الزيدي .. وحتمية الفشل
تحت عنوان
المعطيات والنتائج
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
البداية، ليعلم كلُّ من على هذه الأرض، لو أنَّ ملاكًا
من السماء قد تولى أمر العراق اليوم، فلن يملك الحلول السحرية لفكِّ طلاسم الفوضى
في هذا البلد. وأستند في قولي إلى كلام الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ
مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. صدق الله
العظيم.
ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب لقولنا هذا، سوف نستعرض
أهمها، وما سوف يكون في الأيام القادمة.
سياسة الحريم... قد يسأل أحدكم: ما العلاقة بين سياسة
الحريم وما يجري في البلد اليوم؟ وكما هو متعارف عند العامة، فإن معظم النساء
تمتلك سياسة واحدة بعد الزواج، حيث تجدها تعاني من اضطهاد أسري داخل المنزل، وفي
الغالب تعكسه على الآخرين، أقوالًا أو أفعالًا، وتعتبره أعظم مشاكلها، فتجدها
دومًا تردد بأن هذه تغار منها، وأخرى تحسدها، وهناك من تضع عينها على زوجها. وهذه
الصورة، بأدق تفاصيلها، تشرح السياسة العراقية المعاصرة للنظام، فعندما أعلن زواجه
بالجارة إيران بعقدٍ عقائدي، من وجهة نظر السلطة، أصبحت مشاكله مع المحيط العربي
والإقليمي مشابهة لسياسة الحريم.
وبما أن من يُعتبرون رموز النظام قليلو الخبرة في علم
السياسة، فلم يدركوا حقيقة العمل السياسي، التي مفادها: (قدرتك على امتلاك
أيديولوجيات التعامل السياسي، لضمان ديمومة قدرة البلد على امتلاك علاقات متزنة
تضمن المصلحة العامة للدولة.) ورغم وجودهم على رأس الهرم السلطوي في العراق، لم
يدركوا بعد هذه الحقيقة، التي انتهت بهم إلى الدخول في أزمات قد تطيح، قريبًا،
بالنظام.
مسؤول الصدفة... وهنا أشير بشكل واضح إلى شخصية الزيدي،
وهو رجل قليل الخبرة في إدارة الدولة، ولا أجد في هذا الكلام نوعًا من الانتقاص من
شخصيته كرئيسٍ للوزراء، لأنها الحقيقة. وقدومه كان نوعًا من الالتفاف على التعنت
الأمريكي، المتمثل بالرئيس ترامب، وهذه تُعد من القضايا الكارثية في عالم السياسة
وإدارة البلدان، ولهذا فلن تجده يملك العصا السحرية كما يظن البعض.
أفلام الكابوي... ويبدو أن السياسيين والزعامات السياسية
في العراق، ومن خلال احتكاكهم بالعقلية الأمريكية، اكتسبوا فكرة أفلام الكابوي
فيما يخص مكافحة الفساد. وإذا ما سألني أحد عن رأيي بما يحدث، فسوف يكون الرد: (إن
الفساد في العراق ممثل بقطار، فعندما امتلأ وخرجت رائحته، قرر عرابو العمل السياسي
في البلد التضحية ببعض الشخوص، كنوع من ذر الرماد في العيون، لكن القطار سوف يمضي
في طريقه، ولن يوقفه أحد.) وكأنك يا أبا زيد ما غزيت. ولهذا تجدني لا أثق بما أسمع
أو أرى من المطبلين للنظام.
مواعيد عقروب... لم يبقَ من المهلة التي ارتبط بها الوفد
الذي زار الولايات المتحدة سوى أيام قليلة، ولكي يكون الأمر كما يزعمون، يجب أن
تكون للعمل بوادر ملموسة، ولكنك لن تجد شيئًا يُذكر على أرض الواقع. وما سوف يكون
من موقف الرئيس الأمريكي فيما وعد به من إعطاء امتيازات تُخرج العراق من المأزق؟
وفي حالة عدم تحقيق مطالبه، فسوف يكون الأمر كما في إحدى حكايات التراث العربي، إذ
يُروى أن شاعرًا زار أحد الشيوخ، وألقى الشعر في حضرته، وكلما كان هناك بيت جميل
صاح الشيخ: (لك هذا من العطايا) وعند الصباح جاء الشاعر يطالب بالعطاء، عندها ردد
الشيخ مقولته المأثورة: (سمعتنا طيب، وسمعناك طيب) وإذا ما كان هذا هو المصير،
فسوف تحل الكارثة، فالبلد لا يُدار بالادعاءات الكاذبة، ولا بالإعلام، ولا
باستغباء العالم.
السيناريو الدامي... منذ ثمانية أشهر، لا أعلم لماذا،
كتبت أننا سوف نصل إلى هذا اليوم، الذي يجد فيه النظام نفسه عاجزًا عن الوفاء
بالتزاماته تجاه المواطن والعامة، وهذا ما سوف يكون فتيل النار التي لا تُبقي ولا
تذر. فالاحتقان الطائفي والقومي موجود، ولا أحد يستطيع إنكاره، بسبب أن النظام
شرّع القوانين لهذا المصطلح، والسلاح بيد الجميع، دون رقيب أو حسيب يُذكر. وبعدها
يخرج علينا أحدهم ليقول إننا ما زلنا بخير، ولا أعلم عن أي خيرٍ يتحدث.
الخلاصة ... لست
ممن يعلقون فشل الأوطان على رجلٍ واحد، ولا ممن يصنعون من الأشخاص شماعةً يعلقون
عليها كل الأخطاء، لكنني أنظر إلى المعطيات قبل النتائج، وأقرأ المشهد كما هو لا
كما يراد لنا أن نراه. فعندما يكون النظام مثقلًا بالأزمات، والقرار موزعًا بين
المصالح، والفساد قد تحول إلى ثقافة، والعلاقات الخارجية تدار بمنطق ردود الأفعال
لا بمنهج الدولة، فإن أي رئيس للوزراء، مهما امتلك من النوايا، سيجد نفسه يصارع
طاحونةً لا تتوقف عن الدوران.
ولهذا فإن حديثي عن حتمية الفشل ليس نبوءة، ولا أمنية،
وإنما قراءة لمسارٍ إذا بقيت أسبابه قائمة، فإن نتائجه لن تتغير. فالتاريخ لم يرحم
سلطةً عجزت عن قراءة واقعها، ولم يغفر لحاكمٍ ظن أن الإعلام يصنع الإنجاز، أو أن
الوعود تؤجل غضب الشعوب إلى الأبد. فالدولة لا تُدار بالشعارات، ولا بالمجاملات،
ولا بترحيل الأزمات من شهر إلى آخر، وإنما تُدار بقراراتٍ تغيّر الواقع. وما دام
الواقع على حاله، فإن النهاية، في رأيي، لن تكون إلا امتدادًا لبدايةٍ كُتبت
ملامحها منذ اليوم الأول.




