من انتصارات الدولة العميقة
تحت عنوان
"محمود المشهداني رئيسًا للبرلمان"
بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين
هو الواقع المفروض، ولتستمر المهازل البرلمانية في خلق
حالة من الإحباط واليأس لدى المواطن العراقي، بالحديد والنار والديمقراطية الزائفة
وتغييب الشريك السياسي. هناك حقيقة يجب معرفتها قبل الدخول في التفاصيل.
برلمان الأحزاب ... إن البرلمان ليس كما يدعون ممثلاً
للشعب، بل هو حامٍ للفساد والمفسدين. وإذا ما عدنا إلى أصل الكلمة من ناحية
المضمون العملي، فلن نجد فيه من يمثل طبقات الشعب، بل هناك أشخاص تم تجنيدهم للعمل
على محورين: الأول لخدمة الأجندات الخارجية، والثاني لخدمة المصالح الشخصية. أما
ما يخص المواطن ومصالحه العامة، فليس لهم به شأن. فأحدهم لا يملك أيديولوجية من
الأصل عند دخوله البرلمان، مما أنتج فضاءً سياسيًا هشًا لا يستند إلى تأييد شعبي.
السنة المغيبون عن الخارطة السياسية ... منذ احتلال
العراق، عملت بعض الجهات على عمليات منظمة لجعل هذه الشريحة من الشعب ضمن مخطط
سياسي وتصويرهم على أنهم خارجون عن القانون، عبر ما شهدته تلك المناطق من مسرحيات
مبتذلة دفع ثمنها دماء بريئة. وهذا قدم خدمة مجانية لجماعة الدولة العميقة في فرض
أجندات تتنافى مع طموحات المواطن. ومن نتائج تلك الممارسات ما حدث في الجلسة
البرلمانية الأخيرة، التي لا يمكن وصفها إلا بمهزلة المهازل.
من يحكم العراق؟ ... العراق محكوم بمؤسسات إدارية
وتشريعية وسلطات تنفيذية وانتخابات كل أربع سنوات، ورؤساء وزراء متعاقبين، لكن هذا
كله غطاء؛ فما خفي كان كارثة. فمنذ عام 2006، يُحكم العراق من قِبل رجل واحد تتبعه
كل خيوط السياسة، وهو الشهير بالإخفاقات السياسية في إدارة الدولة، وما زالت تلك
الإخفاقات مستمرة. هذا يظهر في عدم تحقيق أي تقدم في العمل السياسي، حيث يعتبر
حكومة الظل، أما الأسماء التي يُعلن عنها فمجرد صور كرتونية للاستهلاك السمعي
والبصري. أما الحكم الفعلي وما يجري خلف الكواليس، فيعود إلى قذارة الدولة
العميقة.
مجريات الجلسة ... وهنا يكمن السؤال: ألم تردد الطبقة
السياسية والمرجعية الدينية عدم شرعية "المجرَّب"؟ وأين ذهبت كل تلك
الشعارات الرنانة؟ من الغريب أن الطبقة السياسية باتت تصم الآذان عن الأصوات
المناهضة لتلك الأعمال المشينة في التاريخ السياسي. يُعتبر هذا شيئًا منطقيًا
لأنهم تجار الدم والمال، ومهنتهم الأصلية سرقة المال العام وتوظيفه لخدمة أجندات
خارجية. والغريب أن البرلمان ينطبق عليه هنا المثل القائل: "سكت دهرًا ونطق
كفرًا". فمنذ فترة طويلة كانت الدولة العميقة ترفض العديد من أسماء المرشحين
بسبب عدم توافق تلك الشخصيات مع مصالحهم الحزبية، حتى أتوا بدمية تردد ما يُملَى
عليها، شريطة أن تكون بلا حول ولا قوة. هذا نتيجة فقدان القوى السنية لما يعرف
بتوحيد الصف، فمنهم من يتجه شرقًا ومنهم من يتجه غربًا، حتى بات بعضهم يساوم على
مستقبل المناطق التي ينتمي إليها. وكل هذا ليُقال عنه "زعيم" أو
"قائد"، ولكن القيادة لها شروط، منها الشجاعة وعدم الخضوع لضغوط الطرف
الآخر، وإلا فهو قائد لمجموعة خراف، ولعله قد اكتسب صفة لا تليق به.
المستقبل ... القرارات تُتخذ حسب الأهواء الشخصية بعيدًا
عن التأييد الشعبي، واستمرار عملية إضعاف مؤسسات الدولة بما يتناسب مع مخطط الدولة
العميقة. قريبًا جدًا ستقوم الدولة العميقة بخطوة خطيرة، وهي التعداد السكاني،
تمهيدًا لإعلان دولة إسلامية تكون نسخة مكملة للجارة العزيزة. وإذا حدث ذلك،
فسيكون إعلانًا رسميًا لموت القيم الوطنية في هذه الأرض.
النهاية ... لا أعلم ما يمكنني قوله في النهاية، لكن
يحضرني قول الفنان يوسف داوود في مسرحية "الزعيم": "نهيتك سوداء يا
زنباوي". هذا يشير إلى أن البلد يسير نحو فوضى عارمة ستأكل الأخضر واليابس،
نتيجة سيطرة بعض القوى على مفاصل السلطة وتكوين كيان شاذ عن القاعدة السياسية،
يُسمى بالدولة العميقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق