بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

مقال

 

الوصايا العشرة للمواطن العراقي

تحت عنوان

عند وقوع الكارثة القادمة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



يتصور الكثير في عالمنا اليوم أن القلم ووظيفته تنحصر في إيجاد نصوص تُكتب لغرض المتعة من خلال النصوص الأدبية، ولكن هناك وجه آخر لعمله، وهو التوعية البشرية في فترات الكوارث والحروب. ويبدو أن القرار قد أُقرَّ في مجالس السياسة الدولية لبداية فصل دموي، ولهذا كان علينا واجب أخلاقي تجاه المواطن العراقي إبان الحقبة القادمة التي بانت بوادرها في الوقت الحالي، فقد تكون تلك الوصايا كطوق نجاة في وقتها، ومنها:

 

·      لا تجعل انتماءك أقوى من إنسانيتك... حين تبدأ الحرب الأهلية، تصبح الهوية سلاحاً، ويصبح الإنسان رقماً في صفٍّ من الصفوف. تذكّر أن إنسانيتك أقدم من حزبك، وأبقى من طائفتك، وأعلى من كل راية، ولهذا يجب أن يكون انتماؤك للأرض التي تربطنا بكل ما يتعلق بالتاريخ والحاضر والمستقبل.

 

·      لا تمنح عقلك لمن يحمل السلاح... فمن يملك البندقية لا يملك بالضرورة الحقيقة. السلطة التي تدخل رأسك أخطر من الرصاصة التي تمر بجانبك، ولهذا يجب أن يكون لكل مواطن وعي قادر على صياغة قناعات تكون بمثابة نقطة انطلاق لعقيدة تُسمى الوطن.

 

·      لا تجعل الخوف عقيدة... الخوف غريزة تحمي الجسد، لكنه حين يتحول إلى طاعة عمياء يقتل العقل. لا تسمح للخائفين أن يصنعوا منك مقاتلاً في حرب لم تخترها، أو أكباشاً تُذبح كقرابين لسياسات قذرة إقليمية.

 

·      لا تقتل المختلف لأنك لا تفهمه...  الاختلاف ليس جريمة، والإنسان لا يصبح عدواً لمجرد أنه وُلد في الجهة الأخرى من الخريطة أو حمل اسماً مختلفاً، وقد قرأنا في الأثر: **«الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية»**، وبهذا لا يكون هناك مختلف بدرجة عدو.

 

·      لا تصدّق الرواية التي تحتاج إلى دم كي تثبت نفسها... الحقيقة لا تحتاج إلى جثة كي تنتصر، والعقيدة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا بالرصاص ليست قوةً في الفكر، بل عجزاً عن الإقناع. ولهذا، دورك يكون في إبعاد تلك الأفكار السوداء التي لا يمكن إثباتها إلا من خلال شلالات الدم والمجازر الأهلية.

 

·      احمِ جارك قبل أن تسأل عن هويته... في الحرب يصبح السؤال: «من أنت؟» أخطر من السؤال: «هل أنت إنسان؟». وحين يسقط هذا السؤال الأخير، يسقط الوطن معه. وهذا مستنبط من حديث رسول الله (ص): **«ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه»**، صدق رسول الله. ولهذا أرى أن هناك قدسية للجار، بغض النظر عمّن يكون.

 

·      لا تجعل الانتقام عدالة...  الانتقام هو أن تورّث جريمةً إلى إنسان لم يرتكبها، ثم تطلب منه أن يورّثها إلى آخر. وهكذا تتحول الحرب من حادثة إلى ثقافة، عندها نكون قد خرجنا من حدود الإنسانية إلى الخصيلة الحيوانية التي تفقدنا إنسانيتنا.

 

·      لا تكن وقوداً لمن يجلس بعيداً عن النار... كثيرون يشعلون الحروب ولا يدخلونها، ويطلبون من الفقراء أن يموتوا دفاعاً عن مصالح الأغنياء وأوهام السياسيين. لا تمنح حياتك لمن لا يخاطر بحياته، ولهذا لا تأخذ قرار الحرب من شخصيات بعيدة عن مشهد الحدث إذا ما وقعت، فلكل منا عقل يرشده للصواب وقتها.

 

·      تذكّر أن الحرب تنتهي على الخرائط قبل أن تنتهي في النفوس... قد تتوقف البنادق، لكن الجرح الذي يسكن الذاكرة قد يستمر عقوداً. لذلك لا تترك خلفك عدواً ينتظر جيلاً جديداً للانتقام، وبهذا نكون قد جددنا عقد الحروب من النوعية التي في الغالب لا منتصر فيها.

 

·      اجعل وطنك آخر ما تتخلى عنه... الأحزاب تتغير، والقيادات تسقط، والرايات تُستبدل، أما الوطن فلا يملك المواطن وطناً آخر كلما أخطأ السياسيون. لذلك لا تدافع عن الحزب ضد الوطن؛ دافع عن الوطن ضد كل من يحاول امتلاكه، ويكون الحفاظ على ممتلكات الوطن هو الواجب المقدس الذي يقع على عاتقك، فالإنسان هويته الأولى والأخيرة في هذا العالم: **وطنك**.

 

الخلاصة ... وإذا جاءت الكارثة، فلا تسألوا المواطن العراقي: مع من أنت؟ بل اسألوه أولاً: هل ما زلت إنساناً؟

فالحرب الأهلية لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ يوم يُقتل العقل في داخل الإنسان، ويصبح المختلف عدواً، والقاتل بطلاً، والدم دليلاً على الولاء، والوطن غنيمةً تتقاسمها البنادق.

إلى كل من يحمل سلاحاً باسم الحزب أو الطائفة أو القومية أو الدين أقول: العراق ليس ثكنةً لأحد، وليس مزرعةً لحزب، وليس كرسياً لزعيم، وليس مقبرةً لأبناء الفقراء. ومن يعتقد أن الوطن يُبنى فوق جماجم أبنائه، فليعلم أن الجماجم قد تصنع قبراً، لكنها لا تصنع وطناً.

وإلى المواطن العراقي أقول: لا تسمح لأحد أن يستأجر دمك، ولا أن يستعير عقلك، ولا أن يكتب مستقبلك بحبر البارود. إذا اشتعلت البلاد، فكن أنت رجل الإطفاء لا حطب النار، وكن عراقياً قبل أن تكون حزبياً، وإنساناً قبل أن تكون تابعاً.

فالأحزاب قد تخسر انتخابات، والقيادات قد تسقط، والرايات قد تُطوى، أما إذا سقط العراق في نفوس أبنائه، فلن تنفعنا كل الرايات التي رُفعت فوق خرائبه.

وهذه ليست وصايا للخائفين من الحرب، بل وصايا للعقلاء كي لا تتحول الحرب إلى قدر... وللعراقي كي لا يصبح الرصاصة التي يطلقها العراق على نفسه.

الأحد، 16 أغسطس 2026

مقال

 

الديانة الإبراهيمية من أساليب الاحتيال على الله

تحت عنوان

عمليات صهر الأديان

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



المعلن أنه مشروع فكري يعمل على إذابة الخلافات بين الأديان، دون التعرض للأديان كأيديولوجيات، أكثر من كونه قد يتعارض مع فكرة الدين. ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا يدركه أصحاب العقليات التي تحمل على عاتقها نظرية المؤامرة دون تعزيزها بدليل يُذكر، وما سوف نفعله هنا هو أن نجرد المصطلح من كل الدعايات التي تكون بمثابة مساحيق لوجهٍ قبيح.

 

الجذور التاريخية ... إن أخطر ما قد يكون هو أن يُوظَّف التراث، وكانت البداية من جملة «إبراهيم أبو الأنبياء» التي تداولتها البشرية قبل طرح المصطلح كنظرية، وفي هذا، كما يقال: «كلمة حق يُراد بها باطل» .

وإن هذا الاختصار يُعد عارياً عن الصحة، وذلك لأنه إذا كان هناك من يستحق هذا اللقب، فهو سيدنا آدم عليه السلام، وهو أيضًا كان نبيًا، وذلك بسبب عدم وجود دليل قطعي على أن جميع الرسل والأنبياء هم من نسل إبراهيم عليه السلام.

وأستند في قولي إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ صدق الله العظيم.

أما عن بدايات المصطلح فقد كانت من طرحٍ ظهر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث طُرحت صياغة مصطلح **«الأديان الإبراهيمية»** بالمعنى الحديث على يد المستشرق والمفكر الكاثوليكي الفرنسي **لويس ماسينيون (Louis Massignon)**، الذي عاش بين عامي 1883 و1962. وقد طُرحت الفكرة كإطار للتقارب بين المسيحيين والمسلمين واليهود حول إرث إبراهيم، وبعد ذلك انتشر المفهوم أكثر مع تشجيع الحوار بين الأديان، خصوصًا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.

 

فسّر الماء بالماء... هذا ما يعبر عنه طرح المصطلح كأيديولوجية فكرية لإذابة الخلافات. والسؤال هنا يكمن في: عن أي خلافات يتحدث المصطلح؟

هل سوف يعتنق المسلم فكرة أن المسيح يجسد الذات الإلهية على الأرض؟ أم أن يقتنع المسيحي بخاتمية نبوة النبي محمد؟ أم أن اليهود سوف يتخلون عن فكرة إقامة دولتهم المزعومة؟

هنا لن يستطيع أي عقل بشري إيجاد حلول تصهر تلك الخلافات، وعندها يكون المصطلح قد دخل حيز الاتجاه المعاكس لما يريده من له أطماع في حكم هذا العالم، وجعله بلون واحد من خلال الدين.

(المشكلة ليست بإبراهيم عليه السلام، بل بالمصطلح الذي يحمل اسمه ) مصطلح **«الدين الإبراهيمي»**، في نظر منتقديه، ليس توصيفًا محايدًا، بل إعادة صياغة للخريطة الدينية بلغة جديدة. يبدأ بكلمة، لكنه لا يتوقف عند حدود الكلمة؛ إذ يُنتقد لأنه يختزل ديانات مختلفة، بعناوين متباينة، في عنوان واحد، وكأن الفوارق الجوهرية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل وظيفة المصطلحات أن تصف الواقع أم أن تعيد تشكيله؟

وإذا كانت الديانات قد عرّفت نفسها بأسمائها وعقائدها عبر القرون، فما الحاجة إلى عنوان جديد؟ ولماذا يُراد لهذا العنوان أن يتقدم على التسميات التي اختارها أتباع كل دين لأنفسهم؟

هذا الجدل بحد ذاته يجعل المصطلح محل اعتراض عند كثير من الباحثين ورجال الدين، ليس لأنهم يرفضون الحوار، بل لأنهم يرفضون أن يتحول الحوار إلى إعادة تعريف للهويات الدينية تحت اسم جديد.

والنقد هنا موجّه إلى المصطلح كفكرة، وليس إلى إيمان الناس أو أتباع الأديان فهناك دعم موثّق فهناك دعم موثّق لمؤتمرات الحوار بين الأديان من حكومات ومنظمات دولية ومؤسسات دينية، وهذا أمر موثّق. وهذا ما يؤكد أن القول بأن المصطلح وُجد لخدمة مشروع سياسي أو مالي محدد، لا يحظى بإجماع تاريخي، ويبقى رأيًا مطروحًا من بعض النقاد أكثر من كونه حقيقة تاريخية مثبتة.

 

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾... فعندما فشلت كل محاولاتهم منذ زمن بعيد في إيجاد طريقة تجرّد الإنسان من قوته التي تكمن في إيمانه واعتقاده، قدموا هذا المشروع كنوع من الرعاية للإنسانية وحل خلافاتها، متناسين أن الأديان مناهج سماوية لا يمكن المساس بها، لا شكلًا ولا مضمونًا.

فكان الأحرى بهم أن يعززوا مشاريع إنسانية مستنبطة من الوعي الديني بمختلف صوره، بدل المضي في التحايل على الذات الإلهية، وهدفهم السعي إلى إلغاء دور الرب على الأرض.

ولكن ما لا يعلمه هؤلاء المغفلون أن مثلما لهم مفكرون يلهمهم الشيطان، هناك في الطرف الآخر رجال لله لا يعلمهم إلا هو، يفضحون تلك الأساليب، ويحذرون الناس من الابتعاد عن المناهج السماوية التي تتمثل في شكل الدين.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يبحث الإنسان عن السلام، ولا في أن يحاول أن يجد مساحة مشتركة بين المختلفين، فهذه حاجة إنسانية لا يمكن لعاقل أن يرفضها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول البحث عن السلام إلى محاولة لإعادة صناعة الإنسان من خلال تجريد إيمانه من خصوصيته، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون إنسانًا إلا بعد أن يتخلى عن الدين الذي شكّل وعيه ووجدانه.

فالإنسان لم يكن يومًا مجرد كائن يحتاج إلى قوانين تنظم حياته، وإنما هو كائن يبحث عن معنى وجوده، وعن مصدر أخلاقه، وعن الغاية التي جاء من أجلها إلى هذا العالم. ولهذا كان الدين بالنسبة إلى المؤمن ليس قطعة من التراث يمكن إعادة تشكيلها متى شاءت المشاريع الفكرية، وإنما هو علاقة بين الإنسان وربه، وعندما تتدخل المشاريع البشرية في هذه العلاقة لتعيد رسم حدودها، فإنها لا تعيد ترتيب الأفكار فقط، بل تحاول إعادة تعريف الإنسان نفسه.

وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل نريد إنسانًا متعايشًا مع اختلافه، أم نريد إنسانًا متشابهًا بعد أن نزيل من داخله كل ما يميزه؟

فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى إنسان يفهم دينه دون أن يحوّل اختلافه إلى سلاح ضد الآخر. والتعايش لا يحتاج إلى صهر العقائد، لأن التعايش في جوهره اعتراف بالاختلاف لا إلغاء له. أما أن نقول للإنسان: اترك خصوصيتك الدينية جانبًا حتى نصل إلى إنسانية مشتركة، فهذه ليست إنسانية كاملة، بل محاولة لصناعة إنسان منزوع الجذور.

والأخطر من ذلك أن تتحول كلمة «الإنسانية» إلى غطاء يسمح بإعادة صياغة كل شيء؛ فحين تصبح الإنسانية مبررًا لتغيير العقيدة، والسلام مبررًا لإلغاء الاختلاف، والحوار مبررًا لإعادة تعريف الأديان، فإننا لم نعد أمام مشروع للتقارب، وإنما أمام فلسفة جديدة تريد أن تجعل الإنسان هو المرجعية الأخيرة في كل شيء.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مصطلح «الدين الإبراهيمي» نفسه: من أعطى الإنسان الحق في أن يعيد ترتيب ما يؤمن بأنه صادر عن الله؟ ومن أين جاءت الجرأة على أن يتحول الإنسان من متلقٍ للرسالة إلى مهندس لها؟ وهل يستطيع العقل البشري المحدود أن يعيد صياغة ما يؤمن أتباع الأديان بأنه صادر عن عقل مطلق؟

إنني لا أخشى الحوار بين الأديان، ولا أخشى اختلافها، ولا أخشى أن يجلس المؤمن إلى جانب المؤمن المختلف عنه؛ الذي أخشاه هو أن يتحول الحوار من وسيلة لفهم الآخر إلى أداة لإعادة تشكيله، وأن يتحول السلام من فضيلة إلى ذريعة، وأن تتحول الإنسانية من قيمة نبيلة إلى مشروع يمحو من الإنسان علاقته بخالقه.

فالدين الذي يحتاج إلى من يعيد اختراعه ليس دينًا، والعقيدة التي تحتاج إلى مهندس بشري حتى تصبح مقبولة ليست عقيدة، والإنسان الذي لا يستطيع أن يتعايش مع المختلف إلا بعد أن يجرده من خصوصيته لم يتعلم التعايش بعد.

ولهذا فإن الدفاع عن الدين لا يعني إغلاق أبواب الحوار، وإنما يعني أن يبقى الحوار حوارًا، وأن يبقى الدين دينًا، وأن يبقى الإنسان إنسانًا؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الأديان، وإنما أن يأتي من يريد أن يصنع دينًا جديدًا من بقايا الأديان، ثم يطلب من الجميع أن يسموه **إنسانية**.

 

الخلاصة ... لا أرى في مصطلح «الديانة الإبراهيمية» انتصارًا للدين، بل أراه ــ في صورته التي تُقدَّم بوصفها مشروعًا لصهر العقائد ــ محاولة لتجميل فكرة لا تستطيع أن تواجه حقيقتها بوجهٍ مكشوف. فحين تعجز الفكرة عن إقناع الناس بمنطقها، تبحث عن اسمٍ ناعم، وحين يصبح الاسم غير كافٍ، تُغرقه بالدعاية، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا للمشروع قبل أن يسألوا: ماذا يريد منا هذا المشروع؟

أيها المروّجون لهذا المصطلح، لا تجعلوا من اسم إبراهيم عليه السلام جسرًا تعبرون فوقه إلى إعادة صياغة عقائد الناس؛ فإبراهيم ليس ملكية فكرية لأحد، وليس شماعة تُعلَّق عليها مشاريع السياسة والفكر. إن كنتم تريدون الحوار، فالحوار لا يحتاج إلى اختراع دين جديد، وإن كنتم تريدون التعايش، فالتعايش لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف، وإن كنتم تريدون السلام، فالسلام لا يبدأ بإعادة تعريف عقيدة الإنسان.

أما أن تضعوا الأديان المختلفة في قالب واحد، ثم تطلبوا منا أن نصدق أنكم لم تغيّروا شيئًا، فهذه ليست براعة فكرية، بل محاولة لإقناع الإنسان بأن ما يراه بعينيه ليس هو ما يحدث أمامه.

إن أخطر عمليات الصهر لا تبدأ بإحراق الكتب، بل بإعادة تسمية الأفكار؛ لأنك عندما تغيّر الاسم، تبدأ بتغيير المعنى، وعندما تغيّر المعنى، يصبح تغيير الموقف مجرد خطوة لاحقة.

ولهذا سأبقى أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: احترموا الأديان إن كنتم تريدون احترام الإنسان، وحاوروا العقائد إن كنتم تريدون الحوار، لكن لا تصنعوا من اختلاف البشر دينًا هجينًا ثم تطلبوا منا أن نسمّيه سلامًا.

فالإيمان ليس مادة خامًا في مختبر سياسي، والعقيدة ليست مشروعًا تجريبيًا، وإبراهيم عليه السلام ليس بوابةً خلفيةً لتمرير مشروع لا يستطيع أن يعلن عن نفسه باسمه الحقيقي.

ومن يريد أن يوحّد البشر، فليبدأ بتعليمهم كيف يتعايشون مع اختلافهم، لا كيف يتخلون عنه.

السبت، 15 أغسطس 2026

مقال

 

امرأة وأخلاق أهل الجنة

تحت عنوان

(أم يوسف) سيدة مصرية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



تتساءل البشرية، منذ بدء الخليقة، عن الجنة ومن سوف يحظى بها، حتى ظنّ الكثيرون أن أبواب الجوامع والمساجد والكنائس والمعابد هي ممرّاتٌ لدخول الجنة، وهذا أمر عارٍ عن الصحة. وهذه ليست دعوةً إلى إسقاط الفرائض، والعياذ بالله، ولكن ما سوف يجعلك من سكانها هو **سلوكٌ معزّزٌ للعبادة، بغضّ النظر عن الدين**.

وحكايتنا اليوم عن سيدة مصرية بسيطة، من ذوي الاحتياجات الخاصة، تقف في نصيبها في ما يُعرف بمطعم شعبي. قد تكون لا تقرأ ولا تكتب، وقد تكون مسلمة أو تعتنق أي ديانة أخرى، لكنها تعرضت لموقف يُسمّى بـ«التجربة الاجتماعية»، ومن خلاله أظهرت خُلُقًا لا يليق إلا بأهل الجنة.

ولولا أنني أخاف الدخول في حيّز الشرك، لقلت إنها من أهل الجنة، ولكن هذا أمرٌ بيد الله، ولا يجوز لأحد أن يتكلم بما لا يعلمه سواه. إلا أنني اليوم سوف أتحدث عن **الأخلاق التي رسمتها هذه المرأة عندما وُضعت في تجربة إنسانية**، بغضّ النظر عن صحة المادة الفِلمية وعلاقتها بالنصوص المتعلقة بالدين وصلاح النفس البشرية.

 

﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ... تبدأ الحكاية من رجل في ريعان الشباب يطلب رغيف خبز، ولكن ما كان من تلك السيدة لم يكن ما اعتاد الناس سماعه في موقف كهذا، مثل: «أنت شاب، روح وجد لك عمل».

لم يكن منها سوى رحابة الصدر، حين طلبت منه أن يجلس لتُعدّ له الطعام مجانًا.

تعجز حتى كلماتي التي أكتبها هنا عن وصف هذا الموقف، وهنا يتجلّى **السلوك السماوي للبشر**؛ سلوكٌ لا يحتاج إلى خطبةٍ من على منبر، ولا إلى ثوبٍ ديني، ولا إلى شهادةٍ تمنح صاحبها صفة الصلاح.

 

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ... وهنا، وقبل جلوس الشاب ليتناول الطعام، سرق منها بعض المال، فسجّلت تلك المرأة رائعةً أخرى من روائعها؛ إذ لم تغضب، ولم تتجاوز بالقول أو الفعل، بل أبعدت من كان يساعدها وقالت للشاب: **«أنا يمكن ما أعرف وضعك، بس بصّ، أنا اشتغلت بستمئة جنيه، راح أديك نصهم.»** وبهذا جسّدت هذا العمل أروع الصور التي راهن الله عليها يوم خلق آدم: **أن يكون الإنسان إنسانًا، حتى عندما يكون قادرًا على أن يعاقب.**

 

إن الله حليم ستّار .. بهذا المعنى تعاملت هذه السيدة مع موقف كان من الممكن أن تقوم فيه بفضح الرجل، فتقول باللهجة العامية:

**«الراجل ده سرقني، وأنا وليّه غلبانة وعجوزة.»** ولو فعلت ذلك، لما خرج هذا الرجل من المكان إلا وقد انهال عليه كل من كان فيه بالضرب، لكنها اختارت الستر بدل الفضيحة، والرحمة بدل الانتقام، والإنسانية بدل التشهير.

وهنا تكمن عظمة الموقف .. فهي لم تسأل الرجل عن دينه، ولم تطلب منه أن يثبت لها صلاحه، ولم تضع له شروطًا حتى تمنحه الطعام، ولم تجعل سرقته سببًا لسلب إنسانيته ولقد رأته إنسانًا قبل أن تراه سارقًا وهذه، في رأيي، واحدة من أعقد صور الأخلاق التي يمكن أن يبلغها الإنسان.

 

المضمون .. هذا الفعل لم يكن بحاجة إلى امرأة تدّعي التدين، ولا إلى رجل اعتلى المنبر وأطلق على نفسه لقب «رجل دين».

فالأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى منبر، ولا إلى عمامة، ولا إلى جرس كنيسة، ولا إلى محراب مسجد، ولا إلى كتابٍ يحمله الإنسان بيده **الأخلاق تظهر عندما تكون قادرًا على الانتقام، ثم تختار الرحمة.** وتظهر عندما تستطيع أن تفضح، ثم تختار الستر.

وتظهر عندما يخطئ الآخر في حقك، فتبحث عن وجعه قبل أن تبحث عن عقوبته وربما كانت هذه المرأة، التي لا نعرف مقدار علمها ولا عدد الكتب التي قرأتها، قد قدّمت درسًا أخلاقيًا يعجز عن تقديمه كثير ممن ملأوا الدنيا حديثًا عن الجنة.

فالجنة ليست كلمةً نرددها، ولا مكانًا نزعم امتلاك مفاتيحه، وإنما هي قبل كل شيء **فكرةٌ أخلاقية تظهر في سلوك الإنسان عندما يكون الاختبار حقيقيًا.** وأم يوسف لم تكن في ذلك المطعم تشرح للناس كيف يكون أهل الجنة... **بل كانت تمارس أخلاقهم.**

 

الخلاصة ... لم تكن «أم يوسف» بحاجة إلى منبرٍ تصعد إليه، ولا إلى عمامةٍ تمنحها صفة الواعظة، ولا إلى كتابٍ تضعه تحت إبطها لتثبت للناس أنها تعرف طريق الجنة.

كانت امرأةً بسيطة، وربما لا تملك من العلم ما يملكه أولئك الذين أمضوا أعمارهم في الحديث عن الدين، لكنها في لحظة الاختبار فعلت ما عجز عنه كثيرٌ ممن جعلوا الدين مهنةً والكلام عنه سلطةً. **امرأةٌ بسيطة هزمت في دقائق طويلةَ خطبٍ عن الأخلاق.**

هزمتهم عندما سُرق منها المال ولم تنتقم، وهزمتهم عندما استطاعت أن تفضح ولم تفضح، وهزمتهم عندما كان بإمكانها أن تطلب العقاب، فاختارت أن تمنح نصف ما كسبته بعرقها لمن سرقها.

وهنا أقول لمن يملكون المنابر ولا يملكون أخلاقها: **أيها الواعظ، ماذا بقي من خطبتك حين عجزتَ عن فعل ما فعلته امرأةٌ بسيطة؟**

وأي قيمةٍ لحديثك عن الجنة إذا كان أول اختبارٍ للإنسانية يجعلك تبحث عن العقوبة قبل الرحمة، وعن الفضيحة قبل الستر، وعن إدانة الآخر قبل فهم ألمه؟ ربما لا تعرف أم يوسف الكثير عن أبواب الجنة، لكنها علّمتنا أن بعض أبوابها قد تُفتح بفعلٍ صغير لا تراه الكاميرات، ولا تصفق له الجماهير.

**لقد غلبتكم امرأةٌ بسيطة؛ لا لأنها أكثر علمًا منكم، بل لأنها عندما جاء وقت الامتحان، لم تتحدث عن الأخلاق... بل مارستها.**

وسوف اترك لكم رابط الفيديو ليكون كل شيء امامكم

https://www.facebook.com/reel/1343402527667070

 

الخميس، 13 أغسطس 2026

مقال

 

 دعوة لحرق كتب التاريخ والتراث والعقيدة

تحت عنوان

مبدئيات التجديد الفكر الديني

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



نحن الأمة الوحيدة التي لا تجيد قراءة التاريخ، ولماذا يُكتب؟ فأنا عندما أقرأ تلك الكتب، لا يهمني كيف سُلب حق عليّ، كرّم الله وجهه، ولا يهمني كيف نُصّب أبو بكر، رضي الله عنه، خليفةً لرسول الله، لأنني عندما أقرأ تكون قراءتي هي لتجارب من سبقنا، لا لتكون لها ظلال على رأي أكتبه أو فعل أفعله، فقد قرأت في كتاب الله عز وجل: **﴿ تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾**.

ولا يهمني أن يرضى اليوم من يقرأ سطوري هذه، فأنا كتبتها فقط مرضاةً لوجه الله تعالى، وأنا أؤمن أنه علّام الغيوب وما تخفي الصدور، ولن أدخل في جدال فقهي مع أحدهم أو نقاش أفلاطوني عقيم، وهذا بسبب أن نتائج كل تلك الكتابات تتجسد أمامنا اليوم كنتائج كارثية، فالإسلام فُتّت إلى طوائف وفرق، وهذا بسبب جهلهم بأن كل ما كُتب بعد خطبة الوداع وخاتمتها: **﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾** باطل ، وبسبب تلك الكتب أصبحنا اليوم مجتمعات تعشق الحروب الوهمية، التي أسلحتها عقولهم قبل سيوفهم، فضاع إسلامنا بين ترهات من كتب في العقيدة.

فاليوم، وبسبب تلك الروايات، أصبحت معاركنا عبثية، فسقط كل شيء: الفرد، والعائلة، والمجتمع، ومضوا يقاتلون باسم الطوائف. فمشكلتنا اليوم أننا لم نقرأ التاريخ بالإدراك العقلي، ولكن قرأناه بما أرادوا منا أن نقرأه. ولو أدرك رسول الله ورأى ما نحن عليه، لأصابه من الحزن ما آلت إليه الأمة.

 

للشيطان سُنَن وشيعة... وقد تصاب بالذهول عندما تقرأ تلك الكلمات، فكيف يكون للشيطان سُنَن وشيعة؟ والإجابة هنا ستكون فيمن يتقول على الرسول، وقد وضع عنه ما يخدم تعزيز فكرهم المريض في بناء هياكل دينية شبيهة بما كان للذين سبقوهم.

فعندما تجد حديثًا للرسول مكتوبًا في تلك الكتب، بغض النظر عن صحته، يتعارض مع قول الله، تكون هذه من سُنَنٍ يُراد بها حرف الدين عن مساره الحقيقي، مثل: **«إن في اختلاف أمتي رحمة»**، وهناك قول الله تعالى: **﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾**، يكون هناك خلل عقائدي يبدأ من أولئك الذين جمعوا الأحاديث والسُّنن، ومسألة عدم حذف الضعيف منها والإبقاء عليه لتكون بمرور الوقت معول هدم وسُننًا شيطانية.

أما عن شيعته، فكانت تجارة الدم من أجل تعميق هوة الخلاف وإيجاد النعرات العقائدية بحجة الثارات، ولعدم قناعتهم بالعدالة السماوية يريدون تحقيق العدالة بأيديهم. ولكن السؤال الأهم: من يريدون القصاص؟ والجواب هنا: من **الإسلام**.

 

لا قدسية لكتاب بعد كتاب الله ... سوف يتهمني هنا الكثير أنني من القرآنيين، وإذا ما كان ذلك فهذا شرف ما بعده شرف، لم أصل إليه، ولكن حقيقتي التي لا يريد الكثير تصديقها أنني عبد من عباد الله، غيور على دينه، وهو يُمزَّق بين أيدي أناس هم أشد خطرًا من أعداء الدين ذاته.

وهنا يجب أن أذكر حادثة كانت لي مع أحد علماء هذا الزمان، عندما أخبرته أنني لا آخذ من البخاري ولا مسلم، فقال لي كلمة غريبة وقتها: **«استغفر ربك»**. وعندها أصابني الذهول: هل وصل بنا الجهل إلى أن نقدس كتبًا بشرية، لتصل إلى أنني لا آخذ منهم إلى درجة الإثم؟

عندها أدركت حماقة هؤلاء في قضية جهلهم بأن كتاب الله يتسم بالكمال، لأنه جزء ممن أنزله على رسوله الكريم، وليكون كلامي مسندًا بمنطق العقل، فكل من كتب في العقيدة لم نرهم، ولم نعرف شيئًا عن وعيهم الفكري والإدراكي وقتها، ولهذا لا يجب علينا أن نتعامل مع نتاجهم الفكري على أنه مقدس.

نحترم جهدهم، نعم، ولكن لا نجعلهم خارج قواعد النقد العقلي، فالكتاب الذي يساهم في شق عصا الإسلام، مهما كان كاتبه، يجب أن يُتلف أو يُحرق.

 

المضمون ... أنا عندما اقول احرقوا كتب التاريخ والتراث والعقيدة لا اقصد حرق الورق لان الورق لا ذنب له ولكن اقصد حرق ما تركته تلك الكتب في عقولنا من افكار اصبحت بمرور الزمن اكثر قدسية من النص الذي نزل من السماء وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فليس كل ما كتب يستحق ان يبقى وليس كل من كتب يمتلك الحقيقة وليس كل رواية وصلت الينا يجب ان تكون جزء من ديننا وعقيدتنا

فالكتاب في حقيقته ليس اكثر من وسيلة للمعرفة ولكن عندما يتحول الى سلطة على العقل هنا يجب ان نقف ونقول كفى لانني لا يمكن ان اقبل ان يكون كتاب كتبه انسان قبل مئات السنين قادرًا على ان يحدد لي اليوم من احب ومن اكره ومن اؤمن به ومن اختلف معه ومن اقاتل ومن اسالم وكأن الزمن توقف عند اولئك الذين كتبوا

وهنا يصبح حرق الكتاب فعلًا فلسفيًا وليس فعلًا عدائيًا لانني لا احرق المعرفة وانما احرق سلطة الكتاب عندما تتحول الى قيد على العقل واحرق القداسة التي صنعها الانسان حول كلمات انسان اخر ثم جعل منها دينًا لا يجوز الاقتراب منه او مناقشته

انا احترم كل من كتب واجتهد وبحث ولكنني لا اقبل ان يتحول احترامه الى عبودية لنتاجه الفكري فالمؤلف مات وانتهى زمنه ولكننا نحن الذين ما زلنا ندفع ثمن ما كتبوه من خلافات ونزاعات وطوائف ومذاهب وكل طرف يحمل كتابه في يده وكأنه يحمل سيفًا على رقبة الطرف الاخر

وهنا اسال سؤالًا بسيطًا لماذا نحافظ على كتاب تسبب في تمزيق الانسان اكثر مما نحافظ على الانسان نفسه ولماذا نخاف على صفحات كتاب من النار ولا نخاف على مجتمع كامل من الاحتراق بنار الطائفية ولماذا يصبح نقد الرواية جريمة بينما يصبح الاقتتال بسببها بطولة

انا لا ارى في حرق كتاب جريمة اذا كان ذلك الكتاب قد تحول الى اداة لهدم الانسان لان الكتاب وجد من اجل الانسان وليس الانسان وجد من اجل الكتاب فاذا اصبح الكتاب سببًا في قتل العقل وجب علينا ان نقتله قبل ان يقتل عقولنا

وقد يقول احدهم انك بهذا تريد هدم التراث واقول له نعم اريد هدم الجزء الذي تحول من تراث الى صنم اما التراث الذي يساعدني على فهم الماضي فسأقرأه واحترمه ولكن لن اعبده ولن اسمح له ان يكتب مستقبلي لان الماضي تجربة وليس سجنًا والموتى لا يمكن ان يكونوا اوصياء على الاحياء

فانا عندما اقرأ التاريخ لا اريد ان اكون طرفًا في معركة انتهت منذ مئات السنين ولا اريد ان احمل دماء الذين ماتوا على كتفي ولا اريد ان اكون عدوًا لانسان لمجرد ان كتابًا اخبرني ان اكرهه ولا اريد ان اكون محاربًا بالنيابة عن اشخاص لم اعرفهم ولم اعاصرهم

وهنا تكون فلسفة الحرق الحقيقية ان نحرق الفكرة التي تقول ان كل ما ورثناه صحيح وان كل ما كتبه السابقون مقدس وان من ينتقدهم خارج عن الدين فهذه ليست قداسة وانما صناعة بشرية للقداسة

فالقداسة لله ولما انزله الله اما الانسان فهو انسان مهما بلغ علمه ومهما علت منزلته ومهما كتب من الكتب ولذلك انا لا اخاف من حرق كتاب ولكني اخاف من عقل لا يستطيع ان يحرق فكرة خاطئة خوفًا من صاحبها

اخاف من انسان يقرأ رواية فتجعله يكره اخاه ويصدقها اكثر مما يصدق عقله .. اخاف من مجتمع يقدس الكتب ثم يقتل الانسان بسببها .. اخاف من دين يتحول الى مجموعة روايات يتقاتل اتباعها ثم يعتقد كل طرف انه يمتلك الله وحده

وهنا يجب ان نكون اكثر شجاعة في مواجهة الحقيقة لان بعض الكتب يجب ان تبقى في المتاحف حتى نعرف كيف كان يفكر السابقون ولكن لا يجب ان تبقى فوق عقولنا ولا يجب ان تتحول الى دستور لحياتنا ولا الى سيف نحارب به بعضنا البعض فليس كل ما وصل الينا من الماضي يجب ان يصل الى المستقبل وهذه هي فلسفة التجديد التي اريدها تجديد لا يحرق الدين وانما يحرق ما علق بالدين من خرافة وتعصب وتقديس بشري وتجديد لا يحارب التاريخ وانما يمنع التاريخ من ان يحكم الحاضر وتجديد لا يهدم المعرفة وانما يهدم الوهم الذي جعلناه معرفة

ولذلك اقولها مرة اخرى وبوضوح .. احرقوا الكتب التي اصبحت سيوفًا في ايديكم قبل ان تحرقوا بعضكم بها

احرقوا الروايات التي جعلتكم اعداء .. احرقوا الافكار التي مزقتكم .. احرقوا القداسة التي صنعتموها للبشر

اما كتاب الله فلا يحتاج الى كتاب اخر يحميه ولا يحتاج الى رواية بشرية تكمله ولا يحتاج الى سيف طائفي يدافع عنه فالمشكلة لم تكن يومًا في قلة الكتب وانما كانت في كثرة ما جعلناه مقدسًا حتى اصبح العقل هو الشيء الوحيد الذي لا نسمح له بالكلام.

 

الخلاصة ... لمن يريد أن يعترض على كلامي، فليعترض، ولكن قبل أن يرفع سيفه في وجهي باسم الدين والتاريخ والتراث، عليه أن يجيبني عن سؤال واحد: هل نحمي الكتاب لأن فيه الحقيقة، أم نحميه لأننا أخفنا عقولنا من البحث عن الحقيقة؟

أنا لا أخاف من اعتراضكم، ولا من اتهاماتكم، ولا من تلك الكلمات الجاهزة التي ستخرج من أفواه من جعلوا الموروث دينًا والدين موروثًا، لأنني لم أكتب لأرضيكم، ولم أكتب لأحصل على تصفيقكم، وإنما كتبت لأنني أرى أمةً تتقاتل منذ قرون على صفحات كتب، وكل طرف يعتقد أن الله يقف خلف كتابه وضد خصمه.

فإن كان كتابٌ ما سيجعلك تكره أخاك، فاحرقه. وإن كانت رواية ستجعلك ترفع السيف على إنسان، فاحرقها. وإن كان تراثٌ سيمنعك من استعمال عقلك، فضعه في النار وإن كانت قداسةٌ بشرية ستجعلك تعتقد أن السؤال جريمة، فهذه القداسة أولى بالحرق.

ولا يأتي أحد ليزايد عليّ في الدين، لأنني لا أحرق دين الله، وإنما أريد أن أحرق ما صنعه الإنسان حول دين الله حتى أصبح الدين غريبًا بين أهله.

أنا لا أخشى نارًا تلتهم كتابًا، بقدر خوفي من كتابٍ يشعل نارًا في صدر إنسان ضد إنسان فإذا كان اختياركم بين بقاء كتابٍ على رفٍّ وبين بقاء أمةٍ موحدة، فاختاروا الأمة وإذا كان اختياركم بين قداسة ورقٍ وبين حرمة إنسان، فاختاروا الإنسان وإذا كان اختياركم بين تاريخ الموتى ومستقبل الأحياء، فأنا بلا تردد أختار الأحياء.

أما من يريد أن يجعل من الكتب أصنامًا، ومن المؤلفين أنبياء، ومن الروايات قرآنًا آخر، ومن الاختلاف مبررًا للقتل، فأقول له: خذ كتبك كلها وارحل... فالإسلام أكبر من كتبك، والله أكبر من رواياتك، والإنسان أكبر من خلافات موتاكم.

هذه ليست دعوة إلى حرق المعرفة...

إنها دعوة إلى حرق الوهم الذي جعلنا نظن أن المعرفة لا تكون معرفة إلا إذا جاءت مختومة بأسماء الموتى.

ومن يخاف من هذه النار، فليبحث في نفسه أولًا: لعل الذي يخشاه أن يحترق ليس الكتاب... وإنما الصنم الذي بناه داخل عقله.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

مقال

 

 نصف ساعة في مقهى شعبي

تحت عنوان

جلسة لما فوق العادة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



منذ فترة طويلة، تعودنا أنا وصاحبي عبد الله حسن مامك، الموظف في المكتبة المركزية، على ممارسة يومية، وهي الجلوس في مقهى قبل الذهاب إلى العمل. والحق يقال، كنا كثيراً ما نكسر الروتين في اختيار الأماكن، فنادراً ما تجدنا نستقر في مكان معين. وبعد فترة، وبطريق الصدفة، وجدنا أنفسنا بالقرب من مقهى أم كلثوم، الكائن على شارع الدركزلية، لصاحبه العم عصمت، الرياضي المتقاعد.

وعند دخولنا، تفاجأنا بوجود شخصيات تواظب على الحضور في كل صباح، وبعد الجلوس معهم وُلد شعور أقل ما يوصف به أنه شعور بالراحة، ولهذا الشعور، من الطبيعي أن تكون له أسباب، سوف نتطرق إليها. ومن باب مقولة: «قل لي من تصاحب، أقل لك من تكون»، سوف نستعرض تلك الشخصيات وتلك الأحاديث التي تدور في هذا الوقت القصير.

 

(عبد الله حسن) هو الصديق الصدوق، قولاً وفعلاً، صاحب النخوة والأفعال الحسنة، وإذا ما أردنا وصفه، فهو «القوي الأمين»، وهذه صفة قلّما تجدها اليوم في شخصية.

(الدكتور خيري شيت شكر) أستاذ مادة التاريخ، وهو الصحفي غير التقليدي، صاحب الشخصية المتمردة على كل ما يتسم بالروتين والتقاليد المقيتة، وهذا ما يعطيه تفرداً في طروحاته.

(الأستاذ شامل الشبلي) المشرف التربوي، صاحب الثقافة الصامتة الرصينة التي تحفظ للمعلومة رصانتها عند طرحها، وهذا ما يؤهله لأن يكون المثقف الحقيقي.

(الدكتور عبد السلام الجبوري) الأستاذ المتقاعد، عالم التاريخ وصاحب الآراء المثيرة للجدل، المستوحاة من الواقع، وهو صاحب القلم الحاد تجاه كل ما يخرج عن المألوف.

(طه الشبلي) رياضي متقاعد، صاحب الأخلاق الحميدة التي يشهد له بها كل من يعرفه.

(سيف أبو علاء) الإداري الرياضي، صاحب القفشات التي طالما تضيف البهجة إلى المكان الذي يكون فيه.

 

وقت مستقطع من الحياة... نصف ساعة في حسابات البشر وقت لا يكاد يُذكر، ولكن ما لا يعرفه أحد هو أنها نافذة لبداية يوم جديد، تعتبر بمثابة طاقة متجددة لبداية يوم شاق، يثقله التعامل مع شخصيات وضعها القدر في طريقك.

وقد لا يجمع الأسماء التي ذكرتها تخصص أو عمل، ولكن هناك تناغماً ملموساً تشعر به من خلال الجلسة، فتسقط كل القيود التي قد تكون قيداً على حديث معين، فيكون كل شيء واضحاً، دون أقنعة أو تجميل لحقيقة معينة.

 

نافذة للمرح... من جملة الأحاديث المتداولة هي معاناة «شيخ المحظورين»، كما يحلو أن يطلق على نفسه الدكتور خيري، وقضية حظر صفحته الفيسبوكية، وتساؤلاته عن الأسباب التي لا يجد لها، في الغالب، تفسيراً.

ومن القضايا التي تدعوه إلى الابتسامة أنه يضع نفسه في مقارنة مع ما أكتبه، فيسألني في الغالب: «لماذا لا يتم حظرك وأنت تكتب ما تكتب؟ وأنا لم أنشر شيئاً ويتم حظري على مدار الساعة؟».

وهنا تنفجر الأفواه بالضحك والابتسامة، لننتقل إلى رغبات الدكتور عبد السلام في تعلم أبجديات العمل بالذكاء الاصطناعي في التعامل مع الصور، وأنا لا أدخر جهداً في إرشاده إلى هذا العمل، ويبدو أن شخصية الدكتور تتخذ من هذا الأمر نوعاً من التسلية، ولا ضرر في هذا، فهو رجل متقاعد.

ثم ننتقل إلى الأستاذ شامل، واستفزازي له من خلال روايات تاريخية منتقاة، ويقوم هو بعمليات التصحيح لي، وهو رجل على دراية بما سوف يقول، ولكنني محب لجعله يتكلم.

ثم نصل إلى الرياضي طه الشبلي، فالرجل هنا يعمل لي بدل منبه؛ فعند الساعة الثامنة صباحاً يصرخ ليقول: «إنها الساعة الثامنة»، كنوع من التنبيه لي بأن وقتك قد انتهى. وعند نسيانه الأمر، يقوم عبد الله بتذكيره من باب الدعابة.

وهنا يكون سيف أبو علاء ومسألة «الريوك الصباحي»، فيعتبره من أهم القضايا التي تشغله طوال الوقت، ولا يخلو حديثه بالعادة من القفشات والقصائد الشعبية.

 

هوية الجلسة... لم ندّعِ يوماً أنها قد تكون جلسة ثقافية أو شيئاً آخر، ولكنها جلسة للراحة، نسقط فيها كل القضايا التقليدية؛ لأنني على إدراك ودراية بأن هذا مقهى شعبي، ولم نحاول إخراجه من محتواه الحقيقي، ولم ندّعِ أن جمعنا هو جمع ثقافي أو مركز توعوي أو إعلامي.

فالجميع متفقون على أن الجلسة هي وقت جميل بصحبة أجمل، يسودها أحاديث المرح والمودة، وهذا ما أعطاها نوعاً من التميز الذي قد لا يحظى به الجميع.. فنحن قد نكون جميعاً محظوظين بهذا الوقت المستقطع من الحياة.

 

ما بين فنجان القهوة وصدق الحكاية... قد يعتقد البعض أن الجلوس في مقهى شعبي مجرد عادة يومية لقتل الوقت، لكنني أرى أن بعض الجلسات لا تقاس بالوقت، وإنما بما تتركه في النفس من أثر. وهذا تحديداً ما وجدته في نصف الساعة التي تجمعني بهذه الشخصيات؛ فهي مساحة صغيرة من الحياة نستعيد فيها شيئاً من أنفسنا التي تسرقها منا ساعات العمل وتفاصيل الحياة.

في هذه الجلسة لا أحد يحاول أن يكون غير نفسه؛ فالدكتور خيري شيت شكر يأتي بشخصيته المتمردة، فيفتح موضوعاً يقود إلى آخر، ثم نجد أنفسنا أمام نقاش ممتع لا نعرف أين بدأ ولا إلى أين سينتهي. أما الأستاذ شامل الشبلي، فصمته ليس فراغاً، وثقافته لا تحتاج إلى إعلان، ولهذا أتعمد أحياناً استفزازه برواية تاريخية، ليس لأني أجهل الإجابة، وإنما لأستمتع بتصحيحه وأراه ينتقل من الصمت إلى حديث يكشف عمق ثقافته.

والدكتور عبد السلام الجبوري له طريقته في صناعة الحوار، فلا يترك قضية تمر كما جاءت، وقد يحول الجملة البسيطة إلى نقاش مثير للجدل، لكن الاختلاف هنا ليس صراعاً، وإنما جزء من متعة الجلسة.

أما عبد الله حسن مامك، فهو أكثر من شريك في هذه الجلسة؛ إنه الصديق الذي يمنح المكان حالة من الاطمئنان، ولا تحتاج معه إلى كثير من الكلام حتى يفهمك.

وطه الشبلي هو «منبه الجلسة»؛ فعند الثامنة يعلنها بصوته: «إنها الساعة الثامنة»، ليعيدني إلى الواقع وموعد العمل، بينما يأتي سيف أبو علاء ليمنح الجلسة جرعتها المعتادة من البهجة، فلا يخلو حديثه من «الريوك الصباحي» والقفشات والقصائد الشعبية.

وهنا أدركت أن سر الجلسة ليس في المقهى ولا في فنجان القهوة ولا في نصف الساعة نفسها، وإنما في الأشخاص الذين جعلوا لهذه الدقائق قيمة مختلفة. فقد تجلس ساعات مع أشخاص وتشعر بالثقل، وقد تجلس نصف ساعة مع أشخاص وتشعر بعدها أن يومك أصبح أخف.

نحن لا نذهب إلى مقهى أم كلثوم لنصنع صورة ثقافية أو لنمنح جلستنا صفة أكبر من حقيقتها، وإنما نذهب لأننا وجدنا في المكان شيئاً يشبهنا. نأتي محملين بالعمل ومشكلات الحياة، ثم نترك كل ذلك جانباً لبعض الوقت، ونجلس كما نحن، دون ألقاب أو مناصب أو أقنعة.

قد لا يجمعنا تخصص أو عمل أو عمر واحد، لكن يجمعنا شيء أهم، هو القبول الإنساني. وكل واحد منا جاء من طريق مختلف، لكن طرقنا التقت في نصف ساعة أصبحت مع مرور الأيام جزءاً من تفاصيلنا اليومية.

 

نصف ساعة فقط... لكنها أحياناً تكون كافية لتثبت لنا أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تمنحنا نوافذ صغيرة نتنفس منها. وربما أجمل ما في هذه النافذة أنها لم تكن مخططة، ولم نصنع لها عنواناً، وإنما جاءت ببساطة كما تأتي الأشياء الجميلة.

هي جلسة أصدقاء... لكنها بالنسبة لي نصف ساعة من الحياة لا أريد أن أخسرها.

 

الخلاصة ... ربما يخطئ من يظن أن قيمة الإنسان تقاس بعدد الساعات التي يقضيها في العمل، أو بعدد المناصب التي مرّ بها، أو بعدد الأسماء التي يعرفها، فهناك أوقات قصيرة في عمر الإنسان تساوي سنوات كاملة من العمر، لأنها تمنحه ما لا تمنحه الساعات الطويلة؛ تمنحه نفسه.

نصف ساعة في مقهى شعبي قد تبدو في حساب الزمن شيئاً لا يستحق الذكر، لكنها في حساب الإنسان قد تكون وطناً صغيراً نعود إليه كل صباح، نخلع عند بابه أثقالنا، ونجلس دون ألقاب ولا مناصب ولا أقنعة.

هناك، يصبح الدكتور خيري مجرد خيري، وشامل مجرد شامل، وعبد السلام مجرد عبد السلام، وطه منبهنا الصباحي، وسيف صاحب «الريوك» والقفشة، وعبد الله ذلك الصديق الذي لا يحتاج إلى تعريف، وأنا مجرد رجل وجد نفسه بين هؤلاء.

وهنا تكمن الفلسفة... فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى مكان عظيم حتى يشعر بأنه حي، وإنما يحتاج إلى أشخاص حقيقيين يجعلون المكان عظيماً.

قد تنتهي القهوة، وقد تدق الساعة الثامنة، وقد نغادر جميعاً إلى أعمالنا، لكن شيئاً ما يبقى في الداخل... ضحكة، كلمة، جدال، قفشة، أو حتى صمت جميل.

وربما لهذا السبب أصبحت تلك النصف ساعة أطول من كثير من الأيام؛ لأنها لا تسرق من أعمارنا وقتاً، بل تعيد إلينا شيئاً من أعمارنا التي سرقتها الحياة.

وفي زمن أصبح فيه معظم الناس يجلسون مع بعضهم وهم منشغلون عن بعضهم، أجد نفسي محظوظاً بنصف ساعة أجلس فيها مع أشخاص لا أحتاج معهم إلى أن أكون شخصاً آخر... نصف ساعة فقط... لكنها تكفي أحياناً لتثبت لنا أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل من نجدهم حين نريد أن نكون نحن.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

مقال

 

مفاهيم الالتزام والبصمكية

تحت عنوان

وهم الانضباط الحكومي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البصمة من أساليب القمع الوظيفي، وهي أبشع أنواع الإذلال الوظيفي عند من يملك الإحساس، وقد يسأل هنا أحدكم: كيف يكون هذا؟ ولماذا تصف الموظفين بالبصمكية، مع أنها كلمة من اللهجة العامة في مصر، وتعني الذين لا يقرؤون ولا يكتبون؟ والسبب أنهم قد تحولوا إلى أدوات لا حول ولا قوة لهم.

والحقيقة أن معظم المسؤولين في الدولة اليوم يتعاملون مع مفهوم الالتزام على أنه بصمة، كأنها عصا يلوّح بها المسؤول تجاههم، ولكن هناك مقولة لا يعرف عنها شيئًا ذلك المسؤول، مفادها: (الماي يسوكه مرضعه، سوك العصا ما ينفعه) ، وفي هذا دلالة على أن الالتزام لا يعني أن يبقى أحدهم في العمل لوقت محدود، حتى وإن لم يكن له عمل ينجزه، ولهذه المفاهيم نتائج كارثية، لكن المسؤول لا يمكنه إدراك هذا؛ لأن عمله الرئيسي هو إرضاء من أجلسه في المنصب، ولهذا سوف نبين في هذه السطور الواقع والأسباب والنتائج.

 

الواقع ووهم الانضباط... كثيرًا ما نرى اليوم في بعض دوائر الدولة التشديد على ما يُعرف بنظام البصمة، كنوع من الدلالة على الانضباط، ولكن هناك دوائر يرتبط عملها بتواجد شريحة من المجتمع لتقديم خدمة لها، وبغيابها يصبح عمل الموظف نوعًا من العبثية والاستهلاكية.

ورغم هذا، تجد أن الكثير من المسؤولين يدركون ذلك، ورغم ذلك يتقمص شخصية الشرطي في قضية الحراسة، وهذا يأتي من نقص الشعور بالمسؤولية، وينطلق من باب: يجب أن يكون هناك أحد يمارس عليه عقدته الإدارية، حتى لو كان الموظف يمارس دورًا عبثيًا في تواجده داخل دوائر الدولة.

والتهرب من المسؤولية الأخلاقية تجاه الموظف، يمارس المسؤول أسلوب الاحتيال الإداري أمام مطالب الموظفين، فيكون التهميش بإعطاء حق المطالبة بعبارة (حسب صلاحيات المدير المباشر) ، وهو على علم ويقين أنه لا يخرج عما يريد في التضييق على الموظف وتركيعه بحجة الالتزام، وتلك أقذر الأساليب الإدارية.

 

الأسباب، أزمة ثقة... وهي من أكبر المشاكل التي نعاني منها في يومنا هذا؛ فالمسؤول لم يعد يثق بالموظف، والعكس أيضًا صحيح، ولهذا ترى أساليب مبتذلة تُمارس بحجة الانضباط، ومنها قطع الإنترنت خلال الامتحانات الوزارية، وفي ذلك تشكيك صريح بأمانة الموظف الحكومي.

والسؤال هنا: لماذا تقدم الدوائر الحكومية على إسناد مهام لشخصيات لا تثق بها؟

والجواب هنا أن انعدام الثقة ليس بالموظف الذي أوكلت له المهمة، ولكن هو انعدام الثقة بأنفسهم من خلال الشخصيات الموكلة إليها الأعمال، وهكذا الحال مع قضية وقت العمل والبصمة، فهي نابعة من عدم الثقة التي تعتبر من أهم القضايا التي تنهك الموظف في وقتنا الحالي.

 

النتائج الكارثية... (البطالة المقنعة) ، لمن لا يعلم من المسؤولين، إن تلك الممارسات العبثية لها نتائج يتحملها هو وحده، منها ظاهرة (الريوك الصباحي) ، ففي بعض دوائر الدولة اليوم تتحول بعض الشعب إلى مطاعم شعبية وتجمعات لا معنى لها، ومنها إلى (قال وقلت) .

ومن الطبيعي، عندما لا يكون للموظف عمل ينجزه، سوف يكون شغله الشاغل في يومه الوظيفي البحث عن المشاكل، وليس هذا فحسب، ولكن هناك ظاهرة أكثر سوءًا مما تتصور؛ فترى بعضهم يمضي للبحث عن حجج وتبريرات أمام المسؤول ليحظى بإجازة، فقط ليتهرب من مسؤوليته أمام العمل.

ولمن لا يعلم، فإنني رأيت بعض الموظفين غير متواجدين في عملهم بشكل يثير الشك والريبة، فكيف يكون هناك موظف أو موظفة على الملاك الدائم، وهو معك ولم تره لمدة سنوات سوى شهر أو أقل في السنة، بينما آخر يكاد يصاب باليأس لعدم قدرته على الحصول على رخصة للغياب يومًا واحدًا؟

وهذه ليست رؤية تدخل محض الافتراء، لا سامح الله، ولكنها حقيقة دون ذكر الأسماء.

وآخرون يجعلون من العمل عيادات نفسية، يسرد أحدهم للآخر مشاكلهم العائلية، كنوع من القمع الأسري الذي يعاني منه رجل كان أو امرأة، وكل هذا وأكثر، ويأتي المسؤول، كما يقال عند العامة، وعذرًا للفظ: **(يدور بالخرا حب ركي)**، ويفرض البصمة كنوع من الانضباط الوهمي، بدلًا من أن يبحث عن حلول جذرية لتلك الظواهر الشاذة في العمل.

 

الحلول وفق المنطق والعقل... لنبدأ من رأس الهرم، يجب مد الجسور بين الموظف والمسؤول، على أساس أن الموظف يعمل معه لا يعمل لديه، وتلك نقطة في غاية الأهمية لمن يدركها، وأن يتخلى عن دور الشرطي في البحث عن حجج لمعاقبة الموظف، وأن يدرك حجم المهام الموكلة له من خلال إيجاد حلول طويلة الأمد، لا الاكتفاء بالحلول الآنية والشكلية.

فالكثير اليوم من المسؤولين يتعاملون مع الوظيفة من باب أنهم وُلدوا مسؤولين، وأنهم لم يمروا بتلك المراحل، فهم يعملون اليوم بمبدأ المثل الشعبي: **(يا حمي، ما كنتِ كنه قالت: كنتو ونسيتو)**، وهذا ما سوف يزيد في تعميق المشكلة.

أما عن الموظف بكافة أشكاله، فيجب أن تكون هناك ورش توعوية حقيقية تزرع الوعي الأخلاقي تجاه العمل، والامتناع عن أساليب التشكيك في كل منهم بالآخر.

 

الخلاصة... هذه الكلمات ليست دعوة للفوضى الإدارية في العمل، بقدر ما هي رسالة نقدية وفق المعايير العقلية والمعقولة في دوائر الدولة، والكف عن التعامل مع الموظفين بمبدأ الاستعباد.

وكونك مسؤولًا اليوم، هذا لا يعني بالضرورة أنك أنقى وأشرف من الآخرين في العمل، وهذا يأتي من الآلية التي تختار بها الدولة اليوم، وباب المحاصصة.

فاليوم، التواجد على المكاتب والبصمة لا يعنيان بالضرورة الانضباط، وهذا ما لا يدركه الكثير منهم اليوم، ويجب على كل مسؤول اليوم أن يضع جدارية أمامه يكتب عليها: (إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك)

مقال

  الوصايا العشرة للمواطن العراقي تحت عنوان عند وقوع الكارثة القادمة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين يتصور الكثير في عالمنا ال...