تعرف هي من تكون
تحت عنوان
الهاربة من حكايات ألف
ليلة وليلة
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
هي واحدة من أولئك
الهاربات من عالم "ألف ليلة وليلة"…
والكتابة عنها ليست
بالأمر الهيّن، فهي لا تنتمي إلى دائرة المعارف اليومية التي نلامسها وجهًا لوجه،
بل تنتمي إلى حيز من الحدس، من التخييل، من تلك الكلمات التي تبادلناها فتركت
أثرًا لا يُمحى. ومن هنا تنطلق حروفي، محاولة رسم ملامح شخصية، تكاد تكون من نسيج
الحكايا القديمة.
ما منحها هذا اللقب –
"الهاربة من ألف ليلة وليلة" – هو ذلك الشعور الذي تسرب من بين كلماتها،
ذاك الحسّ الذي لا يمكن تفسيره إلا على حافة الجنون، أو ربما على ضوء الدهشة.
بعض الشخصيات تُجبرك
على الكتابة عنها، لا لأنك تعرفها، بل لأنها تتسلل إليك دون استئذان، وتبقى هناك،
في وعيك، كامرأة من زمن الحكاية.
أبرز من يشبهها في تلك
الليالي الخرافية كانت شهرزاد، الحكّاءة الجريئة، الذكية، القادرة على أن تصنع
المعجزة من كلمة.
وصاحبة وصفنا هذا تملك
من صفات شهرزاد الكثير: الجرأة، والدهاء الأنثوي، والحنكة التي تظهر من خلال
كلماتها. هي من تضع حدود الحوار، وهي من تفرض إيقاع الحديث، وكأنها تقود المشهد
بصمت ولباقة. وتمامًا كأنها تلك التي حوّلت وحشًا إلى عاشق، وملكًا ناقمًا إلى رجل
يرى في المرأة نورًا لا يُطفأ، تمتلك صاحبتنا القدرة على التغيير، لا من خلال
الصدام، بل من خلال الحضور الصامت، الذكي، المؤثر.
ما يميزها أيضًا هو
اتساع ثقافتها، وهي سمة نادرة هذه الأيام. هي من القلائل الذين يتحركون بثقة في
عوالم الأدب والفكر، ولديها قدرة مذهلة على الصبر والتحمّل، كتلك البطلة التي صبرت
ألف ليلة كي تنقذ شعبًا وأنوثة.
أما الجانب الإنساني،
فحدّث ولا حرج. فيها أمومة هادئة، حنانٌ أصيل، ودروس في الرحمة والتفهّم. وهي
رائدة في هذا المجال، تمارس الأمومة كفن، وتعيش الحياة بروح المعلمة دون أن
تتعالى.
شخصية نادرة التكوين...
في الأدب، قد تجذبك شخصية تمتاز بصفة واحدة فريدة، لكننا هنا أمام امرأة جمعت
الصفات كلها، وألبستها ثوب الواقعية من دون أن تخلع عنها سحرها الخاص.
اسمها، حسب معاجم
اللغة، مرتبط بالبحر، وهذا وحده يكفي. البحر عميق، متقلب، واسع الصدر، ولا يعطي
كنوزه إلا لمن يستحق. ويا للعجب... حتى في الكتب السماوية ورد اسمها كمكافأة من
السماء، فكانت – فعلًا – اسمًا على مسمى.
الأنثى والطموح... في
زمن أصبحت فيه الطموحات مادية ضحلة، اختارت هي أن تكون استثناءً. وهي لا تحلم بزوج
وسيم فقط أو بيت فخم، بل تسعى لذاتٍ أرقى، وهذا ما يجعلها في مصاف الممتازات.
في إدارة الحديث... حين
أتحدث معها، أشعر أن العالم ما زال بخير، وأن النقاء لم يُمحَ بعد. ولذلك أحرص أن
أكون حاضرًا عندما تكون مستعدة للحديث، لأن الحوار معها ليس مجرد كلمات، بل لقاء
مع الحياة بصورتها الأنقى. وهي الأكاديمية الناجحة، وربة البيت المتزنة، لأنها
تعيش اليوم عصر إنجازاتها، ولديها من المؤهلات ما يجعلها "رائعة"
بالمعنى الكامل للكلمة.
الهاربة من الحكايا ...
"ألف ليلة وليلة" مليئة بشخصيات تتجاوز الواقع إلى الأسطورة. لكنني حين
أسمع كلماتها، وأتأمل فكرها، أشعر أنني أمام شهرزاد جديدة، تمتاز بفطنة فطرية،
وموهبة كاتبة متحررة من قيد الورق، صقلتها القراءة، وصاغتها التجربة.
الخلاصة ... لم ألتقِ
بها يومًا، وقد يكون هذا من سوء حظي. لكنني عرفتها من بين سطورها، من نبض كلماتها،
من تلك النصوص الأدبية التي كتبتها أناملها. وهي تمتلك حسًا مرهفًا، وروحًا تسكن
الحكايات لا الواقع، لكنها تصنع من الواقع حكاية تستحق أن تُروى.









