الأيديولوجيات هدامة في إخضاع المجتمع
تحت عنوان
حديث في الانتخابات القادمة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
قد يظنّ الكثير عند قراءة كلماتي أنني في حرب مع أحدهم،
والحقيقة أن في هذا سذاجة؛ فالقلم عندما يقترب من النضوج تكون حروفه فكرية أكثر من
كونها حربًا شخصية تخص زيدًا أو عمرًا. ومن هذا المفهوم ننطلق لرصد تلك الأفكار
التي ترتقي إلى مستوى السموم، يُراد منها قتل إرادة الشعوب وإخضاعها لمبدأ أو منهج
منحرف، ومنها الفساد. ومن تلك الأفكار تنتشر أصوات، أقلّ ما يُقال عنها إنها
شيطانية، في قولهم: "إذا لم تكن مقتنعًا بمرشّح انتخابي فامضِ في إسقاط
صوتك"، وهنا يكمن أصل الموضوع.
وإذا ما كانت المشاركة في الانتخابات تُعتبر مساهمة
حقيقية في إنتاج فاسد يحترف عمليات السرقة بموافقات نظامية، فستكون ورقتك
الانتخابية هي التي تمنح الشرعية لنظام كرّس كلّ قوانينه اليوم لهذه العملية،
ويكون المصدر هنا أخطر بكثير من الفروع.
عندها يكون السؤال الأهم: ما هو الحل إذا ما أُقفلت كلّ
الحلول المتاحة من وجهة نظر الناخب؟
فالإجابة ستكون في أن يكون لك موقف من كلّ المهازل التي
تُقام باسم الشعب. وليعلم المواطن البسيط أن النظام ليس أبًا لأحد، وقد تكون
المقاطعة مبدأ أضعف الإيمان، وأنا أعتبر هذا خيرًا بكثير من الكفر الذي نحن
مُقبلون عليه.
الأكاذيب الانتخابية... بصراحة، أرى في الفكر الهدّام لمحات إبداعية في إيجاد
طرقٍ لخداع المواطن البسيط، ومنها استغلال معاناة المواطن في العملية الانتخابية،
كاستقبال طلبات الناس لشمولهم في شبكة الرعاية الاجتماعية من باب "فيد
واستفِد"، وفي هذه دناءة ما بعدها دناءة في استغلال البشر، واستبعاد مناهج
العمل الانتخابي الحقيقي لتطوير البلد.
وما لا يعلمه ذلك المرشح أنه مقبل على دخول منظومة رُسمت
حدودها منذ بداية العهد الجديد، ولا يمكن الخروج عنها، وكأنّ الأمر بمن يفوز هو
مجرد أداء لدور "عرائس الدمى" المرتبطة بخيوط النظام، الذي يسعى إلى خلق
عدم الاستقرار من خلال استقطاب شخصيات أصحاب المصالح الشخصية في العمل السياسي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب البعض إلى شراء
الذمم من خلال الوعود بامتلاك السلطة أو السيطرة على مصادر القرار، ومغازلة أولئك
الذين أنهكتهم الحياة اليومية، والتي المتسبب الرئيسي فيها هو النظام نفسه، لتكون
اللعبة الانتخابية معتمدة على الانتماء الطائفي، والقومي، والعشائري.
وهذا ما أثّر بشكل مباشر في إبعاد المفاهيم الصحيحة
للعملية الديمقراطية. ولهذا ترى أن الذين يتهافتون على الترشيح يعتمدون بشكل رئيسي
على علاقتهم بالمتنفذين في القرار. وما لا يعلمه الكثير أن البلد كلّه يُدار
بأجندة لا تُعرض للعلن، وأما ما تراه من أسماء وشخصيات فهي مجرد واجهات مستهلَكة
من الأصل.
إذا ما كانوا يريدون إعادة هيكلة النظام الانتخابي، فيجب
اتباع مناهج قائمة على تجارب ناجحة، والابتعاد عن استنساخ التجارب الفاشلة، مثل
التجربة اللبنانية التي حتى يومنا هذا تعاني من عدم قدرتها على رسم الخطوط
السياسية للبلد، رغم أنها أقدم من تجربتنا.
ومن القواعد الصحيحة التي يجب انتهاجها: إقامة لجان يكون
عملها مراجعة الفكر العقائدي للأحزاب المشاركة، واستبعاد تلك التي تكون أهدافها
فئوية، والمضي في بناء مناهج حزبية وطنية جامعة. والحقيقة أن الجميع مُدرك لهذا، ولكن ما يمنعهم هو أن
الجميع واقع تحت نظام صارم بُني على أسس تخدم المنافع الشخصية.
الخلاصة... المواطن في ورطة؛ فعندما فكّر المجرمون في هذا البلد في
طريقة للتملّص من المسؤولية أمام الذات الإلهية، كان الحل في تحميل المسؤولية لما
يحدث على بعض الطامعين والانتهازيين، وجعلهم واجهة أمام الناس لكل ما يحدث.
ويظنّون بذلك أنهم يخدعون الله، ونسوا قول الله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين" —
صدق الله العظيم.
وفي النهاية، تستحضرني قصة من التراث الشعبي مفادها: "يُحكى أن رجلاً من الدراويش كان يحضر حلقة من
الذكر، وعند انجذابه وخروجه عن المعقول، سقط المال، وعندها اجتمع الناس لسرقته،
فصرخ بأعلى صوته: محسوبات ومعدودات!" وفي هذا إشارة إلى أن كلّ شيء يفعله الإنسان من سوء هو
معلوم، وسوف يُحاسب عليه. فالخطأ بحق نفسك قد يكون داخل رحمة الله، ولكن خطأك بحق
الآخرين مقرون بالعفو والمغفرة من الطرف الآخر، في يومٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون... اللهم إني بلغت، فاشهد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق