بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 نوفمبر 2024

مقال ( تغييب الدور الثقافي في المجتمع)

  تغييب الدور الثقافي في المجتمع

تحت عنوان

الثقافة في خطر

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



في البداية، أود التعبير عن شكري وامتناني لابن العم، الأستاذ التربوي محمد حازم الياسين، الذي أرسل إليّ مقطع فيديو يجمع بين الطرافة والأسى. محتوى الفيديو كان يدور حول موقف حدث فيه أن قام معلم بسؤال تلاميذه: "هل تعرفون من هو بلال الحبشي؟" فحل الصمت على الجميع، دون أي رد. ثم طرح المعلم سؤالاً آخر: "من هو كريستيانو؟" وهنا اشتعلت الحماسة، وبدأ الجميع يجيبون بصوت واحد، قائلين إنه لاعب نادي ريال مدريد. بعدها، سألهم عن "الزبير بن العوام"، فعاد الصمت، باستثناء طالب واحد، الذي قال: "أبي يعرفه، ذكره لي مرة، وقال إنه عامل في معمل النسيج."

ذكرني هذا الموقف بحادثة شهدتها شخصيًا في الماضي، حين طلب المعلم من أحد زملائي في المرحلة الابتدائية أن يعدد أسماء الأنبياء، فكانت إجابته: "محمد صلى الله عليه وسلم، والشيخ محمود، والشيخ محمد"، إذ أدخل أسماء لشخصيات نحسبها من الصالحين مع اسم نبي. لم يتوقف الأمر عند التعليم الابتدائي؛ فقد كانت الصدمة عندما رأيت تقريرًا على وسائل التواصل الاجتماعي يُسأل فيه بعض طلاب جامعة الفراهيدي عن الشخصية التي سميت الجامعة باسمها. توزعت الإجابات بين أن "الفراهيدي" هو صاحب الجامعة (المستثمر)، أو رئيس الجامعة.

وهنا تكمن الكارثة... فهناك نقص معرفي في الثقافة العامة، مما جعل ثقافة بديلة تطغى على المجتمع. من المؤسف أننا مجتمعات ذات إرث تاريخي وحضاري عريق، لكن هناك قصورًا في نشر المعرفة حول هذا الإرث، ويعود ذلك إلى ضعف الدور العائلي والتعليمي. فهناك خلل كبير في المناهج التعليمية، حتى في المستوى الجامعي، حيث تعتمد على الحفظ دون الفهم. والآن نجد أنفسنا أمام تدهور في مناهج الحفظ والفهم على حد سواء.

التعليم والثقافة ... فهناك مفهوم خاطئ راسخ، وهو أن الدراسة والحصول على شهادة جامعية يمثلان قمة الثقافة. وهذا ليس صحيحًا؛ فالأصح أن يمتلك الشخص وعيًا ومعرفة متنوعة في جميع العلوم الحياتية.

دور العائلة ... نحن اليوم نشهد ضعفًا في الدور الرقابي والتثقيفي داخل الأسر. لم يعد الوالدان يتحكمان في نوعية الثقافة المكتسبة، وتركوا الأمر لخوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، مما يفتح المجال لثقافات هجينة لتشكيل شخصية الفرد. وهذا يؤدي إلى سلوكيات غريبة وغير منطقية عند بعض الأفراد في تعاملاتهم مع الآخرين.

البناء الثقافي ... ففي الماضي، كنا نخضع لمناهج تربوية سليمة عبر برامج تلفزيونية مثل "افتح يا سمسم" و"مدينة القواعد"، التي كانت تهدف إلى بناء ثقافة الطفل قبل دخوله المدرسة. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مجلات مثل "المزمار" وغيرها، والتي ساهمت في ترسيخ الوعي لدى الطفل. من هنا نستخلص أن بناء الثقافة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة، من خلال وضع خطط وبرامج ترفع مستوى الثقافة في المجتمع.

لكننا الآن أمام معضلة ترتقي إلى مستوى كارثي وما نشهده اليوم من تراجع في القيم والأخلاق هو نتيجة نقص الوعي الثقافي. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، سنجد أنفسنا في مأزق يصعب الخروج منه، خاصةً مع غياب الدور الرقابي على التربية والتعليم. أصبحت العديد من الكوادر التعليمية ترى التعليم مجرد وسيلة لكسب الرزق، دون الاهتمام بجوهر المهنة.

الخلاصة ... لا يمكن أن يعود الزمن إلى الوراء، ولكن يجب علينا الحديث بجدية عن خطورة الموقف. فالكثير من حملة الشهادات اليوم أشبه بالببغاء الذي يردد ما حفظ دون وعي حقيقي. ولأنهي ما بدأت، أستشهد بالمقولة الشهيرة: "العلم نور والجهل ظلام". لكن الأمور انعكست، فأصبح العلم المعاصر جهلًا، وأصبح الجهل نورًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    الصغير والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز) تحت عنوان شخصيات هزيلة حسب المعايير المعاصرة بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين ...