ما يجب ان يقال في هذا
تحت عنوان
التعداد السكاني في العراق والأهداف السياسية
بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين
يقال في الأثر: "فوق العمى جرب"،
دلالةً على سوء الحال، إذ يشير المثل هنا إلى عدم قدرة الإنسان على تحديد مكان
الجرب في جسمه لأنه في الأصل مصاب بالعمى؛ فهذا حالنا اليوم.
ففي شتى بقاع الأرض، يكون الهدف من التعداد
السكاني هو دراسة حجم التضخم السكاني لتقييم إمكانية تقديم الخدمات للمواطن على
أسس سليمة، إلا أن الوضع هنا يختلف تمامًا.
وهنا، لا توجد أي خدمات تُقدَّم للمواطنين إلا
تلك التي تخدم مصالح النظام في البقاء في السلطة، ويتجلى هذا من خلال المشاريع
الاستعراضية كإنشاء الجسور وتبليط الشوارع التي تفتقر إلى منظومة تصريف مياه
الأمطار، وهو ما يُعدّ جريمةً بكل المقاييس.
النظام ... يعتقد الكثيرون اليوم في العراق أن
الخلل السياسي يكمن في الشخصيات الفاسدة في الحكم، ولكن الحقيقة هي أن المشكلة
أعمق من ذلك، فهي تبدأ من أيديولوجية الدولة التي فرضت نظامًا قاريًّا على بلد
يُعدّ صغيرًا من حيث المساحة، مقارنةً بالأيديولوجية التي يتبناها المحتل. فليس من
المعقول تطبيق معايير قارية على دولة لا تمتلك أيًّا من المقومات التي تُسهم في
تحقيق التقدم الفكري في إدارة الدولة.
التعداد السكاني ... في خضم انتشار السلاح
المنفلت، وعصابات المخدرات التي أصبحت تشكّل الخطر الأكبر على المجتمع، وعمليات
غسيل الأموال، وفوضى القرارات السياسية التي تخدم مصالح الأحزاب الدينية، نتفاجأ
بقرار إجراء التعداد السكاني. ورغم مرور عشرين عامًا على حكمهم، لم يُطرح هذا
القرار، وفجأةً أصبح أحد الحلول لفرض السيطرة السياسية على البلد من منظور طائفي.
والمفارقة أن الجميع هنا يردد شعار "لا للطائفية"، في حين أن الأفعال
تشير إلى نقيض ذلك، وكأن لسان الحال يقول كما في المثل المصري: "أسمع كلامك
أصدقك، أشوف أفعالك أستعجب". فكل القرارات والأفعال تهدف إلى تأسيس دولة ذات
طابع طائفي بحت؛ إذ يبحث القائمون على السياسة اليوم من خلال التعداد عن نسبٍ
خيالية، وسيجدون حتماً من يُتقن تزوير الحقائق كما يحدث في الانتخابات، وذلك بهدف
إعلان دولة إسلامية قريبًا تحت ذريعة الأغلبية الطائفية، وهنا تكمن الكارثة.
فالعراق يعاني منذ قرون وحتى يومنا هذا من صراعات التيارات الإسلامية المتناحرة
على السلطة، واعتمادهم على روايات تاريخية كُتبت في فترات مضطربة تثير الكثير من
الشكوك والريبة.
الصراع بين العامة والخاصة ... هو صراع أزلي لا
ينتهي، وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يريد العامة؟ وماذا يريد الخاصة؟ فالمواطن، الذي
يُمثِّل العامة، يرغب في حياة كريمة، فقد بات المواطن العراقي يعمل بقول:
"يريد بسوطة الأرض"، في إشارة إلى بساطة مطالبه. ولكن في المقابل، تسعى
السلطة إلى ترسيخ أُسس بقائها من خلال المال والسلاح، وفقًا لنظرتهم الخاصة. إلا
أن هذا المفهوم خاطئ إلى حدٍّ كبير؛ فلو كانت هذه النظرية صحيحة، لما سقطت أنظمة
أقوى منهم بمراتب وذهبت أدراج الرياح.
معضلة تجديد الفكر أساس الديمومة ... هذه قاعدة
لا يدركها العديد من رجال السياسة والحكم. فالتجديد يشمل جميع جوانب الفكر، حتى
القضايا الدينية، بدليل أن خطيب الجمعة يردد مقولة: "اللهم ابعث لنا من يجدد
ديننا". وإذا كان هذا التجديد مطلوبًا في الثوابت، فكيف بالمتغيرات؟ فهذا هو
السبيل الوحيد لضمان ديمومة الفكر وترسيخ أركان السلطة في البلاد. أما التمسك
بالروايات التاريخية كمنهج عمل في يومنا هذا، فهو نوع من القصور الذهني والسذاجة؛
فالعالم اليوم في وادٍ، ونحن في وادٍ آخر. ففي الوقت الذي يناقش فيه العالم التقدم
التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، لا نزال نحن نتحدث عن زيادة الرواتب المعيشية،
وكيفية إجراء التعداد السكاني بهدف فرض مبادئ وقضايا عفى عليها الزمن. هنا تكمن
فجوة زمنية إن صح التعبير، إذ يجب علينا اليوم إدراك المخاطر التي تهددنا نتيجة
لتلك الممارسات الطائشة.
النهاية ... يجب أن يكون هناك نضوج في الفكر
السياسي للبلد، يقوم على التجديد والابتعاد عن سنّ قوانين تعمّق الانقسام بين
شرائح المجتمع الواحد. فلا بناء يمكن أن يقوم على قواعد طائفية أو فكر منحرف، وإذا
كان التعداد القادم يتضمن معلومات عن الانتماء الطائفي، فسيكون ذلك شكلًا من أشكال
التهريج السياسي، والهدف الواضح هو فرض السلطة باسم الطائفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق