حسن البنا... رأس
الفتنة
تحت عنوان
منهجية شراذم الإخوان
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
لتكن البداية من مزايا
هذه الشخصية التي لا أعتبرها مثيرةً للجدل بقدر ما أنها تثير الاشمئزاز في نفسي.
وبعيدًا عن الخصوصية، إذا ما أمعنّا النظر في جوانب هذا الموضوع، نجد شخصًا أقرب
إلى البهلوانية في قوله وفعله. فقد استغل الأوضاع السياسية للبلد في تشكيل تنظيم
يُعدّ اللبنة الأساسية لتأسيس كثير من الجماعات المنحرفة، في صورة الإسلام الحديث.
وكيف لا، وهو من عمل بمنهجية: **«كلمة حق يُراد بها باطل»**.
من هو؟ ...كما يدّعي
أتباعه، فهو داعية ومعلم مصري، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وهذه وحدها أعدّها
نقيصةً في سيرته بأكملها.
الدين لا يحتاج إلى
أحزاب... ولي رأي في هذا، أن رسولنا الكريم، في حجة الوداع، قال بالنص: **«اليوم
أكملت لكم دينكم»**، وبهذا يكون كل ما يُكتب في منهجية الدين بعد هذا القول
باطلًا، ومنها فكرة تشكيل تجمعات تأخذ دور الدعوة تحت مسمى الحزب. ولو كان الإنسان
سويًّا من الأصل، لأدرك حينها أن الدين لا يحتاج إلى مجاميع، وإنما يحتاج إلى
قراءة جديدة للنصوص تواكب تغيرات معايير العقل المعاصر.
الغلو والتشدد... هنا
تبرز هذه المصطلحات في تكوين شخصيته، من خلال تقيده بقضية التنظيم حتى باتت جزءًا
من حياته، وعلى صعيد حياته الشخصية أيضًا، حتى أصبح ذلك جزءًا من آليات التنظيم،
مما فتح الباب أمام المتشددين من أصحاب العقول الساذجة لرسم خطوط الانحراف الفكري.
منهجية اللص... في
الغالب، نعرف أن الحق لا يحتاج إلى التورية والخفاء، لأنه حق، ومستوحى من الحق
ذاته الذي يتجسد في الذات الإلهية. ولكن ما قام به هذا الرجل هو ترسيخ منهج اللصوص
في رسم حدود التنظيم، من خلال جعله تنظيمًا سريًا.
ربكم الأعلى... بهذا
كان ينظر إليه أفراد التنظيم، حتى إنهم، في مرحلة من المراحل، قد نسوا الله
والرسول، واكتفوا بمقولات البنا وأفعاله، وبهذا رسّخ الانقياد الأعمى، مما سهّل
على أعداء الإسلام خلق جماعات تحفظ ولا تفهم، وهو ما أوجد بيئة سيئة وُلدت من
خلالها جماعات أقرب إلى الانحراف.
وهذا ما كان على الصعيد
الشخصي، أما في منهجية ما كان يدعو إليه، فهناك كوارث فكرية، منها:
ضبابية الرؤية... إذا
ما أعدنا النظر، لم يكن للرجل القدرة على التمييز بين مصطلحي الدعوة والسياسة، مما
أدخل الدين في دوامة الصراعات العقائدية والمذهبية بشكل معلن. وقد فشل، بشكل مريع،
في وضع رؤية صائبة، فتجده يتحدث عن الدعوة، وفي موضع آخر تجده يُقحم الدين في
مستنقع السياسة، وهو ما زعزع إيمان الكثيرين، فكان هناك نفور علني من فكرة التدين.
الغموض في بعض
المواقف... وهذا ما لم يفهمه بعض المفكرين الذين تناولوا منهجيته، ولكن الأمر أبسط
مما يتصور القارئ؛ فالرجل كان يتعامل مع القضايا والمواقف التي يجب اتخاذها وفق
المثل الشعبي: **«الذي تغلبه العب به»**، وهو منهج الانتهازي.
فكرة تأسيس تنظيم
الإخوان... منهجية السرطان، وهذا أدق وصف يمكن أن يُطلق على هذه التنظيمات؛ فاتباع
الحركة السرية جعل من فكرة التنظيم أشبه بذلك المرض الخبيث الذي يسري في الجسد دون
إعلان مسبق. والغريب أن تلك التنظيمات كانت تستهدف شريحة الشباب اليافع على وجه
الخصوص، لإيمانها بأنهم قليلو الخبرة والمعرفة بشؤون الدين، ولا يزالون يمارسون
هذا الفعل حتى اليوم. وهذا يعود إلى ضعف حجتهم، وقلة أدلتهم فيما يريدون إقناع
العامة به. والحقيقة أن فكرة تكوين التنظيم جاءت من حب السيطرة والطمع في السلطة،
وهو ما جعل هدف التنظيم الأول والأخير الاستحواذ على السلطة، بغض النظر عما كان
يُشاع عن الهدف الدعوي.
فكرة الاستبداد
بالرأي... فكل من انضوى تحت هذا المسمى اليوم يرى في نفسه المؤمن الوحيد على هذه
الأرض، والمدافع عن الإسلام، والحقيقة أنهم، بحد ذاتهم، باتوا إخوان الشيطان. فإن
لم تكن معهم، فأنت كافر يحلّ قتلك، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة. وهنا يتجسد الخطر
الحقيقي لهذا الفكر التنظيمي، لأنه ينتهج مع البشرية منهج المؤسس نفسه، وحلم
السلطة والاستبداد.
العفطيات
والبهلوانيات... لم أقرأ أو أسمع عن شخصية، على مر التاريخ، تمتلك هذا القدر من
المراوغة في طرح الأفكار مثلما فعل البنا. فلم نعلم ما حدود فكره في التعامل مع
المصطلحات الحديثة، مثل: **تداول السلطة** و**الديمقراطية**. فمن جهة يدعو إلى
الخلافة بشكل سري، ومن جهة أخرى نراهم ينخرطون فيما يُعرف بالانتخابات، وهذا، إن
دلّ على شيء، فإنما يدل على الازدواجية في المعايير.
بين الفكرة والتنظيم..
ضاع الدين ... المشكلة الحقيقية ليست في أن يختلف الناس في فهم النصوص، فهذا أمر
لازم كل العصور، وإنما تبدأ الكارثة عندما يتحول الفهم البشري إلى حقيقة مقدسة لا
يجوز الاقتراب منها، ويصبح التنظيم هو المعيار الذي تُقاس به العقائد، لا القرآن
ولا السنة. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن الحق، بل يبحث عما يثبت أن جماعته هي
الحق، ولو خالف ذلك أبسط قواعد العقل والمنطق.
لقد أثبتت التجارب أن
التنظيمات التي ترفع الشعارات الدينية سرعان ما تتحول إلى كيانات تدافع عن نفسها
أكثر مما تدافع عن مبادئها. فتصبح الطاعة فضيلة مطلقة، والمراجعة خيانة، والنقد
مؤامرة، والانشقاق ردة عن المشروع. وهنا يفقد العقل وظيفته، لأن المطلوب ليس أن تفكر،
بل أن تطيع.
والمؤلم في الأمر أن
الدين، الذي جاء ليحرر الإنسان من عبودية البشر، يُعاد تقديمه داخل هذه المنظومات
وكأنه سلسلة من التعليمات التنظيمية، حتى يصبح الانتماء إلى الجماعة عند البعض أهم
من الانتماء إلى الحقيقة نفسها. وهذه ليست أزمة دين، بل أزمة توظيف للدين في خدمة
مشروع سياسي وتنظيمي.
إن أي فكرة تحتاج إلى
السرية كي تستمر، وتخشى من النقد، وتضيق بالحوار، وتعتبر المخالف خصمًا لا
محاورًا، هي فكرة مطالبة قبل غيرها بأن تراجع نفسها. فالحق لا يخشى النور، ولا
يحتاج إلى الأبواب المغلقة، ولا إلى دوائر الولاء الضيقة، لأن قوة الحق في وضوحه،
لا في عدد أتباعه.
والتاريخ لا يحاكم
الشعارات، بل يحاكم النتائج. فإذا كانت النتيجة بعد عقود طويلة هي مزيدًا من
الانقسام، والصراعات، وتسييس الدين، وتحويله إلى ساحة تنافس على السلطة، فمن حق
الناس أن يسألوا: أين أخطأ المشروع؟ وأين انتهى الوعد الذي رُفع باسمه؟ فالمراجعة
ليست عداءً، بل ضرورة لكل تجربة بشرية، لأن الأفكار تُوزن بآثارها، لا ببريق
عناوينها.
الخلاصة ... لا يمكن للتاريخ أن يُخدع إلى الأبد، فمهما ارتدت
الأفكار ثياب القداسة، ومهما اختبأت خلف الشعارات الرنانة، فإن الزمن كفيل بأن
يكشف حقيقتها. والأفكار لا تُقاس بما ترفعه من لافتات، وإنما بما تتركه من آثار في
واقع الناس.
وحين يتحول التنظيم إلى غاية، والسلطة إلى عقيدة،
والطاعة إلى عبادة، فإن الحديث لم يعد عن دعوة، بل عن مشروع بشري يُصيب ويخطئ، ومن
حق الناس أن يحاسبوه كما يحاسبون غيره. فلا أحد فوق النقد، ولا تاريخ يُعصم من
المراجعة.
ولعل أكبر مأساة أن يُطلب من الإنسان أن يُعطّل عقله
باسم الدين، مع أن أول ما كرّم الله به الإنسان هو العقل. ومن هنا تبدأ كل
الانحرافات؛ يوم يصبح السؤال جريمة، والمراجعة خيانة، والاختلاف خروجًا عن الصف.
ويبقى الحق أكبر من كل جماعة، وأبقى من كل تنظيم، وأطهر
من أن يُحتكر باسم أحد. أما الأشخاص، فإنهم يرحلون، وتبقى أعمالهم وحدها شاهدة لهم
أو عليهم، والتاريخ لا يكتب المجاملات، بل يسجل النتائج، ولا يعرف إلا ميزانًا
واحدًا: ما الذي تركته الفكرة بعد أن انقشع غبار الشعارات؟



