بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 13 مايو 2025

مقال

 

عقول خاوية          

تحت عنوان

التشجيع والتعصّب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



روى أبي ـ رحمه الله ـ أنه عندما كان صغيرًا، كان هناك حكواتي في أحد مقاهي "باب الطوب"، وكان كل ليلة يستبسل في سرد السيرة العنترية. وقد كانت الناس تنسجم إلى حدٍّ كبير مع مجريات الحكاية.

لكن، كان هناك شخص لا يعجبه ما يراه، فقد كان رجلًا يشرب الخمر كل ليلة، وفي نهاية السهرة يمر بجوار المقهى، فيقف عند بابه ويصرخ:

"يسقط عنترة العبسي، ويعيش عمرو بن ود العامري!" فتهجم عليه الجموع بالشتائم والضرب!

والسؤال هنا: هل من الذين في المقهى مَن يعود نَسَبه إلى شخصية "عنترة" التي في الرواية، ليكون كل هذا الغضب والتعصب لرواية تسرد لغرض التسلية؟ ومن هنا نفهم أن الحكاية قديمة، و"ما أشبه الأمس باليوم"!

فاليوم أيضًا نرى ونسمع عن قضايا لو وُصفت بمصطلح دقيق لكانت: سذاجة في التفكير. فبالأمس القريب، انتهى "الديربي" بين رموز الكرة الإسبانية، وليس مهمًا من فاز ومن خسر، لكن المأساة الحقيقية كانت فيما حدث بعد المباراة: امتلأت مراكز الشرطة بدعاوى مشاجرات بين جموع الشباب! وليس هذا كل شيء، بل هناك من قام بتطليق زوجته بسبب توتره من نتيجة المباراة! وكل هذا... وأكثر.

الرياضة ...  من أروع الممارسات التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، ومن بينها رياضة كرة القدم. ولكن، هناك من يأخذ هذه الممارسات إلى أبعد مما يُتصوّر. فمنذ انطلاق صافرة المباراة، يتحول المشجع إلى: محلّل، ومدرب، ولاعب!

يبدأ بالصراخ والتصريحات: "اللعبة غير نظامية"، "الحكم مرتشٍ"، "اللاعب غير كفء"...

وهنا نطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كنت بهذا القدر من الفهم، لماذا لم تستمر في لعب كرة القدم وتنافس "ميسي" أو "كريستيانو"؟ لكنك تكتفي بالثرثرة والصراخ... والحقيقة أن تلك المباريات وُجدت أساسًا لتسلية من يشاهدها، لا لتكون سببًا في معارك لا ناقة لك فيها ولا جمل. متعة المشاهدة تكمن في متابعة مهارات لاعب معين، أو في التنسيق الجماعي لمجريات اللعب. فهي ألعاب جماعية، لا هجومية، كما نراها اليوم. والمشجعون يذكرونني بمثل شعبي موصلي يقول: "دكاك الثوم بعكوسه"، والمعنى أن ما تقوم به لا شأن لك به، فأنت لم تسحق الثوم بيدك، فلماذا تتحدث فيما لم تشترك فيه؟

اكتفِ بالمشاهدة. ففي حالة الخسارة، لن يصيبك ضرر، وفي حال الفوز، لن تجني شيئًا. فالعصبية لأمر لا يمسك بشكل مباشر، ما هي إلا نوع من الحماقة.

حقائق صادمة ... قد يسأل أحدكم: من هم الذين ينتهجون هذا النهج العدواني في التشجيع؟ والإجابة ببساطة: "الناس الفارغة." فلو كان لدى هذه الفئة من الشباب ما يشغلهم، لكانت الرياضة مجرد نافذة للراحة والمتعة. وهنا أطرح سؤالًا لهؤلاء الغاضبين هل رأيتكم تتعصّبون لقضية مصيرية تخصكم؟ لم أسمع أحدًا يغضب لارتفاع نسب البطالة بين الشباب، ولا لأزمة التيار الكهربائي المزمنة، ولا لتردّي الخدمات الصحية والاجتماعية. وهذا يدل على أن هناك من يسعى إلى نشر ثقافة "التفاهات"، لخدمة أجندات سياسية معينة، بهدف إشغال الناس عما هو وطني ومصيري.

تعديل المسار ... جميل أن يكون لك مبادئ تتمسك بها، لكن الأجمل أن تكون هذه المبادئ سامية ونبيلة. فنحن على هذه الأرض لا نملك وقتًا كثيرًا لنضيّعه فيما لا يضر ولا ينفع. علينا أن نصنع لأنفسنا مسارات تخدم الإنسانية، ليكون لوجودنا معنى، كما يفعل غيرنا. وهنا تكون الدعوة ليس لترك التشجيع، بل لامتلاك وعي في التشجيع، ولكبح النفس عن الدخول في نزاعات ساذجة.

الخلاصة ... الإنسان أرقى المخلوقات على هذه الأرض. وتحوّله إلى "منهجية الأكباش المتصارعة" يُخرجه من الإطار الإنساني ويُدخله في الغرائز الحيوانية البدائية. لذلك، الكل مسؤول عن توعية من حوله لخطورة التشجيع الأعمى والتعصّب الذي لا هدف له. وأختم كما بدأت، بمقولة: "إن لم تستطع أن تكون إنسانًا، فحاول أن تلتزم بحدود الإنسانية فلعلّ في ذلك يكون لحياتك معنى."

الأحد، 11 مايو 2025

مقال

 شخصية (طك عرس)

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يُقال في الأمثال الشعبية: "لا للسيف ولا للكيف ولا لعتمة الليل"، وهو مثل ينطبق تمامًا على الشخصية التي نحن بصدد الحديث عنها. فهو شخص لا يصلح للقتال، ولا يُنتفع به في أوقات الراحة، ولا يُذكر في سواد الليالي. لقد بدأت هذه الظاهرة بالانتشار مؤخرًا، وأخذت تلفت الأنظار، إذ تمثّل أحد أشكال الكذب الاجتماعي المقنَّع.

مزايا الشخصية... هو مُكثر في التباهي، مستعرض لبطولات لم يقم بها، وراوٍ مبدع لأساطير خيالية تجعل من الاستماع إليه ممتعًا في الظاهر. لكنه يغضب فور انكشاف حقيقته، ويتقمص دور العارف بكل شيء، رغم جهله الفادح. وغالبًا ما يُطلق عليه باللهجة العامية لقب "بطل الفيلم"، إشارة إلى سعة خياله وكذبه.

إذا حضر مجلسًا، لم يترك لأحد فرصة الحديث، فهو يتحدث في كل شيء، متقمصًا دور "الفهيم"، وهو في الحقيقة لا يقترب إلا من الحماقة!

طك عرس... مصطلح يعود لأحد زملائنا في العمل، ويُستخدم للدلالة على الشخص الذي يبالغ بالكذب واستعراض البطولات الوهمية. وأصل التسمية مأخوذ من إطلاق العيارات النارية في الهواء أثناء الأعراس، والتي تُطلق للضجيج فقط دون أن تكون قاتلة أو ذات فاعلية، تمامًا كشخصية "طك عرس".

ضعف شخصية... يلجأ الكثير من هؤلاء للكذب تغطيةً على ضعفهم وسلبيتهم، فيهربون إلى عالم الأكاذيب، ليقنعوا أنفسهم أولًا بأنهم ما زالوا "بخير". يتبنون نظرية: "يُبيح لنفسه ما لا يرضاه لغيره"، ويتبعون سياسة الظهور على حساب الآخرين، حتى لو اضطرهم الأمر إلى الخداع والتلاعب.

جايف جبان...  غالبًا ما يُوصف هذا النوع من الشخصيات بقول العامة: "أجبن من إسماعيل ياسين". لا تجده في المواقف التي تتطلب شجاعة، ولا يمكن أن تأخذ منه رأيًا حقيقيًا. يتبدل مع مصالحه الشخصية، ويتحول بسهولة إلى أداة بيد الآخرين، يُستخدم لتنفيذ أجندات لا يؤمن بها، بسبب جهله وانقياده الأعمى خلف أكاذيبه. ولهذا استحق لقب "جايف جبان"، فهو يجمع بين الخسة والجبن.

في الابتعاد غنيمة... نعم، الابتعاد هو أنجع حل في التعامل مع هذه النوعية من البشر، فهم أقرب إلى كونهم "حالة مرضية". وما أكثر الأمراض النفسية في أيامنا هذه! لا يصلح أن تتخذه صديقًا، ولا يمكنك التعامل معه ضمن إطار عائلي أو اجتماعي سليم، لأنه سيتحول دائمًا إلى عبء ونموذج يصعب التفاهم معه. أما محاولة التقرب منه فتعد مغامرة غير محسوبة، إذ تجد نفسك مضطرًا للتعامل مع شخصية مضطربة نفسيًا، مما يولّد الكثير من المتاعب.

مشروع تسلية... قد تصادفه في العمل، أو المقهى، أو حتى في منزلك. ويظن البعض أن لا فائدة من وجود هؤلاء في الحياة، لكن في بعض الحالات، يصبح "طك عرس" مادة للضحك والتسلية. فهو يشكل نوعًا من الترفيه الاجتماعي غير المباشر، لمن يحتاج إلى "قشمر" يثير الضحك.

الخاتمة... تنقسم المخلوقات على هذه الأرض إلى: إنسان، وحيوان، ونبات. وكما يدخل الحمار ضمن فئة الحيوانات، والصبّار ضمن فئة النباتات، فمن الطبيعي أن يكون "طك عرس" ضمن فئة البشر، فهو النموذج الحي لأولئك الذين امتهنوا الكذب، واتخذوه طريقة للعيش والتفاعل مع العالم.


الخميس، 8 مايو 2025

مقال

 على هامش الانتخابات القادمة (النمس) مرشح برلماني

تحت عنوان

واقع نعيشه

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الفن مرآة الحياة، يعكس صور الواقع الذي نعيشه كل يوم. ومن إبداعات الدراما السورية التي أثرت الشاشة بروائعها، يأتي مسلسل "باب الحارة"، الذي ضم العديد من الشخصيات المميزة التي تركت أثرًا في نفوس المشاهدين، ومنها شخصية "النمس".

ومن المفارقات الملفتة في هذا العمل أن السيناريو تطرق إلى قضية الانتخابات في زمن الاحتلال، حيث نجح المؤلف في استقراء بعض الأحداث المستقبلية بذكاء لافت. وفي هذا المقال، سنستعرض مشاهد ومواقف مرتبطة بهذه الشخصية، والتي باتت تعكس واقعًا مريرًا نعيشه اليوم.

الحريات في ظل الاحتلال ... من أبرز المشاهد التي تناولت موضوع الحريات، كان ذلك المشهد الذي يطلب فيه الكولونيل من المتظاهرين المناهضين للاحتلال الحصول على موافقة خطية من سلطات الاحتلال قبل التظاهر! وهي ممارسة تتعارض كليًا مع أبسط مفاهيم الديمقراطية.

وما يثير السخرية أن هذا المشهد يتكرر اليوم، حيث تمارس أنظمة الحكم ذات الأساليب المقيدة للحرية. فكيف يُعقل أن يطلب الشخص إذنًا للاحتجاج من الجهة التي يحتج ضدها؟! هكذا تُفرض السلطة إرادتها، وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وإن اختلفت الأسماء.

أخلاقيات المرشحين: كلهم "نمس" ... لو أجرينا مقارنة أخلاقية، لوجدنا أن معظم المرشحين اليوم يتقاطعون بشكل لافت مع صفات شخصية "النمس": كاذب، لص، وعميل. وقد أصبحت هذه السمات - للأسف - من شروط النجاح البرلماني.

والأغرب من ذلك، أن النص الدرامي اقترب من نبوءة مستقبلية، وكأنه يرسم ملامح مرشحينا اليوم. فقد تعددت الأسماء، لكن النمط واحد. مما يعكس فقدان البلد لشرعيته، بل ولسيادته أيضًا.

مرجعية "أبو بدر" ... "أبو بدر"، تلك الشخصية الكوميدية الشهيرة، لم تعد مجرد رمز درامي، بل أصبحت نموذجًا حقيقيًا يُستنسخ في واقعنا. ففي كل حملة انتخابية، هناك دائمًا ممَوّل ثري يقف خلف المرشح، يدير المشهد ويشتري الأصوات.

والغريب أن هؤلاء "الأبوابدرية الجدد" يظنون أنهم أصحاب القرار، بينما هم مجرّد واجهات، لا يملكون من الصلاحيات شيئًا، إلا بعد موافقات تأتي من خارج الحدود. وما أكثرهم اليوم!

ممارسات انتخابية مزيفة ... تناول المسلسل أيضًا مشاهد انتخابية واقعية، منها مشهد "الولائم الانتخابية" التي تُقدّم لجمع الأصوات. وقد قدّم "النمس" نموذجًا ساخرًا في هذا المجال، عندما جمع حوله فئة "لا في العير ولا في النفير" ليدّعي التأييد الشعبي، ثم زوّر الانتخابات لاحقًا!

وهذا تمامًا ما نراه اليوم. فالمال السياسي الفاسد، والتزوير، وشراء الذمم، أصبحت أدوات رئيسية للفوز. وكأن لسان حال الشعب يقول: "من زيتها يُدمها".

الخلاصة: مهزلة اسمها انتخابات ... منذ سقوط النظام السابق، والقاعدة الانتخابية تقول: "تريد أرنب، تأخذ أرنب. تريد غزال، تأخذ أرنب!" فالنتيجة محسومة سلفًا لمن يملك المال والنفوذ، أما الانتخابات، فليست سوى مسرحية تُقام لإضفاء الشرعية الزائفة أمام المجتمع الدولي.

ومن يظن أن أمريكا غير راضية عن الموجودين في السلطة، فهو واهم. فوجود الفساد على رأس الهرم يخدم مصالح الهيمنة، ويمنع أي مشروع وطني قد يدفع البلد نحو الاستقرار أو النهضة. لهذا، أجد أن المشاركة في الانتخابات لا جدوى منها. فالفوز سيكون دومًا من نصيب "النمس"... وختامًا، أقول كلمة واحدة: "لكَ الله يا وطن".

 

الأحد، 4 مايو 2025

مقال

 

الانتخابات القادمة ... وأهل "الهيو"

تحت عنوان

ممارسات عبثية

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قيل قديمًا: "إعادة التجربة نفسها، بالمعايير والمعطيات ذاتها، وانتظار نتيجة مختلفة، هو الغباء بعينه" — وهذا تمامًا حال الانتخابات التي تجري تحت مظلة الأحزاب والكتل السياسية التي تُشكل اليوم ما يسمى بالبرلمان.

سنستعرض هنا صورًا أوصلتنا إلى هذا الواقع، وقد تتغير الأسماء والوجوه، لكن تبقى الأسس التي بُني عليها هذا الصرح قائمة: المصالح الشخصية والفئوية، على حساب الوطن والمواطن.

الانتخابات... هي النقطة التي يُفترض أن تنطلق منها مبادئ الديمقراطية، كما يدّعون. والغرض منها تجديد الفكر في إدارة الدولة، من خلال القضايا التشريعية التي تُسهم في البناء والتقدم، عبر تمثيل حقيقي لجميع طبقات وشرائح المجتمع: العامل، الفلاح، الموظف، والمواطن البسيط.

لكن ما نراه اليوم يختلف تمامًا. فالمواطنة والانتماء الحقيقي للوطن — وهما الشرطان الوحيدان المفترضان للترشح — غائبان عن المشهد. الكل يسعى لترسيخ مبادئ بعيدة كل البعد عن فكرة الوطن. وقد عملت الجهات المتنفذة منذ سقوط النظام السابق على رفع شعار "فرّق تسد"، لضمان بقاء النظام الحاكم واستمراره.

الأحزاب والكتل... الحقيقة المُرّة هي أننا لا نملك في العراق أحزابًا أو كتلًا سياسية بالمعنى الحقيقي، بل تجمعات نفعية تمتلك المال والسلاح، ولا مبدأ لها سوى مصالحها الخاصة.

ولو عدنا إلى أبجديات تأسيس الأحزاب، فإن قيامها يشترط وجود فكرٍ، ورؤية، ومفكرين يرسمون خطوط العمل على أسس نظرية وفكرية. وهذا غير موجود. وما نشهده على أرض الواقع ليس سوى مجموعات مسلحة اختطفت السلطة.

البرلمان... قد يتساءل أحدكم: لماذا فشل البرلمان في أداء مهامه؟ والإجابة ببساطة: لأنه يفتقر إلى التمثيل الشعبي الحقيقي.

ربما تُفاجَأ بهذه المعلومة، لكنها للأسف واقع. فغالبيّة من يهيمن على هذه المؤسسة هم انتهازيون يلهثون خلف الامتيازات المادية، بعيدًا عن قضايا الوطن والمواطنة. الشعارات الطائفية والقومية طغت على مصالح الشعب، وهو ما أعاق تمرير مشاريع مهمة كانت قادرة على النهوض بالبلاد.

وقد بات من السهل – من خلال التجارب السابقة – التعرّف على نوعية المرشحين، ومن سيفوز بهذه "اللعبة العبثية". فلكل لعبة قواعد، ولعبتنا تنتمي إلى "المدرسة العبثية"، التي تهدف إلى تضليل الرأي العام، وإغراقه في وهمٍ كبير.

المترشحون إمّا أثرياء يسعون لحماية مكاسبهم، أو مظلومون اجتماعيًا يعتقدون أن المقعد البرلماني سيوفر لهم فرصة انتقام. لكنهم جميعًا مجرد "دمى خشبية"، خيوطها بيد السلطة الفاسدة والانتهازيين. وبهذه الوجوه، لا يمكن بناء وطن.

أين يكمن الغباء في أصل الموضوع؟ ... الغباء الحقيقي ليس في المرشحين، ولا في قادة الأحزاب، بل في المواطن الذي يعتقد أن صناديق الاقتراع ستُنتج معجزة! حتى لو نزل نبي من السماء وخاض الانتخابات، فسيُحكم عليه بقواعد لعبة الفساد. فالشيطان يكمن في التفاصيل، وهذه التفاصيل هي التي لا يراها كثيرون. لذلك، فإن الجري وراء وعود الإصلاح الكاذبة غباء مستشرٍ. لا سيادة في بلد يُحكم من وراء الحدود، ولا ديمقراطية تُزهر في ظل الطمع والانتهازية.

أهل "الهيو"... وهو وصف يُطلق على الفوضويين وسارقي المال العام، ممن ينتهجون مبدأ: "معهم معهم، عليهم عليهم". هم أصل الدمار، يروجون لمفاهيم لا يعرفون منها شيئًا مثل: "الشرف، النزاهة، المصداقية". وتلك الكلمات تتردد بكثرة خلال موسم الانتخابات. لكن الأغرب أن هناك من لا يزال يصدّق هذه الأكاذيب! في هذه الفترة، يزدهر اقتصاد جماعة "الهيو"، لأنها موسم الغنائم بالنسبة لهم. ومن سذاجتهم أنهم يبيعون الوطن مقابل "سلة غذائية، بطانية، ومبلغ زهيد" — أسلوب "المكادي" الرخيص. فيا لوطأته من وطن... كم أنت رخيص في عيون أبنائك، بينما تُصرف المليارات على مسرحية اسمها "الانتخابات".

الحل... ليس في انقلابٍ سياسي أو عسكري، بل في ثورة فكر. ثورة تغيّر مفهوم المواطنة، وتُعيد تشكيل الوعي الشعبي، ليصبح قادرًا على النهوض. لا يعقل أن نُطالب بشيء لا وجود له على الأرض. ولهذا، فإنني أوجّه دعوتي إلى المفكرين وأصحاب الأقلام لقيادة ثورة توعية تكشف أن ما يجري ليس سوى ممارسات عبثية لا تسمن ولا تغني من جوع. فالمشاركة في هذه الفوضى ليست بريئة... هي إثم يُسأل عنه الإنسان يوم الحساب. فصوتك، قد يكون رصاصة تُقتل بها نفس بريئة، أو قرارًا يُسحق به المظلوم. فاتقِ الله في نفسك، وفيما تفعل.

الخاتمة... قد يرى البعض في هذه الكلمات عملية "تسقيط" لشرعية الانتخابات. لكنها ليست إلا محاولة صادقة لكشف الحقيقة. الديمقراطية لا تلتقي مع الطائفية والقومية، وما نعيشه اليوم هو "ديكتاتورية جماعية" — أسوأ حتى من الأنظمة الفردية. ومهما أُجريت من عمليات انتخابية، سيبقى المواطن كالثور الأعمى... يدور في دائرة مغلقة لا مخرج منها.

رواية (حطّاب سيبيريا) – للبارون الأخير

 رواية (حطّاب سيبيريا) – للبارون الأخير

اليوم الثاني / استعادة الوعي



شقّت خيوط الشمس الخجولة عتمة الغابات الثلجية، لتقع على وجهه، فعاد يتحرّك جفنه، وبالكاد أبصر، بعد أن قضى ليلته الأولى غائبًا عن الوعي. حرّك وجهه نحو الضوء، وبدأ يحاول النهوض، لكن الألم حال دون ذلك. ولم يكن الألم وحده السبب، فقد ساهمت أكوام الثلج التي اتخذت مكانها فوق جسده المتعب أصلًا في تثبيطه.

رفع يده ليزيل ما يمكن إزالته من الثلج، وفجأة تساقطت قطرات ماء ذائبة من تأثير أشعة الشمس الخفيفة على فمه. شعر حينها بأن الحياة قد تمنحك أحيانًا فرصةً ثانية. توقّف عن الحركة، ليفسح المجال لتلك القطرات، لعلّها ترويه، لكن تبقى الأمنيات أمنيات.

وبعد وقت قصير، أعاد المحاولة للجلوس فقط، وكانت تلك أعظم أمنياته في تلك اللحظة... وقد نجح.

بدأ يبحث في جسده عن جروح قد يكون أُصيب بها، لكنه لم يجد شيئًا، وبقي ذلك الشعور بالعجز يضغط على أنفاسه. وبعد لحظة، أحس برهبة المكان، رغم أن النهار قد مزّق عتمة الليل الطويل، إلا أن الظلام ما زال يفرض حضوره. ومع ذلك، لم يستسلم للخوف، وقرّر القبول بفكرة أنه ما يزال حيًّا.

ولد في داخله سؤالٌ غريب:

من أكون؟

وما الذي جاء بي إلى هنا؟

ربما يكون قد أُصيب بفقدان الذاكرة. وقعت عيناه على القلادة في عنقه، ومن التقاليد العسكرية آنذاك أن يرتدي الجندي قلادة مكتوبًا عليها اسمه ورقمه العسكري، كوسيلة تعريف. قرأ ما كُتب: جون ماركس. تذكّر أن الاسم يعود له... ولكن، الإنسان لا يُختصر في اسم.

راح يبحث عن شيء آخر. وجد محفظة تحتوي على بعض العملات المعدنية، وورقة كُتب عليها:

"إنني لن أعود".

صُدم للحظة... كانت كلمات قد تحمل دلالات انتحارية؛ فـ"العودة" هي نقيض "الذهاب"، فإلى أين كان ذاهبًا؟ ولماذا قرر ألّا يعود؟

بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه، باحثةً عن أي إجابة، ولو لسؤالٍ واحد فقط.

نظر إلى قدمه، فانتابه شعور مزعج؛ شيء ما يضايقه داخل الحذاء. قرر خلع الحذاء ذي الرقبة الطويلة. مدّ يده يتحسّس، فوجد شيئًا معدنيًا... أخرجه ليجد سكينًا عليه آثار دم جاف.

اجتاحه رعب قاتل، وتفقّد ساقه ظنًّا منه أن السكين جرحه... لكن لم يجد أثرًا.

وهنا، وُلد خوف آخر... خوفٌ من المجهول الذي يحاول تذكّره.

عاد سكون المكان ليزيد شعور الوحشة داخله. قرّر تغيير مكانه خشية الالتصاق بالجليد، فنهض مستندًا إلى الشجرة التي قضى ليلته عندها، ولاحظ شجرة كبيرة مجوّفة على مقربة منه. عزم على الوصول إليها، وبعد جهد كبير، رغم قلّة المسافة، وصل.

لاحظ بقايا حيوانات داخل التجويف، فأدرك أنه ليس وحده في هذا المكان. قرّر الاحتفاظ بالسكين، ودخل الجوف بحذر. مسح بيده الجدار، كأنّه يتفقد المكان لأوّل مرة، فتوالت عليه صور غريبة: بيت خشبي، باب، نافذة، وأشياء أخرى... كأنها محاولات من الذاكرة لاستعادة ذاتها، لكنها كانت ضبابية وغير واضحة.

استسلم للواقع، وجلس يجمع الأحجار من حوله ليبني بها جدارًا واقيًا. رغم علمه أنها لن ترد خطرًا إن جاء من الخارج، لكنها كانت البداية.

في تلك اللحظة، أدرك الحاجة... والحاجة وحدها تُبقيك على قيد الحياة.

وفي وقت غير معتاد، بدأ تساقط الثلج يزداد، فطغى شعور البرد على كل شيء آخر. كانت النار هي المخلّص الوحيد. وقعت عيناه على بعض العشب الجاف داخل الجوف، وإلى جانبه الحجارة التي جمعها.

اكتملت عناصر إشعال النار. وبعد محاولات، تمكّن من إشعالها...

كانت النار هي الشرارة الأولى لعودة الحياة.

وفي دفء النار، بدأ شعور جميل يتسلّل إلى جسده. كان الدفء هو ما أعاد رسم الخطوط العريضة للفكر، وفسح مجالًا لولاداتٍ ثانية... قد تساهم في رسم واقعٍ جديد.

وهنا بدأ النعاس يسرق منه الوعي، واستسلم أخيرًا لسلطان النوم، استعدادًا ليومٍ آخر...

قد يكون مختلفًا عن سواه.

الخميس، 1 مايو 2025

مقال

 قد نخدع أنفسنا أحيانًا

تحت عنوان

نكتب الأماني لكن الواقع شيءٌ آخر

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين



نحن، معشر الأقلام، دومًا نكتب عن مواضيع شتى؛ فمرّة نكتب عن الحب، وأخرى عن الفضيلة، وأحيانًا عن الأخلاق، ويبقى ما نكتبه مجرد أماني. فعندما نكتب عن الحب، ونحن رموز للتعاسة في هذه الساحة، ونكتب عن الأخلاق، وبيننا رجال لا صلة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد، لا أعتبر ما ذكرت نوعًا من الازدواجية، بل قد يُدرَج ضمن باب "رحلة البحث عن الكمال"، والكمال لله عز وجل.

معضلة تغيير العالم... وهذا ضرب من الخيال، وأُقرُّ به. فمنذ بدء الخليقة، وُجد نبي ومصلح ومفكر، وكلهم سعَوا لتغيير وجه العالم، وأكاد أجزم أن القليل منهم فقط استطاع ذلك، ولو بشكل جزئي. فالأماني تبقى أماني، ولهذا نجد الكثير منا يدور في حلقة مفرغة.

فوبيا القلم والسلطة... رغم اختلاف أنواع السلطات والفترات الزمنية، تبقى هناك مخاوف دائمة لدى أصحاب القرار من أصحاب القلم والرأي. ويعود ذلك إلى شعورٍ مزمن بالنقص؛ فهم يرَون أن الأقلام مرآةٌ حقيقية تكشف عيوبهم وما ينقصهم من أبجديات السلطة المتكاملة – إن وُجدت. ومن باب الاستئثار بالسلطة، تسعى تلك الأنظمة إلى قمع الأقلام ما استطاعت.

لماذا نحن سيئو الحظ؟ ... المتنبي، الجواهري، البياتي، نزار قباني، وغيرهم كثيرون، كانت السلطة على خلافٍ دائم معهم. ولم تكمن القضية في شخصياتهم، بل في طريقة تفكيرهم. فهؤلاء حملوا في كلماتهم حلم المثالية، لكن حين تنظر حولك، لا ترى سوى صور قبيحة لا تمت للمثالية بصلة. ومن الطبيعي حينها أن تنشب المعارك التقليدية التي تجلب "سوء الحظ".

خداع الذات... كثيرًا ما نحاول إقناع أنفسنا بوجود أمل، رغم علمنا أن العالم، منذ بدء الخليقة، طغت عليه الكراهية – نقيض الحب – والفساد – نقيض الأخلاق. ودليلي في هذا: عندما كان اثنان فقط على وجه الأرض، قتل أحدهما الآخر. والقتل مفسدة كبرى. ومع ذلك، ما زالت الأقلام تكتب عن أشياء يطمح أصحابها إلى أن يكون العالم خاليًا منها، وهذا – في نظري – نوع من خداع الذات.

الوهم... أن تجد نفسك في قصة حب متكاملة، أو محاطًا بأناس يمتازون جميعهم بالطيبة، ولا كاذب بينهم ولا منافق ولا سارق ولا قاتل، فهذا وهم. فالعالم مليء بالحروب والأحقاد، وليس هناك سبب مقنع لكل هذا الجنون. ورغم ذلك، تظل الأقلام تكتب عن الحب والجمال والأخلاق، وكلها مجرد أوهام تملأ رأس صاحب القلم.

الحل... سوف يبقى الحال على ما هو عليه. سنبقى نحلم، ونحن في جهة، والعالم في جهةٍ أخرى، بعيد عن الكلمات التي نكتبها. وتبقى تلك الكلمات مجرد استعراضات وهمية، وليست نظرة تشاؤمية بقدر ما هي قراءة واقعية مريرة. وأريد للقارئ أن يكون أمام مرآة الحقيقة المُرّة، كما قال أبو تمام:

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ

                           في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

وتبقى للبارود والسلاح الكلمة الفصل في هذا العالم، فمن الصعب أن تكون عاقلًا في عالمٍ مجنون.

الخلاصة... نحن اليوم أمام مفترق طرق. وما نكتبه، وما يقرؤه الآخرون، يبقى أثره لحظيًّا، كأثر من يحضر جنازة: يدرك حقائق الحياة والموت، لكنه بعد انتهاء المراسم يعود لما اعتاد عليه. كذلك هي كلماتنا؛ يتأثر بها القارئ لحظة، ثم تعود لتكون مجرد مثالياتٍ تُقرأ فقط.

الثلاثاء، 29 أبريل 2025

مقال

 

"الذي يحبك ما يبني لك قصر، والذي يكرهك ما يحفر لك قبر."

تحت عنوان

الحب والكراهية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الإنسان في هذه الأرض يواجه معضلة أزلية: الحب والكراهية.

فمن الطبيعي أن تجد من يحبك، كما ستجد من يكرهك، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يحبك هذا؟ ولماذا يكرهك ذاك؟

لكل منهما أسباب، ولكل شعور مبرراته، لكن لا بد من توضيح الكثير من الأمور التي تثير الجدل.

الكراهية... بدأنا بها لأنها الظاهرة الأكثر انتشارًا في هذا العالم. والغريب في هذا المصطلح أنك اليوم نادرًا ما تجد أسبابًا منطقية للكراهية. هناك صور ومواقف تجعل الولدان يشيبون من هولها، ولو عدنا إلى الأسباب القديمة لولادة الكره، لوجدناها تدور بين رفض سلوك معين، أو الحسد، أو الغيرة. لكن اليوم، أحيانًا يكون سبب الكراهية هو تميّزك فقط!

وهذه كارثة، أن تتحول إلى "عدو" فقط لأنك تمتلك ما لا يملكه الآخرون.

الكارهون نوعان – وكلاهما يتمتع بدرجة من الغباء – لأن من يدرك حقيقة الحياة يدرك أن الوقت قصير جدًا، ومن غير المعقول أن يضيّعه في تتبع سين أو صاد من الناس. لو ركّز كل منا على ما يعنيه، وترك الآخرين وشأنهم، لأصبح العالم مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن.

النوع الأول يعاني اضطرابات نفسية، ولو سألته: "لماذا تكره فلانًا؟"، فلن تجد عنده إجابة مقنعة. وهذه كارثة بحد ذاتها.

النوع الثاني يجعل من الكراهية هواية. يكره الجميع، وربما لو سألته: "من تحب؟"، ستكون إجابته الصادمة: "لا أحب أحدًا... حتى نفسي." وهذا هو أخطر أنواع الكارهين، وغالبًا ما يكون كرهه مصحوبًا بأعمال انتقامية تصل إلى حد الإيذاء. وهؤلاء هم الأكثرية، ولهذا تكثر الحروب والنزاعات. بل إن أول جريمة في هذا العالم كانت بدافع الكراهية، حين قتل أحد أبناء آدم أخاه.

الحب... هو السرّ الخفي، والخلطة السحرية. ولا يقتصر على العلاقة بين رجل وامرأة، بل يشمل كل شرائح المجتمع. بالحب تُبنى المجتمعات، وتنهض النفوس بما يصلحها. فإن صحّ هذا الشعور، أصبح التعامل أكثر إيجابية، ولا يكلّف الإنسان شيئًا إن تبنّى هذا المبدأ.

اليوم، نفتقد "لون الحب"... ذلك اللون الذي ورث الصفات الجميلة من الأسس التي خلق الله الكون عليها. فعندما خلق الرب هذا العالم، كان هناك تحدٍّ: أن الخير سيكسر الشر بسلاح المحبة. لكن ما نراه ونسمعه اليوم يوحي بأن ذلك السلاح قد انكسر، وانتصرت قوى الظلام. ولهذا، باتت الحياة تعجّ بالفوضى، وولّدت سلوكيات ساذجة، وأحيانًا "تافهة". يجب علينا نشر ثقافة الحب بين الناس. فهو الشيء الوحيد المجاني على هذه الأرض، لكن لأن لا ثمن له، ظنه البعض "بضاعة رديئة"! والحقيقة أنه الأغلى ثمنًا، لو أدرك الناس قيمته.

الخاتمة... لو سألتني: "هل تكره أحدًا؟"، سأجيب بكلمة واحدة: (لا) . لسبب بسيط: أنا لا أملك الوقت لهذا الشعور. فأنا رجل طالما تحدث عن الحب، وكتبت المئات من النصوص التي تدعو للمحبة. فمن غير المعقول أن أدّعي شيئًا لا أعمل به، فذلك منقصة في نظري.

لذا، دائمًا أردد: انشروا المحبة بينكم. حين تخليتم عنها، فقد الإنسان انتماءه؛ لا لعائلة، ولا لمجتمع، ولا لوطن.

فـسرّ النجاح في الحياة يكمن في كمية الحب التي تحملها للآخرين، بغض النظر عمّن يكونون.

يجب أن تكون هذه الكلمة "حب" أساسًا لكل شيء حولك، وعندها فقط ستشعر بقيمة الحياة. اعلم أن "الحب" كلمة عظيمة في معناها ومضمونها، ولا تصدّق من يقول: "الذي يحبك ما يبني لك قصر، والذي يكرهك ما يحفر لك قبر."

فذلك قول يدعو لنبذ القيمة الإنسانية، والغرض منه أن يحوّلك إلى مجرد كائن فاقد للإدراك والوعي الإنساني.

مقال

  زهرة المقدسة... والبارون تحت عنوان الثوابت والمتغيرات بقلم البارون الأخير / محمود صلاح  الدين عُرفت العرب منذ زمن بعيد بالأدب وقضية ...