الشجاعة
والمواقف لا تحتاج إلى دين أو مذهب
تحت
عنوان
مطربة
الراب الكولومبية تشيلو هوب (Chelo
Hop)
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
في موقف
يعجز الكثير من مطربي ومشاهير العرب عن اتخاذه، قامت مطربة الراب (تشيلو هوب Chelo Hop)،
عندما حاول أحد الناشطين الإسرائيليين جعلها تمسك بالعلم والتلويح به، فكانت ردة
فعلها رمي العلم ودهسه تحت قدمها. وقد يُتصوَّر هذا العمل في العالم من باب معاداة
السامية، ولكن، لمن لا يعرف، فإن الكثير من المثقفين في العالم متجاوزون لهذا
المفهوم، ولكن يبقى هناك موقف من قضية معينة يجب أن يكون للإنسان البسيط موقف
منها، فكيف بمن تكون له قاعدة شعبية واسعة؟
إن
الشجاعة الحقيقية لا تقاس بما يحمله الإنسان من شعارات، ولا بما يعلنه من
انتماءات، بل بما يستطيع اتخاذه من مواقف عندما يصبح الصمت هو الطريق الأسهل
والأكثر أمانًا. فهناك من يرفع صوته في القضايا التي لا تكلّفه شيئًا، ولكنه يفقد
القدرة على الكلام عندما يصبح للموقف ثمن، وهناك من لا ينتمي إلى القضية دينيًا أو
قوميًّا، لكنه ينتصر لها من منطلق إنساني بحت. وهنا تظهر حقيقة الإنسان؛ لأن
المواقف لا تحتاج إلى بطاقة تعريف تثبت هوية صاحبها، بل تحتاج إلى ضمير لا يخضع
للمساومة، وإرادة لا تنحني أمام المصالح.
أكذوبة
معاداة السامية ... لا وجود لهذا المصطلح إلا في الرؤوس الخاوية لأولئك الذين
جعلوا منه درع حماية لأفعالهم البعيدة عن الإنسانية؛ فمن الطبيعي أن يكره كل إنسان
فعل السوء، ولهذا ترى العديد من المواقف التي تنكر تلك الأفعال التي تتوزع ما بين
قتل وتهجير وقضايا تشيب لها الولدان. ومن هذا المنطلق، كان لا بد من إيجاد
أيديولوجية للتعامل مع الأصوات المناهضة لهم، ولهذا كانت أكبر كذبة في التاريخ
الحديث، وهي (معاداة السامية).
إن
المشكلة ليست في رفض معاداة أي جماعة بشرية بسبب أصلها أو هويتها، فذلك مرفوض من
الناحية الإنسانية، وإنما المشكلة في تحويل هذا المصطلح إلى مظلة يُراد لها أن
تحمي سياسات دولة من النقد والمحاسبة. فهناك فرق كبير بين أن ترفض الإنسان بسبب
هويته، وبين أن ترفض فعلًا ترتكبه حكومة أو مؤسسة أو جماعة. وعندما تختلط هذه
المفاهيم عمدًا، يصبح الاعتراض على القتل اتهامًا، والمطالبة بحقوق الضحايا جريمة
في نظر أصحاب المصالح. وهنا تتحول الكلمات من أدوات للتعبير عن الحقيقة إلى أدوات
لمحاصرة الحقيقة نفسها، ويصبح المطلوب من الإنسان ألا يسأل عمّا يحدث، بل أن يخشى
العواقب إذا تجرأ على السؤال.
المواقف
والديانات ... يظن الكثيرون أن هناك علاقة بين المواقف والدين، وهذه معلومة عارية
عن الصحة؛ فالمواقف تُبنى على ما تكتسبه من قيم إنسانية، وقد يكون الدين معززًا
لتلك القيم، ولكنه لا يُعتبر قاعدة تنطلق منها المواقف. وخير دليل الشخصية التي
تصدرت العنوان، وهي نموذج حي لكل المطبلين لمفهوم أن الدين سبب المشكلة. ولكن ما
لا يريد الآخرون الاعتراف به هو أن العمل السيئ وردة الفعل هما ما يصنعان المواقف.
فتلك المطربة، وأؤكد بل أجزم، أنها لا تعرف من هم المسلمون وما ديانتهم، لكن
موقفها يُحترم، وهو نابع من الرفض الإنساني لتلك الممارسات التي تُرتكب تحت العلم
الذي رفضت أن تلوّح به.
إن الخطأ
الذي يقع فيه الكثيرون هو اعتقادهم أن امتلاك الإنسان لعقيدة معينة يمنحه تلقائيًا
صفة الأخلاق، وكأن الانتماء الديني شهادة ضمان على سلامة السلوك. والحقيقة أن
الإنسان قد يحمل أرفع الشعارات، لكنه يمارس أبشع الأفعال، وقد لا ينتمي إلى الدين
الذي نؤمن به، لكنه يتصرف بقيم إنسانية نفتقدها عند بعض من يتحدثون باسم الدين.
فالأخلاق لا تُقاس بما يعلنه الإنسان عن نفسه، بل بما يفعله عندما تتعارض مصلحته
مع حق الآخرين. وإذا كان الدين يدعو إلى العدل، فإن العبرة ليست بكثرة من يرددون
هذه الدعوة، بل بمن يستطيع تطبيقها عندما يكون الظلم في مصلحته، والعدل على حساب
مكاسبه.
هل
نستطيع فعل هذا؟ ... وللإجابة عن هذا السؤال، يجب إجراء مراجعة لجميع المواقف
الحكومية والشعبية، ومنها مواقف بعض الشخصيات التي تحظى بقاعدة جماهيرية.
أما على
الصعيد الحكومي، فلن تجد حكومة عربية واحدة قادرة على توحيد شعاراتها مع العمل على
أرض الواقع؛ فمواقفها تقتصر على التصريحات الشكلية، بما يخص الرفض أو الشجب، ولكن
الواقع والكواليس شيء آخر. فخطط التطبيع اليوم على قدم وساق، ضمن ما يُعرف بفرض
الديانة الإبراهيمية، التي يُعدّ التطبيع من أساسياتها والقاعدة التي بُني عليها
المصطلح.
إن
السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع اتخاذ موقف مشابه؟ بل هل نمتلك الإرادة التي تسمح
لنا باتخاذه من دون انتظار إشارة من أحد؟ فنحن اعتدنا أن نراقب مواقف الآخرين قبل
أن نحدد مواقفنا، وأن نبحث عن الجهة التي تمنحنا الإذن بالكلام، وكأن عقولنا لا
تستطيع إصدار حكم مستقل على ما تراه من أحداث. وهذه واحدة من أخطر صور التبعية
الفكرية؛ لأن الإنسان الذي ينتظر من الآخرين تحديد موقفه لن يكون صاحب موقف، بل
مجرد صدى لأصواتهم. ومن هنا تبدأ المشكلة، عندما يصبح السؤال عن ردود الفعل أهم من
السؤال عن حقيقة الفعل نفسه.
المواقف
الشعبية ... ولمن لا يعلم، فإنه منذ أواسط القرن الماضي، جرى تسييس تلك التحركات
وفق الوضع السياسي للبلد، وهذا بسبب أننا لا نملك الوعي الذي يسمح لنا باتخاذ موقف
معين مبني على أسس سليمة. فالمواطن في البلاد العربية، وبسبب تراكم الأزمات
المعيشية التي يعيشها، أصبحت قضية الشعب الفلسطيني في آخر أولوياته؛ فالشعوب التي
لا تملك الحق في اتخاذ موقف بما يخص لقمة عيشها، لن يكون لها موقف ولا رأي في
موضوع معين.
إن
المواطن الذي يقضي يومه في البحث عن لقمة العيش، ويواجه أزمات لا تنتهي، قد يجد
نفسه عاجزًا عن تحويل قناعاته إلى أفعال، لكن هذا العجز لا يعني بالضرورة أنه فقد
إحساسه بالقضية أو تخلى عن مبادئه. وهنا يجب أن نفرّق بين شعب لا يريد اتخاذ موقف،
وشعب حُرم من الظروف التي تسمح له بتحويل موقفه إلى فعل مؤثر. ومع ذلك، فإن أخطر
ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات هو أن تتحول المعاناة اليومية إلى وسيلة لإبعاد
الإنسان عن التفكير في كل ما يجري حوله؛ فيصبح همه الوحيد تجاوز يومه، بينما تُترك
القضايا الكبرى لمن يملك القدرة على توجيهها وفق مصالحه. وعندما يُحاصر الإنسان في
احتياجاته الأساسية، يصبح من السهل استثمار صمته، ومن الصعب معرفة ما إذا كان هذا
الصمت اختيارًا أم نتيجة لعجز فُرض عليه.
الشخصيات
المؤثرة ... وما أكثرهم، ما بين مطرب أو فنان أو كاتب ومشاهير مواقع التواصل الذين
يملكون قواعد جماهيرية واسعة. وللمعلومة، فإن كل هؤلاء شخصيات تم تجنيدها ضمن
قواعد لا يمكنهم الخروج عنها؛ فالكلمة قد تُكتب بأمر، ولهذا لا ترى منهم خروجًا عن
المطلوب منهم. وبهذا، لا تتوقع أن ترى منهم مواقف إنسانية حقيقية، حتى أولئك الذين
يتبنون مشاريع إنسانية، هي في حقيقتها أعمال موجّهة لغرض الدعاية وجلب المشاهدات.
وبعد كل
ما ورد هنا، لا تنتظر موقفًا من هؤلاء على غرار المطربة الكولومبية. والفرق بينهم
أن الأولين شخصيات منقادة، بينما تتمتع الثانية بالاستقلالية الفكرية والتوعوية
التي نفتقدها في شعوبنا.
إن
الشهرة لا تمنح صاحبها قيمة فكرية تلقائية، كما أن امتلاك ملايين المتابعين لا
يعني أن الإنسان يمتلك استقلالية في الرأي أو شجاعة في الموقف. فهناك من تحولت
شهرته إلى وظيفة، وصار يخشى خسارة جمهوره أو مصالحه أكثر من خشيته خسارة احترامه
لنفسه. وهناك من يتعامل مع القضايا الإنسانية باعتبارها فرصة لزيادة المشاهدات،
فيختار من المواقف ما يضمن له التصفيق، ويتجنب ما قد يضعه في مواجهة مع الجهات
التي يستفيد منها. ومع ذلك، لا يصح الحكم على جميع المشاهير بأنهم موجّهون أو أن
أعمالهم الإنسانية دعائية؛ فالمعيار الحقيقي هو الفعل ودوافعه الظاهرة واستمراره،
لا مجرد الشهرة. والمشكلة ليست في أن يكون الإنسان مشهورًا، بل في أن تتحول شهرته
إلى قيد يمنعه من قول ما يؤمن به. فالشخصية المؤثرة التي لا تستطيع اتخاذ موقف
مستقل ليست مؤثرة بالمعنى الحقيقي، وإنما هي وسيلة تأثير بيد الآخرين.
الخلاصة...
إذا كنت تريد أن تصنع موقفًا يذكرك به التاريخ، يجب أن تتمتع بالاستقلالية
الفكرية، وأن تترفع بنفسك عن رجال السياسة وتفاهاتهم التي نشاهدها على التلفاز كل
يوم، وأن يُبنى ذلك الفكر على حقائق تُعزَّز بمشاهدات حقيقية، بعيدًا عن التسييس
الفكري. عندها فقط تستطيع بناء موقف يحظى بالاحترام من قبل الآخرين.
إن
التاريخ لا يحفظ للإنسان عدد المرات التي ظهر فيها أمام الكاميرات، ولا عدد
الشعارات التي رددها، بل يحفظ له المواقف التي اتخذها عندما كانت المصالح تدعوه
إلى الصمت. فالاستقلالية الفكرية ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما هي الأساس الذي يُبنى
عليه الموقف الحقيقي، ومن دونها يصبح الإنسان تابعًا حتى لو ظن أنه يقود الآخرين.
وليس المطلوب أن نتفق جميعًا في آرائنا، بل أن نمتلك القدرة على التفكير بعيدًا عن
الأوامر والتوجيهات، وأن نفرّق بين الحقيقة وما يُراد لنا أن نصدقه.
أما
الحقيقة التي يجب أن ندركها، فهي أن الإنسان قد يخسر منصبًا أو شهرة أو مصلحة بسبب
موقفه، لكنه يخسر نفسه عندما يبيع ضميره من أجل الاحتفاظ بكل ذلك. فالمواقف لا
تصنعها الأديان ولا المذاهب ولا الشعارات، وإنما يصنعها الإنسان عندما يقرر أن
يكون حرًّا في تفكيره، مستقلًّا في قراره، ومسؤولًا عن كلمته. وعندها فقط يصبح
للموقف معنى، وللشجاعة قيمة، وللاحترام استحقاق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق