بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 9 أغسطس 2026

قراءة في شخصية

 

أقف إلى جوار الكارزما والجمال

تحت عنوان

الدكتورة ليلى المولى استاذة علم الفلسفة ... نموذجًا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



نعم، أنا كذلك... ولتكن البداية من عودتها إلى صفحات مجلة زهرة البارون، وقراري أن تتصدر الغلاف. عندها اتصل بي أحد المستشارين للمجلة، الذين أعتز بهم وأكنّ له كل التقدير والاحترام، حيث بدأ تعجبه من قراري هذا، وهو لا يعلم أن هناك حقيقة لا يعلمها الكثير عني، وهي أنني أرى ما لا تراه الناس، ومن هذا المنطلق كانت هذه الكلمات.

 

ليلى كما لا تراها الناس... ولمن لا يعرف، تعود معرفتي بالشخصية التي بصدد الحديث عنها إلى السنة الأولى لما بعد تحرير الموصل، وإذا ما أردت تعريف الدكتورة ليلى فسوف يكون: (عندما تتحدى الكارزما والجمال سوء الطالع) .

فأنا على دراية ليست صغيرة بمجريات حياتها الشخصية والعملية، وهنا لا يُعتبر ما أكتبه بمثابة تزكية أو شهادة بحقها، وهذا بسبب أنها أكبر من أي كلمات قد تُكتب عنها.

وهنا يشاء القدر أن تخصصها الأكاديمي هو الفلسفة اليونانية، والشخصيات التي خلّدها التاريخ في تلك الحقبة، فهي، إن لم تكن في عالمنا هذا، سوف تجدها تجسد إحدى الشخصيات المحاربة، مثل: هيبوليتا (Hippolyta)، وميرينا (Myrina) ، وهي تمتلك كل تلك الميزات الأسطورية لشخصيتها القيادية.

وإذا ما تحدثنا عن جمالها، فهي لا تقل، من وجهة نظري المتواضعة، عن *بسيخي (Psyche)، وأريادن (Ariadne) ، والحق يُقال إن جمالها يضاهي كل الأسماء التي ذُكرت هنا، وكأنها على موعد مع ظاهرة تكرار التاريخ، ولكن بصورة قد تكون أجمل مما سطرته الأقلام لتلك الحقبة والشخصيات النسائية.

 

رعايتها للكلاب... اليوم، وكثير من الناس يستهجنون هذا العمل، وهم جاهلون في الحكم على هذا الأمر. فالمرأة ليست مؤرخة أو معلمة أو أي شيء آخر، ولكنها من تشرب من عروق الفلسفة التي تنتهي إلى الحكمة، وأكاد أجزم أن لها فلسفة في هذا.

فهي، عندما تعبت من إيجاد لغة يفهمها البشر في هذا العصر، قررت أن يكون الكلب هو الرفيق، وهذا بسبب صفة افتقدتها في التعامل مع الناس، وهي الوفاء.

فمن الطبيعي أن يكون لكل فعل ردّة فعل، ورعاية الكلاب لم تكن شيئًا منكرًا كما يروّج لها المتدينون الجدد؛ فالكلب رفيق الإنسان، وهذا حسب النصوص السماوية.

 

لماذا أقف معها... ليس لأنني أود التقرب منها، وأنا أعرفها منذ سنوات عديدة، ولكنني أقف دومًا إلى جوار ما يستحق الوقوف لجانبه، ومع أنها لا تحتاج لوقفتي معها من الأصل، وهذا بسبب كارزميتها العالية المكتسبة من رحم المعاناة.

ومن يراها للمرة الأولى يظن أنها من ذوات اللواتي وجدن الطريق معبّدًا لحياة رغيدة، ولكن للحقيقة وجه آخر، فهي كمن يحمل الجبال على أكتافه، وكما يقال عند العامة: «الناس لها الظاهر» ولهذا تجد الكثير منهم يأخذ منها موقفًا مسبقًا دون معرفته بشخصيتها أو حياتها، وما أوصلها إلى هذا المكان.

ورغم هذا، تجدها شخصية لا يمكن كسرها بسهولة، ولا يمكن تجاوزها أو تهميشها. ورغم المحاولات الحثيثة لفعل هذا الشيء، تجدها ما زالت متماسكة، ولهذا من واجبي أن أكون إلى جوارها وداعمًا لها في كل المجالات.

 

الكارزما لا تُصنع أمام المرآة... هناك شخصيات لا تحتاج إلى من يعرّف بها، لأن حضورها يسبق أسماءها، وكارزميتها تتحدث عنها قبل أن تبدأ هي بالكلام، والدكتورة ليلى المولى من هذا النوع من الشخصيات التي لا يمكن اختصارها بصورة أو منصب أو شهادة أكاديمية، لأن خلف كل ذلك إنسانة صنعتها التجارب أكثر مما صنعتها الظروف.

وأنا عندما أتحدث عن الدكتورة ليلى المولى، لا أتحدث عن امرأة جميلة فقط، لأن الجمال وحده لا يصنع شخصية، ولا يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة هذا الكم من المتغيرات التي تضعه الحياة أمامها، وإنما أتحدث عن امرأة استطاعت أن تجعل من الجمال جزءًا من حضورها، ومن الكارزما جزءًا من قوتها، ومن المعاناة مدرسة لم تتخرج منها مكسورة، وإنما خرجت منها أكثر صلابة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية الدكتورة ليلى هو ذلك التناقض الجميل الذي يجتمع فيها؛ امرأة يمكن أن تراها هادئة، ولكن خلف هذا الهدوء الكثير من العناد في مواجهة الحياة، ويمكن أن تراها شديدة الحساسية، ولكنها في الوقت نفسه تمتلك قدرة غريبة على تحمل ما لا يستطيع الكثيرون تحمله.

وهنا تكمن الحكاية.. فبعض النساء يصنعن حضورهن من خلال ما يمتلكن، وبعضهن يصنعنه من خلال ما يفقدنه، أما الدكتورة ليلى فقد صنعت حضورها من خلال الاثنين معًا، ولهذا فإن من يحاول أن يقرأها من الواجهة فقط سوف يخطئ كثيرًا في فهمها.

 

ليست كل امرأة جميلة... امرأة عادية ... الجمال في كثير من الأحيان يتحول إلى نقمة عندما يكون المجتمع عاجزًا عن رؤية ما خلفه، لأن الناس اعتادت أن تحاكم المرأة من صورتها الأولى، فإذا كانت جميلة افترضوا أن حياتها كانت سهلة، وأن الطريق كان معبّدًا أمامها، وأنها لم تعرف الألم.

 

وهذا من أكثر الأحكام ظلمًا للمرأة... فالجمال لا يلغي المعاناة، والابتسامة لا تعني أن صاحبتها لم تبكِ، والاهتمام بالمظهر لا يعني أن الإنسان فارغ من الداخل، والهدوء لا يعني أن الحياة كانت رحيمة معه.

ولهذا أجد أن الدكتورة ليلى واحدة من النماذج التي تستحق أن يُعاد النظر إليها بعيدًا عن الأحكام السريعة، لأن الإنسان لا يُقاس بما تراه العين في اللحظة الأولى، وإنما بما تركته السنوات في روحه، وما فعلته التجارب في شخصيته، وكيف استطاع أن يبقى واقفًا رغم كل ما كان قادرًا على إسقاطه.

أنا أقف إلى جوار الفكرة قبل الشخص

وهنا أعود إلى السؤال الذي قد يطرحه البعض: لماذا كل هذا الاهتمام بالدكتورة ليلى؟

والجواب بسيط جدًا .. لأنني لا أؤمن بأن الكاتب يجب أن يقف مع الأشخاص لأنهم يحتاجون إليه، وإنما أقف مع من أرى أن الوقوف إلى جواره موقف يستحق أن يُقال ويُكتب، حتى وإن كان ذلك الموقف لن يضيف إليه شيئًا.

أنا لا أكتب عن الدكتورة ليلى لأنها تحتاج إلى شهادة مني، ولا لأنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل لأنني أؤمن أن هناك شخصيات من الظلم أن تمر في حياتنا دون أن نقول لها: (نحن نرى ما لا يراه الآخرون)

وهذه الجملة تحديدًا هي التي دفعتني إلى أن تكون الدكتورة ليلى على غلاف مجلة زهرة البارون.

فالغلاف بالنسبة لي ليس مجرد صورة توضع في واجهة مجلة، وإنما هو رسالة، واختيار الشخص الذي يتصدر الغلاف هو في حد ذاته موقف، وأنا عندما اخترت الدكتورة ليلى لم أكن أبحث عن وجه جميل يزين الغلاف، وإنما كنت أبحث عن شخصية تستطيع أن تحمل الغلاف بما وراء الصورة.

 

عندما يصبح الاختلاف قوة ... ربما يكون أكثر ما يزعج الناس في بعض الشخصيات أنها لا تشبههم.

فالإنسان المختلف يثير الأسئلة، والشخصية المستقلة تزعج من اعتاد أن يرى الجميع يسيرون في الاتجاه نفسه، والمرأة التي تختار طريقها بنفسها تكون دائمًا أكثر عرضة للأحكام الجاهزة.

ولهذا لا أستغرب أن تكون هناك مواقف مسبقة من الدكتورة ليلى لدى البعض، لأن الكثير من الناس لا يحتاجون إلى معرفة الحقيقة حتى يصدروا الحكم، يكفيهم أن يسمعوا نصف حكاية، أو يروا صورة، أو يختلفوا مع تصرف واحد، ثم يبنون شخصية كاملة من خيالهم.

لكن الدكتورة ليلى ليست مطالبة بأن تكون نسخة من توقعات الآخرين.

هي اختارت أن تكون كما هي، وهذا في زمن أصبحت فيه المجاملة أسهل من الصراحة، والتشبه بالآخرين أسهل من صناعة شخصية مستقلة، يُعد في حد ذاته نوعًا من الشجاعة.

ولهذا أرى أن الكارزما التي تمتلكها الدكتورة ليلى لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت من تراكم طويل من التجارب، ومن قدرتها على أن تبقى كما هي رغم محاولات كثيرة لدفعها إلى أن تكون شيئًا آخر.

 

الخلاصة ...

أنا لا أريد من هذا المقال أن أضع هالة من القداسة حول شخصية بشرية، فكل إنسان لديه ما له وما عليه، ولكنني أريد أن أقول شيئًا واحدًا فقط:

ليس من العدل أن نحاكم إنسانًا من صورته، ولا أن نختصر امرأة في جمالها، ولا أن نختزل شخصية في موقف، ولا أن نعتقد أن الطريق الذي يبدو سهلًا من بعيد كان فعلًا سهلًا على صاحبه.

ولهذا أقف إلى جوار الكارزما والجمال...

ليس لأنهما يكفيان لصناعة الإنسان، وإنما لأنهما عندما يجتمعان مع الصبر، والمعاناة، والوعي، والقدرة على البقاء، يصبحان حكاية أخرى لا يستطيع أن يقرأها إلا من تعلّم أن يرى ما وراء الصورة.

وهكذا أرى الدكتورة ليلى المولى... لا كصورة على غلاف، ولا كاسم يمر في صفحات مجلة، وإنما كشخصية تركت أثرها، وأثبتت أن بعض النساء لا يحتجن إلى من يمنحهن قيمة، لأن قيمتهن كانت موجودة قبل أن يلتفت إليها الآخرون.

السبت، 8 أغسطس 2026

قراءة في كتاب

 كتب لا أنصح بقراءتها.. (الكافي)

تحت عنوان:

كتب روائية اكتسبت قدسية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين 


منذ البارحة أتممت قراءة كتاب (الكافي) للمؤلف محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر، المعروف بـ  الكليني أو ثقة الإسلام الكليني ، المولود في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، والمتوفى سنة 329هـ/941م في بغداد، وهي السنة نفسها التي تُعرف في التاريخ الإمامي بـ  سنة الغيبة الصغرى الأخيرة ووفاة علي بن محمد السمري، آخر السفراء الأربعة للإمام المهدي وفق الاعتقاد الإمامي الاثني عشري.

 

العنوان... يبدو أن الكاتب اختار هذا العنوان من باب اقتناعه بأن المادة المكتوبة تكفي للقارئ، وأنه قد جمع علوم الأرض وما عليها، ويبقى هذا من وجهة نظر الكاتب، التي لم أقتنع بها.

 

أيديولوجية الكتابة... قد بدا لي، عند الانتهاء من قراءة الكتاب، أن الرجل قد جمع روايات تعتمد على النزعة الروائية التي تتوزع ما بين الحقيقة والخيال، حيث اعتمد في منهجية الكتابة على الجمع العشوائي لما توفر من روايات، دون إسنادٍ واضح لبعضها، وإخضاعها لمسألة منها الضعيفة ومنها المقبولة ، وهذا ما يذهب بالمادة المكتوبة إلى الرواية السردية التي تفتقر إلى القاعدة العقلية في التعامل مع النص.

وليس هذا فحسب، ولكن هناك أيضًا عدم وجود تصنيف صريح للروايات عند عرضها؛ فالقارئ يجد الروايات متتابعة ضمن الأبواب، بينما يأتي الحكم على السند لاحقًا عند علماء الحديث والدراية. ومن الناحية البحثية الحديثة، كان سيكون أكثر وضوحًا لو صاحب كل رواية بيانٌ منهجي لدرجة سندها.

حيث إن (الكافي) ليس إنشاءً حديثيًا من الصفر، بل اعتمد الكليني على أصول ومجاميع روائية سابقة كانت متداولة قبله، وهذا يجعل سؤال عن أصل الرواية وتاريخ انتقالها قبل وصولها إلى الكليني سؤالًا ضروريًا في التحقيق التاريخي.

وتشير الدراسات المتعلقة بتحقيق (الكافي) إلى تأثره بالمصادر السابقة عليه واختلاف نقل الرواية الواحدة بين المصادر، وهذا ما أبرز إشكالية تعدد الروايات وتعارضها .

ومن أبرز المشكلات المنهجية في الموروث الحديثي عمومًا وجود روايات متعارضة في القضية الواحدة. وهنا لا يكفي مجرد جمع الروايات، بل يحتاج الباحث إلى معيار واضح لترجيح إحداها على الأخرى: (السند؟ القرآن؟ العقل؟ الشهرة؟ موافقة الأصول؟)

لتبرز قضية مهمة... وهي تأخر عملية التصحيح الحديثي عن مرحلة الجمع ؛ فالكليني جمع المادة الروائية، ثم جاء بعده علماء اشتغلوا بصورة أكبر على تصنيف الأسانيد والحكم عليها. ولذلك لا ينبغي التعامل مع الكتاب كما لو كان (صحيحًا) وفق مفهوم الكتب التي صُنفت أصلًا على شرط الصحة.

الكافي ... عندما تتحول الرواية إلى حقيقة .. المشكلة في كتاب الكافي ليست في وجود رواية ضعيفة او رواية غريبة او رواية لا يستطيع العقل ان يتقبلها، فهذه وحدها ليست المشكلة الكبرى، لان وجود مثل هذه الروايات يمكن ان يكون مقبولآ في كتاب يقوم على جمع الموروث الروائي، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في المنهج الذي تم من خلاله جمع هذه المادة، ثم في الطريقة التي تحولت بها هذه الروايات مع مرور الزمن من مجرد روايات تحتاج الى التحقيق والتدقيق الى حقائق عقدية اكتسبت نوعآ من القدسية التي جعلت الاقتراب منها او مساءلتها امرآ يثير حساسية كبيرة.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية...عندما تقرأ الكافي تجد نفسك امام كم هائل من الروايات المنقولة عن رواة، والرواة عن رواة، حتى تصل الرواية في نهاية المطاف الى المؤلف، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل وصول الرواية الى الكليني يعني بالضرورة ان الرواية صحيحة؟

بالطبع لا...

فالكليني لم يكن حاضرآ في مجالس الائمة، ولم يكن شاهدآ على معظم الاحداث التي يرويها، وانما اعتمد على ما وصل اليه من روايات ومصادر ومجاميع روائية سبقت عصره، وهذا يعني ان الرواية قبل ان تصل الى الكتاب قطعت طريقآ طويلآ من النقل، وفي كل مرحلة من مراحل هذا الطريق هناك انسان ينقل عن انسان.

وهنا اضع اصبعي على الجرح...

من يضمن لنا ان كل من مرّت الرواية من خلالهم كانوا اهلآ للثقة؟

ومن يضمن لنا ان الرواية لم يدخل عليها النقص او الزيادة او الخطأ او الوهم؟

ومن يضمن لنا ان الذاكرة البشرية التي حملت هذه الروايات لعقود او قرون لم تكن سببآ في تغيير شيء من مضمونها؟

هذه ليست اسئلة عدائية، وانما هي اسئلة المنهج.

والغريب ان البعض يتعامل مع هذه الاسئلة وكأنها اعتداء على المقدسات، بينما الحقيقة ان الكتاب نفسه يحتاج الى هذه الاسئلة حتى يمكن معرفة ما الذي يمكن قبوله وما الذي يجب رفضه.

ثم تأتي مشكلة اخرى اكثر وضوحآ... الكليني جمع الروايات، لكنه لم يقدم للقارئ امام كل رواية شهادة تقول هذه صحيحة وهذه ضعيفة وهذه موضوعة.

بل وضع الروايات داخل ابواب متعددة، ثم جاء علماء الحديث والدراية بعده ليمارسوا عملية الفرز والتصحيح والتضعيف.

وهنا أسأل: اذا كان الكتاب يحتاج بعد مؤلفه الى علماء يأتون بعد قرون حتى يحددوا الصحيح من الضعيف، فكيف تحول الكتاب عند البعض الى مصدر لا يجوز الاقتراب منه بالنقد؟

أليس من المفترض ان يكون النقد سابقآ على بناء العقيدة، وليس ان تبنى العقيدة ثم نبحث بعد ذلك عن الرواية التي تؤيدها؟

وهنا تظهر واحدة من اخطر المشكلات في الكتاب...

عناوين الابواب نفسها... فحين يضع المؤلف بابآ عن علم الائمة بما كان وما يكون، او بابآ عن علمهم، او بابآ عن النص عليهم، او بابآ عن الجفر والجامعة ومصحف فاطمة، فهو لا يقدم للقارئ مجرد روايات مبعثرة، وانما يضعها داخل سياق معين يجعل القارئ ينظر اليها من خلال العنوان الذي وضعه المؤلف.

وهنا تصبح المسألة اكبر من رواية.. تصبح المسألة بناءآ فكريآ كاملآ.

والسؤال الذي لا بد من طرحه:

هل الرواية هي التي صنعت العنوان؟ .. ام ان العنوان اصبح هو الذي يوجه القارئ الى الطريقة التي يفهم بها الرواية؟

وهذه نقطة خطيرة في منهجية التعامل مع النص.. ثم نأتي الى مسألة اخرى لا يمكن تجاوزها...

 

تعارض الروايات.. روايات متعددة في القضية نفسها، ومضامين مختلفة، واحيانآ روايات يصعب الجمع بينها، ثم يأتي الباحث بعد ذلك ليبحث عن طريقة للتوفيق بينها او ترجيح بعضها على بعض.

وهنا اسأل:

اذا كانت الروايات جميعها طريقآ الى الحقيقة، فلماذا تختلف؟

واذا اختلفت، فمن الذي يملك معيار الحقيقة؟

(السند / ام القرآن / ام العقل / ام رواية اخرى / ام الشهرة / ام الاصول)

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لاننا نكتشف ان الرواية وحدها لا تستطيع ان تكون الحكم على نفسها.

فالرواية تحتاج الى سند.. والسند يحتاج الى رجال.. والرجال يحتاجون الى توثيق.. والتوثيق يحتاج الى معيار.. والمعيار يحتاج الى مرجعية.. وبذلك نجد اننا دخلنا في دائرة لا تنتهي بمجرد القول: (قال الكليني)

فالكليني لم يكن معصومآ، والراوي لم يكن معصومآ، والكتاب لم ينزل من السماء وهذه الحقيقة يجب ان تبقى واضحة مهما ارتفعت مكانة الكتاب عند اتباعه وانا لا اقول ان الكافي لا قيمة له، بل على العكس، قيمته التاريخية كبيرة جدآ لمن يريد دراسة الفكر الروائي الامامي وتطوره، ولكن القيمة التاريخية شيء، وتحويل كل ما فيه الى حقيقة دينية مطلقة شيء آخر.

 

وهنا تكمن المفارقة... كتاب يحتاج الى التمحيص حتى نعرف الصحيح من الضعيف، لا يمكن ان يكون هو نفسه معيارآ نهائيآ للصحة وكتاب يحتوي على روايات تحتاج الى الترجيح والتأويل لا يمكن ان يتحول بمجرد شهرته الى كتاب فوق النقد والاكثر غرابة ان البعض عندما تواجهه برواية مشكلة من الكافي يقول لك: الرواية ضعيفة

ولكن هنا يأتي السؤال: اذا كانت ضعيفة، فلماذا وجدت طريقها الى كتاب يعده البعض من اهم كتب الرواية؟ .. واذا كانت صحيحة، فلماذا يحتاج مضمونها الى كل هذا التأويل؟ .. واذا كانت لا هذه ولا تلك، فلماذا لا يكون هناك منهج واضح منذ البداية يبين للقارئ حقيقة كل رواية؟

وهنا اصل الى النتيجة التي اراها واضحة بعد قراءة الكتاب:

الكافي ليس كتابآ معصومآ، وليس كل ما فيه صحيحآ، وليس كل ما فيه صالحآ لبناء عقيدة، وليس وجود الرواية بين دفتيه دليلآ على صحتها ومن يريد ان يدافع عن الكتاب فليدافع عنه بالمنهج، لا بالقدسية.

وليأتنا بالرواية وسندها ومصدرها وتاريخ انتقالها ومضمونها، ثم ليترك للعقل حق السؤال.. لانني لا اخشى الرواية التي تستطيع ان تقف امام النقد.. انا اخشى الرواية التي تحتاج الى منع السؤال حتى تبقى واقفة.

ولهذا اقولها بصراحة: اذا كان الكافي يحتاج الى قرون من علماء الرجال حتى نعرف ماذا نقبل منه وماذا نرفض، فهذه وحدها كافية لنعرف اننا امام كتاب روائي يحتاج الى التحقيق، لا امام كتاب مقدس يحتاج الى التسليم.

 

الخلاصة ... المشكلة في «الكافي» ليست في رواية ضعيفة أو أخرى غريبة، بل في القداسة التي أُحيط بها كتاب بشري، حتى أصبح نقد بعض رواياته عند البعض وكأنه نقد للعقيدة نفسها.

فالكليني ليس معصومًا، والرواة ليسوا معصومين، والكتاب ليس وحيًا، والرواية لا تصبح حقيقة لمجرد أنها وجدت مكانًا بين دفتيه.

إن كان النص صحيحًا، فليصمد أمام العقل والنقد. وإن كان ضعيفًا، فلا تنقذوه بالقداسة.. فالكتاب الذي يحتاج إلى قرون من العلماء لتمييز صحيحه من سقيمه، لا يمكن أن يُعامل وكأنه كتاب الحقيقة المطلقة.

وهنا أقولها بلا مواربة: اقرأوا «الكافي» بعقولكم، لا بقداسته؛ فالحقيقة لا تخشى السؤال، أما النص الذي يخاف من النقد، فربما كان أول ما يحتاج إليه هو النقد.

 


الجمعة، 7 أغسطس 2026

مقال

 

زهرة المقدسة... والبارون

تحت عنوان

الثوابت والمتغيرات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



عُرفت العرب منذ زمن بعيد بالأدب وقضية الحب، ومنها طقوس تخليد الحبيب لمن أحب من خلال الكلمات، وما أشبه اليوم بالأمس، فقد مرت سنوات طويلة ولم يندثر هذا العرف.

حتى جاء هذا اليوم وأنا أكتب فيها هذه الكلمات، وقد يظن الكثير أن زهرة في حياة البارون قد تكون قصة من وحي الكاتب، ولكن ما لا يعرفه كل من على هذه الأرض أن زهرة امرأة لا شيء قبلها ولا بعدها.

وهنا، وفي هذا الموضع، قد أكون قد شغلتُ قلبي بمنصب الخليفة، وهي سيدة القصر، وكل النساء اللاتي عرفتُهن من دونها جوارٍ قد استأنس بهن حضرة الخليفة.

لتكون قدسيتها ليست دينية، ولكنها قد دخلت حيز الثوابت، فلكل إنسان ثوابت في الحياة، فكذلك أنا، وهي، (إن الله ربي، وإن محمدًا رسولي، وإن زهرة هي المرأة التي أحببت) ، وما دونها كله متغيرات.

وليعرف الجميع أن ما أكتب وما كتبت هو عبارة عن تجارب حياتي، وهي أصدق بكثير ممن كتبها، ولهذا كتبت هذه الكلمات.

أما التخليد، فهو من أصعب القضايا التي مرت على البشرية جمعاء، وهو يأتي من الخلود، ولعدم الدخول في باب الشرك وقضايا قد تغضب الله، كان للعرب رأي آخر، وهو أن يُخلَّد من حظي بالحب، فتجد أمثلة رائعة في الموروث الأدبي العربي، مثل قيس وليلى وغيرها الكثير. ولا يخفى على أحد أن حكاية روميو وجولييت هي قصة مقتبسة من ذلك المفهوم في الأدب العربي.

وعندما عرفت زهرة، لم تكن امرأة عابرة قد تمر في حياة رجل، ولكن لم تعرف الأرض اليوم امرأة مثل زهرة، كيف لا وهي حلوة الشكل والكلام، وهي منبع الوئام، حتى إنها قد أذهبت من عينَيَّ النوم، بينما الناس ينامون.

وبعد كل ما ذكرت، كيف لا يكون لهذه المرأة صرح من دون نساء الأرض يتحدث عنها؟ فكانت فكرة اسم المجلة في وقتها (زهرة البارون) . وقد يسأل أحدكم هنا: لماذا لم يكن الاسم (زهرة) فقط؟ ولماذا أقرنت اسمك معها؟

وهنا يكون الرد، ويتجسد في أنها من أحببت، وأنها كل النساء اللاتي عرفت، ومن دونها عرفتهن فقط لأنهن قد يحملن صفة واحدة من صفاتها.

ولأن بعض النساء لا يدخلن حياة الرجل كما يدخل الآخرون، فإنهن لا يكنَّ مجرد عابرين في صفحات العمر، بل يتحولن إلى جزء من تكوين الروح نفسها. وهنا كانت زهرة، فلم تكن امرأة مرت في طريق البارون، بل كانت الطريق الذي أعاد تعريف الأشياء من حوله، كانت اللحظة التي توقف عندها الزمن ليقول إن هناك أشخاصًا لا يشبهون غيرهم، ولا يمكن أن يكون لهم بديل.

فزهرة لم تكن قصة حب عادية تُروى، بل كانت حالة شعورية لا يمكن وصفها بالكلمات، لأن بعض الأحاسيس أكبر من اللغة، وبعض الأشخاص أكبر من أن تختصرهم الحروف. هي المرأة التي لم تسكن القلب فقط، بل أصبحت جزءًا من نبضه، وكأن القلب قبل معرفتها كان ينتظر حضورها حتى يعرف لماذا خُلق.

وليعلم الجميع أن تقديس الإنسان لمن أحب لا يعني عبادة، وإنما يعني أن يمنح الوفاء مكانته، وأن يحفظ قيمة إنسان كان له أثر لا يشبه أي أثر آخر. فهناك أشخاص لا نضعهم في الذاكرة، بل نضعهم في مكان أعمق من ذلك بكثير؛ نضعهم في الروح، حيث لا تصل يد النسيان، ولا تستطيع السنوات أن تغير ملامحهم.

لقد كانت زهرة بالنسبة لي ليست أجمل النساء فقط، بل كانت المعنى الذي اجتمعت فيه كل الصفات التي كنت أبحث عنها. كانت جمال الروح قبل جمال الشكل، وكانت دفء الكلمة قبل حلاوة الحديث، وكانت الطمأنينة التي تأتي للإنسان عندما يشعر أنه وجد المكان الذي ينتمي إليه.

فكل النساء بعد زهرة لم يكنَّ مقارنة بها، بل كنَّ مجرد إشارات عابرة إلى بعض الصفات التي اجتمعت فيها. وكأن القدر أراد أن يعلمني من خلالها أن الإنسان قد يبحث طويلًا عن شيء لا يعرف اسمه، ثم يأتي شخص واحد فيختصر له كل البحث.

ولهذا أصبحت زهرة من ثوابت حياتي، لأن الثوابت لا يصنعها الزمن، بل يصنعها الأثر. وما تركته في قلبي لم يكن ذكرى عابرة، وإنما كان وطنًا صغيرًا أسكن إليه كلما ازدحم العالم من حولي.

قد يختلف الناس في تعريف الحب، ولكنني أؤمن أن الحب الحقيقي هو أن تجد إنسانًا لا تحتاج معه إلى إثبات شيء لأحد، لأن وجوده وحده يصبح الدليل. وزهرة كانت ذلك الدليل؛ كانت الصفحة التي لا أريد أن تُطوى، والقصيدة التي لا أريد أن تنتهي، والاسم الذي كلما كتبته شعرت أنني لا أكتب حروفًا، بل أستعيد جزءًا من روحي.

ولهذا سيبقى اسمها مقترنًا بالبارون، ليس لأن الاسم يحتاج إليها، بل لأن القلب اختار أن يجعلها عنوانًا لمرحلة لا تشبه أي مرحلة، وذكرى لا تشبه أي ذكرى، وحبًا بقي ثابتًا في عالم لا يعرف إلا التغير.

الخلاصة ... قد يكتب الإنسان آلاف الكلمات، وقد يحمل قلمه بين أصابعه سنوات طويلة، ولكن تبقى هناك قصة واحدة لا يكتبها القلم بقدر ما يكتبها القلب. وزهرة كانت تلك القصة التي لم تبدأ بحروف، بل بدأت بإحساس، ولم تنتهِ بغياب أو مسافة، لأنها لم تكن يومًا شخصًا في حياتي، بل كانت جزءًا من الحياة نفسها.

فالأشياء الجميلة قد تمر بنا، ولكن القليل منها يترك أثرًا لا يمحوه الزمن. وزهرة لم تكن زهرة في حديقة العمر فقط، بل كانت الحديقة التي وجدت فيها روحي مكانها، وكانت النور الذي جعل للأيام معنى آخر، وكانت الإجابة التي لم أكن أعرف أنني أبحث عنها.

قد تتغير الوجوه، وقد تتبدل الظروف، وقد يأخذ الزمن من الإنسان الكثير، لكنه لا يستطيع أن يأخذ منه إنسانًا أصبح جزءًا من كيانه. ولهذا ستبقى زهرة في داخلي ليست ذكرى أعود إليها، بل حضورًا أعيش معه، وليست اسمًا أكتبه، بل نبضًا أشعر به.

سيعرف الجميع أن بعض النساء لا يرحلن عندما يغادرن المكان، لأنهن لا يسكنَّ الأماكن، بل يسكنَّ القلوب. وزهرة اختارت لها في قلبي مكانًا لا ينافسها فيه أحد، ولا يصل إليه أحد، لأنها ببساطة لم تكن امرأة أحببتها فقط... بل كانت المرأة التي جعلتني أعرف معنى أن يكون للحب وطن.

وهكذا يبقى الثابت الوحيد في زمن المتغيرات: أن هناك حبًا يولد مرة واحدة، وإذا سكن الروح لا يغادرها أبدًا... وستبقى زهرة، كما كانت دائمًا، أجمل الثوابت في حياة البارون.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

مقال

 

 الزيدي .. وحتمية الفشل

تحت عنوان

المعطيات والنتائج

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين


البداية، ليعلم كلُّ من على هذه الأرض، لو أنَّ ملاكًا من السماء قد تولى أمر العراق اليوم، فلن يملك الحلول السحرية لفكِّ طلاسم الفوضى في هذا البلد. وأستند في قولي إلى كلام الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. صدق الله العظيم.

ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب لقولنا هذا، سوف نستعرض أهمها، وما سوف يكون في الأيام القادمة.

 

سياسة الحريم... قد يسأل أحدكم: ما العلاقة بين سياسة الحريم وما يجري في البلد اليوم؟ وكما هو متعارف عند العامة، فإن معظم النساء تمتلك سياسة واحدة بعد الزواج، حيث تجدها تعاني من اضطهاد أسري داخل المنزل، وفي الغالب تعكسه على الآخرين، أقوالًا أو أفعالًا، وتعتبره أعظم مشاكلها، فتجدها دومًا تردد بأن هذه تغار منها، وأخرى تحسدها، وهناك من تضع عينها على زوجها. وهذه الصورة، بأدق تفاصيلها، تشرح السياسة العراقية المعاصرة للنظام، فعندما أعلن زواجه بالجارة إيران بعقدٍ عقائدي، من وجهة نظر السلطة، أصبحت مشاكله مع المحيط العربي والإقليمي مشابهة لسياسة الحريم.

وبما أن من يُعتبرون رموز النظام قليلو الخبرة في علم السياسة، فلم يدركوا حقيقة العمل السياسي، التي مفادها: (قدرتك على امتلاك أيديولوجيات التعامل السياسي، لضمان ديمومة قدرة البلد على امتلاك علاقات متزنة تضمن المصلحة العامة للدولة.) ورغم وجودهم على رأس الهرم السلطوي في العراق، لم يدركوا بعد هذه الحقيقة، التي انتهت بهم إلى الدخول في أزمات قد تطيح، قريبًا، بالنظام.

 

مسؤول الصدفة... وهنا أشير بشكل واضح إلى شخصية الزيدي، وهو رجل قليل الخبرة في إدارة الدولة، ولا أجد في هذا الكلام نوعًا من الانتقاص من شخصيته كرئيسٍ للوزراء، لأنها الحقيقة. وقدومه كان نوعًا من الالتفاف على التعنت الأمريكي، المتمثل بالرئيس ترامب، وهذه تُعد من القضايا الكارثية في عالم السياسة وإدارة البلدان، ولهذا فلن تجده يملك العصا السحرية كما يظن البعض.

 

أفلام الكابوي... ويبدو أن السياسيين والزعامات السياسية في العراق، ومن خلال احتكاكهم بالعقلية الأمريكية، اكتسبوا فكرة أفلام الكابوي فيما يخص مكافحة الفساد. وإذا ما سألني أحد عن رأيي بما يحدث، فسوف يكون الرد: (إن الفساد في العراق ممثل بقطار، فعندما امتلأ وخرجت رائحته، قرر عرابو العمل السياسي في البلد التضحية ببعض الشخوص، كنوع من ذر الرماد في العيون، لكن القطار سوف يمضي في طريقه، ولن يوقفه أحد.) وكأنك يا أبا زيد ما غزيت. ولهذا تجدني لا أثق بما أسمع أو أرى من المطبلين للنظام.

 

مواعيد عقروب... لم يبقَ من المهلة التي ارتبط بها الوفد الذي زار الولايات المتحدة سوى أيام قليلة، ولكي يكون الأمر كما يزعمون، يجب أن تكون للعمل بوادر ملموسة، ولكنك لن تجد شيئًا يُذكر على أرض الواقع. وما سوف يكون من موقف الرئيس الأمريكي فيما وعد به من إعطاء امتيازات تُخرج العراق من المأزق؟ وفي حالة عدم تحقيق مطالبه، فسوف يكون الأمر كما في إحدى حكايات التراث العربي، إذ يُروى أن شاعرًا زار أحد الشيوخ، وألقى الشعر في حضرته، وكلما كان هناك بيت جميل صاح الشيخ: (لك هذا من العطايا) وعند الصباح جاء الشاعر يطالب بالعطاء، عندها ردد الشيخ مقولته المأثورة: (سمعتنا طيب، وسمعناك طيب) وإذا ما كان هذا هو المصير، فسوف تحل الكارثة، فالبلد لا يُدار بالادعاءات الكاذبة، ولا بالإعلام، ولا باستغباء العالم.

 

السيناريو الدامي... منذ ثمانية أشهر، لا أعلم لماذا، كتبت أننا سوف نصل إلى هذا اليوم، الذي يجد فيه النظام نفسه عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته تجاه المواطن والعامة، وهذا ما سوف يكون فتيل النار التي لا تُبقي ولا تذر. فالاحتقان الطائفي والقومي موجود، ولا أحد يستطيع إنكاره، بسبب أن النظام شرّع القوانين لهذا المصطلح، والسلاح بيد الجميع، دون رقيب أو حسيب يُذكر. وبعدها يخرج علينا أحدهم ليقول إننا ما زلنا بخير، ولا أعلم عن أي خيرٍ يتحدث.

 

الخلاصة ...  لست ممن يعلقون فشل الأوطان على رجلٍ واحد، ولا ممن يصنعون من الأشخاص شماعةً يعلقون عليها كل الأخطاء، لكنني أنظر إلى المعطيات قبل النتائج، وأقرأ المشهد كما هو لا كما يراد لنا أن نراه. فعندما يكون النظام مثقلًا بالأزمات، والقرار موزعًا بين المصالح، والفساد قد تحول إلى ثقافة، والعلاقات الخارجية تدار بمنطق ردود الأفعال لا بمنهج الدولة، فإن أي رئيس للوزراء، مهما امتلك من النوايا، سيجد نفسه يصارع طاحونةً لا تتوقف عن الدوران.

ولهذا فإن حديثي عن حتمية الفشل ليس نبوءة، ولا أمنية، وإنما قراءة لمسارٍ إذا بقيت أسبابه قائمة، فإن نتائجه لن تتغير. فالتاريخ لم يرحم سلطةً عجزت عن قراءة واقعها، ولم يغفر لحاكمٍ ظن أن الإعلام يصنع الإنجاز، أو أن الوعود تؤجل غضب الشعوب إلى الأبد. فالدولة لا تُدار بالشعارات، ولا بالمجاملات، ولا بترحيل الأزمات من شهر إلى آخر، وإنما تُدار بقراراتٍ تغيّر الواقع. وما دام الواقع على حاله، فإن النهاية، في رأيي، لن تكون إلا امتدادًا لبدايةٍ كُتبت ملامحها منذ اليوم الأول.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

مقال

 

المقارنة بين (عاهرة) و(جماعات الإسلام السياسي)

تحت عنوان

عندما يُكسر جدار الصمت

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قد يكون العنوان صادمًا جدًا لمن يهم بقراءة هذا المقال؛ لأنه سيتضمن حكاياتٍ قد لا يجرؤ أحد على سردها. وقد جاءت فكرة المقال من انتقادٍ وجَّهه إليَّ الدكتور عبد السلام الجبوري، أستاذ مادة التاريخ، حين قال لي: (لو كنتَ كتبتَ عن العاهرات بدلًا من موضوعك عن المدعو حسن البنا ومنهجية الإخوان المسلمين) والحق يُقال إنني أجد من الظلم للعاهرة أن توضع في مقارنة مع شراذم الإسلام السياسي.

وتبدأ الحكاية بأنني لم أدَّعِ المثالية يومًا؛ فأنا بشر أخطئ وأصيب، ومن هذا المنطلق سأبين للقارئ كيف يكون خطر العاهرة أقل بكثير من خطر هؤلاء، ومهما بلغت بالسوء فلن تصل إلى ما وصلت إليه الجماعات الإسلامية بجميع مذاهبها المتعارف عليها اليوم.

(الفرج فرجها، والأرض أرض الله) مثلٌ مقتبس من الذين يزاولون هذه المنهجية، وفيه دلالة واضحة على أن ذلك السلوك سلوك فردي، وأن من يتعامل معها لا يكون بالضرورة إنسانًا صالحًا أو رجلًا تقيًا، لكنه أيضًا لا يكون مصدر تهديدٍ اجتماعي شامل، وذلك على عكس آليات تلك الجماعات التي تدفع الكثيرين إلى نيل غضب الله.

 

السقوط الحر... هل تعلم أن من تزاول مهنة الدعارة تعيش مفهوم السقوط الحر بالمعنى الحقيقي للكلمة، حتى قد يصل بها الحال إلى إسقاط كل الثوابت التي يمكن أن يعتنقها بشر، وذلك بسبب فقدانها المعيار الوحيد المتعلق بعفتها؟ وهنا تحضرني مقولة الدكتور أحمد يونس ازعيتر: (إن كل شيء يمكن اكتسابه بعد فقدانه، إلا الشرف) وهذا ما يؤكد الفكرة التي أريد الوصول إليها.

 

تجربتي... في حقبة الشباب الأولى، وبينما كنا نحضر أحد الأعراس، أعجبتني امرأة رائعة الجمال من ناحية الشكل، وبعد تبادل النظرات اقتربت مني، وبعد التعارف طلبت مني أن أوصلها إلى منزلها، رغم أنه لم تكن بيننا معرفة سابقة. وما قد يستغربه القارئ أن قراري كان أقرب إلى الجنون، فهو طيش الشباب. وبعد مضي الوقت وتوطيد العلاقة، كان هناك طلب غريب جدًا منها، فبينما كنت جالسًا في منزلها أخرجت سلاحًا وقالت بالحرف الواحد: (أريد منك قتل زوجي) وهنا كانت ما يمكن أن أسميه **صحوة الوعي**؛ إذ قررت الانسحاب، ولم يكن ذلك من باب الجبن أو التخاذل أمام امرأة تربطني بها علاقة، وإنما كان تبيانًا للحقيقة التي قد يصل إليها البشر من السوء، ومع ذلك فإن هذا كله لا يقارن بما يفعله أشباه المتدينين من الأحزاب الدينية. ومع ذلك، فقد كان ذلك عملًا فرديًا، وبين فكرة الرفض والقبول يبقى هناك مفهوم واضح، وهو أن وقوع السوء -إن وقع- سيكون تصرفًا فرديًا، لا منهجًا قائمًا على التكفير والقتل الجماعي.

 

مجتمع لا يملك الإدراك الفكري... فبينما يستهجن فكرة ممارسات العاهرة، يحابي من هم أخطر بكثير من العهر، وذلك بسبب وجود نوعين من الخطر بين هذين النموذجين؛ فالأول يشمل تصرفات فردية، يعرف القاصي والداني أنها مذمومة، أما الخطر الثاني فهو الأكثر فتكًا؛ لأنه يحول العالم بأسره إلى عهرٍ من نوع آخر باسم الدين، فيكون فيهم من يتولى منصب (المرشد للضلال) ، وتكون وظيفته الرئيسية الإرشاد إلى ارتكاب المعاصي الجماعية باسم الذات الإلهية. وبما أن مجتمعاتنا اليوم تتعامل مع تلك الظواهر بهذه الطريقة، يستحضرني مثلٌ شعبي يقول: (يريدوها كبار كبار، يريدوها صغار صغار) ، وفي هذا دلالة على المعايير المتغيرة في التعامل مع الخطأ.

 

تصحيح سوء الفهم... قد يظن الكثير ممن يقرأ هذه السطور أنني أدافع عن السوء، لا سمح الله، ولكنها قضية تهدف إلى بيان الحق في القول والفعل. وما قمت به في هذا المقال هو عقد مقارنة بين السوء والأسوأ، وقد أكسر بهذه الكلمات جدار الصمت الذي يهابه الكثير في تصحيح المسارات الفكرية، وتحديد درجات القضايا التي يمكن من خلالها أن يكون مجتمعنا المعاصر في خطر كبير. وما ورد هنا جاء نوعًا من الرد على الاستهجان الذي أبداه كثيرون تجاه مقالي السابق.

 

المثالية نوع من الشرك بالله (والعياذ بالله)... اليوم، يبدأ كثير ممن تكلمهم حديثه عن الكمال الذي يريد الوصول إليه، وقد يعود ذلك إلى المفاهيم المغلوطة في الإرث الديني الذي وصل إلينا. وما لا يعلمه الكثير أننا لسنا آلهة ولا أنبياء، وإنما نحن بشر خلقنا من نفس ضعيفة، ومن هذا الباب يسعى كثيرون إلى الكمال، مع أن الكمال صفة من صفات الله عز وجل، ومنازعة الله في صفاته أمرٌ عظيم. فالخطأ وارد في حياتنا اليومية، ولو أدرك أحدنا هذا المفهوم لما بقي بيننا من يدعي أنه خالٍ من العيوب، ولو كانت هذه الشخصية موجودة بيننا لاستحقت أن تُعبد من دون الله، ولكن بسبب سوء فهم العامة للنصوص المتعلقة بالدين، وتأثر كثير من المنظرين في الإسلام بمفاهيم فلسفية مثل فكرة (المدينة الفاضلة) ، تجدهم يهرولون نحو تثبيت فكرة الوصول إلى المثالية والكمال، وفي هذا سذاجة لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى، وهذا ما نجده في تلك الجماعات الإسلامية المنحرفة.

 

الخلاصة ... العاهرة ومن يتزعم تلك الجماعات، في معاييري الفكرية، لا يختلف أحدهما عن الآخر من الناحية الأيديولوجية، وإنما يكون الاختلاف في آلية التطبيق؛ فبينما يقوم الأول بقتل نفسه، يقوم الآخر بقتل الكثير من الناس بفكرٍ رسمه الشيطان، ليوهم الجميع بأن الحق باطل، والباطل حق. ولهذا ترى أننا فقدنا اليوم الجوهر الحقيقي للإسلام، حتى وصل الحال بي إلى أن أرى أن ممارسة المجون -رغم قبحها- أقل خطرًا من الانتماء إلى جماعة تلبس ثوب الحق لتخفي به الباطل، وهو أمر لا يقبله العقل، ولا يمكن مقارنته حتى بما فعله الشيطان.

الأربعاء، 29 يوليو 2026

مقال

 

في حياة كلٍّ منا... أحمق

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قد يبدو للقارئ، للوهلة الأولى، أن العنوان يستخدم التعميم في القول، ولكن، وللأسف الشديد، هذه حقيقة لا يمكن حجبها.

فالحمق صفة لا تقتصر على الرجال دون النساء؛ فالأحمق هو الشخص الذي يفتقر إلى حسن التقدير، فيتصرف أو يتكلم دون تعقّل أو نظر في العواقب، فيكرر الأخطاء، ويغلب عليه سوء الحكم أكثر من نقص الذكاء، ولكن لا تستطيع وصفه بالغبي.

وللحمقى في مجتمعنا صور عديدة سوف نستعرضها، فربما تكون واحدًا منهم دون إدراكك لذلك، وربما يكون صديقًا، أو أخًا، أو أختًا، أو أحد الأقارب، أو أحد معارفك، ولهذا تكون أهمية الموضوع نابعة من ارتباطنا بهؤلاء.

 

كيف تعرفهم... والأمر هنا لا يشكو من تعقيد يُذكر؛ فالرجل الذي يستعبد للمال والنساء، والمرأة التي تبحث عن الشكليات، والصديق الذي طالما يبحث عن عيوبك ليتسلى بروايتها أمام الناس، والأقرباء الذين يشغلهم جمع المعلومات عن أقاربهم، لدرجة أن ذلك يصبح شغلهم الشاغل؛ فكل هؤلاء، وأكثر، هم عينة مما سوف يرد في هذه السطور، وكلهم حمقى في حياة كلٍّ منا.

 

هو شيطان وهو حيوان... ولنبدأ هنا من تراثنا الشعبي في مدينة الموصل؛ فهناك مصطلح يُطلق على أفعالهم، وهو  (غل مزاح) ، ويُقصد به ذلك الفعل الذي يُجند فيه المزاح لغرض (التنمر والغيبة والنميمة) . وهذا نوع لا يمكن إدراجه تحت مصطلح الغباء؛ لأنه احترافي في توظيف السوء بمقولات ضاحكة، ويُعد هذا النوع من أكثر الأنواع شيوعًا في مجتمعاتنا المعاصرة.

 

من يوصف بالشاطر... وما لا يعلمه الكثير أن (الشاطر) اسم من أسماء الشيطان، والعياذ بالله. وهذه أيضًا من الحماقة؛ فأشقى الناس يوم الحساب هو من يأتي بالإثم على أنه شطارة. وهؤلاء تجدهم متمسكين بما يُعرف بالممارسات التي تسهل عليهم الربح الدنيوي، حتى ولو كان ذلك على حساب الأفراد والجماعات، دون وازع ديني أو أخلاقي، وقد يُعد هذا النوع من الحماقة الأوسع انتشارًا اليوم.

 

الباحثون عن المشاكل... وهنا تكمن الكارثة؛ فهناك الكثير من البشر لا يستطيعون العيش دون مشكلة يتداولونها، فتراه مرة ناقلًا، وأخرى هو من افتعل الحدث، حتى قد يصل الأمر به إلى استيحاش السلام من حوله، بل إن الأمر قد يرتقي إلى أن يكون سلوكًا يشابه ما يُعرف في علم النفس بالشخصية المثيرة للدراما  (High-Conflict Personality)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف أشخاص يدخلون باستمرار في صراعات، ويلومون الآخرين، ويصعّدون الخلافات حتى في أبسط المواقف.

 

الحمقى لا يتعلمون... ولعل أكثر ما يميز هذه الفئة أنها لا تتعامل مع الخطأ على أنه تجربة، بل تتعامل معه على أنه منهج حياة. فمهما اصطدمت بالنتائج، ومهما خسرت من الناس، ومهما دفعت من أثمان، فإنها تعود إلى الفعل نفسه وكأن شيئًا لم يكن. ولهذا قيل إن العاقل يتعلم من خطئه، والحكيم يتعلم من خطأ غيره، أما الأحمق فلا يتعلم لا من هذا ولا من ذاك، لأنه يرى نفسه دائمًا على صواب، ويرى أن الكون كله هو المخطئ. ولهذا لا تجد الأحمق يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن مبرر جديد يستر به حماقته القديمة.

 

الأحمق عدو نفسه... ومن الغريب أن هذا الصنف لا يحتاج إلى عدو، لأنه يقوم بالمهمة بنفسه. يهدم ما بناه بيديه، ويكسر الجسور التي أوصلته إلى الناس، ثم يجلس يتساءل لماذا ابتعد الجميع عنه. يجرح من أحسن إليه، ويخاصم من نصحه، ويثق بمن يخدعه، ثم يعلن في نهاية المطاف أن الدنيا لا تستحق العيش. والحقيقة أن الدنيا لم تظلمه، وإنما ظلم نفسه حين جعل الحماقة مستشارًا دائمًا لكل قراراته.

 

بين الذكاء والحماقة... قد يكون الإنسان محدود العلم، لكنه حكيم في تصرفاته، وقد يحمل أعلى الشهادات، ولكنه لا يحسن إدارة موقف واحد في حياته. فالحماقة لا تقاس بمقدار ما يحمله الإنسان من معلومات، وإنما تقاس بمقدار الضرر الذي يصنعه لنفسه ولغيره. ولهذا نجد في الحياة أناسًا بسطاء، لكنهم أصحاب عقول راجحة، ونجد آخرين يتحدثون في كل شيء، ولا يحسنون شيئًا سوى صناعة الفوضى وإقناع أنفسهم أنهم أصحاب رأي.

 

الأحمق حين ينصح... ومن أعجب صور الحماقة أن يتحول صاحبها إلى واعظ للناس. فهو أول من يخالف ما يقول، وأول من يسقط في الفخ الذي حذر غيره منه. يعطي النصائح كما توزع المنشورات، لكنه لا يلتزم منها بشيء، حتى إذا واجهته بالحقيقة غضب، لأن الأحمق لا يكره شيئًا كما يكره المرآة التي تكشف صورته الحقيقية.

 

أخطر أنواع الحماقة... هي تلك التي ترتدي ثوب الفضيلة. فتجد صاحبها يتحدث عن الأخلاق وهو أول من يهتكها، ويتحدث عن الصدق وهو أكثر الناس كذبًا، ويتحدث عن الوفاء وهو أول من يغدر، ويتحدث عن الدين وهو يجعل منه وسيلة لتحقيق مصالحه. وهذه ليست مجرد حماقة، بل حماقة متخفية، لأنها تخدع الناس فترة من الزمن قبل أن تنكشف، وما أكثر الأقنعة التي سقطت حين جاءت ساعة الامتحان.

 

ولأننا نعيش بينهم... فإن المشكلة لا تكمن في وجود الحمقى، فهؤلاء وجدوا في كل زمان ومكان، وإنما تكمن في منحهم مساحة أكبر من حجمهم الحقيقي. فالأحمق إذا وجد من يصفق له، ظن نفسه حكيمًا، وإذا وجد من يخشاه، ظن نفسه قويًا، وإذا وجد من يصمت عنه، اعتقد أن الجميع يقر له بالصواب. ولهذا فإن أخطر ما يفعله المجتمع ليس صناعة الأحمق، بل صناعة الهالة التي تحيط به، حتى يتحول مع مرور الأيام إلى مرجع لمن هم أشد حماقة منه.

 

الخلاصة ... لا تبحث عن الأحمق في الطرقات، فربما كان يجلس إلى جوارك، أو يشاركك مجلسك، أو يملأ صفحات هاتفك كل يوم، وربما يكون أكثر الناس حديثًا عن العقل والحكمة. فالحماقة لا تلبس ثياب المهرجين، بل كثيرًا ما ترتدي بدلة أنيقة، أو تتزين بعبارات رنانة، أو تختبئ خلف ابتسامة مصطنعة.

إن أخطر الحمقى ليسوا أولئك الذين يجهلون، بل أولئك الذين يظنون أن كل ما يفعلونه صواب، وأن كل من يخالفهم عدو، وأن الاعتراف بالخطأ هزيمة. هؤلاء لا يصنعون لأنفسهم مستقبلًا، بل يصنعون للأوطان أزمات، وللمجتمعات شقوقًا، وللعلاقات الإنسانية قبورًا مفتوحة.

ولذلك، إن أردت أن تعرف مقدار الحماقة في مجتمع ما، فلا تنظر إلى عدد الحمقى فيه، فهؤلاء وجدوا في كل زمان، وإنما انظر إلى عدد الذين يصفقون لهم، ويدافعون عنهم، ويمنحونهم صكوك الحكمة وهم لا يحسنون حتى إدارة عقولهم.

ويبقى السؤال الذي لا يملك أحد الهروب منه... عندما انتهيت من قراءة هذه السطور، كم وجهًا مرَّ في ذاكرتك... وكم مرة خفت أن تكون إحدى تلك الوجوه هي صورتك في المرآة؟

 

 

قراءة في شخصية

  أقف إلى جوار الكارزما والجمال تحت عنوان الدكتورة ليلى المولى استاذة علم الفلسفة ... نموذجًا بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين ...