كتب رسمية تعزز آليات تكميم الأفواه
تحت عنوان
لا أحد فوق ما سوف يُكتب
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لتكن البداية بجملة أوجهها لأصحاب هذه الأفكار الهزيلة،
وسوف أكتبها باللهجة العامية: (صيروا أوادم، محد يحچي عليكم).
اليوم، وبطريق الصدفة، وقع نظري على كتاب رسمي غريب جدًا
يتضمن نوعًا من التهديد والوعيد لكل من ينشر مشاكله على مواقع التواصل الاجتماعي.
والغريب في الأمر تلك الآلية في التعامل مع الكوادر الوظيفية، ونحن في مؤسسة تمثل
أعلى الهيكلية الوظيفية في الدولة. والأغرب أن المسؤول اليوم أصبح عاجزًا عن إيجاد
الحلول للمشاكل التي يعاني منها الموظف، فيتجه إلى إسكات صوته. وهنا سوف نحاول
معرفة ما الذي دفع هؤلاء إلى إصدار هذه النوعية من الكتب الرسمية التي لا أجد لها
وصفًا أقل من أنها مهزلة.
الصمم مرض المسؤول... ولنبدأ من الوزارة، وعن تجربة شخصية. فعند مراجعتك لهم
تصطدم بما يُعرف بباب (شؤون المواطنين)، ومهمتهم فرز القضايا بين ما هو مهم وما هو
غير مهم. والغريب أن من أوجد هذه الآلية غير مدرك أن من يصل إلى مبنى الوزارة لم
يأتِ للسياحة أو الاستجمام كما يظنون، وإنما هو رجل أو امرأة أنهكته الحياة، وضاقت
به السبل، حتى قرر المضي في هذا الطريق. أما الردود عندهم فهي جاهزة، ولا يكلفون
أنفسهم عناء النظر في أبعاد القضية المطروحة أو جوانبها الإنسانية، وهذا هو الحال
على مستوى الوزارة.
أما على صعيد الجامعات، فأغلبها يخصص يومًا واحدًا
يتيمًا لمقابلة العامة، أما بقية أيام الأسبوع فهي للمقابلات الخاصة، في مشهد يعزز
الطبقية. وهناك أيضًا لجنة تتمثل وظيفتها في تقرير من تكون قضيته صالحة للعرض على
السيد رئيس الجامعة. وإذا ما عدنا إلى الدرجات الوظيفية الأدنى من هذا المنصب، فإن
الأمر يتطلب منك التحلي بصبر طويل لمقابلة المسؤول، وأن تحظى بعلاقات مع طاقم
السكرتارية، فقد تنتظر ساعات، أو يومًا، أو يومين، لتحظى بشرف المقابلة.
وبعد كل هذا، يأتي أحدهم ليصف من يتعرض للغبن بالوقاحة
لأنه فاض به الكيل، فراح يشكو همه للعامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأجد في
ذلك نوعًا من عدم احترام حرية الرأي، إن لم يكن خروجًا على احترامها. فالنقد ورصد
الهفوات قضية محمودة لمن يملك الرؤية أو القدرة على تصحيح المسارات الوظيفية،
ولهذا تجد المسؤول في أغلب الأحيان ناقمًا على من يشق جدار الصمت بصراخه الذي فرضه
عليه الألم.
التهرب من المسؤولية... ومن أسوأ تقليعات هذا المصطلح ذلك التعميم الذي يُكتب
فيه: (بصلاحيات المسؤول المباشر)، ويُستخدم هذا فقط إذا لم يكن الأمر على هوى
المسؤول. وفي الغالب، يكون ذلك من نصيب الموظف الذي لا يمتلك أساليب التملق أو
محاباة المسؤول، وهم غالبًا من أصحاب الدرجات الوظيفية المتدنية.
ولمن لا يعرف، فأنا أعاني من مشكلة لا يستطيع حلها حتى
كولومبو، على مستوى الجامعة والوزارة التابعة لها. ومع أنني لم أترك أحدًا إلا
وكلمته في موضوعي، إلا أن الرد كان يدخل من باب التطنيش، لأن الأمر برمته تابع
لجهة سيادية في رئاسة الوزراء.
وقد وصل الحال ببعضهم إلى العجز حتى عن مخاطبة الوزارة
لتقصي الحقائق حول هذا الموضوع، مبررين موقفهم بأنهم ملتزمون بالكتب الوزارية،
ظنًا منهم أنهم يفعلون الصواب.
وهنا أود أن أستشهد بقصة من التراث الإسلامي، مفادها أنه
عندما سُجن الإمام أحمد بن حنبل، سأله أحد الحراس: هل أكون في موقف إعانة الظالم
على ظلمه؟ فابتسم الإمام وقال له: أتدري يا رجل من الذين أخاف عليهم أن يقعوا في
وصف أعوان الظالم؟ إن من يخبز لهم، ومن يقدم لهم الطعام، ومن يسقيهم الماء، أولئك
هم من يعين الظالم. فقال الحارس: فمن أكون أنا؟ فرد الإمام: أنت الظالم بعينه.
وإذا ما أمعنا النظر في المغزى من هذه الحكاية، نجد أن
كل من يتقاعس عن رد الظلم عن الناس بحجة المسؤولية أو التمسك الحرفي بالقوانين،
فهو يظلم نفسه أولًا، ويقع في إثم تجاه الناس، وسوف يسأله الله عن ذلك يوم
القيامة.
المشكلة الحقيقية ليست في الموظف الذي كتب منشورًا أو
أطلق صرخة وجع على مواقع التواصل، بل في المؤسسة التي أصبحت تخاف من الكلمة أكثر
من خوفها من الفساد والإهمال والتقصير. فبدل أن تسأل نفسها لماذا وصل الموظف إلى
مرحلة كشف معاناته أمام الناس، راحت تبحث عن طريقة لإسكاته، وكأن الجريمة ليست في
الظلم الواقع عليه بل في فضحه. إن أخطر ما وصلت إليه بعض المؤسسات اليوم أنها لم
تعد ترى المواطن أو الموظف إنسانًا له حق الشكوى والاعتراض، بل أصبحت تنظر إليه
كمصدر إزعاج يجب تطويقه بالكتب الرسمية والتعليمات والتهديدات المقنّعة.
وحين تتحول الكتب الرسمية من أدوات لتنظيم العمل إلى
أدوات لبث الرعب الوظيفي، فاعلم أن الخلل لم يعد فرديًا بل أصبح ثقافة إدارية
كاملة. ثقافة تقوم على حماية الكرسي لا حماية الإنسان، وعلى دفن الأخطاء لا
معالجتها، وعلى معاقبة الصوت الذي يكشف الخلل بدل محاسبة من تسبب به. ولهذا نرى
المسؤول يغضب من منشور كتبه موظف مسحوق، لكنه لا يغضب من معاملة مهينة، أو معاملة
متوقفة منذ أشهر، أو حق ضائع بين الأدراج والتواقيع. إنهم يريدون موظفًا صامتًا
حتى وإن كان مظلومًا، يريدونه أن يتألم بصمت، وأن يخسر حقوقه بصمت، وأن يُعامل كرقم
في سجل لا كإنسان يحمل همًا وأسرة ومستقبلًا.
ومن هنا فإن معركة الكلمة ليست معركة منشور على فيسبوك
أو تعليق على منصة، بل معركة بين عقلية تؤمن بأن النقد وسيلة للإصلاح، وعقلية أخرى
ترى في كل صوت حر تهديدًا لهيبتها المصطنعة. ولهذا كلما ضاقت صدورهم بالكلمة،
تأكدنا أن الكلمة أصابت موضع الخلل، وأن الصمت الذي يريدونه ليس حفاظًا على
النظام، بل حفاظًا على أخطاء لا يريدون لأحد أن يراها.
استراتيجيات خارج منطق العقل... وهنا أستشهد بقول أحد الأساتذة عندما أخبرني أن هناك
تعتيمًا إعلاميًا على شخصيتي داخل العمل، وقد يكون هذا الأمر منطقيًا إلى حد كبير،
بسبب معرفتهم بأنني لا أسكت عن الخطأ، أيًا كان مصدره أو صاحبه، مهما كان منصبه أو
مكانته.
ولمن لا يعلم، فإن هذا هو أسلوبي منذ عهد النظام السابق،
وقد سبب لي الكثير من المشاكل، لكنه لم يثنني يومًا عن التخلي عن هذا النهج.
ولأنهم غارقون في الجهل، لم يفكر أحد منهم في توظيف هذه الإمكانيات التي أملكها
لتدعيم آليات العمل الجامعي، بل على العكس، انتهجوا سياسة العزل، ظنًا منهم أنني
سأستسلم.
وهم لا يعلمون أنه لو علموا ما أملكه من قدرة على عرض
القضايا وتحليلها بطريقة تجعلهم يقفون أمامها مذهولين، لما سلكوا هذا الطريق
أصلًا، لأن ما يفعلونه ليس إلا استراتيجيات تخرج عن منطق العقل، قبل أن تخرج عن
منطق الإدارة.
الخلاصة ... اكتبوا ما شئتم من كتبٍ رسمية، وعمموا ما
شئتم من تعليمات، وشيدوا ما شئتم من جدرانٍ حول الكلمة، لكن تذكروا أن الحقيقة لا
تُدفن بتوقيع، ولا تُكمَّم بختم، ولا تُلغى بكتاب صادر من مكتب مسؤول. فالصوت الذي
يخرج من رحم الظلم أقوى من كل أرشيفكم الورقي، والوجع الذي يعجز المسؤول عن
معالجته لن يعجز صاحبه عن فضحه.
إن هيبة المؤسسة لا تُصنع بإسكات موظفيها، وإنما تُصنع
بالعدل، وبالإنصاف، وبفتح الأبواب أمام المظلوم لا بإغلاقها في وجهه. أما أن يصبح
كشف الخلل جريمة، ويصبح السكوت فضيلة، فهذه ليست إدارة، بل إعلان صريح بأن الخوف
بات يحكم مكان الكفاءة، وأن الحفاظ على الصورة أصبح أهم من إصلاح الواقع.
ولذلك أقولها بوضوح: لا تخيفني كتبكم الرسمية، لأن القلم
الذي لا يخاف من قول الحقيقة لا يرهب توقيعًا، ولا يرتجف أمام ختم، ولا يبدل
قناعاته إرضاءً لمن اعتادوا سماع التصفيق بدل سماع النقد. وسأظل أكتب، لأن الكلمة
الحرة لا تستأذن أحدًا، ولأن التاريخ لا يخلّد من كمّم الأفواه، بل يخلّد من امتلك
الشجاعة ليقول: هنا بدأ الخطأ... وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح.





