تغيّر المفاهيم
تحت
عنوان
إعادة
تعريف مصطلح "المجنون"
بقلم /
البارون الأخير محمود صلاح الدين
"المجنون"
بمفهومه القديم هو الإنسان غير السويّ في التصرفات والأقوال، وهذا أمر منطقي. لكن
حدث خلط في التفريق بين أنواع الجنون، وهنا سنقوم بالتفريق السليم لمعنى هذا
المصطلح الحقيقي.
وأود هنا
الاستشهاد بمقولة للدكتور حاتم أحمد إسماعيل، أستاذ مادة التاريخ: "إن السوء
برنامج غير عاقل"، في إشارة إلى أن فعل السوء ليس مرتبطًا بالعقل. فإذا ما
انطلقنا من هذه القاعدة، سوف يتغير كل شيء في أبجديات القراءة.
فإذا ما
أردنا رسم خارطة للجنون بحد ذاته، سنجد أن العالم مليء بالمجانين، ولو نظرت حولك
ستراهم في كل مكان؛ في البيت، والشارع، ومكان العمل، والمرافق الاجتماعية. وفي هذه
السطور، سأستعرض بعض صور هؤلاء في المجتمع.
الكراهية
المفرطة ... أعتبرها
نوعًا من أنواع الجنون والأسوأ على الإطلاق. هناك من يمارس الكره لأجل الكراهية
فقط، والعجيب أنني، رغم قراءتي العديد من المصادر، لم أجد إجابة كافية تفسر أسباب
هذه الظاهرة.
القتل
والسرقة ... هما
في أعلى مراتب الجنون مقارنة بغيرهما، والأغرب أنهما الأكثر انتشارًا في العالم.
حتى أن بعض الناس باتوا يعتبرونهما من مظاهر الشجاعة، ولا أعلم أي شجاعة تتضمن
القتل والسرقة. وهذا ما منحها الشرعية والانتشار الواسع في المجتمعات العربية.
الغيبة
والنميمة ... وهنا
أستشهد بقول رسولنا الكريم ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
ولو أن كل فرد اهتم بشؤونه الخاصة بنفس الاهتمام الذي يوليه لشؤون الآخرين، لكنا
اليوم في عالم مختلف. ما يزعجني في هذا الأمر هو أن الكثير منا يتجاهل عيوبه
وينطلق للحديث عن هذا وذاك.
الإيذاء
بشكل عام ... المصطلح
هنا أشمل بكثير ويضم العديد من الأفعال، منها عدم الشعور بالرضا عن الآخرين،
ويندرج تحت ذلك الحسد. وهذا هو أساس الموضوع؛ فكل فعل سيء لا ينتمي إلى قاعدة
العقل، ومن يخرج عن ذلك يدخل دائرة الجنون. أما عن مسألة النجاح والفشل، فهي نسبية
ولا تخضع لمعايير ثابتة. فكثير منا يظن أنه من الناجحين، بينما هو من أسوأ البشر،
إذ يعتبر نتائج السوء إنجازات. فالسرقة، والقتل، والكراهية، والسعي لإفشال الآخرين
هي أقسام الجنون الحقيقي. ولو أدرك البشر أسس ومبادئ العقل لما أقدم أحدهم على
السوء في هذا العالم.
الخاتمة ... إن كل ما
كُتب في هذه السطور هو استعراض لواقع حياتي يتسم بالواقعية. نحن اليوم نطلق
الأحكام بشكل مجحف على الآخرين؛ فهذا مجنون، وذاك غبي، وآخر لا يفهم، بينما نكون
نحن الجاهلين بأصل المبدأ والمعنى الحقيقي للكلمات التي نقولها. ولهذا أقول في
النهاية: إن العقل جوهرة يحملها البشر، وقيمتها تكمن في معرفة مكانتها. ودون ذلك،
فالإنسان المعاصر "مجنون" مع سبق الإصرار والترصد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق