معضلة أيديولوجية العقل الكردي
تحت عنوان
مقولة (عندك مشكلة مع الله)
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية لتكن: لا أحد فوق قلم البارون سوى الله
عز وجل.
بالأمس ظهرت إحدى اللواتي يقدمن أنفسهن بوصفهن
من الشخصيات الكردية في مقولة أغضبتني، مفادها: "العربي ما عنده مشكلة معي
لأني كردية، ولكن عنده مشكلة مع الله."
وقد قلنا مرارًا: عندما يكون الحديث عن الذات
الإلهية يجب أن تكون هناك آداب يُلتَزم بها، وألّا يُتعامَل مع الخطاب الديني
وكأنك كنت معه بالأمس. وهنا يُطرَح السؤال: ما الذي دفع هذه إلى قول ذلك؟ والجواب:
بسبب التثقيف القومي للقضية الكردية. وللحديث في هذا الموضوع، يجب أن نتناول عدّة
محاور، ومنها:
التثقيف الخاطئ ... منذ زمن بعيد، ثُقِّف المفكر
الكردي على أن الكرد محض استهداف من الجميع، بغضّ النظر عن الانتماءات الأخرى. فما
زلت أتذكر ذلك الطفل الذي كان معي في المرحلة الابتدائية عندما سأله المدرس:
"هل أنت مسلم؟" فأجاب: "لا، أنا كردي!" وهذا يعود إلى زرع
الفكر العدائي لكل من هو خارج القومية الكردية. وقد تكون هذه الفكرة صالحة في
وقتها لإقناع جموع الشعب الكردي بالأهداف المرجوّة، ولكن لكل فكرة مراحل تطوّر،
وقد فشل المفكّر الكردي في إدراك ذلك.
الدولة بين الحلم والحقيقة ... يردّد الكثير من
المفكرين الكرد والعرب والأجانب أن دولة الكرد هي تحصيل حاصل، وأنها مسألة وقت.
وأنا لا أتفق معهم بهذا الرأي، ولي أسبابي. ومن أهمّها أن الكثير منهم لا يعرف أن
لهذا العالم حكومة ظل تحكم الأرض وما عليها، وتُدار من قِبل شخوص مجهولة. وهنا
تكون هناك مصالح يجب أن تُنفَّذ بدقة، وأن بقاء الكرد منقسمين يخدم تلك المصالح
أكثر بكثير مما لو كانوا متوحدين ولهم دولة. وهذا ما ولّد لدى العقل الكردي شعورًا
بأن هناك عدوًا معلومًا، ليس العرب بالضرورة، ولكنهم يعتبرون كل من هم خارج
الخارطة القومية أعداء لفكرة الدولة. ولهذا تجد منهجيات تُطرح على الرأي العام
هدفها تعميق ذلك الشعور بأن كل من على الأرض قد يمنع قيام الدولة الكردية الكبرى.
العرب ليسوا أعداء لأحد ... تُصوَّر تلك
العبارات المطروحة في البداية على أن العربية والعروبة هما المشكلة وأن وجود الكرد
مرفوض. وهذا غير صحيح؛ فالعرب منذ الأزل لم تكن لديهم مشكلة مع من هم خارج هذا
المصطلح. والغريب أن الكثير من المثقفين الكرد، ومنذ زمن طويل، يطلقون على كل من
هو غير كردي مصطلح شوفيني. والحقيقة التي لا يقبلونها أن العقلية الكردية هي
التجسيد الحقيقي للمصطلح من خلال تبنّي منهجيات على مستوى اللغة أو العمل. أما
العرب، فلم يذكر التاريخ أنهم أجبروا أحدًا على انتهاج لغتهم كلغة بديلة، أو على تعلمها،
مع أنها لغة القرآن. وبهذا، فالعرب ليسوا أعداء لأحد.
وهم التطور ... قد يكتب أحدهم تعليقًا:
"اذهب إلى كردستان وانظر لما هم عليه الآن!" ظانًّا أن التطور الوحيد هو
الشكلي. ولكن أثبتت تلك الباحثة أن التطور لم يشمل أيديولوجيات العقل الكردي؛ فقد
ذكّرتني بشعارات القرن الماضي وبدايات الصراع. أما ما يُرى من انضباط والتزام فهو
بفعل القوة، فهناك مقولة مفادها: "إذا مأمن العقاب ساء الأدب." أما قضية
التوعية الثقافية للمجتمع وتطورها فقد أسقطتها النزاعات العشائرية هنا وهناك، وهذا
يدل على أن ما يحصل هناك بعيد كل البعد عن التثقيف التوعوي. فالجاهل فقط هو من يظن
أن التطور ينحصر في مول وپارك ومطعم، وهذه تنتمي للثقافة السطحية.
رأيي بالكرد ... هي شخصية تنتمي للمقومات
العراقية قلبًا وقالبًا، شكلًا ومضمونًا. فما لا يدركه الجاهلون أن هناك مئات
السنين من التاريخ الذي يربطهم بأرض العرب، سواء قبلوا بهذا الرأي أو لم يقبلوا.
أما محاولات سلخ المجتمع الكردي بهدف إقامة دولة، فقد تكون فيها كلمة حق يُراد بها
باطل. وإذا ما سألتني عن رأيي في حق الكرد بدولة، فأنا مع هذه الفكرة إن استطاعوا
فعل ذلك. والتاريخ يشهد: بالأمس القريب فشلت المحاولة، وقد كان ذلك برعاية دولية.
وهذا دليل على أن كل محاولات التثقيف بأن العرب هم من يقفون أمام الحلم الكردي هي
كذبة ما تجرأ عليها حتى مسيلمة الكذاب!
الخلاصة ... ما ورد هنا ليس موقفًا عدائيًا من
الكرد وقضيتهم المقدسة، ولكنه ردٌّ على تلك الأبواق الاستفزازية التي تنطلق من فكر
مريض إلى حد كبير. فليس مهمًا عند هؤلاء من يرمي الحجر في الماء، ولن أقول الهادئ،
فالماء العربي لم يعد بذلك النقاء، ولم يعد العرب يملكون القوة لمنع الكرد من
تحقيق حلمهم. ولكن لسان حال هؤلاء يقول كما في المثل الشعبي: "عرب وين طنبورة وين"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق