بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 29 أكتوبر 2025

مقال

 فنون لا تعرفها العرب

تحت عنوان

فن البانتومايم

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يُعرف فن البانتومايم أو فن الميم (Mime)  بأنه فنٌّ مسرحيٌّ صامت، يعتمد على التعبير الجسدي والإيماءات بدلًا من الكلام لنقل الأفكار والمشاعر.

وقد عُرف هذا الفن في العصور الوسطى بوصفه من فنون البلاط الملكي، حيث ارتبط بشخصية المهرّج. وللأمانة التاريخية، فإن فن المسرح بأكمله يُعدّ دخيلًا على الثقافة العربية، إذ لم تعرفه المجتمعات العربية إلا مع بدايات القرن التاسع عشر إبّان عصر النهضة الفكرية في ذلك الوقت.

أما الفن الصامت (البانتومايم) فقد اشتهر عالميًا بفضل تشارلي تشابلن، الذي يُعدّ رائدًا في هذا النوع من الإبداع، واستمرّ هذا الفن حتى بعد ظهور السينما الناطقة، حيث برز فيه لاحقًا مستر بن (Rowan Atkinson)، وكلاهما اعتمد على التقنيات الاحترافية التي تمزج بين الكوميديا والسخرية.

 

رسالة وأخلاقيات ... ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو مشاهدتي لأحد الفنانين الذين يمارسون هذا الفن، وهو Romi Harki، الذي لفت انتباهي بأخلاقياته العالية وسلوكه الإنساني. فعندما يرى امرأة تحمل طفلًا أو حقيبة ثقيلة، يسارع إلى حمل الأغراض عنها وتسليمها إلى زوجها في رسالة توعوية راقية .. وقد أعجبني فيه تصرّف آخر ينمّ عن وعي عميق واحترام ثقافي، إذ حين تمرّ بجانبه امرأة مسلمة محتشمة، لا يُقدِم على أي فعل سوى إلقاء التحية، في إشارة إلى أن الفن خُلق قبل أن يكون ترفيهًا .. ولهذا السبب لا نجد بين المتطرفين فنانًا أو موسيقيًا أو رسّامًا حقيقيًا، لأن الفن بطبيعته يزرع الجمال ويهذّب الروح.

 

الخطر المحدق ... إن العالم بلا فنٍّ هو عالم هشّ البنية فكريًا وروحيًا، ولهذا لا بد من نشر الوعي الفني والثقافي، وتعريف الأجيال بأهمية الفنون وإنجازاتها على المستوى الإنساني.. فقد يكون الفن هو طوق النجاة الوحيد لمحاربة التطرف وبناء مجتمع سليم. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال إعادة الفن إلى مكانته في الوعي الجمعي، وإدخاله بجدية ضمن المناهج التعليمية للأطفال .. ولنا في الماضي القريب عبرة؛ فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت بعض الإدارات المدرسية تعتبر حصص الفنية والرياضة مواد غير مهمة، وتُلغيها لصالح المواد العلمية، مما أدّى إلى نشوء أجيال لا تقدّر الفن ولا تعرف قيمته.

 

الفن الصامت والسخرية ... عندما تعجز الكلمات عن وصف الواقع المرير، يكون الصمت التعبيري أبلغ من كل خطاب .. فمن خلال الحركات المدروسة والمشاهد الرمزية، يستطيع فن البانتومايم أن يوصل فكرة أو توعية بأسلوب ناعم وقوي في الوقت نفسه، يجعل المتلقي يتأمل بدل أن يُجبر على الفهم المباشر.

 

الخلاصة... إن هذا الفنان ليس مهرّجًا يثير الضحك فحسب، بل هو مبدع يقدم رسالة مكثّفة من خلال مشاهد قصيرة قد تختصر مجلدات من الكلام .. وهنا يكمن جوهر الإبداع الحقيقي في هذا الفن، رغم أن العقل العربي كثيرًا ما يرى فيه فنًّا غريبًا أو مفرّغًا من المعنى .. إلا أن هذا الحكم نابع من الإرث الأخلاقي المحافظ الذي ساد حتى وقت قريب، لكن الواقع اليوم تغيّر؛ فالعرب لم يرتقوا بإرثهم الأخلاقي كما لم يطوروا علومهم أو يقبلوا بالثقافات المختلفة .. لذلك نراهم اليوم يفتقرون إلى القاعدة الفنية التي يمتلكها غيرهم، وأصبح حالهم كما في المثل الشعبي: "لا لحِقت برجيلها ولا أخذت سيد علي".

الأحد، 26 أكتوبر 2025

مقال

 الخِسّة ما بعد النذالة

تحت عنوان

دروس من الحياة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



نرى أن امتلاك بعض النذالة في الحياة هو من الأمور البديهية التي قد تخدم أحيانًا المصالح الشخصية، ولكن بشرط عدم دخول ذلك المصطلح مرحلة التطور، وهذا ما سنتناوله في موضوعنا اليوم.

تبدأ الحكاية حين كنت أجلس في المقهى، فدخل أحد أقربائي وجلس بقربي، فتذكرت أن أسأله عن أحد أقربائي الآخرين الذي كان يمرّ بوعكة صحية ثقيلة نوعًا ما. عندها ذكر لي أنه ما زال يعاني، وهنا كانت الصدمة عندما قال لي: (يمعود لو يموت أحسن له).

كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقة أصابتني، وأنا أعلم أسباب هذا القول، إذ تعود إلى التثقيف من بعض الشخوص الذين تخطّوا مرحلة النذالة ودخلوا دائرة الخِسّة.

ولأن الرجل المريض من ذوي الدخل المحدود، وهو الأقرب إلى الفقر، يبقى السؤال: لماذا وصلنا إلى هذا الحال المزري من انعدام الرحمة في قلوبنا؟

والحق يُقال، إنني لم أغضب من ناقل الكلام، بل كان غضبي من الذي يثقّف من خلفه على هذا النحو، فهم يمثلون قمة الخِسّة.

فإن لم تملك الشجاعة لمدّ يد العون له، فلا تتمنَّ له الموت. ومن هذه الحكاية يتجسّد الموضوع الذي نحن بصدد طرحه اليوم.

لتكن اليوم إنسانًا، ففي صخب الحياة المادية التي نحياها اليوم أضعنا قيمنا الإنسانية في غفلة منّا جميعًا. وهنا نعود إلى كلام سيدنا وسيد المرسلين رسولنا الكريم محمد ﷺ حين قال: (تراحموا تُرحموا).

وكم هي عظيمة تلك الكلمات التي تتجلّى فيها القيم الإنسانية جليًّا في الدرس المقدم من النص.

وليس في هذا دعوة إلى نبذ الذات، لأن هذه دعوة ساذجة في عالمنا اليوم، بل المقصود الابتعاد عن المقولة الشعبية: (بخيرهم ما خيروني، بشرهم طلعوا عليّ).

فليس مطلوبًا أن تكون في المروءة والكرم مثل حاتم الطائي، لكن نطلب منك فقط أن تملك من الأخلاق القليل الذي يؤهلك إلى أن تبتعد عن إيذاء الآخرين بالفعل والقول.

معاول الشيطان ... نعم، فالشيطان كشخصية هدفه هدم الإنسان في الحياة، ولكل عملية هدمٍ معولُها. وتتجسّد هنا صفات الخِسّة والنذالة في هذا العمل من خلال أفعال يُدان لها الجبين، وأصحابها بما يفعلون أعوانٌ للشيطان.

ونعود إلى الحكاية التي استشهدنا بها، فذلك الشخص لم يتحدث بدافعٍ شخصي، بل نتيجة تأثير من أشخاصٍ تجاوزوا كل حدود المنطق والعقل.

القضية تكمن في أنك إن كنت (نذلًا) بعدم تقديم المساعدة، فلا تكن في محور الخِسّة بتمنّي الموت لأحدٍ بسبب فقره.

فالروح يمنحها الرب، والرزق أيضًا، وكلاهما من وظائف الذات الإلهية، والحديث فيهما كفرٌ صريح وتجردٌ من القيم الإنسانية.

أيديولوجية بناء الإنسان ... تكون من خلال الاستشهاد بالموروث الديني والشعبي، وقد تم صهر كل ذلك منذ عقدين من الزمن، ولهذا وُلدت بعض المفاهيم التي مزّقت النسيج الاجتماعي والعائلي.

ونرى اليوم آراءً تثير الاشمئزاز، تقطع الأرحام، وتجعل كل شيء مرهونًا بالمادة، فأُعلن موت الإحساس بين البشر.

ولإعادة العقلية إلى مسارها الصحيح يجب أن تكون البداية من المنزل، فهناك تبدأ عملية الزرع داخل حدود العائلة. ومن الخطأ أن ننتهج نهج الأنانية، وهذا هو الدرس الأول في الخطأ الكبير الذي نحن عليه الآن.

كيف تعرفهم؟ ... من حصاد ألسنتهم تعرفهم، ففيهم من يتقول على الناس، وفيهم من ينقل الكلام، وكلاهما يتنقّل بين المصطلحات التي كتب لها المقال. ولهذا يُعتبرون آفة المجتمع، وقد تحولت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة إلى وباءٍ واسع الانتشار، مما ساهم في إضعاف الفكر السليم في مكافحة السلوك السيّئ.

الخلاصة ... النذالة والخِسّة من القضايا المكروهة عند جموع البشر، لكنها اليوم أصبحت وسيلة لتحقيق أغراضٍ شخصية بعيدة عن البعد الإنساني.

ولهذا يجب علينا التمسك بإنسانيتنا، فإن لم نستطع أن نكون إنسانيين، فلنكن على الأقل بشرًا.

الأحد، 12 أكتوبر 2025

مقال

 

معضلة أيديولوجية العقل الكردي

تحت عنوان

مقولة (عندك مشكلة مع الله)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية لتكن: لا أحد فوق قلم البارون سوى الله عز وجل.

بالأمس ظهرت إحدى اللواتي يقدمن أنفسهن بوصفهن من الشخصيات الكردية في مقولة أغضبتني، مفادها: "العربي ما عنده مشكلة معي لأني كردية، ولكن عنده مشكلة مع الله."

وقد قلنا مرارًا: عندما يكون الحديث عن الذات الإلهية يجب أن تكون هناك آداب يُلتَزم بها، وألّا يُتعامَل مع الخطاب الديني وكأنك كنت معه بالأمس. وهنا يُطرَح السؤال: ما الذي دفع هذه إلى قول ذلك؟ والجواب: بسبب التثقيف القومي للقضية الكردية. وللحديث في هذا الموضوع، يجب أن نتناول عدّة محاور، ومنها:

 

التثقيف الخاطئ ... منذ زمن بعيد، ثُقِّف المفكر الكردي على أن الكرد محض استهداف من الجميع، بغضّ النظر عن الانتماءات الأخرى. فما زلت أتذكر ذلك الطفل الذي كان معي في المرحلة الابتدائية عندما سأله المدرس: "هل أنت مسلم؟" فأجاب: "لا، أنا كردي!" وهذا يعود إلى زرع الفكر العدائي لكل من هو خارج القومية الكردية. وقد تكون هذه الفكرة صالحة في وقتها لإقناع جموع الشعب الكردي بالأهداف المرجوّة، ولكن لكل فكرة مراحل تطوّر، وقد فشل المفكّر الكردي في إدراك ذلك.

 

الدولة بين الحلم والحقيقة ... يردّد الكثير من المفكرين الكرد والعرب والأجانب أن دولة الكرد هي تحصيل حاصل، وأنها مسألة وقت. وأنا لا أتفق معهم بهذا الرأي، ولي أسبابي. ومن أهمّها أن الكثير منهم لا يعرف أن لهذا العالم حكومة ظل تحكم الأرض وما عليها، وتُدار من قِبل شخوص مجهولة. وهنا تكون هناك مصالح يجب أن تُنفَّذ بدقة، وأن بقاء الكرد منقسمين يخدم تلك المصالح أكثر بكثير مما لو كانوا متوحدين ولهم دولة. وهذا ما ولّد لدى العقل الكردي شعورًا بأن هناك عدوًا معلومًا، ليس العرب بالضرورة، ولكنهم يعتبرون كل من هم خارج الخارطة القومية أعداء لفكرة الدولة. ولهذا تجد منهجيات تُطرح على الرأي العام هدفها تعميق ذلك الشعور بأن كل من على الأرض قد يمنع قيام الدولة الكردية الكبرى.

 

العرب ليسوا أعداء لأحد ... تُصوَّر تلك العبارات المطروحة في البداية على أن العربية والعروبة هما المشكلة وأن وجود الكرد مرفوض. وهذا غير صحيح؛ فالعرب منذ الأزل لم تكن لديهم مشكلة مع من هم خارج هذا المصطلح. والغريب أن الكثير من المثقفين الكرد، ومنذ زمن طويل، يطلقون على كل من هو غير كردي مصطلح شوفيني. والحقيقة التي لا يقبلونها أن العقلية الكردية هي التجسيد الحقيقي للمصطلح من خلال تبنّي منهجيات على مستوى اللغة أو العمل. أما العرب، فلم يذكر التاريخ أنهم أجبروا أحدًا على انتهاج لغتهم كلغة بديلة، أو على تعلمها، مع أنها لغة القرآن. وبهذا، فالعرب ليسوا أعداء لأحد.

 

وهم التطور ... قد يكتب أحدهم تعليقًا: "اذهب إلى كردستان وانظر لما هم عليه الآن!" ظانًّا أن التطور الوحيد هو الشكلي. ولكن أثبتت تلك الباحثة أن التطور لم يشمل أيديولوجيات العقل الكردي؛ فقد ذكّرتني بشعارات القرن الماضي وبدايات الصراع. أما ما يُرى من انضباط والتزام فهو بفعل القوة، فهناك مقولة مفادها: "إذا مأمن العقاب ساء الأدب." أما قضية التوعية الثقافية للمجتمع وتطورها فقد أسقطتها النزاعات العشائرية هنا وهناك، وهذا يدل على أن ما يحصل هناك بعيد كل البعد عن التثقيف التوعوي. فالجاهل فقط هو من يظن أن التطور ينحصر في مول وپارك ومطعم، وهذه تنتمي للثقافة السطحية.

 

رأيي بالكرد ... هي شخصية تنتمي للمقومات العراقية قلبًا وقالبًا، شكلًا ومضمونًا. فما لا يدركه الجاهلون أن هناك مئات السنين من التاريخ الذي يربطهم بأرض العرب، سواء قبلوا بهذا الرأي أو لم يقبلوا. أما محاولات سلخ المجتمع الكردي بهدف إقامة دولة، فقد تكون فيها كلمة حق يُراد بها باطل. وإذا ما سألتني عن رأيي في حق الكرد بدولة، فأنا مع هذه الفكرة إن استطاعوا فعل ذلك. والتاريخ يشهد: بالأمس القريب فشلت المحاولة، وقد كان ذلك برعاية دولية. وهذا دليل على أن كل محاولات التثقيف بأن العرب هم من يقفون أمام الحلم الكردي هي كذبة ما تجرأ عليها حتى مسيلمة الكذاب!

 

الخلاصة ... ما ورد هنا ليس موقفًا عدائيًا من الكرد وقضيتهم المقدسة، ولكنه ردٌّ على تلك الأبواق الاستفزازية التي تنطلق من فكر مريض إلى حد كبير. فليس مهمًا عند هؤلاء من يرمي الحجر في الماء، ولن أقول الهادئ، فالماء العربي لم يعد بذلك النقاء، ولم يعد العرب يملكون القوة لمنع الكرد من تحقيق حلمهم. ولكن لسان حال هؤلاء يقول كما في المثل الشعبي: "عرب وين طنبورة وين"

السبت، 11 أكتوبر 2025

مقال

 

ماذا لو سألوا عنها، فبماذا أجيب؟

تحت عنوان

أين هي الآن؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


بين ثنايا القلب... طالما يسألني الكثير عنها، وعندها ينتابني الصمت دقائق طويلة قبل الإجابة، لأنها لن تكون إجابة تقليدية كما يظن الكثير. ولنبدأ باسمها؛ فهي على دفاتري (زهرة)، وفي قلبي (قارورة عطر). أمّا عن ملامحها، فلم يخلق الله أحدًا يشبهها، ولا حتى من يقاربها جمالًا.

 

هل تحبها؟ وكيف؟ ... نعم، أحبها ولم أعشق غيرها، فهي من تليق بها الكلمات وقصائد الحب، وفي حضرتها تتجلى كل المعاني الجميلة. كيف لا، وهي مخلوقة على هيئة لم يُخلق مثلها قط؟ فأنا أحبها بطريقتي؛ لم أذكرها لسبب بسيط جدًا، وهو أنني لم أنسها لأذكرها، فكل صباح أنتظرها على أمل واحد لا غير: أن تمرّ بالمكان الذي طالما أردت أن نلتقي فيه.

 

هل تحبك هي؟ ... والحق أن هذا الأمر لم يعد مهمًا عندي؛ قالتها أم لم تقلها، فيكفيني من هذا العالم أنني أعلم أنها ما زالت بخير، وأن قلبها ما زال ينبض بالحياة. فعشقي لها تجاوز كل حدود الوصف، ولهذا ما عاد مهمًا عندي حبها لي، فذلك شأنها من منطلق أنه لا سلطان على القلب.

 

هل لك ذكريات معها؟ ...  نعم، كلماتها ما زالت على مسامعي، وعيناها منحوتتان على جدار القلب، وتلك ضحكتها التي تزلزل نفسي كلما تذكرتها، وصورتها التي تتجلّى أمامي كلما أغمضت عيني، وطيفها الذي لم يغب عني رغم مرور الوقت. فكلما هاج الحنين لها، كلّمتُ طيفها فيجيبني، فأعلم منه أنها ما زالت بخير، وهذا يكفيني.

 

ماذا كتبت عنها؟ ... قصائد حب بنغم صوتها، وحكايات تحمل عبق عطرها، وكلمات كنت أجمعها من أثرها كلما مرّت بمكان. فهي حديث القلب ولغة الروح، فحروفي تنهمر من ذلك البريق الذي بين عينيها، وكل ما كتبتُ لها وعنها جميل، هي بجمالها.

 

هل في حبها مدّ وجزر؟ ... لا، فمشاعري تجاهها ثابتة لا تعرف المزاجية طريقًا إليها، لأن القلب كان وما زال ينبض بها ولو مرّ عليه ألف عام. وإن عدتَ لتسألني: هل تحبها؟ ستكون الإجابة الوحيدة: نعم. فلا شيء بيننا يمضي بالتقادم، بل على العكس؛ فالوقت هو الرهان الوحيد على مدى ما لها في قلبي.

 

هل ترى نفسك مجنونًا بها؟ ... ومنذ متى كان الحب يأتمر بمنطق العقل؟ فمنذ بداية الكون ارتبط الحب بالجنون. وما أجمل هذا الإحساس؛ أن تكون مقيّدًا بكل ما يتعلق بها، فلا ترى ولا تسمع غيرها. فكذلك أنا كنت ولا زلت على ذلك الحال، فهذا المرض الوحيد الذي لم أرغب في الشفاء منه يومًا، وقد أكون أسعد المجانين في هذا.

 

الخلاصة ... إن المرأة التي أعشقها أنا، ليس كمثلها أحد. فالحب في مذهبي لامرأة واحدة تحمل أسماء عديدة. وها أنا قد أجبت عن كل ما يدور في أذهان من سأل عن المرأة التي يعشقها البارون الأخير، وهي من يليق بها كل هذا وأكثر. ولهذا، فإن كل ما كتبتُ في هذه السطور ليس إلا قطرة ماء في بحر حبي لها.

الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

مقال

 ملا فسفس

تحت عنوان

احذروا ... المتديّنون هم أعوان الشيطان

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



ولا أقول (إلا ما رحم ربي)، وستعرف السبب من خلال هذه السطور... يظنّ الكثيرون أن الذين يقومون بحرق المصاحف، أو أولئك الذين يتجاوزون بالقول على شخص رسولنا الكريم، يشكّلون خطرًا على الدين، غير أن ما يفعلونه لا يعدو كونه أفعالًا خارجة عن منطق العقل والدين.

لكن... السؤال الأهم: ما الذي دفع هؤلاء إلى فعل هذا وأكثر؟

هنا تبرز شخصية (ملا فسفس)، الأكثر انتشارًا بين جموع المسلمين اليوم. ومن مساوئ هذه الشخصية أنّها تساهم في تشويه صورة الله، وهذا لا يقتصر على الإسلام فحسب، بل ينسحب على جميع الأديان السماوية.

فمن قبلُ، كان القساوسة سببًا في سقوط الدين من حسابات المجتمع الأوروبي، واليوم يكرّر المتديّنون في مجتمعاتنا الإسلامية الخطأ ذاته، من خلال تنصيب أنفسهم أنبياء يتحدثون باسم الرب، فيقولون ما لا يفعلون... وهذا ما يساهم في تشويه صورة الله بين الناس، ويُعدّ أشدّ فتكًا ممّا يفعله الملحدون.

إنّ الدين والتديّن مفهومان مختلفان. فكثير من الناس يسيئون فهم مصطلح "الدين"، ولا يدركون أنه علاقة شخصية بين الإنسان وما يعبد، وهذا بالضبط ما لم يستطع المتديّنون فهمه منذ ألف عام.

فهم ليسوا أوصياء على أحد. ولنا في قول الله تعالى دليل واضح: "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" صدق الله العظيم.

وإذا كان هذا خطاب الله إلى نبيٍّ مُرسلٍ بالحق، فكيف نرى اليوم من ينصّب نفسه وكيلًا للسماء على الأرض، ويُطلق الأحكام انطلاقًا من أهوائه الشخصية؟

هذا ما يخلق حالة نفور جماعي من الله، وفيه كفرٌ عظيم بما يفعلون... ترى وجوههم مغبرّة، فاقدة للنور الإلهي، تتجه بالغلظة نحو المقصّرين والبعيدين عن الدين، فقط لأنهم "متديّنون"!

وقد نسوا قول الله تعالى لنبيه الكريم: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" صدق الله العظيم... وهنا تبرز القضية الكبرى: كيف يريدك الله أن تكون في الأرض؟

يجب على الإنسان أن يكون ناصحًا أمينًا، لا يتجاوز حدود النصيحة، لأن الخروج عنها يؤدي إلى نتائج أخطر مما يفعله غير المتديّنين.

أفخاخ التديّن ... لقد أصبح كثير من المتديّنين اليوم أفخاخًا بشرية، هدفهم رفع شعار "كلمة حق يُراد بها باطل".

فعندما يرى الناس صورة "المتديّن" بهذه الممارسات، تُكسر فيهم فطرة التديّن الفطرية، ويدفعهم ذلك إلى الابتعاد عن كل ما يمثل الدين.

وما لا يدركه العامة هو أن إطلاق اللحية أو لبس العمامة لا يدلّ على التديّن، ولا يمثل هؤلاء صورة الله في الأرض.

ومن أراد أن يرى التديّن الحقيقي، فعليه أن ينتهج النهج الإلهي في قول رسول الله ﷺ:

"إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" وهذا دليل على أن الإيمان لا يُقاس بالمظهر أو القول، بل بالفعل وبالانعكاس الإلهي في السلوك اليومي.

ما يفعله (ملا فسفس) يصرخ طوال الوقت (أنت كافر، وأنت فاسق، وأنت في النار)... الغريب أنني لم أسمع أحدًا منهم يقول لأحد: (أنت في الجنة)! وهذه كلها مصطلحات تخصّ الذات الإلهية وحدها، ولن تُقال إلا يوم الحساب... وفي هذا تعدٍّ على صلاحيات الربّ... بل إنّ بعضهم يذهب أبعد من ذلك، فيمنح نفسه صفة "النبيّ الجديد"!

لكن الحقيقة أن عصر الأنبياء قد انتهى، ومن أراد تصحيح مساره الذاتي، فعليه أن يجعل من نفسه انعكاسًا للجمال الإلهي في كل تفاصيل الحياة... لأن الله جميل، ويحبّ الجمال، ومن ينتمي إليه عليه أن يكون جميلًا في روحه وفكره وخلقه... فهل يستطيع ملا فسفس أن يكون كذلك؟!

قلت في البداية (إلا ما رحم ربي)، لأني أعلم أن هناك قلةً من الصالحين الحقيقيين، لكنهم صمتوا.... وقد دخل هؤلاء في مقولة: " الساكت عن الحق شيطان أخرس" لهذا نرى المتديّنين اليوم في جحافل الشيطان، بعضهم بمعاول الهدم من خلال تشويه صورة الله، وآخرون كخلايا نائمة للمنهج الشيطاني بسكوتهم.

وينطبق عليهم قوله تعالى “ ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة" والتهلكة الحقيقية هي أن تكون جنديًا في جيش الشيطان، تعادي الله باسم الدين.

الخلاصة ... لقد سمعتُ وقرأتُ عن الإسلام، لكنني لم أرَ "إسلامًا" ولا "مسلمين". وهذا ما تؤكده كتب التاريخ منذ وفاة الرسول ﷺ حتى يومنا هذا... لقد وصلنا إلى زمن أصبح فيه المتديّنون أعوانًا للشيطان بما يفعلون... وإن أردت أن تبحث عن المنهج الصحيح للدين، فعليك بالقرآن والسنة... فلم يعد فينا من لا يقرأ أو يسمع، وما عليك إلا أن تترك كل ما هو خارج هذين المصدرين، وتفتي قلبك بما جاء فيهما... فمن تجرّأ على الله، لن يمنعه شيء من الافتراء على رسوله الكريم... فاحذروا... فاحذروا... فإنّ المتديّنين اليوم قد باتوا حقًّا أعوان الشيطان.

الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

مقال

  ظاهرة (طه ياسين رمضان) في الانتخابات القادمة

تحت عنوان

على هامش الانتخابات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لمن لا يعرف، فإن طه ياسين رمضان شخصية كردية وقيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي. ومن هنا ندخل في صلب الموضوع، إذ ظهرت في الموسم الحالي للانتخابات شخصيات تشابه إلى حد كبير الرجل الذي أصبح ظاهرة معاصرة اليوم.

المنهج السياسي في العراق اليوم قائم على المحاصصة والانتماء الطائفي والقومي. وقد يعتقد الكثيرون أن هذه المصطلحات تنطلق من قضية الإيمان بالمبدأ كأساس للمسيرة السياسية، لكن الواقع مختلف تمامًا. فنحن لا نملك اليوم أحزابًا أصولية ذات قواعد عقائدية، سواء دينية أو مدنية أو قومية، وما تراه اليوم ليس إلا مجاميع تمتلك السلاح والمال لخدمة الأطماع الشخصية التي تقودها. ومن هنا نفهم طبيعة الأيديولوجية الجغرافية للانتخابات. لكن، في المقابل، هناك ممارسات طفت على السطح، منها تلك الأحزاب التي تنتهج المناهج القومية والدينية في استقطاب أشخاص من خارج القومية أو الطائفة للاستحواذ على الأصوات بدافع الطمع السياسي.

 

الإفلاس السياسي ... لو نظرت حولك إلى العقلية السياسية اليوم، لرأيت أن هناك استقطابًا نسويًا وعشائريًا، وهذا دليل على أن الكثير من تلك الجماعات تفتقر إلى المناهج الانتخابية. فالاستقطاب النسوي اليوم يمثل الاستقطاب الرخو في المشهد، أما القضايا العشائرية فتعتمد على المراهنة بالانتماء القبلي، ما يفرغ النظام من هيكليته الفكرية السياسية في ظل الديمقراطية المزعومة. ومع ذلك، فإن المفلسين سيعملون كل ما بوسعهم لإضفاء الشرعية على النظام، بغض النظر عن النتائج السلبية التي ستنعكس في الأيام القادمة.

 

كيف يكون هناك برلمان رصين؟ ... سؤال يراود الكثيرين اليوم. فالبرلمان هو المؤسسة التي تجمع ممثلي الشرائح كافة: الفلاح، والعامل، والموظف، والكاسب، والطفل، والمرأة. وتتمثل وظيفتهم في أن يكونوا المرآة العاكسة لصورة الشعب أمام الحكومة، بالإضافة إلى تشريع القوانين لخدمة العامة. والشرط الوحيد والثابت هو الانتماء الوطني والقبول الاجتماعي. لكن الخطأ الذي وقع فيه المشرّع العراقي عند كتابة الدستور، هو حصر شخصية البرلماني في مسألة التحصيل العلمي. وهذا ما قد يكون بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. فمن غير المعقول أن يتولى صاحب الشهادة مهمة الدفاع عن العامل أو الكاسب أو الفلاح الذي قد لا يملك شهادة أساسًا. وكأن لسان الحال يقول – كما في المثل الشعبي – "الشبعان ما يعرف بالجوعان". ولهذا نرى أن الكثير من القوانين التي شُرّعت في الفترة السابقة بعيدة كل البعد عن الواقع الشعبي، ولذلك نعاني منذ عشرين عامًا من أزمات متتابعة أنهكت المواطن في حياته اليومية.

 

العبثيات ... هل تعلم أن هناك الكثير من المرشحين يدركون جيدًا أنهم خارج الحسابات الانتخابية؟ ورغم ذلك تراهم مصرّين على إكمال الموضوع حتى النهاية. وقد تكون أسبابهم مادية بحتة، فيما لدى آخرين أحلام يعلقونها على الحظ بين إصابة وخيبة. لكن ما لا يعلمه الكثير من هؤلاء أن التاريخ لن يرحم أحدًا، وكل شيء سوف يُذكر. وهنا يأتي دور الطامعين في السلطة، وهم العنصر الأخطر في المشهد. فأنا أعتبرهم بمثابة ألغام قد تنفجر بفعل الصدفة، ويجب أن يدرك المواطن خطورة هؤلاء المنتمين لفئة "المرضى النفسيين"، إذ إن البلد بصراحة لا ينقصه المزيد منهم ليزداد الطين بلة.

 

الخلاصة ... يجب على الناخب الموصلي أن يدرك خطورة الموقف، وأن يكون اختياره قائمًا على أسس مصلحة المدينة. وعليه أن يعزف عن انتخاب الممثلين القادمين من خارج حدود الموصل بغض النظر عن أسمائهم، وذلك لأن النظام السياسي بأكمله مبني على قاعدة الانتماءات. وبما أن المدينة لم تعد تملك انتماءً قوميًّا أو دينيًّا، والعناصر التي يُبنى عليها الانتماء خارج المدينة، فإن الاختيار يجب أن يكون اليوم على أساس جغرافية الموصل ومصلحتها ومصلحة أهلها، مع الابتعاد عن أصحاب ظاهرة "طه". فاليوم، باتوا جميعًا (طه ياسين رمضان).

الأحد، 28 سبتمبر 2025

مقال

 

 ثقافة بوزن فنجان شاي

تحت عنوان

البارون الأخير ذكاء اصطناعي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



وصلني خبر من بعض المحسوبين على الثقافة ورواد المقاهي أنهم يهمسون فيما بينهم بأن النتاج الذي يكتبه البارون عبارة عن تقنيات تعود إلى الذكاء الاصطناعي. والحق يُقال إن تلك الكلمات تجمع بين المدح والذم في مقارنتهم لما أكتبه بالتقنيات الحديثة. لكن السؤال هنا: من هم هؤلاء؟ وما نوع الثقافة التي ينتمون إليها؟ هذا ما سنجيب عنه دون ذكر للأسماء.

 

أصحاب الثقافة الحِفظيّة ... هم من يُقال عنهم (حافظ ما فاهم). والحق يُقال إن هؤلاء متطفلون على الساحة الثقافية، وكل ما يكتبونه مجرد نصوص سردية لا هدف لها سوى تسليط الأضواء على صاحب الموضوع الذي يسعى فقط إلى جمع الشخوص الذين ليس لديهم نتاج رصين. يتحدثون بما لا ينفع ولا يفيد، وما لا يعرفه الكثير أن هؤلاء يعانون من عقدة الإبداع؛ فتراهم يكرسون كل حديثهم للطعن في هذا وذاك، وهم من يُقال عنهم أصحاب الرؤوس الخاوية.

 

الثقافة مهنة من لا مهنة له ... هي ظاهرة انتشرت في الفترة الأخيرة، تُسمّى بثقافة المتقاعدين. فالكثير ممن يجد نفسه بعد أن يُحال إلى التقاعد يبحث عمّا يشغله، فيجد في الثقافة ضالته، فيذهب إلى كتابة رواية لا يقرأها أحد سواه أو من يشابهه في الحال. وهم بذلك يساهمون في انحدار المستوى الثقافي في مدينة الموصل، وما أكثرهم.

 

فاشلون بالفطرة ... المشاريع الثقافية ليست وسيلة للتسلية أو للدعاية الشخصية بادعاء أن لك دوراً ثقافياً. فهناك الكثير من المشاريع الثقافية التي تعبّر عن ثقافة المدينة، ولكن هل كُتب لها الاستمرار؟ هنا تكون الديمومة هي معيار النجاح. فالجميع لديهم أقلام، ولكن ماذا سيكتب هذا أو ذاك؟ وبدل الاستبسال في الحديث عن تجارب الآخرين كان الأولى بهم أن يهتمّ كل واحد منهم بما يقدمه للقارئ. فالفاشلون من الطبيعي أن يكون كل نتاجهم التقليل من التجارب المماثلة.

 

ثقافة بوزن فنجان شاي ... كانت المقاهي مقراً لكثير من الأدباء والمفكرين، حتى أن بعض الأحزاب تأسس في أحدها. لكن أن تتحوّل تلك الأماكن إلى مرجعية للكتابة فهذا أمر مرفوض. وقد تحوّلت الكثير من تلك الكتابات إلى دعاية لذلك المقهى، مدفوعة الثمن بقيمة فنجان شاي، وهذا ما ينحدر بالمستوى الثقافي إلى أدنى المستويات.

 

صفحات وشخصيات ... ظهرت في الآونة الأخيرة صفحة بعنوان (موصلنا الحبيبة) تنشر بعض المواضيع عن شخصيات مجهولة. وبعد السؤال والتقصي تبيّن لي أن تلك المواضيع تُنشر برصيد اتصال يبلغ (خمسة آلاف). والغريب أن هناك شخصية كتبت عنها تلك الصفحة ووصفتها بحسن الخلق والقيم الإنسانية، لكنني تفاجأت بشخص يعرفه عن قرب فقال لي إنه (مطيرجي)، وإن له شجاراً يومياً في منطقته، وإنه لا يحمل ذرة واحدة من الأخلاق. وبهذا تثبت تلك الصفحات عدم مصداقيتها في النشر. الكتابة عن الشخصيات ليس بالأمر المعيب، وأنا أيضاً أمارس هذا النوع من الكتابة، لكنني لم أكتب قط عن شخصية لم ألتقِ بها أو لم أحدثها. ولهذا فإن تلك الصفحة تسيء لكل من ورد اسمه فيها، فالمجد لا تصنعه صفحة لا يُعرف لمن تنتمي، وهذه الصفحة تعمل بمقولة (الما عنده شغل يلعب...).

 

الخلاصة ... لمن لا يعرف، فإن أول نص نُشر لي يعود إلى أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وإذا كنت أمتلك مشروعاً ثقافياً فهذا لا يعطي الحق لأحد أن يجعلني مادة للتداول على ألسنة مدّعي الثقافة. فهؤلاء هم أقزام يكون حجمهم دوماً أقل من حجم القلم الذي يكتبون به. ولهذا لا أراهم ولا أرى ما يكتبون؛ فهم عبارة عن شخصيات تمتهن مهنة اشتهرت بها النسوة، وهي النميمة. وسوف يقولون بعد قراءة هذه الكلمات إنها ذكاء اصطناعي، وهنا أقول لكل من يرى نفسه قد ورد في هذا المقال: (رُدّها عليَّ إن استطعت).

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

مقال

 عرض جدير بالمشاهدة

تحت عنوان

مسرحية (كوكو شانيل)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي قراءة فنية في عمل يحمل عنوان مسرحية (كوكو شانيل)، وهي مسرحية مصرية صدرت عام 2021 من إخراج هادي الباجوري، وبطولة شريهان وهاني عادل. تم تصوير وتسجيل المسرحية عام 2019، وهو أول عمل لشريهان بعد غياب دام ثلاثين عامًا عن المسرح. وقد صدرت المسرحية على منصة شاهد في 20 يوليو 2021.

فكرة المسرحية:

الزمن: ما قبل الحرب العالمية الثانية

المكان: باريس / فرنسا

المضمون: امرأة بسيطة صاحبة محل لتفصيل وبيع الملابس تحت ماركة معروفة باسم كوكو شانيل. تتعرض للكثير من المواقف والضغوط الحياتية في سبيل الدفاع عن حلمها.

يتضمن العرض عناصر قد توصف بالخرافية من الناحية الفنية والتقنية الإخراجية، إضافةً إلى الحرفية في حبكة النص، حتى إنها قد تضاهي العروض العالمية. ويعود ذلك إلى المرجعية الفنية التي ينتمي إليها المخرج من الناحية العائلية، وهو ما قد يصنع الفارق في كثير من الأحيان. ومن القضايا المطروحة في هذا السياق:

 

الرقصات الغنائية والاستعراضية ... بعد غياب طويل، لم تفقد الفنانة شريهان رونقها منذ ثمانينيات القرن الماضي، رغم أنها اليوم على أعتاب العقد السادس من عمرها. عند العرض قدمت أداءً رائعًا يضاهي ما قدمته في بداية مشوارها الفني. جسّدت شريهان شخصية كوكو شانيل، وقدمت خلال المسرحية تسعة استعراضات غنائية.

 

التمرد ... قدّم العرض شخصية متمردة على الواقع التقليدي، وهو ما يُعرف بالخروج عن المألوف. وقد وظّف النص هذا المفهوم في خدمة فكرة الإبداع، وهو ما حاول المؤلف إدراجه في مشاهد العرض من خلال التمرد على الأزياء السائدة في تلك الحقبة.

 

فكرة المقاومة ... جسّد العرض واحدة من أعظم الصور في رسم لوحة مسرحية لمشهد دخول الجيوش النازية إلى فرنسا، من خلال دخول الجموع من بوابات المسرح. ورغم أن المشهد قد يبدو مألوفًا للبعض، إلا أن التقنية الإخراجية جعلت منه استعراضًا مهيبًا يخدم فكرة النص، ويجسد أن المقاومة ليست مصطلحًا محتكرًا لشخص دون آخر، بغض النظر عن الثقافة أو الوضع الاجتماعي.

 

الحب جريمة ... من خلال مشاهد العمل، رُسمت ملامح لفكرة أن الحب قد يكون محرّمًا في بعض الأحيان. فقد واجهت بطلة العرض تجربة فاشلة في قصة حب مع شاب من طبقة نبيلة، وكان ذلك سببًا في اتخاذها موقفًا عدائيًا من الحب بالكامل، حتى لقائها بالمقاتل النازي، حيث وُلد الحب من جديد. لكن هذا الحب كان بمثابة مثلبة في تاريخها المهني، وأعطى انطباعًا للمتلقي بأن الحب قد يكون في بعض الحالات جريمة يعاقب عليها المجتمع.

 

ميزان العدالة يحكمه الرأي العام ... من أعظم الصور التي قدّمها العرض، صورة تجسّد الواقع بأبشع تفاصيله، من خلال انقلاب الرأي العام الذي قد يتغاضى عن أمور جوهرية ويركّز على الشكليات. وقد تفوّق العمل في هذا الجانب إلى حد كبير، مما انعكس على الحرفية الإخراجية في طرح هذه الرؤى.

 

الإرادة التي لا تموت ... حين يكون الإنسان مبدعًا في مجال معين، فإن ذلك يعود إلى الإرادة التي يمتلكها. وهذا بالضبط ما عكسه العرض من خلال عودة البطلة بعد انكسارات متعددة لم تنل من إبداعها. فالسعادة الحقيقية لا تكمن في بلوغ القمة، بل في الخطوات التي تسبق اعتلاءها. وهذه من أعمق الصور التي قدّمها العرض المسرحي.

 

الخلاصة ... إن عملية النقد الفني يشوبها الكثير من الريبة في مفهومها العام، المتضمن تقصي الأخطاء في العمل الفني، وقد يكون هذا هو السائد. لكن ما يعلمه النقاد أن النقد لا يقتصر على الجانب المظلم للمدارس النقدية، بل يشمل أيضًا ما يعرف بحرفية الرصانة النقدية، في تقديم أعمال قد تصل إلى مستوى الطفرة الفنية في هذا العالم. وما قدّمه هذا العرض كان بمثابة دورة حياتية كاملة لمبدع صنع مجده بالإرادة والإيمان بما يملك من قدرات فطرية، وهبها الله للمخلوق البشري.

 

الأحد، 21 سبتمبر 2025

مقال

 المجتمع الذي لا يملك الوعي لا يستطيع قيادة ثورة

تحت عنوان

العراق ووهم التغيير

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية من نهاية (جيفارا)، ومن منّا لا يعرف من يكون. ومن سخرية القدر أن تكون تلك النهاية بأيديولوجية راعٍ للغنم، إذ قام بالوشاية عنه. وعند سؤال ذلك الراعي عن السبب الذي دفعه إلى هذا الفعل بحق رمزٍ بهذا الحجم، كان الرد صادمًا: (إن أغنامه كانت تنزعج من صوت الرصاص). وفي هذا دلالة عظيمة على أن من المنطقي أن تكون نهاية بطل أسطوري على يد أحد الحمقى الذين لا يملكون الوعي.

ولنعد هنا إلى العراق، وإلى جملة المتنبئين والمحللين السياسيين ـ كما يطلقون على أنفسهم ـ وتصريحاتهم التي تملأ شاشات الفضائيات بأن البلد على شفا ثورة شعبية عارمة، وأن هناك تغييرًا وشيكًا لشكل النظام. وكلها مجرد خزعبلات لا تمتّ للواقع بصلة. وسوف نوضح الأسباب التي دفعتنا إلى كتابة هذه السطور:

 

دائرة الخوف ... هو الموروث الشعبي الذي اكتسبه الكثير منذ سنوات النظام السابق؛ فقد كان نظام الحكم آنذاك أحاديًّا لرجل واحد، ومع ذلك لم يكن هناك خصوم بمثابة ندٍّ للنظام. وقد انتقلت هذه الأيديولوجية إلى آليات الحكم المعاصر، لكن مع فرقٍ جوهري. فبينما كان الموت مصير كل من يعترض سابقًا، أصبح اليوم التجويع هو المصير الذي ينتظر كل من يخرج على النظام، وذلك من خلال جعل القضايا المادية طوقًا يلتف حول عنق المواطن. وهكذا، يبقى المواطن رهينة جشع النظام وطمع الحاكم.

 

حظيرة الخنازير ... الخنزير هو الحيوان ذو السمعة السيئة بين ما خلق الله، وذلك بسبب شكله وفعله؛ فهو متجرد من كل الصفات الحميدة التي قد يتحلى بها غيره، مثل الذئب وغيره الكثير. ولكن، كيف إذا كان الخنزير اليوم يمسك بكل مفاصل الحياة؟ ومن سماته أنه لا يستحي من أي فعل، كأكل الفضلات أو انعدام القيم الأخلاقية داخل الأسرة الواحدة. وهكذا هم اليوم، لم يعودوا يستحون من الأفعال المعيبة، ولم يعودوا يهتمون برأي العامة في تصرفاتهم، لأنهم يدركون تمامًا أنهم "خنازير".

 

انعدام الوعي ... وقد يسأل أحدكم: كيف يمكننا أن نخلق وعيًا للعقل الجمعي في المجتمع؟

الجواب يكون من خلال إقناع الجموع بوجوب الإيمان بمبدأ أنك مسؤول عمّا يحدث بالأمس واليوم وغدًا، وأن عليك أن يكون لك موقف فيما يخص حياتك اليومية والعملية. ولكن لو نظرنا حولنا لوجدنا صورًا تثير الاشمئزاز، منها إيمان الجميع بأن المصالح والانتفاع الشخصي فوق كل مبدأ أو عقيدة. ولهذا ترى أحدهم لا يجرؤ حتى على كتابة تعليق على موضوع معين، ولو كان في مصلحة عامة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت صور دخيلة على المجتمع، منها جلادو السلطة، وهم صغار الموظفين الذين يستبسلون في إيذاء العامة من خلال صورتهم البشعة كـ"كلاب مسعورة للسلطة"، لا لشيء سوى إرضاء من كلّفهم بتلك المهام، بغضّ النظر عن معيار المصداقية فيما يفعلونه. ويقنعون أنفسهم بمقولة: (أنا عبد مأمور)، بينما هم في الحقيقة "كلاب مسعورة". فكيف يأتي أحد ليقول إن المجتمع يملك وعيًا وقادرًا على تحديد المسارات الصحيحة للحياة؟ لا أرى في مثل هذه النماذج أي وعي أو إدراك، ولا حتى شيئًا يقترب من هذا المصطلح.

 

لا تغيير قادم يُذكر ... وأستشهد هنا بقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". وليس هناك حديث يضاهي ما ورد في هذه الآية. وإن كان هناك تغيير كما يعتقد البعض، فلن يكون سوى وفق "نظرية القوالب الجاهزة" التي يتم إعدادها في دوائر المخابرات الدولية. وهذه ليست مسألة جديدة، فنحن على موعد بهذه السيناريوهات منذ سقوط النظام الملكي في بدايات القرن الماضي.

وما نراه ونسمعه من الولايات المتحدة ليس سوى ضغوط على نظام رسمت ملامحه بأيديها. وما لا يعرفه الكثيرون أن النظام الحالي هو الأفضل على مستوى العالم في خدمة مصالحها، ففيه: جاسوس وفقاعة، ورجل إن حضر لا يُعَدّ، وإن غاب لا يُفتقد. ولهذا ستُجرى الانتخابات، وسيعود الفساد والفاسدون إلى مواقعهم، ولسان الحال يقول: (رجعت حليمة لعادتها القديمة).

 

الخلاصة ... نصرخ تارة، ونكتب تارة أخرى، ولكن لا مجيب لما نقول أو نفعل. ولتكن النهاية مقولة رائعة لـ(جيفارا) مرة أخرى، مفادها:

(إن التضحية من أجل الحمقى بمثابة أن يحرق المرء نفسه لإنارة الطريق لرجل أعمى). فلا تنتظر شيئًا؛ فأنت وغيرك لا تملكون الوعي القادر على قيادة ثورة حقيقية.

مقال

  ظاهرة سيئة في المجتمع الموصلي تحت عنوان (الدخدخ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين هي كلمة من اللهجة العامية في الموصل، وتعني...