بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 18 سبتمبر 2025

مقال

 مأزق أكاديمي

تحت عنوان

بين الأستاذ والمشرّع الأكاديمي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



للتنويه: ما سوف يرد لا يُعتبر ورقة نقدية موجَّهة إلى جامعة الموصل أو أي جامعة عراقية أخرى، بل هو ورقة نقاشية تتعلق بالمشرّع الأكاديمي.

وهنا يكون إجمال ما قيل في هذا الموضوع: "إذا ما أُريد أن تُطاع فأمر بالمستطاع"، ومن هنا تكون البداية. فقد لوحظ منذ نهاية العام الدراسي المنصرم صدور سيل من القرارات والتوصيات التي تراوحت بين متطلبات وواجبات تخص الكوادر التدريسية في الميدان الجامعي. غير أنّ هذه القرارات كثيرًا ما تقوم على مقارنات بين التجارب العالمية والمحلية، مستندةً إلى أيديولوجيات المشرّع الأكاديمي. ولو تأملنا هذه المتطلبات لوجدنا أنها تعاني من المبالغة، إذ تعتمد منهجية تنظر إلى الأستاذ الجامعي وكأنه مجرّد تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يفضي إلى خلق حالة من التشنّج تمتد لتطال الجانب الوظيفي والحياتي للأستاذ.

وتبرز هنا مسألة التقييمات العلمية. وللتأكيد، أودّ الإشارة إلى أنّني أُعتبر من المخضرمين في العمل الجامعي رغم عدم انتمائي إلى الهيئة الأكاديمية، لكن بسبب علاقاتي الوثيقة وقربي من العديد من الشخصيات الجامعية، أصبحت على دراية كاملة بما يجري في أروقة الجامعة. فمنذ السنوات الأولى في هذه المؤسسات، عُرف الأستاذ الجامعي باعتباره قيمة عُليا لا يُدانيها شيء. وللحق يجب أن يُقال: لقد عانى التدريسيون في جامعات العراق كثيرًا، وتجاوزت معاناتهم كل التصورات، خصوصًا في فترة النظام السابق بما يخص الجانب المادي، لكن ذلك لم يمنعهم من الحفاظ على الرصانة الأكاديمية التي منحت المؤسسة هيبتها.

أما اليوم، فنرى المشرّع الأكاديمي قد نصب نفسه وصيًا وحارسًا على صورة المؤسسة الجامعية من خلال قرارات وتوصيات يُعتبر الكثير منها ضغوطًا تُمارس بشكل متعمَّد أو غير متعمَّد. وقد نسي ذلك المشرّع أنّه يحمل الشهادة نفسها التي يفرض لها الوصايا والمتطلبات، ظانًا أنّها كفيلة بحلّ عدد من المشاكل الجامعية. والأغرب أنّ جزءًا من هذه القرارات يخص حملة لقب الأستاذية، وهذه كارثة بكل المقاييس؛ فإذا كان هذا التعامل مع أعلى شريحة جامعية، فكيف سيكون الحال مع من هم أقل درجة منها؟

إنّ قاعدة المشرّع الأكاديمي يجب أن تنطلق من مبدأ: لكل مقام مقال. فلا يصح إخضاع الأستاذ للغة الأرقام التنافسية فقط من خلال تقسيمات على فقرات تحكم المعايير التقييمية السنوية أو تحدد الأحقية في الإشراف على المشاريع العلمية. فماذا عن المعايير العلمية الرصينة التي تتمثل في متابعة شخصية الأستاذ، وقدرته على اكتساب وتطوير العمل التدريسي؟ إنّ هذا الوضع يُعزى إلى عدم إيمان المشرّع بالرصانة العلمية للأستاذ الجامعي وخلق حالة من عدم الثقة، رغم أنّ الرواق الجامعي ما يزال بخير، وما يزال هناك عمالقة جامعيون تشهد لهم المحافل العلمية العالمية.

قد يكون هذا القياس قائمًا على المعايير التي يعتنقها ذلك المشرّع، لكن من الواجب أن تكون هناك معايير معتمدة بعيدة عن نظرية المئوية في التعامل مع الشخصية الجامعية. فالتدريسي الذي ينال لقب (الأستاذ) قد بلغ مرحلة تُبعده عن الإملاءات التي تزيد من ثقله ومسؤوليته.

 

الحلول ... تتوزع بين إعادة نظر المشرّع في طريقة تعامله مع الشخصية الجامعية، وبين إيمان التدريسي نفسه بأنّه يمثّل الجانب المشرق في المجتمع في القضايا التي تخصه. ويجب أن يتم ذلك من خلال حوار مؤسسي حقيقي، لا عبر جمعيات أو تكتلات هدفها استعراضي أكثر منه عملي. فالأستاذ اليوم إذا لم يُدافع عن حقه، وهو من يُفترض أن يكون قدوة في المجتمع، فلا يُنتظر من العامة الكثير.

ومن هنا يكون الحل في إيجاد وسيلة لخلق لغة حوار بين المشرّع والأستاذ، يكون هدفها الوحيد المساهمة في بناء صروح علمية جديرة بالاحترام، والابتعاد عن تبنّي فكرة الاستقصاد أو نظريات تقصي الأخطاء. فنحن اليوم أمام العلم والعلماء، ويجب أن نرتقي بالنظريات التي تُطرح. إننا أمام مسؤولية تاريخية ترسم ملامح جامعية ينبغي أن نُفاخر بها أمام العالم، لا أن نكتفي بوضع معايير تقييمية قائمة على أرقام عمياء وخوارزميات لا تعترف بالواقع، وهي نتيجة مباشرة لانتقال سريع إلى الرقمنة والحوسبة، في وقت لم نوفّر فيه المقومات الأساسية المقابلة قبل المطالبة بواجبات قد تُعتبر مجرد أحلام وردية. ومن منا لا يسعى لتحقيق حلم وردي؟ لكننا نعود مجددًا إلى نقطة البداية: إذا ما أُريد أن تُطاع فأمر بالمستطاع.

 

الخلاصة ... بعد نشر هذا المقال، قد يقول لي الموظف (حسين) العامل في قسم التاريخ: "بدل أن تتحدث عن مشاكل الناس، تحدّث عن مشكلتك أنت مع الجامعة". لكن ما يجهله هو أنّه عندما تكون جزءًا من الرأي العام يُفرض عليك أن تتعامل بمنطق العقل في تبنّي القضايا المطروحة. فأنا أسعى إلى أن يكون المجتمع الذي نحيا فيه أقرب إلى المثالية، وبهذا تُذلَّل الصعاب وتوجد الحلول للمشاكل المستعصية، ومن ضمنها مشكلتي التي دامت سنوات دون حل يُذكر... وفق الله علمائنا وجامعاتنا، وحفظ العراق من كل سوء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

  مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب تحت عنوان ممر قناة الذهب الأسود المائية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تُعدّ بؤر...