بيروقراطية المؤسسات
تحت عنوان
مصطلحات تُسقط الأنظمة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
كما هو الحال في جميع المسارات الفكرية في
عالمنا العربي، تعاني هذه المسارات من أزمة التعامل مع المصطلحات على أرض الواقع،
ومن بين تلك المصطلحات نجد "البيروقراطية". لمعرفة المعنى الحقيقي لهذه
الكلمة، وما يترتب عليها من مزايا وسلبيات، وما نشهده اليوم من التطبيق الحرفي
لها، سنجد أن الخلل يكمن في نوعية الشخصيات التي تتبنى مفهوم العمل بالمصطلحات، إذ
إنها قادرة على تغيير مشاهد الواقع البشري.
كثيرًا ما نرى اليوم من يدّعي الصلاح في زمن
الفساد، وفي رأيي المتواضع، فإن هذه الحالة في هذه الفترة تُعدّ نوعًا من أنواع
الغلو.
تأليه المسؤول ... إن أسوأ أنواع البيروقراطية
هو تأليه المسؤول. لقد بحثتُ في كل ما كتبه علماء النفس والاجتماع، ولم أجد
تفسيرًا مقنعًا لما نشهده اليوم من تفشي هذه الظاهرة، ويعود السبب في ذلك إلى
التطبيع الأخلاقي لمنتسبي الدولة، الذين يحرصون على بناء مجموعة من الأتباع الأقرب
شبهًا بالمسؤول. ومن الظواهر التي تزيد من أعباء المواطن، قيام رجال السلطة ببناء
جدارٍ عازل يمنع رؤية الخلل في العمل الإداري، مما يحول دون تقويمه، وترك الموضوع
لمجموعة قوانين عمياء تنتمي إلى أصل المصطلح دون مراعاة للواقع.
شبابيك الذل ... من أغرب ما قد تواجهه اليوم، أن
الدولة بأكملها تتمثل في شباك، وأن الذين يجلسون خلف ذلك الشباك هم أشخاص لا
يعترفون إلا بالأوراق الرسمية التي تتطلب منك جهدًا أسطوريًا للحصول عليها. هذا
الأمر يفتح المجال أمام الفساد، إذ نجد اليوم أن العديد من دوائر الدولة لها "مفتاح"
متمثل في شخص واحد يُمسك بتفاصيل العمل، فيصبح هو المحور الأساسي في جميع المواضيع
الإدارية.
دور المسؤول ... قد يسأل البعض: أين دور المسؤول
فيما يحدث؟ والإجابة ستكون: "إن حضر لا يُعد، وإن غاب لا يُفتقد."
يعود ذلك إلى أن كثيرًا ممن يتولون المناصب لا
يتم اختيارهم لكفاءتهم، بل هي قضية صدفة أو ما يُعرف بمصطلح "المحاصصة
السياسية". وغالبًا ما يكون المسؤول عديم الخبرة، وإن وُجدت لديه خبرة،
فستكون خبرة استعراضية تقتصر على إسقاط من سبقه في الإدارة. فتجده قبل تولي المنصب
من أكثر الملتزمين بالقوانين والأنظمة، ولكن بمجرد وصوله إلى الكرسي، يتحول إلى
نموذج أسوأ ممن سبقه، فقط لإرضاء من أسند إليه المنصب.
بهلوانيات الصغار ... وهنا تستحضرني رواية عن
الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إذ يُحكى أن أحد حراس السجن سأله: "هل أنا
من أعوان الظالم؟" فكان رد الإمام صادمًا، إذ قال له: "لا، ولكنك شريك
في الظلم، أو ظالم لنفسك."
إن تنفيذ حكم ظالم وأنت على دراية بأنه جائر هو
بحد ذاته ظلم. واستكمالًا للرواية، فإن أعوان الظالم هم من يقومون بطهو الطعام له
أو خدمته بشكل مباشر. وهذا ينطبق اليوم على صغار الإداريين الذين يظلمون أنفسهم،
وسيُسألون يوم العرض الكبير، وستكون إجابتهم: "كنّا مأمورين." وهنا
أُذكرهم بالمقولة الشهيرة: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق."
الحقيقة أنني لا أزال أجهل طريقة تفكير هؤلاء في
التعاطي مع هذه الأعمال، وقد يصل بهم الأمر إلى الوقوع في الشرك والعياذ بالله.
الهالة الكاذبة ... يقصد بها تعظيم الحدث
وتضخيمه، وقد تستغرب أن هذه الظاهرة تعدُّ إحدى إفرازات البيروقراطية المقيتة.
إنها نتيجة مباشرة للمضي في الاستعراضات الوهمية للتغطية على الإخفاقات الإدارية،
حيث يتمسك المسؤولون بمناصبهم على حساب العمل الفعلي. ترى منهم العجب العجاب في
هذا السياق، حيث يُقيمون الحملات الإعلامية الكاذبة لإعطاء العامة صورة زائفة عن
إنجازاتهم، ولو كانت وهمية، مما يؤدي إلى ترسيخ البيروقراطية في مفاصل الدولة.
النتائج ... لكل منهج فكري نتائجه الحتمية التي
تنبع من أصله، والبيروقراطية ليست استثناءً. ومن أبرز نتائجها الترهل الإداري في
اتخاذ القرارات، والتركيز على المكتسبات الشخصية للمسؤولين على حساب المصلحة
العامة، وانعدام الثقة في السلطتين التشريعية والتنفيذية. كل هذا يؤدي إلى خلق
حالة من الاحتقان الشعبي، والذي قد تكون له عواقب وخيمة في المستقبل، من بينها
عرقلة تقدم عجلة التنمية وإعاقة بناء الدولة.
الخاتمة ... في النهاية، أود أن أنهي ما بدأت به
بمقولة طريفة يرددها الدكتور صفوان ناظم، الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب،
فعندما يسمع كلامًا لا يعجبه يقول: "يسلم عليك محمد فوزي!" وهذا بالضبط
ما أودّ قوله لدعاة المصطلحات الهدامة في هذا البلد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق