ما زلنا نعاني من مهازل الإسلام السياسي
تحت عنوان
كلنا اليوم مع الشام
بقلم: البارون الأخير محمود صلاح الدين
هذا ليس لأنني مع الرئيس بشار الأسد أو مناصر لحزب البعث
فرع سوريا، فالقضية اليوم باتت أكبر من هذه المسميات السياسية. نحن أمام مفترق
طرق، فجميعنا اليوم عناصر في سيناريو لعرض دامٍ. وكما قلت قبل سنوات، إن المسألة
أصبحت كحجر الرحى الذي سيدور على الجميع.
الإسلام ليس دولة ... بصراحة، لم أعد أفهم أهمية إصرار
جماعات الإسلام السياسي على فكرة فرض الدين من خلال الاستحواذ على مؤسسات الدولة،
فما عاد لديهم القدرة على التفريق بين الدولة والدين. تعريف الدين منذ البداية (هو
العلاقة الشخصية بين العبد والذات الإلهية)، وهذا ما يعجز الكثير من منظّري حركات
الإسلام السياسي عن تطبيقه. وإذا ما عدنا لبداية قصة الإسلام ومبادئ الفكرة
الأولى، لم تُطرح فكرة الدولة في نشر الدين الإسلامي. ودليلي على هذا أن الرسول،
رغم معرفته بأن الموت قضية حتمية، لم يشرّع لما بعد هذا الحدث، كإيعاز منه أن ليس
بالضرورة أن يكون الدين هو الدولة.
مشاهد معيبة ... على شاشة التلفاز، رأينا أحدهم ينزل علم
الدولة العربية السورية، ولأنه شخص جاهل، لا يعلم أن ما أنزله ليس شعار الرئيس أو
النظام، إنما هو شعار (الوطن). وإذا ما أردنا تعريف المصطلح، فهو الماضي، ومن ليس
له ماضٍ لن يكون له حاضر ولا مستقبل. الوطن هو الأرض التي نحيا عليها ونموت، وهو
الذكريات الجميلة بين الطفولة والشباب، وهو أعظم الرموز الإنسانية.
سذاجة أيديولوجيات الإسلام السياسي ... تعتبر هذه أكبر
مشكلة واجهها الإسلام في يومنا هذا، وتكمن في التعامل مع النصوص الدينية حسب
الأهواء الشخصية. هذا كان نتيجة لبعض القائمين على التعامل مع النصوص. وإذا ما
عدنا لجميع الفئات والجماعات المسلحة، سنرى خللًا في تطبيق المفاهيم العامة. يريد
الكثيرون تطبيق الإسلام على قواعد القرون الأولى، وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء،
وهذا سيكون له نتائج عكسية، كما أثبتته التجارب السابقة.
سوريا وآخر معاقل القومية العربية ... نعم، هي كذلك.
فمنذ زمن طويل، عمل أعداؤنا على إسقاط حكم العرب. وإذا ما عدنا إلى الزمن الحقيقي
لحكم العرب، فهو محصور بين رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) وسنة وفاة
هارون الرشيد. هذه هي الفترة الحقيقية لمجد العرب، وهذا ما أدركه العدو. عندما مرت
السنوات ونهضت ما تعرف بحركات القومية العربية، أدركوا أن عودة العرب للحكم تعني
عودتهم إلى سالف عهدهم في بناء الأمجاد القديمة. لذا، كان يجب كتابة سيناريو
احترافي للإطاحة بتلك الحركات. لم يسلم قائد عربي من الاستهداف المباشر أو غير
المباشر. الإسلام السياسي كان الخاصرة الرخوة في معتقدات المواطن العربي، واستُغل
اليوم أسوأ استغلال.
كلهم أنبياء اليوم ... جميع الجماعات المسلحة اليوم
أنبياء جدد. الكل يتحدث بلسان الذات الإلهية، والقاتل والمقتول يصرخان "الله
أكبر". هنا، تلاشى مصطلح حرمة الدم المسلم تمامًا. لا أعلم أي منطق يرسم لهم
هذه المناهج المنحرفة عن القوام السليم في أصول الدين. الغريب أن هناك الكثير من
المسلمين يرون في العنف حلًا لمشكلة تراجع مستوى التدين. ولكن بسبب جهلهم، لم
يدركوا أن من أكبر أسباب هذا التراجع هو سذاجة العقل في التعامل مع الحياة. فمنذ
قرون، افتقر الإسلام إلى شخصية المجدد، باستثناء أصحاب القوالب القديمة الذين
يطلقون على أنفسهم مجددين.
المطلوب ... ترك مبدأ (ليس لي دخل بما يجري)، والمضي
بالوقوف ولو بكلمة في وجه هذه الحملات البربرية باسم الإسلام. أما قضية التطبيل
لهؤلاء المتأسلمين من جميع المذاهب بلا استثناء، فهم جماعة منحرفة فكريًا، هدفها
تشويه الدين الإسلامي ونشر الكراهية ضده من خلال ممارسات لا تمت للإسلام بصلة.
أما العمليات المنظمة في تخريب الإرث العربي والإسلامي
من خلال معارك عبثية باسم الله، فذلك هو الإثم العظيم، إذا كانوا يعقلون. بالأمس
كانت الموصل، وبعدها غزة، ثم لبنان، وبعدها سوريا، ومن يدري من يكون غدًا؟ كل هذا
نتيجة سذاجة أيديولوجية الإسلام السياسي.
النهاية ... أنا مسلم عربي، مؤمن بعقيدتي العربية، بوطن
يمتد من الأهواز على الخليج العربي شرقًا إلى أغادير المطلة على المحيط الأطلسي
غربًا. إيمانًا مني بعقيدتي، أرى أن العرب هم قادة الإسلام، فلا عرب بلا إسلام،
ولا إسلام بلا عرب. أستشهد بقول الله تعالى:
"إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون" صدق
الله العظيم.



