صراع المنابر في الموصل
تحت عنوان
منهجية القطيع في الإسلام المعاصر
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية باستشهاد لمشهد من مشاهد النجم الكبير
دريد لحام، حيث يقول: سأل أحد المصلين: "بتصلي؟" فأجابه: "نعم،
أصلي، ليش؟ شو ناقصني؟" فرد عليه دريد: "ناقصك أن تخاف الله". وفي
هذه الكلمات تتجلى مشكلة صراع المنابر في مدينة الموصل هذه الأيام.
وهنا أعود إلى مشاهد عالقة في ذهني من بعض
مرتادي الجوامع في السنوات الماضية، حيث كان الصراع محتدمًا للوقوف في الصف الأول،
وقد يصل الأمر إلى مشادات كلامية. فينشأ السؤال: هل إذا كنت في الصف الأخير لن
يراك الله؟ هذه القضية تدخل في باب الرياء والعياذ بالله، إلى جانب الكثير من
الممارسات غير المقبولة التي أوصلتنا إلى هذا الواقع.
منهجية القطيع... وهي منهجية دخيلة على الإسلام؛
فربكم واحد، ونبيكم واحد، وكتابكم واحد، فعلامَ تختلفون؟ ولا يقل لي أحدكم هنا إن
هناك حديثًا يقول: "اختلاف أمتي رحمة"، فهذا مما يُنسب زورًا إلى رسول
الله ﷺ؛ إذ لا يعقل أن يقول رسولنا الكريم ما يخالف القرآن. فقد قال رب العرش
العظيم في محكم آياته: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وهذا ما
يفنّد حججهم بشكل كامل.
كان المسلمون سنة وشيعة، ثم تفرع منهم:
(الإخوانيون الذين عشقوا السلطة، والسلفيون المهتمون بالمظاهر، والمتحررون الذين
لا نعلم ممَّ سيُحررون، والصوفية عشاق الفانتازيا، وغيرهم الكثير). جميع هذه
الفئات ساهمت في شق عصا الإسلام. وقد غذّى هذا الانقسام بعض مدّعي الفقه في بدايات
القرون، وكانوا بمثابة مفاتيح للفتنة، هدفها تزعم السلطة الدينية. كلها أوهام
مرضية في حب السلطة، ورحم الله من قال: "طالب الولاية لا يُولّى".
لقد عزز الكثير من المنظرين في الفقه الإسلامي
منهجية القطيع في التعامل مع الأيديولوجيا الدينية، مما ولّد ظاهرة خطيرة جدًا هي
كسر "الأيقونة". إذ يمضي الكثير خلف رأي معين بأسلوب الانقياد الأعمى،
وهو ما يولّد الضغينة تجاه كل مخالف لهم بالرأي، ويصل الأمر إلى التكفير، وهذه
كارثة الكوارث.
هي بيوت الله، وليست بيوتكم... من أعظم الأعمال
أن تجمع الناس في مكان لذكر الله، ليكون لك رصيدًا يوم تنعدم فيه الأرصدة. لكن ما
نراه اليوم ونسمعه هو قضايا معيبة في منهجية الإسلام الحق. وإن أردنا الخروج من
المأزق الذي نعيشه في بيوت الله، فلا بد من تغيير المعايير التقييمية للفرد القائم
على إدارة المساجد.
ما نشهده اليوم ليس خلافًا على بعض المساجد
والجوامع الرئيسة في الموصل طلبًا لوجه الله، بل هو بسط نفوذ قطيع على آخر.
ويذكرني هذا بمقولة قيلت في أيام هجرة الرسول ﷺ: "من كانت هجرته لمال يكسبه
أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". وهنا يبرز ما نراه اليوم من أشخاص
يرددون أنهم يخدمون في بيوت الله، وهم يتقاضون أجورًا مالية على هذا الفعل، وكأنهم
يظنون أن لهم بذلك عقدًا مع الله! وهذا وهم وظلال؛ فالتعامل مع الله لا تُقاس فيه
المكتسبات المادية.
أما استغلال نفوذ بعض السلطات المسلحة للاستحواذ
على إدارة المساجد والجوامع، فهو أمر معيب لا يليق برجل دين.
الخلاصة ... اتقوا الله في أنفسكم وفي المسلمين،
واعلموا أن الله ليس بغافل عما تعملون. خلافاتكم هذه تبعدكم عن الله إن كنتم
تعلمون. فالله لا يحتاج إلى وسيط، لا بشر ولا جماعات. الطريق معروف: لا أنبياء ولا
أوصياء بيننا اليوم، والمعيار الوحيد هو مخافة الله. وما تفعلونه يثبت أنكم تريدون
إيجاد وسائط بينكم وبين الله، وهذه الممارسات أقرب لعبادة أهل مكة قبل البعثة
النبوية، حيث كانت اللات والعزى أصنامًا تُرفع شعاراتها، وأنتم اليوم جعلتم
لأنفسكم أصنامًا بشرية في بيوت الله، وهذا شرك صريح.
فالله لا يحتاج إلى وسائط، وما بُعثت الأنبياء
إلا لإلغاء دور الوسيط في العبادة. أما الألقاب والمسميات التي تُطلقونها على
أنفسكم فما هي إلا كفر وضلال، وعلمها عند ربي.
وأختم بما بدأت: "اتقوا الله... اتقوا
الله... فكلنا على موعد مع الحساب يوم القيامة".
اللهم إني بلغت، فاشهد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق