بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مقال

 

 تجريم الفعل لا تجريم الشخوص

تحت عنوان

قصف المدينة المنورة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



من المسلّمات التي لا تقبل الجدال بها أن إراقة قطرة دم عراقي فهو عمل باطل، ولكن ماذا عن الجرأة على الله وما له في الأرض؟ ولتكن هذه قاعدة مقالي هذا.

أذكر رواية لجدتي كانت ترويها لنا ونحن صغار، مفادها: «إن بيت الله الحرام ومقام قبر رسوله الكريم سوف يُهجر أربعين عامًا، حتى يصبح مرتعًا للوحوش». وبغض النظر عن مصداقية الرواية، كان هناك سؤال في ذهن ذلك الطفل: هل يحدث هذا بسبب انقراض المسلمين وقتها؟ ولكن لم يكن يعلم أن من سوف ينقرض هو الإسلام.

وبغض النظر عن الفاعل، فإنه جريمة، ولو فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن يفعلوا مثل هذا. وإذا ما عدنا إلى التاريخ، فسوف نرى صورًا أبشع مما نحن بصدد الحديث عنه، فيها تعرّض بيت الله للضرب بالمنجنيق مرتين، وكانت حجة من ضربها شرعية كما يدّعون.

ورأيي هنا أن لله ورسوله حرمة المكان والزمان، وتحت أي مسمّى تريدون، فمن ضمن تعظيم شعائر الله بيته وقبر نبيه الكريم. ولمن لا يعلم، فإن لله حدودًا يجب أن تُحترم، والطائرة أو الصاروخ الذي اتجه إلى أرض تحتضن قبر خير من مشى على هذه الأرض، فعلٌ يرفضه كل من في قلبه ذرة إيمان، ويبدو أن هناك من ليس لديه ما يربطه بالله عز وجل من الأصل، ولو ادعى غير ذلك.

وهنا أستشهد بقول الشاعر أبي الأسود الدؤلي:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ

                                   عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

فالأمس واليوم، وكل الطوائف الإسلامية تستنكر فعل ضرب الكعبة بالمنجنيق، بغض النظر عمّن فعلها، ولكن نجد اليوم من يفعل ذات الفعل بتغيير الأسماء والأمكنة، والغريب أن فاعله يبدو أنه يستحي من الناس أو يخافهم، ولكنه لم يستحِ أو يخفِ الله بما فعل. وهذا يضعنا أمام منعطف شرعي، وهو استسهال التطاول على ما يخص الله عز وجل. فالمقذوف من صنع البشر، فماذا لو أخطأ هدفه وأصاب الحضرة الشريفة؟ فماذا سوف يقول فاعلها يومئذٍ للرسول يوم اللقاء؟ هل سوف يقول: كنت أدافع عن دينك، فضربتك؟ والله إنكم قومًا لا تؤمنون ولا تستحون، فويل لمن كان خصمه يوم القيامة رسولنا محمد.

وهنا أتوقع إجابة تلك الزمرة الفاعلة للفعل، سوف تقول: والله إننا كنا نقاتل اليهود والنصارى. وأي يهود ونصارى اليوم في مهد النبوة، المدينة المنورة؟ أو سوف يقولون: إننا استهدفنا مصادر الطاقة. ولكن السؤال هنا: لماذا تم اختيار نقطة الضربة قريبة من قبر رسولنا الكريم؟ ألم تكن هناك نقاط ثانية؟ ولكن اختيار هذا المكان لأنه خارج حماية الدولة، وهنا يكون العذر أقبح من الذنب و المصيبة ليست دائمًا في الفعل وحده، وإنما في العذر الذي يأتي بعده ليحاول أن يغسل عاره ويمنحه ثوبًا شرعيًا أو وطنيًا أو عسكريًا. فحين يكون المكان معلومًا، والهدف معلومًا، والنتيجة المحتملة معلومة، ثم يأتي الفاعل ليقول: لم نقصد، أو كنا نستهدف شيئًا آخر، فهنا لا يصبح العذر مبررًا، بل يصبح جريمة ثانية تضاف إلى الجريمة الأولى. لأن الخطأ في مثل هذه المواضع ليس كمن أخطأ الطريق، وإنما كمن اختار الطريق وهو يعلم إلى أين يقوده.

أنا لا أناقش هنا أسماء الفاعلين ولا انتماءاتهم، ولا أبحث عن تبرئة طرف وإدانة طرف، لأن قاعدة مقالي واضحة: الفعل يُجرَّم ولا تُجرَّم الشخوص. فمن أخطأ يُحاسب على فعله، ومن أصاب يُقال له أحسنت، حتى لو كان من أقرب الناس إلينا أو من أبعدهم. فالحق لا يتغير بتغير أسماء أصحابه، وحرمة الأماكن لا تصبح مباحة لأن من اقترب منها رفع شعارًا يراه هو مقدسًا.

ثم أي منطق هذا الذي يجعل حماية هدف عسكري مبررًا للمجازفة بمكان يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل أصبحت الضرورة العسكرية أوسع من حدود الحرمة؟ وهل كل هدف يمكن ضربه لمجرد أن وراءه احتمالًا عسكريًا؟ إن كان هذا هو المنطق، فأين تقف الحدود؟ وأين يتوقف الصاروخ حين يكون أمامه مكان له حرمة في عقيدة ملايين المسلمين؟

والأشد إيلامًا أن يتحول الخطأ إلى بطولة، وأن تتحول المجازفة بحرمة المكان إلى مجرد تفصيل عسكري، ثم يُطلب من الناس أن يصفقوا للعذر بدل أن يسألوا عن الفعل. لا يا سادة، العذر لا يمسح آثار الذنب، والشعار لا يطهّر الفعل، والعدو الذي نحاربه لا يمنحنا رخصة للاستهانة بما نعظّمه ونقدسه.

فإذا كان الفاعل قد أخطأ في تقدير الهدف، فهذه ليست فضيلة تُذكر، وإنما مسؤولية يجب أن تُحاسب. وإذا كان يعلم قرب المكان وحرمته ثم أقدم، فالمصيبة أعظم. وفي الحالتين لا يجوز لنا أن ندفن السؤال تحت ركام الشعارات؛ لأن من حق المؤمن أن يسأل: هل كان بالإمكان اختيار هدف آخر؟ هل كانت هناك وسيلة أخرى؟ هل رُوعيت حرمة المكان؟ وهل كانت حياة الناس وأمنهم ومقدساتهم حاضرة في حسابات من ضغط على زر الإطلاق؟

وهنا أقولها بلا مواربة: حين يصبح الاعتذار عن الفعل أسوأ من الفعل نفسه، وحين يتحول الخطأ إلى تبرير، والتبرير إلى عقيدة، والعقيدة إلى حق مكتسب، فنحن لا نواجه مجرد خطأ عابر، وإنما نواجه خللًا في ميزان القيم. وعندها يصبح السكوت مشاركة في صناعة هذا الخلل، لأن الذي يسكت عن الخطأ بحجة الانتماء أو الخصومة السياسية أو العسكرية، قد يجد نفسه غدًا مضطرًا إلى تبرير خطأ أكبر.

إن حرمة المدينة المنورة ليست قضية طرف سياسي، ولا ورقة في صراع عسكري، ولا تفصيلًا يمكن تجاوزه عند رسم الأهداف. إنها في وجدان المسلمين رمز ديني عظيم، ومن هنا فإن الاقتراب منها يستوجب أعلى درجات الحذر، لا البحث عن أعذار بعد وقوع الكارثة. فالذنب قد يكون فعلًا واحدًا، أما العذر الذي يشرّع له ويدافع عنه ويحوّله إلى بطولة، فقد يكون بداية الطريق إلى ألف ذنب.

وقد تكون هذه كلماتي من أخطر ما كتبت، ولكن ليس مهمًا؛ فالدفاع عن حدود الله واجب لكل من يؤمن. وإن قرأت ما كتبت ولم تتأثر، ولم تكتب ما يرضي الله ورسوله، فذاك شأنك، ولكن ليس من شأن من يؤمن أن يصمت عن فعل يبغضه الله والرسول والمؤمنون.

 

الخلاصة ...  أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: هناك أفعال لا يغسلها العذر، وأماكن لا يجوز أن تكون حقلًا لتجارب الصواريخ والحسابات العسكرية، ومقدسات لا ينبغي أن تدخل أصلًا في قاموس المساومات والخرائط الحربية.

ومن يعتقد أن رفع شعار الدفاع عن الدين يمنحه صكًّا مفتوحًا للاستهانة بحرمة المدينة المنورة، فعليه أن يعيد قراءة معنى الدين قبل أن يتحدث باسمه.

أنا لا أطلب من أحد أن يحب خصمه، ولا أن يترك ساحة القتال، ولا أن يتنازل عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولكنني أقول: (لا تجعلوا الدين شماعة لأفعالكم، ولا تجعلوا المقدسات ضحية لأخطائكم، ثم تطلبوا من الناس أن يسمّوا الخطأ بطولة) فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى صاروخ أعمى، ولا إلى قذيفة تقترب من قبر نبيه حتى يثبت أحدٌ أنه يدافع عن الإسلام.

والأشد قسوة من سقوط المقذوف هو سقوط هيبة الحرمة في نفوس من أطلقوه ومن برروا لهم. فحين يصبح الاقتراب من المدينة المنورة أمرًا عاديًا، وحين يصبح احتمال إصابة موضع يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد «خطأ محتمل»، فالمشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في العقل الذي أعطى السلاح حق الاقتراب أصلًا.

ولست هنا قاضيًا على النيات، ولا مفتشًا في صدور الرجال؛ **أنا أحاكم فعلًا ظاهرًا، وأرفض أن يتحول الخطأ إلى بطولة، والجريمة إلى ضرورة، والضرورة إلى مبرر، والمبرر إلى عقيدة.** فمن أراد أن يقاتل فليقاتل في ميدان القتال، ومن أراد أن يواجه خصمه فليواجهه، أما أن تُوضع المدينة المنورة في مرمى الخطر ثم يُطلب منا أن نبتلع الحكاية كاملة مع عذرها، فهذا ما لا أقبله ولا أستطيع أن أصفق له.

وأقولها بأشد ما أستطيع: (إن كان العذر هو أنكم أخطأتم الهدف، فهذه مصيبة، وإن كان الهدف معلومًا فالمصيبة أعظم، وإن كان اقتراب السلاح من المدينة مقصودًا ثم جرى البحث عن عذر بعد ذلك، فهنا يصبح العذر أقبح من الذنب) وفي جميع الأحوال، لا تجعلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدًا على أخطائكم يوم القيامة، ولا تجعلوا الدفاع عن الدين ذريعة لفعلٍ يسيء إلى حرمة ما عظّمه الدين.

فأنا لا أجامل أحدًا في هذه القضية، ولا يهمني اسم الفاعل ولا رايته ولا مذهبه؛ (فحين تكون القضية متعلقة بحرمة رسول الله ومدينته، تسقط كل الرايات ويبقى الحق وحده واقفًا) ومن لم يعجبه هذا الكلام فليجادلني في الفعل، لا في ولائي، وليناقش الدليل، لا أن يهرب إلى الشتائم والشعارات.

فالدين ليس غطاءً للصاروخ، والمدينة المنورة ليست هدفًا عسكريًا، وحرمة رسول الله ليست هامشًا في دفتر العمليات، ومن يخطئ في حق المقدسات ثم يبحث عن عذر، عليه أن يتذكر جيدًا: قد تستطيع أن تقنع الناس بعذرك، لكنك لن تستطيع أن تخدع الله.

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

مقال

سياسة مجنون بني عبس

تحت عنوان

بين المحاباة وقول الحقيقة

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



لتكن البداية من القضية التي استفزتني لكتابة الموضوع، فبالأمس كان هناك إعلان من جهة حكومية لصرف بعض المستحقات، والغريب أن الكثير بدأ يعتبر أن صرف المستحقات على أنه إنجازات تُحسب لشخص، لتنهال التعليقات مشيدةً بدور رئيس المؤسسة في هذا الإنجاز، وكلها تنضوي تحت مصطلح (اللواكة)، وليس هذا موضوعنا.

ولكن ما حدث ذكرني بحادثة شهيرة في تاريخ الحجاج (رحمه الله)، عندما التقى بأحد الرجال في البادية وسأله عن رأيه بوالي الحجاز، فكانت الإجابة الصادمة في قوله: (لعنه الله ولعن من ولاه). فكانت الإجابة: ويحك، أتعرف من أنا؟ فكانت الإجابة: ومن تكون؟ فصاح: أنا الحجاج. فخرَّ الرجل خوفًا، فقال: وتعلم أنت من أكون أنا؟ مجنون بني عبس، يصيبني الصرع في اليوم مرتين، وأصاب من أثرها بالجنون، وهذه واحدة منها.

وفي هذه الحادثة دلالة واضحة لجملة السياسات التي تتبعها العقلية الجمعية فيما يخص القضايا التي تلامس حياتها بشكل مباشر، وكان الأمر برمته استنساخًا لمنهجية العبيد، وبما أننا هنا قد ورد مصطلح العبيد، يجب أن نستذكر قولًا لأحد الفلاسفة عند سؤاله: (إذا ما كان له الخيار في قتل الطاغية أو قتل العبيد؟) فكانت الإجابة وجوب قتل العبيد، لأن منهجيتهم هي من صُنْعة الطغاة.

وما يحصل اليوم من أزمات متلاحقة، من قضية البنزين وغيرها الكثير مما يعاني منه المواطن، هو بسبب سياسة مجنون بني عبس، وهذا ما أتاح للنظام فكرة تمجيد الواجب، وتلك القناعات التي تدفع العامة للتكالب على كتابة التعليقات التي تساهم في دعم السلطات المقصرة من الأصل، ما يحول دون ابتكار فكرة الإصلاح. وهذا بسبب رأيهم في استحصال الحقوق على أنه إنجاز يُحسب للنظام والسلطة ورجالها، وهذا الفعل يذكرني بمثال شعبي: (الذي يرى الموت يرضى بالحمى).

ومن هنا يكون السؤال الأهم في الموضوع: (ما الذي يمنعنا من قول الحقيقة؟) هل هو الخوف والتراكمات الزمنية التي عملت على ترسيخها الأنظمة المتعاقبة، حتى أصبحت الشجاعة في موضع كهذا نوعًا من السذاجة العقلية؟

 

شرعنة الخوف... ليعلم القارئ هنا أن هذه الحالة التي نعيشها اليوم ليست وليدة اللحظة، ولكن هناك موروثًا شعبيًا يعزز هذا المصطلح في حياتنا اليوم، ومنها (الهزيمة ثلثين المرجلة)، والحقيقة ليس هناك علاقة ما بين المرجلة والهزيمة، ولكن لتبرير الحالة الانهزامية التي يعيشها الكثير، ومنها عدم قدرتهم على قول الحقيقة.

ولو عدنا بالزمن، نرى أمثلة عظيمة في الإقدام على قول الحقيقة، ومنهم أنبياء الله عليهم السلام أجمعين. وهنا لا أريد أن تكون نبيًا، فقد انتهى عصر الأنبياء، ولكن كن إنسانًا فقط في معرفة ما لك وما عليك، وإذا ما فشل اليوم أحدنا في هذا، يذهب لإيجاد الأعذار لتبرير فشله أمام ذاته، وفي ذلك نوع من الحماقة التي تزدهر في عصرنا هذا.

 

هذه هي مكانتكم... وهنا أستشهد بمقولة كان أبي (رحمه الله) يرددها، مفادها: (إذا تشوف واحد على المنارة، قل له الله يزيدك، وإذا تشوف أحد بالطهارة، قل له الله يزيدك، لأن الاثنين يستحقان ما هم عليه).

وفي هذا دلالة على أن الإنسان هو من يختار مكانته في المجتمع، فإذا ما أردت أن تكون طبلًا فسوف تصفق حتى لذلك الذي يذلك كل يوم، وإذا ما أردت أن تكون بشرًا يستحق الحياة، فقول الحقيقة سوف يمنحك هذه الفرصة.

ولهذا تراني قليلًا ما أتحدث عن معاناة العامة بشكل خاص، وهذا بسبب استنتاج لي من قراءة التجارب التي سبقتنا، فالعقلية التي أدت إلى اعتقال (جيفارا)، وهي أنه كان صوت رصاص الحرية، تزعج غنم الراعي الذي يمثل عقلية المجتمع، ليكون كل ما نكتبه أو نفعله من أجل الآخرين بلا قيمة.

ولكن سوف أكتب الحقيقة التي تنضوي تحت عنوان (لله والتاريخ)، فالاثنان هنا لا يعرفان معنى النسيان، ويكفي فخرًا أن تُذكر أسماؤنا في قوائم الشجعان، ولو خرجت من هذه الحياة بلا شيء آخر يُذكر، على أن أملك العالم وأنا لا أستطيع الوقوف أمام المرآة، وأنا لا أحظى بالاحترام أمام نفسي على الأقل.

 

الخلاصة... لم أعد أغضب لرؤية المتخاذلين والجبناء، وقد يكون بسبب أنها أصبحت الظاهرة الأوسع انتشارًا اليوم، وهذا يعود إلى أن الشجعان في هذه الحياة لا يعيشون طويلًا، فالمجد للأبطال، والحياة وكل ما فيها للجبناء الذين يفضلون العيش بذل على قول الحقيقة.

وسوف أقولها كما قالها من قبلي: أفضل أن ألقى الله وأنا قادر على قول الحق، بدل لقائه وأنا على قوائم المنافقين فقط؛ لأنني أريد الحياة.

فعندما تتحول الواجبات إلى إنجازات، تسهم في سيل من التطبيل والتهويل، يكون مجنون بني عبس وسياسته هو أفضل من قول الحقيقة لاقول هنا «فاتقوا الله بأنفسكم، لعلكم تُرحمون.»


الخميس، 10 سبتمبر 2026

مقال

 

تاريخ الفكر المنحرف

تحت عنوان

الرد الساحق

بقلم البارون الأخير / محمود


صلاح الدين


عندما توصف بالفكر المنحرف، يجب أن يكون لك تاريخ يشهد لك، وكما يقول المثل: «إذا ما كذبت، أبعد شهودك». والحمد لله، شهودي، ربي يعطيهم الصحة والعافية، ليسكت فئران العجوز الخرف. فاليوم، لأن أتحدث عن أحد في هذه السطور، وما أثير على مواقع التواصل لن يكون أكثر من حكاية تلك الذبابة التي حطّت على ظهر الفيل، وعندما همّت بالرحيل قالت له: احذر، فإنني مغادرة. فابتسم وقتها وقال للذبابة: أنا لم أشعر بك عند حطّك على ظهري، فتريدين الآن أن أشعر بك وأنت تغادرين؟ وهذا يعبّر عن سذاجة الفكر في الرد الفكري إذا ما امتلكوه من الأصل.

 

البدايات... تسعينيات القرن الماضي حيث لم يكن أحد من الفئران متواجدًا على الساحة الثقافية وفي كلية الآداب، والعمل مع شخص كان السبب في محبتي للكتب والقراءة، وهو أستاذ الأدب الإنكليزي (حسين حمه رحيم)، فكل الفضل يعود له بعد الله في صناعة إمبراطورية البارون اليوم، وكلمته المأثورة ما زالت في أذني: «إذا كنت تريد الكتابة، فاقرأ».

وكانت الانطلاقة من صرح أكاديمي يحلم الكثير بالانتماء له، فكان أول نص شعري يُنشر لي بعنوان (زنزانة) في جريدة الحدباء سنة (1993). وبينما كان الكثير من الناس منشغلين في كتابة التقارير لكسر رقاب الناس، وكتابة تلك التقارير لا تُعتبر تاريخًا مشرفًا لمن يريد أن يكون واجهة ثقافية اليوم.

 

أول كتاب قرأته... شاء القدر في ذلك الوقت أن يكون أول كتاب قرأته في المرحلة المتوسطة يتناول قراءة نقدية لمذهب العجوز الخرف، وهو كتاب بعنوان (مذهب ذوي العاهات) للكاتب الكبير العقاد. والسؤال هنا: من يكون صاحب العاهات الفكرية الآن؟

ومنذ ذلك الوقت ولغاية كتابة هذا المقال، ما زلت أقرأ ومستمرًا بالقراءة، فكل من كتب منذ فجر الكتابة أعرفهم، من شعراء ومفكرين، عربًا كانوا أو غيرهم، وهذا ما أكسبني القدرة على مجاراة من يدّعون الثقافة.

 

قل لي من تصاحب، أقول لك من تكون... عندما تعمل في صرح بثقل كلية الآداب، فمن الطبيعي أن تصاحب عمالقة الفكر والأدب والتاريخ والاجتماع واللغات، وهذا ما يضيف لقدراتي الكتابية الكثير. فإن لم أعرف أحدًا أقل مني مستوى، فإنني تلميذ لكل من صاحبتهم، وهم من هم: مفكرون وأدباء وأكاديميون وعلماء في العلوم الإنسانية، ولم أرَ فيهم ما يعيب.

فمصاحبتي لشخوص بحد ذاتها لاكتساب معرفة ثقافية، فإنني أكره الأغبياء والمغفولين والذين ينتهجون منهج التطبيل ليقوم آخر بتلميعهم.

 

أول من كتب عني... الدكتور (علي العبيدي)، أستاذ اللغة العربية في مركز دراسات الموصل، وكانت قراءة أكاديمية بحتة لنص شعري بعنوان (البالونات)، والتي تحدثت عن ظاهرة الأواني الفارغة التي تملأ الأوساط الأدبية، وكانت أيضًا في وقت لم يكن العجوز الخرف وفئرانه، كما يقال عند العامة: «لا بالبطن ولا بالظهر».

وهذا ما يؤكد المنطلق الذي يكتبون به، وهو أنهم العاجزون عن مجاراة الإبداع، فيذهبون لانتهاج التسقيط الممنهج وتأييد من يطمحون لكسب رضى المقهى ورواده البائسين.

 

ماذا كتبت وسوف أكتب... فالعادة أن يكون المثقف الحقيقي مدركًا للشخصية التي أمامه وإنجازاتها. فعندما أقرأ للعظماء، لا أستطيع بخس نتاجهم الأدبي والفكري، لأنني لو فعلت هذا أكون قد وضعت نفسي في خانة الأحمق. وهذا لا يعني أنهم لا يخطئون، والرد عليهم يكون بحجة وبرهان عقلي وفكري لا يقبل الشك.

أما عن صرير الفئران، فتلك جعجعة فارغة، مثلها عندما تكون لا تملك النور في طريق مظلم، فيكون ردك لا يتجاوز الارتطام بالجدران، لا أكثر.

فلي مئات المقالات والنصوص الشعرية والقصص والمسرحيات، أكون في موضع لا يمكن أن أوصف بأوصاف شخص ينقم عليّ لأنني فقط قمت بعكس صورته القبيحة.

 

إنجازاتي... من أعظم إنجازاتي، والتي أفتخر بها، مجلة ثقافية لها من الصدى ما يشهد له العدو قبل الصديق، والتاريخ يشهد أن ليس هناك مشروع ثقافي مستمر إلى غاية يومنا هذا غير مجلة زهرة البارون، وهي تدخل عامها الحادي عشر. جمعت فيها صفوة الثقافة والمجتمع، وكان عددها الأول إبان ما كانت تعيش المدينة معاناة الاحتلال من القوة الظلامية، وكانت هذه ردًا على كل ما كان في ذلك الوقت.

 

الخلاصة ... وفي النهاية، هناك فرق كبير بين من يصنع تاريخه بالقلم، ومن يحاول صناعة تاريخه بتسقيط الآخرين. فالثقافة ليست مقهى يجتمع فيه بعض المتطفلين ليتبادلوا التصفيق، وليست منشورًا على مواقع التواصل يرفع شخصًا ويهدم آخر، وليست مجموعة من الفئران تصرخ من خلف العجوز الخرف كلما عجزت عن مواجهة الحقيقة.

أنا لا أحتاج إلى أن أسقط أحدًا كي أثبت أنني موجود؛ لأن سنوات الكتابة والقراءة، وما تركته من مقالات ونصوص وقصص ومسرحيات، ومشروع ثقافي استمر لسنوات، هي التي تتحدث عني. أما الذين لا يملكون في رصيدهم سوى التسقيط، فمشكلتهم ليست معي، بل مع عجزهم عن صناعة شيء يجعل الناس تتحدث عنهم.

والفرق بيني وبين دعاة الثقافة الذين يتخذون من التسقيط وسيلة للظهور، أنني دخلت ميدان الثقافة من باب الكتاب والقراءة والعمل والمشروع، بينما دخلوا هم من باب الضجيج والاصطفاف وتلميع بعضهم لبعض. أنا أختلف مع الكاتب فأناقش فكرته، أما هم فيختلفون مع الشخص فيبحثون عن طريقة لإسقاطه؛ وهذه وحدها تكشف الفارق بين ثقافة تقوم على الفكر، وثقافة تقوم على الأحقاد الصغيرة.

أما فئران العجوز الخرف، فلتواصل صريرها كما تشاء، فالفيل لا ينزل من مكانه ليطارد ذبابة، والمكتبة لا تغلق أبوابها لأن فأرًا قرر أن يعلن نفسه ناقدًا لها.

لقد تعودت أن أجيب بالقلم، لأن القلم الذي أمضى عقودًا في القراءة والكتابة لا تهزه حفنة من الأصوات التي لا تملك إلا الصدى. وسيبقى التاريخ هو الحكم الأخير؛ فهناك من يترك وراءه كتبًا ومقالات ومشاريع ثقافية، وهناك من لا يترك وراءه إلا ضجيجًا سرعان ما تأكله الأيام.

لهذا أقولها بلا مواربة: **أسقطوني إن استطعتم، ولكن أسقطوا أولًا ما كتبته، وما أنجزته، وما تركته في المشهد الثقافي؛ لأن إسقاط رجلٍ أسهل بكثير من إسقاط تاريخٍ كاملٍ صنعه بقلمه.**

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

مقال

 

 الصحافة الموصلية والعجوز الخرف

تحت عنوان

تصدير التفاهة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من تجعل المقهى مرجعًا ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما تقوم بتلميع الفارغين ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما يتحول المشهد الثقافي إلى أيديولوجيات عصابات أدمنت الجلوس في المقهى، فهناك مشكلة. ولهذا سوف نستعرض بعض الممارسات لمن يصف نفسه بعرّاب الصحافة والأقلام في المدينة.

جاي وجذب... طالما ارتبط هذا المصطلح بالمقاهي، وقد تم تداوله مؤخرًا في مضمار الأعمال الكوميدية للتعبير عن تفاهة تلك الشخصية التي نحن بصدد الحديث عنها. والكارثة أن تُبوَّب هذه الأيديولوجية لتكون الواجهة الثقافية للمدينة، فجمع المبطلين في المقهى لا يعني أن هناك تميزًا، وإنما يعني أن هناك أساليب لترسيخ (اللواكة) في العمل الثقافي.

 

تلميع الأوعية الفارغة... التطبيل العلني بقصد الشهرة منتهى الوضاعة الفكرية، أن تجد من يبحث عن أشخاص يعانون من عقدة الشهرة لغرض استغلالهم. وما يفعله العجوز اليوم هو أن يأتي بشخصيات مغمورة، لا نتاج أدبيًا ولا فنيًا ولا فكريًا لها، وهم حديثو العهد بهذا المجال، ثم يقدمهم على أنهم رموز، وهذه جريمة يقترفها ذلك العجوز الخرف، وهو بذلك يساهم في تتفيه المشهد الثقافي.

وقد يكون هذا العمل من باب إبراز ذاته، النابع من سلوكه الشخصي القائم على التفاهة ونتاجه الفكري تحت شعار (تساوي العصي).

 

أيديولوجيات الإيقاف الزمني... يبدو أن عقلية العجوز الخرف ما زالت تعيش في خمسينيات القرن الماضي، وهذه معضلة يجب الحذر منها. وبسبب هذه الشخصيات نعاني اليوم من التخلف مقارنة بالأقوام التي حولنا.

فمن الطبيعي أن تخرج علينا مظاهرات في العالم الغربي بلفتات كتب عليها: «ارجعوا لجمالكم»، وهذا بسبب تصدّر العاهات للمشهد الثقافي كواجهة، ومحاولات فرض فكر متهالك أثبت فشله في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. وهذا لا يعدو أن يكون حماقة تنبع من غباء متجذر عبر سنوات طويلة.

 

الثقافة الحفظية... ينتمي هذا العجوز إلى هذا النوع من الثقافة التي تعتمد على حفظ بعض أسماء أصحاب الأقلام وبعض العناوين، يستعرض بها أمام الحاضرين ليوهمهم بأنه يمتلك ثقافة عميقة، والحقيقة أنه عبارة عن (طبل) يصدر الأصوات من فراغ.

وقد يعود هذا إلى توجهاته السياسية العفنة التي أكل عليها الدهر وشرب، والتي أثبتت فشلها الاجتماعي. وها هو اليوم يحاول تنصيب نفسه زعيمًا يمنح الألقاب والصفات، ويقصي من يعارضه، بغض النظر عن الجانب الإبداعي.

ويذكرني هذا بقصة عن جحا: (يحكى أن جحا قد وصل إلى سن الزواج، فطلبت منه أمه أن يخرج ويرى الناس لعله يختار عروسًا. وعند خروجه عاد مسرعًا، فسألته أمه: ما الذي أعادك بهذه السرعة؟ فقال: إني لم أرضَ بأحد. فضحكت الأم وقالت: ويحك، أنت جحا، فمن يرضى بك حتى ترضى عن الناس؟)

ومن هنا نفهم وضعية هذا التافه الذي بدأ يرمي بالتهم على أصحاب الأقلام، وذلك بسبب عجزه عن مجاراتهم.

 

النتائج التي ساهم بها ذلك العجوز الخرف... وهنا لا يقول أحدكم إن هناك من يتميز في عالم الثقافة الموصلية بمنتوجه الفكري والإبداعي، فالساحة اليوم تحولت إلى قضية محاباة وعلاقات تخلو من التميز، وهذا بسبب العقلية التي رسخها ضعفاء النفوس، وهو من يتربع على عرش التفاهات الأخلاقية في العمل الصحفي.

ولهذا ترى الكثير من الأسماء التي تعتبر نفسها نجومًا كتابية لا يعرفها أحد، وكتبًا لا تساوي الحبر الذي طُبعت به، ومع ذلك يتم الكتابة عنها والإشادة بها، ومنها تتشكل تكتلات عقيمة لا تعمل لخدمة المدينة، وهدفها الوحيد إبراز أصحاب الأطماع المريضة بالشهرة.

ومن هنا تدرك خطورة ذلك الفكر المنحرف الذي يحاول فرضه ذلك الخرف من خلال المجاملات في تلميع بعض الكتب، والإعلان عنها على أنها نتاج إبداعي، أو تلميع شخصيات ليس لها نتاج فني يُذكر.

فتجد الفنان التشكيلي أو الفنانة التشكيلية ممن لا يملكون معرضًا شخصيًا واحدًا خارج إطار دراستهم الأكاديمية، ومع ذلك يقدمون بوصفهم رموزًا إبداعية. ومن هنا نفهم حقيقة الجرم الذي يرتكبه ذلك الأحمق الخرف في التغطية على شخوص مغمورة إبداعيًا، وترك الإبداع الحقيقي الذي لا يلائم فكره المنحرف.

وهكذا باتت المدينة بأكملها تفتقر إلى الاستعراض الحقيقي لفكرة الإبداع، بعدما أصبح معيار الحضور هو العلاقة والمحسوبية، لا قيمة المنجز.

المشكلة الحقيقية...

ليست القضية في قضاء معظم الوقت في المقهى، ولكن في الاعتياش على من يجمعهم من حوله. فالرجل الذي لا يملك الشجاعة لدفع ثمن كوب الشاي الذي يشربه، لن يكون قادرًا على امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة التي قد تعمّق شعوره بالنقص.

ومن الأخطاء التي وقع فيها أيضًا تقديس الشخصيات بمعزل عن النص الإبداعي، وهذا يخدم هوسه المرضي بتصدّر المشهد.

والحقيقة أنه يحمل اليوم المجتمع بأكمله مسؤولية تهميشه في الحقبة الماضية، ولا يعترف بأنه كان، في جانب من المشكلة، ينتمي إلى ثقافة قشرية محبة للظهور.

فتراه اليوم، كل يوم، يتهم هذا وذاك بأن نتاجهم من صنيعة الذكاء الاصطناعي، بينما يبني نظرية على أساس أنه يكتب نصوصًا تضاهي الكتب السماوية، وهي في حقيقتها مواد هزيلة لا يكتب مثلها طالب في المرحلة الابتدائية في درس الإنشاء.

ولهذا تراه يعمل على تسقيط الشخصيات التي يرى أنها دخلت عالم الاحتراف في الكتابة، وكأن نجاح الآخرين يشكل تهديدًا مباشرًا لوجوده.

 

هذا الرجل عفطي... هذا هو التوصيف الدقيق لهذه الشخصية، وإذا ما عدنا إلى معنى كلمة (العفطية)، فهي سلوك منحرف يعمل على تسقيط كل من حوله ممن يتميز عنه.

وهذا السلوك قد يتسبب في خلق كثير من الشخصيات التي تنتهج الأسلوب ذاته، مما يخلق حالة من الارتباك الفكري والإبداعي في المدينة، لأننا لا نعود أمام منافسة إبداعية حقيقية، وإنما أمام محاولة مستمرة لإسقاط الآخر بدلًا من مجاراته.

 

الخلاصة... أنا لا أكره هذا الرجل، ولكن كان يجب أن أكون له بمثابة مرآة يرى فيها صورته القبيحة، لعله يستحي مما يفعل. ولكن يبدو أن هذا قد يكون غير مجدٍ بسبب مقولة: (لا يصلح العطار ما أفسده الدهر).

فقد نشأ على فكر منحرف يرفض فكرة الاختلاف والتميز، ولهذا فإن من يصف نفسه اليوم بعرّاب صحافة المقهى ليس في الحقيقة سوى (عجوز خرف)، يحاول أن يجعل من تفاهته مشروعًا ثقافيًا، ومن علاقاته معيارًا للتميز، ومن إقصاء الآخرين وسيلة لإثبات حضوره.

وهنا تبقى المشكلة ليست في عجوزٍ خرف، ولا في مقهى يجلس فيه، وإنما في مدينة ثقافية تسمح للتفاهة أن تتحول إلى مرجع، وللفارغ أن يصبح رمزًا، وللضجيج أن يتقدم على الإبداع.

 

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

مقال

 

 معضلة القلم بين الأدب والصحافة

تحت عنوان

صراعات عبثية   

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



كثيرة هي الأسماء اليوم التي تتوزع بين الأدب والصحافة، ولكن هل تلك الأقلام حقيقية أم لا؟

وهنا معضلة القضية: الحقيقة . وهنا نستشهد بمقولة معززة للمقال مفادها: «العلوم مكاسب والفنون مواهب»، وكل شيء خارج هذا المفهوم يُعتبر شذوذًا.

وفي وقت ما سألت الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب: ما رأيك في «البارون الأخير» شاعرًا؟ فكانت الإجابة، كما عودنا منه، غير تقليدية: «إن البارون الأخير لا يحتاج لكتابة قصيدة، لأنه قصيدة بحد ذاته» .

ولهذا القول دلالات تصب في أصل الفكرة، وهي أن للقلم حياة يترجمها الكاتب بالحروف والكلمات، وغير ذلك يكون النص فاقدًا لأهم عنصر من عناصره، وهي **روح النص** التي تتجسد في تجربة وجدانية عاشها الأديب أو الصحفي. فالكثير من النتاج الأدبي الذي خلّده التاريخ كان عبارة عن ترجمة حياتية.

 

التجمعات لا تصنع القلم... نرى اليوم الكثير من الأقلام تتهافت على مسألة الانضمام إلى الاتحادات والنقابات والحصول على هوية العضوية، ولهذا ترى مدارس في المحاباة والمجاملات في تلك التجمعات، ما يضعف أداءها في نوعية النتاج الأدبي.

وهذا يعود إلى بعض الأسباب، منها التباهي بهذه الصفة أو الجري خلف المكاسب المادية. ولكن ماذا عن جودة النص؟ والإجابة تكون أنها خارج حسابات تلك الجمعيات والنقابات، وهذا لا ينطبق فقط على جماعة الأدب والصحافة والإعلام أيضًا.

فقبل مدة كنت متواجدًا في تجمع صحفي، فنظرت من حولي، فوجدت أن جميع المتواجدين هم شخصيات مجهولة الاسم والشكل، وهذا ما يتنافى مع أصل العمل؛ فمن يزاول مهنة الكتابة في المدينة هم شخوص معلومة، أعرفهم وقرأت لهم، ولكن الحاضرين كانوا غير ذلك، وهذا ما يساهم في تعزيز نظرتي إلى الموضوع.

 

كيف تكون أديبًا أو صحفيًا... الموهبة هي البداية والنهاية، وليس عيبًا أن لا تكون موهوبًا، ولكن العيب أن توهم من حولك بحقيقة لا تملكها وهناك الكثير من الأسماء تملك الموهبة قبل شروعها في دخول تلك التجمعات، مثل (الشاعر كرم الأعرجي، والدكتور أحمد جارالله، والدكتور حسام الطحان) ، وغيرهم الكثير ممن كان لهم الأثر الكبير في الحركة الثقافية في المدينة.

والغريب أن الكثير اليوم يرى أن توجيه الدعوات لحضور مهرجانات أو مؤتمرات أو جلسات أدبية دليل على التميز، وهذا أمر عارٍ عن الصحة؛ فالنصوص القيمة لا تحتاج إلى أن يُعلن عنها، فهي من تفرض نفسها على المجتمع كنتاج إبداعي.

فكل الأسماء التي وردت في التاريخ، مثل امرئ القيس أو عنترة، أو حتى في التاريخ الحديث أمثال نزار قباني وغيره الكثير، والتي ذاع صيتها، كانت تجارب حياتية لم تكن تحتاج إلى تجمعات أو اتحادات لتقيمها كنوع من الإبداع.

أما أن تكون قد أتقنت بعض مهارة معينة، كالعَروض في الشعر، فهذا لا يصنع منك شاعرًا، وكذلك بقية أنواع الأدب؛ فللقلم حياة يجسدها النص.

 

أما الصحافة والإعلام... فتلك تنضوي تحت مهارات تتوزع ما بين الكتابة السمعية والبصرية، واليوم نرى الكثير ممن هم محسوبون على هذه الفئة ليس لديهم مقال صحفي واحد، لا في جريدة ولا حتى على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن ما يوهم نفسه بأنه صحفي هي تلك الأخبار العقيمة التي لا تتجاوز كلمة أو كلمتين، مثل: «تم رفع الراتب» أو «نزل الراتب» وبما أن ذلك الأمر يشغل الكثير من الناس، يتصور أنه إعلامي أو صحفي، وهذا ما يوهمه بأنه امتلك تلك الصفة.

 

المضمون... اليوم نرى انتشار المسوخ في عالم الأدب والثقافة، الذين هم عبارة عن «بالونات» فارغة من المضمون الإبداعي، كل عملهم الجري خلف القائمين على تلك التجمعات لنيل العضوية.

وهنا لا أريد فقط تجريم تلك الفئة، ولكن من ساهم في رسم هذه الصورة هم أيضًا المسؤولون في الاتحادات والتجمعات، من خلال تنصيب أنفسهم دهاة العصر والزمن فيما يخص نتاج القلم، والمعايير المزاجية في التعامل مع المشهد الثقافي.

فالقلم الذي لا يطبل لهم هو قلم فاقد للأهلية ولا يستحق تسليط الضوء عليه، وهذا يشمل الصحافة والأدب وهذه حقيقة، فالأمر برمته مبني على نوعية العلاقات مع القائمين على تلك التجمعات، مما جعل هناك تراجعًا في المستوى الأدبي.

فلا زلت أتذكر الأيام الأولى لتجربتي الكتابية، حين قدمني الشاعر الدكتور مزاحم علاوي ، رحمه الله، كموهبة شابة للاتحاد في تسعينيات القرن الماضي. لم يكن بيننا ما يسمى بالمحاباة أو المجاملات، فقد كنت أعمل في كلية الآداب، وهو في كلية التربية، ورغم هذا كان الرجل يتصف بالعدالة المفقودة هذه الأيام، التي يكون الحضور والاحتفاء فيها تحت شعار: «هذا نريدو وهذا ما من جمعتنا» وهنا تكمن الكارثة، وهي المزاجية في التعامل مع النتاج الأدبي، مما أضعف الحركة الأدبية في المدينة.

 

الطريق إلى القمة... لا يحتاج إلى هوية عضوية وإنعاش الشعور السلطوي لبعض الشخصيات من خلال إعطائهم الشرعية، ولهذا ترى تهافتهم على رئاسة تلك التجمعات.

ولكن ليكن هذا من خلال إثبات الاحترافية التي يتمتع بها قلمك، حتى ولو كره الكارهون؛ فعدم اعتراف هؤلاء بك لا يسقط عنك صفة ولا يمنحك إياها، ولكن نصوصك قد تمنحك الشرعية والحق في الكتابة.

أما الجري خلف فلان وعلان لتكون كاتبًا، فمضيعة للوقت لا أكثر؛ فليس هناك متسع للجري خلف السراب.

فأعد ترتيب ذهنك لتقيّم موهبتك من خلال قراءتك للنصوص والحياة، التي في الغالب تكون الرافد لتكوين نص أدبي أو صحفي يحظى بالاحترام.

وهنا لا أدعو إلى مقاطعة تلك التجمعات، ولا ضرر في التواصل معهم فقط للاطلاع، ولكن لا تجعل منها مرجعية لعملك الكتابي.

 

الخلاصة... قلمك يعتبر الدفّة لزورق في بحر هائج، فلا تعطِ دفة زورقك لمن لا يرضى أن يطغى تميزك عليه، ففي ذلك نوع من الحماقة التي لا تليق بك كأديب أو صحفي.

فالتميز لن يمنحه إلا قلمك وما يسطره من الإبداع الفكري، عندها سوف تكون أكبر من تجمعات قائمة فقط على إعطاء الشرعية لوجهة نظرهم من خلال وجودك، إلا من خلال بطاقة، وهي لن تجعل منك يومًا ما كاتبًا أو صحفيًا.

وهنا سوف يأتي أحدهم ليقول إن ما كُتب هنا هو نتاج الذكاء الاصطناعي، لأقول له: **أمانة، توصل سلامي وتحياتي للذكاء الاصطناعي، لأنه قد كتب حقيقة تخافونها.** وإذا ما قورنت كلماتي بما يكتبه الذكاء الاصطناعي، فذلك أمر يدعو للفخر؛ لأني قد وصلت إلى مرحلة تتخطى حدود الاحترافية في الكتابة.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

مقال

 

 كتب مثيرة للجدل «معالم في الطريق» لسيد قطب

تحت عنوان

كسر عظم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



اليوم لسنا بصدد الطعن بشخصية ولا التشكيك بإيمان أحدهم، ولكن اليوم نحن بصدد كسر عظم منهجية كان لها نتائج كارثية على صعيد الساحة الإسلامية، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره. واليوم نحن بصدد الحديث عن كتاب حاول تغيير عقيدة بأكملها، والذي يتخذ منه الذين يؤيدون ذلك الفكر أنه دستور لا يمكن المساس به، وهذه من التوابع التي خلفتها تلك العقلية التي كُتبت بها منهجية ذلك الكتاب.

والغريب أن معتنقي تلك المنهجية على قناعة أن لا أحد يستطيع وضع المادة التي نتحدث عنها اليوم تحت المجهر، وإظهار عيوبها وتصحيح ما ورد فيها، وهنا سوف نكسر أيضًا تلك القناعات المريضة، وسوف نتناول الكتاب من ناحية أبوابه، مبينين رأي الكاتب وما أخطأ به.

مضمون الكتاب من وجهة نظر أصحابه ومن يتخذ هذا المنهج يرى أن الكتاب يمثل طفرة في عالم الفكر الإسلامي الحديث، ينظم به أساليب رسم صورة الإسلام.

اما الحقيقية فهو كتاب نقل الفكر الدعوي المشكوك في أمره منذ بداية تأسيس الحركة إلى ما يُعرف بالفكر الجهادي، واتخذت جماعات منحرفة كثيرة منه منهجًا لتبويب أطماعهم السياسية.

وقد حاول الكاتب هنا إمكانية استنساخ الرعيل الأول من فجر الدعوة الإسلامية، وأعتقد هنا أنه قد غفل عن معايير المكان والزمان والشخصيات، وقد نسي أو تناسى أن فجر الدعوة كان هناك نبي بمعجزات مدعوم بالإرادة الإلهية.

ورغم هذا، لم تكن هناك صورة مثالية لما يرمي إليه، ولو كان المجتمع وقتها كما يتصور الكاتب، ما كانت هناك حروب الردة.

ومع تغيّر الحضارة يكون هناك تغيّر في معطيات بناء جيل قرآني بغير ما يتحدث عنه، فالكتاب قد غفل عن مسألة مهمة جدًا، وهي المبالغة في مثالية النموذج المراد طرحه، متشبثًا بمن كان في تلك المرحلة، في عصر النبوة.

 

عندما تتحول التجربة إلى عقيدة ... وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في هذا الكتاب، فالنص لا يكتفي بقراءة تجربة تاريخية محددة، بل يحاول أن يحولها إلى نموذج قابل للاستنساخ، وكأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بالصورة ذاتها، وكأن الإنسان الذي يعيش في القرن العشرين أو الحادي والعشرين يمكن أن يُعاد تشكيله بالمعطيات ذاتها التي صنعت إنسان القرن الأول الهجري. وهذه واحدة من أخطر الإشكالات المنهجية التي وقع فيها الكتاب، لأنه لم يضع الفارق بين **النص المقدس والتجربة البشرية في التاريخ**، ولم يمنح الزمان والمكان والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حقها في صناعة الإنسان والمجتمع.

فالجيل الأول لم يكن مجرد مجموعة من الأشخاص قرأوا القرآن فصاروا نموذجًا مكتملًا، وإنما كان نتاج ظروف تاريخية واجتماعية وروحية وسياسية شديدة الخصوصية، وكان يعيش في ظل قيادة نبوية مباشرة. أما محاولة استحضار ذلك النموذج خارج شروطه التاريخية، فهي ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي محاولة لإعادة إنتاجه قسرًا.

والأخطر من ذلك أن تحويل تجربة تاريخية إلى **مقياس وحيد للحكم على المجتمعات اللاحقة** يفتح الباب أمام تقسيم الناس إلى مجتمع إسلامي حقيقي ومجتمع جاهلي، وهذه الثنائية ليست مجرد مصطلح عابر، وإنما يمكن أن تتحول إلى أداة لإدانة المجتمع بأكمله، ثم إلى مبرر للقطيعة معه، وربما إلى اعتبار تغييره واجبًا بأي وسيلة.

وهنا تكمن الخطورة التي لا ينبغي تجاهلها؛ لأن الفكر عندما ينقل الإنسان من مرحلة النقد إلى مرحلة إدانة المجتمع، ثم يقنعه بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، يصبح من السهل جدًا أن تتحول الفكرة من مشروع إصلاح إلى مشروع صدام.

 

من نقد الواقع إلى إلغاء الواقع ... إن المشكلة في «معالم في الطريق» ليست في كونه كتابًا نقديًا، فالنقد ضرورة لأي مجتمع، وإنما في طبيعة العلاقة التي أقامها الكتاب مع الواقع. فالواقع عنده يبدو في كثير من المواضع وكأنه كتلة واحدة فاسدة تحتاج إلى إعادة تشكيل وفق نموذج سابق، بدل أن يكون واقعًا معقدًا يحتاج إلى الإصلاح التدريجي، وإلى فهم تناقضاته، وإلى التعامل مع أفراده باعتبارهم بشرًا لا مجرد أرقام في معادلة فكرية.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن إصلاح المجتمع بإلغاء واقعه؟ وهل يمكن بناء الإنسان الجديد بتجاهل علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد وتحولات المعرفة؟ وهل كل مجتمع لم يطابق النموذج المثالي يصبح بالضرورة مجتمعًا جاهليًا؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف حجم الإشكالية؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا تُدار بمنطق الاستنساخ، ولا يمكن أن تُعاد صياغتها بمجرد إطلاق الأحكام عليها.

والأشد خطورة أن بعض القراءات اللاحقة للكتاب لم تتعامل معه بوصفه اجتهادًا فكريًا قابلًا للنقاش والمراجعة، وإنما حولته إلى نص مغلق، وكأن مناقشة أفكاره خروج عن الدين ذاته. وهنا تتحول الفكرة من اجتهاد بشري إلى ما يشبه المقدس، ويصبح صاحبها فوق النقد، ويصبح الكتاب فوق المراجعة، ويصبح أتباعه أسرى لنص لا يسمح لهم حتى بالسؤال.

وهذه هي اللحظة التي يموت فيها الفكر؛ لأن الفكر الذي يخاف من السؤال يتحول إلى عقيدة مغلقة، والعقيدة المغلقة عندما تدخل ميدان السياسة قد تتحول إلى سلطة، وعندما تدخل ميدان الصراع قد تتحول إلى أداة إقصاء.

 

 كسر العظم الحقيقي ... لذلك فإن كسر العظم الذي نقصده هنا ليس كسر شخص أو إسقاط قيمة كاتب، وإنما كسر تلك الهالة التي صُنعت حول الكتاب، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: **كتاب بشري كتبه بشر، ومن حق البشر أن يقرأوه ويناقشوه ويختلفوا معه ويكشفوا مواطن القوة والخلل فيه.**

 

فليس من المنطق أن نطالب الناس بإعمال عقولهم في كل شيء، ثم نضع كتابًا بشريًا في منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها.

وإذا كان الكتاب قد فتح بابًا واسعًا للنقاش حول علاقة الإسلام بالمجتمع والدولة والحاكمية والجاهلية، فإن هذا لا يمنحه حصانة من النقد، بل على العكس، كلما كان تأثير الكتاب أكبر، أصبحت مسؤولية نقده أكبر.

فالكتب لا تُقدس لأنها اشتهرت، والأفكار لا تصبح صحيحة لأنها وجدت أتباعًا، والتاريخ لا يتحول إلى دستور لمجرد أن أحدًا قرأه بهذه الطريقة.

وهنا تحديدًا يبدأ **كسر العظم الحقيقي**... أن نكسر أولًا وهم العصمة عن الفكرة، ثم نعيد العقل إلى مكانه، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تختلف حول كتاب، وإنما أن تتوقف عن الاختلاف معه.

 

 الخلاصة... سوف يشكك بما كُتب هنا أصحابه والتابعون لهذا الفكر، كما فعل أحدهم حين قال لي: «إنك لم تقرأ وتكتب». وهذه حجة الضعيف عندما لا يجد ما يُبطل ما أكتبه، فهذه دعوة لمن يعترض أن يردّ عليه بالحجة إذا ما استطاع ذلك، ولكن لتكن هناك أدلة، لا مجرد «قال فلان» و«قال علان».

فنحن اليوم أمام منعطف تاريخي، يجب أن تكون هناك مصفاة لتصفية الفكر الذي قد يهدم الدين بدل بنائه، وأن نمتلك الشجاعة الكافية للتمييز بين ما يخدم الإسلام وما يسيء إليه، وبين الفكر الذي يدعو إلى الإصلاح والفكر الذي قد يقود إلى الصدام والانغلاق.

إن احترام الكاتب لا يعني تقديس أفكاره، والاختلاف معه لا يعني الإساءة إليه، كما أن نقد كتابه لا يعني الطعن بدينه أو شخصه. فالكتب تبقى كتبًا، والأفكار تبقى أفكارًا، والميزان الحقيقي لها هو قدرتها على الصمود أمام السؤال والنقد والدليل.

أما أن نضع كتابًا بشريًا في مرتبة لا يجوز الاقتراب منها، ونمنع العقل من مساءلته، ونعتبر كل من يختلف معه جاهلًا أو منحرفًا، فهنا لا نكون قد دافعنا عن الفكر، بل نكون قد أغلقنا أبواب الفكر.

ولهذا فإن معركتنا ليست مع سيد قطب كشخص، وإنما مع منهجية وأفكار نرى أنها تستحق أن توضع تحت المجهر، وأن تُقرأ بعيدًا عن الهالة، وأن تُناقش بعيدًا عن الخوف والتقديس. فما وافق الدليل نأخذه، وما أخطأ فيه الكاتب نرده، وما يحتاج إلى مراجعة نراجعه، لأن الدين أكبر من أن يُختزل في قراءة رجل، والإسلام أوسع من أن يكون أسيرًا لكتاب مهما بلغ تأثيره.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بديننا أن نحوله إلى منطقة محرمة على العقل، وأخطر ما يمكن أن نفعله بعقولنا أن نسلمها لكتاب ونمنع عنها السؤال.

**فالفكر الذي لا يقبل النقد ليس فكرًا قويًا، والكتاب الذي يخشى صاحبه من وضعه تحت المجهر ليس بحاجة إلى أتباع يدافعون عنه، بل إلى حجج تدافع عنه... وهنا فقط يكون العقل قد بدأ مهمته الحقيقية.**

مقال

  مزايا القرف في هذا العالم تحت عنوان هذه حقيقة البشرية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه ...