بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 7 سبتمبر 2025

مقال

 رحم الله كل من سبقهم

تحت عنوان

عصر الكدش

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



معلومة عامة: إن مجتمعنا قد مرَّ بالعديد من العصور عبر التاريخ، ومنها العصر الراشدي، والأموي، والعباسي، والعثماني، حتى انتهى بنا الحال إلى "عصر الكدش"، وهو المصطلح الذي يطلقه العامة على الحمير، ومفرده "كديش". إننا نعيش اليوم عصراً ذهبياً للفساد والمفسدين، ساهم في بنائه المواطن والسلطة على حدٍّ سواء، وسنعرض هنا بعض الصور التي رُسمت من خلالها ملامح هذا العصر.

 

فخ الثقافة ... يكمن في خبر ورد على مواقع التواصل عن اعتقال أستاذ جامعي في جامعة واسط لأنه دعا إلى ما يُعرف بـ"العصيان المدني"، انطلاقًا من قيم ومبادئ قد يكون قرأ عنها أو سمعها أو عاشها في الخارج. وأنا من الذين يرفضون رفضًا قاطعًا اعتقال الأستاذ الجامعي بسبب رأي عام. ولكن الخطأ الذي ارتكبه هو أنه لم يُدرك مع مَن كان يتحدث. فهنا يجب توضيح الأمر: لقد بنى فعله على أساس أنه يعيش في عصر مثالي، معتمدًا على كونه ينتمي إلى أعلى فئة اجتماعية، متناسياً أن الوعي غير موجود أصلاً عند العامة. وهذا بسبب أن مجتمعنا اليوم بات متطبّعًا على تقبّل الخطأ. ولم يرد في ذهن الأستاذ وقتها أن الشر لا ينتصر بكثرة المؤيدين، بل بعدد المستفيدين منه، وهذا بالضبط ما يساهم في كبح عمليات الإصلاح في يومنا هذا.

 

حاميها حراميها ... هو أبلغ وصف يمكن أن يُطلق على النظام الحاكم. ومن أصعب ما قد يواجهه المواطن في أي دولة أن تستولي على السلطة جماعة تحمل أيديولوجية السرقة في التعامل مع كيان الدولة، ويتمثل ذلك في إغراق المجتمع – والمواطن بشكل خاص – في مسألة القروض والفوائد المترتبة عليها، سواء كانت مالية أم عقارية. والغريب أن جميع من في ساحة السلطة يتحكمون باسم الدين، وهو منهم براء. وهم يعتقدون أنهم اكتسبوا حصانة من النقد، لكنهم مغفلون في هذه المسألة. ولهذا تراهم متشبثين بالسلطة بشكل هستيري، لأنهم جميعًا ينتمون إلى مصطلح "مسؤول الصدفة". هذا ما عزّز فيهم مبدأ عدم الانتماء، والتعامل مع البلد على أنه "مال سائب". فتحوّل المسؤول اليوم إلى شخص ينتمي لفئة "الشطّار والعيّارين"، أي الحرامية، وهذه هي الحقيقة المتفق عليها.

 

عصر الكدش ... لهذه الصفة ميزات تُعرَف عن صاحبها، تتوزع ما بين المواطن والمسؤول. فالمواطن المستفيد من نظام فاسد طبيعيٌّ أن تدافع عنه بكل استماتة، حفاظًا على مكتسباتها الشخصية، بغضّ النظر عمّا يعانيه العامة من جراء تغلغل الفساد في مفاصل الدولة. أما المسؤول الذي يضع التمسك بالكرسي في مقدمة أولوياته، فهو مغيّب عن الدور الذي اختير من أجله. ومن هنا نفهم أن كل ما نمرّ به وما سوف نمرّ به لاحقًا هو نتيجة طبيعية للعقلية التي ينتمي إليها هذا العصر. فمن الطبيعي أن يكون الحمار – كما يقال – أذكى الحيوانات، لكنه يستوعب ببطء شديد. وهذا ما ينعكس على رجال السلطة اليوم، فهم أصحاب ذكاء شيطاني، هدفه الأساسي بناء عصر يُسمى "عصر الكدش"، لتنفيذ أجندات شخصية نابعة من مطامع دنيوية.

 

الخلاصة ... نحن اليوم أمام مأزق فكري: أليس من العيب أن يأخذ الحمار الدور الريادي في الحكم؟ ذلك لأن الحمار، منذ ولادته وحتى موته، لا يقتنع بأنه حمار. وأعظم أحلامه أن يرى نفسه حصانًا، لكن تبقى هذه الصورة في مخيلته فقط، فيما يراه الناس حمارًا لا يُحسن التصرف ولا القول. وهذه هي ميزات العصر الذي نعيش في أركانه اليوم. والحل لتجاوز هذه المرحلة السيئة بكل تفاصيلها هو المضي في نشر سياسة التوعية الفكرية. أما التحريض على هذه الفئة الضالة في هذا الوقت بالتحديد، فأعتبره حماقة – إن صح القول – وأستشهد هنا بمثل شعبي عراقي شهير: "الما يسوكه مرضعه، سوك العصا ما ينفعه".

إن اتخاذ سبل حضارية مع أيديولوجية الهمج هو بمثابة عملية انتحار، وهذه لا تنطبق على ما أكتبه هنا. لأن السبب بسيط: الحمار منذ الأزل لا يقرأ، ولو قرأ لفهم. وهنا تكمن المسألة في انتهاج منهج الشجاعة فيما أكتب. وأختم بالقول: إن النظام والسلطة على دراية كاملة بكل ما ذكرت، ولكن مصلحة أعوان الفساد تقتضي العمل بمبدأ: "جنِّن بروحك وعيش طيب". .... ولهذا نحن نعيش عصرك أيها الكديش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...