قد نخدع أنفسنا أحيانًا
تحت عنوان
نكتب الأماني لكن الواقع شيءٌ آخر
بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين
نحن، معشر الأقلام، دومًا نكتب عن مواضيع شتى؛
فمرّة نكتب عن الحب، وأخرى عن الفضيلة، وأحيانًا عن الأخلاق، ويبقى ما نكتبه مجرد
أماني. فعندما نكتب عن الحب، ونحن رموز للتعاسة في هذه الساحة، ونكتب عن الأخلاق،
وبيننا رجال لا صلة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد، لا أعتبر ما ذكرت نوعًا من
الازدواجية، بل قد يُدرَج ضمن باب "رحلة البحث عن الكمال"، والكمال لله
عز وجل.
معضلة تغيير العالم... وهذا ضرب
من الخيال، وأُقرُّ به. فمنذ بدء الخليقة، وُجد نبي ومصلح ومفكر، وكلهم سعَوا
لتغيير وجه العالم، وأكاد أجزم أن القليل منهم فقط استطاع ذلك، ولو بشكل جزئي.
فالأماني تبقى أماني، ولهذا نجد الكثير منا يدور في حلقة مفرغة.
فوبيا القلم والسلطة... رغم
اختلاف أنواع السلطات والفترات الزمنية، تبقى هناك مخاوف دائمة لدى أصحاب القرار
من أصحاب القلم والرأي. ويعود ذلك إلى شعورٍ مزمن بالنقص؛ فهم يرَون أن الأقلام
مرآةٌ حقيقية تكشف عيوبهم وما ينقصهم من أبجديات السلطة المتكاملة – إن وُجدت. ومن
باب الاستئثار بالسلطة، تسعى تلك الأنظمة إلى قمع الأقلام ما استطاعت.
لماذا نحن سيئو الحظ؟ ... المتنبي، الجواهري، البياتي، نزار قباني، وغيرهم كثيرون،
كانت السلطة على خلافٍ دائم معهم. ولم تكمن القضية في شخصياتهم، بل في طريقة
تفكيرهم. فهؤلاء حملوا في كلماتهم حلم المثالية، لكن حين تنظر حولك، لا ترى سوى
صور قبيحة لا تمت للمثالية بصلة. ومن الطبيعي حينها أن تنشب المعارك التقليدية
التي تجلب "سوء الحظ".
خداع الذات... كثيرًا
ما نحاول إقناع أنفسنا بوجود أمل، رغم علمنا أن العالم، منذ بدء الخليقة، طغت عليه
الكراهية – نقيض الحب – والفساد – نقيض الأخلاق. ودليلي في هذا: عندما كان اثنان
فقط على وجه الأرض، قتل أحدهما الآخر. والقتل مفسدة كبرى. ومع ذلك، ما زالت
الأقلام تكتب عن أشياء يطمح أصحابها إلى أن يكون العالم خاليًا منها، وهذا – في
نظري – نوع من خداع الذات.
الوهم... أن تجد
نفسك في قصة حب متكاملة، أو محاطًا بأناس يمتازون جميعهم بالطيبة، ولا كاذب بينهم
ولا منافق ولا سارق ولا قاتل، فهذا وهم. فالعالم مليء بالحروب والأحقاد، وليس هناك
سبب مقنع لكل هذا الجنون. ورغم ذلك، تظل الأقلام تكتب عن الحب والجمال والأخلاق،
وكلها مجرد أوهام تملأ رأس صاحب القلم.
الحل... سوف يبقى
الحال على ما هو عليه. سنبقى نحلم، ونحن في جهة، والعالم في جهةٍ أخرى، بعيد عن
الكلمات التي نكتبها. وتبقى تلك الكلمات مجرد استعراضات وهمية، وليست نظرة تشاؤمية
بقدر ما هي قراءة واقعية مريرة. وأريد للقارئ أن يكون أمام مرآة الحقيقة المُرّة،
كما قال أبو تمام:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
وتبقى للبارود والسلاح الكلمة الفصل في هذا
العالم، فمن الصعب أن تكون عاقلًا في عالمٍ مجنون.
الخلاصة... نحن
اليوم أمام مفترق طرق. وما نكتبه، وما يقرؤه الآخرون، يبقى أثره لحظيًّا، كأثر من
يحضر جنازة: يدرك حقائق الحياة والموت، لكنه بعد انتهاء المراسم يعود لما اعتاد
عليه. كذلك هي كلماتنا؛ يتأثر بها القارئ لحظة، ثم تعود لتكون مجرد مثالياتٍ تُقرأ
فقط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق