اليزيدية وما فعله محافظ نينوى
تحت عنوان
مسمار جحا
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
في البداية، أود الترحم على صديقي الدكتور أحمد ميسر
السنجري رحمه الله، فقد كانت له كلمة شهيرة يرددها في اللهجة الموصلية إذا ما طرح
موضوع كهذا، وهي: (أنتم قتلتمنا)، وفي هذا دلالة لا تخلو من السخرية.
وفي هذه السطور، لا أعيب على أحد، لا (اليزيدية) ولا
غيرهم، وليدينوا بما يشاؤون، ولكن هناك ظاهرة يجب التحدث عنها، استفحلت في مفاصل
النظام الحالي والدولة بشكل عام، وهي قضية الاستخفاف بكل شيء. فبعد عشرين عامًا من
استهانة السلطات بالمواطن ومتطلباته البسيطة، نرى اليوم أننا قد انتقلنا إلى مرحلة
أخطر مما قد يتصوره القارئ.
وذكرني تصرف المحافظ بالأمس بقصة تُروى عن أحاديث جوج
وماجوج، فبعدما يتم القضاء على من في الأرض، يصرخ أحدهم قائلاً: "بما أننا
قتلنا من على وجه الأرض، فلنقتل من في السماء"، والعياذ بالله. وهذا بالضبط
ما حدث في قضية الاعتذار.
مسمار جحا … عنوان مشهور لرواية تُروى عن الشخصية
التراثية (جحا)، وهي أنه عندما باع منزله، ترك هناك مسمارًا في الحائط، وقال لصاحب
المنزل الذي اشتراه منه: "أبيعك كل المنزل إلا هذا المسمار"، واتخذه حجة
لإزعاج صاحب المنزل كلما أراد ذلك. وهكذا الحال مع الطائفة اليزيدية، حيث اتخذوا
مما فعل الخارجون عن الدين الإسلامي حجة لنيل المكتسبات. وأنا بهذا لا أنكر أنهم
تعرضوا للأذى، ولكن هذا لا يعطيهم الحق في فعل ما يشاؤون اليوم.
فحسب علمي، هذه البلاد مسلمة، والعزف على موسيقى (أنتم
قتلتمنا) أصبح موسيقى تمتاز بالنشاز، ومن المعيب تخوين طرف من الأطراف بسبب
ممارسات الخارجين عن مسارات العقل.
الخطوط الحمراء … السلطة والمال مكتسبات دنيوية، والكثير
ممن يمضون خلف تلك المسميات متناسين المحاكم الإلهية. ويجب علينا توضيح أمر هام
لأولئك الغافلين عن قضايا تبدو لهم صغائر، ولكنها من الكبائر التي قد لا تُغتفر،
ومنها قضية الشرك بالله.
أما عن قضية التسامح الديني في الإسلام، فلا يعطي الحق
لأحد بتخطي الخطوط الحمراء للذات الإلهية. هم شركاؤنا بالوطن والإنسانية، أمر لا
يختلف عليه أحد، ولكن البروتوكولات والمجاملات لا تعطي الحق بالاعتذار من الشيطان.
نعم، كما ذكرت، لا تُقبل الغلط والمساومة على حق من حقوق الله.
وما حدث هو تقصير في فتح مسجد إسلامي، وليس دائرة حكومية
تضم جميع شرائح الوطن، وهذا يفرض علينا احترام شعائرنا بالكامل وعدم إطلاق التهم
لاستهداف أحد معين. وما حدث من مطالبة بالاعتذار هي عملية بعيدة عن المنطق
والحريات كما يطالبون.
وإذا كان هناك من على الأرض تدين له البشرية بالاعتذار،
فهو الدين الإسلامي، وما يفعله من يدعون أنهم اتباعه، الذين كانوا السبب الرئيسي
في الاستهانة والتجاوزات بحق الدين ورموزه، مكانة الله على الأرض، هي اليوم في
أسوأ حالاتها منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا.
ولا أُزكي نفسي من هذا القول، فهناك من يعمل على تغيب
شخصية الرب فيما تفعله البشر بحجة التطور والديمقراطية. فستبدل الله اليوم بالمال،
فهو رب كل شيء. البيع والشراء أصبح الإنسان أبرز السلعة المتوفرة طوال الوقت، وقد
يستهجن البعض هذا القول، ولكنه الحقيقة. وقد خرج الإنسان عن المسار المعلوم له،
ولهذا ترى أن كل شيء قد تغير، فكثرت الجياع، وشاعت الجرائم، وقطعت الأرحام، وبات
كل شيء يدين لربهم الجيد: المال، جل جلاله. نعم، هو كذلك إذا كنتم تعلمون.
الخلاصة … ما فعله محافظ نينوى ينضوي تحت شعار: "هم
الذين أخذتهم العزة بالإثم"، ولا في هذا تكفير له، لا سامح الله. فالبَت في
أمر الإيمان والكفر شأن من شؤون الله، والذي مثلي لا يعمل في عمل لله عز وجل. ولكن
يجب علينا إدراك أن هناك أعمالًا، عند القيام بها، تأخذنا لمنحى خطير بسبب جهالتنا
أحيانًا ومصالحنا الشخصية أحيانًا أخرى.
ومرة أخرى، ما أريده ذكره للجميع هو أن النظام والسلطة
والفروضات التي تفرضها هذه السلطات لن تمنع غضب الله عنك. وفي النهاية، أود التوضيح أن الشيطان اليوم لا يُعتبر
شخصية عينية، ولكن منذ البداية كان تجسيدًا لعملية الخروج عن النظام الإلهي، وتقول
الآية: "كَمَثَلِ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي
بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" صدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق