رواية (حطّاب سيبيريا) – للبارون الأخير
اليوم
الثاني / استعادة الوعي
شقّت
خيوط الشمس الخجولة عتمة الغابات الثلجية، لتقع على وجهه، فعاد يتحرّك جفنه، وبالكاد
أبصر، بعد أن قضى ليلته الأولى غائبًا عن الوعي. حرّك وجهه نحو الضوء، وبدأ يحاول
النهوض، لكن الألم حال دون ذلك. ولم يكن الألم وحده السبب، فقد ساهمت أكوام الثلج
التي اتخذت مكانها فوق جسده المتعب أصلًا في تثبيطه.
رفع يده
ليزيل ما يمكن إزالته من الثلج، وفجأة تساقطت قطرات ماء ذائبة من تأثير أشعة الشمس
الخفيفة على فمه. شعر حينها بأن الحياة قد تمنحك أحيانًا فرصةً ثانية. توقّف عن
الحركة، ليفسح المجال لتلك القطرات، لعلّها ترويه، لكن تبقى الأمنيات أمنيات.
وبعد وقت
قصير، أعاد المحاولة للجلوس فقط، وكانت تلك أعظم أمنياته في تلك اللحظة... وقد
نجح.
بدأ يبحث
في جسده عن جروح قد يكون أُصيب بها، لكنه لم يجد شيئًا، وبقي ذلك الشعور بالعجز
يضغط على أنفاسه. وبعد لحظة، أحس برهبة المكان، رغم أن النهار قد مزّق عتمة الليل
الطويل، إلا أن الظلام ما زال يفرض حضوره. ومع ذلك، لم يستسلم للخوف، وقرّر القبول
بفكرة أنه ما يزال حيًّا.
ولد في
داخله سؤالٌ غريب:
من أكون؟
وما الذي
جاء بي إلى هنا؟
ربما
يكون قد أُصيب بفقدان الذاكرة. وقعت عيناه على القلادة في عنقه، ومن التقاليد
العسكرية آنذاك أن يرتدي الجندي قلادة مكتوبًا عليها اسمه ورقمه العسكري، كوسيلة
تعريف. قرأ ما كُتب: جون ماركس. تذكّر أن الاسم يعود له... ولكن، الإنسان لا
يُختصر في اسم.
راح يبحث
عن شيء آخر. وجد محفظة تحتوي على بعض العملات المعدنية، وورقة كُتب عليها:
"إنني
لن أعود".
صُدم
للحظة... كانت كلمات قد تحمل دلالات انتحارية؛ فـ"العودة" هي نقيض
"الذهاب"، فإلى أين كان ذاهبًا؟ ولماذا قرر ألّا يعود؟
بدأت
الأفكار تتزاحم في رأسه، باحثةً عن أي إجابة، ولو لسؤالٍ واحد فقط.
نظر إلى
قدمه، فانتابه شعور مزعج؛ شيء ما يضايقه داخل الحذاء. قرر خلع الحذاء ذي الرقبة
الطويلة. مدّ يده يتحسّس، فوجد شيئًا معدنيًا... أخرجه ليجد سكينًا عليه آثار دم
جاف.
اجتاحه
رعب قاتل، وتفقّد ساقه ظنًّا منه أن السكين جرحه... لكن لم يجد أثرًا.
وهنا،
وُلد خوف آخر... خوفٌ من المجهول الذي يحاول تذكّره.
عاد سكون
المكان ليزيد شعور الوحشة داخله. قرّر تغيير مكانه خشية الالتصاق بالجليد، فنهض
مستندًا إلى الشجرة التي قضى ليلته عندها، ولاحظ شجرة كبيرة مجوّفة على مقربة منه.
عزم على الوصول إليها، وبعد جهد كبير، رغم قلّة المسافة، وصل.
لاحظ
بقايا حيوانات داخل التجويف، فأدرك أنه ليس وحده في هذا المكان. قرّر الاحتفاظ
بالسكين، ودخل الجوف بحذر. مسح بيده الجدار، كأنّه يتفقد المكان لأوّل مرة، فتوالت
عليه صور غريبة: بيت خشبي، باب، نافذة، وأشياء أخرى... كأنها محاولات من الذاكرة
لاستعادة ذاتها، لكنها كانت ضبابية وغير واضحة.
استسلم
للواقع، وجلس يجمع الأحجار من حوله ليبني بها جدارًا واقيًا. رغم علمه أنها لن ترد
خطرًا إن جاء من الخارج، لكنها كانت البداية.
في تلك
اللحظة، أدرك الحاجة... والحاجة وحدها تُبقيك على قيد الحياة.
وفي وقت
غير معتاد، بدأ تساقط الثلج يزداد، فطغى شعور البرد على كل شيء آخر. كانت النار هي
المخلّص الوحيد. وقعت عيناه على بعض العشب الجاف داخل الجوف، وإلى جانبه الحجارة
التي جمعها.
اكتملت
عناصر إشعال النار. وبعد محاولات، تمكّن من إشعالها...
كانت
النار هي الشرارة الأولى لعودة الحياة.
وفي دفء
النار، بدأ شعور جميل يتسلّل إلى جسده. كان الدفء هو ما أعاد رسم الخطوط العريضة
للفكر، وفسح مجالًا لولاداتٍ ثانية... قد تساهم في رسم واقعٍ جديد.
وهنا بدأ
النعاس يسرق منه الوعي، واستسلم أخيرًا لسلطان النوم، استعدادًا ليومٍ آخر...
قد يكون
مختلفًا عن سواه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق