بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 1 أكتوبر 2026

مقال

 

القوى الناعمة الشيطانية

تحت عنوان

كيف تغيّر عالمنا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثير منا ما يتساءل: (كيف وصلنا إلى يومنا هذا؟) وهنا وجب التنويه، فالكثير من الذين يُشركون يضعون الله عز وجل في موضع المقارنة مع الشيطان، والعياذ بالله، ولكن المعادلة الأصح هي أن يكون الإنسان هو في موضع المقارنة مع الشيطان، وهذا بسبب أنه لا يوجد ما يضع الخالق والمخلوق في مقارنة، لأن الشيطان أيضًا مخلوق. ومثلما هناك تطور للفكر الإنساني، هناك أيضًا فكر شيطاني يتطور بمرور الوقت. وإذا ما كنا نريد الحديث عن مراحل التطور الفكري للإنسان، تكون الأنبياء هي مراحل تطور ذلك الفكر، وبما أن عصور الأنبياء قد انتهت، والشيطان ما زال بقاؤه يشكل أكبر عائق في استمرارية تطور الفكر، وهنا سوف نشرح مراحل التطور الشيطاني التي نعيشها هذه الأيام، ومنها تلك المفاهيم العامة على شكل أمثال ومقولات شعبية، التي أصبحت قواعد اجتماعية بمرور الوقت.

 

«يا راحتي في وحدتي، كل البلا من عشرتي» ... من أكبر الجرائم التي يرتكبها بعض البشر هو تعميم نتائج تجاربهم الشخصية كمعيار اجتماعي، فمثلما ورد هنا في مقولة تعتبر من التراث الشعبي، وهي تجسد أعلى معايير التفكك الاجتماعي، فالدعوة للعزلة ليست حلًا منطقيًا لما قد نعاني منه، والهروب ليس بالشيء المثالي لحل مشكلة قد نعاني منها، وهذا ما يصب في إيجاد سبل تدل على تطور الأساليب الشيطانية لجعل الإنسان منفردًا لتسهيل الإيقاع به.

 

«ألف قلبي ولا غلبي» ... وبهٰذا المثل يتجسد المعيار الذي يدعو إلى إسقاط كل القيم الدينية والأخلاقية من أجل أرباح دنيوية فانية، وتحويل الحياة إلى حلبة صراعات عبثية، والخروج عن الإرادة الإلهية لقضية خلق الإنسان، وكأن العالم تحول إلى قضية النهي عن الالتزام القيمي، بغض النظر عن المسميات. وهذا أيضًا من الأهداف الشيطانية في ديمومة الصراعات البشرية، من خلال عدم التمسك بالأخلاقيات والعادات المكتسبة من الإطار الديني والاجتماعي.

 

«الأقارب عقارب» ... وهي الكلمات التي تساهم في عملية قطع الأرحام، وهذا ما يتنافى مع المفاهيم السماوية التي جاءت على لسان الأنبياء والرسل. فالكثير منا اليوم يرسم حدودًا تحكمها معايير دنيوية في تحديد العلاقات مع الأقارب، حتى وصل بنا الحال إلى أن بعض العوائل لا تلتقي إلا بالمناسبات الحزينة (العزاء)، أما عن المناسبات الثانية فتدخل بها عوامل شخصية مزاجية، وهذه كارثة إذا ما كنتم لا تعلمون.

فكل ما ورد هنا يدعو لإبعاد الإنسان عن محيطه العائلي والاجتماعي، من خلال زرع أفكار وتصويرها على أنها موروث شعبي، وهي في حقيقة الأمر نتائج تجارب لشخصيات تعاني من فشل اجتماعي، تريد تعميمها على أنها أصول ترهق الوعي الاجتماعي.

 

حين تتحول التجربة إلى قانون اجتماعي ... المشكلة ليست دائمًا في الكلمات التي نتداولها، وإنما في قدرتها على البقاء داخل الوعي حتى تتحول من مجرد جملة قيلت في لحظة انفعال إلى قاعدة تحكم سلوك الإنسان. فالمثل الشعبي قد يولد من تجربة فردية، لكنه حين يتكرر على الألسن، وتتناقله الأجيال دون مساءلة، يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان، وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ لأن الإنسان لم يعد يناقش الفكرة، بل أصبح يعيش داخلها.

إن الإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير لما يمر به من نجاح وفشل، وحب وكراهية، ووفاء وخيانة، ولذلك قد يلجأ إلى اختصار التجربة في عبارة قصيرة تمنحه تفسيرًا جاهزًا. ولكن الاختصار حين يتحول إلى قاعدة مطلقة يصبح ظلمًا للحياة نفسها؛ فليس كل قريب عقربًا، وليس كل عشرة مصدرًا للبلى، وليس الانتصار في الحياة مرهونًا بإسقاط القلب والقيم والأخلاق.

وهنا تكمن فلسفة الموروث حين يفقد قدرته على أن يكون مادة للتأمل ويتحول إلى أداة لتوجيه السلوك. فالكلمة لا تصبح خطرة لأنها قيلت، وإنما تصبح خطرة عندما تتوقف العقول عن مساءلتها. وما أخطر أن يرث الإنسان أفكارًا لم يخترها، ثم يدافع عنها باعتبارها حقائق، وهو لم يسأل نفسه يومًا: من قالها؟ ولماذا قيلت؟ وهل كانت صالحة لزمنها فقط، أم تصلح لكل زمان؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تتحول التجارب الفاشلة إلى فلسفة حياة، وأن يصبح الفشل الشخصي نصيحة للآخرين، وأن تتحول الخيبة إلى قانون، والعزلة إلى حكمة، والقطيعة إلى ذكاء، والتخلي عن القيم إلى وسيلة للنجاح. عندها لا يعود الإنسان يتعامل مع الحياة كما هي، وإنما يتعامل معها وفق صورة مشوهة صنعتها تجارب الآخرين.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة الأمثال الشعبية أو رفض التراث بمجمله، وإنما بإعادة وضعه في مكانه الصحيح؛ فالتراث تجربة إنسانية قابلة للنقد والمراجعة، وليس نصًا مقدسًا فوق السؤال. وما كان مناسبًا لبيئة أو مرحلة تاريخية معينة قد لا يكون صالحًا لأن يتحول إلى قاعدة تحكم مجتمعًا كاملًا في زمن مختلف.

إن الشيطان، في المنظور الديني، لا يحتاج دائمًا إلى أن يدفع الإنسان نحو الخطأ بصورة مباشرة، فقد تكون الوسيلة الأكثر تأثيرًا هي أن يجعل الخطأ يبدو طبيعيًا، وأن يجعل القطيعة حكمة، والأنانية قوة، والعزلة راحة، والصراع أسلوب حياة، ثم يترك الإنسان يكرر هذه المفاهيم بنفسه حتى تصبح جزءًا من وعيه.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع المثل، وإنما مع (العقل الذي يستقبل المثل دون تفكير) . وليست المشكلة في الكلمة، وإنما في تحويل الكلمة إلى عقيدة اجتماعية لا تقبل النقاش. فالوعي الحقيقي لا يرفض كل ما ورثه، ولا يقبل كل ما ورثه، وإنما يقف أمامه ويسأل ويحلل ويميز بين الحكمة التي تستحق البقاء والفكرة التي آن أوان تجاوزها.

إن المجتمع الذي لا يراجع مفاهيمه القديمة قد يجد نفسه يعيش بأفكار انتهى زمانها، بينما المجتمع الذي يمتلك شجاعة النقد يستطيع أن يحافظ على جوهر قيمه، ويتخلص في الوقت نفسه من الأفكار التي أصبحت عبئًا على الإنسان.

فليست كل كلمة قديمة حكمة، وليست كل عبارة متداولة حقيقة، وليس كل ما ورثناه يستحق أن نورثه لأبنائنا. وبين الموروث الذي يبني الإنسان والموروث الذي يهدمه، يبقى (العقل الواعي هو الميزان).

 

الخلاصة ... ليست كل مقولة نتوارثها حكمة، وليست كل عبارة تتناقلها الألسن حقيقة، فبعض الكلمات قد تتحول بمرور الزمن إلى أدوات تهدم ما بنته القيم والأخلاق. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يسلّم عقله للموروث دون سؤال أو مراجعة؛ لأن الأفكار حين تتحول إلى مسلّمات تصبح أقوى من أصحابها، وحينها لا يحتاج الشيطان إلى أن يتكلم، يكفيه أن يجعلنا نتكلم بلسانه ونحن نظن أننا نتحدث من تجاربنا وحكمتنا.

مقال

  القوى الناعمة الشيطانية تحت عنوان كيف تغيّر عالمنا بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين كثير منا ما يتساءل: (كيف وصلنا إلى يومن...