بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 8 يوليو 2025

مقال

 وزير آخر وكت... اتفضل آغاتي

تحت عنوان

ماذا يفعل وزراؤنا؟

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هذه الصورة ليست "فوتوشوب"، ولا تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي لحصة رسم في رياض الأطفال ـ لا سمح الله ـ بل هي صورة من الإعلام الحكومي، تُجسّد المضامين الخاصة بتغطية جلسة مجلس الوزراء، وتُظهر مدى "الالتزام" من المسؤولين بالقضايا الوطنية.

الكوميديا الحكومية... منذ سنوات، اتخذت الحكومات المتعاقبة نهجًا يتيح للمتلقي أن يجعل من تصريحاتها وأعمالها الوزارية مادة دسمة للسخرية. من بين هذه التصريحات، نذكر ما قاله رئيس الوزراء مؤخرًا عن عزمه تطبيق نظام "الأتمتة والحوسبة" في بلد لا يملك القدرة على توفير الطاقة الكهربائية بشكل مستمر! والأغرب من ذلك، هو عدم إدراكه أن نصف العمل الحكومي يجب أن يُبنى على المصداقية، لا على ما يمكن تسميته بـ"الاستخفاف بالمواطن".

وصدقًا، ذكّرني تصريحه هذا بحكاية رُويت عن جحا: (يُقال إن جحا كان يشعر بالملل، فأراد أن يصنع نوعًا من الإثارة والجدل، فقام بالكذب على الناس وقال إن هناك رجلًا على باب البلدة يوزّع المال. ولم يلبث قليلًا حتى رأى الجموع تهرع إلى هناك. وبعد دقائق معدودة، رأى أن الجميع قد ذهب، فقال مع نفسه: "أظن أن الخبر صحيح، وسأذهب أنا أيضًا!") وفي هذه الحكاية دلالة واضحة على نوعية من البشر تكذب، ثم تصدّق كذبتها.

حصة الرسم في المنهاج الحكومي... يُقال في الأمثال الشعبية: "إذا ما كذب، فبعد شاهِدَك!"، ولكن هنا الأمر واضح بدليل قاطع لا يقبل التشكيك: صورة لأحد الوزراء أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء، وهو منشغل بممارسة هواية الرسم. والواضح أن معاليه فاشل حتى في الرسم، ولهذا تم ترشيحه للمنصب!

الأغرب من ذلك، أن هذا الوزير ينتمي إلى الفئة الأعلى تمثيلًا في الحكومة، وجلستهم تُعد من الجلسات التي تُتخذ فيها قرارات تمس البلد والمواطن مباشرة. ولكن ما يظهر في الصورة ليس فقط مهزلة، بل إشارة صارخة إلى العقلية التي تحكمنا، وهي واحدة من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى تدهور حال البلاد منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم.

وصدقًا، هذه ليست هفوة مصوّر إعلامي، بل كارثة وطنية حقيقية.

الكذب حبال الشيطان... في وقت يدّعي فيه من في السلطة أنهم ينتمون إلى القيم الدينية ـ والدين منهم براء ـ ينتهجون أفعالًا وأقوالًا يصفها المثل الشعبي المصري: "أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستعجب!".

وهذا دليل على أن منهج الكذب إذا ما استُخدم في قضايا حساسة، ستكون النتائج كارثية. والسبب؟ هناك عملية ممنهجة لتضليل الرأي العام، من خلال "إنجازات وهمية" لا تمتّ للواقع بصلة، مما يخلق تراكمات من الإخفاقات يصعب علاجها إذا ما استفحلت.

وعليه، فإن من يتولى السلطة يجب أن يكون ـ على الأقل ـ صادقًا مع نفسه، ليسهل عليه أن يكون صادقًا مع الشعب.

حالة اللا انتماء ... تعاني المراكز الحساسة في الدولة من غياب الانتماء الحقيقي للوطن، بسبب الأسس التي بُني عليها النظام الحالي، وهي المحاصصة. فهناك من ينتمي إلى طائفة، وآخرون إلى عشيرة، وغيرهم إلى قومية... أما الانتماء للعراق، فهو الغائب الأكبر.

ولهذا ترى معالي الوزير يمارس موهبة الرسم الفاشل في جلسة حكومية، وكأن الرسم بات يُعبّر عن المنهج الحكومي!

الخلاصة... "ضايعة فطيم بسوك الغزل." بلد لا يوجد فيه شيء سوى "السياسة الريعية"، التي تتمثل في بيع النفط وتوزيعه على الشعب، ظنًا من السلطة أن المال سيشتري ضمائر الناس.

لكنهم نسوا ـ أو تناسوا ـ أننا نقترب من نقطة اللاعودة. ويبدو أن بعضهم يسعى بوعي أو بغير وعي لتحقيق هذه النبوءة. فهم يساهمون ـ بصمتهم ولا مبالاتهم ـ في انهيار الوطن. وطالما هؤلاء في السلطة، فإن حالنا سيبقى كما هو... والرد الشعبي الأنسب على هذه الحالة يُختصر في المثل: "اقبض من دبش!"

الاثنين، 7 يوليو 2025

مقال

 الأسباب والأهداف بين السياسة والحياة الاجتماعية

تحت عنوان

إدخال المناهج الصوفية في كتابة الدراما المصرية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



شهدت الدراما المصرية في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في تناولها للموضوعات الروحية والدينية، حيث بدأ يظهر توجه جديد نحو إدخال مناهج التصوف الإسلامي في بنية الأعمال الدرامية. لم تعد الدراما تعتمد فقط على قصص الحب والصراع الاجتماعي، بل أصبحت تتكئ على رؤية صوفية عميقة تحاول أن تعيد تشكيل الوعي الجمعي من خلال طرح فلسفي ورؤيوي جديد للحياة والوجود.

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا هذا التحول في المفاهيم الفكرية التي تُشكّل صناعة الدراما، في وقت كانت فيه هذه الصناعة قد حققت نجاحات منذ بداياتها؟

لقد مرت الدراما المصرية بتدرجات نسبية في الطرح والتنوع بين فترة وأخرى، ولكننا لم نشهد من قبل تحولًا فكريًا كالذي نراه اليوم. فقد ظهرت أعمال تشير صراحة إلى الطرق الصوفية كمنهج حياة، ولهذا من الطبيعي أن يكون لهذا التحول أسبابه التي دفعت أصحاب الأقلام إلى تغيير مناهجهم في كتابة النصوص، كما أن هناك أهدافًا يسعون إلى تحقيقها من خلال هذا الاتجاه، وهو ما يظهر جليًا في أعمال مثل جزيرة غمام والمداح وحرب الجبالي وغيرها.

 

الأسباب السياسية ... الدراما تمثل مرآة للواقع السياسي والاجتماعي، وبعد ثورة 25 يناير، شهدت مصر تغيرًا شاملًا طال مختلف جوانب الحياة، بما فيها الساحة الدرامية. ومن أبرز التحولات التي تلت الثورة، كان صعود التيارات الدينية المتطرفة، والتي تركت آثارًا كارثية على المزاج العام والوعي الجمعي لدى المواطن المصري.

ومع تصاعد خطاب العنف والتشدد، كان لا بد من ظهور تيار فكري مضاد يُفند تلك الأفكار ويواجهها بالفكر ذاته. فوجد كثير من المبدعين في التصوف الإسلامي طريقًا لنشر فكر روحي متسامح قادر على ترميم ما أفسدته خطابات الكراهية والتطرف. وهكذا أصبحت الدراما ميدانًا لحرب فكرية ناعمة، تقوم على مبدأ "الفكر يُواجه بالفكر".

 

ثانيًا: الأهداف المرجوة ... الهدف الأساس من هذا التوجه يتمثل في صناعة مجتمع أكثر سلمًا وانفتاحًا، مجتمع يمتلك جذورًا روحية تربطه بالذات الإلهية. فالتصوف، في جوهره، ليس فقط منهجًا دينيًا، بل منظومة قيمية تسعى إلى تهذيب النفس وإعادة الاعتبار للروح في زمن طغت فيه المادية والرأسمالية، حتى بات الإنسان مجرد أداة في ماكينة استهلاكية تفتقر للروح والوجدان.

إن إدخال التصوف في الدراما يهدف إلى إعادة التوازن بين المادة والروح، وبناء جدار فكري وثقافي يصد التغريب القيمي، ويعيد للإنسان إنسانيته.

 

الآثار السلبية المحتملة ... رغم الأثر الإيجابي الواضح لتوظيف التصوف في الدراما، إلا أن هناك تخوفات مشروعة من تقديم التصوف بصورة مشوهة، أو سطحية، تُفرغه من عمقه الروحي والفكري. فبعض الأعمال قد تقع في فخ الرومانسية المفرطة، أو تُسيء توظيف الرموز الصوفية لأغراض تجارية أو سياسية، مما يضعف من صدق الرسالة ويشوّه جوهر الفكر الصوفي.

ويزداد القلق إذا ما تم استغلال هذا التيار لصناعة محتوى شعبي يقترب من الدجل أو الشعوذة، وهو ما يُحوّل التصوف من فكرٍ راقٍ إلى وسيلة لإثارة الجدل أو استدرار الأرباح. ومن هنا ندرك أن استخدام الصوفية في الدراما هو سلاح ذو حدّين، وقد يكون هذا الجانب قد غاب عن كثير من صناع القرار الدرامي.

 

الخلاصة ... إن إدخال مناهج التصوف في الدراما المصرية ليس مجرد موضة عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في المزاج الثقافي العام، ومحاولة حقيقية لإعادة الروح إلى عمل فني أنهكته المادية والابتذال. وإذا ما أُحسن توظيف التصوف ضمن السياق الدرامي، بعيدًا عن التهويل أو التسطيح، فإنه قد يمثل أحد أنبل التحولات في تاريخ الدراما المصرية الحديثة.

الأحد، 6 يوليو 2025

مقال

 رأيي في العمل والتخصص

تحت عنوان

يوميات كلية الآداب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحكاية تبدأ... أنني قبل عدة أيام طلبت من أحد المسؤولين في كلية الآداب تغيير طبيعة عملي بالانتقال إلى العمل في مكتبة أحد الأقسام، والغريب أن الإجابة كانت صادمة ولم أتوقعها إطلاقًا حين قال:

"أستاذ محمود، هل تخصصك مكتبات؟"

وما أثار استغرابي لم يكن السؤال بحد ذاته، بل نوعية الإجابة المصحوبة بسؤال، لكن الصدمة كانت أن هناك من لا يزال في رواق الكلية لا يعرف من أكون، وما طبيعة عملي، رغم علم المسؤول بأنني أمتلك خبرة في العمل المكتبي لأكثر من خمسة وعشرين عامًا! وهذا ما جعلني أتحفّظ عن الرد عليه في حينها.

وليكن الحديث هنا عن العمل في الرواق الأكاديمي والعالم الجامعي، وهو يُقسَم إلى قسمين:

الأول متمثل في الجانب التدريسي الأكاديمي، والثاني هو ركن الموظف المتوسط أو البسيط، وكلاهما مكمل للآخر، وهذا ما لا يستطيع إدراكه بعض الكوادر التدريسية، وذلك بسبب أن بعض السياسات الحالية جعلت كثيرًا من التدريسيين يتقمصون دور الموظف المتوسط أو البسيط للحفاظ على مواقعهم في الكلية أو الجامعة فقط، مما سبب ارتباكًا في تحديد طبيعة العمل الوظيفي.

دور المسؤول... يظن كثير من المسؤولين أن المسؤولية تنحصر في الكتاب الوزاري الخاص بالتكليف، أو بمقدّرات الدائرة، أو برقابة العاملين بها، إضافة إلى البدلة الرسمية مع ربطة عنق، ومكتب فاخر، وسكرتير يتّسم بالفظاظة في التعامل مع المراجعين.

لكن ما يجهله الكثير منهم أن المسؤولية والإدارة تنطوي على قدرة المسؤول على التقدّم بالعمل بصورة صحيحة، وتصحيح الرؤية تجاه كل فرد وإمكاناته في إدارة العمل، من خلال شراكة حقيقية بين التخصص والخبرات. وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه كثير من رجال الدولة اليوم، مما تسبب في كوارث إدارية.

وما لا يعلمه مسؤولنا، هو أن كثيرًا من رجال الدولة اليوم يحملون شهادات عليا، بغض النظر عن مصداقية تلك الشهادات، لكن الدولة والنظام يعانيان إخفاقات لا تُحصى، والسبب أنهم أقصَوا مفهوم الخبرات التراكمية من حساباتهم.

التخصص في العمل... قد يظن أحدكم أنني ضد التخصص الأكاديمي في العمل، وهذا غير صحيح.

لكن هناك فرق بين ما تقرأه وما هو على أرض الواقع، ولهذا ترى كثيرين يُبدون التذمّر من مواقع عملهم، بسبب عدم شعورهم بالانتماء إلى ذلك العمل، رغم كونه ضمن تخصصهم الدقيق. وهذا ما ستكون له نتائج كارثية على المدى البعيد.

ولو كانت هناك رغبة حقيقية لدى المسؤول في تقديم نفسه كنموذج ناجح، فعليه أن يعمل بمقولة: "حبّ ما تعمل، حتى تعمل ما تحب". ولو طُبّق هذا الشعار إداريًا، لما رأيت موظفًا واحدًا متقاعسًا، وهذه هي مفاتيح الإدارة الناجحة.

النهاية... إن هذا المسؤول الذي تحدثت عنه في هذه السطور، كنت من أوائل من تنبّأ له بشَغل هذا المنصب، بسبب رؤيتي له. وحتى الآن، أراه قادرًا على صنع فارق وظيفي، لكن ما فعله لا أعتبره خطأ فادحًا، بل أقول: "لكل جواد كبوة".

وما كتبت هذه السطور كنوع من الانتقاد له أو لغيره، لا سمح الله، ولكن كثيرين يعرفون أنني أواجه الحقائق بمسمياتها. وقد كان رده لا يليق بمعرفته بموظفيه، رغم أننا عملنا في ذات القسم لسنوات.

وهنا، أود التعبير عن امتناني وشكري لجميع المنتسبين من أساتذة وموظفين، دون استثناء لأحد، في كلية الآداب، الذين لم أرَ منهم ما يسوء خاطري على مرّ السنوات. وأدعو لهم جميعًا بالتوفيق والنجاح.

مقال

 دروس نقدية

تحت عنوان

الفرق بين النقد والانتقاد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي معضلة العصر؛ فقد بات الكثير منا لا يملك القدرة على التفريق بين النقد والانتقاد، وليس هذا فحسب، فالبعض اليوم يرى أن الوقاحة في إعطاء الرأي نوع من أنواع الصراحة، وهنا تكمن القضية. وإذا ما تصفّحتَ قليلًا مواقع التواصل الاجتماعي، فسوف ترى عيّنات تُشعِرك بالقرف إلى حدٍّ كبير في الدفاع عمّا يؤمنون به، وهذا يعود إلى عدم امتلاكهم الحجة أو البرهان لما يريدون إيصاله للطرف الآخر، فيلجؤون إلى ابتداع أساليب رخيصة في الانتقاد على أنه نقد. وهذا ما دفعني لكتابة هذا الموضوع.

وإذا ما أردنا تعريفًا علميًا لعملية النقد، يكون: "النقد هو تحليل وتقييم موضوعي لعمل فكري أو أدبي أو فني، يهدف إلى إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية فيه من أجل الفهم والتطوير."

أما الانتقاد، فهو حالة سلبية يمارسها البعض بحجة أنهم قادرون على رصد السوء عند الطرف الآخر، وهو أيضًا إبداء الملاحظات السلبية بشكل مباشر، وغالبًا ما يكون عفويًا أو هجوميًا، ويركز على العيوب فقط، وقد يدخل في باب التنمّر. وفي الغالب، يكون المنتقِد يهدف إلى إبراز الأخطاء، وغالبًا ما يحمل نبرة سلبية أو تهكمية، وقد يستخدم لغة جارحة مبالغًا فيها، خالية من الاتزان اللفظي والنفسي، تصل إلى درجة الحماقة في القول. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا النهج ضمن سلوكه اليومي، أو كردّة فعل، وفي كلتا الحالتين يكون قد ارتكب الخطأ.

وقد يتساءل أحدكم: لماذا يُقدِم البعض على هذا الفعل؟

يرجع ذلك إلى أمرين:

الأول /  كنوع من الدفاع عن النفس كما يتصوره صاحبه.

الثاني /  في الغالب يكون بدافع الغيرة أو الحسد.

وفي كلا الحالتين، تكون النتيجة واحدة: التسبب بالأذى النفسي للطرف المقابل، وقد يُشعر المتلقي بالإهانة أو الإحباط أو العدائية، من خلال تسليط الضوء على العيب بغرض الإدانة أو التفريغ.

أما النقد، فهو شيء مختلف كليًّا عن المصطلح الأول؛ إذ يعتمد على عملية تحليل وتقييم بنّاءة لعملٍ أدبي أو فني أو فكري، بهدف توضيح مكامن الجمال والضعف، وتطوير العمل أو الفكرة. وهدفه يكون في تحديد مواضع الخلل لغرض إصلاحها، والتفريق ما بين الحسن والسوء دون التجريح الشخصي، معتمدًا على قاعدة تحليلية مدعومة بالقرائن والأدلة العلمية الدامغة. وغالبًا ما يكون هذا في الجوانب الأدبية والفلسفية، مما ينعكس على سلوك الإنسان الشخصي في حياته اليومية بطريقة سلسة يمكن للمتلقي قبولها بصدر رحب، معتمدًا على الأساليب العلمية في عملية النقد.

أما على أرض الواقع، فهناك مجموعة من الحماقات تُرتكب في كل لحظة بحجة النقد، والغريب أن كثيرًا منهم يلجأ إلى التشخيص الفردي في عملية النقد، مما يعرّضه للمساءلة القانونية. وأنا أعتبر هذا نوعًا من الغباء.

وإذا ما كنت تريد الاحترافية في عملية النقد، فيجب عليك اللجوء إلى عملية الترميز بطريقة احترافية، من خلال رسم صورة دقيقة لكل ميزات الطرف الذي تريد توجيه النقد له، دون اللجوء للتسمية المباشرة. ويُعتبر هذا الأسلوب الاحترافي الأفضل لعملية النقد.

الخلاصة ... هناك فرق واضح بين النقد والانتقاد

فالأول ليس موهبة فطرية كما يظن البعض، بل هو نتاج اطّلاع واسع على النتاجات الأدبية والفنية، ما يُكسبك الأدوات النقدية القادرة على الكتابة الواعية.

أما الثاني، فهو عبارة عن إفرازات لأمراض نفسية، يكون لها أفعال سيئة إلى حد كبير في إيذاء من حوله. وبهذا نكون قد رسمنا صورة نقدية بالكلمات والمفاهيم البسيطة، لتكون سهلة على القارئ العام. وأسأل الله أن يكفينا شرّ النفوس الجاهلة، والمنتقدة لغرض الانتقاص فقط.

الخميس، 3 يوليو 2025

مقال

 إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات

تحت عنوان

فن المقالة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كثيرون اليوم ممن يريدون تقديم أنفسهم على أنهم من الأقلام المحترفة في فن المقالة، وهم غير مدركين لقواعد لعبة الكتابة. وأنا من الذين يؤمنون بأن فن كتابة المقال هو فن إبداعي احترافي. والحقيقة أن ما يُسمى اليوم بالمقالة هو، في كثير من الأحيان، من النصوص المتدنية ـ إن صحّ التعبير ـ فكاتبها لا يعدو أن يكون خزانًا للمعلومات الحفظية، يسردها دون وعي أو إدراك للمعنى الحقيقي لفن المقالة.

وهنا، كان لا بد من توضيح بعض القضايا المتعلقة بكتابة هذا الفن، ومنها: إشكاليات السرد العبثي في كتابة المقالات.

المقال... مخلوق إبداعي تنسجه أنامل المبدعين في عالم الكتابة، لا المتطفلين أو المحسوبين على عالم الصحافة في يومنا هذا. وهذه مسؤولية تقع على عاتق أصحاب الأقلام لتصحيح المسار.

وتبدأ إشكالية السرد العبثي من تحرير الفكر من القوالب التقليدية، وهذا ما يمنح القلم حريةً من القيود المعتادة، متجاوزًا النمطية بين السطور. وهذه هي الحرفية التي قد يمتلكها الكاتب، والتي تمنحه أيضًا القدرة على جذب القارئ وخلق حالة من الدهشة والانشداد لاستكمال قراءة المقال حتى نهايته. وهنا تتجلى التقنيات الاحترافية.

يتجسد كشف اللاعقلانية في الواقع من خلال خلق حالة فوضوية في النص، تعكس عبثية الواقع المرير وتُقدّم بشكل فني وفلسفي. ويتيح ذلك مساحة تجريبية في العرض اللغوي والفكري، ويفسح المجال لاستخدام لغة رمزية، صادمة، أو سريالية، ما يفتح آفاقًا جديدة للطرح بطريقة مختلفة.

ومن محاسن السرد العبثي تحفيز القارئ على التأويل والتفكير، مما يمنحه فرصة للبحث عن المقصود من المقال. فهو لا يقدم إجابات مباشرة، بل يدفع القارئ إلى المشاركة الفاعلة في خلق المعنى.

وتتوزع موضوعاته غالبًا في مساحات مناسبة للقضايا الوجودية أو الساخرة، حيث يتلاءم السرد العبثي مع المواضيع التي تتناول فقدان المعنى، الصراعات النفسية، التكرار، والسخرية من البُنى السلطوية أو الفكرية.

لكن في المقابل، هناك صعوبات قد تواجه الكاتب عند اعتماد هذا النوع من السرد، من أبرزها:

صعوبة إيصال الفكرة بوضوح، إذ قد يضيع المعنى الحقيقي للمقال وسط الفوضى اللغوية أو البناء غير المنطقي. ومع ذلك، فإن التمكن من أدوات الكتابة يمكن أن ينتج عنه نصوص توصف بـ"الأسطورية" إذا صحّ التعبير.

إرهاق القارئ فكريًا أو تشويشه، فبعض القراء قد ينسحبون مبكرًا لعدم قدرتهم على متابعة النص أو تذوقه، وهذه معضلة تواجه كثيرًا من الكُتّاب اليوم.

الحشو الاستهلاكي وخطر الوقوع في اللامعنى الحقيقي، ففي بعض الأحيان قد يتحول السرد العبثي من وسيلة تعبير إلى مجرد حشو لا هدف له، ما يرهق النص من الناحية الإبداعية.

ارتباك الهدف وغياب التأثير المباشر، فالمقالات ذات الطابع الإقناعي أو الحجاجي تفقد قوتها إذا غلب عليها العبث واللا نظام، وهو ما قد يدفع الكثيرين للعزوف عن كتابة المقال بأسلوب عبثي.

عدم ملاءمة السرد العبثي لجميع الموضوعات، فلا يمكن استخدامه في المقالات الأكاديمية، أو السياسية المباشرة، أو التقارير الجادة ذات الطبيعة التحليلية.

وفي نهاية المطاف، قد يقع الكاتب في اللبس بين العبث والإسفاف، وقد يختلط على البعض السرد العبثي بالأسلوب الركيك أو العشوائي، مما يفقد النص احترامه وقيمته الأدبية.

وبعد كل ما ورد، نكون قد قدمنا صورة واضحة لمحاسن ومساوئ السرد العبثي في كتابة المقال، مساهمين بذلك في رسم الخطوط العريضة لكتابة مقال احترافي بأسلوب مختلف من حيث التقنية، وفي تسليط الضوء على الإشكاليات التي باتت تظهر في يومنا هذا، والتي جعلت بعض المقالات المنشورة أقرب إلى نوع من الإسفاف الذي يُسيء إلى فن كتابة المقال.

الأربعاء، 2 يوليو 2025

مقال

 الانتخابات العراقية والقواعد العشائرية

تحت عنوان

انعدام المفاهيم السياسية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



مع بدء الحملات الدعائية للانتخابات القادمة، نسمع ونرى ما لا يقبله عقل ولا يقرّه ضمير. ولهذا نقول للمتخلفين سياسيًا: "ما هكذا تورد الإبل يا هذا."

وإذا ما أمعنا النظر في منهجيات المرشحين حاليًا، نجد أن أغلبهم يفتقر إلى رؤية سياسية مستقبلية، ولا يمتلكون الحد الأدنى من مقومات العمل البرلماني. وفي هذه السطور نُبيّن الأسباب.

أزمة بناء الشخصية السياسية ... منذ أربعينيات القرن الماضي، افتقد العراق إلى أسس حقيقية لبناء الوعي السياسي، وذلك نتيجة لتراكمات أنظمة حكم لم تسعَ إلى ترسيخ ثقافة سياسية وطنية. لقد تربينا على قول: "ليس الفتى من يقول كان أبي، ولكن الفتى من يقول ها أنا ذا." غير أن المشهد السياسي اليوم ينقلب على هذه القاعدة، إذ بات الخطاب العشائري والقبلي هو السائد، في غياب القدرة الحقيقية للمرشحين على إقناع الجماهير من خلال مشاريعهم الوطنية.

متى تظهر العشيرة؟ ... العلاقة هنا طردية بين غياب الفهم السياسي الحقيقي، وتوظيف البُنى العشائرية في الحملات الانتخابية. فحين تغيب البرامج وتفشل الكتل والأحزاب في تقديم مشاريع عمل واضحة، تظهر حالة الفراغ التي يستغلها الانتهازيون والمستفيدون عبر استقطاب شخصيات لا تملك قاعدة شعبية، ولكنها تنتمي إلى قبائل أو عشائر تتيح لهم السيطرة على جمهور هش يسهل تحريكه بشعارات مثل "النخوة العشائرية".

أما الوطنية والسياسة، فتصبح مجرد واجهات شكلية لمنح الشرعية لممارسات لا تمت بصلة للعمل المؤسسي.

أسس العمل السياسي اليوم ... لقد اختُزل العمل السياسي في عبارات مثل: "الله حيّه ابن عمي" أو "تبشر، عد عيونك". وهذا، برأيي، نوع من "الكفر السياسي"، لأن الأوطان لا تُبنى بالمجاملات والقبلات والولائم. بل إن من المثير للسخرية والاستفزاز أن أغلب المرشحين والقائمين على حملاتهم الانتخابية لا يمتلكون أدنى درجات الثقافة السياسية، ولا يفقهون شيئًا عن فنون الترويج الانتخابي أو مخاطبة الجمهور. وتقتصر جهودهم على تنظيم الولائم، والتقاط الصور، وزيارات المناسبات، وكأن السياسة مجرّد طقس اجتماعي لا أكثر.

حسم الانتخابات الوهم المنتظر ... يظن البعض أن الانتخابات القادمة ستحمل معها أملًا في تغيير المشهد السياسي. لكن الحقيقة المؤلمة تقول غير ذلك، فالنظام بُني من الأساس بطريقة تجعل من التغيير أمرًا شبه مستحيل. لقد وُزّعت الأدوار مسبقًا، كما في مسرحية عبثية، لكل شخصية دور محدد: الحمار، الكلب، الخروف... ولا يمكن تبديل الأدوار. وما الانتخابات إلا آلية لإضفاء الشرعية على هذا النظام المختل، دون أن يكون لها أثر فعلي في التغيير.

غياب الورقة الانتخابية ... يجهل كثير من الناس أن المرشح، في البلدان ذات الديمقراطيات الراسخة، يقدّم ما يُعرف بـ"ورقة العمل"، وهي خطة متكاملة لأهدافه ومشاريعه التشريعية. لكن في العراق، لا تمتلك الأحزاب نفسها أي ورقة عمل، فكيف نتوقع من مرشحيها أن يقدموا رؤى سياسية؟

إن الورقة الوحيدة المطروحة اليوم هي تلك التي تهدف إلى تحقيق مكاسب حزبية أو شخصية، لا أكثر.

الخلاصة ... إن الشخصيات التي تعتمد على الثقل العشائري للوصول إلى البرلمان، هي شخصيات تفتقر إلى الثقافة السياسية، ولا تمثل الشعب بل تمثل فئات ضيقة. وهؤلاء، بحكم طبيعتهم ومحدودية وعيهم، غير قادرين على بناء وطن. ولهذا، فإن أولى خطوات الإصلاح تبدأ من الإيمان الحقيقي بوحدة الوطن وشعبه. ومن هذا المنطلق فقط، نستطيع صناعة سياسي حقيقي يدرك جوهر السياسة ويعمل لأجلها.

 

قصيدة

 

 امرأة لكلّ العصور

بقلم الشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قبل هذا الوقت ...

عرفتُها

وكتبتُ اسمها

ورسمتُ ملامحها

بالحرف

ولأجلها نسجتُ القصيدة

قبل هذا الوقت ...

كانت طيفًا أعرفه

يمرُّ بي

كلما جُنّ الشوقُ

يُحادثني

فيرسمُ على وجهي ابتسامة

ويعيد السلام إلى قلبي

قبل هذا الوقت ...

كنت أكتب لها

وهي في طيف الغيب

كلماتي فيها

تحملُ للروحِ

معاناةً شديدة

قبل هذا الوقت ...

هي من كنتُ أعرفها

هي من كتبتُ لها

أميرة القلب

وفي عشقي لها

شوقٌ لا ينتهي

وإن انتهى كلُّ من على الأرض

يكفيني

أن يبقى من الحياة

حُبّي لها

ولهذا

كتبتُ لها هذه القصيدة

قبل هذا الوقت ...

الثلاثاء، 1 يوليو 2025

قراءة نقدية

 القراءة النقدية لأربعة ابيات من قصيدة (الجنوح) للشاعر بهجت السقا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



ان القراءات النقدية تختلف من الناحية الشكلية والضمنية وحسب نوعية القصيدة واليوم معنا شاعر موصلي يحترف الكتابة منذ زمن طويل وهذا ما اكسبه التقنية الاحترافية بشكل عالي الجودة وهذا ما دفعني لكتابة نقد ادبي يليق بالنص وصاحبه .

وفي زمن باتت فيه الكلمات سريعة الذبول، والقصائد مجرّد تمارين لغوية باردة، تنهض "الجنوح" كقصيدة متمرّدة، محمّلة بأوجاعٍ شفيفة، وصورٍ رمزية متدفقة، تحفر في عُمق النفس قبل أن تلامس سطح اللغة.

تنبثق هذه القصيدة من رحم تجربة عاطفية ملتبسة تتراوح بين الانتماء والخيانة، بين الكبرياء والانكسار، وتحمل صوتًا داخليًا يروي حكاية ذاتٍ تحبّ ولا تُجابَه إلا بالجفاء.

لكن "الجنوح" ليست مجرد رثاء حب، بل هي رحلة وجودية عبر لغة مجازية متقنة، وصراع خفي بين ذاتٍ تمنح وذاتٍ تتنصل، بين الضوء الذي لا يلوح، والظلّ الذي لا يغادر

تمزج القصيدة ببراعة بين الجزالة العمودية الكلاسيكية والخيال التجريدي الحداثي، مما يجعلها متفردة في طرحها، عميقة في دلالاتها، وثرية بالرموز التي تستحق الوقوف عندها في قراءة نقدية مفصلة.

القراءة

رأيتُكَ مَرْكَبًا يأبى الجُنُوحا

                      ويأبى أن يُريحَ ويَستَريحا

كأنّكَ عاشِقٌ أضناهُ ليلٌ

                   وترجُوهُ المدامعُ أن يَنُوحا

يبدأ الشاعر في عرض بونراما من خلال استعراض يصور به المخاطب عبارة عن مركب عنيد يرفض الانكسار وعندها كان اختيار العنوان بشكل احترافي وهو (الجنوح) وهي في لغة السفن تعني الانحراف عن مسارها المعتاد .

وقد شبه الحبيب في قوله (بـعاشق أضناه الليل) ورغم انه لا يبكي ولكن الدموع هنا تترجاه ان ينوح وهذا يعكس القوة التي تتمتع بها الشخصية المعذبة التي يميزها الصمت

وهنا تاتي الصورة الشعرية والتشبيه الاستعاري الذي اجاده الشاعر بشكل رائع ( رأيتك مركبًا يأبى الجنوح) وفيها ينتقل الإصرار والمقاومة أمام السقوط أو الهزيمة، ولكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته قليلًا من التناقض الوجودي، إذ أن المركب المُنهك يرفض الراحة.

ثم انتقل الى (كأنك عاشق أضناه ليل) استخدام الليل كرمز للتعب، الوحدة، وربما التيه الروحي والعاطفي.

وبعدها (وترجوه المدامع أن ينوح) صورة معكوسة؛ فبدلًا من أن تنبع الدموع من النواح، تصبح الدموع نفسها مناشدة للنواح. هنا عكس متقن للمألوف.

اما اذا ما اردنا التحدث الوزن الموسيقي للقصيدة متماسك جدًا، فهي على البحر الخفيف أو قريبة من الطويل بتعديل بسيط في بعض المواضع، مع الالتزام بحرف الروي (الحاء المضمومة الممدودة - حا).

تكرار حروف اللين (الواو، والياء) في نهاية كل بيت يمنح القصيدة طابعًا نغميًا حزينًا، متوازيًا مع المشاعر.

تُشتتهُ آلظِلالُ على المَرايا

                           وتتركهُ وحيدًا كي يَبُوحا

يَصيرُ مع آلضِياءِ كظلِّ رمحٍ

                      وتلكُمُهُ الرياحُ لكي يَصِيحَا

وهنا يأتي المعاني والدلالات في الظلال التي تتوزع على المرايا ترمز إلى تشظي الهوية أو تقطع الانعكاسات النفسية والمرايا ترمز إلى النظرة الذاتية أو الحقيقة المقابلة.

اما في البيت الثاني يصور حالة شديدة الدقة: اندماج الذات مع الضوء كظل رمح، أي كشيء حاد وهش في الوقت ذاته، ثم تأتي الرياح (العوامل الخارجية) لتدفعه إلى الصراخ.

اما عن الصور الشعرية والتشبيهات ففي "تُشتتهُ الظلال على المرايا": صورة تجريدية عميقة تشير إلى ضياع الذات بين الانعكاسات المتعددة، وربما تضارب الهوية.

وكذلك "كظل رمح": استعارة مدهشة تُوحِي بأن هذا الكائن لم يعد شيئًا ماديًا، بل ظلًا لشيء حاد، هش كطيف، ومعرّض للضرب والانكسار.

وهنا تكون "تلكمه الرياح": تجسيد رائع للمعاناة، حيث تصبح الرياح التي عادة ما تكون ناعمة، عنيفة تُوجِّه ضرباتها.

القصيدة تقدم صراعًا داخليًا عميقًا بين القوة والانهيار، بين الكبرياء والألم، بين الصورة الذاتية المتخيلة والواقع المأزوم. الشاعر يستخدم لغة رمزية عالية، وصورًا شعرية حديثة قريبة من تقنيات قصيدة النثر من حيث الانزياح الدلالي، لكنه يُحافظ على الإيقاع العمودي. وهذا الدمج بين الحداثة الكامنة في التصوير، والجزالة الإيقاعية في الوزن، يمنح القصيدة نكهة خاصة.

وسوف يكون هناك قراءة لما تبقى من القصيدة في الأيام القادمة 

مقال

  مزايا القرف في هذا العالم تحت عنوان هذه حقيقة البشرية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه ...