بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

مقال

الحروب غير المتكافئة

تحت عنوان

الحرب الإسرائيلية - الإيرانية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قيل في عالمنا اليوم المثل الشعبي: (عفيه على الذي يعبي بالسفينة ركي)، في إشارة إلى أننا نعيش في عالمٍ أهم ميزاته الاقتصاد، وهو أساس الدول الحديثة. أما عن مبدأ (العنتريات) فقد انتهى زمنه منذ صناعة أول رصاصة في التاريخ، وهذا ما لا يريد إدراكه العقل العربي والإسلامي.

فقد كثر الحديث في هذه الأيام، واشتد الخلاف في مسألة: من الذي له اليد الطولى في المعركة القائمة في الشرق الأوسط؟ وإذا ما أردنا أن ندخلها في حسابات العقل، فسيكون النظام الإيراني هو الخاسر، حتى ولو أُجبر الكيان على فكرة وقف الحرب، وذلك بسبب الآثار الاقتصادية التي ستتركها عند انتهاء الحرب.

 

الصراع القديم وعقلية الإمبراطورية... فارس وتلك الإمبراطورية التي أطاح بها المسلمون في بدايات الفتح، ولكن ما لم يستطع الإسلام فعله، هو أنه قد فشل في صهر القضايا القومية للشعوب والبلدان التي فتحها. وإذا ما قرأت التاريخ بتمعّنٍ قليل، ستُدرك أن تلك الفئة لم تستطع التأقلم مع الواقع الجديد، رغم مضي أكثر من ألف وأربعمئة عام على فتح بلاد فارس. ودليلي في هذا أن جميع الخلافات التي أخرجت الإسلام من كونه دينًا للجميع كانت بذرتها من هناك، من الشرق، ولهذا ظل ذلك الحلم يوقظ مضاجع الفرس إلى يومنا هذا.

 

سذاجة العقلية الإسرائيلية وحلم الدولة... لم أجد في المصادر التاريخية وأحداثها على مر الزمان من هم أكثر سذاجة من أولئك الذين جاثمون اليوم على الأراضي العربية بحجة تأسيس دولة. ولو كنت أنا كاتب المقال في موقفهم اليوم، لما رضيتُ أو قبلت أن أكون في مكانٍ يكون فيه العدو أمامي والبحر من ورائي. وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلًا، سنجد أن الفكرة ودعمها من العالم الغربي جاء بسبب وحيد، وهو عدم إعادة الشخصية اليهودية إلى القارة العجوز أوروبا. ولمن لا يعرف، فإن فكرة إقامة وطن لليهود تعود إلى نابليون قائد الحملات الفرنسية، وذلك بسبب التنظيرات الداعية إلى العدائية ضد الشخصية اليهودية، التي وُصفت دومًا بالاحتقار من معظم أصحاب الأقلام في أوروبا آنذاك. أما في يومنا هذا، فسيفعل ذاتهم المستحيل للحيلولة دون العودة. وأما الحرب في المنطقة، فمن باب: "اضرب العدو بالعدو"، فالإسلام واليهودية هما أعداء قدامى للفكر الغربي، والدعم سيكون بما لا يتصوره أحد لضمان ديمومة هذه الحرب.

 

حرب تكسير العظام... نعم، هي كذلك، بل أكثر، في خضم فكرة الصراع للهيمنة على المنطقة. ولا يهم إن اختفت بلدان كاملة عن الخريطة، أو زاد عدد الضحايا في هذه الحرب، فقد وصلت إلى نقطة اللاعودة. ولن يكون هناك رابح بالمعنى الحقيقي، فالذين سيجنون ثمار هذه الحرب هم الذين يدفعون السذّج اليهود إلى هذه المعركة. أما عن المغفلين، وهم أعوان النظام الإيراني الذين ما زالوا يعيشون على مبدأ العنتريات، فسيكونون بمثابة القربان الذي سيُقدَّم للحصول على النتائج في هذه الحرب.

 

عدم التكافؤ في المعركة... هي قضية عضّ الأصابع، ومن سيصرخ أولًا، فبذلك يكون إعلان الهزيمة وفرض شروط المنتصر، التي ستكون – من البديهيات – مهينة إلى حدٍّ كبير. وذلك لأن هناك ما يُعرف بعدم التكافؤ في المعركة. وقد يرى الكثيرون أن عملية التكافؤ تُقاس بالقدرة العسكرية، وهذا غير صحيح، بل هناك معايير وقياسات مختلفة لهذا الغرض، ومنها اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول، والعامل الاقتصادي، وهذا ما لا يتوفّر لدى النظام الإيراني، الذي يظن أن روسيا ستكون حليفًا يملك بوادر حسم المعركة. ولو كان النظام قد أعاد قراءة التاريخ، لوجد أن الروس هم أكثر حليف لا يُحسن الوثوق به من خلال الحوادث التاريخية. ولهذا، سنرى أن الحلقة الأضعف في المعركة هو النظام الإيراني.

 

الخلاصة... إن لكل معركة في التاريخ واقعها الذي يتكوّن من خلال معطيات القوة والضعف. وأنا أرى أن من الغباء دخول صراع محسوم قبل بداية المعركة. فإن كنت أمتلك مقومات الصناعة والزراعة، فمن الضروري عدم إقحام نفسي في صراعات قد تُبدِّد كل ما قمت ببنائه. وهذا سينعكس فيما يحصل في الصراعات والحروب على المواطن البسيط، وأعتبره هنا الخاسر الوحيد في هذه المعركة، فستخرج إيران من الحدث منهكة اقتصاديًا، مدمَّرة فيها البنية التحتية. والسؤال الأهم في الموضوع برمته: "أيُّ انتصار هذا بعد كل ما ذكرت؟"

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

  مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب تحت عنوان ممر قناة الذهب الأسود المائية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تُعدّ بؤر...