بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 28 نوفمبر 2024

مقال

 المسافة ما بين الصواب والخطأ

تحت عنوان

الحياة وضبابية الرؤية

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



"الجميع يضمر لك الكراهية..." كلمات قالها لي أحدهم البارحة. بصراحة مطلقة، لم تزعجني هذه المعلومة، فكل شخص له وجهة نظر تمثله. ولا أجد مبررًا لهؤلاء الذين يحملون الضغينة لي، إذ إنني أؤمن أن المواقف هي التي تكشف الحقائق. في هذه السطور سأوضح حقيقة الأمر للعموم.

المرأة العاكسة ... عندما تلتقي بشخصيات عشوائية لها احتكاك شخصي بي، وتسألهم عن رأيهم بي، ستتنوع الإجابات. قد يخبرك أحدهم بأنني من أسوأ الشخصيات التي يمكن أن تلتقي بها، وهو صادق في رأيه. بينما قد يقول آخر إنني شخصية قريبة من المثالية، وهو أيضًا صادق في قوله. هنا يحدث تضارب في المفاهيم المكتسبة.

لتفسير هذا، يجب أن ندرك أن كل شخص يعكس الجانب الذي يرغب في رؤيته مني. من غير المعقول أن توجد شخصية واحدة تُجمع عليها الآراء بالإيجاب أو السلب، وهذا واقع لا يُستثنى منه مخلوق على وجه الأرض منذ بدء الخليقة. أعتبر ذلك إحدى القضايا المنطقية في الحياة.

تغير الانطباعات ... في الآونة الأخيرة، بدأنا نقيّم بعض الشخصيات بناءً على اجتهادات شخصية. ومع ذلك، تظل هذه الآراء محض اجتهاد وليست معايير ثابتة. كما يُقال: "ثبات الحال من المحال." فالقلوب سميت بهذا الاسم لتقلبها، ومن الطبيعي أن تتغير الانطباعات لأسباب تتراوح بين المنطقية وغير المنطقية.

من أهم الأسباب وراء هذا التغير، التحولات في المعايير القيمية والأخلاقية. فرضت المادية نفسها كإحدى أهم القيم التي أعادت تشكيل وجه العالم. ومن رحمها وُلدت مفاهيم مثل "المجاملة" و"المهادنة"، مما أدى إلى حالة من الازدواجية لدى البعض. باتت الأقنعة سلوكًا شائعًا للتكيف مع الآخرين لتحقيق غايات شخصية بعيدًا عن القيم الإنسانية. ولكن عند سقوط القناع، لا أعتبر ذلك خطأً من جانبي، بل هو انعكاس لحقيقة الشخص الذي اختار أن يكشف وجهه الحقيقي.

المعايير الحقيقية للحياة ... تُختزل المعايير الحقيقية للحياة في ثلاثة مصطلحات: الهدف، الطموح، والمعطيات ولكل منا هدف في هذه الحياة، بغض النظر عن طبيعته ولكل منا سقف للطموح، يختلف في ارتفاعه من شخص لآخر ولكن ما يجهله الكثيرون هو دور المعطيات في تحديد مساراتنا.

أحيانًا يجهل الفرد خلق تناغم بين هذه العناصر الثلاثة، فيقع في فخاخ الحياة. على سبيل المثال:

قد يمتلك البعض المعطيات ولكن يفتقرون إلى الهدف، فيتجولون بلا وجهة واضحة.

آخرون يمتلكون الهدف ولكنهم يفتقرون إلى المعطيات لتحقيقه، فيقعون ضحايا لطمع الآخرين.

هناك من لا يمتلك أيًا من هذه العناصر، ويُسيّرهم فقط غرائزهم، وهم الفئة الأخطر على المجتمع.

شعرة معاوية ... تُختصر المسافة بين الصواب والخطأ بشعرة معاوية. الجميع اليوم يعلو بصوته مدعيًا امتلاك الحقيقة المطلقة، وهذا من وجهة نظره بالطبع. لا أعترض على ذلك، ولكن اعتراضي يكمن في تعميم التجربة الشخصية على الآخرين.

نحن البشر مختلفون في الطباع، والأفعال، والآراء. يكمن رأس الحكمة في أن نصنع من أنفسنا نموذجًا يُحتذى به، دون فرض تجاربنا على الآخرين. عندها فقط تكتمل معادلة الحياة، ويصبح بإمكاننا تغيير العالم.

النهاية ... الحقيقة الوحيدة هي أنني لست منزعجًا من الذين يحملون الكراهية لي أو لغيري. على العكس، أشعر بالتعاطف معهم، لأنهم يعانون من حالة مرضية تهدد حياتهم بنفس الطريقة التي اختاروها لأنفسهم. وهنا يتجلى جمال النص القرآني:

"وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ"

صدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...