زهرة
المقدسة... والبارون
تحت
عنوان
الثوابت
والمتغيرات
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
عُرفت العرب منذ زمن بعيد بالأدب وقضية الحب، ومنها طقوس تخليد الحبيب لمن أحب من خلال الكلمات، وما أشبه اليوم بالأمس، فقد مرت سنوات طويلة ولم يندثر هذا العرف.
حتى جاء
هذا اليوم وأنا أكتب فيها هذه الكلمات، وقد يظن الكثير أن زهرة في حياة البارون قد
تكون قصة من وحي الكاتب، ولكن ما لا يعرفه كل من على هذه الأرض أن زهرة امرأة لا
شيء قبلها ولا بعدها.
وهنا،
وفي هذا الموضع، قد أكون قد شغلتُ قلبي بمنصب الخليفة، وهي سيدة القصر، وكل النساء
اللاتي عرفتُهن من دونها جوارٍ قد استأنس بهن حضرة الخليفة.
لتكون
قدسيتها ليست دينية، ولكنها قد دخلت حيز الثوابت، فلكل إنسان ثوابت في الحياة،
فكذلك أنا، وهي، (إن الله ربي، وإن محمدًا رسولي، وإن زهرة هي المرأة التي أحببت) ،
وما دونها كله متغيرات.
وليعرف
الجميع أن ما أكتب وما كتبت هو عبارة عن تجارب حياتي، وهي أصدق بكثير ممن كتبها،
ولهذا كتبت هذه الكلمات.
أما
التخليد، فهو من أصعب القضايا التي مرت على البشرية جمعاء، وهو يأتي من الخلود،
ولعدم الدخول في باب الشرك وقضايا قد تغضب الله، كان للعرب رأي آخر، وهو أن
يُخلَّد من حظي بالحب، فتجد أمثلة رائعة في الموروث الأدبي العربي، مثل قيس وليلى
وغيرها الكثير. ولا يخفى على أحد أن حكاية روميو وجولييت هي قصة مقتبسة من ذلك
المفهوم في الأدب العربي.
وعندما
عرفت زهرة، لم تكن امرأة عابرة قد تمر في حياة رجل، ولكن لم تعرف الأرض اليوم
امرأة مثل زهرة، كيف لا وهي حلوة الشكل والكلام، وهي منبع الوئام، حتى إنها قد
أذهبت من عينَيَّ النوم، بينما الناس ينامون.
وبعد كل
ما ذكرت، كيف لا يكون لهذه المرأة صرح من دون نساء الأرض يتحدث عنها؟ فكانت فكرة
اسم المجلة في وقتها (زهرة البارون) . وقد يسأل أحدكم هنا: لماذا لم يكن الاسم (زهرة)
فقط؟ ولماذا أقرنت اسمك معها؟
وهنا
يكون الرد، ويتجسد في أنها من أحببت، وأنها كل النساء اللاتي عرفت، ومن دونها
عرفتهن فقط لأنهن قد يحملن صفة واحدة من صفاتها.
ولأن بعض النساء لا يدخلن حياة
الرجل كما يدخل الآخرون، فإنهن لا يكنَّ مجرد عابرين في صفحات العمر، بل يتحولن
إلى جزء من تكوين الروح نفسها. وهنا كانت زهرة، فلم تكن امرأة مرت في طريق
البارون، بل كانت الطريق الذي أعاد تعريف الأشياء من حوله، كانت اللحظة التي توقف
عندها الزمن ليقول إن هناك أشخاصًا لا يشبهون غيرهم، ولا يمكن أن يكون لهم بديل.
فزهرة لم
تكن قصة حب عادية تُروى، بل كانت حالة شعورية لا يمكن وصفها بالكلمات، لأن بعض
الأحاسيس أكبر من اللغة، وبعض الأشخاص أكبر من أن تختصرهم الحروف. هي المرأة التي
لم تسكن القلب فقط، بل أصبحت جزءًا من نبضه، وكأن القلب قبل معرفتها كان ينتظر
حضورها حتى يعرف لماذا خُلق.
وليعلم
الجميع أن تقديس الإنسان لمن أحب لا يعني عبادة، وإنما يعني أن يمنح الوفاء
مكانته، وأن يحفظ قيمة إنسان كان له أثر لا يشبه أي أثر آخر. فهناك أشخاص لا نضعهم
في الذاكرة، بل نضعهم في مكان أعمق من ذلك بكثير؛ نضعهم في الروح، حيث لا تصل يد
النسيان، ولا تستطيع السنوات أن تغير ملامحهم.
لقد كانت
زهرة بالنسبة لي ليست أجمل النساء فقط، بل كانت المعنى الذي اجتمعت فيه كل الصفات
التي كنت أبحث عنها. كانت جمال الروح قبل جمال الشكل، وكانت دفء الكلمة قبل حلاوة
الحديث، وكانت الطمأنينة التي تأتي للإنسان عندما يشعر أنه وجد المكان الذي ينتمي
إليه.
فكل
النساء بعد زهرة لم يكنَّ مقارنة بها، بل كنَّ مجرد إشارات عابرة إلى بعض الصفات
التي اجتمعت فيها. وكأن القدر أراد أن يعلمني من خلالها أن الإنسان قد يبحث طويلًا
عن شيء لا يعرف اسمه، ثم يأتي شخص واحد فيختصر له كل البحث.
ولهذا
أصبحت زهرة من ثوابت حياتي، لأن الثوابت لا يصنعها الزمن، بل يصنعها الأثر. وما
تركته في قلبي لم يكن ذكرى عابرة، وإنما كان وطنًا صغيرًا أسكن إليه كلما ازدحم
العالم من حولي.
قد يختلف
الناس في تعريف الحب، ولكنني أؤمن أن الحب الحقيقي هو أن تجد إنسانًا لا تحتاج معه
إلى إثبات شيء لأحد، لأن وجوده وحده يصبح الدليل. وزهرة كانت ذلك الدليل؛ كانت
الصفحة التي لا أريد أن تُطوى، والقصيدة التي لا أريد أن تنتهي، والاسم الذي كلما
كتبته شعرت أنني لا أكتب حروفًا، بل أستعيد جزءًا من روحي.
ولهذا
سيبقى اسمها مقترنًا بالبارون، ليس لأن الاسم يحتاج إليها، بل لأن القلب اختار أن
يجعلها عنوانًا لمرحلة لا تشبه أي مرحلة، وذكرى لا تشبه أي ذكرى، وحبًا بقي ثابتًا
في عالم لا يعرف إلا التغير.
الخلاصة
... قد يكتب الإنسان آلاف الكلمات، وقد يحمل قلمه بين أصابعه سنوات طويلة، ولكن
تبقى هناك قصة واحدة لا يكتبها القلم بقدر ما يكتبها القلب. وزهرة كانت تلك القصة
التي لم تبدأ بحروف، بل بدأت بإحساس، ولم تنتهِ بغياب أو مسافة، لأنها لم تكن
يومًا شخصًا في حياتي، بل كانت جزءًا من الحياة نفسها.
فالأشياء
الجميلة قد تمر بنا، ولكن القليل منها يترك أثرًا لا يمحوه الزمن. وزهرة لم تكن
زهرة في حديقة العمر فقط، بل كانت الحديقة التي وجدت فيها روحي مكانها، وكانت
النور الذي جعل للأيام معنى آخر، وكانت الإجابة التي لم أكن أعرف أنني أبحث عنها.
قد تتغير
الوجوه، وقد تتبدل الظروف، وقد يأخذ الزمن من الإنسان الكثير، لكنه لا يستطيع أن
يأخذ منه إنسانًا أصبح جزءًا من كيانه. ولهذا ستبقى زهرة في داخلي ليست ذكرى أعود
إليها، بل حضورًا أعيش معه، وليست اسمًا أكتبه، بل نبضًا أشعر به.
سيعرف
الجميع أن بعض النساء لا يرحلن عندما يغادرن المكان، لأنهن لا يسكنَّ الأماكن، بل
يسكنَّ القلوب. وزهرة اختارت لها في قلبي مكانًا لا ينافسها فيه أحد، ولا يصل إليه
أحد، لأنها ببساطة لم تكن امرأة أحببتها فقط... بل كانت المرأة التي جعلتني أعرف
معنى أن يكون للحب وطن.
وهكذا
يبقى الثابت الوحيد في زمن المتغيرات: أن هناك حبًا يولد مرة واحدة، وإذا سكن
الروح لا يغادرها أبدًا... وستبقى زهرة، كما كانت دائمًا، أجمل الثوابت في حياة
البارون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق