بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 26 أكتوبر 2025

مقال

 الخِسّة ما بعد النذالة

تحت عنوان

دروس من الحياة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



نرى أن امتلاك بعض النذالة في الحياة هو من الأمور البديهية التي قد تخدم أحيانًا المصالح الشخصية، ولكن بشرط عدم دخول ذلك المصطلح مرحلة التطور، وهذا ما سنتناوله في موضوعنا اليوم.

تبدأ الحكاية حين كنت أجلس في المقهى، فدخل أحد أقربائي وجلس بقربي، فتذكرت أن أسأله عن أحد أقربائي الآخرين الذي كان يمرّ بوعكة صحية ثقيلة نوعًا ما. عندها ذكر لي أنه ما زال يعاني، وهنا كانت الصدمة عندما قال لي: (يمعود لو يموت أحسن له).

كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقة أصابتني، وأنا أعلم أسباب هذا القول، إذ تعود إلى التثقيف من بعض الشخوص الذين تخطّوا مرحلة النذالة ودخلوا دائرة الخِسّة.

ولأن الرجل المريض من ذوي الدخل المحدود، وهو الأقرب إلى الفقر، يبقى السؤال: لماذا وصلنا إلى هذا الحال المزري من انعدام الرحمة في قلوبنا؟

والحق يُقال، إنني لم أغضب من ناقل الكلام، بل كان غضبي من الذي يثقّف من خلفه على هذا النحو، فهم يمثلون قمة الخِسّة.

فإن لم تملك الشجاعة لمدّ يد العون له، فلا تتمنَّ له الموت. ومن هذه الحكاية يتجسّد الموضوع الذي نحن بصدد طرحه اليوم.

لتكن اليوم إنسانًا، ففي صخب الحياة المادية التي نحياها اليوم أضعنا قيمنا الإنسانية في غفلة منّا جميعًا. وهنا نعود إلى كلام سيدنا وسيد المرسلين رسولنا الكريم محمد ﷺ حين قال: (تراحموا تُرحموا).

وكم هي عظيمة تلك الكلمات التي تتجلّى فيها القيم الإنسانية جليًّا في الدرس المقدم من النص.

وليس في هذا دعوة إلى نبذ الذات، لأن هذه دعوة ساذجة في عالمنا اليوم، بل المقصود الابتعاد عن المقولة الشعبية: (بخيرهم ما خيروني، بشرهم طلعوا عليّ).

فليس مطلوبًا أن تكون في المروءة والكرم مثل حاتم الطائي، لكن نطلب منك فقط أن تملك من الأخلاق القليل الذي يؤهلك إلى أن تبتعد عن إيذاء الآخرين بالفعل والقول.

معاول الشيطان ... نعم، فالشيطان كشخصية هدفه هدم الإنسان في الحياة، ولكل عملية هدمٍ معولُها. وتتجسّد هنا صفات الخِسّة والنذالة في هذا العمل من خلال أفعال يُدان لها الجبين، وأصحابها بما يفعلون أعوانٌ للشيطان.

ونعود إلى الحكاية التي استشهدنا بها، فذلك الشخص لم يتحدث بدافعٍ شخصي، بل نتيجة تأثير من أشخاصٍ تجاوزوا كل حدود المنطق والعقل.

القضية تكمن في أنك إن كنت (نذلًا) بعدم تقديم المساعدة، فلا تكن في محور الخِسّة بتمنّي الموت لأحدٍ بسبب فقره.

فالروح يمنحها الرب، والرزق أيضًا، وكلاهما من وظائف الذات الإلهية، والحديث فيهما كفرٌ صريح وتجردٌ من القيم الإنسانية.

أيديولوجية بناء الإنسان ... تكون من خلال الاستشهاد بالموروث الديني والشعبي، وقد تم صهر كل ذلك منذ عقدين من الزمن، ولهذا وُلدت بعض المفاهيم التي مزّقت النسيج الاجتماعي والعائلي.

ونرى اليوم آراءً تثير الاشمئزاز، تقطع الأرحام، وتجعل كل شيء مرهونًا بالمادة، فأُعلن موت الإحساس بين البشر.

ولإعادة العقلية إلى مسارها الصحيح يجب أن تكون البداية من المنزل، فهناك تبدأ عملية الزرع داخل حدود العائلة. ومن الخطأ أن ننتهج نهج الأنانية، وهذا هو الدرس الأول في الخطأ الكبير الذي نحن عليه الآن.

كيف تعرفهم؟ ... من حصاد ألسنتهم تعرفهم، ففيهم من يتقول على الناس، وفيهم من ينقل الكلام، وكلاهما يتنقّل بين المصطلحات التي كتب لها المقال. ولهذا يُعتبرون آفة المجتمع، وقد تحولت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة إلى وباءٍ واسع الانتشار، مما ساهم في إضعاف الفكر السليم في مكافحة السلوك السيّئ.

الخلاصة ... النذالة والخِسّة من القضايا المكروهة عند جموع البشر، لكنها اليوم أصبحت وسيلة لتحقيق أغراضٍ شخصية بعيدة عن البعد الإنساني.

ولهذا يجب علينا التمسك بإنسانيتنا، فإن لم نستطع أن نكون إنسانيين، فلنكن على الأقل بشرًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...