بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 مارس 2025

مقال

 

 اختلط الحابل بالنابل

تحت عنوان

مقولات غيّرت وجه المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية مع مقولة لأبي - رحمه الله - مفادها: "سوف يأتي زمانٌ، مَن لا يفعل الفاحشة فيه يُرمى بالقشور". في ذلك الوقت، لم أفهم المقصود تمامًا، لكن مع مرور الأيام، أدركت أننا نعيش تفاصيل هذه المقولة اليوم. لذا، من الضروري توضيح أبعادها في هذه السطور.

الرجال... هناك مقولة شائعة تقول: "الرجل لا يعيبه إلا جيبه"، وأعتبر هذه الكلمات بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لا أعلم تحديدًا مقصد من أطلقها آنذاك، لكن ما أدركته أن هناك عملية طمس متعمّد لكثير من مفاهيم الرجولة. حتى أن السينما المصرية طرحت مقولة مشابهة: "أنا لا أكذب ولكن أتجمّل".

لتوضيح الأمر، لا بد من تقديم صورة للقارئ عن الصواب والخطأ في هذا السياق. فقد تعلمنا منذ الصغر أن الرجل هو منظومة قيم متكاملة، من أبرزها: الصدق، الوفاء، والكرم، إضافة إلى العديد من الصفات النبيلة الأخرى. وعليه، فإن الكذب يُعد سلوكًا معيبًا في الرجل، فالطفل عندما يكذب يُقال عنه "صغير العقل"، أما الرجل الكاذب، فبماذا يمكن وصفه؟ لا أجد مصطلحًا مناسبًا يوازي هذا الفعل في حقه.

أما الصفة الثانية التي تهدم كيان الرجولة فهي البخل. فما فائدة أن يكون جيب الرجل ممتلئًا، بينما يضع على بابه جدارًا حديديًا يمنع العطاء؟ وما يزيد الطين بلة، أن يكون سيئ الخُلق. واليوم، باتت هذه القيم مجرد تراثٍ يُذكر في أحاديث المجاملات بالمجالس.

المرأة... ضاعت بين المحاسن والمفاتن! فقد كانت هناك قيم مجتمعية تحث المرأة على التفاخر بمحاسنها، بينما تبقي مفاتنها محفوظة لما بعد الزواج، كنوع من التقدير لمكانتها. أما اليوم، فقد انتشرت ظاهرة جديدة تُهدد أسس بناء المجتمع، حيث تقوم العديد من النساء والفتيات بتصوير أنفسهن بطريقة مزرية؛ يُركزن فيها على عرض سيقانهن أو مقدمة صدورهن، بينما يخفين وجوههن. وهنا حصل الخلط بين المحاسن والمفاتن، نتيجةً لتأثير "غواني المجتمع المدني" اللواتي يسعين إلى تشويه صورة المرأة تحت شعارات الحرية المزعومة.

ومن بين المقولات الشائعة اليوم: "مَن لا يتغير، يتبدل"، وهي دعوة صريحة لهدم البناء العائلي. وهنا يجب التنويه إلى وجود نوعين من "الغواني": الأولى تمارس الفحشاء بجسدها، والثانية تمارسها بسلوكها المشين. ويؤكد المثل الشعبي: "لا تفسد المرأة إلا امرأة"، وهذه هي الكارثة الحقيقية.

الخلاصة... لنعد إلى مقولة أبي - رحمه الله - حيث نجد اليوم أن العديد من النساء الملتزمات أخلاقيًا يتعرضن للاتهام بالرجعية والتخلف، وهذه هي "القشور" التي تحدّث عنها. والأمر لا يقتصر على النساء فحسب، بل يمتد إلى الرجال أيضًا. فمن يستطيع اليوم أن يطبّق حديث النبي الكريم: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلقه فزوّجوه"؟ لقد فقد هذا الحديث قيمته في زمننا هذا، حيث أصبحت المعايير مختلفة تمامًا.

كما امتدت المفاهيم المغلوطة إلى التربية الأسرية، عبر مقولة: "إذا كبر ابنك، خاويه"، التي فُهمت خطأ على أنها تعني أن يعامل الأب ابنه كصديق، بينما المعنى الحقيقي هو أن ينجب الأب طفلًا آخر إذا بلغ ابنه الأول سن الرشد. لكن تم الترويج للمعنى المغاير، حتى صار يُبرر للابن التحدث مع والده دون أي ضوابط أو احترام، مما ينافي أصول التربية الصحيحة.

النهاية... عندما تُشوَّه المفاهيم، يصبح من الطبيعي أن نرى ونسمع العجائب في مجتمع يعيش اليوم حالة من التخبط، وظهور مظاهر تنافي ما نشأنا عليه. وللخروج من هذا المأزق، لا بد من تفعيل دور العالم الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بطرح النظريات على الورق، بل تطبيقها على أرض الواقع. وهذا يتطلب تكاتف الجميع لإعادة بناء المجتمع، بعيدًا عن المقولات المسمومة التي يتم الترويج لها. فهذه هي الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار واستعادة القيم الأصيلة.

الخميس، 13 مارس 2025

مقال بعنوان / العراق ... ولماذا نحن على هذا الحال؟

 

 العراق ... ولماذا نحن على هذا الحال؟

تحت عنوان

قصتنا مع الحرام

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



سنوات من الانحدار الفكري والأخلاقي خلّفت الكثير من المآسي والويلات التي أنهكت المواطن بشكل كبير. ومن الطبيعي أن يتولّد لدى البعض السؤال الأهم في هذا السياق: لماذا نحن على هذا الحال؟

الإجابة تكمن في مصطلح "الحرام" وعلاقته بالواقع الذي نعيشه، وهنا تبدأ الحكاية.

غزو الكويت (1990) بداية الانحدار ... عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت عام 1990، لم تكن النكبة مقتصرة على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى سلوكيات المجتمع. فعمليات السلب والنهب التي قام بها ضعفاء النفوس في ذلك الوقت كشفت جانبًا مظلمًا في العقلية الجماعية.

ولو سألت اليوم كل من شهدوا تلك الفترة، ستجد أن الجميع يتبرّأ من هذا الفعل، وكأن من ارتكبوا هذه الجرائم كانوا "جنودًا فضائيين" لا وجود لهم!

لكن الحقيقة أن الأسواق العراقية امتلأت بالبضائع المنهوبة من الكويت، حتى إنني ما زلت أتذكر نوعًا من البسكويت يُباع في الأسواق يحمل اسم "توتو"، وكان جزءًا من المسروقات التي تدفقت إلى العراق في ذلك الوقت.

سقوط النظام (2003) سرقة الوطن ... تكرر المشهد عام 2003، ولكن هذه المرة لم يقتصر النهب على ممتلكات دولة أخرى، بل سُرِق الوطن نفسه. فقد اجتاحت الفوضى البلاد، وشملت السرقات كل شيء: المؤسسات الحكومية، المرافق المدنية، المعسكرات العسكرية، وحتى المستشفيات.

وصل الأمر إلى حد أن بعض النساء سرقن أجهزة طبية متخصصة، وعندما سُئلت إحداهن عن سبب سرقة جهاز "سونار"، أجابت بكل بساطة: "لأنني لا أملك تلفازًا في المنزل!"

وهكذا، ترسّخت أيديولوجية اللصوصية في العقل الجمعي حتى أصبحت ثقافة عامة، وليس مجرد سلوكيات فردية عابرة.

في وقتنا الحاضر والنتائج الكارثية ...اليوم، نعيش تداعيات تلك الانهيارات الأخلاقية (سفك دماء بلا وازع وتفكك الروابط الاجتماعية وقطع الأرحام وانتشار التفاهات على حساب القيم وتسيد السفلة المشهد العام وتغييب العقل والمنطق) ، وكما يقول المثل الشعبي: "ذاك الغيم جاب هذا المطر"، فنحن اليوم نعيش في مجتمع يجري فيه "الحرام" مجرى الدم، مما قد يؤدي إلى كوارث أشد مما نراه الآن. فقد أصبحنا مجتمعًا خاليًا من القيم الإنسانية النبيلة، ومن المبادئ الأخلاقية، ومن العلاقات المبنية على الصدق والمصداقية.

المعضلة الحقيقية غياب الوعي ... المشكلة الجوهرية ليست فقط في السلوكيات، بل في غياب الدور التوعوي على المستويين الفردي والاجتماعي.

منذ سقوط النظام الملكي عام 1958، لم تتوقف الحكومات المتعاقبة عن إشغال الرأي العام بأزمات مزمنة، لضمان استمرارية الأنظمة المتوالية. والنتيجة؟ ترسيخ ثقافة اللصوصية في المجتمع، بل وتشريع قوانين تحمي اللصوص، مما منح ضعاف النفوس الشرعية الكاملة لاستغلال الوضع لمصالحهم الشخصية.

الحل ولادة الوعي ... الحل لا يكمن في تغيير الأسماء أو استبدال الأشخاص، بل في تغيير طريقة التفكير. مشكلتنا ليست في "زيد" أو "عمر"، بل في طريقة تفكير الأفراد واكتسابهم للوعي.

كل المخلوقات على الأرض تمتلك العقل، ولكن ليس جميعها تمتلك الوعي. بغياب الوعي، تتحول الأرض إلى غابة!

لذا، نحن بحاجة إلى برامج ثقافية تُعيد بناء الإنسان، وتهيئة بيئة مناسبة لولادة الوعي لدى العامة. وهنا يأتي دور الوازع الديني، باعتباره إحدى أهم المرجعيات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

الخاتمة... قرار التغيير بأيدينا كل فعلٍ له رد فعل، وما نعيشه اليوم هو نتيجة تبني قيم ومبادئ دخيلة علينا. لكن المفاجأة الكبرى تكمن في الحقيقة التي قالها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"

ومن هنا، ندرك أننا أمام اختبار صعب. فإذا أردنا التغيير، علينا أن نبدأ من الداخل، ونعمل جميعًا على ولادة ذلك الكائن القادر على تغيير كل شيء... وهو "الوعي".

السبت، 1 مارس 2025

مقال

 

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المصيدة

تحت عنوان: لا دين للسياسة

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين



اللقاء الأخير بين زيلينسكي والرئيس الأمريكي، والمشادة الكلامية التي جرت بينهما، يُعدّان من الأحداث التي يجب تدريسها في المناهج الأكاديمية لطلبة العلوم السياسية. ذلك لأنها مليئة بالدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من تفاصيل اللقاء.

البداية  ... ما حدث كان رسالة مُعلنة، والغريب في الأمر أنه ولأول مرة في عالم السياسة يتم نقل حديث مباشر خالٍ من البروتوكولات الدبلوماسية، وهو أمر غير معتاد. فمن غير المعقول نشر الغسيل القذر بهذا الشكل. وكان الهدف الأساسي من اللقاء تحجيم الرئيس الأوكراني، وهو ما تجلّى بوضوح في طبيعة المصطلحات التي وُجِّهت إليه. وقد انعكس ذلك على ملامح زيلينسكي، الذي أتقن إخفاء مشاعره بحكم عمله السابق في التمثيل.

سياسة "الدلّال"... هذا المصطلح مستوحى من التراث الشعبي العربي، حيث يُعرف "الدلّال" بأنه أقرب إلى المهرج، إذ لا يمتلك قواعد ثابتة في عمله، وهذه بالضبط هي السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي. فمن خلال تجربته الطويلة، نقل جو بايدن قواعد تلك المهنة إلى الأساليب التي يمارسها رجال السياسة في البيت الأبيض في هذه المرحلة.

مغازلة "حطّاب سيبيريا" (بوتين) ... في عالم السياسة، لا يوجد عدو دائم ولا حليف أبدي، فكل شيء تحكمه المصالح الدولية، أو إن صحّ القول "المكاسب المالية". كما اعتدنا، لا شيء ثابت؛ فعدو الأمس قد يصبح حليف اليوم. هذا ما تعلّمناه منذ عقود في ظل حقبة "حكم المجانين". وأظن أن الرسالة قد وصلت إلى الطرف الآخر: فمن السهل جدًا تقديم زيلينسكي كقربانٍ لإله المال والمكاسب الاقتصادية، وهذا ما سيحدث على الأرجح.

عالم مادي... منذ عقود، أدركنا أن العالم بأسره ليس سوى خشبة مسرح في لعبة السياسة. ولكي ينجح العرض، يحتاج إلى مجموعة من الدمى الخشبية التي ستؤدي أدوارها بإتقان، ثم سيتم التخلص منها لاحقًا، إما بالكسر أو الحرق. الكبار هم من يرسمون الخطط، والجماهير تنساق بلا وعي، حيث يتم نشر ثقافة "القطيع" بين العامة. فمن كان بالأمس بطلاً قد يتحول اليوم إلى "متآمر" أو "طاغية"، ليتم التخلّص منه وسط تصفيق الجماهير الغبية احتفالاً بالنصر المزيّف. وهكذا تدور عجلة الأكاذيب الكبرى، التي تغذيها النظريات البشرية الهادفة إلى استعباد البشر، مثل الاشتراكية والرأسمالية، التي جعلت من المال سيدًا مطلقًا، ونجحت إلى حدٍّ كبير في ذلك.

ثقافة السذاجة... المشكلة في عالمنا العربي أننا لا نقرأ إلا ما يُملى علينا. على سبيل المثال، أتذكّر حكاية قديمة: في مناهج الدراسة خلال ثمانينيات القرن الماضي، كنا نقرأ أن عبد القادر الجزائري كان أحد رموز الثورة العربية ضد الاستعمار. لكن عندما كبرنا، اكتشفنا أن هناك كتبًا أخرى تقول إنه كان عضوًا في المحافل الماسونية، العدو اللدود للفكر العربي. هذه هي ثقافة السذاجة، حيث يتم وضع شخصيات ومؤسسات في قوائم الأعداء دون بحث أو تدقيق، وننساق جميعًا وراء روايات تفتقر إلى المصداقية والمعلومة الصحيحة.

الخلاصة... زيلينسكي، ومن سبقه، ليسوا سوى مجموعة من المغفلين والحمقى الذين يظنون أنهم سيحصلون على دور البطولة في هذا العرض التهريجي، الذي تُسحق فيه الشعوب والأطفال، كما يحدث في غزة اليوم. ولهذا، نقول للسياسيين العرب: ارتدوا ملابس تناسب مقاساتكم، فمن يرتدي ثوبًا أكبر من حجمه ستكون نهايته دراماتيكية، تمامًا كمن سبقوه. لذا، يجب أن يُدرّس هذا الموضوع في مناهج العلوم السياسية في أقطارنا العربية.

الأربعاء، 26 فبراير 2025

مقال

 حقل من الألغام في عمل درامي

تحت عنوان

قراءة في أحداث مسلسل "القدر"

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



تُعدُّ الأهداف والرسائل من أهم ما تقدمه الأعمال الفنية منذ نشأتها، وها نحن اليوم أمام عمل يُعتبر ضخمًا من الناحية الإنتاجية والإخراجية. ولمعرفة ما يرمي إليه هذا العمل من خلال سطور المؤلف والرؤية الإخراجية، ينبغي علينا تحليل المصطلحات المخفية خلف المشاهد .  

في البداية، لا بد من الإقرار بأن عصر الخصوصية في هوية العمل الفني قد انتهى، إلا في ما ندر، حيث باتت هناك ما يُعرف بالأعمال العربية المشتركة، وهو التصنيف الذي يندرج تحته العمل الذي نحن بصدد قراءته اليوم .

مسلسل "القدر" هو النسخة العربية المستوحاة من أحد الأعمال الدرامية التركية. ولا أرى ضررًا في استنساخ التجارب الناجحة من مختلف بقاع الأرض، ولكن بشرط أن تكون متوافقة مع المبادئ والقيم الراسخة في مجتمعاتنا العربية. العمل من إنتاج عام 2024، من إخراج فيليب أسمر وتأليف جويل بيطار، وبطولة المبدع العربي قصي الخولي، إلى جانب مجموعة كبيرة من الممثلين اللبنانيين والسوريين .

يدور المسلسل حول قضية تأخر الإنجاب والبحث عن حلول يعتبرها المؤلف منطقية، إلا أنني وجدت في بعض الطروحات كوارث فكرية تم تقديمها ضمن أحداث العمل، ما دفعني إلى كتابة هذه السطور. من بين هذه الطروحات، رصدت عدة قضايا جدلية، منها:

الرحم البديل ... تعد هذه الفكرة دخيلة على مجتمعاتنا العربية، وقد تؤثر على نظرة العامة تجاه هذه الممارسات المستجدة دون العودة إلى الأسس الأخلاقية التي نشأنا عليها. فرغم أننا لا ندعي المثالية، إلا أنه ينبغي توخي الحذر عند التعامل مع المستجدات، إذ تعلمنا منذ الصغر أن "ليس كل ما يلمع ذهبًا". ومن هذا المنطلق، أرى أن هذا الطرح يعد نوعًا من الزنى المقنَّع، ولا يحتاج الأمر إلى الرجوع للمراجع الدينية لإثبات ذلك .

تغييب الرب ... من أكثر الأمور اللافتة في المسلسل هو غياب أي حضور ديني في سياق الأحداث، ولا أدري إن كان ذلك مقصودًا من قبل المؤلف أم لا. لكن من خلال متابعتي للعمل، لم أرَ مشهدًا واحدًا يُطرح فيه الدين كطرف في النقاش. وهذا يتماشى مع الفكرة الرأسمالية السائدة اليوم، والتي تسعى إلى استبعاد الذات الإلهية من معادلات الحياة واستبدالها بأي شيء، حتى لو كان الإنسان نفسه. فليس من المعقول تناول موضوع بهذه الحساسية دون الإشارة إلى الرأي الديني فيه .

تدمير النسيج العائلي ... وسط حالة الفوضى التي تشهدها المجتمعات العربية اليوم نتيجة ما يُعرف بـ"حرية المرأة"، التي تتبناها بعض الشخصيات والمنظمات النسوية، نشأت حالة من التشويش في الفكر العام لدى المرأة حول مفهوم الحرية وطريقة ممارستها بسبب التوجيه الخاطئ. إلا أن المسلسل زاد الطين بلة من خلال الطريقة التي قدم بها معالجة القضايا العائلية، إذ استخدم مصطلح "غيّر حظك"، في إشارة إلى إمكانية التخلي عن الأسرة بسهولة، وهو ما يشكل دعوة صريحة لاعتبار العائلة أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، ونزع القدسية عنها. كما اعتمد المسلسل تقنية "دس السم في العسل"، بحجة الانتصار للحب، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلًا .

الخلاصة ... من الناحية الفنية، يُعتبر المسلسل من الأعمال التي تتمتع بتقنيات إخراجية عالية المستوى، كما يضم نخبة من الأسماء اللامعة التي أضافت له نكهة مميزة. إلا أن ما يُؤخذ عليه هو تمرير بعض المفاهيم المغلوطة التي قد تترك أثرًا كبيرًا في ذهن المشاهد.

وبهذا، نكون قد قدمنا عرضًا تفصيليًا للعمل من الناحيتين الفنية والفكرية، ويبقى التقييم النهائي للمشاهد. غير أن مسؤوليتنا كأصحاب أقلام تستوجب علينا مراقبة الأعمال الدرامية، نظرًا لكونها على تماس مباشر مع الذوق العام، ولما لها من تأثير بالغ في المنظومة الأخلاقية للمجتمع .

 

الأربعاء، 19 فبراير 2025

مقال

 

بيروقراطية المؤسسات

تحت عنوان

مصطلحات تُسقط الأنظمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كما هو الحال في جميع المسارات الفكرية في عالمنا العربي، تعاني هذه المسارات من أزمة التعامل مع المصطلحات على أرض الواقع، ومن بين تلك المصطلحات نجد "البيروقراطية". لمعرفة المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وما يترتب عليها من مزايا وسلبيات، وما نشهده اليوم من التطبيق الحرفي لها، سنجد أن الخلل يكمن في نوعية الشخصيات التي تتبنى مفهوم العمل بالمصطلحات، إذ إنها قادرة على تغيير مشاهد الواقع البشري.

كثيرًا ما نرى اليوم من يدّعي الصلاح في زمن الفساد، وفي رأيي المتواضع، فإن هذه الحالة في هذه الفترة تُعدّ نوعًا من أنواع الغلو.

تأليه المسؤول ... إن أسوأ أنواع البيروقراطية هو تأليه المسؤول. لقد بحثتُ في كل ما كتبه علماء النفس والاجتماع، ولم أجد تفسيرًا مقنعًا لما نشهده اليوم من تفشي هذه الظاهرة، ويعود السبب في ذلك إلى التطبيع الأخلاقي لمنتسبي الدولة، الذين يحرصون على بناء مجموعة من الأتباع الأقرب شبهًا بالمسؤول. ومن الظواهر التي تزيد من أعباء المواطن، قيام رجال السلطة ببناء جدارٍ عازل يمنع رؤية الخلل في العمل الإداري، مما يحول دون تقويمه، وترك الموضوع لمجموعة قوانين عمياء تنتمي إلى أصل المصطلح دون مراعاة للواقع.

شبابيك الذل ... من أغرب ما قد تواجهه اليوم، أن الدولة بأكملها تتمثل في شباك، وأن الذين يجلسون خلف ذلك الشباك هم أشخاص لا يعترفون إلا بالأوراق الرسمية التي تتطلب منك جهدًا أسطوريًا للحصول عليها. هذا الأمر يفتح المجال أمام الفساد، إذ نجد اليوم أن العديد من دوائر الدولة لها "مفتاح" متمثل في شخص واحد يُمسك بتفاصيل العمل، فيصبح هو المحور الأساسي في جميع المواضيع الإدارية.

دور المسؤول ... قد يسأل البعض: أين دور المسؤول فيما يحدث؟ والإجابة ستكون: "إن حضر لا يُعد، وإن غاب لا يُفتقد."

يعود ذلك إلى أن كثيرًا ممن يتولون المناصب لا يتم اختيارهم لكفاءتهم، بل هي قضية صدفة أو ما يُعرف بمصطلح "المحاصصة السياسية". وغالبًا ما يكون المسؤول عديم الخبرة، وإن وُجدت لديه خبرة، فستكون خبرة استعراضية تقتصر على إسقاط من سبقه في الإدارة. فتجده قبل تولي المنصب من أكثر الملتزمين بالقوانين والأنظمة، ولكن بمجرد وصوله إلى الكرسي، يتحول إلى نموذج أسوأ ممن سبقه، فقط لإرضاء من أسند إليه المنصب.

بهلوانيات الصغار ... وهنا تستحضرني رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إذ يُحكى أن أحد حراس السجن سأله: "هل أنا من أعوان الظالم؟" فكان رد الإمام صادمًا، إذ قال له: "لا، ولكنك شريك في الظلم، أو ظالم لنفسك."

إن تنفيذ حكم ظالم وأنت على دراية بأنه جائر هو بحد ذاته ظلم. واستكمالًا للرواية، فإن أعوان الظالم هم من يقومون بطهو الطعام له أو خدمته بشكل مباشر. وهذا ينطبق اليوم على صغار الإداريين الذين يظلمون أنفسهم، وسيُسألون يوم العرض الكبير، وستكون إجابتهم: "كنّا مأمورين." وهنا أُذكرهم بالمقولة الشهيرة: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق."

الحقيقة أنني لا أزال أجهل طريقة تفكير هؤلاء في التعاطي مع هذه الأعمال، وقد يصل بهم الأمر إلى الوقوع في الشرك والعياذ بالله.

الهالة الكاذبة ... يقصد بها تعظيم الحدث وتضخيمه، وقد تستغرب أن هذه الظاهرة تعدُّ إحدى إفرازات البيروقراطية المقيتة. إنها نتيجة مباشرة للمضي في الاستعراضات الوهمية للتغطية على الإخفاقات الإدارية، حيث يتمسك المسؤولون بمناصبهم على حساب العمل الفعلي. ترى منهم العجب العجاب في هذا السياق، حيث يُقيمون الحملات الإعلامية الكاذبة لإعطاء العامة صورة زائفة عن إنجازاتهم، ولو كانت وهمية، مما يؤدي إلى ترسيخ البيروقراطية في مفاصل الدولة.

النتائج ... لكل منهج فكري نتائجه الحتمية التي تنبع من أصله، والبيروقراطية ليست استثناءً. ومن أبرز نتائجها الترهل الإداري في اتخاذ القرارات، والتركيز على المكتسبات الشخصية للمسؤولين على حساب المصلحة العامة، وانعدام الثقة في السلطتين التشريعية والتنفيذية. كل هذا يؤدي إلى خلق حالة من الاحتقان الشعبي، والذي قد تكون له عواقب وخيمة في المستقبل، من بينها عرقلة تقدم عجلة التنمية وإعاقة بناء الدولة.

الخاتمة ... في النهاية، أود أن أنهي ما بدأت به بمقولة طريفة يرددها الدكتور صفوان ناظم، الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب، فعندما يسمع كلامًا لا يعجبه يقول: "يسلم عليك محمد فوزي!" وهذا بالضبط ما أودّ قوله لدعاة المصطلحات الهدامة في هذا البلد.

الخميس، 6 فبراير 2025

مقال

 

معضلة العقل العامل

تحت عنوان

حديث على هامش المهرجان السينمائي الأول للمدينة الموصل


بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين

ليست هذه السطور تقسيطًا أو استهدافًا لجهة معينة بقدر ما هي صورة نقدية بناءة تهدف إلى تصحيح المسارات العاملة. وما يثير غضبي في الموضوع برمته هو عملية استغباء الجهات الثقافية من خلال السعي خلف صناعة الإنجازات الوهمية. ولست بهذا ضد دعم المشهد الثقافي في مدينة الموصل، لكنني أعارض الأعمال الوهمية التي تُقدَّم بصفة إنجازات.

في ظل نظام متهالك فكريًا، تم اختيار رجل من هذه المدينة لتولي منصب وزير الثقافة، وقد استبشرت المدينة خيرًا بهذا الاختيار. لكن إذا ما عدنا لاستعراض أهم التغييرات التي كان من الممكن أن تستفيد منها المدينة، فسنجد ما يلي:

المشهد الثقافي ... إذا نظرنا إلى العقبات التي تواجه المسار التوعوي في هذا المجال، فسنجد كوارث حقيقية. فمن غير المعقول أن يُقام مهرجان سينمائي في مدينة لا تملك مقرًا لنقابة الفنانين، ولا أي دور إبداعي سوى قضايا شكلية لا تليق بها أصلًا. وهذه الحالة تشبه ما يحدث في المؤسسات الثقافية الأخرى والنقابات التابعة لها. هذا لا يعني أن المدينة تفتقر تمامًا إلى الإنجازات الحقيقية في هذا المضمار، لكنها جهود فردية أو أعمال تابعة لمنظمات غير حكومية، بينما لا تمتلك الوزارة أي علاقة بالمضمون الحقيقي الذي يتطلبه اسمها.

المهرجان السينمائي الأول ... المصيبة الكبرى تكمن في أن القائمين على العمل غير مدركين لأصول إقامة المهرجانات من هذا النوع. فلهذه الفعاليات أسس وقواعد يجب اتباعها بطريقة صحيحة، كما هو الحال في المهرجانات العالمية. ولست هنا أطالب بنموذج مثالي يماثل المحافل الفنية في شتى بقاع الأرض، ولكن على الأقل يجب أن نطبق المثل الشعبي القائل: "غنم لم نرَ، بعرور أيضًا لم نرَ". أي أننا نتابع كل الأنشطة المشابهة لهذا المهرجان، وكان من الواجب على الهيئة الوزارية قبل الشروع في إقامة هذا التجمع أن توفر ما يلزم لحتمية الحدث، مثل تأسيس دور عرض سينمائية في المدينة، كونها من أبرز الظواهر الحضارية للمدن والمجتمعات.

ملاحظات ... من خلال متابعتنا للأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول المهرجان، لاحظنا غياب العنصر الأهم في الحدث، وهو العنصر الوطني والمحلي، إلى جانب غياب الناقد الفني الاحترافي الذي يمكنه تقييم الأعمال المقدمة بموضوعية. كما لوحظ تغييب متعمد وانعدام التنسيق بين المؤسسات الثقافية والهيئة المنظمة، بالإضافة إلى تجاهل الرائدين في هذا المجال من خارج العراق، وهو ما ساهم في ضعف الدعم الإعلامي من قبل الكثير من مثقفي المدينة، فاقتصر الحضور على المنتسبين للدوائر الرسمية المنظمة.

النهاية ... يجب أن يدرك الجميع أن إقامة المهرجانات لا تعتمد على وجود فنادق فاخرة أو مجرد إيجاد مسرح لإقامة الفعاليات، فالمسرح فن مستقل، والسينما شيء آخر تمامًا. لذا، لا بد من العمل بجدية على تأسيس معايير صحيحة لفكرة إقامة المهرجان.

وأخيرًا، أود أن أختم ببعض الدعابة: من الضروري إقامة العديد من هذه الفعاليات السينمائية، لسبب بسيط؛ وهو أن العراق اليوم بأسره أصبح، كما نقول بالعامية: "سينما لامة، لا إله إلا الله"! وذلك بسبب الأفعال التي يرتكبها النظام السياسي الحاكم، من مصادرة حقوق الشركاء في العملية السياسية، وإقامة شراكة بين الدولة والفساد والدولة العميقة، ما أدى إلى إنتاج عدد كبير من "الأفلام"، التي قد تكون مادة دسمة للأعمال السينمائية! ولهذا، نحن الأحق بإقامة تلك المهرجانات.

 

الخميس، 30 يناير 2025

مقال

 

تجريم المال

تحت عنوان

حقائق صادمة

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



يكثر في هذه الأيام ترديد مقولة "الفلوس وسخ دنيا"، وهي أكبر الأكاذيب التي يسعون لإقناعنا بها، في حين أنهم أنفسهم يسعون وراء المال بكل السبل، حتى لو كان ذلك على حساب البشرية جمعاء. ومن بين تلك السبل إقامة الحروب، وإشعال المجاعات في مختلف بقاع الأرض.

وتبدأ القصة منذ ظهور الشعارات التي تكرَّس في أذهان الشعوب، مثل "الاشتراكية" و"الرأسمالية" وغيرها من المصطلحات المرتبطة بإدارة المال العام. ولكل من هذه الأنظمة عيوب قد تصل إلى حد الكارثة، وها نحن اليوم نشهد نتائجها، ومنها:

التجرد من الإنسانية: أصبح الإنسان يسعى وفق مبدأ "أنا ومن بعدي الطوفان"، مما ساهم في تدمير العلاقات الإنسانية، فلم يعد هناك قيمة لكلمات عظيمة كانت جزءًا من حياتنا اليومية، مثل "الترابط الأسري". وأصبحت مصطلحات (الأب، الأم، الأخ، الصديق) مجرد ألفاظ فارغة المعنى، بعد أن أفرغها المال من مضمونها، نتيجةً للصراع المقيت الذي لا يبقي ولا يذر.

حتى تحوّل كل شيء إلى معايير جديدة، ولم تعد هناك قوانين كانت تمثل أسس الفطرة الإنسانية؛ فلم يعد الليل للراحة، ولا النهار للمعاش، ولم تعد هناك قيم راسخة. بل انتشرت أفكار دخيلة على المجتمع، مثل (التفاهة، الكذب، الاحتيال، واحتقار المشاعر)، مما صنع عالمًا أقرب إلى كيان مشوّه بلا ملامح. وهنا تذكرت قول الله تعالى:

"وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ" (الحج: 2).

وإذا أمعنّا النظر في أحوال البشر من حولنا، نجد أن الأوضاع قد تبدلت؛ فكثرت حالات الطلاق، وانقطعت صلة الأرحام، وأصبح الدين مجرد غطاء لارتكاب المعاصي، بحجة أن الصلاة كفّارة لما يفعلون. وهم بهذا كاذبون، لأن الصلاة تُكفِّر الذنوب غير المقصودة، أما ما يُمارس اليوم فهو أحد أبواب النفاق، والعياذ بالله. وكل تلك الجرائم تُرتكب باسم المال، ومن أجله.

الحل ... تكمن الحلول في العودة إلى الجذور، وتغيير المسارات العائلية من خلال غرس القيم النبيلة في العقل الباطن للطفل، وتعليمه أن هناك مفاهيم تتجاوز المال، وأن الإنسانية ينبغي أن تكون المقياس الأهم في تقييم البشر، لا الثروة.

إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن، فلن يكون هناك أسرة، ولا روابط عائلية، ولا حتى قيم اجتماعية. وهذه هي الكارثة الحقيقية. ومن هنا، تأتي هذه الكلمات كمحاولة لتوثيق الحالة التي نعيشها اليوم، وإيصال رسالة إلى الكثيرين. قد لا يُكتب لنا النجاح في ذلك، لكن يكفينا شرف المحاولة.

النهاية ... ليس فينا نبي ولا معصوم، بمن فيهم كاتب المقال، لكن ما نعيشه اليوم هو الجنون بعينه، والناس منشغلون عما يفعله المال بحياتهم. ولهذا، ينبغي سنّ قانون لتجريم المال ضمن الأطر الإنسانية، والسير نحو عالم أكثر إنسانية.

الخميس، 23 يناير 2025

مقال

 اقرأ وعقل

تحت عنوان

أخلاقيات الدين الإسلامي

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



"(شَعره من جلد خنزير)"، مقولة تتردد الآن في الأوساط الاجتماعية لتبرير السرقة من أموال الدولة. في هذه السطور، سنستعرض بعض المواقف والأحداث التي يوصي بها ديننا الحنيف. قد يتساءل أحدكم: هل انتقل البارون من الحديث عن العقل والمنطق إلى الساحة الدينية؟ وهنا يكون الجواب: (لا)، ولكن هناك مقولة شعبية سأعمل بها: "الذي ما يجي معك، تعال معو". وبما أن المجتمع يدّعي التدين في الغالب، سأتحدث إليهم بما يريدون أن يقرأوا، لعلهم يعقلون.

البداية ... رُوي عن إحدى بنات بشر الحافي، رحمه الله، الذي كان زاهدًا متعبدًا، وبعد وفاته ترك بناته بلا معيل، فقررن العمل في نسج الصوف. في أحد الأيام، ذهبت إحدى بناته إلى الإمام أحمد بن حنبل تستفتيه في قضية معينة. وعند دخولها عليه، سألها: ما حاجتك؟ فقالت: يا إمام، نحن بنات ليس لنا معيل ولدينا عمل. فقال لها: "أين حاجتك؟" فأجابت: "نحن نحيك الصوف على ضوء القمر، لكننا ننتظر مرور العسس (الحرس الليلي) في حيّنا، حيث يحملون المصابيح، فنستفيد من ضوئها في عملنا. ولي ريبة فيما نفعل، حيث إن الحاكم يوصف بالظالم في زماننا".

فقال لها الإمام: "من أي الأنساب أنتِ؟" أجابت: "نحن بنات بشر الحافي". فقال الإمام: "اذهبن، فأنتن من بيت يخرج منه الورع. لا يجوز".

في هذه الرواية دروس عظيمة تصب في صلب موضوعنا هذا. اليوم، نرى الكثيرين يحللون لأنفسهم الاحتيال وسرقة المال العام. الأغرب، أنهم يقفون في الصفوف الأولى في المساجد! هذا التناقض بين القول والفعل يجعل المرء يتساءل: كيف يبررون أفعالهم بسوء النظام الحاكم؟ هذه حجة واهية يستخدمها ضعاف النفوس لتبرير ما يفعلون.

المشكلة اليوم ... كثيرًا ما نسمع مثل هذه المبررات تتردد على ألسنة ضعاف النفوس دون أي رادع من الضمير. السبب في ذلك هو غياب القانون وضعف السلطات القانونية. لهذا، نحتاج إلى جهود كبيرة في الإطار التوعوي لرسم مسارات إسلامية صحيحة. يجب أن تتوفر مناهج إسلامية مغايرة لما هو متداول اليوم بيد العامة، لتعريف الناس بما يجب عليهم اتباعه، وما يحتاجه العقل المعاصر اليوم من توعية.

النهاية ... الإسلام بريء مما يدّعون. فهو أسمى وأعظم بكثير من تلك النصوص التي ساهمت في شقّ عصا الجماعة في المجتمع الإسلامي. إذا ما أعدنا النظر في كل ما ورد إلينا من نصوص بعد وفاة الرسول ﷺ، وكتبنا التاريخ الإسلامي وفق معايير أخلاق الإسلام الحقيقي، سنكون أمام انطلاقة جديدة لبناء قوام سليم لمجتمع قوي ومتحد.


الثلاثاء، 21 يناير 2025

قصيدة

 

معركتي أنني لازلتُ على قيد الحياة

قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


ما زلتُ أحملُ في حقيبتي

بضعَ ذكرياتٍ،

فيها

أيامٌ صعبة،

وشخوصٌ مزّقتني ذاتَ يومٍ،

لكنني...

لا زلتُ على قيدِ الحياة.

 

قد يموتُ يوماً

القلمُ،

وتقرّرُ القصيدةُ الانتحار.

وقد أكونُ ذاتَ يومٍ وحدي،

أردّدُ فقط قصائدي القديمة،

أو أدمنُ الجلوسَ

في المقهى القديم،

وهو وقتٌ مستقطعٌ

أحصي فيهِ... عددَ الإخفاقات،

أو عددَ الشخوص

الذينَ سقطوا من مخيّلتي،

لأعودَ كملكٍ مهزوم،

لكنني...

لا زلتُ على قيدِ الحياة.

 

لأخرجَ بعدها...

ورقةً صغيرةً من جيبي

أكتبُ فيها

كلَّ الأسماءِ التي عرفتها

والتي لم أعرفها بعد،

لأتّخذَ القرارَ بعدها

بتمزيقِ تلكَ الورقة،

وأمحو بعدها كلَّ الذكرياتِ... القديمة.

لكنني...

لا زلتُ على قيدِ الحياة.

 

وبعدَ مرورِ الوقت،

ليُخبروكَ أنَّكَ لم تكنْ هنا،

وأنكَ لم تلتقِ بأحدٍ،

وأنكَ لم تكتبِ القصيدةَ،

ولم يكنْ لكَ يوماً... حبيبة.

لتكونَ بعدها

متّهماً... بارتكابِ جريمة:

وهي... أنني عشقتُ الحياة.

 

عندها قرّرَ القومُ

قتلي،

وأن أُسجَّلَ في قوائمِ الوفيّات.

لكنني...

لا زلتُ على قيدِ الحياة.

الاثنين، 6 يناير 2025

مقال

 الشعب والنظام

تحت عنوان

أول الرقص حنجلة



بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين

"كيفما تكونوا يولى عليكم" قاعدة لا تقبل الخطأ. المكان العراق والزمان نهاية عام 2024 ، وفي الآونة الأخيرة، برزت أزمة تأخير الرواتب، مما فتح الباب للتأويل حول الأسباب التي ساهمت في تفاقم الوضع. ومن خلال هذه الأزمة، ظهرت شخصيات على حقيقتها عبر ما يكتبونه على مواقع التواصل الاجتماعي أو من على منصاتهم الإعلامية. كانوا يقدمون أنفسهم كمدافعين عن الحقوق وداعمين للعام، ولكن الواقع كشف زيفهم.

الاستخفاف بالمواطن ... هي السياسة المتبعة من قبل النظام منذ السنوات الأولى لتوليه الحكم، إذ كان المواطن آخر اهتمامات الكابينة الحكومية. إذا أردنا صياغة إدارة حكومية تدعي أن لها قاعدة شعبية، فيجب أن تكون هناك قنوات لها علاقة مباشرة بالمواطن. لكن الحقيقة المؤسفة هي أن بعض الإدارات التي تحتل المناصب اليوم تجعل الوصول إليها أصعب من الصعود إلى القمر، مما أسهم في بناء جدار عازل عن القضايا الشعبية.

تفاقم الأمر إلى أن أصبحت السلطات الحكومية غير مهتمة بتقديم التبريرات للعامة بشأن العديد من القضايا. وهذا ما ساهم في انتشار الأخبار الكاذبة التي تخص الأزمات.

الإعلام الكاذب ... الإعلام الكاذب هو السبب الرئيسي في إسقاط معظم الأنظمة في هذا العالم. وهنا يستحضرني مثال من التراث:

"يحكى أن شيخ عشيرة سأل عن حال العشيرة، فقيل له: إن العشيرة بخير، لكن ينقصها خام وطعام".

هذا القول يمكن إسقاطه على الواقع الذي نعيشه اليوم. نرى طبولًا قذرة تدافع عن الإخفاق الحكومي، وتقدم تبريرات معيبة بحق مطلقها. وهؤلاء، كما يدّعون، شخصيات تقود تجمعات ثقافية، ولكن الثقافة بريئة منهم.

المستفز في الموضوع أن هؤلاء هم أنفسهم من، إذا ما تغير النظام، يتحولون فجأة إلى أبطال يدّعون أنهم كانوا يقارعون الباطل من أجل الحق. إنهم يشبهون شخصية الطبال الذي يعزف للراقصة في الملهى الليلي، حيث تتوزع الأدوار بين الطبال (هؤلاء الشخصيات)، الراقصة (النظام)، والملهى (البلد).

القائد الجبان ... القائد الجبان هو من جاءت به الصدفة لتولي المنصب، أو من وصل إلى سدة الحكم بمساعدة قوى خارجية. كما هو الحال اليوم مع من هم في واجهة السياسة. يتميز هذا القائد بالاضطراب في اتخاذ القرار، وغالبًا ما تكون قراراته آنية وغير مدروسة.

هو من يرضي سادته على حساب العمل الإداري والعامة، ويختار مسؤولين في دائرته يشبهونه في الخضوع والضعف.

احذروا هؤلاء ... هناك شخصيات تتصدر الواجهات الإعلامية. لا أقصد أولئك الذين يدافعون عن النظام علنًا، بل أشير إلى من يدّعون معارضة النظام، بينما هم في الحقيقة أجندة تابعة للأجهزة الأمنية، تُستخدم عند الحاجة لتضليل الرأي العام.

هؤلاء، الذين يمكن وصفهم بـ"ذيول النظام"، هم الأخطر لأنهم يسهمون في إعطاء صور كاذبة عن الوضع العام، مما يؤدي إلى إرباك العمل الحكومي.

النهاية ... "من يعيش بالحيلة يموت بالفقر". هذه نتيجة العمل الحكومي المبني على استعراض الإنجازات الوهمية التي تنتهجها السلطات اليوم.

قد تكون هذه بداية الانهيار الحقيقي. وما لا أريد الإفصاح عنه هو أن كل شيء بات مرهونًا بالوقت. النهاية الدراماتيكية للنظام أصبحت قضية حتمية، وكما يقول المثل الشعبي: "الله وياك عبوسي".

مقال

  مزايا القرف في هذا العالم تحت عنوان هذه حقيقة البشرية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه ...