بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 6 فبراير 2025

مقال

 

معضلة العقل العامل

تحت عنوان

حديث على هامش المهرجان السينمائي الأول للمدينة الموصل


بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين

ليست هذه السطور تقسيطًا أو استهدافًا لجهة معينة بقدر ما هي صورة نقدية بناءة تهدف إلى تصحيح المسارات العاملة. وما يثير غضبي في الموضوع برمته هو عملية استغباء الجهات الثقافية من خلال السعي خلف صناعة الإنجازات الوهمية. ولست بهذا ضد دعم المشهد الثقافي في مدينة الموصل، لكنني أعارض الأعمال الوهمية التي تُقدَّم بصفة إنجازات.

في ظل نظام متهالك فكريًا، تم اختيار رجل من هذه المدينة لتولي منصب وزير الثقافة، وقد استبشرت المدينة خيرًا بهذا الاختيار. لكن إذا ما عدنا لاستعراض أهم التغييرات التي كان من الممكن أن تستفيد منها المدينة، فسنجد ما يلي:

المشهد الثقافي ... إذا نظرنا إلى العقبات التي تواجه المسار التوعوي في هذا المجال، فسنجد كوارث حقيقية. فمن غير المعقول أن يُقام مهرجان سينمائي في مدينة لا تملك مقرًا لنقابة الفنانين، ولا أي دور إبداعي سوى قضايا شكلية لا تليق بها أصلًا. وهذه الحالة تشبه ما يحدث في المؤسسات الثقافية الأخرى والنقابات التابعة لها. هذا لا يعني أن المدينة تفتقر تمامًا إلى الإنجازات الحقيقية في هذا المضمار، لكنها جهود فردية أو أعمال تابعة لمنظمات غير حكومية، بينما لا تمتلك الوزارة أي علاقة بالمضمون الحقيقي الذي يتطلبه اسمها.

المهرجان السينمائي الأول ... المصيبة الكبرى تكمن في أن القائمين على العمل غير مدركين لأصول إقامة المهرجانات من هذا النوع. فلهذه الفعاليات أسس وقواعد يجب اتباعها بطريقة صحيحة، كما هو الحال في المهرجانات العالمية. ولست هنا أطالب بنموذج مثالي يماثل المحافل الفنية في شتى بقاع الأرض، ولكن على الأقل يجب أن نطبق المثل الشعبي القائل: "غنم لم نرَ، بعرور أيضًا لم نرَ". أي أننا نتابع كل الأنشطة المشابهة لهذا المهرجان، وكان من الواجب على الهيئة الوزارية قبل الشروع في إقامة هذا التجمع أن توفر ما يلزم لحتمية الحدث، مثل تأسيس دور عرض سينمائية في المدينة، كونها من أبرز الظواهر الحضارية للمدن والمجتمعات.

ملاحظات ... من خلال متابعتنا للأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول المهرجان، لاحظنا غياب العنصر الأهم في الحدث، وهو العنصر الوطني والمحلي، إلى جانب غياب الناقد الفني الاحترافي الذي يمكنه تقييم الأعمال المقدمة بموضوعية. كما لوحظ تغييب متعمد وانعدام التنسيق بين المؤسسات الثقافية والهيئة المنظمة، بالإضافة إلى تجاهل الرائدين في هذا المجال من خارج العراق، وهو ما ساهم في ضعف الدعم الإعلامي من قبل الكثير من مثقفي المدينة، فاقتصر الحضور على المنتسبين للدوائر الرسمية المنظمة.

النهاية ... يجب أن يدرك الجميع أن إقامة المهرجانات لا تعتمد على وجود فنادق فاخرة أو مجرد إيجاد مسرح لإقامة الفعاليات، فالمسرح فن مستقل، والسينما شيء آخر تمامًا. لذا، لا بد من العمل بجدية على تأسيس معايير صحيحة لفكرة إقامة المهرجان.

وأخيرًا، أود أن أختم ببعض الدعابة: من الضروري إقامة العديد من هذه الفعاليات السينمائية، لسبب بسيط؛ وهو أن العراق اليوم بأسره أصبح، كما نقول بالعامية: "سينما لامة، لا إله إلا الله"! وذلك بسبب الأفعال التي يرتكبها النظام السياسي الحاكم، من مصادرة حقوق الشركاء في العملية السياسية، وإقامة شراكة بين الدولة والفساد والدولة العميقة، ما أدى إلى إنتاج عدد كبير من "الأفلام"، التي قد تكون مادة دسمة للأعمال السينمائية! ولهذا، نحن الأحق بإقامة تلك المهرجانات.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...