إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات
تحت عنوان
فن المقالة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
كثيرون اليوم ممن يريدون تقديم أنفسهم على أنهم من
الأقلام المحترفة في فن المقالة، وهم غير مدركين لقواعد لعبة الكتابة. وأنا من
الذين يؤمنون بأن فن كتابة المقال هو فن إبداعي احترافي. والحقيقة أن ما يُسمى
اليوم بالمقالة هو، في كثير من الأحيان، من النصوص المتدنية ـ إن صحّ التعبير ـ
فكاتبها لا يعدو أن يكون خزانًا للمعلومات الحفظية، يسردها دون وعي أو إدراك
للمعنى الحقيقي لفن المقالة.
وهنا، كان لا بد من توضيح بعض القضايا المتعلقة بكتابة
هذا الفن، ومنها: إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات.
المقال... مخلوق إبداعي تنسجه أنامل المبدعين في عالم
الكتابة، لا المتطفلين أو المحسوبين على عالم الصحافة في يومنا هذا. وهذه مسؤولية
تقع على عاتق أصحاب الأقلام لتصحيح المسار.
وتبدأ إشكالية السرد العبثي من تحرير الفكر من القوالب
التقليدية، وهذا ما يمنح القلم حريةً من القيود المعتادة، متجاوزًا النمطية بين
السطور. وهذه هي الحرفية التي قد يمتلكها الكاتب، والتي تمنحه أيضًا القدرة على
جذب القارئ وخلق حالة من الدهشة والانشداد لاستكمال قراءة المقال حتى نهايته. وهنا
تتجلى التقنيات الاحترافية.
يتجسد كشف اللاعقلانية في الواقع من خلال خلق حالة
فوضوية في النص، تعكس عبثية الواقع المرير وتُقدّم بشكل فني وفلسفي. ويتيح ذلك
مساحة تجريبية في العرض اللغوي والفكري، ويفسح المجال لاستخدام لغة رمزية، صادمة،
أو سريالية، ما يفتح آفاقًا جديدة للطرح بطريقة مختلفة.
ومن محاسن السرد العبثي تحفيز القارئ على التأويل
والتفكير، مما يمنحه فرصة للبحث عن المقصود من المقال. فهو لا يقدم إجابات مباشرة،
بل يدفع القارئ إلى المشاركة الفاعلة في خلق المعنى.
وتتوزع موضوعاته غالبًا في مساحات مناسبة للقضايا
الوجودية أو الساخرة، حيث يتلاءم السرد العبثي مع المواضيع التي تتناول فقدان
المعنى، الصراعات النفسية، التكرار، والسخرية من البُنى السلطوية أو الفكرية.
لكن في المقابل، هناك صعوبات قد تواجه الكاتب عند اعتماد
هذا النوع من السرد، من أبرزها:
صعوبة إيصال الفكرة بوضوح، إذ قد يضيع المعنى الحقيقي
للمقال وسط الفوضى اللغوية أو البناء غير المنطقي. ومع ذلك، فإن التمكن من أدوات
الكتابة يمكن أن ينتج عنه نصوص توصف بـ"الأسطورية" إذا صحّ التعبير.
إرهاق القارئ فكريًا أو تشويشه، فبعض القراء قد ينسحبون
مبكرًا لعدم قدرتهم على متابعة النص أو تذوقه، وهذه معضلة تواجه كثيرًا من
الكُتّاب اليوم.
الحشو الاستهلاكي وخطر الوقوع في اللامعنى الحقيقي، ففي
بعض الأحيان قد يتحول السرد العبثي من وسيلة تعبير إلى مجرد حشو لا هدف له، ما
يرهق النص من الناحية الإبداعية.
ارتباك الهدف وغياب التأثير المباشر، فالمقالات ذات
الطابع الإقناعي أو الحجاجي تفقد قوتها إذا غلب عليها العبث واللا نظام، وهو ما قد
يدفع الكثيرين للعزوف عن كتابة المقال بأسلوب عبثي.
عدم ملاءمة السرد العبثي لجميع الموضوعات، فلا يمكن
استخدامه في المقالات الأكاديمية، أو السياسية المباشرة، أو التقارير الجادة ذات
الطبيعة التحليلية.
وفي نهاية المطاف، قد يقع الكاتب في اللبس بين العبث
والإسفاف، وقد يختلط على البعض السرد العبثي بالأسلوب الركيك أو العشوائي، مما
يفقد النص احترامه وقيمته الأدبية.
وبعد كل ما ورد، نكون قد قدمنا صورة واضحة لمحاسن ومساوئ
السرد العبثي في كتابة المقال، مساهمين بذلك في رسم الخطوط العريضة لكتابة مقال
احترافي بأسلوب مختلف من حيث التقنية، وفي تسليط الضوء على الإشكاليات التي باتت
تظهر في يومنا هذا، والتي جعلت بعض المقالات المنشورة أقرب إلى نوع من الإسفاف
الذي يُسيء إلى فن كتابة المقال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق