القراءة النقدية لأربعة ابيات من قصيدة (الجنوح) للشاعر بهجت السقا
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
ان القراءات النقدية
تختلف من الناحية الشكلية والضمنية وحسب نوعية القصيدة واليوم معنا شاعر موصلي
يحترف الكتابة منذ زمن طويل وهذا ما اكسبه التقنية الاحترافية بشكل عالي الجودة
وهذا ما دفعني لكتابة نقد ادبي يليق بالنص وصاحبه .
وفي زمن باتت فيه الكلمات سريعة الذبول، والقصائد مجرّد
تمارين لغوية باردة، تنهض "الجنوح" كقصيدة متمرّدة، محمّلة بأوجاعٍ
شفيفة، وصورٍ رمزية متدفقة، تحفر في عُمق النفس قبل أن تلامس سطح اللغة.
تنبثق هذه القصيدة من رحم تجربة عاطفية ملتبسة تتراوح
بين الانتماء والخيانة، بين الكبرياء والانكسار، وتحمل صوتًا داخليًا يروي حكاية
ذاتٍ تحبّ ولا تُجابَه إلا بالجفاء.
لكن "الجنوح" ليست مجرد رثاء حب، بل هي رحلة
وجودية عبر لغة مجازية متقنة، وصراع خفي بين ذاتٍ تمنح وذاتٍ تتنصل، بين الضوء الذي
لا يلوح، والظلّ الذي لا يغادر
تمزج القصيدة ببراعة بين الجزالة العمودية الكلاسيكية
والخيال التجريدي الحداثي، مما يجعلها متفردة في طرحها، عميقة في دلالاتها، وثرية
بالرموز التي تستحق الوقوف عندها في قراءة نقدية مفصلة.
القراءة
رأيتُكَ مَرْكَبًا يأبى الجُنُوحا
ويأبى أن يُريحَ ويَستَريحا
كأنّكَ عاشِقٌ أضناهُ ليلٌ
وترجُوهُ المدامعُ أن يَنُوحا
يبدأ الشاعر في عرض
بونراما من خلال استعراض يصور به المخاطب عبارة عن مركب عنيد يرفض الانكسار وعندها
كان اختيار العنوان بشكل احترافي وهو (الجنوح) وهي في لغة السفن تعني الانحراف عن
مسارها المعتاد .
وقد شبه الحبيب في قوله
(بـعاشق أضناه الليل) ورغم انه لا يبكي
ولكن الدموع هنا تترجاه ان ينوح وهذا يعكس القوة التي تتمتع بها الشخصية المعذبة التي
يميزها الصمت
وهنا تاتي الصورة
الشعرية والتشبيه الاستعاري الذي اجاده الشاعر بشكل رائع ( رأيتك مركبًا يأبى الجنوح) وفيها ينتقل الإصرار
والمقاومة أمام السقوط أو الهزيمة، ولكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته قليلًا من
التناقض الوجودي، إذ أن المركب المُنهك يرفض الراحة.
ثم انتقل الى (كأنك عاشق أضناه ليل) استخدام الليل كرمز للتعب، الوحدة،
وربما التيه الروحي والعاطفي.
وبعدها (وترجوه المدامع أن ينوح) صورة معكوسة؛ فبدلًا من أن
تنبع الدموع من النواح، تصبح الدموع نفسها مناشدة للنواح. هنا عكس متقن للمألوف.
اما اذا ما اردنا
التحدث الوزن الموسيقي للقصيدة
متماسك جدًا، فهي على البحر الخفيف أو قريبة من الطويل بتعديل بسيط في بعض
المواضع، مع الالتزام بحرف الروي (الحاء المضمومة الممدودة - حا).
تكرار حروف اللين (الواو، والياء) في نهاية كل بيت يمنح
القصيدة طابعًا نغميًا حزينًا، متوازيًا مع المشاعر.
تُشتتهُ آلظِلالُ على المَرايا
وتتركهُ وحيدًا كي
يَبُوحا
يَصيرُ مع آلضِياءِ كظلِّ رمحٍ
وتلكُمُهُ الرياحُ لكي يَصِيحَا
وهنا يأتي المعاني والدلالات في الظلال التي تتوزع على المرايا
ترمز إلى تشظي الهوية أو تقطع الانعكاسات النفسية والمرايا ترمز إلى النظرة
الذاتية أو الحقيقة المقابلة.
اما في البيت الثاني يصور حالة شديدة الدقة: اندماج الذات مع
الضوء كظل رمح، أي كشيء حاد وهش في الوقت ذاته، ثم تأتي الرياح (العوامل الخارجية)
لتدفعه إلى الصراخ.
اما عن الصور الشعرية والتشبيهات ففي "تُشتتهُ الظلال
على المرايا": صورة تجريدية عميقة تشير إلى ضياع الذات بين الانعكاسات
المتعددة، وربما تضارب الهوية.
وكذلك "كظل رمح": استعارة مدهشة تُوحِي بأن هذا
الكائن لم يعد شيئًا ماديًا، بل ظلًا لشيء حاد، هش كطيف، ومعرّض للضرب والانكسار.
وهنا تكون "تلكمه الرياح": تجسيد رائع للمعاناة،
حيث تصبح الرياح التي عادة ما تكون ناعمة، عنيفة تُوجِّه ضرباتها.
القصيدة تقدم صراعًا داخليًا عميقًا بين القوة
والانهيار، بين الكبرياء والألم، بين الصورة الذاتية المتخيلة والواقع المأزوم.
الشاعر يستخدم لغة رمزية عالية، وصورًا شعرية حديثة قريبة من تقنيات قصيدة النثر
من حيث الانزياح الدلالي، لكنه يُحافظ على الإيقاع العمودي. وهذا الدمج بين
الحداثة الكامنة في التصوير، والجزالة الإيقاعية في الوزن، يمنح القصيدة نكهة
خاصة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق