الانتخابات القادمة ... وأهل "الهيو"
تحت عنوان
ممارسات عبثية
بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين
قيل قديمًا: "إعادة التجربة نفسها،
بالمعايير والمعطيات ذاتها، وانتظار نتيجة مختلفة، هو الغباء بعينه" — وهذا
تمامًا حال الانتخابات التي تجري تحت مظلة الأحزاب والكتل السياسية التي تُشكل
اليوم ما يسمى بالبرلمان.
سنستعرض هنا صورًا أوصلتنا إلى هذا الواقع، وقد
تتغير الأسماء والوجوه، لكن تبقى الأسس التي بُني عليها هذا الصرح قائمة: المصالح
الشخصية والفئوية، على حساب الوطن والمواطن.
الانتخابات... هي النقطة التي يُفترض أن تنطلق
منها مبادئ الديمقراطية، كما يدّعون. والغرض منها تجديد الفكر في إدارة الدولة، من
خلال القضايا التشريعية التي تُسهم في البناء والتقدم، عبر تمثيل حقيقي لجميع
طبقات وشرائح المجتمع: العامل، الفلاح، الموظف، والمواطن البسيط.
لكن ما نراه اليوم يختلف تمامًا. فالمواطنة
والانتماء الحقيقي للوطن — وهما الشرطان الوحيدان المفترضان للترشح — غائبان عن
المشهد. الكل يسعى لترسيخ مبادئ بعيدة كل البعد عن فكرة الوطن. وقد عملت الجهات
المتنفذة منذ سقوط النظام السابق على رفع شعار "فرّق تسد"، لضمان بقاء
النظام الحاكم واستمراره.
الأحزاب والكتل... الحقيقة المُرّة هي أننا لا
نملك في العراق أحزابًا أو كتلًا سياسية بالمعنى الحقيقي، بل تجمعات نفعية تمتلك
المال والسلاح، ولا مبدأ لها سوى مصالحها الخاصة.
ولو عدنا إلى أبجديات تأسيس الأحزاب، فإن قيامها
يشترط وجود فكرٍ، ورؤية، ومفكرين يرسمون خطوط العمل على أسس نظرية وفكرية. وهذا
غير موجود. وما نشهده على أرض الواقع ليس سوى مجموعات مسلحة اختطفت السلطة.
البرلمان... قد يتساءل أحدكم: لماذا فشل
البرلمان في أداء مهامه؟ والإجابة ببساطة: لأنه يفتقر إلى التمثيل الشعبي الحقيقي.
ربما تُفاجَأ بهذه المعلومة، لكنها للأسف واقع.
فغالبيّة من يهيمن على هذه المؤسسة هم انتهازيون يلهثون خلف الامتيازات المادية،
بعيدًا عن قضايا الوطن والمواطنة. الشعارات الطائفية والقومية طغت على مصالح
الشعب، وهو ما أعاق تمرير مشاريع مهمة كانت قادرة على النهوض بالبلاد.
وقد بات من السهل – من خلال التجارب السابقة –
التعرّف على نوعية المرشحين، ومن سيفوز بهذه "اللعبة العبثية". فلكل
لعبة قواعد، ولعبتنا تنتمي إلى "المدرسة العبثية"، التي تهدف إلى تضليل
الرأي العام، وإغراقه في وهمٍ كبير.
المترشحون إمّا أثرياء يسعون لحماية مكاسبهم، أو
مظلومون اجتماعيًا يعتقدون أن المقعد البرلماني سيوفر لهم فرصة انتقام. لكنهم
جميعًا مجرد "دمى خشبية"، خيوطها بيد السلطة الفاسدة والانتهازيين.
وبهذه الوجوه، لا يمكن بناء وطن.
أين يكمن الغباء في أصل الموضوع؟ ... الغباء
الحقيقي ليس في المرشحين، ولا في قادة الأحزاب، بل في المواطن الذي يعتقد أن
صناديق الاقتراع ستُنتج معجزة! حتى لو نزل نبي من السماء وخاض الانتخابات، فسيُحكم
عليه بقواعد لعبة الفساد. فالشيطان يكمن في التفاصيل، وهذه التفاصيل هي التي لا
يراها كثيرون. لذلك، فإن الجري وراء وعود الإصلاح الكاذبة غباء مستشرٍ. لا سيادة
في بلد يُحكم من وراء الحدود، ولا ديمقراطية تُزهر في ظل الطمع والانتهازية.
أهل "الهيو"... وهو وصف يُطلق على
الفوضويين وسارقي المال العام، ممن ينتهجون مبدأ: "معهم معهم، عليهم
عليهم". هم أصل الدمار، يروجون لمفاهيم لا يعرفون منها شيئًا مثل:
"الشرف، النزاهة، المصداقية". وتلك الكلمات تتردد بكثرة خلال موسم الانتخابات.
لكن الأغرب أن هناك من لا يزال يصدّق هذه الأكاذيب! في هذه الفترة، يزدهر اقتصاد
جماعة "الهيو"، لأنها موسم الغنائم بالنسبة لهم. ومن سذاجتهم أنهم
يبيعون الوطن مقابل "سلة غذائية، بطانية، ومبلغ زهيد" — أسلوب
"المكادي" الرخيص. فيا لوطأته من وطن... كم أنت رخيص في عيون أبنائك،
بينما تُصرف المليارات على مسرحية اسمها "الانتخابات".
الحل... ليس في انقلابٍ سياسي أو عسكري، بل في
ثورة فكر. ثورة تغيّر مفهوم المواطنة، وتُعيد تشكيل الوعي الشعبي، ليصبح قادرًا
على النهوض. لا يعقل أن نُطالب بشيء لا وجود له على الأرض. ولهذا، فإنني أوجّه
دعوتي إلى المفكرين وأصحاب الأقلام لقيادة ثورة توعية تكشف أن ما يجري ليس سوى
ممارسات عبثية لا تسمن ولا تغني من جوع. فالمشاركة في هذه الفوضى ليست بريئة... هي
إثم يُسأل عنه الإنسان يوم الحساب. فصوتك، قد يكون رصاصة تُقتل بها نفس بريئة، أو قرارًا
يُسحق به المظلوم. فاتقِ الله في نفسك، وفيما تفعل.
الخاتمة... قد يرى البعض في هذه الكلمات عملية
"تسقيط" لشرعية الانتخابات. لكنها ليست إلا محاولة صادقة لكشف الحقيقة. الديمقراطية
لا تلتقي مع الطائفية والقومية، وما نعيشه اليوم هو "ديكتاتورية جماعية"
— أسوأ حتى من الأنظمة الفردية. ومهما أُجريت من عمليات انتخابية، سيبقى المواطن
كالثور الأعمى... يدور في دائرة مغلقة لا مخرج منها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق