بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 28 مارس 2026

قصة قصيرة

 

 قصة قصيرة جدًا (حكاية ما يجري في الشرق الأوسط  " شيطي بيطي" )

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يُروى أنّ في أحد الأحياء كانت تسكن امرأة تُدعى (شيطي)، فقدت زوجها، لكنها كانت تُحيط نفسها بعددٍ من الأبناء المشاغبين الذين اعتادوا إثارة الفوضى في المنطقة.

ومع مرور الزمن، استقرّت بالقرب منها امرأة أخرى تُدعى (بيطي)، جاءت على هيئة نازلةٍ في بيتٍ مستأجر، وهو وصف يُطلق على من تستأجر غرفة في منزلٍ مأهول. أثار وجودها حفيظة (شيطي)، فاشتعل في داخلها غضبٌ مكتوم، دفعها إلى تحريض أصدقاء أبنائها على ارتكاب فعلٍ مؤذٍ.

لم يترددوا؛ فتسلّقوا السور، وعبثوا بالنباتات، فقطّعوها وأفسدوا ما حولها. عندها، اجتاح الغضب (بيطي)، فسارعت إلى الاتصال بزوجها، المعروف بقوّته.

لم يطل الانتظار. حضر الرجل، وأمسك بالصبية، فانهالوا عليه بالاعتراف، مُرجعين فعلتهم إلى تحريض (شيطي). عندها، انفجر غضبه، وراح يضرب أبناءها بعنفٍ بلغ حدّ تكسير العظام، بينما اكتفت (شيطي) بإطلاق الشتائم والسباب عليه، وعلى الجيران الذين وقفوا موقف المتفرّج.

ظلّ الرجل مصرًّا على أن ترحل (شيطي) عن الحي، فيما بقي المشهد، في ظاهره، لا يتجاوز كونه… شجار بين (شيطي و بيطي) .

واذا ما سألت يوما عن رأي في أصل الموضوع سوف يكون الرد في المثل الشعبي :

(ما اضرط من سعيد الا مبارك)

الخميس، 26 مارس 2026

مقال

 

الصحافة الموصلية وثقافة (الجيخانة)

تحت عنوان

ثقافية الشاي وكذب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في البداية، يجب التنويه إلى أن هناك مصطلحات عديدة سوف تُستخدم في هذه السطور، مستوحاة من اللهجة العامة للمدينة، لأن اللغة هنا ليست مجرد وسيلة تعبير، بل أداة كشف، نحاول من خلالها تعرية واقعٍ بات يُجَمِّل نفسه بألفاظٍ لا تنتمي إليه، ويختبئ خلف مفرداتٍ شعبية ليمنح ذاته شرعيةً لا يمتلكها في أصلها.

برز في الآونة الأخيرة نوعٌ من الصحافة يعتمد في منهجيته على أسسٍ هزيلة، مستوحاة من ثقافة المقاهي، ويُصدِّر نفسه بوصفه أسسًا أساسية في الكتابة الصحفية، دون اعتماد معايير علمية في هذا المجال. والأخطر من ذلك أن هذا النمط لم يعد هامشيًا، بل بدأ يتسلل إلى واجهة المشهد الثقافي، مستفيدًا من الفراغ النقدي وضعف المؤسسات، حتى أصبح الصوت العالي بديلاً عن الصوت الصحيح، والتكرار بديلاً عن الفكرة، والانتماء للجلسة بديلاً عن الانتماء للمهنة. ويظن المقصود هنا أن الحرفية في العمل الصحفي تعتمد على السردية الحفظية التي تفتقر إلى التحليل والرؤى، وكأن الصحافة أرشيفٌ يُستدعى لا عقلٌ يُنتج. ولهذا، سوف نعتمد اليوم على رسم ملامح تلك الشخصية دون الحاجة إلى التسمية أو الإشارة إلى شخصٍ بعينه، لأنها لم تعد حالة فردية، بل ظاهرة يمكن قراءتها في أكثر من وجه وأكثر من قلم.

 

العقلية الساذجة... تكون عندما يكون هناك ثمنٌ للكلمة التي تكتبها، حتى ولو كان (قدح شاي)، وهذه تُعد كارثة بكل المقاييس، عندما تكون المدينة رهينة لهذه النوعية من الأقلام. فحين تتحول الكلمة من موقف إلى سلعة، يفقد النص روحه، وتفقد المدينة صوتها الحقيقي. وقد يتجاوز الموضوع رخص المضمون إلى السلوك المؤجور، حيث لا يعود الكاتب معنيًا بالحقيقة، بل بالجهة التي تدفع، ولا بالمبدأ، بل بالمقابل. وهذا ما سوف يخلق وعيًا عشوائيًا بتبني قضايا تتبناها تلك العقليات، مما قد يؤدي إلى تسفيه القيم، وتحويل القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك اليومي، تُقدَّم مع فنجان قهوة وتُنسى مع آخر رشفة.

 

عدوانية السلوك... وهنا، وفي هذه الفقرة، أستشهد بحكاية تُروى عن جحا: (يُحكى أن جحا قد كبر في السن، فطلبت منه أمه الخروج من منزله للبحث عن أناسٍ يُصاهرهم، وقد فعل ذلك، لكن المفاجأة أنه عاد إلى المنزل بسرعة. عندها سألته أمه: ما الذي حصل؟ فأجاب بأنه لم يرضَ بأحد! وهنا صرخت بوجهه: أنت يا هذا جحا، فمن يرضى بك لتُقيِّم وترضى بالناس؟).

وهذه بالضبط المنهجية المتبعة لدى هذه النوعية من مدّعي الثقافة في المدينة؛ فتكثر في جلساتهم عملية تقييم فلان، والتكسير على فلانٍ آخر، في مشهدٍ أقرب إلى محاكمات شعبية بلا معايير. لكن الحقيقة أنهم أقل بكثير من أن يمنحوا أنفسهم القيمة التقييمية للحكم على الآخرين، لأن من لم يؤسس ذاته معرفيًا لا يملك حق تفكيك الآخرين. ومن باب المهازل أن يطلقوا الألقاب على من يعمل على تلميعهم في تلك الجلسات، فتتحول الألقاب إلى عملة، والمجاملات إلى وسيلة صعود، وعلى العكس من ذلك، يهاجمون كل من يكون على دراية بحقيقتهم، فيقومون بتأليف جملة من التهم لغرض التقليل من شأن الآخر، وكأن العجز عن مجاراة التفوق يُعالج بالاتهام لا بالتطوير.

 

الثقافة السطحية... الثقافة هنا لا تُقاس بعدد ما تقرأ؛ كتابًا كان أو عشرات الكتب، بل المعيار الحقيقي لها هو قدرتك على امتلاك وعيٍ لهضم المعلومات، وخلق رأيٍ خاص مستوحى من مجمل ما قرأت. لأن القراءة بلا وعي ليست سوى تراكمٍ رقمي لا ينتج أثرًا. أما ما يفعله هؤلاء، فهو أقرب إلى عملية (الاجترار)، حيث يتم إعادة تدوير الأفكار ذاتها دون إضافة، وكأن العقل متوقف عند حد النقل. فكل ما تقوم به هذه الفئة هو استدعاء مادة حفظية عقيمة، خالية من الرؤى، وسردها بشكلٍ يبدو وكأنه استعراض حفظي، في محاولة لإيهام المتلقي بوجود عمقٍ غير موجود أصلًا. وهؤلاء هم مدّعو الثقافة العامة، الذين اكتسبوا شهرتهم من عبارة (واصل أستاذ)، إشارة إلى دفع ثمن الشاي أو القهوة مقابل الكتابة عن المكان الذي حدث فيه الفعل، لتتحول الثقافة من مشروع وعي إلى صفقة صغيرة تُدار على طاولة.

وللإشارة، فهم ليسوا من ذوي الأعمار الصغيرة، وينطبق عليهم المثل الموصلي: (كبير وما خبير)، وهذه ليست مجرد مفارقة عمرية، بل أزمة وعي ممتدة، حيث لم تُنتج السنوات خبرة، ولم تُراكم التجربة معرفة. وهذا بالضبط ما ساهم في تدهور الصورة الثقافية للمدينة، التي باتت تُقاس ثقافتها على قدرة المتسكعين في المقاهي، لا على إنتاج المفكرين، ولا على قيمة النصوص، في انقلابٍ خطير يجعل الهامش مركزًا، والمركز غائبًا.

 

الخلاصة ... هنا، لا يمكننا أن نتعامل مع هذا المشهد بوصفه خللًا عابرًا، بل هو انهيار صامت لمنظومةٍ كاملة، تُستبدل فيها القيم بالمجاملات، والمعرفة بالضجيج، والموقف بثمن فنجان شاي. فحين تصبح الكلمة مأجورة، والوعي مُعلّبًا، والنقد وسيلة انتقام لا أداة تقويم، فإننا لا نكون أمام صحافة رديئة فحسب، بل أمام جريمة ثقافية تُرتكب ببطء.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإنتاج نصوص هزيلة، بل تُعيد تشكيل الذائقة العامة على مقاسها، فتُقنِع المتلقي بأن هذا هو السقف، وأن هذا هو الصوت، وأن ما سواه ترفٌ لا يُؤخذ به. وهنا تحديدًا تكمن الكارثة؛ حين يُقصى الحقيقي لصالح المزيّف، ويُدفن العميق تحت ركام السطحي، وتُختزل المدينة بتاريخها وثقلها في جلسة “جيخانة” عابرة.

ولذلك، فإن الصمت لم يعد حيادًا، بل شراكة، والتغاضي لم يعد تسامحًا، بل تواطؤ. إما أن تُستعاد الكلمة إلى مكانها الطبيعي كقيمةٍ ومسؤولية، أو نعلن — دون مواربة — أننا دخلنا زمنًا تُكتب فيه الحقيقة بالحبر الرخيص، وتُباع فيه المدينة… على طاولة شاي.

الأربعاء، 25 مارس 2026

مقال

 

مشاريع ثقافية بين التلكؤ والفشل

تحت عنوان

مجلة (فواصل) الادبية الموصلية ... نموذجًا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لكل مشروع ثقافي فكرة وهدف وأسس تحفظ نجاحه، الذي يكمن في الديمومة والاستمرار، ولهذا هناك الكثير من تلك المشاريع التي تظهر على الساحة بشكل خجول، وسرعان ما تتلاشى حتى يصل الأمر إلى نسيان القارئ الاسم والأقلام التي تكتب فيها، ولهذا كان يجب استعراض بعض التجارب التي تلقي في هذه الفترة صعوبة في الإعداد أو الإصدار، لتكون أمام الأدباء صورة لكيفية ابتكار تجربة وطرق الحفاظ عليها، فكانت مجلة (فواصل) الادبية كنموذج حي يوضع تحت المجهر الثقافي.

 

المشروع الربحي ... هنا يجب التنويه أن الثقافة لا تجني الثروات كما يظن البعض، ولهذا يجب أن تكون هناك ثوابت عند الشروع في بناء تلك المنصات، سواء كانت ورقية أو رقمية، وكما هو معروف عند العامة أن المجلة التي نحن بصدد الحديث عنها قد وُلدت ميتة كما يُقال، فلا يُعرف لها زمن ثابت للإصدار كما نرى، وهذا بسبب أن القائمين عليها كان من ضمن أهدافهم الربحية، وهنا كانت الصدمة، وهذا بالإضافة إلى أنهم يتعاملون مع الموضوع كمثل رجل جاء ببعير ويريد أن يعمل بمحرك كهربائي، وهذا ما قد تناسوه، فنحن في زمن انتهت فيه الصحافة الورقية في عصر التكنولوجيا، ويريد القائمون عليها جني الأرباح منها.

ولا يمكن فصل فكرة الربح عن الثقافة إلا إذا أدركنا أن القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي لا تُقاس بما يُدرّه من مال، بل بما يُحدثه من أثر في الوعي الجمعي، فالمشروع الذي يبدأ بعقلية التاجر ينتهي غالبًا بخسارة مزدوجة؛ خسارة المال وخسارة القيمة، لأن الثقافة لا تُدار بمنطق السوق بل بمنطق الرسالة، وحين تختلط المعايير يصبح المنتج الثقافي سلعة باهتة لا روح فيها، فتفقد قدرتها على التأثير، حتى لو استمرت شكليًا.

 

الإشكاليات التحريرية ... وبما أنني قريب من القائمين عليه، وجدت أن الإدارة التحريرية متذبذبة في اتخاذ القرار، حتى في اختيار المواد المراد نشرها، بغض النظر عن جودتها والأسماء والأقلام التي قد تكتب فيها، وهذا ما يعرقل مسألة الإصدار ويفقدها القيمة الثقافية الحقيقية، حتى إنها اقتصرت على بعض الأسماء وقربها من شخصية رئيس التحرير، وهذا ما يعد كارثة حقيقية في مضمار بناء صرح ثقافي، بالإضافة إلى الضمانات المالية التي يحرص عليها القائمون عليه.

وإن غياب الرؤية التحريرية الواضحة لا ينعكس فقط على جودة النصوص، بل يُنتج فوضى فكرية تُفقد المجلة هويتها، فالمجلة التي لا تمتلك معيارًا ثابتًا في الاختيار تتحول إلى مساحة عشوائية لا رابط بينها، وهذا ما يجعل القارئ في حالة اغتراب دائم، فلا يعرف ماذا يريد منها ولا ماذا تريد هي منه، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، إذ تتحول الأقلام من أدوات بناء إلى أدوات مجاملة، ويصبح القرب الشخصي بديلاً عن القيمة الإبداعية.

 

أزمة الشكل والإخراج ... برغم أن القائم على التصميم يُعتبر من الأسماء اللامعة في سماء الفن في مدينة الموصل، ولكن هناك تدخلات في عمله، مما زاد في دائرة المأزق في عملية الإخراج، وليس الأمر متوقفًا عند رأي رئيس التحرير، بل إن هناك بعض المحسوبين على المشروع يحاولون فرض رأيهم في هذا العمل، وهذا ما يعزز فرضية انعدام القرار في العمل، وكان من المفروض منهم أن يعملوا بمقولة المثل الشعبي (أعطِ الخبز خبازه حتى ولو أكل نصفه)، وهذا ما سوف يساهم في دعم تقنيات التصميم في المجلة، وهذا ما سبب أيضًا في تأخير الإصدار في المواعيد المحددة.

فإن الشكل ليس ترفًا بصريًا كما يُعتقد، بل هو جزء من الخطاب الثقافي نفسه، فالإخراج الفني هو أول ما يستقبل القارئ، وإذا كان هذا المدخل مرتبكًا فإنه يعكس بالضرورة اضطراب الداخل، فالتدخل في عمل المصمم لا يفسد الشكل فقط، بل يكشف عن غياب الثقة داخل الفريق، وهذا ما ينعكس سلبًا على هوية المجلة، فالمشروع الذي لا يحترم التخصصات داخله، سرعان ما يفقد توازنه ويقع في فخ الارتجال.

 

إشكالية “الحداثة غير المكتملة” ... يبدو أن المجلة، ومنذ اليوم الأول، حصرت نفسها بما يُعرف بـ(النخب) من حيث وجهة نظرها، وهذا ما ساهم في عدم وجود دماء جديدة تساهم في رسم الحداثة، فكان بقاؤها في نقطة البداية، وانعدام توسيع دائرة هذا الصرح في الأوساط الثقافية، فتجد هناك أسماء محددة أو دائرة مغلقة تحدد صلاحية النشر حسب الأهواء الشخصية في تحديد حدود رؤية صاحب الموضوع، حتى تحول الموضوع من مشروع ثقافي إلى أملاك خاصة، فكل الذين يكتبون هناك يعتبرون أنفسهم من النخب حسب وجهة نظرهم فقط.

ولهذا إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المشاريع الثقافية هو وهم النخبوية، لأن النخبة الحقيقية لا تُقصي بل تُنتج، ولا تُغلق بل تفتح آفاقًا جديدة، وعندما تتحول النخبوية إلى جدار عازل، فإنها تقتل التجديد من الداخل، فالثقافة بطبيعتها كائن حي لا يعيش إلا بالتنوع، وأي محاولة لحصرها ضمن دائرة ضيقة إنما هي إعلان مبكر عن شيخوخة المشروع، حتى وإن بدا في ظاهره متماسكًا.

 

الديمومة سر النجاح ... فإذا ما سألك أحدهم: كيف تقيم نجاح مجلة أو صحيفة من غيرها؟ سوف يكون الرد في قدرة القائمين عليها على الاستمرارية من خلال امتلاك رؤية واضحة في قيمة العمل المقدم، دون النظر إلى مبدأ الربح والخسارة، فالكثير من الصحف والجرائد والمجلات العالمية لم تعد مشاريع ربحية، فاختارت محاور ثانية لتثبت نجاحها من خلال الديمومة، وهذا ما فشل به القائمون على المجلة لغاية يومنا هذا.

فالاستمرارية ليست مجرد حضور زمني، بل هي قدرة على التجدد دون فقدان الهوية، فالكثير من المشاريع تستمر شكليًا لكنها في الحقيقة متوقفة فكريًا، والديمومة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المشروع على إعادة إنتاج نفسه بما يتناسب مع تحولات الواقع، دون أن ينحرف عن مساره الأساسي، وهذا يتطلب وعيًا عميقًا بأن النجاح ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من التراكم، لا يحتمل القرارات المرتجلة ولا الرؤى المؤقتة.

وفي نهاية المطاف ... لا يمكن تجميل الفشل ولا تغليفه بمسميات ثقافية براقة، فالمشاريع التي تُبنى على التردد والمصالح الضيقة محكوم عليها أن تسقط، حتى وإن طال بها الزمن، لأن الثقافة لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعترف بالنيات المؤجلة، بل تفضح كل خلل مهما حاول أصحابه إخفاءه خلف العناوين.

وما يحدث اليوم ليس تعثرًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء، حيث تحوّل المشروع من فكرة تحمل روحًا إلى جسد بلا ملامح، يتنفس بصعوبة ويعيش على مجاملات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

وحين يصل المشروع الثقافي إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما فيه ليس فشله، بل إصرار القائمين عليه على تسميته نجاحًا... وهنا تبدأ النهاية، لا بصمت، بل بسقوطٍ يسمعه الجميع.

الثلاثاء، 24 مارس 2026

مقال

 

 الصغير والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز)

تحت عنوان

شخصيات هزيلة حسب المعايير المعاصرة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحياة اليوم مليئة بالشخوص ما بين مصطلحي الخير والشر، وكلاهما يخضع للقضايا النسبية، ولا يخضع لمبدأ العمر. وهذا بالضبط ما يُفرض في الكثير من الأحيان، ولي في هذا نظرية مختلفة سوف أتحدث عنها في هذه السطور. وقد كتبت في الآونة الأخيرة بعض الأقلام بمفهوم أن هناك من يقوم بالتقليل من شأن الآخرين بحجة النقد، ولهذا اقتضى التوضيح لأهم النقاط في هذا الموضوع.

 

وهم الأسماء والألقاب... يعتقد الكثير اليوم أن هناك أسماء لا يمكن أن تخضع لمسألة النقد، وفي هذا خطأ كبير؛ فلا وجود لمعصوم على الأرض اليوم. وقضية الأسماء باتت تأخذ شكلًا من الأشكال المقيتة التي يعاني منها مجتمعنا، بحجة ما قُدِّم في السابق. ولكن ما لا يعلمه الكثير أن لكل شيء عمره الافتراضي، حتى في مضمار الكتابة؛ فكل من على الأرض له ميتة واحدة، أما أصحاب الإبداع فلهم ميتتان: الأولى بانقطاع الإبداع، والثانية بالتقليدية. وهذا ما لا يعترف به أصحاب الشخصية النرجسية، الذين أصبحوا في فترة معينة يشكلون عبئًا على من سواهم في الحياة، وكأنهم يريدون أن يأخذوا زمنهم وزمن غيرهم، بحيث ينصبون أنفسهم أوصياء لمجرد التزامهم بقضية العمر.

 

قضية النقد... وكثيرًا ما تُؤخذ القضايا النقدية بشكل شخصي، على أنها استصغار للكبير وتكبير للصغير، وهذا لا ينطبق نهائيًا على قضية كتابة النص الإبداعي والبحثي؛ فهناك ما يُعرف بالنسبية في تقييم النص. فالكثير من الأسماء الرنانة أصبحت اليوم تعتاش على أنقاض ما قدمت، وتطلب من الجميع أن يحيطها بالاهتمام والتقدير، وأعتبر هذا نوعًا من أنواع النفاق الثقافي. وقد وصل الحال عند البعض إلى الإشادة بكتابة التفاهات، حتى ولو كانت كلمة (صباح الخير). وهذا ما ولّد طبقة من المهوسين بأنفسهم، بحيث أصبحوا كتلك الأصنام التي كانت تُعبد أيام الجاهلية، يُسجد لها أصحاب العقول الخاوية وهم على علم أنها لا تضر ولا تنفع. وما لا يعلمه المتملقون أنهم يساهمون في صنع طبقة تعاني من أمراض نفسية في حقيقتها؛ ولهذا ترى أن تلك الأصنام لا تتحمل إذا ما وُجِّه لها نقد معين، بحيث تُبوِّب تلك النصوص على أنها استهداف شخصي.

وهنا النقد ليس ترفًا فكريًا، ولا حالة عدائية كما يروّج له البعض، بل هو فعل أخلاقي قبل أن يكون ممارسة معرفية؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها، ويمنع تزييف الوعي، ويقف بوجه محاولات فرض الرداءة كأمر واقع. ومن يرفض النقد، إنما يرفض التطور، ويتمسك بصورة مشوهة عن ذاته لا علاقة لها بالحقيقة.

 

الكبير والصغير... وهنا أستشهد بقول رسولنا الكريم: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)، صدق رسول الله.

ولكن السؤال الأهم: من هو الكبير ومن هو الصغير؟

ولتفريق بينهما، يجب أن نعود إلى معطيات الحياة؛ فالكبير تميزه طباعه، والصغير كذلك. فالكبير هو الذي يعطيك الانطباع بمقدار الخبرات التراكمية، ولا يخضع لمبدأ العمر، بحيث يكون له وقع عند الجميع، ويكون محبًا للقاعدة الشعبية التي ينتمي لها دون تمييز، ويكون وعاءً كبيرًا يسع كل ما قد يواجهه، لا أن يرسم القواعد لمن حوله بطريقة يفرضها عليهم. وما لا يعلمه الكثير أن الإنسان مثل القاعدة الحياتية التي ينتمي لها، فهو يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر، ولا أحد يكون خارج هذه الحدود. وهذا ينطبق على من يدّعون أنهم أصحاب الأقلام والفكر.

أما عن الصغير، فهناك من يكبرون في الأجسام والمكانة، ولكن عقولهم تبقى تراوح في مكانها، وهم لا يعترفون بهذا بشكل نهائي، ويتعاملون على المبادئ الفطرية لصغار السن؛ فتراهم يغضبون إذا ما نُقدوا، ويفرحون إذا ما ذُكروا، ويصبح كل همهم أن يكونوا في دائرة الضوء، بغض النظر عما يقدمونه للمجتمع.

 

إشكالية التراكم الوهمي... من أخطر ما يواجه المشهد الثقافي اليوم هو ما يمكن أن نسميه بـ"التراكم الوهمي"، حيث يعتقد البعض أن كثرة ما كتب تعني جودة ما كتب، وأن الامتداد الزمني كفيل بمنح الشرعية الفكرية. وهذا وهمٌ كبير؛ فالتراكم الحقيقي لا يُقاس بعدد النصوص، بل بقدرتها على البقاء، على التأثير، على خلق جدل معرفي حقيقي. أما التراكم القائم على إعادة إنتاج الذات، فهو لا يعدو كونه استهلاكًا مكررًا لفكرة انتهت صلاحيتها.

 

سلطة المتلقي المزيف... ولا يقف الخلل عند حدود الكاتب، بل يمتد إلى المتلقي الذي أسهم بشكل أو بآخر في تضخيم هذه الظاهرة؛ فهناك جمهور لا يقرأ بقدر ما يصفق، ولا يُحلل بقدر ما يُجامل، مما خلق بيئة خصبة لانتشار الرداءة تحت غطاء الشهرة. وهنا تتحول العلاقة بين الكاتب والمتلقي من علاقة إنتاج معرفي إلى علاقة تبادل مصالح قائمة على الإطراء الزائف، وهذا بحد ذاته يشكل انهيارًا صامتًا في بنية الوعي الثقافي.

 

إعادة تعريف القيمة... إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود أسماء كبيرة أو صغيرة، بل في المعايير التي نقيس بها هذه القيم؛ فحين يُقاس الكاتب بتاريخِه فقط، يُقتل حاضره، وحين يُقاس بنصه فقط، يُنصف إبداعه. لذلك لا بد من إعادة تعريف القيمة بعيدًا عن الهالة الاجتماعية أو التاريخية، والاقتراب أكثر من جوهر النص بوصفه المنتج الحقيقي الذي يجب أن يخضع للمساءلة.

 

أزمة الاعتراف... هناك أزمة خفية تتغلغل في عمق المشهد، وهي "أزمة الاعتراف"، حيث يسعى البعض إلى انتزاع الاعتراف من الآخرين بالقوة المعنوية، لا بالمنجز الحقيقي. فتراه يطالب بالتقدير لا لأنه يستحقه، بل لأنه يعتقد أن له "تاريخًا" يشفع له، متناسيًا أن الاعتراف لا يُورّث، ولا يُفرض، بل يُنتزع عبر الاستحقاق المتجدد.

 

بين الامتداد والانقطاع... ليس كل من استمر في الكتابة يُعد مستمرًا في الإبداع؛ فهناك فرق شاسع بين الامتداد الزمني والانقطاع المعرفي. فقد يكتب الإنسان لعقود، لكنه في الحقيقة توقف منذ سنوات طويلة، يكرر نفسه بصيغ مختلفة، ويعيش على صدى قديم لم يعد له وجود فعلي. وهنا تكمن المأساة التي لا يدركها إلا من يملك شجاعة مواجهة الذات.

 

الخلاصة... أود تقديم شكري وامتناني (للدكتور غسان عزيز، أستاذ النقد العربي في رواق كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل) لتنبيهه إلى أهمية هذا الموضوع الهام.

فهنا يكون النقد شماعة للكثير في تبرير فشلهم، فيفصحون للآخرين أن هذا انتقاد شخصي يُراد منه الاستهداف، وأنه بعيد عن النقد. وللإيضاح، إن في ساحة النقد ليس هناك كبير أو صغير، أو اسم لامع وآخر مغمور، بل هناك نص إبداعي، وآخر عبارة عن إرهاصات نفسية من شخصيات تعاني من أزمات آخر العمر. وهذا ما يشكل خطرًا في ترسيخ منهجية غير صحيحة في التعامل مع الإبداع والمبدعين. ويجب الكف عن صناعة الأصنام الأدبية والثقافية، وحتى العلمية؛ فلا أحد اليوم يُعد خارج قاعدة النقد الإبداعي إن وُجد. ولهذا كان يجب علينا إيجاد قراءة تساهم في تصحيح المسارات التي تشير إلى قضية الكبير والصغير في عالم الكتابة بمختلف أنواعها.

الخميس، 19 مارس 2026

قصيدة شعرية

 

أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى

قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


من منفى

إلى منفى…

يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني

*****

وخلفي

قضبانُ صدري

فتاةٌ أحببتُها

باكيًا، وفي بكائها أحزاني

*****

أرادوا أن يغتالوا

كلماتي

وبعضَ ألحاني

*****

لعتمة الليل هناك… جلّادٌ

يحمل صوتًا

صنعه صمتي وخذلاني

*****

فلا صوتَ هناك

سوى قطراتٍ من الماء

تُثقل كاهلي

وتقتل أشجاني

*****

أحملها قتيلةً

تُحمل بلا توابيت

بلا أسماء،

مجرّدةً من كل شيء

سوى أرقامٍ على سجلاتٍ

قد يمزّقها زماني

*****

في انتظار

القمر في ليل المحاق

فلا قيمةَ للمكان والزمان هناك

ولا ملامحَ للوجوه

ولا صورَ للذاكرة

سوى سيجارةٍ

لا أدري إن كنتُ أشعلها

أم هي من تُشعلني

*****

فلم يعد مهمًّا

شيءٌ يُذكر

وقاتلٌ خلف ذلك الجدار

وجريمةٌ بلا أدلّة

بلا بصمات

وبعد أعوامٍ ننسى

كما يُنسى الوقت الجميل

أو كما ترحل الطيور المهاجرة

وتنسى…

كحلمٍ لا تريد أن تتذكّره

*****

فقلبي هو المنفى

وسجّاني… بضعُ كلماتٍ أكتبها

مقيّدًا ما زلتُ أنا

وهنا يُسفك دمي

وتُقتل أحلامي.

الثلاثاء، 17 مارس 2026

مقال

 

الرد على مقال الأستاذ صباح سليم

تحت عنوان

صناعة الوعي المسرحي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كتب الصحفي صباح سليم مقالًا بعنوان (المسرحيون الشباب في الموصل.. يبتكرون ويعملون من أجل ازدهار المسرح في مدينتهم)، تناول فيه تجربة مجموعة من شباب مدينة الموصل فيما يُعرف بمسرح الشارع.

وهنا لا بدّ من تعريف هذا المصطلح ابتداءً ان مسرح الشارع هو شكلٌ من أشكال الفن المسرحي يُقدَّم في الفضاءات العامة المفتوحة، مثل الشوارع والساحات والحدائق والأسواق، بدلًا من المسارح التقليدية المغلقة. وهو فن يعتمد بشكل رئيسي على التفاعل المباشر مع الجمهور، الذي يكون غالبًا جزءًا من العرض، حيث تُطرح فيه موضوعات اجتماعية وسياسية ضمن إطار فكري يتناسب مع ما يُعرف بالوعي المسرحي لدى المتلقي، وهذا هو جوهر الموضوع الذي نحن بصدده.

لسنا هنا بصدد توجيه سهام نقدية لما كتبه الأستاذ صباح، لكن يبدو أنه قد فاته أن مثل هذه التجارب ينبغي أن يكون لها متلقٍ يمتلك نوعًا خاصًا من الوعي العام؛ وإلا تحوّلت تلك التجارب إلى نوع من العبثية التي تعبّر عن واقعٍ ثقافي مزرٍ. فالمدينة، وللأسف، لا تمتلك مسرحًا تقليديًا يُمهّد لظهور هذا النوع من العروض، وهو ما قد يثير استهجان الكثيرين، كما يظهر بين سطور هذا المقال.

أما عن صناعة الوعي، فهي غالبًا ما تبدأ مما يُعرف بالنشاط المدرسي في مراحل التعليم الابتدائي، من خلال تشكيل فرق مسرحية بإشراف تربوي متخصص، لا من قبل كوادر تدريسية بعيدة عن قضايا الفن. فذلك من شأنه أن يُسهم في خلق وعيٍ في العقل الباطن لتقبّل هذا الفن، ولو بعد حين. ويُضاف إلى ذلك سعيُ المجاميع الفنية والثقافية إلى بناء مسارح تقليدية تحتضن، في مراحلها الأولى، عروضًا مسرحية عالمية، قبل طرح التجارب المحلية، مع الاعتماد على النتاج التأليفي لأقلام المدينة، وإطلاق حملات توعية بأهمية المسرح في بناء المجتمعات. وهذا كله من شأنه أن يكون داعمًا رئيسيًا لهذه التجربة أو غيرها. وهذه الكلمات لا تأتي من باب كسر المعنويات لدى أصحاب التجربة.

أما موطن الخطأ لدى الكاتب، فيكمن في تركيزه على تجارب لا تمتلك قاعدة جماهيرية لهذا النوع من العمل، إذ تجاهل أهم عنصر في الموضوع، وهو الجمهور ووعيه في تقبّل هذا الفن. كما أن التركيز على وجود تجارب بحد ذاته لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها وعيًا ثقافيًا كافيًا، مما قد يخلق فجوة بين العمل والمتلقي. وكان الأجدر بالكاتب أن يركّز على آليات تهيئة المجتمع والمدينة لتقبّل هذا النوع من العروض.

وهناك جانب آخر لم يتم التطرق إليه، وهو أن مسرح الشارع لا يُقاس فقط بجرأة الطرح أو الحضور في المكان العام، بل بقدرته على خلق صدمة فكرية منظمة لا فوضوية، صدمة تُحرّك وعي المتلقي لا أن تُربكه أو تدفعه للنفور. فليس كل طرح مباشر يُعدّ وعيًا، وليس كل تفاعل دليلًا على الفهم، بل قد يكون في كثير من الأحيان مجرد رد فعل لحظي سرعان ما يتلاشى دون أثر.

كما أن الاعتماد على الحماس الشبابي وحده، دون وجود مرجعية فكرية أو إخراجية واضحة، قد يُحوّل التجربة إلى مجرد فعل عابر، يستهلك طاقة المشاركين دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في بنية الوعي العام. فالفن، في جوهره، ليس حالة انفعال مؤقت، بل مشروع تراكمي يحتاج إلى تنظيم واستمرارية ورؤية.

ومن النقاط التي غابت أيضًا، أن الفضاء العام في مدننا ليس مهيأً دائمًا لتقبّل هذا النوع من الفنون، سواء من ناحية الوعي المجتمعي أو من ناحية البنية الأمنية والثقافية، مما يجعل أي تجربة غير محسوبة عرضة للتأويل أو الرفض، وربما حتى التشويه. وهنا لا بد من قراءة طبيعة المجتمع قبل فرض أي شكل فني عليه، لأن الفن الذي لا يراعي بيئته يتحول إلى جسم غريب مرفوض.

ثم إن غياب الدعم المؤسسي الحقيقي للفن المسرحي، سواء من الجهات الثقافية أو التعليمية، يضعف من استمرارية هذه التجارب، ويجعلها رهينة الاجتهادات الفردية التي سرعان ما تنطفئ. فبناء حركة مسرحية لا يقوم على مبادرات معزولة، بل على منظومة متكاملة تبدأ من التعليم وتنتهي بالإنتاج والترويج.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن اختزال “الوعي المسرحي” في مجرد تقديم عرض في الشارع هو تبسيط مخلّ بالمفهوم، لأن الوعي الحقيقي يبدأ من النص، ويمر بالإخراج، ويكتمل بالمتلقي. وأي خلل في هذا الثلاثي يُفقد التجربة قيمتها، مهما بدت في ظاهرها جريئة أو مختلفة.

 

الخلاصة ... لا يمكن أن نُجمّل واقعًا مرتبكًا تحت لافتة “التجريب” ولا أن نُمرّر محاولات غير ناضجة على أنها إنجازات تُحسب للوعي المسرحي. فالحقيقة المؤلمة أن ما يُبنى على أرضٍ غير مهيأة، ووعيٍ لم يُصنع بعد، لن يكون إلا بناءً هشًا، سرعان ما ينهار عند أول مواجهة حقيقية مع الجمهور.

إن المشكلة لا تكمن في التجربة بحد ذاتها، بل في الوهم الذي يُسوّق لها على أنها خطوة متقدمة، بينما هي في حقيقتها قفزٌ فوق المراحل، وتجاوزٌ لأساس لم يُبنَ أصلًا. فالفن الذي لا يجد من يفهمه، ولا بيئة تحتضنه، يتحول من رسالة إلى عبء، ومن فعل ثقافي إلى مشهد عابر لا يترك سوى الضجيج.

وما لم ندرك أن صناعة الوعي تسبق استعراضه، وأن بناء الجمهور أهم من استعراض العمل أمامه، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نُنتج عروضًا بلا أثر، ونكتب عنها وكأنها منجز، بينما الحقيقة الصادمة أنها ليست سوى انعكاسٍ لفجوةٍ أكبر… فجوة بين ما نعتقد أننا نصنعه، وما هو موجود فعليًا على أرض الواقع.

الاثنين، 16 مارس 2026

مقال

 

 الحب مقابل المال

تحت عنوان

الوجه الآخر للحقيقة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في كل مرةٍ أرهن نفسي على أن ما أراه وأسمع به غير حقيقي، ولكن النهاية تكون في خذلاني وعودتي إلى نقطة بداية السطر. وقد يرى الكثير في هذه الكلمات أنها تخصه، وهذا بسبب أن جميع البشر اليوم يدركون هذه الحقيقة.

والحكاية تبدأ منذ زمن بعيد، من خلال إشباع العقل الباطن بمفاهيم تتوزع ما بين أمثال شعبية وتصرفات فردية، وهنا يكون المثل الشعبي: (الغني يغنّوا له والفقير يطمّوا له)، وفي هذا ترسيخٌ للمبدأ المادي في كل شيء من مفاصل الحياة، حتى أصبح قاعدة جماهيرية تستند عليها جميع العلاقات البشرية.

 

الأسرة والتربية... الكثير اليوم من الرجال والنساء لا يدركون أهمية هذه المسألة في حياة الإنسان منذ قديم الأزل. فلم تعد هناك أدوار ثابتة متعارف عليها في مساحة البيت كما كان في السابق. فرأس الهرم، الأب، غارق في متطلبات الحياة اليومية، ولا يعرف ما قد يكون من قضايا تخص العائلة. أما المرأة فهي المتضرر الأول والأخير في هذه المسألة؛ فقد تغيرت كل مفاهيمها العقلية بما يخص عائلتها وما هو مطلوب منها. فالكثير منهن لم يعدن يدركن أهمية وقدسية ذلك الرباط والهدف منه، وهذا ما جعلها الحلقة الأضعف في أصل الموضوع.

فما لا يدركه الكثير أن العدو، مهما كان اسمه أو جنسه، درس المجتمع العربي والإسلامي، فوجد أن هناك قاسمًا مشتركًا عند الجميع، ويُعدّ من القضايا التي يعتبرونها خطًا أحمر، وهي الشرف المتجسد في المرأة من باب الحفاظ على الأنساب. ولهذا كان لا بد من رسم قواعد لكسرها، وقد نجحوا في هذا إلى حدٍ كبير. فقد تحولت عقلية المرأة اليوم إلى فضاء ضبابي بين طمع المال مقابل الخدمات، وهذا قد شمل كل شيء في حياتها.

 

إعلان موت الحب... هذه حقيقة فُرضت على المجتمع بأسره. نعم، لا أحد خارج هذا المضمون، لا رجل ولا امرأة. فالكل اليوم بات يقايض الحب بالمال؛ فالرجال أصبحوا مصائد، والنساء فرائس، والنظام العائلي في طريقه إلى الزوال.

ولا يقل أحدكم إن هذه الكلمات نوع من المبالغة، بل إن ما لا يعرفه الكثير أن الواقع أسوأ بكثير مما ذُكر هنا. فالعلاقات اليوم كلها على المحك، وسوف يطال الأذى الجميع إذا لم نتشارك في صنع وعي يخرجنا من هذا المأزق، من خلال العودة إلى الأصول الدينية والاجتماعية المتعارف عليها.

ولن يكون هذا بمنشور نكتبه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بأفعال ادعائية بالصلاح والإيمان، بل من خلال صدق النوايا في إعادة رسم العلاقات بيننا على أسس صحيحة، بعيدة عن المبدأ المادي.

 

السؤال الأهم... هل تم قتل الرجولة في رؤوس الرجال؟ وهل أُزيلت فقرة المشاعر من قلوب النساء؟ وإذا ما كان قد حدث هذا، فإلى أين نحن ذاهبون؟ إلى عالم بارد بلا مشاعر، مجرد من القضايا الإنسانية، وأهمها الحب؟ وهل دخلنا في نفق مظلم أساسه التعاملات القائمة على قياس العلاقات بحجم المكتسبات التي يمكن أن نحصل عليها من أصل الموضوع؟

اقتصاد المشاعر... من أخطر التحولات التي طرأت على المجتمع في السنوات الأخيرة هو ما يمكن أن نسميه باقتصاد المشاعر، حيث لم تعد العلاقات الإنسانية تُقاس بصدق العاطفة بقدر ما تُقاس بحجم العائد المتوقع منها. فالكثير من الناس باتوا ينظرون إلى الحب كما لو أنه صفقة مؤقتة، لها شروطها وبنودها الخفية، فإذا اختل ميزان المكاسب سقطت العلاقة كما تسقط الشركات المفلسة في عالم التجارة. وهنا تتحول المشاعر من حالة إنسانية نبيلة إلى عملة متداولة في سوق المصالح.

 

ثقافة المظاهر... كما لا يمكن إغفال الدور الخطير الذي لعبته ثقافة المظاهر في تشكيل هذا الواقع الجديد. فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم صنعت نموذجًا زائفًا للحياة، حيث يتم تقديم الرفاهية والمال على أنهما المعيار الحقيقي للسعادة والنجاح. ومع تكرار هذه الصور يومًا بعد يوم، تشكل وعيٌ جديد لدى الكثيرين مفاده أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحمله من أخلاق أو مشاعر، بل بما يمتلكه من قدرة مادية وما يحيط به من مظاهر الثراء.

 

اختلال ميزان القيم... وفي ظل هذا التحول الكبير بدأ ميزان القيم بالاختلال تدريجيًا، حتى أصبح من الطبيعي أن نجد علاقات تبدأ بحسابات وتنتهي بحسابات. فبدل أن يكون الحب هو البداية، صار المال هو المقدمة، وبدل أن تكون الثقة هي الأساس، أصبحت المنفعة هي القاعدة التي تُبنى عليها الكثير من الروابط بين الناس. وهنا تتحول العلاقة الإنسانية من رابطة وجدانية إلى عقد غير مكتوب، يمكن فسخه في أي لحظة إذا تبدلت الظروف.

 

تشييء الإنسان... والأخطر من كل ذلك أن الإنسان نفسه بدأ يتحول إلى سلعة في هذا السوق العاطفي المضطرب. فالمرأة في كثير من الأحيان أصبحت تُقاس قيمتها بما يمكن أن تقدمه من إغراءات أو خدمات، والرجل بدوره صار يُقاس بحجم ما يستطيع أن ينفقه أو يمنحه من امتيازات. وهكذا يفقد الطرفان إنسانيتهما تدريجيًا، ويصبح كل منهما مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب مؤقتة لا أكثر.

 

انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة... وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما يحدث ليس فقط ضياع الحب، بل ضياع المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية. فالعلاقة التي تُبنى على المصلحة وحدها لا يمكن أن تصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة، لأنها ببساطة لم تُبنَ على أساس روحي أو أخلاقي قادر على الصمود أمام تقلبات الزمن.

 

الخاتمة... في نهاية هذا الحديث قد لا يكون من العدل أن نبحث عن مذنب واحد في هذه الحكاية، لأن الحقيقة الأكثر مرارة أن الجميع ساهم في هذا الخراب بطريقة أو بأخرى.

الرجل الذي اختزل نفسه بما يملك من مال، والمرأة التي قبلت أن تختزل قيمتها بما تحصل عليه من مكاسب، والمجتمع الذي وقف طويلًا يتفرج على انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية دون أن يحاول أن يوقف هذا الانحدار.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحب كلمة تُقال أكثر مما تُعاش، وأصبحت المشاعر حديثًا جميلًا لا يجد له مكانًا في واقعٍ تحكمه الحسابات والمصالح.

فالرجل الذي كان يومًا رمزًا للعطاء تحول عند الكثيرين إلى وسيلة للإنفاق، والمرأة التي كانت موطن الحنان تحولت عند البعض إلى معادلة تبحث عن أعلى العوائد الممكنة.

وإذا استمر هذا الطريق كما هو، فإن السؤال لم يعد: أين الحب؟

بل السؤال الأشد قسوة: هل بقي في داخلنا ما يستحق أن يُسمّى إنسانية؟

لأن الحقيقة التي قد لا نحب سماعها أن الحب لم يختفِ من تلقاء نفسه، بل تم خنقه ببطء بين الطمع من جهة، والضعف من جهة أخرى،حتى أصبح هذا العالم أكثر برودة مما ينبغي… وأكثر فراغًا مما نتصور.

قصة قصيرة

    قصة قصيرة جدًا ( حكاية ما يجري في الشرق الأوسط   " شيطي بيطي" ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين يُروى أنّ في أحد ا...