قراءة فنية نقدية
تحت عنوان
المنهجية الجديدة في مسلسل (نسمات أيلول)
بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين
هو عمل درامي يمزج ما بين الكوميديا والعاطفة الهادئة،
وهو من الأعمال الدرامية الرمضانية لهذا العام 2025. أُخرج العمل بإخراج مشترك بين
الأخوين المبدعين رشا ويزن شربتجي، ويُعدّ العمل الأول من نوعه على مستوى الدراما
السورية من الناحية التقنية؛ فقد استُعملت – ولأول مرة – ردّات الفعل العفوية،
التي عادةً ما تكون مادة دسمة لعرض الكواليس. وما يضيف نكهةً خاصة للعمل أن
البطولة من النوع غير الثابت، يحكمها مجرى الأحداث في العمل.
مواضيع العمل ... تتوزع مواضيع العمل ما بين الحنين إلى الماضي، وإيجاد
أرضية توافقية للعلاقات الإنسانية في مجتمع مغلق نوعًا ما. وقد طُرح موضوع موازٍ،
وهو هشاشة الحب أمام التحديات والضغوط الاجتماعية، والتقاطعات ما بين الحب
والحياة، مما أوجد مساحةً لاستعراض الكثير من المشكلات الحياتية التي يعاني منها
كثيرون اليوم، ولكن بأسلوب كوميدي هادئ.
السيناريو ... كُتب السيناريو بشكل احترافي، حيث كان المضمون قائمًا
على الحوار الداخلي والرمزي، وهو ما ساهم في ضبط الحبكة وتقديمها بشكل انسيابي
هادئ، مبتعدًا عن الألفاظ الحادة التي طالما امتازت بها الدراما السورية.
نقاط الضعف والقوة ... تتباين النقاط بين التوازن في توزيع الأدوار وتعدّد
القصص دون إحداث فوضى في مجرى الأحداث، مع توظيف ممتاز للفلاش باك كأداة سردية
لتعميق الشخصيات، بالإضافة إلى البعد الفلسفي الذي يطرحه العمل بصيغة أدبية،
مبتعدًا بذلك عن ما يُعرف بالدراما التجارية.
أما ما يُضعف العمل، فيكمن في الإيقاع البطيء لبعض
المشاهد، والذي قد يُفقد المشاهد شغفه أحيانًا، إلى جانب الميل إلى التكرار في
الحوارات، والاعتماد على التكرار الإنشائي.
الأداء التمثيلي ... ما يميّز هذا العمل هو إسقاط نظرية البطولة المطلقة، حيث
تتداول الشخصيات أدوار البطولة حسب السرد الدرامي، مما خلق نوعًا من التوازن في
توزيع الأدوار، وهو ما أحدث الفارق في جودة العمل.
الإخراج والتصوير ... اتّخذ العمل، في كثير من الأحيان، الأسلوب البصري
التأمّلي، وقد ساهم في ذلك مكان التصوير، المتمثّل في إحدى قرى الريف السوري، كما
يُشير العمل.
الدلالة الرمزية والبعد الفلسفي ... طرح العمل العديد من المواضيع الرمزية، منها عنوان العمل
"نسمات أيلول"، وفي ذلك دلالة على التغيير والانتقال من مرحلة إلى أخرى،
من فصل الخريف إلى الشتاء، الذي يعبّر عن الحاجة إلى دفء المشاعر في هذه المرحلة.
كذلك نجد ترميز كلمة "نسمات"، وهي تعبير عن تذبذب المشاعر الإنسانية في
سياق العمل.
رأي كمشاهد ... "نسمات أيلول"، بخصائصه الجمالية والدرامية،
ينتمي إلى المدرسة الواقعية الشاعرية (أو الواقعية الوجدانية)، وهي مدرسة فنية ذات
طابع خاص في الدراما التلفزيونية. وللأمانة، فإن المسلسل أعاد إليّ بعض الذكريات
لأعمال يكون فيها الضحك مادةً أساسيةً في سياق العمل. وقد نجح المخرج هنا في
الخروج عن المألوف بشكل احترافي، مما ساهم في خلق نوعية جديدة من الأعمال التي
تُعدّ مادة ممتعة للمشاهد، لكسر الروتين.
الخلاصة ... يُعتبر العمل طفرة نوعية في الدراما العربية بشكل عام،
والدراما السورية بشكل خاص. ومن خلال هذه السطور، أودّ أن أُشيد بقضية التجديد
وتقبّل فكرة التطور في منهاج العقل الإنساني. إن تقديم عمل من هذا النوع يُعدّ
اللبنة الأولى في مسار التغيير العقلي للمواطن العربي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق