بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 مارس 2025

مقال

 

 اختلط الحابل بالنابل

تحت عنوان

مقولات غيّرت وجه المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية مع مقولة لأبي - رحمه الله - مفادها: "سوف يأتي زمانٌ، مَن لا يفعل الفاحشة فيه يُرمى بالقشور". في ذلك الوقت، لم أفهم المقصود تمامًا، لكن مع مرور الأيام، أدركت أننا نعيش تفاصيل هذه المقولة اليوم. لذا، من الضروري توضيح أبعادها في هذه السطور.

الرجال... هناك مقولة شائعة تقول: "الرجل لا يعيبه إلا جيبه"، وأعتبر هذه الكلمات بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لا أعلم تحديدًا مقصد من أطلقها آنذاك، لكن ما أدركته أن هناك عملية طمس متعمّد لكثير من مفاهيم الرجولة. حتى أن السينما المصرية طرحت مقولة مشابهة: "أنا لا أكذب ولكن أتجمّل".

لتوضيح الأمر، لا بد من تقديم صورة للقارئ عن الصواب والخطأ في هذا السياق. فقد تعلمنا منذ الصغر أن الرجل هو منظومة قيم متكاملة، من أبرزها: الصدق، الوفاء، والكرم، إضافة إلى العديد من الصفات النبيلة الأخرى. وعليه، فإن الكذب يُعد سلوكًا معيبًا في الرجل، فالطفل عندما يكذب يُقال عنه "صغير العقل"، أما الرجل الكاذب، فبماذا يمكن وصفه؟ لا أجد مصطلحًا مناسبًا يوازي هذا الفعل في حقه.

أما الصفة الثانية التي تهدم كيان الرجولة فهي البخل. فما فائدة أن يكون جيب الرجل ممتلئًا، بينما يضع على بابه جدارًا حديديًا يمنع العطاء؟ وما يزيد الطين بلة، أن يكون سيئ الخُلق. واليوم، باتت هذه القيم مجرد تراثٍ يُذكر في أحاديث المجاملات بالمجالس.

المرأة... ضاعت بين المحاسن والمفاتن! فقد كانت هناك قيم مجتمعية تحث المرأة على التفاخر بمحاسنها، بينما تبقي مفاتنها محفوظة لما بعد الزواج، كنوع من التقدير لمكانتها. أما اليوم، فقد انتشرت ظاهرة جديدة تُهدد أسس بناء المجتمع، حيث تقوم العديد من النساء والفتيات بتصوير أنفسهن بطريقة مزرية؛ يُركزن فيها على عرض سيقانهن أو مقدمة صدورهن، بينما يخفين وجوههن. وهنا حصل الخلط بين المحاسن والمفاتن، نتيجةً لتأثير "غواني المجتمع المدني" اللواتي يسعين إلى تشويه صورة المرأة تحت شعارات الحرية المزعومة.

ومن بين المقولات الشائعة اليوم: "مَن لا يتغير، يتبدل"، وهي دعوة صريحة لهدم البناء العائلي. وهنا يجب التنويه إلى وجود نوعين من "الغواني": الأولى تمارس الفحشاء بجسدها، والثانية تمارسها بسلوكها المشين. ويؤكد المثل الشعبي: "لا تفسد المرأة إلا امرأة"، وهذه هي الكارثة الحقيقية.

الخلاصة... لنعد إلى مقولة أبي - رحمه الله - حيث نجد اليوم أن العديد من النساء الملتزمات أخلاقيًا يتعرضن للاتهام بالرجعية والتخلف، وهذه هي "القشور" التي تحدّث عنها. والأمر لا يقتصر على النساء فحسب، بل يمتد إلى الرجال أيضًا. فمن يستطيع اليوم أن يطبّق حديث النبي الكريم: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلقه فزوّجوه"؟ لقد فقد هذا الحديث قيمته في زمننا هذا، حيث أصبحت المعايير مختلفة تمامًا.

كما امتدت المفاهيم المغلوطة إلى التربية الأسرية، عبر مقولة: "إذا كبر ابنك، خاويه"، التي فُهمت خطأ على أنها تعني أن يعامل الأب ابنه كصديق، بينما المعنى الحقيقي هو أن ينجب الأب طفلًا آخر إذا بلغ ابنه الأول سن الرشد. لكن تم الترويج للمعنى المغاير، حتى صار يُبرر للابن التحدث مع والده دون أي ضوابط أو احترام، مما ينافي أصول التربية الصحيحة.

النهاية... عندما تُشوَّه المفاهيم، يصبح من الطبيعي أن نرى ونسمع العجائب في مجتمع يعيش اليوم حالة من التخبط، وظهور مظاهر تنافي ما نشأنا عليه. وللخروج من هذا المأزق، لا بد من تفعيل دور العالم الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بطرح النظريات على الورق، بل تطبيقها على أرض الواقع. وهذا يتطلب تكاتف الجميع لإعادة بناء المجتمع، بعيدًا عن المقولات المسمومة التي يتم الترويج لها. فهذه هي الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار واستعادة القيم الأصيلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...