بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 11 يونيو 2025

مقال

 الإسلاميون الكدش

تحت عنوان

أيديولوجيات الأحزاب الإسلامية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



(الكديش) كلمة تُطلق على الحمار في اللهجة العامية، وجمعها (كدش). ولا استثناء في هذا، سنةً كانوا أو شيعة، فجريمتهم أنهم جعلوا من الدين الإسلامي مادة للسخرية عند الآخرين.

والقصة قديمة، تبدأ من سنة وفاة رسولنا الكريم، فأيديولوجية الأحزاب الإسلامية اليوم هي ذات الأيديولوجية التي كان يحملها الرجال الذين تركوا جثمان الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومضوا في صراع من أجل السلطة.

وهذه هي الحقيقة التي لا يعترف بها أحد. واليوم، إذا ما نظرنا إلى العقلية التي تأسست عليها الأحزاب الإسلامية في العصر الحديث، نجد أن المصدر واحد لا غير، وهو من المصادر المشبوهة بالأصل.

 

الأنبياء الجدد... ما لم يستطع إدراكه هؤلاء أن عصر الوساطة بين الرب وعباده قد انتهى بانتهاء الرسل والأنبياء. ولكن اليوم، تلك الأحزاب تتخذ دور الوسيط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، في أخذ دور الإله الواحد على هذه الأرض، وراحوا يصنفون البشر بين صالح وطالح، هذا في الجنة وذاك في النار! وهذا شرك عظيم، إن كانوا يعقلون أصلًا.

 

بومة المقابر... الشخصية التي جسّدتها أغلب تلك الأحزاب؛ فأينما وضعت يدها حلَّ الخراب. ودليلي في هذا: عندما تولى الإسلاميون في مصر مقاليد السلطة، كانت سياستهم أقرب إلى سياسة "خليها على الله"، ونسوا قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" – صدق الله العظيم.

وبهذا أثبتوا لنا أنهم ينتمون إلى نوعية "إسلاميو القشور". أما عن امتلاكهم وعيًا يمكنهم من وضع أسس لبناء حياة المواطن، فهناك كلمة عند العامة تُقال في مثل هذه المواقف: "تُعذرني بكل قوتك!"

أما المثال الآخر، (غزة)، وتعميق جراحها من خلال التنكيل بأهلها، فكان سببه تلك الحماقات غير المحسوبة من قبل الذين يطلقون على أنفسهم "إسلاميين"، والإسلام منهم براء.

وإذا ما أردنا إعطاء أمثلة أخرى، فستكون الضاحية، وما أصابها عندما صبّ العدوان جلّ غضبه على البنية التحتية التي تخص المواطن ومتطلبات الحياة اليومية، وذلك لأن الإسلاميين اتخذوا من الأحياء السكنية ثكنات عسكرية. وكذلك اليمن التعيس، عندما كان للإسلاميين موضع قدم هناك، كان الخراب حاضرًا على قدم وساق. والسودان، والعراق، وإيران، كلها أمثلة حيّة نرى ونسمع عمّا يفعلون. ومن سيعطينا مثالًا حسنًا ويذكر لي تركيا، سأقول له إن سياسة أردوغان هناك هي أشبه بسياسة تيتو، فعندما توفّي تمزقت البلاد، وهذا ما سيحدث، ولكنها مسألة وقت لا أكثر.

 

الإسلاميون الكدش... وكذوبة "الإسلام السياسي"، هذا المصطلح الذي كان من إفرازات سذاجة الأيديولوجية التي اتخذت من الإسلام غطاءً لأطماعها الدنيئة على مرّ العصور. فعندما كان الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، لم يكن قائدًا سياسيًا، بل نبيًا وصاحب رسالة، وهو النذير الأخير. ولكن بعد وفاته مباشرة، ظهر ما يُعرف بمفهوم التحزب والجماعات، ومن هنا انبعثت المخازي في تاريخنا الإسلامي. وإلى يومنا هذا، سترى أن جميع الأحزاب الإسلامية مصدرها منبع واحد لا غير، لكل الطوائف، بغضّ النظر عن المسميات. فجميع من ساهم في تبويب ما يُعرف بـ"الإسلام السياسي"، هم عبارة عن منظّري الشيطان، وهم الذين فتحوا له الباب للمضي في فكرة التفريق وشق عصا الجمع الإسلامي. وهذا ما أوصلنا إلى هذا الحال اليوم، من استهجان البعض لمصطلح "الإسلام"، واستحقوا لقب: الإسلاميون الكدش.

 

الخلاصة ... إن الإسلام بريء مما فعله هؤلاء، وكل من يدّعي أنه ضمن دائرة الأحزاب الإسلامية – جميعها – هو من جعل الله مادة تُباع وتُشترى. وأستشهد بقول الله تعالى: "إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا" – صدق الله العظيم. ولهذا، يجب على الجميع محاربة فكرة الإسلام السياسي، وصدق الله العظيم إذ قال: "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"

 

الثلاثاء، 10 يونيو 2025

مقال

 

معضلة الخالق والمخلوق

تحت عنوان

الأزمة الإلهية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لا صحة لمقولة: "لا يجوز الحديث فيما يخص الذات الإلهية"، ودليلي في هذا أن الخالق قد تحدث إلى خلقه عن ذاته، كما ورد في النصوص السماوية. وإذا ما أعدنا قراءة تلك النصوص، فسوف تظهر لنا العديد من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير، ومنها قضية الخلق وسر وجوده على هذه الأرض.

وهنا سيجيبنا أحد العباقرة التقليديين بالنص القرآني:

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" – صدق الله العظيم.

وفي تلك الإجابة، يتصرف من يرددها كأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة، وكأن كل من على الأرض من بشر لا يقرؤون ولا يفهمون. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الأجوبة ما هي إلا عملية هروب من مسؤولية تشغيل النظم العقلية للإنسان، وهو حال كثير من البشر اليوم. واليوم، وفي هذه السطور، ستقرأ ما لم تقرأه من قبل عن هذا الموضوع. ولتقديم مقدمة منطقية، يجب أولًا فهم الشخصية الإلهية، والمقصود بها: الرب.

الرب هو المحور لكل شيء في محيط الكون، وهو جزء من هذا المحيط، وليس هناك وقت محدد لبداية الأحداث. ومن خلال القراءة المتتابعة للكتب السماوية، سنجد أن فكرة خلق بني آدم ليست الأولى – وقد أكده الحوار بين الإله والملائكة – ولن تكون الأخيرة. فالخلق هنا عبارة عن مشاريع إلهية، بغضّ النظر عن مبدأ النجاح أو الفشل.

وكأي مشروع، يكون له معارضون ومؤيدون. وهذا ما حدث في قصة خلق الإنسان منذ اليوم الأول، واختلفت الاعتراضات ما بين حميدة وخبيثة. ومن أبلغ الدروس في هذا أن الذات الإلهية تتقبل الرأي الآخر، وهو ما لم يستطع الإنسان فعله.

 

الشيطان الكاذب الذي صدق... تبدأ القصة بالاعتراض على خلق آدم. وكان لا بد من فعل شيء كردّة فعل. ولأن الشيطان كان على دراية بالصفات الإلهية، فكّر في أن يمنح الإنسان الأول ميزة من تلك الصفات التي لله وحده. ومن ما يتباهى الله به: أنه الحي الذي لا يموت، وهذا ما دفع الشيطان إلى إقناع الإنسان الأول بأن يأكل من شجرة الخلد. وهذا ما أغضب الله، لأن الإنسان أصبح يشترك مع الله في صفة الخلود. ولكسر هذه القاعدة، كان لا بد من إدخال فكرة الموت، لضمان تفرد الذات الإلهية بهذه الصفة. ولم تذكر النصوص السماوية شخصية الطرف الآخر في الاعتراض، وقد يكون هو الشيطان ذاته. وهنا يمكننا القول إنه الكاذب الذي صدق.

 

المأزق الإلهي... يكمن هذا المأزق في آلية الفهم لدى المخلوق. وبرغم أن الله أرسل العشرات، وربما المئات، من الرسل والأنبياء، فإن الهدف من إرسالهم لم يكن فقط توجيه البشر إلى العبادة التقليدية، بل التوضيح العميق لمعنى الخلق، وما هو مطلوب من الإنسان. والغرض لا ينحصر فقط في العبادة، بل في تجنب الوقوع في أمرين خطيرين: (الفساد وسفك الدماء) وهذان هما ما يميزان الإنسان المعاصر – للأسف. وبهذا، تكون البشرية قد وقعت في المأزق الإلهي، وهو ما قد يجلب غضب الرب، ويجعله مضطرًا إلى إيقاع أقصى العقوبات على الخارجين عن القانون السماوي.

 

أديمومة الرب والخلق... آدم لم يكن الأول، ولن يكون الأخير.. والغريب في الأمر هو الإصرار المتواصل من قبل الذات الإلهية على خلق من يحملون الاستمرارية، مرحلةً بعد أخرى، وكأن الأمر مرتبط بوجود الرب ذاته. وقد يرى البعض في هذه الكلمات نوعًا من الإلحاد، لكنها الحقيقة التي يخاف الجميع الحديث عنها، بسبب أن رجال الدين جعلوا الحديث عن الله خطيئة. وقد عملوا على ذلك منذ زمن طويل.

 

الخلاصة... إن الرب إذا أراد شيئًا، فمن البديهي أن يقول له: "كن فيكون". لكن قصته مع الخلق تكمن في أن استمرارهم يمنح ديمومةً للوجود الإلهي. وهذه ليست فرضيات، بل هي خطوط انسيابية تنتهي عند أن كل ما في السماوات والأرض مرتبط بوجود الله. وديمومة هذا الوجود مرتبطة ببني البشر على هذه الأرض. وهنا أقول: "إلهي، إنني قد اجتهدت، فإن أصبت، فهذا لوجهك، وإن أخطأت، فأنت غفّار الذنوب."

الاثنين، 9 يونيو 2025

مقال

 فروج النساء للبيع

تحت عنوان

منهجيات النسوة المعاصرات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



سقط هذا العالم عندما أصبح كل شيء قابلًا للتفاوض، حتى مصطلح "الشرف"، مما أدى إلى انعدام القيم والمبادئ والقيم الإنسانية. فلتكن البداية من الرجال، وقد كان لهم الإسهام الأكبر عندما باعوا مبدأ النخوة من أجل الشهوة. أما عن الطرف الآخر، فهناك ظاهرة نسائية تكاد أن تحطم النسيج الاجتماعي في مجتمع يميل إلى التحفّظ، ومن مظاهرها تغيّر الأيديولوجيا لعقلية المرأة المعاصرة على نطاق واسع. وتكمن هذه النظرية في أن المرأة ترى في الرجل مشروع استغفال، والرجل يراها فريسة مشروعة للافتراس. فتحول المجتمع إلى مادة مرنة قد تتقبل كل شيء من الأفكار الدخيلة، وهذا ما أخرج الجنس البشري عن الطبيعة التي خُلق الإنسان عليها. ولهذا، تجد أن بعض النساء ذوات السمعة السيئة، أكثر جرأة في المرافق الحياتية، بسبب كونهن من الشخصيات التي خَسرت كل شيء.

 

بين المرأة العربية والغربية... هما عنصران مختلفان من عوالم متباينة، وهذا ما لم تدركه المرأة العربية، وهو الذي أوقعها في فخ التقليد. فعلى سبيل المثال، تمارس المرأة الغربية الجنس باسم الحب، بينما تمارسه المرأة العربية باسم الرذيلة، بمقابل مادي، وقد تسللت هذه الفكرة إلى منظومة الزواج.

 

عقد زواج أم عقد ملكية... من أروع ما جاءت به التعاليم السماوية هو تنظيم الحياة الزوجية، وهذا لا يحظى بالقبول لدى الجميع. فتجد واحدة منهن تواظب على عبادتها بشكل منتظم، وتؤمن بكل ما ورد في تلك الكتب، إلا فيما يخص تعدد الزوجات، فتفضّل أن يخرج الرجل لممارسة الرذيلة واكتساب الذنوب، على أن يطرح فكرة الزواج من ثانية، ولو على سبيل المزاح. وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للشيطان، ليفرض أجندته التي تُخرج الإنسان من الحدود التي رسمها الله له.

 

تغيّر المفاهيم... في العادة، تتكوّن المفاهيم من مصطلحات كـ"المودة" و"الرحمة"، وهي الأسس التي تقوم عليها العائلة، ولا جدال في هذا. وهنا، أستذكر بعض المقولات الهجينة بحق المرأة في بدايات القرن الماضي، والتي وصفتها بالجهل والأمية. لكن للحقيقة وجه آخر؛ فهي كانت تمتلك ثقافة فطرية مكتسبة من العادات والتقاليد والمضامين الدينية. وإذا ما عقدنا مقارنة بين الماضي والحاضر، فسوف نجد أن المرأة المعاصرة أكثر جهلًا وأمية، بغضّ النظر عن الشهادات الدراسية التي قد تحصل عليها. وذلك بسبب انتشار المنظمات التي ترفع شعارات "النسوية"، وهي من أبرز المعاول في تدمير عقلية المرأة الحديثة.

 

المسبّبات الرئيسة... عندما عجز المستعمر عن ترويض المجتمع العربي المسلم في بدايات القرن الماضي، لجأ إلى الحلول البديلة. وبعد ما يُعرف بعمليات تحرر تلك البلدان، كانت نظريتهم تقوم على هدم المجتمع. وقد كان لهم منظّرون في هذا المجال، فوجدوا أن العرب والمسلمين يمتلكون منظومة قيمٍ يسعون للمحافظة عليها، ومنها مكانة المرأة. ومن خلال بعض الأقلام، دُسّ السمّ في العسل. ومن تلك الأقلام كان "قاسم أمين"، الذي زرع الأسس الأولى لهدم قلاع المرأة العربية المسلمة، من خلال مصطلح "تحرر المرأة". ومن هنا، بدأت مرحلة جديدة في تغيّر العقلية النسوية، فتبدّل كل شيء يتعلق بالأخلاق، والزواج، والتربية. حتى قيل في حقها - وصدق القائل -: "إذا ما أصلحت كانت ملكًا صالحًا، وإذا ما أفسدت كانت شيطانًا رجيمًا." وهذا دليل قاطع على أن المرأة أصبحت، في نظر البعض، لعبة حظ للرجل، ونوعًا من المقامرة، مما دفع بعض الرجال إلى العزوف عن فكرة الزواج.

 

المرأة كائن غبي... هذه فكرة قديمة تعود إلى منهجية الفلاسفة الأوائل، ومنهم أفلاطون. وقد كانت هناك نظريات فلسفية تطرح - حتى القرن الثامن عشر - جدلية: "هل المرأة مخلوق بشري أم لا؟" وعند النظر إلى وضع المرأة في عالمنا اليوم، ندرك المسبّبات التي أثارت تلك الآراء، بغضّ النظر عن اتفاقي معها أو لا. لكن الواقع يدعم تلك النظريات. وبعيدًا عن إنجازاتهن في بعض المجالات الوظيفية والعلمية، تبقى المرأة الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها كسر الرجل. وهذا ما أدركه المنظّرون لصناعة المؤامرة.

 

الخلاصة... تحولت المرأة اليوم إلى مسخ فاقد للدور الحقيقي لوجودها على هذه الأرض، بسبب تحوّلها إلى وعاء يستقبل كل ما يُملَى عليها باسم "حرية المرأة". فكانت هناك عرقلة لمسيرتها نحو الحرية، وتوقّف في منتصف الطريق؛ فلم تستطع اللحاق بركب المرأة الغربية، بسبب القيود الاجتماعية والدينية، ولم تستطع العودة إلى زمن الحريم. والمثال على جهل المرأة اليوم، هو عدم إدراكها لمخاطر فقدان الثقة من قِبل الرجل.

الجمعة، 6 يونيو 2025

مقال

 حديث ما فوق العقل

تحت عنوان

معضلة السلام

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من باب: (يحسبونها هينة وهي عند الله عظيمة)، تبدأ الحكاية بحديثٍ لصباح اليوم مع والدتي – حفظها الله – عن موقفي من بعض الشخوص الذين قد ألتقيهم أيام العيد، وإلقاء السلام عليهم. وكان رأيها أنه لا ضرر في إلقاء السلام من باب المجاملة، وهو ما كنت أرفضه جملةً وتفصيلًا، ولدي في ذلك سبب سأوضحه في هذه السطور.

السلام تحيتُنا نحن المسلمين فيما بيننا، وكثيرون يجهلون خطورة هذه الكلمة ومعناها الحقيقي وما ترمز إليه؛ فإلقاء التحية يعني أنك قد أبرمت مع الطرف الآخر معاهدة سلام، وقد أشهدت الله عليها، وهذا ما يُلزمك بقضايا قد لا تستطيع الالتزام بها، ومنها:

مسألة "الأمان"، فبتحيتك تلك قد أمّنته على نفسه وماله وعِرضه منك. ولكن السؤال: من مِنّا اليوم يلتزم بما هو مطلوب منه بهذه المعاهدة؟

فاليوم لا تجد بين الناس إلا صفات: (النميمة، الحسد، الحقد، الخيانة)، فإذا وُجدت واحدة من هذه الصفات بينك وبين الطرف الآخر، فقد وضعتَ نفسك في مأزق كبير؛ يكمن في أنك عندما قلت: (السلام عليكم)، فقد جعلتَ شخصية الرب، المتمثلة بـ(الله)، حاضرة وشاهدة عليكما. وهذا لأن كلمة "السلام" هي اسم من أسمائه الحسنى – عز وجل.

وقد يقول أحدكم عند قراءة كلماتي هذه إن كاتبها ينتمي إلى السذاجة في اختيار مواضيعه الكتابية، ولكن هذا غير صحيح، فالعمل بخلاف ما كُتب سيدخل فاعله في باب من أبواب النفاق: (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار)، كما قال رسولنا الكريم ﷺ.

ولذلك، علينا أن نتدبر القضايا التي تريد الذات الإلهية أن تكون حاضرة على هذه الأرض. وقد يظن كثيرون أن غضب من في السماء على البشر محصور في القضايا التقليدية للعبادة، كالصلاة والصوم، ولكن للحقيقة وجه آخر؛ فالغضب قد يكون في تصرفات اعتدنا عليها ونحسبها من الأمور الصغيرة التي يمكن التغاضي عنها يوم الحساب.

وهنا أستذكر من الكتاب قوله تعالى:

(عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكّى) – صدق الله العظيم.

وفي هذا دلالة وتأكيد على المغزى المراد من فكرة المقال، فقد يكون الفعل الذي عاتب الله به نبيَّه الكريم ﷺ، لا يكاد يُذكر، ولكنه كان سببًا في نزول الوحي؛ ليُذكرنا بأننا قد نرتكب أخطاءً تبدو بسيطة، لكنها كارثية يوم العرض العظيم، وهذا ما أردت التحذير منه.

ولهذا، فإن التحية لها التزامات يجب التقيُّد بها، فهي ليست مجرد كلمة تُقال لغرض الاستعراض الاجتماعي. وليس هذا فحسب، بل وما يدريك كم في حياتنا اليومية من عادات قد تكون سببًا في هلاكنا أمام الله.

لهذا يجب أن تكون لنا منهجية نستطيع من خلالها إيجاد قراءة دينية تتناسب مع حاضرنا، والابتعاد عن نظرية:

(هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا) صدق الله العظيم

فالعقل اليوم أصبح يملك قدرات تختلف عمّا كان عليه، وقد كُتبت كثير من التشريعات في فترات معينة. وهذه دعوة لأولي الألباب للتدبر فيما يُكتب ويُطرح على العامة، من مسائل شُوّه بها وجه العقيدة الدينية، بغض النظر عن قدسية كاتبها.

الخلاصة ... إن ما كُتب في هذا المقال هو من أهم القضايا التي تلامس حياتنا اليومية، وقد يكون غاب عن كثير من الناس؛ وذلك لأن العالم اليوم يعيش في عملية تغييبٍ منظمٍ لمنهجية العقل، وكان لا بد من التذكير، من باب:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) – صدق الله العظيم.

وأنا أكتب هذه الكلمات لا أدّعي بها الصلاح، ولكن الكلمة التي أكتبها أعلم أنها ستكون حُجّة لي أو عليّ يوم الموعد، ولهذا أريدها أن تكون لي لا عليّ... وأنا على يقينٍ كامل، وأشهد الله، أنني ما كتبت حرفًا إلا وأنا أعلم أنني أكتب الحق، وسوف يعلم الحق بذلك.

اللهم إني بلّغت، فاشهد.

 

الاثنين، 2 يونيو 2025

قراءة نقدية

 قراءة نقدية في فن الأدب الساخر

تحت عنوان

نص (بوسات) للدكتور أحمد جارالله ياسين (نموذجًا)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في بداية الموضوع، يجب التعريف بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب – جامعة الموصل، وهو شخصية طالما تميّزت بالشمولية – إذا صحّ التعبير – وصاحب باعٍ طويل في هذا النوع من الأدب.

القراءة:

النص: (صالح سعيد البومة .. مواطن عراقي "باسَ" أرض الوطن منذ أول يوم لولادته، بعد أن سقط من حضن أمه التي ارتجفت خوفًا بعد سماعها بالانقلاب على النظام الملكي عام 1958..)

البداية رمزية، وتتجسّد في اقتران لحظة الولادة بالحدث السياسي، فكان ما بين أمرين: الرعب والاحتفال، مما خلق نوعًا من الاضطراب النفسي لدى المواطن. وبعدها يأتي الانتقال إلى حضن الأم، وهو ما أراد به الكاتب الإشارة إلى أن الاهتزازات السياسية، المتمثلة بالتقلبات والانقلابات، متزامنة مع الفرد منذ المهد.

 

النص: (ثم ظل يُبوس الأرض في كل المناسبات الوطنية، وآخرها فوز المنتخب العراقي بكأس خليجي 25.. إذ إنه باس أرض الشارع غير المبلط أمام بيته حمدًا وشكرًا).

وهنا تكمن الاحترافية في خلق المفارقات، التي تظهر في المناسبات الوطنية، ومنها الاحتفالات بالإنجازات الرياضية، التي خلقت نوعًا من التشويش الفكري لدى المواطن. ثم ينتقل إلى الشارع غير المبلط، الذي يرمز إلى الخراب، ومن المفارقات أن الشخصية ذاتها تتغنى بالتراب المنبعث من الشوارع غير المبلطة.

 

النص: (ومن بوسات صالح سعيد البومة التاريخية عندما عاد أول مرة من جبهة القتال في حرب الخليج الأولى عام 1981، فباس أرض بيته، وكان من حسن حظه أن (الحوش) قد شُطف تَوًّا بالمنظفات المعطّرة، المزيِلة لنكهة "النِعال" التي كانت مصنَّعة حينذاك صناعة وطنية من بلاستيك البلد...)

العودة من الوحدات العسكرية وتقبيل الأرض تُعد نوعًا من السخرية التي تخلقها الحياة اليومية. ثم ينتقل إلى مصطلح (النِعال)، الذي يُعَدّ من الصناعات الوطنية – إن وُجدت – وبهذا يكون المواطن قد اعتاد على طلب الحد الأدنى من عطايا الوطن. وما يلفت النظر هو استخدام الكاتب للمصطلحات الشعبية مثل (الحوش، النِعال)، ما أضفى نكهة محلية مطعّمة بالسخرية.

 

النص: (ثم كانت البوسة الثانية التاريخية يوم زواجه من حبّه الأول والأخير (فهيمة)... عندما باس حديقة بيت أهلها احتفالًا واعتزازًا بالثيل الذي سارت عليه فهيمة حافية القدمين من شدة الفرح في حفلة الخطوبة، على أنغام أغنية (لا خبر لا جفيّة لا حامض حلو لا شربت).

ينتقل هنا من القضايا العامة إلى الخصوصية العائلية، المتمثلة بـ(فهيمة)، زوجة المواطن صالح. وتصوير تلك القُبَل للعشب الذي مرّت عليه الزوجة، دليل على المبالغة في قدسية الأشياء، وفي هذا نوع من السخرية من بعض التصرفات التي تبدو ساذجة. أما عن إدخال أغنية (لا خبر لا جفيّة...)، فهو صناعة مزيج ما بين الفرح الساذج والحزن المرير.

 

النص: (أما البوسة الثالثة لأرض الوطن، فكانت عند عودته سالمًا من القصف الأمريكي الذي تعرّضت له قافلة الجنود عام 1991، في حرب الخليج الثانية).

السخرية هنا تأتي من تصوير النجاة على أنها حدث يستحق تقبيل الأرض، رغم أنها أرض "مُقصَفة"، وفي ذلك رسم لصورة الواقع النفسي الذي مرّ به المواطن، فأصبح التقبيل تعبيرًا عن الفرح المفرط لحدث معيّن. بعدها يأتي التهكّم الواضح من استمرارية فكرة حب الوطن التي يتكرر فيها التقديس المفرط للأرض، بوصفها رمزًا للوطن، مهما كانت مضرّجة بالدماء.

 

النص: (وفي عام 2003، باس أرض الوطن مرة رابعة، بعد أن أخطأته رصاصة قنّاص مرتزق في الجيش الأمريكي يوم 9 نيسان في بغداد، عندما كان جنديًا احتياطيًا...)

يُستعرض هنا حدث غزو بغداد والنجاة من القنص، ومع ذلك يُقابل الحدث بفعل رمزي: "باس الأرض"، بدلًا من الاحتجاج أو الصراخ، فأصبح الفعل نوعًا من الرتابة في حياة المواطن. أما اتخاذه صفة "الجندي الاحتياطي"، فهو يرمز إلى المواطن المغلوب على أمره، الذي يُساق إلى الحرب، ثم يُقبّل الأرض لأنه لم يُقتل. وهكذا بات التكرار الرتيب في الحياة مادةً دسمةً للسخرية من الاستسلام للعنف.

 

النص: (في عام 2007، باس أرض الوطن بوسَتين، بعد العودة من العمرة، والاحتفال بفوز المنتخب العراقي بكأس آسيا... ثم باس الأرض مرة سابعة قرب كاتب العرائض بعد إنجازه معاملة التقاعد).

هنا يظهر الجمع بين "العمرة"، و"الرياضة"، و"كاتب العرائض"، ليكشف عن اختلاط القيم والمقدسات بالشؤون التافهة، وهو ما فرضه الواقع على المواطن صالح. ثم تأتي السخرية من أن إنجاز معاملة تقاعد في العراق يُعادل حدثًا وطنيًا يستحق تقبيل الأرض. أما "كاتب العرائض"، فهو رمز للبيروقراطية البطيئة والفاسدة، التي تصبح مصدر "فرح وطني" عند تجاوزها.

 

النص: (وحاليًا، ينتظر المواطن صالح سعيد البومة نزول سعر صرف الدولار أكثر، ليُبوس أرض الوطن مرة ثامنة في مكتب الصيرفة القريب من بيته... وقد نذر أن يذبح تيسًا هرمًا على أنغام (جنة جنة جنة، والله يا وطنّا)...)

تمثل هذه الفقرة ذروة السخرية: الوطنية هنا أصبحت مرتبطة بتحسّن سعر الدولار. ثم ينتقل إلى "مكتب الصيرفة" الذي حلّ محل ساحة المعركة أو الحديقة – إنها وطنية اقتصادية انتهازية ساخرة بامتياز. أما الجمع بين "التيس الهرِم" والنذر، مع أغنية "جنة جنة"، فيخلق مشهدًا ساخرًا من مظاهر "الفرح الشعبي المؤدلج"، الذي لا يُدرك عمق الأزمة.

 

الخلاصة ... النص يتمتع بحرفية عالية، وليس هذا غريبًا على شخصية كاتب النص، فهو الجامع بين الوضع الأكاديمي والخبرات المتراكمة، وهذا ما منح الموضوع نكهة ساخرة من الحياة اليومية على فترات زمنية متعاقبة.

وقد كانت هناك نقاط أساسية، منها: أن الأرض تحوّلت من رمز للانتماء إلى "سطح" يتلقى القُبَل في كل مناسبة – سواء كانت مؤلمة أو عبثية. وبهذا نكون قد قدّمنا دراسة متواضعة لنص يمتاز بأنه كُتب بقلم أكاديمي محترف، متمثلًا بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين.

مقال فني

 قراءة فنية نقدية

تحت عنوان

المنهجية الجديدة في مسلسل (نسمات أيلول)

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هو عمل درامي يمزج ما بين الكوميديا والعاطفة الهادئة، وهو من الأعمال الدرامية الرمضانية لهذا العام 2025. أُخرج العمل بإخراج مشترك بين الأخوين المبدعين رشا ويزن شربتجي، ويُعدّ العمل الأول من نوعه على مستوى الدراما السورية من الناحية التقنية؛ فقد استُعملت – ولأول مرة – ردّات الفعل العفوية، التي عادةً ما تكون مادة دسمة لعرض الكواليس. وما يضيف نكهةً خاصة للعمل أن البطولة من النوع غير الثابت، يحكمها مجرى الأحداث في العمل.

 

مواضيع العمل ... تتوزع مواضيع العمل ما بين الحنين إلى الماضي، وإيجاد أرضية توافقية للعلاقات الإنسانية في مجتمع مغلق نوعًا ما. وقد طُرح موضوع موازٍ، وهو هشاشة الحب أمام التحديات والضغوط الاجتماعية، والتقاطعات ما بين الحب والحياة، مما أوجد مساحةً لاستعراض الكثير من المشكلات الحياتية التي يعاني منها كثيرون اليوم، ولكن بأسلوب كوميدي هادئ.

 

السيناريو ... كُتب السيناريو بشكل احترافي، حيث كان المضمون قائمًا على الحوار الداخلي والرمزي، وهو ما ساهم في ضبط الحبكة وتقديمها بشكل انسيابي هادئ، مبتعدًا عن الألفاظ الحادة التي طالما امتازت بها الدراما السورية.

 

نقاط الضعف والقوة ... تتباين النقاط بين التوازن في توزيع الأدوار وتعدّد القصص دون إحداث فوضى في مجرى الأحداث، مع توظيف ممتاز للفلاش باك كأداة سردية لتعميق الشخصيات، بالإضافة إلى البعد الفلسفي الذي يطرحه العمل بصيغة أدبية، مبتعدًا بذلك عن ما يُعرف بالدراما التجارية.

أما ما يُضعف العمل، فيكمن في الإيقاع البطيء لبعض المشاهد، والذي قد يُفقد المشاهد شغفه أحيانًا، إلى جانب الميل إلى التكرار في الحوارات، والاعتماد على التكرار الإنشائي.

 

الأداء التمثيلي ... ما يميّز هذا العمل هو إسقاط نظرية البطولة المطلقة، حيث تتداول الشخصيات أدوار البطولة حسب السرد الدرامي، مما خلق نوعًا من التوازن في توزيع الأدوار، وهو ما أحدث الفارق في جودة العمل.

 

الإخراج والتصوير ... اتّخذ العمل، في كثير من الأحيان، الأسلوب البصري التأمّلي، وقد ساهم في ذلك مكان التصوير، المتمثّل في إحدى قرى الريف السوري، كما يُشير العمل.

 

الدلالة الرمزية والبعد الفلسفي ... طرح العمل العديد من المواضيع الرمزية، منها عنوان العمل "نسمات أيلول"، وفي ذلك دلالة على التغيير والانتقال من مرحلة إلى أخرى، من فصل الخريف إلى الشتاء، الذي يعبّر عن الحاجة إلى دفء المشاعر في هذه المرحلة. كذلك نجد ترميز كلمة "نسمات"، وهي تعبير عن تذبذب المشاعر الإنسانية في سياق العمل.

 

رأي كمشاهد ... "نسمات أيلول"، بخصائصه الجمالية والدرامية، ينتمي إلى المدرسة الواقعية الشاعرية (أو الواقعية الوجدانية)، وهي مدرسة فنية ذات طابع خاص في الدراما التلفزيونية. وللأمانة، فإن المسلسل أعاد إليّ بعض الذكريات لأعمال يكون فيها الضحك مادةً أساسيةً في سياق العمل. وقد نجح المخرج هنا في الخروج عن المألوف بشكل احترافي، مما ساهم في خلق نوعية جديدة من الأعمال التي تُعدّ مادة ممتعة للمشاهد، لكسر الروتين.

 

الخلاصة ... يُعتبر العمل طفرة نوعية في الدراما العربية بشكل عام، والدراما السورية بشكل خاص. ومن خلال هذه السطور، أودّ أن أُشيد بقضية التجديد وتقبّل فكرة التطور في منهاج العقل الإنساني. إن تقديم عمل من هذا النوع يُعدّ اللبنة الأولى في مسار التغيير العقلي للمواطن العربي.

الأحد، 1 يونيو 2025

قصيدة بعنوان ( بانوراما نسائية في صحف شاعر)

 بانوراما نسائية في صحف شاعر

قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين



ما زالت في ذاكرتي أوراقي

أربعُ نساءٍ

ثلاثٌ منهن

سجّلتْهُنَّ الأوراقُ الحكومية،

وأربعٌ... أُغيّرُها كما تتغيّرُ فصولُ السنة

كلهنَّ

لهنّ قصائدُ على الصفحات

في ديوانِ شعري

وجميعُهُنّ

امرأةٌ عشقتُها... تمتازُ بالغباء

*****

فجعلتُ من قصائدي

باقةَ زهرٍ...

عطرًا كلاسيكيًّا...

أغنيةً تُطرِبُ الحاضرين

فيها... ابتهالاتٌ صوفيّة

يعشقها من يقرأُ

قصائدي

إلا التي كُتِبَتْ من أجلها القصيدة

فهي... امرأةٌ عشقتُها... تمتازُ بالغباء

****

ولهذا أصبُّ كلَّ حروفي

في فصلٍ

من فصولِ الجفاف

وعليه أُعلِنُ

في مدينةِ القلبِ الحداد

لموتِ... امرأةٍ عشقتُها... تمتازُ بالغباء

*****

فرحتُ أبحثُ عنها

بين "نون النسوة"

بكلماتٍ تظنّ كلُّ النساء

أنني كتبتُها لهنّ

وتبقى هي من أحببتُها

وهي من كتبتُ لها الشعر

ورسمتُ ملامحَها

بين ثنايا السطور

ليكون، بعد مضيِّ الوقت...

الرحيل لـ... امرأةٍ عشقتُها... تمتازُ بالغباء

*****

قالوا عنّي... حكايات

مرّةً: أنني زيرُ النساء

وأخرى: أنني من يُغويهن

وكلُّ ما قيلَ عنّي

إشاعاتٌ تُحاك

لِحَرقِ قصائدِ الحب

فنحن في مدينةٍ

لا مكانَ للحب...

لا مكانَ لشاعر...

لا مكانَ للحرف...

فكلُّ ما في مدينتي

أطلالٌ لحكايةٍ تُروى عن الحب

وجثّةُ عاشقٍ

قد ماتَ حبًّا

عندما كتبَ القصيدة

بحقِّ... امرأةٍ عشقتُها... تمتازُ بالغباء

مقال

 عودة البعث مادة انتخابية

تحت عنوان

على هامش الانتخابات القادمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لمن لا يعرف، فإن حزب البعث قد انتهى رسميًا في العراق منذ أحداث قاعة الخلد عام (1997)، حيث تمّت تصفية القيادات الفاعلة للحزب، وليس كما يُشاع أنه كان هناك تآمر على الحزب في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، بدأت الحقبة الصدامية. ودليلي على ذلك أن القيادات التي كانت تُستقطب ضمن الحزب، كانت بين انتهازي ومجرم ومن كل أطياف الطيف العراقي دون استثناء. وهذا ما أدّى إلى سقوط دراماتيكي للنظام السابق، بسبب انعدام المؤمنين الحقيقيين بأفكار البعث.

سياسة "جاك الواوي وجاك الذيب"... وهو مثل شعبي يصبّ في صلب الموضوع الذي نحن بصدده. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة مواد مصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والغريب أن تلك الفيديوهات تعطي انطباعًا بأن هناك بالفعل تنظيمات تتحرّك على الأرض بشكل طبيعي. ولكن السؤال هنا: أين دور الأجهزة الأمنية من كل هذا إذا ما كان الأمر حقيقيًا؟ وهذا بعيد كل البعد عن الواقع الملموس. فالقضية تختصر بأن الجماعات الحاكمة أدركت أنها غير قادرة على إقناع جمهورها في المحافظات الجنوبية، فكان لا بد من اتباع منهجية "العصا والجزرة". وبما أن الجزرة قد سُرقت، كان لا بد من استخدام العصا كوسيلة إقناع لمن لا يعرفون أبعاد الحقيقة.

"اللي يخاف من العفريت يطلعلُه"... الحقيقة التي قد ترعب الجميع هي: إذا ما كانت هناك عودة - وهذا أمر مستبعد تمامًا - فستكون نتيجة الممارسات الفاشلة للنظام الحالي، الذي فشل طيلة عشرين عامًا في إقناع المواطن بتجاوز تلك المرحلة. فبدلًا من السعي لبناء مجتمع سليم فكريًا، مضوا في ترسيخ فكرة "البعبع". وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فسيكون هناك بالفعل من يتبنّى ذلك الفكر كنوع من طوق النجاة للخلاص من أبجديات الفشل الحكومي. وهناك دراسات في علم النفس تقول إن كثيرًا من تحقق الأشياء يبدأ بالتفكير فيها، وقد يكون هذا في وقت قريب.

عمليات استخباراتية... الصراع على السلطة غالبًا ما يكون من النوع القذر الذي يُتاح فيه استعمال جميع أنواع الأسلحة. ومن خلال خبرتنا في سياسة النظام الحالي، وعمل الحكومة القائمة، نلاحظ أنها تعمل على تجنيد الدوائر الرسمية لخدمتها. وقد ظهر ذلك في فضائح التجسس على الوزراء والمسؤولين، والمتورطون فيها ينتمون إلى أعلى المستويات، ممثلة بعناصر من مكتب رئيس الوزراء. ومن هذا نفهم طبيعة عملهم. وقد يكون الغرض من ترويج هذا النوع من الإشاعات هدفان: الأول هو تركيع الرأي العام وإخضاعه للدخول في الانتخابات، والثاني هو كشف الشخصيات التي تحمل الضغينة للسلطات لغرض مراقبتها. وأعتبر أن هذه الممارسات تعبر عن مدى الإمعان في إذلال المواطن.

سياسة صناعة العدو... تعلّمها سياسيونا من عرّابهم "العم سام"، فهم ضليعون في هذا المجال منذ الحقبة الأفغانية. أما بالنسبة للسلطات الحالية، فبحوزتها - ما شاء الله - حقيبة من التهم الجاهزة، منها (إرهابي، بعثي). ولو تساءلت من أين جاءت تلك المصطلحات، ستجد أنها مشاريع لصناعة العدو لإشغال الرأي العام عن الفشل الحكومي.

أين هم الآن من كانوا يُطلق عليهم "البعثيون"... لمن يجهل هذه المعلومة، فإن الكثير منهم يشغلون مناصب حكومية اليوم، ويدّعون علنًا محاربتهم لحزب البعث، وهذا دليل قاطع على ما ذكرته في بداية المقال عن تاريخ نهاية الحزب. وقد وصل الأمر بأحدهم إلى أنه يشغل منصب وزير حاليًا. ومن يردد أنه لم يكن ينتمي لتلك المرحلة فهو كاذب، لأن تلك الحقبة كانت من النوع الإجباري. ولو كانوا يملكون الإرادة الحقيقية، لما كان هناك انتماء من الأصل، حتى ولو كان شكليًا أو قسريًا. تراهم اليوم نوابًا ومسؤولين حكوميين.

الخلاصة ... لو قرأت التاريخ جيدًا، لأدركت مدى الأكاذيب الحكومية في مسألة "عودة جماعة أو حزب تم إسقاطه". لم يحدث في السابق حالة مماثلة، ومن يروّج لتلك الإشاعات إنما يهدف إلى تسويق الخوف، ليكون أمام المواطن خياران لا ثالث لهما: إما الصمت خوفًا من هذه الدعايات، أو أن يكون شريكًا أساسيًا في ترسيخ ديمومة الفساد والمفسدين من خلال المشاركة في الانتخابات القادمة.

مقال

  زهرة المقدسة... والبارون تحت عنوان الثوابت والمتغيرات بقلم البارون الأخير / محمود صلاح  الدين عُرفت العرب منذ زمن بعيد بالأدب وقضية ...