بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 يونيو 2026

قراءة نقدية

 قراءة نقدية لعشرة أبيات في قصيدة (عاد الزمان) للشاعر غسان عزيز

تحت عنوان

الأدب الموصلي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



والبداية من سؤال أحد الأدباء لي: (ما هي الألوان الأدبية التي تجيدها؟)، وكان جوابي في طلبي تغيير صيغة السؤال لتكون: (ما هو اللون الأدبي الذي لا أجيد الكتابة فيه؟). وقد يعتبر هذا عند البعض نوعًا من الغرور، والعياذ بالله، ولكنني على دراية بالأدوات التي أمتلكها من أجل الكتابة، وهذا ما يتيح لي الكتابة في المجال الذي يخدم أصل الفكرة المكتوبة.

الشاعر الدكتور غسان عزيز أستاذ اللغة العربية في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل، وله العديد من الأعمال الأدبية المطبوعة وأخرى غير جاهزة للطبع، بالإضافة إلى عشرات القصائد المنشورة في الصحف والمجلات، وهذا ما دفعني للكتابة عن نص شعري من نتاجه، لتكون هذه السطور جديرة بروعة النص.

 

يا غُربةَ الروحِ في عمرٍ بلا وطنِ

               والكلُّ حولكِ في أوهامِهم رَحَلوا

يا غُربةَ الصدقِ إذ باتتْ بضاعتُه

           في سوقِ كذبٍ لها الأذنابُ تشتعلُ

 

يبتدئ الشاعر قصيدته بنداءٍ متعدد يتوزع ما بين (غربة الروح وغربة الصدق)، وهو انتقال يُعد احترافيًا إلى حد كبير، فالانتقال من المعاناة الفردية إلى المعاناة العامة يجعل الوطن لا يبدو، في نظر كاتب النص، مجرد جغرافيا، بل صورة لمنظومة أخلاقية.

أما عن الجوانب التي تميز هذه الأبيات، فتتمثل في افتتاحية قوية ذات بعد وجداني، بالإضافة إلى توظيف الصورة التي تتمثل في (سوق الكذب)، وهي صورة تحمل دلالة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق.

أما ما يضعف الأبيات الأولى فهو ورود عبارة (لها الأذناب تشتعل)، وهي تحمل قوة انفعالية، لكنها غامضة الدلالة، وتبدو صورة غير مكتملة الوضوح.

 

كم من عزيزٍ غدا في الناسِ مُنكسراً

                  وكم وَضيعٍ بغيرِ الحقِّ يرتجلُ

قد بَعثرَ الخوفُ أوراقَ الحيارى فما

                      عادَ الفؤادُ إلى خِلٍّ فيكتملُ

 

وهنا يكون هناك انقلاب في موازين القيم الاجتماعية والأخلاقية، حيث تراجع في هذه الأبيات أصحاب القيم، وتقدم الانتهازيون. فكانت هناك مقابلة بين (عزيز ووضيع)، وقد كانت محاولة ناجحة إلى حد كبير، أما الصورة الشعرية التي برزت فكانت في عبارة (بعثر الخوف أوراق الحيارى)، كما برزت وحدة الفكرة هنا، وهذا مما يُحسب للشاعر.

 

ولكن استعمال كلمة (يرتجل) لا يبدو الأكثر دقة هنا، إذ ترتبط عادة بالكلام أو الشعر، بينما المقصود ربما التسلط أو التصدر. كما جاءت كلمة (فيكتمل) لخدمة المعنى هنا، لكنها أقل توهجًا من بقية الصور.

 

يا ليلُ هل في ضياءِ الفجرِ مُتَّسعٌ

           لنقرأَ الحرفَ حينَ الموتُ يرتجلُ؟

فلا العيونُ رأت حزناً نُكابدهُ

         ولا القلوبُ وَعَت ما حادَ أو وَصَلوا

 

ليطرح الشاعر في هذه الأبيات سؤالًا عن إمكانية بقاء المعرفة والوعي في زمن الموت والخراب، حيث إن توظيف الاستفهام الشعري هنا يمنح النص بعدًا تأمليًا، ولكن يبدو أن الشاعر قد وقع في ذات المشكلة بإعادة استعمال الكلمة نفسها (يرتجل). كما يبدو أن الشطر الثاني من هذه الأبيات أقل وضوحًا، متمثلًا في عبارة (ما حاد أو وصلوا)، والتي قد تربك القارئ.

 

ستبقى في الحنايا جمرةٌ أبداً

           تقتاتُ من دمعِنا، والكلُّ قد غَفَلوا

عادَ الزمانُ بأثوابٍ ممزقةٍ

        والناسُ في سَكراتِ الجهلِ قد غفلوا

 

ليعود العنوان إلى صلب الموضوع في هذا الموضع، فالزمان عاد، لكنه عاد مشوهًا وممزقًا. وكانت عبارة (جمرة في الحنايا) من أجمل الصور المؤثرة والمتجذرة في الوجدان العربي، لتأتي بعدها صورة الزمان المرتدي أثوابًا ممزقة، وهي صورة موفقة في هذه الأبيات. ولكن ما أضعف الأثر هو تكرار لفظة (غفلوا).

 

والعهدُ في شفةِ الغدّارِ مهزلةٌ

           والكلُّ من كذبِ الأقوالِ ما خجلوا

يا ويحَ قلبيَ إن ناديتُ مكرُمةً

       والناسُ عن نصرةِ المظلومِ قد عدلوا

 

لينتقل الشاعر هنا إلى نقد الانهيار الأخلاقي وفقدان القيم، لتكون عبارة (العهد في شفة الغدار مهزلة) من أقوى أبيات القصيدة، وليبرز هنا وضوح الرسالة التي يرغب النص في إيصالها، جامعًا بين قوة المفارقة ووضوح الدلالة.

 

الخلاصة ...يمكن القول إن قصيدة (عاد الزمان) تمثل نصاً مشبعاً بالهمّ الإنساني والاجتماعي، يتقاطع فيه الوجدان الفردي مع صدى الواقع العام، في محاولة لالتقاط صورة زمنٍ مضطرب تتداخل فيه القيم وتتشظى فيه الملامح. وقد استطاع الشاعر أن ينسج من الألم رؤيةً شعريةً تتأرجح بين قوة التعبير وصدق الانفعال، وبين جمال الصورة وعمق الدلالة.

ومع ذلك، فإن هذا الحضور الكثيف للمعنى لم يخلُ من بعض الهفوات الأسلوبية أو الغموض الدلالي في مواضع محددة، وهو ما لا ينتقص من قيمة النص بقدر ما يفتح باب التأمل في إمكانية صقل التجربة الشعرية أكثر، بما ينسجم مع عمق الفكرة واتساع الرؤية.

إن هذه القراءة لا تدّعي الإحاطة الكاملة بالنص، بقدر ما تحاول الاقتراب من روحه، واستنطاق طبقاته الجمالية والفكرية، في زمن باتت فيه الكلمة الصادقة موقفاً، والشعر شهادةً على عصرٍ يزداد تعقيداً وانكساراً. وتبقى القصيدة، في جوهرها، محاولة للتمسك بخيط الضوء الأخير وسط عتمة تتسع، وصوتاً يذكّر بأن الجمال لا يموت ما دام هناك من يقرأه بوعيٍ وتأمل.


الثلاثاء، 9 أغسطس 2022

نقد فني

 

قراءة في نص

تحت عنوان

طلال حسن عبد الرحمن

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



عندما طرقتُ الباب

(( مددتُ يدي ، وطرقتُ الباب ، وأنصتّ ، لا ردّ ، لا أحد ، وتراءى لي في العتمة ، أنّ بابي يُطرق ، فأسرعتُ ، وفتحته ..))

هي قصة قصيرة أرسلها لي الكاتب والقاص والمسرحي الموصلي طلال حسن عبد الرحمن من مجموعة تضم العديد من النصوص وعند قراءتي لهذا النص وجدت ان من الضروري الكتابة عن هذا النص وبحق أن هذه الكلمات يجب قراءتها اكثر من مره بسبب العمق الثقافي الذي يحمله الكاتب والذي برز من خلال هذا النص وقد يكون النص لا يتجاوز عشرون كلمة لكنه نص عملاق من وجهة نظري المتواضعة حيث أتقن صاحب النص استعمال الأدوات المطلوبة لكتابة القصة القصيرة حيث امتزجت الصور بتقنية السؤال الذي يحمله النص مع صورة الأمل الذي في داخل البطل في هذه الكلمات فقد تكون تلك صور عبارة عن أمنيات في داخلنا نحب ان نجدها خلف المجهول وهو الطارق وهو لا يعلم من يكون . المهم اننا ننتظر أمنية قد يكون صديق او حبيبة او غائب نتمنى عودته وهذه تقنيات تعتبر حديثة في الكتابة ولكن هناك صور داخليه فيما بين تلك الكلمات قد تغيب عن القارئ للوهلة الأولى ومن تلك الصور هي ((العتمة)) والمشار بها لضبابية النفس البشرية لما تريد والغريب ان الكاتب قد أشار للباب وليس هو باب المنزل المقصود ولكن قد فتح المجال لمخيلة القارئ في استنتاج المقصود به وهذا ما اكد عليه النص من خلال (أنّ بابي يُطرق) وهو من أشار في بداية النص انه هو من مد يده لطرق الباب وبهذا اسقط نظرية باب المنزل وبهذه يكون المؤلف قد تفوق على النص من خلال أدارته لذلك النص من خلال استعمال أدوات رصينة في ما يعرف بالمعالجة الفنية للنص وهذا ما أكده في سطور النص ومن اهم ميزات النص الحديث للقصة القصيرة في يومنا هذا هو فتح المجال للقارئ في توقع المقصود من وراء النص حيث هناك اكثر من تسأل يطرحه ما بين تلك الكلمات ومن هنا نفهم ان كل ما ورد في النص هو عبارة عن علامات وتساؤلات عديدة تركها دون إجابات وهذا يخضع للكمية او النوع الثقافي للقارئ وبهذا قد يكون تجاوز النظم التقليدية في كتابة النص وهذا ما يعطي النص ميزة مثيرة ومستفزة للغوص في خفايا تلك الكلمات والحق يقال هنا ان الرجل بهذا النص لا يعتبر مقلد فهو مدرسة أدبية لها باع طويل بهذا المضمار على المستوى المحلي والعربي حيث يكون هو من شق الطرق الواسعة من خلال كلمات قليلة واطلق العنان للمخيلة في البحث والاستنتاج ويجب ان يكون ذلك النص الذي أعجبني لدرجة الكتابة عنه أيقونة منفردة من خلال امتزاج اكثر من عنصر لصنع نص بهذه الروعة ويجب في النهاية نشير الى نقطة هامة جدا وهي ان النقد الأدبي لا يحصر في إظهار عيوب النص ولكن هناك صورة أخرى وهي أننا قد نقرأ النصوص من وجهة نظرنا لكن يبقى النقد هو الوسيلة الوحيدة التعريفة لذلك النص .  

مقال

    تجريم الفعل لا تجريم الشخوص تحت عنوان قصف المدينة المنورة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين من المسلّمات التي لا تقبل الجدا...