عقول خاوية
تحت عنوان
التشجيع والتعصّب
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
روى أبي ـ رحمه الله ـ أنه عندما كان صغيرًا، كان هناك حكواتي في أحد مقاهي "باب الطوب"، وكان كل ليلة يستبسل في سرد السيرة العنترية. وقد كانت الناس تنسجم إلى حدٍّ كبير مع مجريات الحكاية.
لكن، كان هناك
شخص لا يعجبه ما يراه، فقد كان رجلًا يشرب الخمر كل ليلة، وفي نهاية السهرة يمر
بجوار المقهى، فيقف عند بابه ويصرخ:
"يسقط عنترة العبسي، ويعيش عمرو بن ود العامري!" فتهجم عليه الجموع بالشتائم والضرب!
والسؤال هنا:
هل من الذين في المقهى مَن يعود نَسَبه إلى شخصية "عنترة" التي في
الرواية، ليكون كل هذا الغضب والتعصب لرواية تسرد لغرض التسلية؟ ومن هنا نفهم أن
الحكاية قديمة، و"ما أشبه الأمس باليوم"!
فاليوم أيضًا
نرى ونسمع عن قضايا لو وُصفت بمصطلح دقيق لكانت: سذاجة في التفكير. فبالأمس القريب، انتهى "الديربي" بين رموز الكرة الإسبانية،
وليس مهمًا من فاز ومن خسر، لكن المأساة الحقيقية كانت فيما حدث بعد المباراة: امتلأت مراكز الشرطة بدعاوى مشاجرات بين جموع الشباب! وليس هذا كل شيء، بل هناك من قام بتطليق زوجته بسبب توتره من نتيجة
المباراة! وكل هذا... وأكثر.
الرياضة ... من أروع الممارسات التي عرفتها البشرية عبر
التاريخ، ومن بينها رياضة كرة القدم. ولكن، هناك من يأخذ هذه الممارسات إلى أبعد مما
يُتصوّر. فمنذ انطلاق صافرة المباراة، يتحول المشجع إلى:
محلّل، ومدرب، ولاعب!
يبدأ بالصراخ
والتصريحات: "اللعبة غير نظامية"، "الحكم مرتشٍ"،
"اللاعب غير كفء"...
وهنا نطرح
سؤالًا جوهريًا: إذا كنت بهذا القدر من الفهم، لماذا لم تستمر في
لعب كرة القدم وتنافس "ميسي" أو "كريستيانو"؟ لكنك تكتفي
بالثرثرة والصراخ... والحقيقة أن تلك المباريات وُجدت أساسًا لتسلية
من يشاهدها، لا لتكون سببًا في معارك لا ناقة لك فيها ولا جمل. متعة المشاهدة تكمن في متابعة مهارات لاعب معين، أو في التنسيق الجماعي
لمجريات اللعب. فهي ألعاب جماعية، لا هجومية، كما نراها اليوم. والمشجعون يذكرونني بمثل شعبي موصلي يقول: "دكاك
الثوم بعكوسه"، والمعنى أن ما تقوم به لا شأن لك به، فأنت لم تسحق الثوم بيدك،
فلماذا تتحدث فيما لم تشترك فيه؟
اكتفِ
بالمشاهدة. ففي حالة الخسارة، لن يصيبك ضرر، وفي حال الفوز، لن تجني شيئًا. فالعصبية لأمر لا يمسك بشكل مباشر، ما هي إلا نوع من الحماقة.
حقائق صادمة
... قد يسأل أحدكم: من هم الذين ينتهجون هذا النهج العدواني في
التشجيع؟ والإجابة ببساطة: "الناس الفارغة." فلو كان لدى هذه الفئة من الشباب ما يشغلهم، لكانت الرياضة مجرد نافذة
للراحة والمتعة. وهنا أطرح سؤالًا لهؤلاء الغاضبين هل رأيتكم
تتعصّبون لقضية مصيرية تخصكم؟ لم أسمع أحدًا يغضب لارتفاع نسب البطالة بين الشباب،
ولا لأزمة التيار الكهربائي المزمنة، ولا لتردّي الخدمات الصحية والاجتماعية. وهذا يدل على أن هناك من يسعى إلى نشر ثقافة "التفاهات"، لخدمة
أجندات سياسية معينة، بهدف إشغال الناس عما هو وطني ومصيري.
تعديل المسار
... جميل أن يكون لك مبادئ تتمسك بها، لكن الأجمل أن تكون هذه المبادئ سامية
ونبيلة. فنحن على هذه الأرض لا نملك وقتًا كثيرًا
لنضيّعه فيما لا يضر ولا ينفع. علينا أن نصنع لأنفسنا مسارات تخدم الإنسانية،
ليكون لوجودنا معنى، كما يفعل غيرنا. وهنا تكون الدعوة ليس لترك التشجيع، بل لامتلاك
وعي في التشجيع، ولكبح النفس عن الدخول في نزاعات ساذجة.
الخلاصة ... الإنسان
أرقى المخلوقات على هذه الأرض. وتحوّله إلى "منهجية الأكباش المتصارعة" يُخرجه من الإطار الإنساني ويُدخله في الغرائز الحيوانية البدائية. لذلك، الكل مسؤول عن توعية من حوله لخطورة التشجيع الأعمى والتعصّب
الذي لا هدف له. وأختم كما بدأت، بمقولة: "إن لم
تستطع أن تكون إنسانًا، فحاول أن تلتزم بحدود الإنسانية فلعلّ في ذلك يكون لحياتك
معنى."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق