المجتمع الذي لا يملك الوعي لا يستطيع قيادة ثورة
تحت
عنوان
العراق
ووهم التغيير
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية
من نهاية (جيفارا)، ومن منّا لا يعرف من يكون. ومن سخرية القدر أن تكون تلك
النهاية بأيديولوجية راعٍ للغنم، إذ قام بالوشاية عنه. وعند سؤال ذلك الراعي عن
السبب الذي دفعه إلى هذا الفعل بحق رمزٍ بهذا الحجم، كان الرد صادمًا: (إن أغنامه
كانت تنزعج من صوت الرصاص). وفي هذا دلالة عظيمة على أن من المنطقي أن تكون نهاية
بطل أسطوري على يد أحد الحمقى الذين لا يملكون الوعي.
ولنعد
هنا إلى العراق، وإلى جملة المتنبئين والمحللين السياسيين ـ كما يطلقون على أنفسهم
ـ وتصريحاتهم التي تملأ شاشات الفضائيات بأن البلد على شفا ثورة شعبية عارمة، وأن
هناك تغييرًا وشيكًا لشكل النظام. وكلها مجرد خزعبلات لا تمتّ للواقع بصلة. وسوف
نوضح الأسباب التي دفعتنا إلى كتابة هذه السطور:
دائرة
الخوف ... هو
الموروث الشعبي الذي اكتسبه الكثير منذ سنوات النظام السابق؛ فقد كان نظام الحكم
آنذاك أحاديًّا لرجل واحد، ومع ذلك لم يكن هناك خصوم بمثابة ندٍّ للنظام. وقد
انتقلت هذه الأيديولوجية إلى آليات الحكم المعاصر، لكن مع فرقٍ جوهري. فبينما كان
الموت مصير كل من يعترض سابقًا، أصبح اليوم التجويع هو المصير الذي ينتظر كل من
يخرج على النظام، وذلك من خلال جعل القضايا المادية طوقًا يلتف حول عنق المواطن.
وهكذا، يبقى المواطن رهينة جشع النظام وطمع الحاكم.
حظيرة
الخنازير ... الخنزير
هو الحيوان ذو السمعة السيئة بين ما خلق الله، وذلك بسبب شكله وفعله؛ فهو متجرد من
كل الصفات الحميدة التي قد يتحلى بها غيره، مثل الذئب وغيره الكثير. ولكن، كيف إذا
كان الخنزير اليوم يمسك بكل مفاصل الحياة؟ ومن سماته أنه لا يستحي من أي فعل، كأكل
الفضلات أو انعدام القيم الأخلاقية داخل الأسرة الواحدة. وهكذا هم اليوم، لم
يعودوا يستحون من الأفعال المعيبة، ولم يعودوا يهتمون برأي العامة في تصرفاتهم،
لأنهم يدركون تمامًا أنهم "خنازير".
انعدام
الوعي ... وقد
يسأل أحدكم: كيف يمكننا أن نخلق وعيًا للعقل الجمعي في المجتمع؟
الجواب
يكون من خلال إقناع الجموع بوجوب الإيمان بمبدأ أنك مسؤول عمّا يحدث بالأمس واليوم
وغدًا، وأن عليك أن يكون لك موقف فيما يخص حياتك اليومية والعملية. ولكن لو نظرنا
حولنا لوجدنا صورًا تثير الاشمئزاز، منها إيمان الجميع بأن المصالح والانتفاع
الشخصي فوق كل مبدأ أو عقيدة. ولهذا ترى أحدهم لا يجرؤ حتى على كتابة تعليق على
موضوع معين، ولو كان في مصلحة عامة.
ولم يقف
الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت صور دخيلة على المجتمع، منها جلادو السلطة، وهم صغار
الموظفين الذين يستبسلون في إيذاء العامة من خلال صورتهم البشعة كـ"كلاب
مسعورة للسلطة"، لا لشيء سوى إرضاء من كلّفهم بتلك المهام، بغضّ النظر عن
معيار المصداقية فيما يفعلونه. ويقنعون أنفسهم بمقولة: (أنا عبد مأمور)، بينما هم
في الحقيقة "كلاب مسعورة". فكيف يأتي أحد ليقول إن المجتمع يملك وعيًا
وقادرًا على تحديد المسارات الصحيحة للحياة؟ لا أرى في مثل هذه النماذج أي وعي أو إدراك،
ولا حتى شيئًا يقترب من هذا المصطلح.
لا تغيير
قادم يُذكر ... وأستشهد
هنا بقول الله تعالى:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". وليس
هناك حديث يضاهي ما ورد في هذه الآية. وإن كان هناك تغيير كما يعتقد البعض، فلن
يكون سوى وفق "نظرية القوالب الجاهزة" التي يتم إعدادها في دوائر
المخابرات الدولية. وهذه ليست مسألة جديدة، فنحن على موعد بهذه السيناريوهات منذ
سقوط النظام الملكي في بدايات القرن الماضي.
وما نراه
ونسمعه من الولايات المتحدة ليس سوى ضغوط على نظام رسمت ملامحه بأيديها. وما لا
يعرفه الكثيرون أن النظام الحالي هو الأفضل على مستوى العالم في خدمة مصالحها،
ففيه: جاسوس وفقاعة، ورجل إن حضر لا يُعَدّ، وإن غاب لا يُفتقد. ولهذا ستُجرى
الانتخابات، وسيعود الفساد والفاسدون إلى مواقعهم، ولسان الحال يقول: (رجعت حليمة
لعادتها القديمة).
الخلاصة ... نصرخ
تارة، ونكتب تارة أخرى، ولكن لا مجيب لما نقول أو نفعل. ولتكن النهاية مقولة رائعة
لـ(جيفارا) مرة أخرى، مفادها:
(إن
التضحية من أجل الحمقى بمثابة أن يحرق المرء نفسه لإنارة الطريق لرجل أعمى). فلا
تنتظر شيئًا؛ فأنت وغيرك لا تملكون الوعي القادر على قيادة ثورة حقيقية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق