بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 17 نوفمبر 2024

مقال

 على مقصلة المعرفة

تحت عنوان


أخبار الحمقى والمغفلين المعاصرين
بقلم/ البارون الأخير محمود صلاح الدين
قد يكون العنوان مألوفًا في البداية، لأن هناك من تطرق لهذا الموضوع سابقًا، مثل الجاحظ، ولكن بطريقة السرد القصصي نظرًا للقدرات المتواضعة آنذاك، مقارنة بما نملكه اليوم من إمكانيات. وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال، لأن هذه الظاهرة أصبحت اليوم تنتشر في كل مكان.
فهم الشريحة الكبرى في المجتمع المعاصر، تجدهم في كل مكان، وتعرفهم من أحاديثهم التي تتنوع في أشكالها. من أبرز صفاتهم أنهم يظنون أنفسهم فاهمين في كل شيء، وينتقدون الآخرين بامتياز، فيتحدثون عن هذا طويل وذاك قصير، عن ذاك مجنون وآخر فاشل. هذه عينة من أحاديثهم.
يتميزون بالاهتمام بتفاصيل حياة الآخرين، بينما يهملون القضايا التي تخص شخصياتهم. وهذا ما يخلق فجوة أخلاقية في دواخلهم، حيث يرى أحدهم أن الجميع مخطئون إلا هو، من وجهة نظره الخاصة. ولو نظرت إلى حياته، لوجدته أقل كفاءة ممن يتحدث عنهم من الناحية العملية.
ومن صفاتهم أيضًا تبخيس إنجازات الآخرين، والتقليل من شأن أعمالهم بدافع الضغينة. وقد تكون هذه الظاهرة الأوسع انتشارًا في المجتمعات العربية.
يعد هذا نوعًا من أنواع الحمق، فقد قيل عند العرب: "هذا رجل أحمق"، ويقابل ذلك بالمصطلح العامي "عفطي". ورغم تنوع التعريفات لهذا المصطلح، إلا أنني أرى تعريفًا واحدًا ينطبق على هذه الشريحة، وهو ذلك الشخص الذي يكثر من الحديث لمجرد الحديث، دون مغزى أو هدف واضح.
إذا أردنا مناقشة أسباب هذه الظاهرة، فإنها تعود إلى الشعور بالنقص، وهو من الأسباب الرئيسة التي تولد الكراهية بين الناس. فكثيرون اليوم يتبنون مبدأ الكراهية ويقيمون على أساسه المواقف، ويمارسون تصرفات غير منطقية.
ويقال في الأثر: "كل إنسان معجب بعقله". لكن هذا لا يعني أن الجميع يجب أن يعجبوا بطريقة تفكيرك. وليس من الحكمة تعميم رأيك على الآخرين. وقد حذر ديننا الحنيف من الحديث عن الآخرين بطريقة مهينة، واعتبر ذلك فسوقًا. فالحديث عن الآخرين قضية مبتذلة، مكروها في الأرض والسماء.
وإذا حاولنا تصحيح المسار الفكري لهؤلاء، سيواجهنا هجوم عنيف منهم، لأنهم مقتنعون بما يفكرون. وقد يلجأ الكثيرون منا إلى العزلة أو السكوت عنهم، وأرى أن هذا موقف سلبي، لأن هذه الظاهرة تُعد من الأمراض المعدية، وهم في تزايد مستمر. ومع مرور الوقت، سنضطر إلى مواجهتهم فرادى أمام جماعات من المختلين عقليًا، ممن يشكلون خطرًا على البنية العقلية للمجتمعات.
النهاية ... قال فيما مضى : "رحم الله امرأً عرف قدر نفسه". ومن هنا ندرك أن نصف حل المشكلة يكمن في الاعتراف بوجود مشكلة أصلًا، والمضي على أساس أن الإنسان ليس منزهًا عن الأخطاء. فلا أحد منا نبي مرسل، فكلنا معرضون للخطأ. والأفضل أن ننظر في مرآة الذات، ونصلح ما بنا من هفوات تراكمت مع الزمن وتحولت إلى أمراض نفسية يصعب التعامل معها من قبل الآخرين. اليوم يقع على عاتقنا مسؤولية تشخيص الحالات الاجتماعية بعيدًا عن التنظيرات القديمة، ومواصلة رصد الشخصيات المتكررة في حياتنا، مثل "الحمقى والمغفلين المعاصرين". ولكل من يقرأ هذه السطور، إذا وجد نفسه ضمن هذه الشريحة، أقول له: "انتقِ لله".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...