الجربوع ... أبرز شخصية اجتماعية
تحت عنوان
صور من المجتمع
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
الشرف والأخلاق ... هي الأشياء الوحيدة التي إذا ما فقدها الإنسان، لن
يستطيع إيجادها مجددًا.
الحكاية تبدأ: "أن امرأة عادت من أحد الأعراس، وهي
تتحدث عن قضية (الغيرة والنخوة العربية)، من خلال قيام العريس بإلباس العروس
لباسًا محتشمًا بشكل مبالغ فيه، ومنعه الرجال من دخول القاعة، رغم قولها إن جميع
النسوة المتواجدات كنّ محتشمات الملبس، وإن جميع المدعوين هم من الأقرباء".
وليست هنا أصل المشكلة، ولستُ من الذين يدعون للانحلال ـ
لا سمح الله ـ ولكن لو عدنا إلى الخلفية الأيديولوجية لشخصية العريس، فإنّه يحمل
عقلية (سائق التاكسي)، وليس المعيب هنا نوعية العمل، ولكن المشكلة تكمن في سذاجة
التفكير المعاصر في التفريق بين "النخوة والغيرة العربية" كما تُسمّى،
وبين سوء الظن.
فَيَكمن الاستغراب في مطالبة شخصية "الجربوع"
ممن حوله أن يكونوا شرفاء معه، وهو ذاته لا يملك الشرف. وليس الأمر يقتصر على هذا.
التقييم العام للبشر اليوم... هو تقييم مكتسب من عقلية "الجربوع"، ذلك
الحيوان الذي يتّسم بالخوف، فهو من يختبئ دومًا داخل الجحور في الصحراء لصغر حجمه.
ومفاده: (معك فلس تسوى فلس)، وهذا القانون معلوم عند
عموم شرائح المجتمع، وهو ما ولد زلزالًا كانت له آثار قاتلة، منها: خلخلة القيم
المجتمعية، وهي الحقيقة التي يرفض الجميع الاعتراف بها. فنحن اليوم أصبحنا نعيش في
ما يُعرف بين العامة بـ (صايرة لَخَة).
فساد المجتمع الأسباب والمسببات ... كثيرًا ما أسمع اليوم أن النساء هنّ من أفسدن المجتمع،
وهذه ضلالة ما بعدها ضلالة.
وهنا أستحضر كلمات كنت أسمعها من أبي ـ رحمه الله ـ فقد
قال:
"يا بني، إذا ما رأيت شيئًا معيبًا يُرتكب في
المنزل، فحذارِ أن تلقي اللوم على المرأة، وإذا ما أردت أن تحاسب أحدًا، فليكن
الرجل".
وفي هذه الكلمات معانٍ كبيرة إذا ما أدركها القارئ،
فالرجل هو الأساس والعمود الذي يكون نقطة ارتكاز لكل شيء من حوله. وقد يكون هذا هو السبب الوحيد، ولكن أعداءنا قد قاموا
بدراستنا بشكل معمّق أكثر مما يمكن تصوّره، وأدركوا أن للرجل الشرقي أيقونة يعتزّ
بها، لدرجة أنها إذا ما أصيبت بالضرر قد يرتكب جريمة قتل.
فكان لا بد من العمل على اختراق هذا الحصن على محورين:
الأول / المنظمات النسوية الهدّامة، التي في الغالب يكون
هدفها تحويل المرأة إلى سلعة تُباع وتُشترى لمن يدفع أكثر. وهنا نحن نعيش تفاصيل
هذا الحدث اليوم.
الثاني / تحويل الرجل إلى (جربوع).ولتتم هذه العملية،
كان لا بد من منهجية تجعل هذا الرجل يرضخ إلى فكرة التحوّل، من خلال إقناعه أن
قيمته أمام المجتمع تساوي ما يجنيه من مال، بغضّ النظر عن طريقة جمعه. وهذا بالضبط ما أفقده الشرف، بمعنى الكلمة.
وما نرى ونسمع من قضايا يُعْرَق لها الجبين، كلها بسبب
الإرهاصات الناتجة عن تصرفات "الجربوع" كرجل. فالكثير اليوم تراهم من
الخارج رجالًا، ولكن الحقيقة أنهم مجرد كلاب سائبة في المجتمع؛ ترى أنه يُبيح
لنفسه ما يحرّمه على الآخرين.
الحل... قد أصدمك عندما أقول إن الحل بات شبه مستحيل، فالأمر
أشبه بأن تُقنع الحمار بأنه حمار، ويجب أن يتحلّى بصفات الغزال. وهذا لأننا أدركنا حجم الورطة في وقت متأخر جدًا. وعليه، يجب علينا اتباع أمر قد نبّه عليه رسولنا الكريم ﷺ
في قوله:
"يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على
الجمر".
الخلاصة... من كان لديه أخلاق أو شرف ـ كما يدّعي ـ فليبدأ بمراجعة
ذاته قبل كل شيء، وإذا ما وجد فيها ما يستحق الحديث عنه، فليتحدث، وإن لم يجد،
فالصمت خير له عند الله. فإذا ما
فشلتَ اليوم في أن تكون رجلًا، فلا تكن "جربوعًا" طوال الحياة؛ فعندها
ستكون أسوأ نموذج عرفته هذه الأرض. فالعرب كان سلاحهم الشرف، وعندما فقدوه، تحوّلت أراضيهم
إلى محميات خاصة بالجرابيع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق