أزمة أسعار مولدات الكهرباء
تحت عنوان
القصة الكاملة
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
إذا ما أردنا تشبيهًا ضمنيًا لآليات الحكم في العراق على
الصعيدين الفيدرالي والمحلي، يجب علينا إعادة مشاهدة عمل سينمائي من بطولة السيدة
الكبيرة (فيروز)، بعنوان (بياع الخواتم)، وشخصية مختار المخاتير الذي يجسد دوره
الفنان الرائد (نصري شمس الدين)، حيث كانت الشخصية تمثل السلطة في البلدة، ومن ضمن
أشكال تلك القضايا التي تطرحها تلك الشخصية اختراع العنتريات الوهمية مع الخارجين
عن القانون لتخدير الرأي العام، بينما في حقيقتها كان هو على تعاون وثيق مع
اللصوص، وكان الأمر أنه في الصباح يمثل السلطة ودعاياتها الكاذبة، وفي الليل هو
حليف قطّاع الطرق.
وهذه صورة مجسدة للطريقة التي يُدار بها البلد اليوم،
والغريب أن النهج الحكومي اليوم يعمل بمقولة (إذا جاك الطوفان ضع ابنك تحت قدمك)،
واليوم المواطن تحت أقدام السلطة لتخطي الانعطافات الخطيرة التي كانت سببها فشل
الأيديولوجيات الخاطئة التي بُني عليها النظام في السياسة الخارجية والداخلية.
الحقيقة المرة ... الحكومة المركزية والمحلية، المتمثلة
بالمحافظ والقائمقامية وما يُعرف بلجنة تشغيل المولدات، كل منهم يرمي التهمة على
الآخر، وكأننا نتعامل مع أطفال بعيدين عن المسؤولية، وهذه هي الحقيقة للأسف.
الوعود الكاذبة... منذ تأسيس النظام وليومنا هذا، تخرج
علينا كل أربع سنوات شخصيات بحزمة أكاذيب، نعم هي كذلك، أو أكثر، من توفير الأمن
والحياة الرغيدة، ولم نرَ منها شيئًا يُذكر، ولكن على العكس، اليوم وصلنا إلى درجة
أصبح فيها تكذيب الكذبة جريمة قد يُعاقب عليها.
عمليات تسليب حكومية بقانون ... عندما يبلغ الأمر أن
يصبح المواطن البسيط آخر اهتمامات العمل الحكومي، عندها اقرأ على العراق السلام.
طَلَّ علينا بالأمس أحد المسؤولين المحليين ليفجع الناس بالتسعيرة المبالغ بها
لسعر الأمبير لتشغيل المولد الكهربائي، التي أصبحت جزءًا من معاناة المواطن العراقي
منذ عقدين. والسؤال هنا: لماذا يُقدم هؤلاء المسؤولون على اقتراف هذا العمل بحق
المواطن البسيط، الذي ينشغل بمجموعة أزمات، منها بيروقراطية العمل الحكومي، ورفع
سعر الدولار، وانخفاض المستوى المعيشي للفرد، وأزمة توفير البنزين، وغيرها الكثير؟
ومن هنا تطل علينا منهجية المفلسين سياسيًا وثقافيًا،
ممن هم على رأس هرم السلطة اليوم، من خلال استنزاف المواطن إلى أبعد حد، انطلاقًا
من المثل الشعبي (اليهودي إذا فلس دور بدفاتره القديمة)، وملف المولدات وعلاقته
بالطاقة هو الأقدم بين ملفات الفساد الحكومي، إذا ما كنتم تعلمون.
وهذا إثبات أنه لم تعد هناك قيمة للمواطن واحتياجاته
اليومية، فالمهم مصلحة المكاتب الاقتصادية التي تدير كفة الحكم، وما تجنيه من مال
تعزز به ديمومة تواجدها على الخارطة السياسية، وهذا هو لب الموضوع في قضية
التسعيرة. فعندما أفلست خزائن البلد من المال، اتجهت تلك الجماعات لتنظيم عملها
باتجاه مدخرات المواطن المالية، وقضية تسعيرة المولد الكهربائي لم تكن الأولى ولن
تكون الأخيرة، وسط صمت اجتماعي مقيت، سوف يُمعن اللصوص في إيجاد مداخل قانونية
لشرعنة السرقات التي تأخذ الصبغة الحكومية.
تجار الأزمات ... وهي أقذر فئة عرفتها البشرية، من خلال
استغلال معاناة المواطن في الانتفاع الشخصي وتضخيم ممتلكاتهم وتوسيع نفوذهم المالي
من خلال الأزمات والحروب، ومنهم أصحاب المولدات وشركاؤهم من الباطن من أصحاب
المكاتب الاقتصادية للأحزاب وغيرهم من أصحاب المراكز الحكومية، التي خلقت نوعًا من
التحالف في الإمعان في تعميق معاناة المواطن البسيط. ولمن لا يعلم، ليس هناك مشروع
في البلد اليوم يستطيع الديمومة دون شراكات مع جهات حزبية أو فصائلية، تُذكر بحجة
تأمين غطاء شرعي لعمليات الاستغلال، وفق ما يرددون أنه قانون. ولهذا تجدنا اليوم
أمام معضلة بين الموت البطيء من أثر الأزمات الحكومية، أو مواجهة الاعتقال بحجة
الخروج على القانون الذي به يُسرق المواطن.
شرعنة الابتزاز... المشكلة لم تعد في ارتفاع أسعار
الأمبير، ولا في خلافات المسؤولين حول الجهة التي تتحمل المسؤولية، بل في تحول
معاناة المواطن إلى مورد اقتصادي تتقاسمه جهات متعددة، كل منها يعرف حصته جيداً،
لكنه يتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً عن حقوق الناس. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية،
فعندما تصبح الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون من صميم واجبات الدولة مجالاً
للاستثمار على حساب المواطن، نكون أمام نموذج غريب من الحكم، تُترك فيه المسؤولية
معلقة بين المكاتب واللجان، بينما تصل الفواتير إلى أبواب البيوت دون أن تتأخر يوماً
واحداً. والأكثر غرابة أن المواطن مطالب بالالتزام بالقانون ودفع ما يُطلب منه، في
حين أن بعض الجهات التي تتحدث باسم القانون لا تجد حرجاً في تركه وحيداً أمام
منظومة من الاستغلال المنظم. فأي دولة هذه التي تعرف كيف تجبي الأموال من
مواطنيها، ولا تعرف كيف توفر لهم أبسط حقوقهم؟ وأي مسؤولية هذه التي تتحول فيها
معاناة الناس إلى مادة لتبادل الاتهامات، بدلاً من أن تكون سبباً للمحاسبة؟
وهناك حقيقة يجب أن يدركها أصحاب القرار، أن المواطن ليس
خزينة احتياطية لسد عجز المؤسسات، وليس مشروعاً مفتوحاً لتعويض فشل السياسات
الحكومية، وليس من واجبه أن يدفع ثمن أخطاء لم يكن شريكاً في صناعتها. فالسلطة
التي لا تستطيع حماية قوت المواطن وكرامته، لا يحق لها أن تتعامل مع صبره باعتباره
تفويضاً مفتوحاً للاستمرار في استنزافه.
الخلاصة ... يبدو أننا لم نعد نعيش أزمة كهرباء بقدر ما
نعيش أزمة ضمير ومسؤولية، فالمولدات لم تعد مجرد محركات لتوليد الطاقة، بل تحولت
إلى محركات لاستنزاف ما تبقى في جيوب المواطنين، تحت أنظار سلطة تتقن توزيع
المسؤوليات أكثر مما تتقن أداء واجباتها. والمصيبة أن من عجز عن توفير الكهرباء
يريد اليوم أن يقنع المواطن بأن دفع المزيد من الأموال هو الحل، وكأن المواطن موظف
لدى خزائن الأحزاب والمكاتب الاقتصادية، وليس صاحب حق في دولة يفترض أنها وجدت
لخدمته.
وأقولها بوضوح، لا يمكن أن تستمر هذه المسرحية إلى ما لا
نهاية، ولا يمكن أن يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الحكم، يدفع ثمن
الفشل مرة من قوته، ومرة من كرامته، ومرة من صبره. فالسرقة لا تصبح قانوناً لمجرد
أن من يمارسها يرتدي صفة رسمية، والابتزاز لا يتحول إلى حق بمجرد أن تتبناه لجنة
أو توقع عليه جهة حكومية.
لقد سئمنا من مختاري المخاتير الذين يصنعون لنا عدوّاً
في النهار، ويتقاسمون معه الغنائم في الليل، وسئمنا من خطابات مكافحة الفساد التي
لا تصل إلى جيوب الفاسدين، لكنها تصل دائماً إلى جيوب الفقراء. وإذا كانت الدولة
عاجزة عن حماية المواطن من تجار الأزمات، فعلى أي أساس تطالبه باحترام هيبتها؟
فالدولة لا تُقاس بعدد أجهزتها الأمنية ولا بحجم شعاراتها، بل بقدرتها على حماية
كرامة مواطنيها. أما أن يصبح المواطن وقوداً لاستمرار منظومة الفشل، فهذه ليست
إدارة دولة، بل إدارة استنزاف لشعب بأكمله.
وأضيف إلى ذلك أن الأكثر إيلاماً من كل ما تقدم، أننا
وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها كثيرون لا يمتلكون الشجاعة لكتابة مجرد تعليق على موضوع
كهذا، وكأن الحديث عن حقوق المواطن أصبح مغامرة، وانتقاد الخلل الحكومي أصبح تهمة،
والتعبير عن الوجع الشخصي يحتاج إلى حسابات ومراجعات قبل أن تضغط أصابعنا على لوحة
المفاتيح. فأين ذهبت تلك الأصوات التي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالصراخ في
القضايا الهامشية، وتختفي عندما يتعلق الأمر بلقمة عيش المواطن وكرامته؟ وهل أصبح
الصمت فضيلة، أم أن الخوف من أصحاب النفوذ جعل البعض يفضل مشاهدة المشهد من بعيد؟
إنني لا أبحث عن تصفيق ولا أنتظر مجاملة من أحد، ولكنني أستغرب أن يصبح التعليق
على وجع الناس أمراً يحتاج إلى شجاعة، وأن يصبح السكوت عن استنزافهم أمراً لا
يحتاج إلى تبرير. فحين يخاف الإنسان من كتابة كلمة حق، لا تكون المشكلة فيمن كتب،
بل في واقع جعل الكلمة نفسها تبدو وكأنها جريمة.

