آراء الرأي العام بين الزعيم والعقيم
تحت عنوان
ما قبل الانتخابات
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
في كل موسم انتخابي تخرج إلينا شخصيات تحاول تسويق نفسها
عبر مصطلحات رنانة، وكأنها ألقاب تورّث المجد وتُضيف شيئًا إلى بريق الشخصية، ومن
أبرز هذه المصطلحات لقب "الزعيم". إلا أن الحقيقة التي يجهلها الكثير من
هؤلاء أن كلمة "زعيم" لم تعد كما كانت، فقد ارتبطت في الأذهان بإدارة
العصابات الخارجة عن القانون وقيادة التنظيمات غير الشرعية، حتى باتت الكلمة في
كثير من الأحيان تعبيرًا عن السطوة لا عن القيادة النزيهة.
الزعيم الحقيقي ليس شعارًا يُرفع، ولا لقبًا يُمنح دون
استحقاق. بل هو من يملك تاريخًا من الإنجازات الملموسة والدفاع عن قضية واضحة،
بشرط أن تكون نزاهة الفكرة هي الأصل الذي ينطلق منه. فالزعامة تعني أن تكون صوت
الحق حين يسكت الجميع، وأن تحمل همّ الأمة لا أن تبحث عن مكاسبك الخاصة. وبدون هذا
الأساس، تتحول الكلمة إلى مجرد لقب أجوف يفتقد أي قيمة.
أما العقيم، فهو النموذج الآخر الذي يطفو على سطح
السياسة. هو ذاك الشخص الذي لا يقدم للعامة شيئًا يُذكر، ويتحدث بأكثر مما يقدر
على فعله، أو ربما لا يملك أصلاً القرار المستقل. والواقع أن غالبية الطبقة
السياسية اليوم لا تملك أي قدرة على اتخاذ قرار وطني دون أوامر خارجية. الانتماءات
القديمة والمصالح الفئوية جعلت المشهد السياسي العراقي مليئًا بالشخصيات العقيمة
التي لا طائل منها، بل والأسوأ أن بعضهم يطلق على نفسه لقب "زعيم"
وكأنها ماركة مسجلة، بينما العامة تصفهم بما يستحقون: (لواكة).
إذا حاولنا تصنيف المشهد السياسي الحالي – الحاضر منه
والقادم – فلن نجد سوى صنفين: لئيم أو عقيم.
فاللئيم هو ذاك الحاقد الذي لا يتورع عن استنزاف كل
الوسائل القذرة للوصول إلى السلطة، أما العقيم، فهم أولئك الذين يقال عنهم: (لا في
العير ولا في النفير)؛ تجار فاشلون، رعاة الفساد، مصانع لإنتاج الفاسدين الجدد،
ومقاتلون جبناء. هؤلاء هم المجرمون الحقيقيون بحق الشعب، وهم من يمنحون الشرعية
لزعماء العصابات ليستمروا في السلطة، بينما البلد ينحدر أكثر.
أما عن الانتخابات المتتابعة، فالحمار فيها يظل نفسه، لا
يتغير. نعم، هناك شخصيات نزيهة تحاول شق طريقها نحو التغيير، لكن النظام الحالي
مصمم على حماية الفاسدين، ومعايير اللعبة السياسية فيه قائمة على صناعة اللصوص لا
القادة. ولعلّنا جميعًا نتمسك بحلم التغيير، لكن ما بني على باطل فهو باطل.
الحقيقة أن الفوز الانتخابي لم يعد يُقاس بعدد الأصوات أو بحجم الشعبية، بل بالمال
القادر على شراء الذمم، وبالولاءات والعلاقات، وبمدى قدرتك على الخضوع. هذه هي
مفاتيح النجاح في هذا المستنقع.
الخلاصة أن أزمة العراق ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نظام
كامل. ولهذا نشاهد بين حين وآخر شخصيات تدّعي أنها "زعامات" أو
"صفوة مختارة"، والحقيقة أنها صفوة الحمير في مسرح الديمقراطية الزائفة.
فالبلد بأسره يُدار بعقلية (تريد أرنب؟ تأخذ أرنب! تريد غزال؟ تأخذ أرنب!)، حتى
اختلطت علينا المعايير ولم نعد نعرف من هو الزعيم ومن هو العقيم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق