بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة نقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة نقدية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

مقال

 

كتاب لتوثيق يوميات برؤى مختلفة

تحت عنوان

(أوراق منسية) للدكتور عبد السلام الجبوري

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 



العنوان / أوراق منسية

المؤلف / د. عبد السلام محمد الجبوري

عدد الصفحات / 108

دار النشر / دار الميثاق ـــ سنة النشر 2026

 

البداية من سبب كتابتي عن مضمون الكتاب، حيث اتهمني سيادته بأنني حين أكتب لا أقرأ، وهذا رأيه وأنا أحترم جميع الآراء، ولهذا كان اليوم موضوعي عن كتاب لا تجده على النت، أو حتى لم يُحط به الذكاء الاصطناعي بعد.

المعلن أنه مجموعة قصصية، لكنني لم أستطع من خلال قراءتي للكتاب تحديد النمط الأدبي الذي ينطوي تحت مضمونه، فلا تستطيع أن تقول عنه مجموعة مقالات أو خواطر أو نصوص نثرية، ولكنها أقرب إلى التوثيق الحياتي بطريقة أقرب إلى المدرسة الانطباعية.

حيث يضم الكثير من العناوين المستلهمة من يوميات ومعاناة الكاتب ذاته، وإذا ما كنت خُيّرت باختيار عنوان آخر لهذا الكتاب، فسوف يكون (الرقص فوق جثث الموتى)، وهذا بسبب أن كل الذين جاء ذكرهم بشكل مباشر أو غير مباشر هم أموات، فمنهم من لهم قبور وشواهد، وآخرون أموات من الناحية المعنوية من خلال عنوان فرعي (شواهد بلا قبور)، وهنا سوف أختار جزءاً من العناوين الفرعية بشكل عشوائي للتحدث عنها، ومنها:

 

الغرفة (15) ... وكما يقال في التراث: (أول الرقص حنجلة)، في الغالب تعودنا أن أصحاب المنجزات الكتابية تكون لهم أيديولوجيات في تصميم المنهج واختيار مواضيع مشجعة للقارئ، كنوع من الإغراء لضمان مواصلة القراءة، ولكن أن تكون البداية في كارثة إنسانية بكل المقاييس، قد تحدث نوعاً من الانطباع عند الكثير بأنها مادة (لطمية).

وتتضمن هذه الفقرة من الكتاب معاناة الكاتب الحقيقية في مسألة فقدان من نحب، وهنا تكون وفاة الزوجة، وهنا لا أقلل من هول الحدث، ولكن هناك ما يُعرف بمنهجية تكوين مادة الكتاب لغرض تقبّل المتلقي للمادة، ولكن، وعلى ما يبدو، أن الكتاب برمته كُتب من أجل هذا الموضوع كنوع من أنواع التنفيس عن معاناة الذات، ولم يكن هذا الموضوع الوحيد، فهناك موضوع آخر يحكي ذات الفكرة، وهو موت الابن، وأعان الله كاتب الكتاب على تلك الأهوال التي ألمّت به.

ثم انتقل الكاتب إلى موضوع مكمل للفكرة، وهو بعنوان (مجلس العزاء)، مستعرضاً حالة اللامبالاة التي يتحلى بها الكثير ممن يحضرون المناسبات المؤلمة، بالإضافة إلى عملية الإسقاط لبعض السلوكيات التي تمارس عند رؤية المسؤول.

 

الإسقاط البيئي ... وهنا يتخذ المؤلف في بعض المواضيع رؤية تعكس بيئته التي ينتمي إليها، ومنها استعمال مصطلح (الدبكة) في عنوان (محطات)، وفي هذا استعارة مكانية حاضرة، دلالة على البيئة التي ينتمي إليها، ولا أجد ضرراً في هذا، فمن الطبيعي أن تكون في النصوص المكتوبة لأي من الألوان الأدبية مرايا عاكسة للبيئة.

 

الإسقاط النفسي ... يكثر الكاتب هنا وهناك، بين الصفحات، في جعل نفسه في مكانة الراوي من خلال تجارب حية خاضها، ويبدو للقارئ أن هناك إسقاطاً نفسياً في الكثير من النصوص، حتى إنك ومن أول عشر صفحات يتبين للقارئ أن المحتوى عبارة عن توثيق نفسي لا حياتي، وهذا ما قد يضعف النص في بعض جوانب الكتاب.

 

أيديولوجيات الوصف المكاني ... وفي الغالب ما تُستعمل هذه التقنية في الروايات والقصص، ولكن تجدها اليوم بين صفحات هذا الكتاب من خلال بعض العناوين الفرعية، وهنا أذكر منها (المرحاض)، فهناك مبالغة وصفية للمكان بما لا ينبغي أن يكون، وهذا ما قد يدخل المادة إلى مسارات تخرج عن الموضع المراد منها، وقد يلمّح إلى مواضيع محرمة فكرية أو سياسية أو اجتماعية كنوع من التقيّة.

 

شكالية تحديد الجنس الأدبي وهي معضلة الكتاب ... ربما تكون الإشكالية الأكبر في هذا الكتاب ليست في مضمون ما كتب، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه على القارئ منذ الصفحات الأولى: إلى أي جنس أدبي ينتمي هذا الكتاب؟ وهنا تبدأ المعضلة، لأن الكاتب وضعه في خانة المجموعة القصصية، ولكن القارئ عندما يدخل بين صفحاته لا يجد تلك الحدود الواضحة التي تفصل القصة عن المقالة، أو الخاطرة عن النص النثري، أو التوثيق عن السيرة الذاتية.

وهنا لا أريد أن أضع الكاتب في قفص التصنيف الأدبي لمجرد التصنيف، ولكن تحديد الجنس الأدبي ليس مسألة شكلية كما قد يعتقد البعض، بل هو جزء من هوية العمل، لأن القارئ عندما يمسك كتاباً يحمل عنوان مجموعة قصصية يدخل إليه وهو يمتلك توقعات معينة، وعندما لا يجد مقومات القصة بمفهومها الفني المعروف يبدأ السؤال: هل المشكلة في القارئ أم في النص أم في التصنيف؟

فالقصة تحتاج إلى بناء، وشخوص، وحركة، وحدث، ومسار يقود المتلقي إلى نتيجة، بينما النص الانطباعي يقوم على إحساس وانطباع ورؤية، والمقال يقوم على فكرة ومحاولة لمعالجتها، أما السيرة فتقوم على استحضار التجربة الذاتية وربطها بالزمن والحدث. وعندما تجتمع هذه العناصر جميعاً في كتاب واحد دون أن تكون هناك حدود واضحة بينها، يصبح من الصعب أن تمنح العمل هوية أدبية محددة.

وهذا بالضبط ما وجدته في (أوراق منسية)، فأنا أمام نصوص تتنقل بين التجربة الشخصية، والتأمل، والوصف، واستحضار الشخصيات، وتسجيل بعض المواقف، وأحياناً الاقتراب من القصة، ولكنها لا تستقر طويلاً في جنس أدبي واحد، وكأن الكاتب ترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من اتجاه، وربما كان ذلك مقصوداً، وربما جاء نتيجة طبيعية لطبيعة التجربة التي أراد توثيقها.

ولكن الإشكالية هنا أن القارئ لا يستطيع دائماً أن يقرأ النص بمعزل عن العنوان الذي وضعه المؤلف له، فالتصنيف يخلق عقداً ضمنياً بين الكاتب والقارئ، والكاتب يقول لك من البداية: هذه مجموعة قصصية، وأنت تدخل إلى النص بحثاً عن القصة، فإذا وجدت شيئاً آخر تبدأ عملية البحث عن الهوية الحقيقية للنص.

وقد يقول البعض إن الأدب لا يحتاج إلى صناديق، وهذا كلام صحيح إلى حد كبير، فالإبداع الحقيقي قد يتمرد على التصنيفات، وقد يولد جنساً أدبياً جديداً من رحم التجربة، ولكن الفرق بين التمرد على القاعدة وبين عدم القدرة على تحديد القاعدة هو أن الأول مشروع إبداعي واعٍ، أما الثاني فقد يجعل العمل يبدو مشتتاً بين أكثر من هوية.

وهنا أجد أن معضلة الكتاب الحقيقية ليست في أن النصوص غير قابلة للقراءة، بل في أن القارئ يحتاج إلى مفتاح مختلف للدخول إليها، لأن الكاتب لا يقدم له جنساً أدبياً واضح المعالم، وإنما يقدم له أوراقاً من تجربة إنسانية متراكمة، بعضها شخصي وبعضها اجتماعي وبعضها أقرب إلى التأمل، ولهذا فإن قراءة الكتاب بوصفه مجموعة قصصية فقط قد تكون قراءة ناقصة، كما أن التعامل معه بوصفه سيرة ذاتية كاملة سيكون أيضاً غير دقيق.

ومن هنا أرى أن المشكلة ليست بالضرورة في النص ذاته، وإنما في عملية التقديم والتصنيف، لأن النص قد يمتلك قيمته بعيداً عن اللافتة التي وضعت فوقه، ولكن اللافتة أحياناً تكون هي أول ما يحاكمه القارئ.

وربما كان من الأفضل أن يقدم الكتاب بوصفه نصوصاً أو أوراقاً من الذاكرة والتجربة، لأن هذا العنوان الواسع كان سيمنحه مساحة أكبر للحركة بين الأجناس الأدبية، ويمنح القارئ حرية أكبر في استقبال المادة دون أن يبحث في كل صفحة عن مقومات القصة التقليدية.

وبعيداً عن كل ذلك، تبقى التجربة جديرة بالقراءة، لأن الكاتب عندما يفتح أوراقه الخاصة أمام القارئ فإنه لا يقدم له مجرد حكايات، وإنما يقدم جزءاً من ذاكرته، والذاكرة بطبيعتها لا تسير وفق منهج أدبي محدد، فهي تقفز بين الأشخاص والأماكن والموت والحياة والمواقف، وقد تكون هذه الفوضى نفسها جزءاً من طبيعة التجربة التي أراد الكاتب توثيقها.

ولهذا فإنني لا أتعامل مع إشكالية الجنس الأدبي هنا باعتبارها حكماً بالإدانة، وإنما باعتبارها سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل نحن أمام مجموعة قصصية بالفعل، أم أمام تجربة كتابية عابرة للأجناس؟ وفي تقديري أن الكتاب أقرب إلى الاحتمال الثاني، وهذه هي معضلته من جهة، وربما خصوصيته من جهة أخرى.**

 

الخلاصة ... إن ما ورد هنا لا يعتبر تقليلاً من شأن المنتج الكتابي، ولكن لكل شخص أو قارئ رؤى تختلف في موضوع معين، وقد أكون أصبت في مكان وأخطأت في موضع آخر، وهذا لا يعني أن رأيي قد يكون هو الصواب، ولكن كتابة رؤية نقدية قد تدفع الكثير للقراءة من باب الفضول، ويبقى الهدف واحداً لا يتغير، وهو تقديم نتاج كتابي يكون بمثابة توثيق تاريخي بصيغة أدبية، يوثق بعض القضايا التي تتوزع ما بين الانطباعية والنفسية والاجتماعية.

وهذا لا يعني أن نبخس الناس أشياءهم، وتبقى محاولة كتابية تحظى بالاحترام، وإن كانت مجرد محاولة وبعد كل ما ذكرت، يبقى نتاجاً فكرياً يحظى بكل التقدير والاحترام.

 

 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

مقال

 

 الدراما السعودية وجرأة الطرح

تحت عنوان

قراءة نقدية وفنية لمسلسل «أحمر ولا أبيض»

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



في الغالب، ما عوّدتنا الدراما الخليجية بموضوعاتها الملتزمة التي تنحصر ما بين الأعمال الاجتماعية والكوميدية، ولكن طرح عمل مخالف للعادة يُعدّ مجازفة قاتلة. غير أن هذا العمل قد ذهب بعيدًا في طرحه الإبداعي من خلال عدة عوامل رئيسة أسهمت في نجاحه وتقديمه بشكل يحظى بالتقدير. ويُعدّ العمل من الأعمال القصيرة، إذ يتكون من ثماني حلقات، وهو من إنتاج عام 2026، ومن إخراج منير الزعبي.

وقد ينتمي العمل، من خلال المشاهدة الأولى، إلى نوعية أعمال الأكشن، ولكن في حقيقة الأمر هو ينتمي إلى الأعمال التي تعمل على نظام التوعية الاجتماعية، من خلال تناوله موضوع التجارة المحرمة، وتحديدًا **صناعة وتجارة الخمور**، حيث يرتكز العمل على عدد من الموضوعات الفرعية التي تدور حول الموضوع الرئيس، ومنها:

 

الحب... قدّم العمل هذه القضية بمعيار يختلف عمّا هو متعارف عليه من الناحية التقليدية، وما يحيل دون ديمومة هذا الحب من عوائق اجتماعية. وقد نجحت، إلى حد كبير، التقنيات الكتابية في رسم صور درامية عالية الدقة من ناحية معالجة النص وتوظيفه في بناء الأحداث والشخصيات.

 

الخيانة... وتُعدّ هنا محور الصراع الأساسي في العمل، وهي التي كانت سببًا في تعميق الخلافات الدائرة في مجرى الأحداث. ولم تكن الخيانة تقليدية، وإنما كانت خيانة لمواثيق وعهود غير موثقة، من خلال عمل عصاباتي لإدارة أعمال غير مشروعة، الأمر الذي جعل الخيانة تتحول من موقف فردي إلى عنصر محوري في صناعة الصراع الدرامي.

 

محور الصراع... يتجسد في الصراع من أجل الاستحواذ على سلطة المال، تلك السلطة التي تستسهل كل شيء من أجل الوصول إلى الهدف، حتى لو كان الثمن هو (الشرف والدم)، مع غياب القيم الأخلاقية عن الفرد. وهذا، في تقديري، كان الهدف الحقيقي الذي أراد العمل إيصاله؛ فحين يتحول المال إلى غاية مطلقة، تصبح القيم مجرد عوائق يمكن تجاوزها أو التضحية بها.

 

مشاهد مستفزة... من أكثر المشاهد استفزازًا في العمل مشهد قتل أحد العاملين معهم، حيث تجسّد الحدث في أن رئيس العصابة سأل أحد العاملين المتقاعسين: «هل تصلي؟»، وكانت الإجابة بالنفي، فقال لأحد رجاله: «اقتله». فأجاب الرجل بأنه صاحب عائلة، عندها قال: «فليكن».

وهذا المشهد يجسد الازدواجية في المعايير التي يتعامل بها الكثير من رجال العصابات في يومنا هذا، ويكشف غياب المعيار الإنساني عندما يصبح الأمر متعلقًا بالمال والمصلحة. وهنا نجد عملية إسقاط إبداعي أراد من خلالها العمل أن يضع المشاهد أمام مفارقة قاسية: كيف يمكن للإنسان أن يتحدث عن بعض القيم حين تخدم مصلحته، ثم يتخلى عن أبسط المعايير الإنسانية عندما تتعارض تلك القيم مع مصالحه؟

 

توظيف العمل... من خلال مجريات العمل الدرامي، يبدو أنه تم توظيفه بشكل احترافي لدعم القوات الأمنية العاملة في المملكة، ولا أرى ضررًا في ذلك يُبطل نجاح العمل إذا ما كان قد قُدّم بصورة احترافية عالية الجودة، وهي الجودة التي لمسناها في المسلسل. فلكل عمل درامي أهدافه ورسائله، وفي الفترة الحالية تقدّم الكثير من الأعمال الدرامية لهذا الغرض، وقد كانت للدراما المصرية دور الريادة في هذا المجال، من خلال توظيف الدراما في معالجة قضايا اجتماعية وأمنية وإنسانية مختلفة.

 

التقنية الإخراجية... وهنا يُحسب للكادر الإخراجي دوره الإبداعي في المعالجة الفنية للنص وترجمته إلى مشاهد تُعدّ احترافية ومتكاملة، تخدم فكرة الحوار وتدفع بالأحداث نحو مسارات أكثر تأثيرًا. وهذا ليس بغريب عن الدراما الخليجية، فقد اعتادت تقديم هذه النوعية من الرصانة الإبداعية منذ زمن طويل، مع تطور واضح في أدوات الإخراج والصورة وبناء المشهد الدرامي، بما يجعل العمل قادرًا على الجمع بين الرسالة الفنية ومتطلبات المشاهدة الحديثة.

 

البعد الاجتماعي... إن القيمة الحقيقية لأي عمل درامي لا تكمن فقط في قدرته على جذب المشاهد، وإنما في قدرته على جعله يفكر فيما وراء المشهد. وهذا ما حاول العمل الوصول إليه من خلال تقديم نموذج اجتماعي تتداخل فيه المصالح مع العلاقات الإنسانية، حتى يصبح الإنسان في بعض اللحظات أمام اختبار حقيقي بين ما يؤمن به وما تفرضه عليه ظروف الحياة.

فالانحراف لا يبدأ دائمًا بجريمة كبيرة، وإنما قد يبدأ بخطوة صغيرة يبررها الإنسان لنفسه، ثم تتحول تلك الخطوة إلى طريق يصعب الرجوع منه. وهنا تكمن خطورة المال غير المشروع، فهو لا يشتري الأشياء فقط، وإنما يستطيع أن يشتري بعض الذمم ويعيد ترتيب الأولويات ويجعل الخطأ في نظر صاحبه أمرًا قابلًا للتبرير.

 

الإنسان بين الاختيار والنتيجة... ومن الزاوية الفلسفية، يضعنا العمل أمام سؤال مهم: هل الإنسان هو الذي يصنع مصيره، أم أن الظروف هي التي تدفعه إلى ما يصبح عليه؟

والحقيقة أن العمل لا يقدم إجابة مباشرة، وإنما يترك المشاهد أمام مجموعة من الاحتمالات. فكل شخصية تحمل ماضيها وقراراتها، وكل قرار له ثمن، وكل اختيار يفتح بابًا جديدًا من النتائج. وهذه من أجمل المساحات التي يمكن للدراما أن تتحرك فيها؛ لأنها لا تقدم الإنسان بصورة الملائكي أو الشرير المطلق، وإنما تقدمه كما هو في الحياة، كائنًا تتصارع داخله الرغبة والخوف والمصلحة والضمير.

 

دلالة العنوان... أما عنوان العمل «أحمر ولا أبيض» فإنه يحمل في داخله مساحة رمزية تستحق التوقف عندها، فالأحمر يمكن أن يحيل إلى الدم والعنف والخسارة، بينما الأبيض يقف في الجهة المقابلة بوصفه رمزًا للنجاة والصفاء والسلام.

وبين اللونين تقف الشخصيات، وكأنها أمام طريقين لا ثالث لهما؛ طريق تقود إليه الرغبة في الانتقام، وطريق آخر يمكن أن يقود إلى الخلاص. وهنا يصبح العنوان جزءًا من البناء الدرامي وليس مجرد تسمية للعمل، لأنه يختصر الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات ويترك السؤال مفتوحًا أمام المشاهد: (أي طريق نختار عندما نصل إلى لحظة الاختيار؟)

 

الرسالة الأهم... وربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذا العمل أن الجريمة لا تصنع ضحاياها فقط، وإنما تصنع دائرة كاملة من الخاسرين؛ فهناك من يخسر ماله، ومن يخسر حريته، ومن يخسر أهله، ومن يخسر نفسه قبل كل شيء.

وهنا تتجاوز الدراما حدود الحكاية لتتحول إلى مرآة للمجتمع، فالعمل الناجح ليس الذي يجعلنا نعيش أحداثه أثناء المشاهدة فقط، وإنما ذلك الذي يجعلنا نستعيد أسئلته بعد انتهاء الحلقة الأخيرة. وهذه هي المسافة الفاصلة بين عمل يُستهلك للمشاهدة، وعمل يبقى في الذاكرة لأنه ترك خلفه سؤالًا لم ينتهِ بانتهاء الأحداث.

 

الخلاصة ... في النهاية، «أحمر ولا أبيض» ليس مجرد عمل درامي مرّ بنا ثم انتهى بانتهاء حلقاته، وإنما تجربة تستحق التوقف عندها، لأنها استطاعت أن تضع المشاهد أمام مساحة من الأسئلة أكثر مما قدمت له من إجابات. فالدراما الحقيقية لا تقاس بعدد المشاهد ولا بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على أن تترك شيئًا في عقل المشاهد بعد انتهاء العمل.

لقد نجح المسلسل في أن يجعلنا نقف أمام حقيقة قاسية، وهي أن الإنسان عندما يفقد بوصلته الأخلاقية يصبح المال أقوى من القانون، والمصلحة أقوى من العائلة، والخيانة أسهل من الوفاء، والدم أقرب من التسامح. ولكن تبقى المسألة الأهم: هل يستطيع الإنسان أن يعود من الطريق الذي اختاره، أم أن بعض الطرق عندما نسلكها لا تترك لنا فرصة للعودة؟

وهنا تكمن قيمة «أحمر ولا أبيض»؛ فهو لا يضعنا أمام لونين فحسب، وإنما أمام خيارين في الحياة... بين طريق يترك خلفه الدم والخسارة، وطريق يبحث عن النجاة والسلام.

وربما لهذا السبب كان العنوان أكثر من مجرد عنوان، فقد ترك لنا العمل السؤال مفتوحًا: عندما تتساوى المصالح مع المبادئ، وعندما يصبح الاختيار بين المال والقيمة، وبين الانتقام والغفران... هل نختار الأحمر، أم نبحث عن الأبيض؟

ومن هنا أقول إن الدراما السعودية اليوم لم تعد مجرد محاولة لإرضاء المشاهد، وإنما بدأت تدخل مناطق أكثر جرأة في الطرح وأكثر نضجًا في المعالجة، وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق التقدير. فالعمل الذي يجرؤ على الاقتراب من المسكوت عنه، ثم يقدمه بصورة فنية رصينة، هو عمل يستحق أن يُناقش، حتى وإن اختلفنا مع بعض تفاصيله.

وأخيرًا... قد تنتهي الحلقة الأخيرة، وتُغلق الشاشة، وتنتهي الحكاية، لكن العمل الحقيقي يبدأ بعد ذلك... حين يبقى السؤال في داخلنا، وحين نكتشف أن أخطر المعارك ليست تلك التي تدور بين الشخصيات، وإنما تلك التي تدور داخل الإنسان نفسه... بين أحمر يغريه، وأبيض يبحث عنه.

السبت، 11 يوليو 2026

قراءة

 

 الصراع القيمي

تحت عنوان

قراءة في عمل سينمائي بعنوان (برشامة) لعام 2026

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ما زال هناك أمل.. بهذه الجملة أبدأ قراءتي في عمل سينمائي أُنتج لهذا العام، ينتمي إلى السينما المصرية، وهو - إذا ما أردنا أن نُبوِّبه - يكون من باب الكوميديا الساخرة. أُنتج العمل سنة 2026، وهو من تأليف وإخراج خالد دياب، وأداء مجموعة متميزة من الفنانين. وما يميز هذا العمل، بشكل عام، أنه أسقط نظرية البطولة المطلقة، وطرح مجموعة من القضايا بأسلوب ساخر. وقد يكون عنوان العمل غريبًا نوعًا ما، وهو (برشامة)، ويُقصد بها قصاصة الغش. وهنا سوف نقدم عرضًا لبعض التقنيات المستخدمة في العمل.

 

فكرة العمل... العمل برمته مستوحى من فكرة يجسدها مثل شعبي عراقي مفاده: (هم يضحك وهم يبكي). وتدور القصة حول لجنة امتحانية يُطلق عليها في مصر (امتحان بمنازلهم)، وهي الامتحانات الخارجية للطلبة الذين تأخروا في التحصيل الدراسي. وهنا تكون الفكرة جامعة لمجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل شرائح اجتماعية مختلفة، بينهم رجل دين، وراقصة، وسجين، وغيرهم الكثير. وهذا ما خلق نوعًا من الصراع القيمي في طرق الحصول على تقييم امتحاني عالٍ. وقد تكون فكرة الفصل الدراسي فكرة مستهلكة في السينما المصرية، إلا أنها في هذا العمل جاءت متميزة في طرح الموضوعات بصورة مختلفة.

 

نقاط القوة والضعف في العمل... لكل عمل في الحياة نقاط قوة تُحسب له، وأخرى ضعيفة تُحسب عليه. ومن أبرز نقاط القوة طرح المشكلة بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما، دون أن يفقد رسالته الأساسية، وهذا يتجسد في عبقرية النص وتقديمه بصورة مقنعة، مما يمنحه ميزة سهولة وصول الفكرة إلى المتلقي. بالإضافة إلى أداء جيد من أبطال الفيلم، خصوصًا في المشاهد التي تتطلب توازنًا بين الكوميديا والانفعال، حتى على مستوى الأدوار الثانوية.

وهنا تكون هناك نقطة مميزة رصدتها من خلال مشاهدتي للعمل، وهي أن الإيقاع السريع في الثلث الأول من الفيلم جذب انتباه المشاهد، وفي هذا أيضًا تميز يُحسب لإدارة العمل الفني، المتمثلة بشخصية المخرج.

ومن جملة القضايا التي طرحها الفيلم احتواء العمل على رسائل تربوية وأخلاقية دون تعقيد كبير، ومنها الصراع القيمي بين مجموعة من الشخصيات، مثل رجل الدين، والراقصة، والسجين، وهذه هي أصل الفكرة التي قام عليها العمل.

ومن خلال وجود مواقف كوميدية نابعة من الموقف الدرامي، أكثر من اعتمادها على الإفيهات فقط، شدَّ انتباهي أحد تلك الإفيهات التي تصب في فكرة الموضوع، والتي وردت في النص، إذ قال أحدهم: «إن الغش في بعض المواقف الحرجة حلال»، فرد عليه رجل الدين: «من الذي قال هذا؟ أنا أحفظ كل ما ورد عن ابن حنبل، ولم يرد شيء من هذا.» فرد الآخر قائلًا: «هذا لم يقله ابن حنبل، وإنما قاله ابن عمي.»

وهنا تبرز فكرة تسفيه القيم التي تُحسب على العمل. ومن باب الطرفة، فقد مرت عليَّ فكرة مشابهة لمحتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما قالت امرأة لزوجها: «إن الرجل لا يجوز أن يهمل زوجته، وهو حديث متفق عليه.» فرد الرجل: «ومن هؤلاء المتفقون على هذا الحديث؟» فقالت: «أنا ونسوان الحي.»

ومن هذا المنطلق يكون هناك ما يُعرف بتشويه الصورة للقيم الأخلاقية بصورة لينة، لزرع الفكرة في العقل الباطن للمشاهد.

 

المضمون... إن العمل، رغم ما ذُكر مما يُحسب عليه، يُعد عملًا ناجحًا يستحق المشاهدة إلى حد كبير، بسبب بساطة الطرح الممتع، وابتعاده عن تلميع الشخصيات في العمل، وهو الأمر الذي طالما تعودنا عليه. وهذا ما ينتمي إلى مفهوم السهل الممتنع، الذي عالج به مجموعة من القضايا بصورة موحدة في عمل سينمائي أعده، من وجهة نظري، طفرة فريدة في فوضى السينما، ليكون هذا العمل بمثابة بذرة أمل في تقديم عروض هادفة.

ومن زاوية أخرى، فإن العمل لم يكن يتحدث عن ورقة امتحانية بقدر ما كان يتحدث عن امتحان الضمير الإنساني، فكل شخصية دخلت قاعة الامتحان وهي تحمل معها منظومة من المبادئ والقيم التي تشكلت عبر سنوات طويلة، ولهذا لم يكن الصراع الحقيقي على الإجابة الصحيحة، وإنما على الوسيلة التي تُوصل إليها. فهناك من رأى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهناك من تمسك بقيمه حتى وهو يدرك أن خسارته قد تكون أكبر من ربح الآخرين. وهنا تكمن عبقرية النص، لأنه نقل الامتحان من كونه حدثًا دراسيًا إلى كونه مرآة تعكس طبيعة المجتمع، وكيف يمكن للحاجة أو الخوف أو الطمع أن تعيد تشكيل المبادئ عندما توضع أمام اختبار حقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن الفيلم لا يدين الغش بحد ذاته فحسب، بل يدين البيئة التي تجعل الإنسان يبحث عن المبررات قبل أن يبحث عن الحقيقة، وهذا ما منح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود الكوميديا ليقترب من النقد الاجتماعي الهادئ الذي يترك أثره في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض.

 

الخلاصة ... يبقى العمل السينمائي الحقيقي هو ذلك الذي لا تنتهي حكايته عند نزول الستار، وإنما يبدأ تأثيره بعد مغادرة المشاهد لقاعة العرض. وهذا ما نجح فيلم (برشامة) في تحقيقه، إذ لم يكتفِ بصناعة الضحكة، بل جعل منها وسيلة لطرح أسئلة مؤجلة عن منظومة القيم التي أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا تحت وطأة المصلحة والظرف والتبرير. فالفيلم، وإن جاء في قالب كوميدي، إلا أنه قدّم رسالة مفادها أن سقوط الإنسان لا يبدأ حين يرتكب الخطأ، بل عندما يصبح الخطأ أمرًا اعتياديًا يجد له الجميع مبرراته. ومن هنا أرى أن قيمة هذا العمل لا تكمن في عدد المشاهد التي أضحكت الجمهور، وإنما في عدد الأفكار التي بقيت عالقة في أذهانهم بعد انتهاء الفيلم، ليؤكد مرة أخرى أن السينما، عندما تحترم عقل المشاهد، تستطيع أن تكون مدرسةً للفكر قبل أن تكون وسيلةً للترفيه.

الأحد، 29 مارس 2026

مقال

 

منهجية التجمعات والمجاميع الثقافية

تحت عنوان

الموصل ومثقفوها أمام عدسة المجهر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لا أحد خارج الساحة النقدية، وما كُتب وسوف يُكتب هو مجرد رسمٍ للحقيقة أمام أصحابها، لأن الحقيقة وإن تأخرت لا تموت، بل تتراكم حتى تنفجر في وجه من يحاول طمسها. والموضوع اليوم يضم جميع المسميات، التقليدية وغير التقليدية، من اتحادات ونقابات وروابط ومراكز وملتقيات، التي تكاثرت كما تتكاثر الظواهر دون أن يصاحبها بالضرورة عمقٌ في الفعل أو الأثر. ولكل هؤلاء منهجيات تختلف عن سواها، لهذا يجب علينا استعراض تلك المنهجيات وسبل تطبيقها على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالتنظير الذي بات سمةً طاغية على المشهد. فلكل مدينة حضارية صورتها التي تُرسم من خلال مثقفيها، التي تكون على شكل مجاميع ثقافية، وهي المعيار الحقيقي لصناعة الوعي عند العامة، لا سيما أن غياب هذا الوعي يفتح الباب أمام تشوهات فكرية يصعب ترميمها لاحقًا. ولهذا سوف نقوم بقراءات للوضع العام لتلك التجمعات، قراءة لا تجامل ولا تهادن، بل تضع اليد على الجرح مباشرة.

 

الاستجداء أو التبعية... فالكثير من تلك التجمعات لا تمتلك في الغالب مصادر تمويل حكومية أو اجتماعية، نتيجة غياب التخطيط المؤسسي الحقيقي واعتمادها على ردود الأفعال لا على الرؤى بعيدة المدى، فتكون أمام خياراتٍ أحلاها مُرٌّ كالعَلْقَم، ما بين القبول بالتبعية مقابل المال، أو اتباع منهج الاستجداء من شخصيات نافذة أو مؤسسات، فيتحول الفعل الثقافي من رسالة إلى وسيلة ارتزاق. وفي كلتا الحالتين، تكون هناك ملاءة سياسية أو عقائدية، تُفرض بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وهذا ما سوف يفقدك المصداقية أمام الجمهور الثقافي، لأن المثقف حين يُشترى صوته يفقد قدرته على قول الحقيقة، ويصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.

 

الدكتاتورية الثقافية... في الغالب ما يقترن هذا المصطلح (الدكتاتورية) بالسياسة، ولكن اليوم تم تعميمه على الجميع، ومن ضمنها الثقافة، حتى بات بعض “حراس المشهد” يمارسون الوصاية وكأن الثقافة ملكية خاصة. فأغلب التجمعات الثقافية، تحت جميع المسميات، لا تعتمد منهجية الاعتدال في قيادة المشهد، بل تُدار بعقلية الفرد الواحد، فيكون هناك شخصيات تتخذ من مبدأ التعالي أسلوبًا في إدارة تلك المجاميع، وتُقصي كل صوتٍ لا ينسجم مع رؤيتها. فلن تجد فيها انتخابات حقيقية أو حوارات يحكمها العقل، بل أشكالًا شكلية تُستخدم للتجميل فقط، وهذا ما يجعل لغة الحوار تخرج من باب الثقافة العامة وتدخل من شباك المجاملات، فتُدفن الكفاءة ويُرفع شعار الولاء بدل الاستحقاق.

 

المقاطعات الثقافية... يُقسَّم المشهد الثقافي، في الغالب، في مدينة الموصل حسب التوجهات الفكرية لقادة كل مجموعة، وكأن الثقافة تحولت إلى جزرٍ معزولة لا جسور بينها، والكل اليوم يرفع شعار: (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، وإن لم يُفصحوا عن ذلك، فهو حاضر في السلوك والممارسة. وهذا ما ولَّد الضبابية في رؤية المشهد الثقافي للمدينة، وجعل المتلقي في حيرةٍ من أمره بين هذا وذاك. وبرغم أن البعض يرى في ذلك الاختلاف نوعًا من أنواع التنوع الفكري، إلا أن هذا الطرح عارٍ عن الصحة حين يتحول الاختلاف إلى صراع نفوذ لا صراع أفكار. فقد أفرزت تلك الممارسات نوعًا من الاستهجان عند الكثير من أصحاب الأقلام، واتخاذ مواقف عدائية من البعض، بل وأدت إلى هجرة صامتة للكفاءات التي رفضت الدخول في هذه الدوامة، ولهذا قد يكون هذا سببًا رئيسيًا في عدم قدرة المدينة على تحديد هويتها الثقافية منذ زمنٍ بعيد.

 

أنانية القلم... وهنا تكمن المعضلة في رؤية كلٍّ منا للآخر، حيث يغيب مبدأ التكامل ويحضر هاجس التفوق الوهمي، والابتعاد عن مقولة: (إن الكمال لله عز وجل)، وهذا ما يولِّد نوعًا من الكراهية والأحقاد، ويُنتج بيئة غير صحية لا يمكن أن تزدهر فيها أي حركة فكرية حقيقية. فيتم انتهاج منهجية التسقيط الفكرية لصنع الفارق، كما يظن الكثير، عبر التقليل من الآخر بدل تطوير الذات. ولكن هناك حقيقة تكمن في أصل الموضوع، وهي المعيار الحقيقي، ألا وهو جودة النص الأدبي والفكري، لا عدد التصفيقات ولا دوائر العلاقات. وهذا ما لم يستطع أصحاب الأقلام، لغاية يومنا هذا، الوصول إليه بالشكل الذي يليق بتاريخ المدينة، وهو ما يؤهل كلًّا من المثقف أو الأديب أو الصحفي أو الفنان أن يكون عاملًا في بناء قاعدة فكرية للمدينة بشكل عام، قائمة على التراكم لا على الاستعراض.

 

الخلاصة... لستُ هنا لتقييم هذا وذاك، ولكن قد أكون المرآة العاكسة للواقع بجميع تفاصيله، لأن تجاهل الخلل لا يعني زواله بل تعميقه. ولهذا يجب أن يكون هناك دور لتصحيح ما يمكن تصحيحه من الصورة الثقافية لمدينة الموصل، عبر مراجعة جادة لا تجميلية، تبدأ من الداخل لا من الشعارات. وليكن في علم الجميع أنني لا أنضوي تحت أي مسمى من تلك المجاميع، ليس من باب الكِبر والغرور، لا سمح الله، ولكن من إيماني المطلق بأن تلك التجمعات، بصيغتها الحالية، لا تصنع منك شاعرًا أو صحفيًا أو فنانًا، بل قد تُقيدك أكثر مما تُحررك. إن الرهان الوحيد لتكون كل ذلك هو نتاجك الفكري، القادر على الصمود خارج أي مظلة. فلا قيمة للقلم بلا فكر واعٍ، ولا قيمة لأي تجمع مهما كبر، إن لم يُراجع ذاته قبل أن يُنظّر على الآخرين، إلا أن يضع مدينة الموصل وصورتها الثقافية أولًا. ولهذا، دعوة لكل تلك المجاميع: اتقوا الله بأنفسكم وبالآخرين، فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الثقافية لا تنسى.

الأربعاء، 25 مارس 2026

مقال

 

مشاريع ثقافية بين التلكؤ والفشل

تحت عنوان

مجلة (فواصل) الادبية الموصلية ... نموذجًا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لكل مشروع ثقافي فكرة وهدف وأسس تحفظ نجاحه، الذي يكمن في الديمومة والاستمرار، ولهذا هناك الكثير من تلك المشاريع التي تظهر على الساحة بشكل خجول، وسرعان ما تتلاشى حتى يصل الأمر إلى نسيان القارئ الاسم والأقلام التي تكتب فيها، ولهذا كان يجب استعراض بعض التجارب التي تلقي في هذه الفترة صعوبة في الإعداد أو الإصدار، لتكون أمام الأدباء صورة لكيفية ابتكار تجربة وطرق الحفاظ عليها، فكانت مجلة (فواصل) الادبية كنموذج حي يوضع تحت المجهر الثقافي.

 

المشروع الربحي ... هنا يجب التنويه أن الثقافة لا تجني الثروات كما يظن البعض، ولهذا يجب أن تكون هناك ثوابت عند الشروع في بناء تلك المنصات، سواء كانت ورقية أو رقمية، وكما هو معروف عند العامة أن المجلة التي نحن بصدد الحديث عنها قد وُلدت ميتة كما يُقال، فلا يُعرف لها زمن ثابت للإصدار كما نرى، وهذا بسبب أن القائمين عليها كان من ضمن أهدافهم الربحية، وهنا كانت الصدمة، وهذا بالإضافة إلى أنهم يتعاملون مع الموضوع كمثل رجل جاء ببعير ويريد أن يعمل بمحرك كهربائي، وهذا ما قد تناسوه، فنحن في زمن انتهت فيه الصحافة الورقية في عصر التكنولوجيا، ويريد القائمون عليها جني الأرباح منها.

ولا يمكن فصل فكرة الربح عن الثقافة إلا إذا أدركنا أن القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي لا تُقاس بما يُدرّه من مال، بل بما يُحدثه من أثر في الوعي الجمعي، فالمشروع الذي يبدأ بعقلية التاجر ينتهي غالبًا بخسارة مزدوجة؛ خسارة المال وخسارة القيمة، لأن الثقافة لا تُدار بمنطق السوق بل بمنطق الرسالة، وحين تختلط المعايير يصبح المنتج الثقافي سلعة باهتة لا روح فيها، فتفقد قدرتها على التأثير، حتى لو استمرت شكليًا.

 

الإشكاليات التحريرية ... وبما أنني قريب من القائمين عليه، وجدت أن الإدارة التحريرية متذبذبة في اتخاذ القرار، حتى في اختيار المواد المراد نشرها، بغض النظر عن جودتها والأسماء والأقلام التي قد تكتب فيها، وهذا ما يعرقل مسألة الإصدار ويفقدها القيمة الثقافية الحقيقية، حتى إنها اقتصرت على بعض الأسماء وقربها من شخصية رئيس التحرير، وهذا ما يعد كارثة حقيقية في مضمار بناء صرح ثقافي، بالإضافة إلى الضمانات المالية التي يحرص عليها القائمون عليه.

وإن غياب الرؤية التحريرية الواضحة لا ينعكس فقط على جودة النصوص، بل يُنتج فوضى فكرية تُفقد المجلة هويتها، فالمجلة التي لا تمتلك معيارًا ثابتًا في الاختيار تتحول إلى مساحة عشوائية لا رابط بينها، وهذا ما يجعل القارئ في حالة اغتراب دائم، فلا يعرف ماذا يريد منها ولا ماذا تريد هي منه، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، إذ تتحول الأقلام من أدوات بناء إلى أدوات مجاملة، ويصبح القرب الشخصي بديلاً عن القيمة الإبداعية.

 

أزمة الشكل والإخراج ... برغم أن القائم على التصميم يُعتبر من الأسماء اللامعة في سماء الفن في مدينة الموصل، ولكن هناك تدخلات في عمله، مما زاد في دائرة المأزق في عملية الإخراج، وليس الأمر متوقفًا عند رأي رئيس التحرير، بل إن هناك بعض المحسوبين على المشروع يحاولون فرض رأيهم في هذا العمل، وهذا ما يعزز فرضية انعدام القرار في العمل، وكان من المفروض منهم أن يعملوا بمقولة المثل الشعبي (أعطِ الخبز خبازه حتى ولو أكل نصفه)، وهذا ما سوف يساهم في دعم تقنيات التصميم في المجلة، وهذا ما سبب أيضًا في تأخير الإصدار في المواعيد المحددة.

فإن الشكل ليس ترفًا بصريًا كما يُعتقد، بل هو جزء من الخطاب الثقافي نفسه، فالإخراج الفني هو أول ما يستقبل القارئ، وإذا كان هذا المدخل مرتبكًا فإنه يعكس بالضرورة اضطراب الداخل، فالتدخل في عمل المصمم لا يفسد الشكل فقط، بل يكشف عن غياب الثقة داخل الفريق، وهذا ما ينعكس سلبًا على هوية المجلة، فالمشروع الذي لا يحترم التخصصات داخله، سرعان ما يفقد توازنه ويقع في فخ الارتجال.

 

إشكالية “الحداثة غير المكتملة” ... يبدو أن المجلة، ومنذ اليوم الأول، حصرت نفسها بما يُعرف بـ(النخب) من حيث وجهة نظرها، وهذا ما ساهم في عدم وجود دماء جديدة تساهم في رسم الحداثة، فكان بقاؤها في نقطة البداية، وانعدام توسيع دائرة هذا الصرح في الأوساط الثقافية، فتجد هناك أسماء محددة أو دائرة مغلقة تحدد صلاحية النشر حسب الأهواء الشخصية في تحديد حدود رؤية صاحب الموضوع، حتى تحول الموضوع من مشروع ثقافي إلى أملاك خاصة، فكل الذين يكتبون هناك يعتبرون أنفسهم من النخب حسب وجهة نظرهم فقط.

ولهذا إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المشاريع الثقافية هو وهم النخبوية، لأن النخبة الحقيقية لا تُقصي بل تُنتج، ولا تُغلق بل تفتح آفاقًا جديدة، وعندما تتحول النخبوية إلى جدار عازل، فإنها تقتل التجديد من الداخل، فالثقافة بطبيعتها كائن حي لا يعيش إلا بالتنوع، وأي محاولة لحصرها ضمن دائرة ضيقة إنما هي إعلان مبكر عن شيخوخة المشروع، حتى وإن بدا في ظاهره متماسكًا.

 

الديمومة سر النجاح ... فإذا ما سألك أحدهم: كيف تقيم نجاح مجلة أو صحيفة من غيرها؟ سوف يكون الرد في قدرة القائمين عليها على الاستمرارية من خلال امتلاك رؤية واضحة في قيمة العمل المقدم، دون النظر إلى مبدأ الربح والخسارة، فالكثير من الصحف والجرائد والمجلات العالمية لم تعد مشاريع ربحية، فاختارت محاور ثانية لتثبت نجاحها من خلال الديمومة، وهذا ما فشل به القائمون على المجلة لغاية يومنا هذا.

فالاستمرارية ليست مجرد حضور زمني، بل هي قدرة على التجدد دون فقدان الهوية، فالكثير من المشاريع تستمر شكليًا لكنها في الحقيقة متوقفة فكريًا، والديمومة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المشروع على إعادة إنتاج نفسه بما يتناسب مع تحولات الواقع، دون أن ينحرف عن مساره الأساسي، وهذا يتطلب وعيًا عميقًا بأن النجاح ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من التراكم، لا يحتمل القرارات المرتجلة ولا الرؤى المؤقتة.

وفي نهاية المطاف ... لا يمكن تجميل الفشل ولا تغليفه بمسميات ثقافية براقة، فالمشاريع التي تُبنى على التردد والمصالح الضيقة محكوم عليها أن تسقط، حتى وإن طال بها الزمن، لأن الثقافة لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعترف بالنيات المؤجلة، بل تفضح كل خلل مهما حاول أصحابه إخفاءه خلف العناوين.

وما يحدث اليوم ليس تعثرًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء، حيث تحوّل المشروع من فكرة تحمل روحًا إلى جسد بلا ملامح، يتنفس بصعوبة ويعيش على مجاملات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

وحين يصل المشروع الثقافي إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما فيه ليس فشله، بل إصرار القائمين عليه على تسميته نجاحًا... وهنا تبدأ النهاية، لا بصمت، بل بسقوطٍ يسمعه الجميع.

الثلاثاء، 24 مارس 2026

مقال

 

 الصغير والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز)

تحت عنوان

شخصيات هزيلة حسب المعايير المعاصرة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحياة اليوم مليئة بالشخوص ما بين مصطلحي الخير والشر، وكلاهما يخضع للقضايا النسبية، ولا يخضع لمبدأ العمر. وهذا بالضبط ما يُفرض في الكثير من الأحيان، ولي في هذا نظرية مختلفة سوف أتحدث عنها في هذه السطور. وقد كتبت في الآونة الأخيرة بعض الأقلام بمفهوم أن هناك من يقوم بالتقليل من شأن الآخرين بحجة النقد، ولهذا اقتضى التوضيح لأهم النقاط في هذا الموضوع.

 

وهم الأسماء والألقاب... يعتقد الكثير اليوم أن هناك أسماء لا يمكن أن تخضع لمسألة النقد، وفي هذا خطأ كبير؛ فلا وجود لمعصوم على الأرض اليوم. وقضية الأسماء باتت تأخذ شكلًا من الأشكال المقيتة التي يعاني منها مجتمعنا، بحجة ما قُدِّم في السابق. ولكن ما لا يعلمه الكثير أن لكل شيء عمره الافتراضي، حتى في مضمار الكتابة؛ فكل من على الأرض له ميتة واحدة، أما أصحاب الإبداع فلهم ميتتان: الأولى بانقطاع الإبداع، والثانية بالتقليدية. وهذا ما لا يعترف به أصحاب الشخصية النرجسية، الذين أصبحوا في فترة معينة يشكلون عبئًا على من سواهم في الحياة، وكأنهم يريدون أن يأخذوا زمنهم وزمن غيرهم، بحيث ينصبون أنفسهم أوصياء لمجرد التزامهم بقضية العمر.

 

قضية النقد... وكثيرًا ما تُؤخذ القضايا النقدية بشكل شخصي، على أنها استصغار للكبير وتكبير للصغير، وهذا لا ينطبق نهائيًا على قضية كتابة النص الإبداعي والبحثي؛ فهناك ما يُعرف بالنسبية في تقييم النص. فالكثير من الأسماء الرنانة أصبحت اليوم تعتاش على أنقاض ما قدمت، وتطلب من الجميع أن يحيطها بالاهتمام والتقدير، وأعتبر هذا نوعًا من أنواع النفاق الثقافي. وقد وصل الحال عند البعض إلى الإشادة بكتابة التفاهات، حتى ولو كانت كلمة (صباح الخير). وهذا ما ولّد طبقة من المهوسين بأنفسهم، بحيث أصبحوا كتلك الأصنام التي كانت تُعبد أيام الجاهلية، يُسجد لها أصحاب العقول الخاوية وهم على علم أنها لا تضر ولا تنفع. وما لا يعلمه المتملقون أنهم يساهمون في صنع طبقة تعاني من أمراض نفسية في حقيقتها؛ ولهذا ترى أن تلك الأصنام لا تتحمل إذا ما وُجِّه لها نقد معين، بحيث تُبوِّب تلك النصوص على أنها استهداف شخصي.

وهنا النقد ليس ترفًا فكريًا، ولا حالة عدائية كما يروّج له البعض، بل هو فعل أخلاقي قبل أن يكون ممارسة معرفية؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها، ويمنع تزييف الوعي، ويقف بوجه محاولات فرض الرداءة كأمر واقع. ومن يرفض النقد، إنما يرفض التطور، ويتمسك بصورة مشوهة عن ذاته لا علاقة لها بالحقيقة.

 

الكبير والصغير... وهنا أستشهد بقول رسولنا الكريم: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)، صدق رسول الله.

ولكن السؤال الأهم: من هو الكبير ومن هو الصغير؟

ولتفريق بينهما، يجب أن نعود إلى معطيات الحياة؛ فالكبير تميزه طباعه، والصغير كذلك. فالكبير هو الذي يعطيك الانطباع بمقدار الخبرات التراكمية، ولا يخضع لمبدأ العمر، بحيث يكون له وقع عند الجميع، ويكون محبًا للقاعدة الشعبية التي ينتمي لها دون تمييز، ويكون وعاءً كبيرًا يسع كل ما قد يواجهه، لا أن يرسم القواعد لمن حوله بطريقة يفرضها عليهم. وما لا يعلمه الكثير أن الإنسان مثل القاعدة الحياتية التي ينتمي لها، فهو يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر، ولا أحد يكون خارج هذه الحدود. وهذا ينطبق على من يدّعون أنهم أصحاب الأقلام والفكر.

أما عن الصغير، فهناك من يكبرون في الأجسام والمكانة، ولكن عقولهم تبقى تراوح في مكانها، وهم لا يعترفون بهذا بشكل نهائي، ويتعاملون على المبادئ الفطرية لصغار السن؛ فتراهم يغضبون إذا ما نُقدوا، ويفرحون إذا ما ذُكروا، ويصبح كل همهم أن يكونوا في دائرة الضوء، بغض النظر عما يقدمونه للمجتمع.

 

إشكالية التراكم الوهمي... من أخطر ما يواجه المشهد الثقافي اليوم هو ما يمكن أن نسميه بـ"التراكم الوهمي"، حيث يعتقد البعض أن كثرة ما كتب تعني جودة ما كتب، وأن الامتداد الزمني كفيل بمنح الشرعية الفكرية. وهذا وهمٌ كبير؛ فالتراكم الحقيقي لا يُقاس بعدد النصوص، بل بقدرتها على البقاء، على التأثير، على خلق جدل معرفي حقيقي. أما التراكم القائم على إعادة إنتاج الذات، فهو لا يعدو كونه استهلاكًا مكررًا لفكرة انتهت صلاحيتها.

 

سلطة المتلقي المزيف... ولا يقف الخلل عند حدود الكاتب، بل يمتد إلى المتلقي الذي أسهم بشكل أو بآخر في تضخيم هذه الظاهرة؛ فهناك جمهور لا يقرأ بقدر ما يصفق، ولا يُحلل بقدر ما يُجامل، مما خلق بيئة خصبة لانتشار الرداءة تحت غطاء الشهرة. وهنا تتحول العلاقة بين الكاتب والمتلقي من علاقة إنتاج معرفي إلى علاقة تبادل مصالح قائمة على الإطراء الزائف، وهذا بحد ذاته يشكل انهيارًا صامتًا في بنية الوعي الثقافي.

 

إعادة تعريف القيمة... إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود أسماء كبيرة أو صغيرة، بل في المعايير التي نقيس بها هذه القيم؛ فحين يُقاس الكاتب بتاريخِه فقط، يُقتل حاضره، وحين يُقاس بنصه فقط، يُنصف إبداعه. لذلك لا بد من إعادة تعريف القيمة بعيدًا عن الهالة الاجتماعية أو التاريخية، والاقتراب أكثر من جوهر النص بوصفه المنتج الحقيقي الذي يجب أن يخضع للمساءلة.

 

أزمة الاعتراف... هناك أزمة خفية تتغلغل في عمق المشهد، وهي "أزمة الاعتراف"، حيث يسعى البعض إلى انتزاع الاعتراف من الآخرين بالقوة المعنوية، لا بالمنجز الحقيقي. فتراه يطالب بالتقدير لا لأنه يستحقه، بل لأنه يعتقد أن له "تاريخًا" يشفع له، متناسيًا أن الاعتراف لا يُورّث، ولا يُفرض، بل يُنتزع عبر الاستحقاق المتجدد.

 

بين الامتداد والانقطاع... ليس كل من استمر في الكتابة يُعد مستمرًا في الإبداع؛ فهناك فرق شاسع بين الامتداد الزمني والانقطاع المعرفي. فقد يكتب الإنسان لعقود، لكنه في الحقيقة توقف منذ سنوات طويلة، يكرر نفسه بصيغ مختلفة، ويعيش على صدى قديم لم يعد له وجود فعلي. وهنا تكمن المأساة التي لا يدركها إلا من يملك شجاعة مواجهة الذات.

 

الخلاصة... أود تقديم شكري وامتناني (للدكتور غسان عزيز، أستاذ النقد العربي في رواق كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل) لتنبيهه إلى أهمية هذا الموضوع الهام.

فهنا يكون النقد شماعة للكثير في تبرير فشلهم، فيفصحون للآخرين أن هذا انتقاد شخصي يُراد منه الاستهداف، وأنه بعيد عن النقد. وللإيضاح، إن في ساحة النقد ليس هناك كبير أو صغير، أو اسم لامع وآخر مغمور، بل هناك نص إبداعي، وآخر عبارة عن إرهاصات نفسية من شخصيات تعاني من أزمات آخر العمر. وهذا ما يشكل خطرًا في ترسيخ منهجية غير صحيحة في التعامل مع الإبداع والمبدعين. ويجب الكف عن صناعة الأصنام الأدبية والثقافية، وحتى العلمية؛ فلا أحد اليوم يُعد خارج قاعدة النقد الإبداعي إن وُجد. ولهذا كان يجب علينا إيجاد قراءة تساهم في تصحيح المسارات التي تشير إلى قضية الكبير والصغير في عالم الكتابة بمختلف أنواعها.

الأربعاء، 11 فبراير 2026

مقال

 

نافذة النور في الجدار الأكاديمي

تحت عنوان

قراءة في دقيقة ونصف

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



منذ زمن بعيد هناك جدار يحيط بالمؤسسة الجامعية، كالجدار الذي يحيط بجامعة الموصل، ولكن اليوم لن أتحدث عن المادة الحجرية التي يُبنى بها الجدار، بل عن شيءٍ آخر يفصل بين الشخصية الأكاديمية والعامة. فالكثير من الناس تمرّ بجانب ذلك الجدار، وتسأل نفسها: ماذا يكون هناك في الخلف؟ وهذا فقط على مستوى العالم الثالث، أما فيما سواه فهناك قنوات تعاون أو اقتران بين الاثنين.

ومن هنا تكون هناك محاولات تمتزج ما بين الجرأة والخجل، وهذا ما أقدم عليه ثلاثة أكاديميين في الصرح الجامعي في كسر ذلك التقليد القديم، في عملٍ سمعيٍّ مرئيٍّ بزمن (دقيقة ونصف). وهنا يكون دور الرؤية النقدية في تقييم هذا العمل، مع الحفاظ على المكانة العلمية للمشاركين فيه، فسوف نبرز في هذه السطور ما بين الصواب والخطأ في أصل العمل.

المشاركون:

د. أحمد جارالله ياسين / أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب / جامعة الموصل

د. حسام الطحان / أستاذ الأدب العربي في كلية تربية البنات / جامعة الموصل

د. ربيع خزعل / أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب / جامعة الموصل

الأستاذ حسين حمه / أستاذ الادب الإنكليزية في كلية الآداب / متقاعد – جامعة الموصل

فهؤلاء يُعتبرون عرّابي المشروع الثقافي واللبنة الأولى للعمل.

 

الصواب ... تحديد مصدر المعلومة؛ ففيما قُدّم كان هناك رصانة واقعية لمصدر المعلومة بغض النظر عن الموضوع المطروح، وهذا بسبب فوضى المعلومة التي نعيشها في عالمنا اليوم، وهذا ما يخلق فضاءً آخر غير مألوف. وقد يعتبرها الكثير هنا نوعًا من أنواع المغامرة، وآخرون قد يعتبرونها محاولات يائسة في بناء صرح يفتقر إلى عامل الوقت، الذي بات يخضع لشيوع التفاهة على حساب الرصانة العلمية. ولكن إذا ما عدنا إلى الرؤى النقدية سوف نرى أنه عمل يعود إلى مبادرة شجاعة في تحدي واقع مرير، من خلال استخدام قواعد استند إليها الطرف الآخر، والمقصود هنا وسيلة الفيديوهات القصيرة، وهذا ما يعزز القيمة الداعمة للمواضيع الحياتية التي يجب أن تكون في مكانتها الاجتماعية.

 

الخطأ... وللتنويه بما يُكتب هنا، لا أنصّب نفسي مقيّمًا لشخوصٍ يُعتبرون ممن ساهموا في بناء شخصية (البارون الأخير) منذ البداية، ولكن هم ذاتهم من علّمني (ألا مجاملة لأحد تُذكر على حساب الرصانة الأدبية).

وما يُعتبر قد أُسقط سهوًا في أصل الموضوع هو آليات مخاطبة العامة، فما زال الأكاديميون في هذا المحتوى متمسكين بالطرح الأكاديمي من خلال تبنّي أسس الفصاحة العربية في طرح الموضوع، وقد يكون لديهم أسبابهم في هذا، وقد يكون ترويج النطق الصحيح للغة العربية، ولكن قد يكون هذا مبكرًا نوعًا ما، وقد يخلق عدم جلب الاهتمام لدى شريحة كبيرة. وكان من المفروض التركيز على المعلومة ورصانتها قبل فرض ما نريد على المتلقي، ولم يكن هناك ضرر في إدخال نوع من روح الدعابة البعيدة عن الإسفاف في الموضوع، فالأدب العربي غني إلى حد كبير في هذا المضمار. وهنا تكون هناك ضرورة ملزمة للاستعانة بذلك كعامل جذب، فأنت اليوم قد خرجت من المسارات الأكاديمية التي تحكمها القرارات والقوانين، وقد قدّمت نفسك كصاحب محتوى للعامة، ولهذا يجب قراءة الأيديولوجيات العقلية التي تحكمها. أما فرض ما تريد، فيكون من خلال عمليات تدريجية للحفاظ على هيكلية العمل والمراد منه.

المضمون  ... أن كسر الجدار الأكاديمي لا يعني فقط الخروج إلى العامة، بل يعني أيضًا تعرية الذات الأكاديمية أمام النقد الشعبي. فالأكاديمي حين يدخل فضاء الفيديو القصير لا يفقد هيبته فقط، بل يضعها على المحكّ. وهنا تكمن الشجاعة الحقيقية؛ لأن النقد في الفضاء المفتوح لا يرحم، ولا يعترف بالألقاب العلمية.

كما أن مسألة “دقيقة ونصف” ليست مجرد زمن تقني، بل هي تحدٍّ فلسفي عميق. كيف يمكن اختزال تراكم معرفي لسنوات طويلة في تسعين ثانية؟ هنا نحن أمام صراع بين العمق والاختصار، بين التراكم والسرعة، بين العقل الذي اعتاد التفصيل والجمهور الذي اعتاد اللمحة الخاطفة. وهذه إشكالية تستحق الوقوف عندها بوصفها معركة بين زمنين لا بين أسلوبين فقط.

وهناك بعدٌ آخر لم يُفكَّك، وهو أن دخول الأكاديميين إلى فضاء المحتوى السريع قد يُفسَّر من قبل بعض النخب بوصفه تنازلًا، في حين أنه في حقيقته محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوعي العام. فالانسحاب لم يعد خيارًا، والعزلة لم تعد فضيلة، والصمت في زمن الضجيج مشاركة غير مباشرة فيه.

ثم إن اختيار اللغة الفصيحة الخالصة لا يُقرأ فقط بوصفه تمسّكًا أكاديميًا، بل قد يكون إعلان موقف ضد موجة التفكيك اللغوي التي تضرب هوية المجتمع. وهنا يصبح الإصرار على الفصاحة موقفًا ثقافيًا لا أسلوبًا تعبيرياً فحسب.

كما أن المقال لم يتوقف عند مسألة الاستمرارية، وهي الأخطر. فالمحاولة الأولى قد تكون ناجحة رمزيًا، لكن الرهان الحقيقي هو القدرة على التحول من مبادرة فردية إلى مشروع متكامل. لأن الثقافة لا تُبنى بلحظة شجاعة، بل بسلسلة مواقف متواصلة.

وهناك سؤال كان يمكن طرحه بصيغة أكثر مباشرة:

هل الجمهور مستعد فعلًا لاستقبال هذا النوع من الطرح، أم أننا ما زلنا نخاطب جمهورًا افتراضيًا نحلم بوجوده؟ لأن الفجوة ليست فقط بين الأكاديمي والعامة، بل بين المثقف والجمهور الذي أعاد تشكيل ذائقته وفق إيقاع مختلف تمامًا.

وأخيرًا، هناك بعدٌ أخلاقي في العمل لم يُبرز بشكل واضح، وهو أن المبادرة في زمن الفوضى ليست ترفًا، بل مسؤولية. فمن يمتلك المعرفة ولا يحاول توظيفها في فضاء التأثير العام يكون قد اختار الحياد، والحياد في لحظات التحول الكبرى ليس موقفًا بريئًا.

الخلاصة... هم رجال شجعان، ويُعتبرون فرسان الثقافة في زمن الفوضى العقلية، والعمل يُعدّ محاولة للوقوف أمام موجة عارمة تعصف بعقول العامة لفرض أجندة دخيلة على المجتمع، وها أنا أقف إجلالًا واحترامًا لكل من يحاول، ولو مجرد محاولة، لبناء مجتمع بمسارات صحيحة.

مقال

    تجريم الفعل لا تجريم الشخوص تحت عنوان قصف المدينة المنورة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين من المسلّمات التي لا تقبل الجدا...