بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 28 سبتمبر 2025

مقال

 

 ثقافة بوزن فنجان شاي

تحت عنوان

البارون الأخير ذكاء اصطناعي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



وصلني خبر من بعض المحسوبين على الثقافة ورواد المقاهي أنهم يهمسون فيما بينهم بأن النتاج الذي يكتبه البارون عبارة عن تقنيات تعود إلى الذكاء الاصطناعي. والحق يُقال إن تلك الكلمات تجمع بين المدح والذم في مقارنتهم لما أكتبه بالتقنيات الحديثة. لكن السؤال هنا: من هم هؤلاء؟ وما نوع الثقافة التي ينتمون إليها؟ هذا ما سنجيب عنه دون ذكر للأسماء.

 

أصحاب الثقافة الحِفظيّة ... هم من يُقال عنهم (حافظ ما فاهم). والحق يُقال إن هؤلاء متطفلون على الساحة الثقافية، وكل ما يكتبونه مجرد نصوص سردية لا هدف لها سوى تسليط الأضواء على صاحب الموضوع الذي يسعى فقط إلى جمع الشخوص الذين ليس لديهم نتاج رصين. يتحدثون بما لا ينفع ولا يفيد، وما لا يعرفه الكثير أن هؤلاء يعانون من عقدة الإبداع؛ فتراهم يكرسون كل حديثهم للطعن في هذا وذاك، وهم من يُقال عنهم أصحاب الرؤوس الخاوية.

 

الثقافة مهنة من لا مهنة له ... هي ظاهرة انتشرت في الفترة الأخيرة، تُسمّى بثقافة المتقاعدين. فالكثير ممن يجد نفسه بعد أن يُحال إلى التقاعد يبحث عمّا يشغله، فيجد في الثقافة ضالته، فيذهب إلى كتابة رواية لا يقرأها أحد سواه أو من يشابهه في الحال. وهم بذلك يساهمون في انحدار المستوى الثقافي في مدينة الموصل، وما أكثرهم.

 

فاشلون بالفطرة ... المشاريع الثقافية ليست وسيلة للتسلية أو للدعاية الشخصية بادعاء أن لك دوراً ثقافياً. فهناك الكثير من المشاريع الثقافية التي تعبّر عن ثقافة المدينة، ولكن هل كُتب لها الاستمرار؟ هنا تكون الديمومة هي معيار النجاح. فالجميع لديهم أقلام، ولكن ماذا سيكتب هذا أو ذاك؟ وبدل الاستبسال في الحديث عن تجارب الآخرين كان الأولى بهم أن يهتمّ كل واحد منهم بما يقدمه للقارئ. فالفاشلون من الطبيعي أن يكون كل نتاجهم التقليل من التجارب المماثلة.

 

ثقافة بوزن فنجان شاي ... كانت المقاهي مقراً لكثير من الأدباء والمفكرين، حتى أن بعض الأحزاب تأسس في أحدها. لكن أن تتحوّل تلك الأماكن إلى مرجعية للكتابة فهذا أمر مرفوض. وقد تحوّلت الكثير من تلك الكتابات إلى دعاية لذلك المقهى، مدفوعة الثمن بقيمة فنجان شاي، وهذا ما ينحدر بالمستوى الثقافي إلى أدنى المستويات.

 

صفحات وشخصيات ... ظهرت في الآونة الأخيرة صفحة بعنوان (موصلنا الحبيبة) تنشر بعض المواضيع عن شخصيات مجهولة. وبعد السؤال والتقصي تبيّن لي أن تلك المواضيع تُنشر برصيد اتصال يبلغ (خمسة آلاف). والغريب أن هناك شخصية كتبت عنها تلك الصفحة ووصفتها بحسن الخلق والقيم الإنسانية، لكنني تفاجأت بشخص يعرفه عن قرب فقال لي إنه (مطيرجي)، وإن له شجاراً يومياً في منطقته، وإنه لا يحمل ذرة واحدة من الأخلاق. وبهذا تثبت تلك الصفحات عدم مصداقيتها في النشر. الكتابة عن الشخصيات ليس بالأمر المعيب، وأنا أيضاً أمارس هذا النوع من الكتابة، لكنني لم أكتب قط عن شخصية لم ألتقِ بها أو لم أحدثها. ولهذا فإن تلك الصفحة تسيء لكل من ورد اسمه فيها، فالمجد لا تصنعه صفحة لا يُعرف لمن تنتمي، وهذه الصفحة تعمل بمقولة (الما عنده شغل يلعب...).

 

الخلاصة ... لمن لا يعرف، فإن أول نص نُشر لي يعود إلى أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وإذا كنت أمتلك مشروعاً ثقافياً فهذا لا يعطي الحق لأحد أن يجعلني مادة للتداول على ألسنة مدّعي الثقافة. فهؤلاء هم أقزام يكون حجمهم دوماً أقل من حجم القلم الذي يكتبون به. ولهذا لا أراهم ولا أرى ما يكتبون؛ فهم عبارة عن شخصيات تمتهن مهنة اشتهرت بها النسوة، وهي النميمة. وسوف يقولون بعد قراءة هذه الكلمات إنها ذكاء اصطناعي، وهنا أقول لكل من يرى نفسه قد ورد في هذا المقال: (رُدّها عليَّ إن استطعت).

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

مقال

 عرض جدير بالمشاهدة

تحت عنوان

مسرحية (كوكو شانيل)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي قراءة فنية في عمل يحمل عنوان مسرحية (كوكو شانيل)، وهي مسرحية مصرية صدرت عام 2021 من إخراج هادي الباجوري، وبطولة شريهان وهاني عادل. تم تصوير وتسجيل المسرحية عام 2019، وهو أول عمل لشريهان بعد غياب دام ثلاثين عامًا عن المسرح. وقد صدرت المسرحية على منصة شاهد في 20 يوليو 2021.

فكرة المسرحية:

الزمن: ما قبل الحرب العالمية الثانية

المكان: باريس / فرنسا

المضمون: امرأة بسيطة صاحبة محل لتفصيل وبيع الملابس تحت ماركة معروفة باسم كوكو شانيل. تتعرض للكثير من المواقف والضغوط الحياتية في سبيل الدفاع عن حلمها.

يتضمن العرض عناصر قد توصف بالخرافية من الناحية الفنية والتقنية الإخراجية، إضافةً إلى الحرفية في حبكة النص، حتى إنها قد تضاهي العروض العالمية. ويعود ذلك إلى المرجعية الفنية التي ينتمي إليها المخرج من الناحية العائلية، وهو ما قد يصنع الفارق في كثير من الأحيان. ومن القضايا المطروحة في هذا السياق:

 

الرقصات الغنائية والاستعراضية ... بعد غياب طويل، لم تفقد الفنانة شريهان رونقها منذ ثمانينيات القرن الماضي، رغم أنها اليوم على أعتاب العقد السادس من عمرها. عند العرض قدمت أداءً رائعًا يضاهي ما قدمته في بداية مشوارها الفني. جسّدت شريهان شخصية كوكو شانيل، وقدمت خلال المسرحية تسعة استعراضات غنائية.

 

التمرد ... قدّم العرض شخصية متمردة على الواقع التقليدي، وهو ما يُعرف بالخروج عن المألوف. وقد وظّف النص هذا المفهوم في خدمة فكرة الإبداع، وهو ما حاول المؤلف إدراجه في مشاهد العرض من خلال التمرد على الأزياء السائدة في تلك الحقبة.

 

فكرة المقاومة ... جسّد العرض واحدة من أعظم الصور في رسم لوحة مسرحية لمشهد دخول الجيوش النازية إلى فرنسا، من خلال دخول الجموع من بوابات المسرح. ورغم أن المشهد قد يبدو مألوفًا للبعض، إلا أن التقنية الإخراجية جعلت منه استعراضًا مهيبًا يخدم فكرة النص، ويجسد أن المقاومة ليست مصطلحًا محتكرًا لشخص دون آخر، بغض النظر عن الثقافة أو الوضع الاجتماعي.

 

الحب جريمة ... من خلال مشاهد العمل، رُسمت ملامح لفكرة أن الحب قد يكون محرّمًا في بعض الأحيان. فقد واجهت بطلة العرض تجربة فاشلة في قصة حب مع شاب من طبقة نبيلة، وكان ذلك سببًا في اتخاذها موقفًا عدائيًا من الحب بالكامل، حتى لقائها بالمقاتل النازي، حيث وُلد الحب من جديد. لكن هذا الحب كان بمثابة مثلبة في تاريخها المهني، وأعطى انطباعًا للمتلقي بأن الحب قد يكون في بعض الحالات جريمة يعاقب عليها المجتمع.

 

ميزان العدالة يحكمه الرأي العام ... من أعظم الصور التي قدّمها العرض، صورة تجسّد الواقع بأبشع تفاصيله، من خلال انقلاب الرأي العام الذي قد يتغاضى عن أمور جوهرية ويركّز على الشكليات. وقد تفوّق العمل في هذا الجانب إلى حد كبير، مما انعكس على الحرفية الإخراجية في طرح هذه الرؤى.

 

الإرادة التي لا تموت ... حين يكون الإنسان مبدعًا في مجال معين، فإن ذلك يعود إلى الإرادة التي يمتلكها. وهذا بالضبط ما عكسه العرض من خلال عودة البطلة بعد انكسارات متعددة لم تنل من إبداعها. فالسعادة الحقيقية لا تكمن في بلوغ القمة، بل في الخطوات التي تسبق اعتلاءها. وهذه من أعمق الصور التي قدّمها العرض المسرحي.

 

الخلاصة ... إن عملية النقد الفني يشوبها الكثير من الريبة في مفهومها العام، المتضمن تقصي الأخطاء في العمل الفني، وقد يكون هذا هو السائد. لكن ما يعلمه النقاد أن النقد لا يقتصر على الجانب المظلم للمدارس النقدية، بل يشمل أيضًا ما يعرف بحرفية الرصانة النقدية، في تقديم أعمال قد تصل إلى مستوى الطفرة الفنية في هذا العالم. وما قدّمه هذا العرض كان بمثابة دورة حياتية كاملة لمبدع صنع مجده بالإرادة والإيمان بما يملك من قدرات فطرية، وهبها الله للمخلوق البشري.

 

الأحد، 21 سبتمبر 2025

مقال

 المجتمع الذي لا يملك الوعي لا يستطيع قيادة ثورة

تحت عنوان

العراق ووهم التغيير

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية من نهاية (جيفارا)، ومن منّا لا يعرف من يكون. ومن سخرية القدر أن تكون تلك النهاية بأيديولوجية راعٍ للغنم، إذ قام بالوشاية عنه. وعند سؤال ذلك الراعي عن السبب الذي دفعه إلى هذا الفعل بحق رمزٍ بهذا الحجم، كان الرد صادمًا: (إن أغنامه كانت تنزعج من صوت الرصاص). وفي هذا دلالة عظيمة على أن من المنطقي أن تكون نهاية بطل أسطوري على يد أحد الحمقى الذين لا يملكون الوعي.

ولنعد هنا إلى العراق، وإلى جملة المتنبئين والمحللين السياسيين ـ كما يطلقون على أنفسهم ـ وتصريحاتهم التي تملأ شاشات الفضائيات بأن البلد على شفا ثورة شعبية عارمة، وأن هناك تغييرًا وشيكًا لشكل النظام. وكلها مجرد خزعبلات لا تمتّ للواقع بصلة. وسوف نوضح الأسباب التي دفعتنا إلى كتابة هذه السطور:

 

دائرة الخوف ... هو الموروث الشعبي الذي اكتسبه الكثير منذ سنوات النظام السابق؛ فقد كان نظام الحكم آنذاك أحاديًّا لرجل واحد، ومع ذلك لم يكن هناك خصوم بمثابة ندٍّ للنظام. وقد انتقلت هذه الأيديولوجية إلى آليات الحكم المعاصر، لكن مع فرقٍ جوهري. فبينما كان الموت مصير كل من يعترض سابقًا، أصبح اليوم التجويع هو المصير الذي ينتظر كل من يخرج على النظام، وذلك من خلال جعل القضايا المادية طوقًا يلتف حول عنق المواطن. وهكذا، يبقى المواطن رهينة جشع النظام وطمع الحاكم.

 

حظيرة الخنازير ... الخنزير هو الحيوان ذو السمعة السيئة بين ما خلق الله، وذلك بسبب شكله وفعله؛ فهو متجرد من كل الصفات الحميدة التي قد يتحلى بها غيره، مثل الذئب وغيره الكثير. ولكن، كيف إذا كان الخنزير اليوم يمسك بكل مفاصل الحياة؟ ومن سماته أنه لا يستحي من أي فعل، كأكل الفضلات أو انعدام القيم الأخلاقية داخل الأسرة الواحدة. وهكذا هم اليوم، لم يعودوا يستحون من الأفعال المعيبة، ولم يعودوا يهتمون برأي العامة في تصرفاتهم، لأنهم يدركون تمامًا أنهم "خنازير".

 

انعدام الوعي ... وقد يسأل أحدكم: كيف يمكننا أن نخلق وعيًا للعقل الجمعي في المجتمع؟

الجواب يكون من خلال إقناع الجموع بوجوب الإيمان بمبدأ أنك مسؤول عمّا يحدث بالأمس واليوم وغدًا، وأن عليك أن يكون لك موقف فيما يخص حياتك اليومية والعملية. ولكن لو نظرنا حولنا لوجدنا صورًا تثير الاشمئزاز، منها إيمان الجميع بأن المصالح والانتفاع الشخصي فوق كل مبدأ أو عقيدة. ولهذا ترى أحدهم لا يجرؤ حتى على كتابة تعليق على موضوع معين، ولو كان في مصلحة عامة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت صور دخيلة على المجتمع، منها جلادو السلطة، وهم صغار الموظفين الذين يستبسلون في إيذاء العامة من خلال صورتهم البشعة كـ"كلاب مسعورة للسلطة"، لا لشيء سوى إرضاء من كلّفهم بتلك المهام، بغضّ النظر عن معيار المصداقية فيما يفعلونه. ويقنعون أنفسهم بمقولة: (أنا عبد مأمور)، بينما هم في الحقيقة "كلاب مسعورة". فكيف يأتي أحد ليقول إن المجتمع يملك وعيًا وقادرًا على تحديد المسارات الصحيحة للحياة؟ لا أرى في مثل هذه النماذج أي وعي أو إدراك، ولا حتى شيئًا يقترب من هذا المصطلح.

 

لا تغيير قادم يُذكر ... وأستشهد هنا بقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". وليس هناك حديث يضاهي ما ورد في هذه الآية. وإن كان هناك تغيير كما يعتقد البعض، فلن يكون سوى وفق "نظرية القوالب الجاهزة" التي يتم إعدادها في دوائر المخابرات الدولية. وهذه ليست مسألة جديدة، فنحن على موعد بهذه السيناريوهات منذ سقوط النظام الملكي في بدايات القرن الماضي.

وما نراه ونسمعه من الولايات المتحدة ليس سوى ضغوط على نظام رسمت ملامحه بأيديها. وما لا يعرفه الكثيرون أن النظام الحالي هو الأفضل على مستوى العالم في خدمة مصالحها، ففيه: جاسوس وفقاعة، ورجل إن حضر لا يُعَدّ، وإن غاب لا يُفتقد. ولهذا ستُجرى الانتخابات، وسيعود الفساد والفاسدون إلى مواقعهم، ولسان الحال يقول: (رجعت حليمة لعادتها القديمة).

 

الخلاصة ... نصرخ تارة، ونكتب تارة أخرى، ولكن لا مجيب لما نقول أو نفعل. ولتكن النهاية مقولة رائعة لـ(جيفارا) مرة أخرى، مفادها:

(إن التضحية من أجل الحمقى بمثابة أن يحرق المرء نفسه لإنارة الطريق لرجل أعمى). فلا تنتظر شيئًا؛ فأنت وغيرك لا تملكون الوعي القادر على قيادة ثورة حقيقية.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

مقال

 مأزق أكاديمي

تحت عنوان

بين الأستاذ والمشرّع الأكاديمي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



للتنويه: ما سوف يرد لا يُعتبر ورقة نقدية موجَّهة إلى جامعة الموصل أو أي جامعة عراقية أخرى، بل هو ورقة نقاشية تتعلق بالمشرّع الأكاديمي.

وهنا يكون إجمال ما قيل في هذا الموضوع: "إذا ما أُريد أن تُطاع فأمر بالمستطاع"، ومن هنا تكون البداية. فقد لوحظ منذ نهاية العام الدراسي المنصرم صدور سيل من القرارات والتوصيات التي تراوحت بين متطلبات وواجبات تخص الكوادر التدريسية في الميدان الجامعي. غير أنّ هذه القرارات كثيرًا ما تقوم على مقارنات بين التجارب العالمية والمحلية، مستندةً إلى أيديولوجيات المشرّع الأكاديمي. ولو تأملنا هذه المتطلبات لوجدنا أنها تعاني من المبالغة، إذ تعتمد منهجية تنظر إلى الأستاذ الجامعي وكأنه مجرّد تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يفضي إلى خلق حالة من التشنّج تمتد لتطال الجانب الوظيفي والحياتي للأستاذ.

وتبرز هنا مسألة التقييمات العلمية. وللتأكيد، أودّ الإشارة إلى أنّني أُعتبر من المخضرمين في العمل الجامعي رغم عدم انتمائي إلى الهيئة الأكاديمية، لكن بسبب علاقاتي الوثيقة وقربي من العديد من الشخصيات الجامعية، أصبحت على دراية كاملة بما يجري في أروقة الجامعة. فمنذ السنوات الأولى في هذه المؤسسات، عُرف الأستاذ الجامعي باعتباره قيمة عُليا لا يُدانيها شيء. وللحق يجب أن يُقال: لقد عانى التدريسيون في جامعات العراق كثيرًا، وتجاوزت معاناتهم كل التصورات، خصوصًا في فترة النظام السابق بما يخص الجانب المادي، لكن ذلك لم يمنعهم من الحفاظ على الرصانة الأكاديمية التي منحت المؤسسة هيبتها.

أما اليوم، فنرى المشرّع الأكاديمي قد نصب نفسه وصيًا وحارسًا على صورة المؤسسة الجامعية من خلال قرارات وتوصيات يُعتبر الكثير منها ضغوطًا تُمارس بشكل متعمَّد أو غير متعمَّد. وقد نسي ذلك المشرّع أنّه يحمل الشهادة نفسها التي يفرض لها الوصايا والمتطلبات، ظانًا أنّها كفيلة بحلّ عدد من المشاكل الجامعية. والأغرب أنّ جزءًا من هذه القرارات يخص حملة لقب الأستاذية، وهذه كارثة بكل المقاييس؛ فإذا كان هذا التعامل مع أعلى شريحة جامعية، فكيف سيكون الحال مع من هم أقل درجة منها؟

إنّ قاعدة المشرّع الأكاديمي يجب أن تنطلق من مبدأ: لكل مقام مقال. فلا يصح إخضاع الأستاذ للغة الأرقام التنافسية فقط من خلال تقسيمات على فقرات تحكم المعايير التقييمية السنوية أو تحدد الأحقية في الإشراف على المشاريع العلمية. فماذا عن المعايير العلمية الرصينة التي تتمثل في متابعة شخصية الأستاذ، وقدرته على اكتساب وتطوير العمل التدريسي؟ إنّ هذا الوضع يُعزى إلى عدم إيمان المشرّع بالرصانة العلمية للأستاذ الجامعي وخلق حالة من عدم الثقة، رغم أنّ الرواق الجامعي ما يزال بخير، وما يزال هناك عمالقة جامعيون تشهد لهم المحافل العلمية العالمية.

قد يكون هذا القياس قائمًا على المعايير التي يعتنقها ذلك المشرّع، لكن من الواجب أن تكون هناك معايير معتمدة بعيدة عن نظرية المئوية في التعامل مع الشخصية الجامعية. فالتدريسي الذي ينال لقب (الأستاذ) قد بلغ مرحلة تُبعده عن الإملاءات التي تزيد من ثقله ومسؤوليته.

 

الحلول ... تتوزع بين إعادة نظر المشرّع في طريقة تعامله مع الشخصية الجامعية، وبين إيمان التدريسي نفسه بأنّه يمثّل الجانب المشرق في المجتمع في القضايا التي تخصه. ويجب أن يتم ذلك من خلال حوار مؤسسي حقيقي، لا عبر جمعيات أو تكتلات هدفها استعراضي أكثر منه عملي. فالأستاذ اليوم إذا لم يُدافع عن حقه، وهو من يُفترض أن يكون قدوة في المجتمع، فلا يُنتظر من العامة الكثير.

ومن هنا يكون الحل في إيجاد وسيلة لخلق لغة حوار بين المشرّع والأستاذ، يكون هدفها الوحيد المساهمة في بناء صروح علمية جديرة بالاحترام، والابتعاد عن تبنّي فكرة الاستقصاد أو نظريات تقصي الأخطاء. فنحن اليوم أمام العلم والعلماء، ويجب أن نرتقي بالنظريات التي تُطرح. إننا أمام مسؤولية تاريخية ترسم ملامح جامعية ينبغي أن نُفاخر بها أمام العالم، لا أن نكتفي بوضع معايير تقييمية قائمة على أرقام عمياء وخوارزميات لا تعترف بالواقع، وهي نتيجة مباشرة لانتقال سريع إلى الرقمنة والحوسبة، في وقت لم نوفّر فيه المقومات الأساسية المقابلة قبل المطالبة بواجبات قد تُعتبر مجرد أحلام وردية. ومن منا لا يسعى لتحقيق حلم وردي؟ لكننا نعود مجددًا إلى نقطة البداية: إذا ما أُريد أن تُطاع فأمر بالمستطاع.

 

الخلاصة ... بعد نشر هذا المقال، قد يقول لي الموظف (حسين) العامل في قسم التاريخ: "بدل أن تتحدث عن مشاكل الناس، تحدّث عن مشكلتك أنت مع الجامعة". لكن ما يجهله هو أنّه عندما تكون جزءًا من الرأي العام يُفرض عليك أن تتعامل بمنطق العقل في تبنّي القضايا المطروحة. فأنا أسعى إلى أن يكون المجتمع الذي نحيا فيه أقرب إلى المثالية، وبهذا تُذلَّل الصعاب وتوجد الحلول للمشاكل المستعصية، ومن ضمنها مشكلتي التي دامت سنوات دون حل يُذكر... وفق الله علمائنا وجامعاتنا، وحفظ العراق من كل سوء.

الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

مقال

 

حكم الغجر

تحت عنوان

من هل مال حمل الجمال

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 


هم "الكيولية" كما يُطلق عليهم عند العامة، وهي فئة اجتماعية لا تحظى بالقبول الاجتماعي نوعًا ما. والسؤال هنا: ماذا لو كنت تعيش في ظل حكمهم اليوم؟ ولهذا، في هذه السطور، سوف نرسم ملامح الفترة التي قد تعيشها في حكم الكيولية لمعرفة ما أنت عليه وما الذي ينتظرك.

 

أصولهم ... في ظل الحكم، يردد هؤلاء أنهم أبناء فلان وأنهم ينتمون إلى منهجية فلان. ويذكرني حديثهم هذا بمثل شعبي من التراث الموصلي مفاده: "نص الدنيا حمام العليل، والذي لا يصدق يجيل" أي يوزنها. والسؤال هنا: هل هناك وحدة قياس تستعمل لقياس أرض بهذا الحجم؟ والدلالة في هذا أن لا ضريبة تُذكر في مسألة الكذب، وهذا ما يطلق لهم العنان في رصّ الأكاذيب كما يشتهون. وما لا تدركه تلك الفئة الضالة أن ادعاءك الانتماء إلى شخصية أو إلى مبدأ لا يمحو كونك تنتمي إلى أيديولوجية الغجر. وهذا ما سنوضحه في صفاتهم التي هم عليها في الوقت الحالي.

 

اللصوصية ... من أهم وأبرز الصفات التي يتحلّون بها طوال الوقت، حتى بعد توليهم الحكم، فهم لا يؤمنون بقضية الوطن، لأنهم مجرد شخصيات مقطوعة الأنساب. تراهم دومًا يمثلون عامل هدم في المكان الذي يتواجدون فيه، وهذا يأتي من شعورهم بالنقص، وهم منذ البداية مجاميع خارجة عن القانون. وهذا ما ساهم في عجزهم عن بناء الدولة. وهناك مقولة في الموروث مفادها: "من شبّ على شيء شاب عليه"، والكثير منهم اليوم يعتبرونها شجاعة أو حقًا يجب الاستحواذ عليه بعيدًا عن القيم الأخلاقية التي لا يملكون منها شيئًا يُذكر.

 

الفساد ... هم أصحاب مهن تقترن بالفساد الأخلاقي مثل الرقص والغناء، وكما يُقال: "أهل هيو"، ولهذا يأخذون منه منهجًا للحكم وانطلاقة لقيمهم كما يزعمون. ولهذا ترى أيامهم أكثر فسادًا أو انحلالًا مقارنة بالفترات التي سبقتها والتي تلتها. وهذا ما يدفعهم إلى انتهاج منهجية الطعن كوسيلة دفاع؛ فترى دومًا مَن يشكك في الأعراض والأنساب، وهذا من باب الشعور بالنقص، فالمرء دومًا ما يتحدث بصورته التي هو عليها. ولهذا ترى أن هذه القضية من أبرز أسلحتهم، وهي فكرة يخجل الكثير من تبنيها. وليس بغريب عليهم، فهم قوم لا يستحون.

 

النصب والاحتيال ... من أكثر الكوارث التي قد يواجهها المواطن أن يكون في السلطة رجل محتال، ويتخذ من هذا أساسًا للتعامل مع العامة، ويجند كل المؤسسات لهذا العمل. فالغجر في الحكم هذه منهجيتهم، وإنهم ماضون في هذه الأعمال المشينة بحق المواطن؛ فإما أن تكون مادة دسمة لعمليات احتيال الكيولية، أو تواجه عقيدة الجبناء الذين يضربون في الخفاء. وليس غريبًا عليهم، فماذا تنتظر من رجال لم يشمّوا رائحة القيم الأخلاقية منذ ولادتهم؟ وما يلفت الأنظار أن لهؤلاء تشريعات تحمي هذه العمليات المشبوهة، والتي سوف تفضي إلى تحويل الدولة بالكامل إلى منهجية الغجر كما تعرفها العامة، والتي تجمع كل القضايا المعيبة.

 

الخلاصة ... إن فئة الغجر (الكيولية) إذا حكمت، فلا يُنتظر منها ما يصبّ في أقسام التنمية بمختلف مجالاتها. والحديث عن "سنفعل" ما هو إلا كذب على الذات. فالرجل فيهم ـ إن وُجد ـ لا يؤخذ منه سوى الأفعال المشينة التي ينكرها المجتمع السليم. ومثلهم كمثل كلاب سائبة سيطرت على أرض وفرضت أبجدياتها من خلال الترهيب الشخصي والاجتماعي على حد سواء. وكل ما حدث وسوف يحدث لن يمرّ مرور العابرين، فلكل عمل فاتورة، وفاتورة الكيولية بقدر ثقلها حتى باتت النهاية معروفة في مسلسل "صراع الحيوانات". فالإنسان الذي لا يملك قيمة اجتماعية وأخلاقية، مثله مثل الحيوان الذي لا يملك الإدراك. وسوف تكون النتيجة هي الانفجار الكبير. فويلٌ لمن يريد فرض منهج الغجر في مدن لها تاريخ يمتد إلى تاريخ الإنسانية على هذه الأرض... (فافهم يا حمار)

 

 


الجمعة، 12 سبتمبر 2025

مقال

 السياسة العربية المعاصرة اتجاه إسرائيل

تحت عنوان

انطي راس وأخذ أيمني

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



للتنويه: كلمة (أيمني) هي التي تُطلق على النعال في اللهجة العامية العراقية.

من طوفان الأقصى إلى قصف الدوحة وإطلاق سراح إليزابيث ، انتصارات متلاحقة (لـ نتن ياهو)، وهذا ما لا يستطيع أحد نكرانه. وإذا ما أردنا تحديد تاريخ لبداية العصر الذهبي للكيان، فسيكون التاريخ ما بعد (2003) هو التاريخ الذي كُسرت فيه البوابة الشرقية للوطن العربي وحجر الزاوية؛ فكانت نهاية التاريخ للصراع العربي الإسرائيلي، وما نراه اليوم هو بمثابة الحصاد الإسرائيلي.

 

أحفاد أبو رغال... هي الشخصية التي تُعَدّ رمزًا للخيانة في التراث العربي. فعندما اغتيل (هنية) في المنطقة الأمنية في طهران، وعندما قُتل (سليماني) في بغداد، وفي النهاية محاولة تصفية قيادات حماس في الدوحة وغيرها الكثير، لم تكن هذه الأفعال بمنهجية شرف الخصومة، بل حدثت بمنهجية أبو رغال وأحفاده. ويُعزى ذلك إلى عدم زراعة الوعي الوطني لدى العقل الجمعي؛ فلم يعد الوطن يعني شيئًا لدى الكثيرين، وهذا ما قتل مصطلح الانتماء، فخرج جيل يتعامل مع الأوطان على مبدأ «بيت للإيجار».

 

سياسة العدو... يصوّر الكثيرون أن العدو اليوم يمتاز بالذكاء والفطنة، وأن الدولة العربية تُدار بسياسة محنكة. وهذا تصور خاطئ؛ فهو لم ولن يكون قويًا على مر التاريخ. لكن الإنجازات التي يحققها اليوم تعود إلى موت دور الفكر العربي الرصين في اتخاذ الدور الريادي، وسيطرة الانتهازيين الذين يتعاملون مع القضية بحساب الربح والخسارة الشخصية، بعيدًا عن الأهداف القومية. فبات اليوم كلهم (أبو رغال). وما يجهله هؤلاء أن شخصية الخائن لم تُحظَ بالاحترام حتى من العدو؛ فقد قيل في حقه «عاش نذلًا ومات خسيسًا»؛ فالتاريخ لا يرحم أحدًا.

 

السياسة العربية المعاصرة... قطيع من الخراف تقودها مجموعة حمير — وهذا الوصف أقرب إلى حقيقتهم. فالخراف عندما تفتقد شخصية الراعي، تطمع بها الذئاب وتغير عليها كل ليلة لتقتل أحدها. هذا واقعنا الذي نعيشه. ولهذا ترى الجميع يعمل بمبدأ كما يقال عند العامة: «ناس أجر بالطول وناس أجر بالعرض». ولهذا يتم الآن صهر القضية الفلسطينية بشكل تدريجي، وقد حقق العدو تقدمًا ملحوظًا في هذا الشأن.

 

تصحيح المسار... يفتقر العقل العربي اليوم إلى إيجاد طريقة يتعامل بها مع السياسة الإسرائيلية، وذلك بسبب تغير الأيديولوجية القديمة — التي لا أقول إنها فشلت تمامًا، بل على الأقل أوقفت العدو لفترة زمنية، ولو كانت قصيرة. وفي تلك الفترة أدرك العدو أن القوة المقابلة تكمن في الإيمان بالمبدأ، فكان لا بد من طريقة لكسر تلك العقلية الجمعيّة. فوجد أنه يجب العمل على إنتاج جيل لا يملك الإيمان بأي من المعتقدات والمبادئ لتحقيق النصر. وكان لذلك أثر خطير. لذا لا بد من إعداد برامج توعوية أساسها أن مستقبلنا في اجتماعنا بغض النظر عن الاختلافات التي جعلوها قضايا مصيرية عند جميع الأطراف؛ فجعلوا من شخصية الأسد حمَارًا، فلم نسمع قبل ذلك أن الحمار قد قتل ذئبًا. وفي هذه البرامج يجب التركيز على نقطة يجتمع عليها الجميع: «أننا عرب»؛ وأن هناك استهدافًا لهذه الكلمة، وهذا ما قد يحدث الفارق في تغيير المسار وإعادته إلى ما يُعرف بتوازن القوى.

 

الخلاصة... إن العدو لن يقف عند هذا الحد، ولكن الأيام القادمة قد تشهد أحداثًا لا يُحمد عقباها؛ فلم يعد هناك رجال حقيقيون يحملون عقيدة تُعد جدار صد ضد المخططات الخبيثة. ولسان الحال يقول بالمثل الشعبي: «راحت رجال الحامضة السماكي وبقت رجال اللي بالعصا تنساكي». فالرجل العربي اليوم قد أعلن رسميًا «أنهم حمير» — فالضرب بالعصا وحده لا يليق إلا بالحمير. وما نشهده في البلاد العربية هو عصي توجِع الضمير العربي بسبب الغباء السياسي الذي أصبح منهجية عمل في كثير من الدول العربية. وفي النهاية أقول: «إننا عرب وقد جاءنا الإسلام فأضاف إلى الكرامة العربية عزة؛ فعندما تنكرنا لعروبتنا وقَتلنا فينا إسلامنا استهان بنا عدونا، وبَتَ كل الأنعام على أضل سبيل».

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

مقال

  صراع المنابر في الموصل

تحت عنوان

منهجية القطيع في الإسلام المعاصر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية باستشهاد لمشهد من مشاهد النجم الكبير دريد لحام، حيث يقول: سأل أحد المصلين: "بتصلي؟" فأجابه: "نعم، أصلي، ليش؟ شو ناقصني؟" فرد عليه دريد: "ناقصك أن تخاف الله". وفي هذه الكلمات تتجلى مشكلة صراع المنابر في مدينة الموصل هذه الأيام.

وهنا أعود إلى مشاهد عالقة في ذهني من بعض مرتادي الجوامع في السنوات الماضية، حيث كان الصراع محتدمًا للوقوف في الصف الأول، وقد يصل الأمر إلى مشادات كلامية. فينشأ السؤال: هل إذا كنت في الصف الأخير لن يراك الله؟ هذه القضية تدخل في باب الرياء والعياذ بالله، إلى جانب الكثير من الممارسات غير المقبولة التي أوصلتنا إلى هذا الواقع.

منهجية القطيع... وهي منهجية دخيلة على الإسلام؛ فربكم واحد، ونبيكم واحد، وكتابكم واحد، فعلامَ تختلفون؟ ولا يقل لي أحدكم هنا إن هناك حديثًا يقول: "اختلاف أمتي رحمة"، فهذا مما يُنسب زورًا إلى رسول الله ﷺ؛ إذ لا يعقل أن يقول رسولنا الكريم ما يخالف القرآن. فقد قال رب العرش العظيم في محكم آياته: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وهذا ما يفنّد حججهم بشكل كامل.

كان المسلمون سنة وشيعة، ثم تفرع منهم: (الإخوانيون الذين عشقوا السلطة، والسلفيون المهتمون بالمظاهر، والمتحررون الذين لا نعلم ممَّ سيُحررون، والصوفية عشاق الفانتازيا، وغيرهم الكثير). جميع هذه الفئات ساهمت في شق عصا الإسلام. وقد غذّى هذا الانقسام بعض مدّعي الفقه في بدايات القرون، وكانوا بمثابة مفاتيح للفتنة، هدفها تزعم السلطة الدينية. كلها أوهام مرضية في حب السلطة، ورحم الله من قال: "طالب الولاية لا يُولّى".

لقد عزز الكثير من المنظرين في الفقه الإسلامي منهجية القطيع في التعامل مع الأيديولوجيا الدينية، مما ولّد ظاهرة خطيرة جدًا هي كسر "الأيقونة". إذ يمضي الكثير خلف رأي معين بأسلوب الانقياد الأعمى، وهو ما يولّد الضغينة تجاه كل مخالف لهم بالرأي، ويصل الأمر إلى التكفير، وهذه كارثة الكوارث.

هي بيوت الله، وليست بيوتكم... من أعظم الأعمال أن تجمع الناس في مكان لذكر الله، ليكون لك رصيدًا يوم تنعدم فيه الأرصدة. لكن ما نراه اليوم ونسمعه هو قضايا معيبة في منهجية الإسلام الحق. وإن أردنا الخروج من المأزق الذي نعيشه في بيوت الله، فلا بد من تغيير المعايير التقييمية للفرد القائم على إدارة المساجد.

ما نشهده اليوم ليس خلافًا على بعض المساجد والجوامع الرئيسة في الموصل طلبًا لوجه الله، بل هو بسط نفوذ قطيع على آخر. ويذكرني هذا بمقولة قيلت في أيام هجرة الرسول ﷺ: "من كانت هجرته لمال يكسبه أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". وهنا يبرز ما نراه اليوم من أشخاص يرددون أنهم يخدمون في بيوت الله، وهم يتقاضون أجورًا مالية على هذا الفعل، وكأنهم يظنون أن لهم بذلك عقدًا مع الله! وهذا وهم وظلال؛ فالتعامل مع الله لا تُقاس فيه المكتسبات المادية.

أما استغلال نفوذ بعض السلطات المسلحة للاستحواذ على إدارة المساجد والجوامع، فهو أمر معيب لا يليق برجل دين.

الخلاصة ... اتقوا الله في أنفسكم وفي المسلمين، واعلموا أن الله ليس بغافل عما تعملون. خلافاتكم هذه تبعدكم عن الله إن كنتم تعلمون. فالله لا يحتاج إلى وسيط، لا بشر ولا جماعات. الطريق معروف: لا أنبياء ولا أوصياء بيننا اليوم، والمعيار الوحيد هو مخافة الله. وما تفعلونه يثبت أنكم تريدون إيجاد وسائط بينكم وبين الله، وهذه الممارسات أقرب لعبادة أهل مكة قبل البعثة النبوية، حيث كانت اللات والعزى أصنامًا تُرفع شعاراتها، وأنتم اليوم جعلتم لأنفسكم أصنامًا بشرية في بيوت الله، وهذا شرك صريح.

فالله لا يحتاج إلى وسائط، وما بُعثت الأنبياء إلا لإلغاء دور الوسيط في العبادة. أما الألقاب والمسميات التي تُطلقونها على أنفسكم فما هي إلا كفر وضلال، وعلمها عند ربي.

وأختم بما بدأت: "اتقوا الله... اتقوا الله... فكلنا على موعد مع الحساب يوم القيامة".

اللهم إني بلغت، فاشهد.

الأحد، 7 سبتمبر 2025

مقال

 رحم الله كل من سبقهم

تحت عنوان

عصر الكدش

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



معلومة عامة: إن مجتمعنا قد مرَّ بالعديد من العصور عبر التاريخ، ومنها العصر الراشدي، والأموي، والعباسي، والعثماني، حتى انتهى بنا الحال إلى "عصر الكدش"، وهو المصطلح الذي يطلقه العامة على الحمير، ومفرده "كديش". إننا نعيش اليوم عصراً ذهبياً للفساد والمفسدين، ساهم في بنائه المواطن والسلطة على حدٍّ سواء، وسنعرض هنا بعض الصور التي رُسمت من خلالها ملامح هذا العصر.

 

فخ الثقافة ... يكمن في خبر ورد على مواقع التواصل عن اعتقال أستاذ جامعي في جامعة واسط لأنه دعا إلى ما يُعرف بـ"العصيان المدني"، انطلاقًا من قيم ومبادئ قد يكون قرأ عنها أو سمعها أو عاشها في الخارج. وأنا من الذين يرفضون رفضًا قاطعًا اعتقال الأستاذ الجامعي بسبب رأي عام. ولكن الخطأ الذي ارتكبه هو أنه لم يُدرك مع مَن كان يتحدث. فهنا يجب توضيح الأمر: لقد بنى فعله على أساس أنه يعيش في عصر مثالي، معتمدًا على كونه ينتمي إلى أعلى فئة اجتماعية، متناسياً أن الوعي غير موجود أصلاً عند العامة. وهذا بسبب أن مجتمعنا اليوم بات متطبّعًا على تقبّل الخطأ. ولم يرد في ذهن الأستاذ وقتها أن الشر لا ينتصر بكثرة المؤيدين، بل بعدد المستفيدين منه، وهذا بالضبط ما يساهم في كبح عمليات الإصلاح في يومنا هذا.

 

حاميها حراميها ... هو أبلغ وصف يمكن أن يُطلق على النظام الحاكم. ومن أصعب ما قد يواجهه المواطن في أي دولة أن تستولي على السلطة جماعة تحمل أيديولوجية السرقة في التعامل مع كيان الدولة، ويتمثل ذلك في إغراق المجتمع – والمواطن بشكل خاص – في مسألة القروض والفوائد المترتبة عليها، سواء كانت مالية أم عقارية. والغريب أن جميع من في ساحة السلطة يتحكمون باسم الدين، وهو منهم براء. وهم يعتقدون أنهم اكتسبوا حصانة من النقد، لكنهم مغفلون في هذه المسألة. ولهذا تراهم متشبثين بالسلطة بشكل هستيري، لأنهم جميعًا ينتمون إلى مصطلح "مسؤول الصدفة". هذا ما عزّز فيهم مبدأ عدم الانتماء، والتعامل مع البلد على أنه "مال سائب". فتحوّل المسؤول اليوم إلى شخص ينتمي لفئة "الشطّار والعيّارين"، أي الحرامية، وهذه هي الحقيقة المتفق عليها.

 

عصر الكدش ... لهذه الصفة ميزات تُعرَف عن صاحبها، تتوزع ما بين المواطن والمسؤول. فالمواطن المستفيد من نظام فاسد طبيعيٌّ أن تدافع عنه بكل استماتة، حفاظًا على مكتسباتها الشخصية، بغضّ النظر عمّا يعانيه العامة من جراء تغلغل الفساد في مفاصل الدولة. أما المسؤول الذي يضع التمسك بالكرسي في مقدمة أولوياته، فهو مغيّب عن الدور الذي اختير من أجله. ومن هنا نفهم أن كل ما نمرّ به وما سوف نمرّ به لاحقًا هو نتيجة طبيعية للعقلية التي ينتمي إليها هذا العصر. فمن الطبيعي أن يكون الحمار – كما يقال – أذكى الحيوانات، لكنه يستوعب ببطء شديد. وهذا ما ينعكس على رجال السلطة اليوم، فهم أصحاب ذكاء شيطاني، هدفه الأساسي بناء عصر يُسمى "عصر الكدش"، لتنفيذ أجندات شخصية نابعة من مطامع دنيوية.

 

الخلاصة ... نحن اليوم أمام مأزق فكري: أليس من العيب أن يأخذ الحمار الدور الريادي في الحكم؟ ذلك لأن الحمار، منذ ولادته وحتى موته، لا يقتنع بأنه حمار. وأعظم أحلامه أن يرى نفسه حصانًا، لكن تبقى هذه الصورة في مخيلته فقط، فيما يراه الناس حمارًا لا يُحسن التصرف ولا القول. وهذه هي ميزات العصر الذي نعيش في أركانه اليوم. والحل لتجاوز هذه المرحلة السيئة بكل تفاصيلها هو المضي في نشر سياسة التوعية الفكرية. أما التحريض على هذه الفئة الضالة في هذا الوقت بالتحديد، فأعتبره حماقة – إن صح القول – وأستشهد هنا بمثل شعبي عراقي شهير: "الما يسوكه مرضعه، سوك العصا ما ينفعه".

إن اتخاذ سبل حضارية مع أيديولوجية الهمج هو بمثابة عملية انتحار، وهذه لا تنطبق على ما أكتبه هنا. لأن السبب بسيط: الحمار منذ الأزل لا يقرأ، ولو قرأ لفهم. وهنا تكمن المسألة في انتهاج منهج الشجاعة فيما أكتب. وأختم بالقول: إن النظام والسلطة على دراية كاملة بكل ما ذكرت، ولكن مصلحة أعوان الفساد تقتضي العمل بمبدأ: "جنِّن بروحك وعيش طيب". .... ولهذا نحن نعيش عصرك أيها الكديش.

الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

مقال

 اليزيدية وما فعله محافظ نينوى

تحت عنوان

مسمار جحا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في البداية، أود الترحم على صديقي الدكتور أحمد ميسر السنجري رحمه الله، فقد كانت له كلمة شهيرة يرددها في اللهجة الموصلية إذا ما طرح موضوع كهذا، وهي: (أنتم قتلتمنا)، وفي هذا دلالة لا تخلو من السخرية.

وفي هذه السطور، لا أعيب على أحد، لا (اليزيدية) ولا غيرهم، وليدينوا بما يشاؤون، ولكن هناك ظاهرة يجب التحدث عنها، استفحلت في مفاصل النظام الحالي والدولة بشكل عام، وهي قضية الاستخفاف بكل شيء. فبعد عشرين عامًا من استهانة السلطات بالمواطن ومتطلباته البسيطة، نرى اليوم أننا قد انتقلنا إلى مرحلة أخطر مما قد يتصوره القارئ.

وذكرني تصرف المحافظ بالأمس بقصة تُروى عن أحاديث جوج وماجوج، فبعدما يتم القضاء على من في الأرض، يصرخ أحدهم قائلاً: "بما أننا قتلنا من على وجه الأرض، فلنقتل من في السماء"، والعياذ بالله. وهذا بالضبط ما حدث في قضية الاعتذار.

 

مسمار جحا … عنوان مشهور لرواية تُروى عن الشخصية التراثية (جحا)، وهي أنه عندما باع منزله، ترك هناك مسمارًا في الحائط، وقال لصاحب المنزل الذي اشتراه منه: "أبيعك كل المنزل إلا هذا المسمار"، واتخذه حجة لإزعاج صاحب المنزل كلما أراد ذلك. وهكذا الحال مع الطائفة اليزيدية، حيث اتخذوا مما فعل الخارجون عن الدين الإسلامي حجة لنيل المكتسبات. وأنا بهذا لا أنكر أنهم تعرضوا للأذى، ولكن هذا لا يعطيهم الحق في فعل ما يشاؤون اليوم.

فحسب علمي، هذه البلاد مسلمة، والعزف على موسيقى (أنتم قتلتمنا) أصبح موسيقى تمتاز بالنشاز، ومن المعيب تخوين طرف من الأطراف بسبب ممارسات الخارجين عن مسارات العقل.

 

الخطوط الحمراء … السلطة والمال مكتسبات دنيوية، والكثير ممن يمضون خلف تلك المسميات متناسين المحاكم الإلهية. ويجب علينا توضيح أمر هام لأولئك الغافلين عن قضايا تبدو لهم صغائر، ولكنها من الكبائر التي قد لا تُغتفر، ومنها قضية الشرك بالله.

أما عن قضية التسامح الديني في الإسلام، فلا يعطي الحق لأحد بتخطي الخطوط الحمراء للذات الإلهية. هم شركاؤنا بالوطن والإنسانية، أمر لا يختلف عليه أحد، ولكن البروتوكولات والمجاملات لا تعطي الحق بالاعتذار من الشيطان. نعم، كما ذكرت، لا تُقبل الغلط والمساومة على حق من حقوق الله.

وما حدث هو تقصير في فتح مسجد إسلامي، وليس دائرة حكومية تضم جميع شرائح الوطن، وهذا يفرض علينا احترام شعائرنا بالكامل وعدم إطلاق التهم لاستهداف أحد معين. وما حدث من مطالبة بالاعتذار هي عملية بعيدة عن المنطق والحريات كما يطالبون.

وإذا كان هناك من على الأرض تدين له البشرية بالاعتذار، فهو الدين الإسلامي، وما يفعله من يدعون أنهم اتباعه، الذين كانوا السبب الرئيسي في الاستهانة والتجاوزات بحق الدين ورموزه، مكانة الله على الأرض، هي اليوم في أسوأ حالاتها منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا.

ولا أُزكي نفسي من هذا القول، فهناك من يعمل على تغيب شخصية الرب فيما تفعله البشر بحجة التطور والديمقراطية. فستبدل الله اليوم بالمال، فهو رب كل شيء. البيع والشراء أصبح الإنسان أبرز السلعة المتوفرة طوال الوقت، وقد يستهجن البعض هذا القول، ولكنه الحقيقة. وقد خرج الإنسان عن المسار المعلوم له، ولهذا ترى أن كل شيء قد تغير، فكثرت الجياع، وشاعت الجرائم، وقطعت الأرحام، وبات كل شيء يدين لربهم الجيد: المال، جل جلاله. نعم، هو كذلك إذا كنتم تعلمون.

 

الخلاصة … ما فعله محافظ نينوى ينضوي تحت شعار: "هم الذين أخذتهم العزة بالإثم"، ولا في هذا تكفير له، لا سامح الله. فالبَت في أمر الإيمان والكفر شأن من شؤون الله، والذي مثلي لا يعمل في عمل لله عز وجل. ولكن يجب علينا إدراك أن هناك أعمالًا، عند القيام بها، تأخذنا لمنحى خطير بسبب جهالتنا أحيانًا ومصالحنا الشخصية أحيانًا أخرى.

ومرة أخرى، ما أريده ذكره للجميع هو أن النظام والسلطة والفروضات التي تفرضها هذه السلطات لن تمنع غضب الله عنك. وفي النهاية، أود التوضيح أن الشيطان اليوم لا يُعتبر شخصية عينية، ولكن منذ البداية كان تجسيدًا لعملية الخروج عن النظام الإلهي، وتقول الآية: "كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" صدق الله العظيم.

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...