العراق ... ولماذا نحن على هذا الحال؟
تحت عنوان
قصتنا مع الحرام
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
سنوات من الانحدار الفكري والأخلاقي خلّفت الكثير من
المآسي والويلات التي أنهكت المواطن بشكل كبير. ومن الطبيعي أن يتولّد لدى البعض
السؤال الأهم في هذا السياق: لماذا نحن على هذا الحال؟
الإجابة تكمن في مصطلح "الحرام" وعلاقته
بالواقع الذي نعيشه، وهنا تبدأ الحكاية.
غزو الكويت (1990) بداية الانحدار ... عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت عام 1990، لم تكن
النكبة مقتصرة على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى سلوكيات المجتمع. فعمليات
السلب والنهب التي قام بها ضعفاء النفوس في ذلك الوقت كشفت جانبًا مظلمًا في
العقلية الجماعية.
ولو سألت اليوم كل من شهدوا تلك الفترة، ستجد أن الجميع
يتبرّأ من هذا الفعل، وكأن من ارتكبوا هذه الجرائم كانوا "جنودًا
فضائيين" لا وجود لهم!
لكن الحقيقة أن الأسواق العراقية امتلأت بالبضائع
المنهوبة من الكويت، حتى إنني ما زلت أتذكر نوعًا من البسكويت يُباع في الأسواق
يحمل اسم "توتو"، وكان جزءًا من المسروقات التي تدفقت إلى العراق في ذلك
الوقت.
سقوط النظام (2003) سرقة الوطن ... تكرر المشهد عام 2003، ولكن هذه المرة لم يقتصر النهب
على ممتلكات دولة أخرى، بل سُرِق الوطن نفسه. فقد اجتاحت الفوضى البلاد، وشملت السرقات
كل شيء: المؤسسات الحكومية، المرافق المدنية، المعسكرات العسكرية، وحتى
المستشفيات.
وصل الأمر إلى حد أن بعض النساء سرقن أجهزة طبية متخصصة،
وعندما سُئلت إحداهن عن سبب سرقة جهاز "سونار"، أجابت بكل بساطة:
"لأنني لا أملك تلفازًا في المنزل!"
وهكذا، ترسّخت أيديولوجية اللصوصية في العقل الجمعي حتى أصبحت ثقافة عامة، وليس مجرد سلوكيات فردية عابرة.
في وقتنا الحاضر والنتائج الكارثية ...اليوم، نعيش تداعيات تلك الانهيارات الأخلاقية (سفك دماء
بلا وازع وتفكك الروابط الاجتماعية وقطع الأرحام وانتشار التفاهات على حساب القيم
وتسيد السفلة المشهد العام وتغييب العقل والمنطق) ، وكما يقول المثل الشعبي:
"ذاك الغيم جاب هذا المطر"، فنحن اليوم نعيش في مجتمع يجري فيه
"الحرام" مجرى الدم، مما قد يؤدي إلى كوارث أشد مما نراه الآن. فقد
أصبحنا مجتمعًا خاليًا من القيم الإنسانية النبيلة، ومن المبادئ الأخلاقية، ومن
العلاقات المبنية على الصدق والمصداقية.
المعضلة الحقيقية غياب الوعي ... المشكلة الجوهرية ليست فقط في السلوكيات، بل في غياب
الدور التوعوي على المستويين الفردي والاجتماعي.
منذ سقوط النظام الملكي عام 1958، لم تتوقف الحكومات
المتعاقبة عن إشغال الرأي العام بأزمات مزمنة، لضمان استمرارية الأنظمة المتوالية.
والنتيجة؟ ترسيخ ثقافة اللصوصية في المجتمع، بل وتشريع قوانين تحمي اللصوص، مما
منح ضعاف النفوس الشرعية الكاملة لاستغلال الوضع لمصالحهم الشخصية.
الحل ولادة الوعي ... الحل لا يكمن في تغيير الأسماء أو استبدال الأشخاص، بل
في تغيير طريقة التفكير. مشكلتنا ليست في "زيد" أو "عمر"، بل
في طريقة تفكير الأفراد واكتسابهم للوعي.
كل المخلوقات على الأرض تمتلك العقل، ولكن ليس جميعها
تمتلك الوعي. بغياب الوعي، تتحول الأرض إلى غابة!
لذا، نحن بحاجة إلى برامج ثقافية تُعيد بناء الإنسان،
وتهيئة بيئة مناسبة لولادة الوعي لدى العامة. وهنا يأتي دور الوازع الديني،
باعتباره إحدى أهم المرجعيات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.
الخاتمة... قرار التغيير بأيدينا كل فعلٍ له رد فعل، وما نعيشه اليوم هو نتيجة تبني قيم
ومبادئ دخيلة علينا. لكن المفاجأة الكبرى تكمن في الحقيقة التي قالها الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ
اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"
ومن هنا، ندرك أننا أمام اختبار صعب. فإذا أردنا
التغيير، علينا أن نبدأ من الداخل، ونعمل جميعًا على ولادة ذلك الكائن القادر على
تغيير كل شيء... وهو "الوعي".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق