بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 31 يوليو 2025

المقال

 تعرف هي من تكون

تحت عنوان

الهاربة من حكايات ألف ليلة وليلة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي واحدة من أولئك الهاربات من عالم "ألف ليلة وليلة"…

والكتابة عنها ليست بالأمر الهيّن، فهي لا تنتمي إلى دائرة المعارف اليومية التي نلامسها وجهًا لوجه، بل تنتمي إلى حيز من الحدس، من التخييل، من تلك الكلمات التي تبادلناها فتركت أثرًا لا يُمحى. ومن هنا تنطلق حروفي، محاولة رسم ملامح شخصية، تكاد تكون من نسيج الحكايا القديمة.

ما منحها هذا اللقب – "الهاربة من ألف ليلة وليلة" – هو ذلك الشعور الذي تسرب من بين كلماتها، ذاك الحسّ الذي لا يمكن تفسيره إلا على حافة الجنون، أو ربما على ضوء الدهشة.

بعض الشخصيات تُجبرك على الكتابة عنها، لا لأنك تعرفها، بل لأنها تتسلل إليك دون استئذان، وتبقى هناك، في وعيك، كامرأة من زمن الحكاية.

أبرز من يشبهها في تلك الليالي الخرافية كانت شهرزاد، الحكّاءة الجريئة، الذكية، القادرة على أن تصنع المعجزة من كلمة.

وصاحبة وصفنا هذا تملك من صفات شهرزاد الكثير: الجرأة، والدهاء الأنثوي، والحنكة التي تظهر من خلال كلماتها. هي من تضع حدود الحوار، وهي من تفرض إيقاع الحديث، وكأنها تقود المشهد بصمت ولباقة. وتمامًا كأنها تلك التي حوّلت وحشًا إلى عاشق، وملكًا ناقمًا إلى رجل يرى في المرأة نورًا لا يُطفأ، تمتلك صاحبتنا القدرة على التغيير، لا من خلال الصدام، بل من خلال الحضور الصامت، الذكي، المؤثر.

ما يميزها أيضًا هو اتساع ثقافتها، وهي سمة نادرة هذه الأيام. هي من القلائل الذين يتحركون بثقة في عوالم الأدب والفكر، ولديها قدرة مذهلة على الصبر والتحمّل، كتلك البطلة التي صبرت ألف ليلة كي تنقذ شعبًا وأنوثة.

أما الجانب الإنساني، فحدّث ولا حرج. فيها أمومة هادئة، حنانٌ أصيل، ودروس في الرحمة والتفهّم. وهي رائدة في هذا المجال، تمارس الأمومة كفن، وتعيش الحياة بروح المعلمة دون أن تتعالى.

شخصية نادرة التكوين... في الأدب، قد تجذبك شخصية تمتاز بصفة واحدة فريدة، لكننا هنا أمام امرأة جمعت الصفات كلها، وألبستها ثوب الواقعية من دون أن تخلع عنها سحرها الخاص.

اسمها، حسب معاجم اللغة، مرتبط بالبحر، وهذا وحده يكفي. البحر عميق، متقلب، واسع الصدر، ولا يعطي كنوزه إلا لمن يستحق. ويا للعجب... حتى في الكتب السماوية ورد اسمها كمكافأة من السماء، فكانت – فعلًا – اسمًا على مسمى.

الأنثى والطموح... في زمن أصبحت فيه الطموحات مادية ضحلة، اختارت هي أن تكون استثناءً. وهي لا تحلم بزوج وسيم فقط أو بيت فخم، بل تسعى لذاتٍ أرقى، وهذا ما يجعلها في مصاف الممتازات.

في إدارة الحديث... حين أتحدث معها، أشعر أن العالم ما زال بخير، وأن النقاء لم يُمحَ بعد. ولذلك أحرص أن أكون حاضرًا عندما تكون مستعدة للحديث، لأن الحوار معها ليس مجرد كلمات، بل لقاء مع الحياة بصورتها الأنقى. وهي الأكاديمية الناجحة، وربة البيت المتزنة، لأنها تعيش اليوم عصر إنجازاتها، ولديها من المؤهلات ما يجعلها "رائعة" بالمعنى الكامل للكلمة.

الهاربة من الحكايا ... "ألف ليلة وليلة" مليئة بشخصيات تتجاوز الواقع إلى الأسطورة. لكنني حين أسمع كلماتها، وأتأمل فكرها، أشعر أنني أمام شهرزاد جديدة، تمتاز بفطنة فطرية، وموهبة كاتبة متحررة من قيد الورق، صقلتها القراءة، وصاغتها التجربة.

الخلاصة ... لم ألتقِ بها يومًا، وقد يكون هذا من سوء حظي. لكنني عرفتها من بين سطورها، من نبض كلماتها، من تلك النصوص الأدبية التي كتبتها أناملها. وهي تمتلك حسًا مرهفًا، وروحًا تسكن الحكايات لا الواقع، لكنها تصنع من الواقع حكاية تستحق أن تُروى.

الأحد، 27 يوليو 2025

مقال

 آراء الرأي العام بين الزعيم والعقيم

تحت عنوان

ما قبل الانتخابات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في كل موسم انتخابي تخرج إلينا شخصيات تحاول تسويق نفسها عبر مصطلحات رنانة، وكأنها ألقاب تورّث المجد وتُضيف شيئًا إلى بريق الشخصية، ومن أبرز هذه المصطلحات لقب "الزعيم". إلا أن الحقيقة التي يجهلها الكثير من هؤلاء أن كلمة "زعيم" لم تعد كما كانت، فقد ارتبطت في الأذهان بإدارة العصابات الخارجة عن القانون وقيادة التنظيمات غير الشرعية، حتى باتت الكلمة في كثير من الأحيان تعبيرًا عن السطوة لا عن القيادة النزيهة.

الزعيم الحقيقي ليس شعارًا يُرفع، ولا لقبًا يُمنح دون استحقاق. بل هو من يملك تاريخًا من الإنجازات الملموسة والدفاع عن قضية واضحة، بشرط أن تكون نزاهة الفكرة هي الأصل الذي ينطلق منه. فالزعامة تعني أن تكون صوت الحق حين يسكت الجميع، وأن تحمل همّ الأمة لا أن تبحث عن مكاسبك الخاصة. وبدون هذا الأساس، تتحول الكلمة إلى مجرد لقب أجوف يفتقد أي قيمة.

أما العقيم، فهو النموذج الآخر الذي يطفو على سطح السياسة. هو ذاك الشخص الذي لا يقدم للعامة شيئًا يُذكر، ويتحدث بأكثر مما يقدر على فعله، أو ربما لا يملك أصلاً القرار المستقل. والواقع أن غالبية الطبقة السياسية اليوم لا تملك أي قدرة على اتخاذ قرار وطني دون أوامر خارجية. الانتماءات القديمة والمصالح الفئوية جعلت المشهد السياسي العراقي مليئًا بالشخصيات العقيمة التي لا طائل منها، بل والأسوأ أن بعضهم يطلق على نفسه لقب "زعيم" وكأنها ماركة مسجلة، بينما العامة تصفهم بما يستحقون: (لواكة).

إذا حاولنا تصنيف المشهد السياسي الحالي – الحاضر منه والقادم – فلن نجد سوى صنفين: لئيم أو عقيم.

فاللئيم هو ذاك الحاقد الذي لا يتورع عن استنزاف كل الوسائل القذرة للوصول إلى السلطة، أما العقيم، فهم أولئك الذين يقال عنهم: (لا في العير ولا في النفير)؛ تجار فاشلون، رعاة الفساد، مصانع لإنتاج الفاسدين الجدد، ومقاتلون جبناء. هؤلاء هم المجرمون الحقيقيون بحق الشعب، وهم من يمنحون الشرعية لزعماء العصابات ليستمروا في السلطة، بينما البلد ينحدر أكثر.

أما عن الانتخابات المتتابعة، فالحمار فيها يظل نفسه، لا يتغير. نعم، هناك شخصيات نزيهة تحاول شق طريقها نحو التغيير، لكن النظام الحالي مصمم على حماية الفاسدين، ومعايير اللعبة السياسية فيه قائمة على صناعة اللصوص لا القادة. ولعلّنا جميعًا نتمسك بحلم التغيير، لكن ما بني على باطل فهو باطل. الحقيقة أن الفوز الانتخابي لم يعد يُقاس بعدد الأصوات أو بحجم الشعبية، بل بالمال القادر على شراء الذمم، وبالولاءات والعلاقات، وبمدى قدرتك على الخضوع. هذه هي مفاتيح النجاح في هذا المستنقع.

الخلاصة أن أزمة العراق ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نظام كامل. ولهذا نشاهد بين حين وآخر شخصيات تدّعي أنها "زعامات" أو "صفوة مختارة"، والحقيقة أنها صفوة الحمير في مسرح الديمقراطية الزائفة. فالبلد بأسره يُدار بعقلية (تريد أرنب؟ تأخذ أرنب! تريد غزال؟ تأخذ أرنب!)، حتى اختلطت علينا المعايير ولم نعد نعرف من هو الزعيم ومن هو العقيم.

 

الأربعاء، 23 يوليو 2025

مقال

 الجربوع ... أبرز شخصية اجتماعية

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الشرف والأخلاق ... هي الأشياء الوحيدة التي إذا ما فقدها الإنسان، لن يستطيع إيجادها مجددًا.

الحكاية تبدأ: "أن امرأة عادت من أحد الأعراس، وهي تتحدث عن قضية (الغيرة والنخوة العربية)، من خلال قيام العريس بإلباس العروس لباسًا محتشمًا بشكل مبالغ فيه، ومنعه الرجال من دخول القاعة، رغم قولها إن جميع النسوة المتواجدات كنّ محتشمات الملبس، وإن جميع المدعوين هم من الأقرباء".

وليست هنا أصل المشكلة، ولستُ من الذين يدعون للانحلال ـ لا سمح الله ـ ولكن لو عدنا إلى الخلفية الأيديولوجية لشخصية العريس، فإنّه يحمل عقلية (سائق التاكسي)، وليس المعيب هنا نوعية العمل، ولكن المشكلة تكمن في سذاجة التفكير المعاصر في التفريق بين "النخوة والغيرة العربية" كما تُسمّى، وبين سوء الظن.

فَيَكمن الاستغراب في مطالبة شخصية "الجربوع" ممن حوله أن يكونوا شرفاء معه، وهو ذاته لا يملك الشرف. وليس الأمر يقتصر على هذا.

التقييم العام للبشر اليوم... هو تقييم مكتسب من عقلية "الجربوع"، ذلك الحيوان الذي يتّسم بالخوف، فهو من يختبئ دومًا داخل الجحور في الصحراء لصغر حجمه.

ومفاده: (معك فلس تسوى فلس)، وهذا القانون معلوم عند عموم شرائح المجتمع، وهو ما ولد زلزالًا كانت له آثار قاتلة، منها: خلخلة القيم المجتمعية، وهي الحقيقة التي يرفض الجميع الاعتراف بها. فنحن اليوم أصبحنا نعيش في ما يُعرف بين العامة بـ (صايرة لَخَة).

فساد المجتمع الأسباب والمسببات ... كثيرًا ما أسمع اليوم أن النساء هنّ من أفسدن المجتمع، وهذه ضلالة ما بعدها ضلالة.

وهنا أستحضر كلمات كنت أسمعها من أبي ـ رحمه الله ـ فقد قال:

"يا بني، إذا ما رأيت شيئًا معيبًا يُرتكب في المنزل، فحذارِ أن تلقي اللوم على المرأة، وإذا ما أردت أن تحاسب أحدًا، فليكن الرجل".

وفي هذه الكلمات معانٍ كبيرة إذا ما أدركها القارئ، فالرجل هو الأساس والعمود الذي يكون نقطة ارتكاز لكل شيء من حوله. وقد يكون هذا هو السبب الوحيد، ولكن أعداءنا قد قاموا بدراستنا بشكل معمّق أكثر مما يمكن تصوّره، وأدركوا أن للرجل الشرقي أيقونة يعتزّ بها، لدرجة أنها إذا ما أصيبت بالضرر قد يرتكب جريمة قتل.

فكان لا بد من العمل على اختراق هذا الحصن على محورين:

الأول / المنظمات النسوية الهدّامة، التي في الغالب يكون هدفها تحويل المرأة إلى سلعة تُباع وتُشترى لمن يدفع أكثر. وهنا نحن نعيش تفاصيل هذا الحدث اليوم.

الثاني / تحويل الرجل إلى (جربوع).ولتتم هذه العملية، كان لا بد من منهجية تجعل هذا الرجل يرضخ إلى فكرة التحوّل، من خلال إقناعه أن قيمته أمام المجتمع تساوي ما يجنيه من مال، بغضّ النظر عن طريقة جمعه. وهذا بالضبط ما أفقده الشرف، بمعنى الكلمة.

وما نرى ونسمع من قضايا يُعْرَق لها الجبين، كلها بسبب الإرهاصات الناتجة عن تصرفات "الجربوع" كرجل. فالكثير اليوم تراهم من الخارج رجالًا، ولكن الحقيقة أنهم مجرد كلاب سائبة في المجتمع؛ ترى أنه يُبيح لنفسه ما يحرّمه على الآخرين.

الحل... قد أصدمك عندما أقول إن الحل بات شبه مستحيل، فالأمر أشبه بأن تُقنع الحمار بأنه حمار، ويجب أن يتحلّى بصفات الغزال. وهذا لأننا أدركنا حجم الورطة في وقت متأخر جدًا. وعليه، يجب علينا اتباع أمر قد نبّه عليه رسولنا الكريم ﷺ في قوله:

"يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر".

الخلاصة... من كان لديه أخلاق أو شرف ـ كما يدّعي ـ فليبدأ بمراجعة ذاته قبل كل شيء، وإذا ما وجد فيها ما يستحق الحديث عنه، فليتحدث، وإن لم يجد، فالصمت خير له عند الله. فإذا ما فشلتَ اليوم في أن تكون رجلًا، فلا تكن "جربوعًا" طوال الحياة؛ فعندها ستكون أسوأ نموذج عرفته هذه الأرض. فالعرب كان سلاحهم الشرف، وعندما فقدوه، تحوّلت أراضيهم إلى محميات خاصة بالجرابيع.

الجمعة، 18 يوليو 2025

مقال

  كلكم شركاء في جريمة القتل

تحت عنوان:

فاجعة الكوت والذاكرة المؤلمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الرحمة لكل من زهقت أرواحهم في حادثة فاجعة الكوت. وإنها ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. وقد يتساءل أحدكم: لماذا يحدث كل هذا؟ وهنا سأجيب عن هذا السؤال.

أعادت فاجعة الكوت إلى ذهني حادثة مجمع الليث في منطقة الكرادة ببغداد، لأنني كنت من شهود العيان ساعة وقوع الحادث، وما زالت مشاهد النيران المتصاعدة عالقة في ذاكرتي. ومنذ ذلك الحين، تكررت الحوادث هنا وهناك.

قد يقول أحدكم إن "المسؤول" هو السبب، وهذه إجابة ساذجة إلى حد كبير. فالأسباب أعمق من ذلك، وقد لا تُصدق هذا، لكن السبب الحقيقي هو: المواطن الأحمق التافه الذي أصبح لا يستحق الحياة.

اليوم، بات كثير منا يحصر كل تفاصيل حياته في منشورات يومية على مواقع التواصل، فقط ليُثبت للآخرين أنه على قيد الحياة. ومن هذه الصورة تدرك حقيقة المجتمع الذي نحيا فيه. فعندما تذهب إلى الانتخابات وتُصوّت على أسس طائفية أو قومية، أو تجعل شرط ذهابك إلى الانتخابات بيع صوتك مقابل المال، فهذه هي النتيجة.

وعندما تكون أولوياتك هي المظاهر البراقة بغض النظر عن جودة الخدمة، فهذه هي النتيجة أيضًا.

وهنا، لا براءة للمسؤول، لكنك -وبملء إرادتك– قمت بتولية هذا المنصب له، بسبب سذاجتك في فهم العملية الانتخابية. تذهب لتُدلي بصوتك وأنت غير مدرك أو واعٍ لمن منحت التزكية. وهذا هو عملكم، والنتائج التي وصلتم إليها هي من صنع أيديكم، عندما لوثتموها بحبر الانتخابات لأشخاص اشتروا ذممكم وضمائركم. فمن الطبيعي إذًا أن تحل بكم الكارثة.

وهنا تحضرني حكاية من التراث الشعبي، مفادها: ((يُحكى أن رجلاً كان لديه ولدان في المدرسة، فجاء الأول بنتيجة "النجاح"، فقال له والده: (عفية)، لمرة واحدة. وبعد لحظات، دخل أخوه وهو يحمل نتيجة "راسب"، فقال له الأب: (عفية)، عدة مرات! استغرب الحاضرون، وسألوه عن سبب فعله، فقال: لا عليكم، فلكل منهم زمنه))

وها نحن نعيش زمن الساقطين، وذلك بسبب عدم وعي العامة في اختيار من يمثلهم.

الحل للخروج من المأزق؟ ... لقد ترك لنا من سبقونا أمثالًا شعبية بليغة، منها: (دحك على الجهرة وضرب الراشدي)، وفي هذا دلالة أن عليك -حين تقرر المشاركة في الانتخابات– أن تكون لديك نظرة شاملة لتاريخ من سيمثلك.

فمن غير المعقول أن تُصوّت لحديثي النعمة، أو اللهاثين خلف السلطة، أو المهرجين (دمى المسرح)، الذين يعرفون جيدًا أنهم غير قادرين على إدارة المشهد السياسي. وابحث عن من يمتلك تاريخًا مشرفًا، ويملك كمًّا هائلًا من الإنجازات في عمله، فهؤلاء فقط هم القادرون على تغيير هذا الواقع المؤلم إلى غدٍ أفضل مما نحن عليه من بأس.

النهاية ... لا أحد خارج الحساب الإلهي مما يحدث، بما فيهم كاتب هذه الكلمات. وإن كل الدماء التي أُريقت بسبب طمع العقل الجمعي للعامة، والذي يتوزع بين أطماع شخصية أو جماعية، هي شريكة في تلك الجريمة التي غالبًا ما تُقيد ضد "مجهول"، بينما الحقيقة أن المواطن العراقي –بسبب جهله السياسي– هو المجرم الأول والأخير في كل ما يحدث... فاتقوا الله بأنفسكم، وبقراراتكم، وبمن تُولّون على رقابكم... اللهم إني بلغت، فاشهد.

الأحد، 13 يوليو 2025

مقال

 الأيديولوجيات هدامة في إخضاع المجتمع

تحت عنوان

حديث في الانتخابات القادمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قد يظنّ الكثير عند قراءة كلماتي أنني في حرب مع أحدهم، والحقيقة أن في هذا سذاجة؛ فالقلم عندما يقترب من النضوج تكون حروفه فكرية أكثر من كونها حربًا شخصية تخص زيدًا أو عمرًا. ومن هذا المفهوم ننطلق لرصد تلك الأفكار التي ترتقي إلى مستوى السموم، يُراد منها قتل إرادة الشعوب وإخضاعها لمبدأ أو منهج منحرف، ومنها الفساد. ومن تلك الأفكار تنتشر أصوات، أقلّ ما يُقال عنها إنها شيطانية، في قولهم: "إذا لم تكن مقتنعًا بمرشّح انتخابي فامضِ في إسقاط صوتك"، وهنا يكمن أصل الموضوع.

وإذا ما كانت المشاركة في الانتخابات تُعتبر مساهمة حقيقية في إنتاج فاسد يحترف عمليات السرقة بموافقات نظامية، فستكون ورقتك الانتخابية هي التي تمنح الشرعية لنظام كرّس كلّ قوانينه اليوم لهذه العملية، ويكون المصدر هنا أخطر بكثير من الفروع.

عندها يكون السؤال الأهم: ما هو الحل إذا ما أُقفلت كلّ الحلول المتاحة من وجهة نظر الناخب؟

فالإجابة ستكون في أن يكون لك موقف من كلّ المهازل التي تُقام باسم الشعب. وليعلم المواطن البسيط أن النظام ليس أبًا لأحد، وقد تكون المقاطعة مبدأ أضعف الإيمان، وأنا أعتبر هذا خيرًا بكثير من الكفر الذي نحن مُقبلون عليه.

الأكاذيب الانتخابية... بصراحة، أرى في الفكر الهدّام لمحات إبداعية في إيجاد طرقٍ لخداع المواطن البسيط، ومنها استغلال معاناة المواطن في العملية الانتخابية، كاستقبال طلبات الناس لشمولهم في شبكة الرعاية الاجتماعية من باب "فيد واستفِد"، وفي هذه دناءة ما بعدها دناءة في استغلال البشر، واستبعاد مناهج العمل الانتخابي الحقيقي لتطوير البلد.

وما لا يعلمه ذلك المرشح أنه مقبل على دخول منظومة رُسمت حدودها منذ بداية العهد الجديد، ولا يمكن الخروج عنها، وكأنّ الأمر بمن يفوز هو مجرد أداء لدور "عرائس الدمى" المرتبطة بخيوط النظام، الذي يسعى إلى خلق عدم الاستقرار من خلال استقطاب شخصيات أصحاب المصالح الشخصية في العمل السياسي.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب البعض إلى شراء الذمم من خلال الوعود بامتلاك السلطة أو السيطرة على مصادر القرار، ومغازلة أولئك الذين أنهكتهم الحياة اليومية، والتي المتسبب الرئيسي فيها هو النظام نفسه، لتكون اللعبة الانتخابية معتمدة على الانتماء الطائفي، والقومي، والعشائري.

وهذا ما أثّر بشكل مباشر في إبعاد المفاهيم الصحيحة للعملية الديمقراطية. ولهذا ترى أن الذين يتهافتون على الترشيح يعتمدون بشكل رئيسي على علاقتهم بالمتنفذين في القرار. وما لا يعلمه الكثير أن البلد كلّه يُدار بأجندة لا تُعرض للعلن، وأما ما تراه من أسماء وشخصيات فهي مجرد واجهات مستهلَكة من الأصل.

إذا ما كانوا يريدون إعادة هيكلة النظام الانتخابي، فيجب اتباع مناهج قائمة على تجارب ناجحة، والابتعاد عن استنساخ التجارب الفاشلة، مثل التجربة اللبنانية التي حتى يومنا هذا تعاني من عدم قدرتها على رسم الخطوط السياسية للبلد، رغم أنها أقدم من تجربتنا.

ومن القواعد الصحيحة التي يجب انتهاجها: إقامة لجان يكون عملها مراجعة الفكر العقائدي للأحزاب المشاركة، واستبعاد تلك التي تكون أهدافها فئوية، والمضي في بناء مناهج حزبية وطنية جامعة. والحقيقة أن الجميع مُدرك لهذا، ولكن ما يمنعهم هو أن الجميع واقع تحت نظام صارم بُني على أسس تخدم المنافع الشخصية.

الخلاصة... المواطن في ورطة؛ فعندما فكّر المجرمون في هذا البلد في طريقة للتملّص من المسؤولية أمام الذات الإلهية، كان الحل في تحميل المسؤولية لما يحدث على بعض الطامعين والانتهازيين، وجعلهم واجهة أمام الناس لكل ما يحدث. ويظنّون بذلك أنهم يخدعون الله، ونسوا قول الله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين" — صدق الله العظيم.

وفي النهاية، تستحضرني قصة من التراث الشعبي مفادها: "يُحكى أن رجلاً من الدراويش كان يحضر حلقة من الذكر، وعند انجذابه وخروجه عن المعقول، سقط المال، وعندها اجتمع الناس لسرقته، فصرخ بأعلى صوته: محسوبات ومعدودات!" وفي هذا إشارة إلى أن كلّ شيء يفعله الإنسان من سوء هو معلوم، وسوف يُحاسب عليه. فالخطأ بحق نفسك قد يكون داخل رحمة الله، ولكن خطأك بحق الآخرين مقرون بالعفو والمغفرة من الطرف الآخر، في يومٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون... اللهم إني بلغت، فاشهد.

الثلاثاء، 8 يوليو 2025

مقال

 وزير آخر وكت... اتفضل آغاتي

تحت عنوان

ماذا يفعل وزراؤنا؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هذه الصورة ليست "فوتوشوب"، ولا تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي لحصة رسم في رياض الأطفال ـ لا سمح الله ـ بل هي صورة من الإعلام الحكومي، تُجسّد المضامين الخاصة بتغطية جلسة مجلس الوزراء، وتُظهر مدى "الالتزام" من المسؤولين بالقضايا الوطنية.

الكوميديا الحكومية... منذ سنوات، اتخذت الحكومات المتعاقبة نهجًا يتيح للمتلقي أن يجعل من تصريحاتها وأعمالها الوزارية مادة دسمة للسخرية. من بين هذه التصريحات، نذكر ما قاله رئيس الوزراء مؤخرًا عن عزمه تطبيق نظام "الأتمتة والحوسبة" في بلد لا يملك القدرة على توفير الطاقة الكهربائية بشكل مستمر! والأغرب من ذلك، هو عدم إدراكه أن نصف العمل الحكومي يجب أن يُبنى على المصداقية، لا على ما يمكن تسميته بـ"الاستخفاف بالمواطن".

وصدقًا، ذكّرني تصريحه هذا بحكاية رُويت عن جحا: (يُقال إن جحا كان يشعر بالملل، فأراد أن يصنع نوعًا من الإثارة والجدل، فقام بالكذب على الناس وقال إن هناك رجلًا على باب البلدة يوزّع المال. ولم يلبث قليلًا حتى رأى الجموع تهرع إلى هناك. وبعد دقائق معدودة، رأى أن الجميع قد ذهب، فقال مع نفسه: "أظن أن الخبر صحيح، وسأذهب أنا أيضًا!") وفي هذه الحكاية دلالة واضحة على نوعية من البشر تكذب، ثم تصدّق كذبتها.

حصة الرسم في المنهاج الحكومي... يُقال في الأمثال الشعبية: "إذا ما كذب، فبعد شاهِدَك!"، ولكن هنا الأمر واضح بدليل قاطع لا يقبل التشكيك: صورة لأحد الوزراء أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء، وهو منشغل بممارسة هواية الرسم. والواضح أن معاليه فاشل حتى في الرسم، ولهذا تم ترشيحه للمنصب!

الأغرب من ذلك، أن هذا الوزير ينتمي إلى الفئة الأعلى تمثيلًا في الحكومة، وجلستهم تُعد من الجلسات التي تُتخذ فيها قرارات تمس البلد والمواطن مباشرة. ولكن ما يظهر في الصورة ليس فقط مهزلة، بل إشارة صارخة إلى العقلية التي تحكمنا، وهي واحدة من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى تدهور حال البلاد منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم.

وصدقًا، هذه ليست هفوة مصوّر إعلامي، بل كارثة وطنية حقيقية.

الكذب حبال الشيطان... في وقت يدّعي فيه من في السلطة أنهم ينتمون إلى القيم الدينية ـ والدين منهم براء ـ ينتهجون أفعالًا وأقوالًا يصفها المثل الشعبي المصري: "أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستعجب!".

وهذا دليل على أن منهج الكذب إذا ما استُخدم في قضايا حساسة، ستكون النتائج كارثية. والسبب؟ هناك عملية ممنهجة لتضليل الرأي العام، من خلال "إنجازات وهمية" لا تمتّ للواقع بصلة، مما يخلق تراكمات من الإخفاقات يصعب علاجها إذا ما استفحلت.

وعليه، فإن من يتولى السلطة يجب أن يكون ـ على الأقل ـ صادقًا مع نفسه، ليسهل عليه أن يكون صادقًا مع الشعب.

حالة اللا انتماء ... تعاني المراكز الحساسة في الدولة من غياب الانتماء الحقيقي للوطن، بسبب الأسس التي بُني عليها النظام الحالي، وهي المحاصصة. فهناك من ينتمي إلى طائفة، وآخرون إلى عشيرة، وغيرهم إلى قومية... أما الانتماء للعراق، فهو الغائب الأكبر.

ولهذا ترى معالي الوزير يمارس موهبة الرسم الفاشل في جلسة حكومية، وكأن الرسم بات يُعبّر عن المنهج الحكومي!

الخلاصة... "ضايعة فطيم بسوك الغزل." بلد لا يوجد فيه شيء سوى "السياسة الريعية"، التي تتمثل في بيع النفط وتوزيعه على الشعب، ظنًا من السلطة أن المال سيشتري ضمائر الناس.

لكنهم نسوا ـ أو تناسوا ـ أننا نقترب من نقطة اللاعودة. ويبدو أن بعضهم يسعى بوعي أو بغير وعي لتحقيق هذه النبوءة. فهم يساهمون ـ بصمتهم ولا مبالاتهم ـ في انهيار الوطن. وطالما هؤلاء في السلطة، فإن حالنا سيبقى كما هو... والرد الشعبي الأنسب على هذه الحالة يُختصر في المثل: "اقبض من دبش!"

الاثنين، 7 يوليو 2025

مقال

 الأسباب والأهداف بين السياسة والحياة الاجتماعية

تحت عنوان

إدخال المناهج الصوفية في كتابة الدراما المصرية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



شهدت الدراما المصرية في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في تناولها للموضوعات الروحية والدينية، حيث بدأ يظهر توجه جديد نحو إدخال مناهج التصوف الإسلامي في بنية الأعمال الدرامية. لم تعد الدراما تعتمد فقط على قصص الحب والصراع الاجتماعي، بل أصبحت تتكئ على رؤية صوفية عميقة تحاول أن تعيد تشكيل الوعي الجمعي من خلال طرح فلسفي ورؤيوي جديد للحياة والوجود.

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا هذا التحول في المفاهيم الفكرية التي تُشكّل صناعة الدراما، في وقت كانت فيه هذه الصناعة قد حققت نجاحات منذ بداياتها؟

لقد مرت الدراما المصرية بتدرجات نسبية في الطرح والتنوع بين فترة وأخرى، ولكننا لم نشهد من قبل تحولًا فكريًا كالذي نراه اليوم. فقد ظهرت أعمال تشير صراحة إلى الطرق الصوفية كمنهج حياة، ولهذا من الطبيعي أن يكون لهذا التحول أسبابه التي دفعت أصحاب الأقلام إلى تغيير مناهجهم في كتابة النصوص، كما أن هناك أهدافًا يسعون إلى تحقيقها من خلال هذا الاتجاه، وهو ما يظهر جليًا في أعمال مثل جزيرة غمام والمداح وحرب الجبالي وغيرها.

 

الأسباب السياسية ... الدراما تمثل مرآة للواقع السياسي والاجتماعي، وبعد ثورة 25 يناير، شهدت مصر تغيرًا شاملًا طال مختلف جوانب الحياة، بما فيها الساحة الدرامية. ومن أبرز التحولات التي تلت الثورة، كان صعود التيارات الدينية المتطرفة، والتي تركت آثارًا كارثية على المزاج العام والوعي الجمعي لدى المواطن المصري.

ومع تصاعد خطاب العنف والتشدد، كان لا بد من ظهور تيار فكري مضاد يُفند تلك الأفكار ويواجهها بالفكر ذاته. فوجد كثير من المبدعين في التصوف الإسلامي طريقًا لنشر فكر روحي متسامح قادر على ترميم ما أفسدته خطابات الكراهية والتطرف. وهكذا أصبحت الدراما ميدانًا لحرب فكرية ناعمة، تقوم على مبدأ "الفكر يُواجه بالفكر".

 

ثانيًا: الأهداف المرجوة ... الهدف الأساس من هذا التوجه يتمثل في صناعة مجتمع أكثر سلمًا وانفتاحًا، مجتمع يمتلك جذورًا روحية تربطه بالذات الإلهية. فالتصوف، في جوهره، ليس فقط منهجًا دينيًا، بل منظومة قيمية تسعى إلى تهذيب النفس وإعادة الاعتبار للروح في زمن طغت فيه المادية والرأسمالية، حتى بات الإنسان مجرد أداة في ماكينة استهلاكية تفتقر للروح والوجدان.

إن إدخال التصوف في الدراما يهدف إلى إعادة التوازن بين المادة والروح، وبناء جدار فكري وثقافي يصد التغريب القيمي، ويعيد للإنسان إنسانيته.

 

الآثار السلبية المحتملة ... رغم الأثر الإيجابي الواضح لتوظيف التصوف في الدراما، إلا أن هناك تخوفات مشروعة من تقديم التصوف بصورة مشوهة، أو سطحية، تُفرغه من عمقه الروحي والفكري. فبعض الأعمال قد تقع في فخ الرومانسية المفرطة، أو تُسيء توظيف الرموز الصوفية لأغراض تجارية أو سياسية، مما يضعف من صدق الرسالة ويشوّه جوهر الفكر الصوفي.

ويزداد القلق إذا ما تم استغلال هذا التيار لصناعة محتوى شعبي يقترب من الدجل أو الشعوذة، وهو ما يُحوّل التصوف من فكرٍ راقٍ إلى وسيلة لإثارة الجدل أو استدرار الأرباح. ومن هنا ندرك أن استخدام الصوفية في الدراما هو سلاح ذو حدّين، وقد يكون هذا الجانب قد غاب عن كثير من صناع القرار الدرامي.

 

الخلاصة ... إن إدخال مناهج التصوف في الدراما المصرية ليس مجرد موضة عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في المزاج الثقافي العام، ومحاولة حقيقية لإعادة الروح إلى عمل فني أنهكته المادية والابتذال. وإذا ما أُحسن توظيف التصوف ضمن السياق الدرامي، بعيدًا عن التهويل أو التسطيح، فإنه قد يمثل أحد أنبل التحولات في تاريخ الدراما المصرية الحديثة.

الأحد، 6 يوليو 2025

مقال

 رأيي في العمل والتخصص

تحت عنوان

يوميات كلية الآداب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحكاية تبدأ... أنني قبل عدة أيام طلبت من أحد المسؤولين في كلية الآداب تغيير طبيعة عملي بالانتقال إلى العمل في مكتبة أحد الأقسام، والغريب أن الإجابة كانت صادمة ولم أتوقعها إطلاقًا حين قال:

"أستاذ محمود، هل تخصصك مكتبات؟"

وما أثار استغرابي لم يكن السؤال بحد ذاته، بل نوعية الإجابة المصحوبة بسؤال، لكن الصدمة كانت أن هناك من لا يزال في رواق الكلية لا يعرف من أكون، وما طبيعة عملي، رغم علم المسؤول بأنني أمتلك خبرة في العمل المكتبي لأكثر من خمسة وعشرين عامًا! وهذا ما جعلني أتحفّظ عن الرد عليه في حينها.

وليكن الحديث هنا عن العمل في الرواق الأكاديمي والعالم الجامعي، وهو يُقسَم إلى قسمين:

الأول متمثل في الجانب التدريسي الأكاديمي، والثاني هو ركن الموظف المتوسط أو البسيط، وكلاهما مكمل للآخر، وهذا ما لا يستطيع إدراكه بعض الكوادر التدريسية، وذلك بسبب أن بعض السياسات الحالية جعلت كثيرًا من التدريسيين يتقمصون دور الموظف المتوسط أو البسيط للحفاظ على مواقعهم في الكلية أو الجامعة فقط، مما سبب ارتباكًا في تحديد طبيعة العمل الوظيفي.

دور المسؤول... يظن كثير من المسؤولين أن المسؤولية تنحصر في الكتاب الوزاري الخاص بالتكليف، أو بمقدّرات الدائرة، أو برقابة العاملين بها، إضافة إلى البدلة الرسمية مع ربطة عنق، ومكتب فاخر، وسكرتير يتّسم بالفظاظة في التعامل مع المراجعين.

لكن ما يجهله الكثير منهم أن المسؤولية والإدارة تنطوي على قدرة المسؤول على التقدّم بالعمل بصورة صحيحة، وتصحيح الرؤية تجاه كل فرد وإمكاناته في إدارة العمل، من خلال شراكة حقيقية بين التخصص والخبرات. وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه كثير من رجال الدولة اليوم، مما تسبب في كوارث إدارية.

وما لا يعلمه مسؤولنا، هو أن كثيرًا من رجال الدولة اليوم يحملون شهادات عليا، بغض النظر عن مصداقية تلك الشهادات، لكن الدولة والنظام يعانيان إخفاقات لا تُحصى، والسبب أنهم أقصَوا مفهوم الخبرات التراكمية من حساباتهم.

التخصص في العمل... قد يظن أحدكم أنني ضد التخصص الأكاديمي في العمل، وهذا غير صحيح.

لكن هناك فرق بين ما تقرأه وما هو على أرض الواقع، ولهذا ترى كثيرين يُبدون التذمّر من مواقع عملهم، بسبب عدم شعورهم بالانتماء إلى ذلك العمل، رغم كونه ضمن تخصصهم الدقيق. وهذا ما ستكون له نتائج كارثية على المدى البعيد.

ولو كانت هناك رغبة حقيقية لدى المسؤول في تقديم نفسه كنموذج ناجح، فعليه أن يعمل بمقولة: "حبّ ما تعمل، حتى تعمل ما تحب". ولو طُبّق هذا الشعار إداريًا، لما رأيت موظفًا واحدًا متقاعسًا، وهذه هي مفاتيح الإدارة الناجحة.

النهاية... إن هذا المسؤول الذي تحدثت عنه في هذه السطور، كنت من أوائل من تنبّأ له بشَغل هذا المنصب، بسبب رؤيتي له. وحتى الآن، أراه قادرًا على صنع فارق وظيفي، لكن ما فعله لا أعتبره خطأ فادحًا، بل أقول: "لكل جواد كبوة".

وما كتبت هذه السطور كنوع من الانتقاد له أو لغيره، لا سمح الله، ولكن كثيرين يعرفون أنني أواجه الحقائق بمسمياتها. وقد كان رده لا يليق بمعرفته بموظفيه، رغم أننا عملنا في ذات القسم لسنوات.

وهنا، أود التعبير عن امتناني وشكري لجميع المنتسبين من أساتذة وموظفين، دون استثناء لأحد، في كلية الآداب، الذين لم أرَ منهم ما يسوء خاطري على مرّ السنوات. وأدعو لهم جميعًا بالتوفيق والنجاح.

مقال

 دروس نقدية

تحت عنوان

الفرق بين النقد والانتقاد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي معضلة العصر؛ فقد بات الكثير منا لا يملك القدرة على التفريق بين النقد والانتقاد، وليس هذا فحسب، فالبعض اليوم يرى أن الوقاحة في إعطاء الرأي نوع من أنواع الصراحة، وهنا تكمن القضية. وإذا ما تصفّحتَ قليلًا مواقع التواصل الاجتماعي، فسوف ترى عيّنات تُشعِرك بالقرف إلى حدٍّ كبير في الدفاع عمّا يؤمنون به، وهذا يعود إلى عدم امتلاكهم الحجة أو البرهان لما يريدون إيصاله للطرف الآخر، فيلجؤون إلى ابتداع أساليب رخيصة في الانتقاد على أنه نقد. وهذا ما دفعني لكتابة هذا الموضوع.

وإذا ما أردنا تعريفًا علميًا لعملية النقد، يكون: "النقد هو تحليل وتقييم موضوعي لعمل فكري أو أدبي أو فني، يهدف إلى إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية فيه من أجل الفهم والتطوير."

أما الانتقاد، فهو حالة سلبية يمارسها البعض بحجة أنهم قادرون على رصد السوء عند الطرف الآخر، وهو أيضًا إبداء الملاحظات السلبية بشكل مباشر، وغالبًا ما يكون عفويًا أو هجوميًا، ويركز على العيوب فقط، وقد يدخل في باب التنمّر. وفي الغالب، يكون المنتقِد يهدف إلى إبراز الأخطاء، وغالبًا ما يحمل نبرة سلبية أو تهكمية، وقد يستخدم لغة جارحة مبالغًا فيها، خالية من الاتزان اللفظي والنفسي، تصل إلى درجة الحماقة في القول. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا النهج ضمن سلوكه اليومي، أو كردّة فعل، وفي كلتا الحالتين يكون قد ارتكب الخطأ.

وقد يتساءل أحدكم: لماذا يُقدِم البعض على هذا الفعل؟

يرجع ذلك إلى أمرين:

الأول /  كنوع من الدفاع عن النفس كما يتصوره صاحبه.

الثاني /  في الغالب يكون بدافع الغيرة أو الحسد.

وفي كلا الحالتين، تكون النتيجة واحدة: التسبب بالأذى النفسي للطرف المقابل، وقد يُشعر المتلقي بالإهانة أو الإحباط أو العدائية، من خلال تسليط الضوء على العيب بغرض الإدانة أو التفريغ.

أما النقد، فهو شيء مختلف كليًّا عن المصطلح الأول؛ إذ يعتمد على عملية تحليل وتقييم بنّاءة لعملٍ أدبي أو فني أو فكري، بهدف توضيح مكامن الجمال والضعف، وتطوير العمل أو الفكرة. وهدفه يكون في تحديد مواضع الخلل لغرض إصلاحها، والتفريق ما بين الحسن والسوء دون التجريح الشخصي، معتمدًا على قاعدة تحليلية مدعومة بالقرائن والأدلة العلمية الدامغة. وغالبًا ما يكون هذا في الجوانب الأدبية والفلسفية، مما ينعكس على سلوك الإنسان الشخصي في حياته اليومية بطريقة سلسة يمكن للمتلقي قبولها بصدر رحب، معتمدًا على الأساليب العلمية في عملية النقد.

أما على أرض الواقع، فهناك مجموعة من الحماقات تُرتكب في كل لحظة بحجة النقد، والغريب أن كثيرًا منهم يلجأ إلى التشخيص الفردي في عملية النقد، مما يعرّضه للمساءلة القانونية. وأنا أعتبر هذا نوعًا من الغباء.

وإذا ما كنت تريد الاحترافية في عملية النقد، فيجب عليك اللجوء إلى عملية الترميز بطريقة احترافية، من خلال رسم صورة دقيقة لكل ميزات الطرف الذي تريد توجيه النقد له، دون اللجوء للتسمية المباشرة. ويُعتبر هذا الأسلوب الاحترافي الأفضل لعملية النقد.

الخلاصة ... هناك فرق واضح بين النقد والانتقاد

فالأول ليس موهبة فطرية كما يظن البعض، بل هو نتاج اطّلاع واسع على النتاجات الأدبية والفنية، ما يُكسبك الأدوات النقدية القادرة على الكتابة الواعية.

أما الثاني، فهو عبارة عن إفرازات لأمراض نفسية، يكون لها أفعال سيئة إلى حد كبير في إيذاء من حوله. وبهذا نكون قد رسمنا صورة نقدية بالكلمات والمفاهيم البسيطة، لتكون سهلة على القارئ العام. وأسأل الله أن يكفينا شرّ النفوس الجاهلة، والمنتقدة لغرض الانتقاص فقط.

الخميس، 3 يوليو 2025

مقال

 إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات

تحت عنوان

فن المقالة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كثيرون اليوم ممن يريدون تقديم أنفسهم على أنهم من الأقلام المحترفة في فن المقالة، وهم غير مدركين لقواعد لعبة الكتابة. وأنا من الذين يؤمنون بأن فن كتابة المقال هو فن إبداعي احترافي. والحقيقة أن ما يُسمى اليوم بالمقالة هو، في كثير من الأحيان، من النصوص المتدنية ـ إن صحّ التعبير ـ فكاتبها لا يعدو أن يكون خزانًا للمعلومات الحفظية، يسردها دون وعي أو إدراك للمعنى الحقيقي لفن المقالة.

وهنا، كان لا بد من توضيح بعض القضايا المتعلقة بكتابة هذا الفن، ومنها: إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات.

المقال... مخلوق إبداعي تنسجه أنامل المبدعين في عالم الكتابة، لا المتطفلين أو المحسوبين على عالم الصحافة في يومنا هذا. وهذه مسؤولية تقع على عاتق أصحاب الأقلام لتصحيح المسار.

وتبدأ إشكالية السرد العبثي من تحرير الفكر من القوالب التقليدية، وهذا ما يمنح القلم حريةً من القيود المعتادة، متجاوزًا النمطية بين السطور. وهذه هي الحرفية التي قد يمتلكها الكاتب، والتي تمنحه أيضًا القدرة على جذب القارئ وخلق حالة من الدهشة والانشداد لاستكمال قراءة المقال حتى نهايته. وهنا تتجلى التقنيات الاحترافية.

يتجسد كشف اللاعقلانية في الواقع من خلال خلق حالة فوضوية في النص، تعكس عبثية الواقع المرير وتُقدّم بشكل فني وفلسفي. ويتيح ذلك مساحة تجريبية في العرض اللغوي والفكري، ويفسح المجال لاستخدام لغة رمزية، صادمة، أو سريالية، ما يفتح آفاقًا جديدة للطرح بطريقة مختلفة.

ومن محاسن السرد العبثي تحفيز القارئ على التأويل والتفكير، مما يمنحه فرصة للبحث عن المقصود من المقال. فهو لا يقدم إجابات مباشرة، بل يدفع القارئ إلى المشاركة الفاعلة في خلق المعنى.

وتتوزع موضوعاته غالبًا في مساحات مناسبة للقضايا الوجودية أو الساخرة، حيث يتلاءم السرد العبثي مع المواضيع التي تتناول فقدان المعنى، الصراعات النفسية، التكرار، والسخرية من البُنى السلطوية أو الفكرية.

لكن في المقابل، هناك صعوبات قد تواجه الكاتب عند اعتماد هذا النوع من السرد، من أبرزها:

صعوبة إيصال الفكرة بوضوح، إذ قد يضيع المعنى الحقيقي للمقال وسط الفوضى اللغوية أو البناء غير المنطقي. ومع ذلك، فإن التمكن من أدوات الكتابة يمكن أن ينتج عنه نصوص توصف بـ"الأسطورية" إذا صحّ التعبير.

إرهاق القارئ فكريًا أو تشويشه، فبعض القراء قد ينسحبون مبكرًا لعدم قدرتهم على متابعة النص أو تذوقه، وهذه معضلة تواجه كثيرًا من الكُتّاب اليوم.

الحشو الاستهلاكي وخطر الوقوع في اللامعنى الحقيقي، ففي بعض الأحيان قد يتحول السرد العبثي من وسيلة تعبير إلى مجرد حشو لا هدف له، ما يرهق النص من الناحية الإبداعية.

ارتباك الهدف وغياب التأثير المباشر، فالمقالات ذات الطابع الإقناعي أو الحجاجي تفقد قوتها إذا غلب عليها العبث واللا نظام، وهو ما قد يدفع الكثيرين للعزوف عن كتابة المقال بأسلوب عبثي.

عدم ملاءمة السرد العبثي لجميع الموضوعات، فلا يمكن استخدامه في المقالات الأكاديمية، أو السياسية المباشرة، أو التقارير الجادة ذات الطبيعة التحليلية.

وفي نهاية المطاف، قد يقع الكاتب في اللبس بين العبث والإسفاف، وقد يختلط على البعض السرد العبثي بالأسلوب الركيك أو العشوائي، مما يفقد النص احترامه وقيمته الأدبية.

وبعد كل ما ورد، نكون قد قدمنا صورة واضحة لمحاسن ومساوئ السرد العبثي في كتابة المقال، مساهمين بذلك في رسم الخطوط العريضة لكتابة مقال احترافي بأسلوب مختلف من حيث التقنية، وفي تسليط الضوء على الإشكاليات التي باتت تظهر في يومنا هذا، والتي جعلت بعض المقالات المنشورة أقرب إلى نوع من الإسفاف الذي يُسيء إلى فن كتابة المقال.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...