دروس نقدية
تحت عنوان
الفرق بين النقد والانتقاد
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
هي معضلة العصر؛ فقد بات الكثير منا لا يملك القدرة على
التفريق بين النقد والانتقاد، وليس هذا فحسب، فالبعض اليوم يرى أن الوقاحة في
إعطاء الرأي نوع من أنواع الصراحة، وهنا تكمن القضية. وإذا ما تصفّحتَ قليلًا
مواقع التواصل الاجتماعي، فسوف ترى عيّنات تُشعِرك بالقرف إلى حدٍّ كبير في الدفاع
عمّا يؤمنون به، وهذا يعود إلى عدم امتلاكهم الحجة أو البرهان لما يريدون إيصاله
للطرف الآخر، فيلجؤون إلى ابتداع أساليب رخيصة في الانتقاد على أنه نقد. وهذا ما
دفعني لكتابة هذا الموضوع.
وإذا ما أردنا تعريفًا علميًا لعملية النقد، يكون: "النقد هو تحليل وتقييم موضوعي لعمل فكري أو أدبي
أو فني، يهدف إلى إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية فيه من أجل الفهم
والتطوير."
أما الانتقاد، فهو حالة سلبية يمارسها البعض بحجة أنهم
قادرون على رصد السوء عند الطرف الآخر، وهو أيضًا إبداء الملاحظات السلبية بشكل
مباشر، وغالبًا ما يكون عفويًا أو هجوميًا، ويركز على العيوب فقط، وقد يدخل في باب
التنمّر. وفي الغالب، يكون المنتقِد يهدف إلى إبراز الأخطاء، وغالبًا ما يحمل نبرة
سلبية أو تهكمية، وقد يستخدم لغة جارحة مبالغًا فيها، خالية من الاتزان اللفظي
والنفسي، تصل إلى درجة الحماقة في القول. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا النهج ضمن
سلوكه اليومي، أو كردّة فعل، وفي كلتا الحالتين يكون قد ارتكب الخطأ.
وقد يتساءل أحدكم: لماذا يُقدِم البعض على هذا الفعل؟
يرجع ذلك إلى أمرين:
الأول / كنوع من
الدفاع عن النفس كما يتصوره صاحبه.
الثاني / في
الغالب يكون بدافع الغيرة أو الحسد.
وفي كلا الحالتين، تكون النتيجة واحدة: التسبب بالأذى
النفسي للطرف المقابل، وقد يُشعر المتلقي بالإهانة أو الإحباط أو العدائية، من
خلال تسليط الضوء على العيب بغرض الإدانة أو التفريغ.
أما النقد، فهو شيء مختلف كليًّا عن المصطلح الأول؛ إذ
يعتمد على عملية تحليل وتقييم بنّاءة لعملٍ أدبي أو فني أو فكري، بهدف توضيح مكامن
الجمال والضعف، وتطوير العمل أو الفكرة. وهدفه يكون في تحديد مواضع الخلل لغرض
إصلاحها، والتفريق ما بين الحسن والسوء دون التجريح الشخصي، معتمدًا على قاعدة
تحليلية مدعومة بالقرائن والأدلة العلمية الدامغة. وغالبًا ما يكون هذا في الجوانب
الأدبية والفلسفية، مما ينعكس على سلوك الإنسان الشخصي في حياته اليومية بطريقة سلسة
يمكن للمتلقي قبولها بصدر رحب، معتمدًا على الأساليب العلمية في عملية النقد.
أما على أرض الواقع، فهناك مجموعة من الحماقات تُرتكب في
كل لحظة بحجة النقد، والغريب أن كثيرًا منهم يلجأ إلى التشخيص الفردي في عملية
النقد، مما يعرّضه للمساءلة القانونية. وأنا أعتبر هذا نوعًا من الغباء.
وإذا ما كنت تريد الاحترافية في عملية النقد، فيجب عليك
اللجوء إلى عملية الترميز بطريقة احترافية، من خلال رسم صورة دقيقة لكل ميزات
الطرف الذي تريد توجيه النقد له، دون اللجوء للتسمية المباشرة. ويُعتبر هذا
الأسلوب الاحترافي الأفضل لعملية النقد.
الخلاصة ... هناك فرق واضح بين النقد والانتقاد
فالأول ليس موهبة فطرية كما يظن البعض، بل هو نتاج
اطّلاع واسع على النتاجات الأدبية والفنية، ما يُكسبك الأدوات النقدية القادرة على
الكتابة الواعية.
أما الثاني، فهو عبارة عن إفرازات لأمراض نفسية، يكون
لها أفعال سيئة إلى حد كبير في إيذاء من حوله. وبهذا نكون قد رسمنا صورة نقدية بالكلمات والمفاهيم
البسيطة، لتكون سهلة على القارئ العام. وأسأل الله أن يكفينا شرّ النفوس الجاهلة، والمنتقدة
لغرض الانتقاص فقط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق