصته من الغنيمة، حتى لو كان يعرف أن الغنيمة مسروقة من حقه وحق أبنائه.

إن أخطر ما يقدّمه أعوان السلطة الفاسدة ليس دفاعهم عن مسؤول بعينه، بل مساهمتهم في تحويل الفساد إلى أمر مألوف، والفشل إلى قدر لا يمكن تغييره، والتنازل عن الحقوق إلى نوع من الواقعية. وعندما ينجحون في إقناع الناس بأن لا بديل عن هذا الواقع، فإنهم يكونون قد حققوا للسلطة ما تعجز عنه أحيانًا أدوات القمع؛ إذ يجعلون المجتمع يراقب قيوده من دون أن يفكر في كسرها.

والصحفي الذي ينشغل في محاباة فلان وعلان لغرض الكسب المالي، بغض النظر عما قد تعانيه العامة، هو ممن قلت عنهم من قبل: (إن أسوأ الناس يوم القيامة الذي يأتي بالإثم على أنه شطارة). والكل في غفلة يعمهون، فلا قلم فيهم يرصد السوء، أو يدافع عن قضية، أو يتبنى رأيًا معينًا. وتلك الأقلام يجب أن تُكسر وأن تُرمى في سلة المهملات، وهذا مكانها المناسب بما تقدّمه.

والمفارقة أن بعض هؤلاء يعتقدون أن ما يحصلون عليه من امتيازات دليل على نجاحهم، في حين أنهم لا يدركون أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقتنصه من فرص، بل بما يحافظ عليه من مبادئ حين تُعرض عليه المساومة. فالمال الذي يأتي مقابل إسكات الحقيقة ليس مكسبًا حقيقيًا، والمنصب الذي يُشترى بالتنازل عن الكرامة ليس مكانة اجتماعية، والتصفيق الذي يُمنح مقابل تزييف الوعي ليس اعترافًا بالنجاح، بل شهادة على أن صاحبه وجد في نفسه استعدادًا لأن يكون جزءًا من المشكلة.

أما العامة، والكارثة الكبرى فهذه قصة قد يُعاد النظر فيها بما كتبه أستاذ علم الاجتماع (علي الوردي)، فلم يلمّ وقتها بهذه القضية التي أعتبرها أكبر مما كُتب في كتبه، وهذا بسبب أنهم اليوم يعتبرون الأداة الفاعلة التي تجنّدها السلطة بأساليب ملتوية؛ فمنهم من يُحكم بمنصبه، ومنهم براتبه، وآخرون بالانتماء الطائفي والقومي، وكلهم يعملون من أجل خدمة السلطة الفاسدة، وهم المفسدون الحقيقيون، فباتوا عبيدًا بلا سلاسل في المحاباة والتطبيل.

إن المجتمع الذي يعتاد تبرير الأخطاء بحجة الانتماء، ويصمت عن الظلم لأن المستفيد منه قريب أو صاحب مصلحة، لا يمكن أن يطالب بإصلاح حقيقي ما لم يبدأ بمراجعة نفسه. فالمشكلة ليست في المسؤول وحده، بل في البيئة التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وفي العقلية التي تصنع له الأعذار، وفي الأفراد الذين يعرفون الحقيقة ثم يختارون الصمت، أو يشاركون في تزييفها لأن ثمن الموقف أعلى من استعدادهم لدفعه.

ولا يعني ذلك أن المسؤولية تتساوى بين الحاكم والمحكوم، أو أن المواطن الذي يعاني الفقر والحرمان يتحمل وزر فساد من يملك القرار والمال والنفوذ؛ فهناك فرق كبير بين من يملك أدوات السلطة ومن يقع تحت تأثيرها. لكن هذا الفرق لا يلغي مسؤولية الإنسان عن موقفه حين يختار بإرادته أن يتحوّل إلى مدافع عن الفساد، أو أن يجعل من هويته القومية والطائفية حصانة تمنع مساءلة من ينتمي إليهم. فالظروف قد تفسّر بعض المواقف، لكنها لا تمنح كل موقف براءة أخلاقية مطلقة.

وهنا تبرز أهمية ما تركه علي الوردي من أسئلة تتعلق بطبيعة المجتمع وتناقضاته، لا بوصفها أحكامًا نهائية على الناس، بل بوصفها دعوة إلى فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يقول شيئًا ويفعل نقيضه. فالمجتمع الذي يرفع شعارات النزاهة ثم يكافئ المتملق، ويتغنى بالكرامة ثم يسخر من صاحب الموقف، ويطالب بالعدالة ثم يرفضها عندما تمسّ جماعته، يعيش تناقضًا لا يمكن علاجه بتبديل الوجوه وحده. إن إصلاح المؤسسات يحتاج إلى قوانين ومحاسبة، لكن إصلاح الوعي يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن بعض ما نمارسه يوميًا يساهم في إعادة إنتاج المشكلة التي نشكو منها.

 

الخلاصة ... العبيد الذين لا تحتاج السلطة إلى سلاسل لتقييدهم ، إن الكرته الحقيقية ليست تلك القطعة المعدنية التي تثبّت الحذاء في القدم، بل ذلك الإنسان الذي يقبل أن يكون قطعة في حذاء السلطة، يثبّت خطواتها مهما اتجهت، ويحميها مهما أخطأت، ويبرّر لها مهما أفسدت، ثم يخرج على الناس بوجه المنتصر، معتقدًا أن ما حصل عليه من مال أو منصب أو شهرة يعوّض ما فقده من استقلال وكرامة.

وهؤلاء، مهما اختلفت أسماؤهم وتعددت مواقعهم، يشتركون في حقيقة واحدة: أنهم يمنحون السلطة أكثر مما تمنحهم؛ فهم يمنحونها أصواتهم وعقولهم وضمائرهم، بينما تمنحهم هي ما يكفي لإبقائهم في خدمتها. وقد يظن أحدهم أنه يضحك على الناس، لكنه لا يدرك أنه أول ضحايا الخدعة؛ لأن الإنسان الذي يبيع الحقيقة طويلًا ينتهي به الأمر إلى العجز عن التمييز بينها وبين الكذبة التي صنعها بيده.

ولست معنيًا هنا بمن يختلف مع السلطة في الرأي أو يتفق معها، ولا بمن يعمل في مؤسسة حكومية أو يتقاضى راتبًا من الدولة، فهذه أمور لا تجعل الإنسان فاسدًا بمجردها. إنما الحديث عن أولئك الذين يعرفون مواضع الخلل، ثم يتعمدون إخفاءها، والذين يشاهدون حقوق الناس تُهدر، ثم يسارعون إلى تبرير ذلك، والذين يرفعون شعارات الوطن وهم لا يرون في الوطن سوى باب لمصلحة شخصية أو طائفية أو قومية.

أما الخاتمة التي لا تحتاج إلى تزيين، فهي أن السلطة الفاسدة قد تسقط يومًا، وقد يتبدل المسؤول ويختفي اسمه من المشهد، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى أعوانها في المجتمع، يغيّرون وجوههم وشعاراتهم، وينتقلون من سفينة إلى أخرى، ثم يقدّمون أنفسهم بوصفهم أصحاب مواقف ومبادئ.

فالسلطة التي تفسد تُحاسَب على ما ترتكبه، أما من يزيّن فسادها ويخدع الناس بشأنه، فهو شريك في الجريمة الأخلاقية، حتى لو لم يجلس يومًا على كرسي الحكم. والأكثر إثارة للاشمئزاز أن بعض هؤلاء لا يكتفون ببيع ضمائرهم، بل يريدون من الناس أن يصفقوا لهم على الصفقة، وأن يمنحوهم لقب الوطني والنزيه والإعلامي والمثقف.

وإذا كان للسلطة الفاسدة حذاء تمشي به، فإن هؤلاء هم من يحرصون على تثبيته في أقدامها، لا حبًا بالوطن، ولا دفاعًا عن الناس، بل خوفًا على ما اعتادوا الحصول عليه من فتات موائدها. وحين تنتهي الحاجة إليهم، سيكتشفون متأخرين أن اليد التي استخدمتهم لم تكن يومًا تحترمهم، وأن من يبيع كرامته ليحتمي بسلطة لا تحترم كرامة الناس، لا يصبح شريكًا في قوتها، بل يتحوّل إلى أداة تُرمى عندما تنتهي صلاحيتها.

فالعبودية ليست دائمًا قيدًا في اليد، فقد تكون راتبًا يُسكت صاحبه، أو منصبًا يعمي بصيرته، أو انتماءً يسرق عقله، أو شهرةً يبيع من أجلها ضميره. وأقبح العبيد ليس من أُجبر على الانحناء، بل من ينحني بإرادته، ثم يقف ليقنع الآخرين بأن انحناءه بطولة، وأن تبعيته موقف، وأن خيانته للحقيقة وجهة نظر. هؤلاء لا يحتاجون إلى سلاسل؛ لأنهم أدّوا المهمة الأصعب: صنعوا سجونهم داخل عقولهم، ثم نصبوا أنفسهم حرّاسًا على أبوابها.

مقال

    أزمة أسعار مولدات الكهرباء تحت عنوان القصة الكاملة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين إذا ما أردنا تشبيهًا ضمنيًا لآليات الح...